← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

حلاوة الايمان (١): من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه " (٢) أخرجاه في الصحيحين. وقال أبو القاسم البغوي. حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان بن عمرو السكسكي، ثنا عمرو بن قيس السكوني، ثنا عاصم بن حميد قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: " إنكم لم تروا إلا بلاء وفتنة، ولن يزداد الامر إلا شدة، ولا الأنفس إلا شحا ". وبه قال معاذ: " لن تروا من الأئمة إلا غلظة ولن تروا أمرا يهولكم ويشتد عليكم إلا حضر بعده ما هو أشد منه ". قال البغوي: سمعت أحمد يقول: اللهم رضنا. وروى البيهقي: عن الربيع قال: بعثني الشافعي بكتاب من مصر إلى أحمد بن حنبل، فأتيته وقد انفتل من صلاة الفجر فدفعت إليه الكتاب فقال: أقرأته؟ فقلت: لا! فأخذه فقرأه فدمعت عيناه، فقلت: يا أبا عبد الله وما فيه؟ فقال: يذكر أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام فقال: اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأقرأ عليه مني السلام وقل له: إنك ستمتحن وتدعى إلى القول بخلق القرآن فلا تجبهم، يرفع الله لك علما إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت حلاوة البشارة، فخلع قميصه الذي يلي جلده فأعطانيه، فلما رجعت إلى الشافعي أخبرته قال: إني لست أفجعك فيه، ولكن بله بالماء وأعطينيه حتى أتبرك به. ملخص الفتنة والمحنة من كلام أئمة السنة قد ذكرنا فيما تقدم أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله . قال البيهقي: ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف ومنهاجهم، فلما ولي هو الخلافة اجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك وزينوا له، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين. فلما وصل الكتاب كما ذكرنا استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين: واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجنديسابوري، فحملا على بعير وسيرا إلى الخليفة عن أمره بذلك، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد فلما كانا ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الاعراب من عبادهم يقال له جابر بن عامر، فسلم على الإمام أحمد

стр. 3957

وقال له: يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم، وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميدا. قال أحمد: وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك الذي يدعونني إليه. فلما اقتربا من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول: يعز علي يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفا لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته من رسول الله ﷺ لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف. قال: فجثى الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال: سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته. قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل. قال أحمد: ففرحنا، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة وقد انضم إليه أحمد بن أبي دؤاد، وأن الامر شديد، فردونا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ونالني منهم أذى كثير، وكان في رجليه القيود، ومات صاحبه محمد بن نوح في الطريق وصلى عليه أحمد، فلما رجع أحمد إلى بغداد دخلها في رمضان، فأودع في السجن نحوا من ثمانية وعشرين شهرا، وقيل نيفا وثلاثين شهرا، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم. وقد كان أحمد وهو في السجن هو الذي يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه. ذكر ضربه ﵁ بين يدي المعتصم لما أحضره المعتصم من السجن زاد في قيوده، قال أحمد: فلم أستطع أن أمشي بها فربطتها في التكة وحملتها بيدي، ثم جاؤني بدابة فحملت عليها فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود وليس معي أحد يمسكني، فسلم الله حتى جئنا دار المعتصم، فأدخلت في بيت وأغلق علي وليس عندي سراج، فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا إناء فيه ماء فتوضأت منه، ثم قمت ولا أعرف القبلة، فلما أصبحت إذا أنا على القبلة ولله الحمد. ثم دعيت فأدخلت على المعتصم، فلما نظر إلي وعنده ابن أبي دؤاد قال: أليس قد زعمتم أنه حدث السن وهذا شيخ مكهل؟ فلما دنوت منه وسلمت قال لي: ادنه، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه ثم قال: اجلس! فجلست وقد أثقلني الحديد، فمكثت ساعة ثم قلت: يا أمير المؤمنين إلى م دعا إليه ابن عمك رسول الله ﷺ ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. قلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله. قال: ثم ذكرت له حديث ابن عباس في وفد عبد القيس (١) ثم

стр. 3958

قلت: فهذا الذي دعا إليه رسول الله ﷺ . قال: ثم تكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه، وذلك أني لم أتفقه كلامه، ثم قال المعتصم: لولا أنك كنت في يد من كان قبلي لم أتعرض إليك، ثم قال: يا عبد الرحمن ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال أحمد: فقلت، الله أكبر، هذا فرج للمسلمين، ثم قال: ناظره يا عبد الرحمن، كلمه. فقال لي عبد الرحمن [بن إسحاق الشافعي] (١): ما تقول في القرآن؟ فلم أجبه، فقال المعتصم: أجبه فقلت: ما تقول في العلم؟ فسكت، فقلت: القرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله، فسكت فقالوا فيما بينهم: يا أمير المؤمنين كفرك وكفرنا، فلم يلتفت إلى ذلك، فقال عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن، فقلت: كان الله ولا علم؟ فسكت. فجعلوا يتكلمون من ههنا وههنا، فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به، فقال: ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا بهذا وهذا؟ فقلت: وهل يقوم الاسلام إلا بهما. وجرت مناظرات طويلة، واحتجوا عليه بقوله (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) [الأنبياء: ٢] وبقوله (الله خالق كل شئ) [الرعد: ١٦] وأجاب بما حاصله أنه عام مخصوص بقوله (تدمر كل شئ بأمر ربها) [الأحقاف: ٢٥] فقال ابن أبي دؤاد: هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع، وهنا قضاتك والفقهاء فسلهم، فقال لهم: ما تقولون؟ فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دؤاد، ثم أحضروه في اليوم الثاني وناظروه أيضا ثم في اليوم الثالث، وفي ذلك كله يعلو صوته عليهم، وتغلب حجته حججهم. قال: فإذا سكتوا فتح الكلام عليهم ابن أبي دؤاد، وكان من أجهلهم بالعلم والكلام، وقد تنوعت بهم المسائل في المجادلة ولا علم لهم بالنقل، فجعلوا ينكرون الآثار ويردون الاحتجاج بها، وسمعت منهم مقالات لم أكن أظن أن أحدا يقولها، وقد تكلم معي ابن غوث (٢) بكلام طويل ذكر فيه الجسم وغيره بما لا فائدة فيه، فقلت: لا أدري ما تقول، إلا أني أعلم أن الله أحد صمد، ليس كمثله شئ، فسكت عني. وقد أوردت لهم حديث الرؤية في الدار الآخرة فحاولوا أن يضعفوا إسناده ويلفقوا عن بعض المحدثين كاملا يتسلقون به إلى الطعن فيه، وهيهات، وأنى لهم التناوش من كان بعيد؟ وفي غبون ذلك كله يتلطف به الخليفة ويقول: يا أحمد أجبني إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي وممن يطأ بساطي. فأقول: يا أمير المؤمنين يأتوني بآية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله ﷺ حتى أجيبهم إليها. واحتج أحمد عليهم حين أنكروا الآثار بقوله تعالى (يا أبة لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا) [مريم: ٤٢] وبقوله: (وكلم الله موسى تكليما) [النساء: ١٦٣] وبقوله (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) [طه: ١٤] وبقوله: (إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) [النحل: ٤٠] ونحو ذلك من الآيات. فلما لم يقم لهم معه حجة عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة، فقالوا: يا أمير

стр. 3959

المؤمنين هذا كافر ضال مضل. وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد: يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين، فعند ذلك حمي واشتد غضبه، وكان ألينهم عريكة، وهو يظن أنهم على شئ. قال أحمد فعند ذلك قال لي: لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال: خذوه واخلعوه واسحبوه. قال أحمد: فأخذت وسحبت وخلعت وجئ بالعاقبين والسياط وأنا أنظر، وكان معي شعرات من شعر النبي ﷺ مصرورة في ثوبي، فجردوني منه وصرت بين العقابين، فقلت: يا أمير المؤمنين الله الله، إن رسول الله ﷺ قال: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث " (١) وتلوت الحديث، وأن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم " (٢): فبم تستحل دمي ولم آت شيئا من هذا؟ يا أمير المؤمنين أذكر وقوفك بين الله كوقوفي بين يديك، فكأنه أمسك. ثم لم يزالوا يقولون له: يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل كافر، فأمر بي فقمت بين العقابين وجئ بكرسي فأقمت عليه وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم، فتخلعت يداي وجئ بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له - يعني المعتصم -: شد قطع الله يديك، ويجئ الآخر فيضربني سوطين ثم الآخر كذلك، فضربوني أسواطا فأغمي علي وذهب عقلي مرارا، فإذا سكن الضرب يعود علي عقلي، وقام المعتصم إلي (٣) يدعوني إلى قولهم فلم أجبه، وجعلوا يقولون: ويحك! الخليفة على رأسك، فلم أقبل وأعادوا الضرب ثم عاد إلي فلم أجبه، فأعادوا الضرب ثم جاء إلي الثالثة، فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب وأرعبه ذلك من أمري وأمر بي فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجلي، وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين، ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله، وكان جملة ما ضرب نيفا وثلاثين سوطا، وقيل ثمانين سوطا، ولكن كان ضربا مبرحا شديدا جدا (٤). وقد كان الإمام أحمد رجلا رقيقا أسمر اللون كثير التواضع ﵀. ولما حمل من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائم، أتوه بسويق ليفطر من الضعف فامتنع من ذلك وأتم صومه، وحين حضرت صلاة الظهر صلى معهم فقال له ابن سماعة القاضي وصليت في دمك! فقال له أحمد: قد صلى عمر وجرحه يثعب دما، فسكت. ويروى أنه لما أقيم

стр. 3960

ليضرب انقطعت تكة سراويله فخشي أن يسقط سراويله فتكشف عورته فحرك شفتيه فدعا لله فعاد سراويله كما كان، ويروى أنه قال: يا غياث المستغيثين، يا إله العالمين، إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة. ولما رجع إلى منزله جاءه الجرايحي فقطع لحما ميتا من جسده وجعل يداويه والنائب في كل وقت يسأل عنه، وذلك أن المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندما كثيرا، وجعل يسأل النائب عنه والنائب يستعلم خبره، فلما عوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك، ولما شفاه الله بالعافية بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد، وجعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى (وليعفوا وليصفحوا) الآية [النور: ٢٢]. ويقول: ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك؟ وقد قال تعالى (فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) [الشورى: ٤٠] وينادي المنادي يوم القيامة: " ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا " وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه الله) (١). وكان الذين ثبتوا على الفتنة فلم يجيبوا بالكلية أربعة (٢): أحمد بن حنبل وهو رئيسهم، ومحمد بن نوح بن ميمون الجنديسابوري، ومات في الطريق. ونعيم بن حماد الخزاعي، وقد مات في السجن، وأبو يعقوب البويطي وقد مات في سجن الواثق على القول بخلق القرآن. وكان مثقلا بالحديد. وأحمد بن نصر الخزاعي وقد ذكرنا كيفية مقتله. ثناء الأئمة على الإمام أحمد بن حنبل قال البخاري: لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة. وقال إسماعيل بن الخليل: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان نبيا. وقال المزني: أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم الجمل وصفين. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من العراق فما تركت رجلا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل. وقال شيخ أحمد يحيى بن سعيد القطان: ما قدم على بغداد أحد أحب إلي من أحمد بن حنبل. وقال قتيبة: مات سفيان الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع. وقال: إن أحمد بن حنبل قام في

стр. 3961

الأمة مقام النبوة. قال البيهقي - يعني في صبره على ما أصابه من الأذى في ذات الله - وقال أبو عمر بن النحاس - وذكر أحمد يوما - فقال ﵀: في الدين ما كان أبصره، وعن الدنيا ما كان أصبره، وفي الزهد ما كان أخبره، وبالصالحين ما كان ألحقه، وبالماضين ما كان أشبهه، عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها. وقال بشر الحافي بعد ما ضرب أحمد بن حنبل: أدخل أحمد الكير فخرج ذهبا أحمر. وقال الميموني: قال لي علي بن المديني بعد ما امتحن أحمد وقيل قبل أن يمتحن: يا ميمون ما قام أحد في الاسلام ما قام أحمد بن حنبل. فعجبت من هذا عجبا شديدا وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام فحكيت له مقالة علي بن المديني فقال: صدق، إن أبا بكر وجد يوم الردة أنصارا وأعوانا، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان. ثم أخذ أبو عبيد يطري أحمد ويقول: لست أعلم في الاسلام مثله. وقال إسحاق بن راهويه: أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه. وقال علي بن المديني: إذا ابتليت بشئ فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان. وقال أيضا: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله ، ثم قال: ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله؟ وقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط: كان محدثا، وكان حافظا، وكان عالما، وكان ورعا، وكان زاهدا، وكان عاقلا. وقال يحيى بن معين أيضا: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله ولا نطيق سلوك طريقه. وقال الذهلي: اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله. وقال هلال بن العلاء (١) الرقي: من الله على هذه الأمة بأربعة: بالشافعي فهم الأحاديث وفسرها، وبين مجملها من مفصلها، والخاص والعام والناسخ والمنسوخ. وبأبي عبيد بين غريبها. وبيحيى بن معين نفى الكذب عن الأحاديث، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة لولا هؤلاء الأربعة لهلك الناس، وقال أبو بكر بن أبي داود: أحمد بن حنبل مقدم على كل من يحمل بيده قلما ومحبرة - يعني في عصره - وقال أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل ولا رأيت من رأى مثله. وقال أبو زرعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه. وروى البيهقي عن الحاكم عن يحيى بن محمد العنبري قال: أنشدنا أبو عبد الله البوسندي في أحمد بن حنبل ﵀: إن ابن حنبل إن سألت إمامنا … وبه الأئمة في الأنام تمسكوا خلف النبي محمدا بعد الألى … خلفوا الخلائف بعده واستهلكوا حذو الشراك على الشراك وإنما … يحذو المثال مثاله المستمسك وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " (٢). وروى البيهقي عن أبي سعيد

стр. 3962

الماليني، عن ابن عدي، عن أبي القاسم البغوي، عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن بقية بن الوليد، عن معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ح. قال البغوي: وحدثني زياد بن أيوب، حدثنا مبشر، عن معاذ عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ح. قال البغوي قال: قال رسول الله ﷺ : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين " وهذا الحديث مرسل وإسناده فيه ضعف. والعجب أن ابن عبد البر صححه واحتج به على عدالة كل من حمل العلم، والإمام أحمد من أئمة أهل العلم ﵀ وأكرم مثواه. ما كان من أمر الإمام أحمد بعد المحنة حين خرج من دار الخلافة صار إلى منزله فدووي حتى برأ ولله الحمد، ولزم منزله فلا يخرج منه إلى جمعة ولا جماعة، وامتنع من التحديث، وكانت غلته من ملك له في كل شهر سبعة عشر درهما ينفقها على عياله ويتقنع بذلك ﵀ صابرا محتسبا. ولم يزل كذلك مدة خلافة المعتصم، وكذلك في أيام ابنه محمد الواثق (١)، فلما ولي المتوكل على الله الخلافة استبشر الناس بولايته، فإنه كان محبا للسنة وأهلها، ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن، ثم كتب إلى نائبه ببغداد - وهو إسحاق بن إبراهيم - أن يبعث بأحمد بن حنبل إليه، فاستدعى إسحاق بالامام أحمد إليه فأكرمه وعظمه، لما يعلم من إعظام الخليفة له وإجلاله إياه، وسأله فيما بينه وبينه عن القرآن فقال له أحمد: سؤالك هذا سؤال تعنت أو استرشاد. فقال: بل سؤال استرشاد. فقال: هو كلام الله منزل غير مخلوق، فسكن إلى قوله في ذلك، ثم جهزه إلى الخليفة إلى سر من رأى ثم سبقه إليه. وبلغه أن أحمد اجتاز بابنه محمد بن إسحاق فلم يأته ولم يسلم عليه، فغضب إسحاق بن إبراهيم من ذلك وشكاه إلى الخليفة فقال المتوكل: يرد وإن كان قد وطئ بساطي، فرجع الإمام أحمد من الطريق إلى بغداد. وقد كان الإمام أحمد كارها لمجيئه إليهم ولكن لم يهن ذلك على كثير من الناس وإنما كان رجوعه عن قول إسحاق بن إبراهيم الذي كان هو السبب في ضربه. ثم إن رجلا من المبتدعة يقال له ابن البلخي وشى إلى الخليفة شيئا فقال: إن رجلا من العلويين قد أوى إلى منزل أحمد بن حنبل وهو يبايع له الناس في الباطن. فأمر الخليفة نائب بغداد أن يكبس منزل أحمد من الليل. فلم يعشروا إلا والمشاعل قد أحاطت بالدار من كل جانب حتى من فوق الأسطحة، فوجدوا الإمام أحمد جالسا في داره مع عياله فسألوه عما ذكر عنه فقال: ليس عندي من هذا علم، وليس من

стр. 3963

هذا شئ ولا هذا من نيتي، وإني لأرى طاعة أمير المؤمنين في السر والعلانية، وفي عسري ويسري ومنشطي ومكرهي، وأثره علي، وإني لأدعو الله بالتسديد والتوفيق، في الليل والنهار، في كلام كثير. ففتشوا منزله حتى مكان الكتب وبيوت النساء والأسطحة وغيرها فلم يروا شيئا. فلما بلغ المتوكل ذلك وعلم براءته مما نسب إليه علم أنهم يكذبون عليه كثيرا، فبعث إليه يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة - وهو أحد الحجبة - بعشرة آلاف درهم من الخليفة، وقال: هو يقرأ عليك السلام ويقول: استنفق هذه، فامتنع من قبولها. فقال: يا أبا عبد الله إني أخشى من ردك إياها أن يقع وحشة بينك وبينه، والمصلحة لك قبولها، فوضعها عنده ثم ذهب فلما كان من آخر الليل استدعى أحمد أهله وبني عمه وعياله وقال: لم أنم هذه الليلة من هذا المال، فجلسوا وكتبوا أسماء جماعة من المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم من أهل بغداد والبصرة، ثم أصبح ففرقها في الناس ما بين الخمسين إلى المائة والمائتين، فلم يبق منها درهما، وأعطى منها لأبي أيوب وأبي سعيد الأشج، وتصدق بالكيس الذي كانت فيه، ولم يعط منها لأهله شيئا وهم في غاية الفقر والجهد، وجاء بنو ابنه فقال: أعطني درهما. فنظر أحمد إلى ابنه صالح فتناول صالح قطعة فأعطاها الصبي فسكت أحمد. وبلغ الخليفة أنه تصدق بالجائزة كلها حتى كيسها، فقال علي بن الجهم: يا أمير المؤمنين إنه قد قبلها منك وتصدق بها عنك، وماذا يصنع أحمد بالمال؟ إنما يكفيه رغيف. فقال: صدقت. فلما مات إسحاق بن إبراهيم وابنه محمد ولم يكن بينهما إلا القريب، وتولى نيابة بغداد عبد الله بن إسحاق، كتب المتوكل إليه أن يحمل إليه الإمام أحمد، فقال لأحمد في ذلك فقال: إني شيخ كبير وضعيف، فرد الجواب على الخليفة بذلك، فأرسل يعزم عليه لتأتيني، وكتب إلى أحمد: إني أحب أن آنس بقربك وبالنظر إليك، ويحصل لي بركة دعائك. فسار إليه الإمام أحمد - وهو عليل - في بنيه وبعض أهله، فلما قارب العسكر تلقاه وصيف الخادم في موكب عظيم، فسلم وصيف على الإمام أحمد فرد السلام وقال له وصيف: قد أمكنك الله من عدوك ابن أبي دؤاد. فلم يرد عليه جوابا، وجعل ابنه يدعو الله للخليفة ولوصيف. فلما وصلوا إلى العسكر بسر من رأى، أنزل أحمد في دار إيتاخ، فلما علم بذلك ارتحل منها وأمر أن يستكري له دار غيرها. وكان رؤوس الأمراء في كل يوم يحضرون عنده ويبلغونه عن الخليفة السلام، ولا يدخلون عليه حتى يقلعون ما عليهم من الزينة والسلاح. وبعث إليه الخليفة بالمفارش الوطيئة وغيرها من الآلات التي تليق بتلك الدار العظيمة، وأراد منه الخليفة أن يقيم هناك ليحدث الناس عوضا عما فاتهم منه في أيام المحنة وما بعدها من السنين المتطاولة، فاعتذر إليه بأنه عليل وأسنانه تتحرك وهو ضعيف وكان الخليفة يبعث إليه في كل يوم مائدة فهيا ألوان الأطعمة والفاكهة والثلج، مما يقاوم مائة وعشرين درهما في كل يوم، والخليفة يحسب أن يأكل من ذلك، ولم يكن أحمد يأكل شيئا من ذلك بالكلية، بل كان صائما يطوي، فمكث ثمانية أيام لم يستطعم بطعام، ومع ذلك هو مريض، ثم أقسم عليه ولده حتى شرب قليلا من السويق بعد ثمانية أيام. وجاء عبيد الله بن يحيى بن خاقان بمال جزيل من الخليفة جائزة له فامتنع من قبوله، فألح عليه الأمير فلم يقبل.

стр. 3964

فأخذها الأمير ففرقها على بنيه وأهله، وقال: إنه لا يمكن ردها على الخليفة. وكتب الخليفة لأهله وأولاده في كل شهر بأربعة آلاف درهم، فمانع أبو عبد الله الخليفة، فقال الخليفة: لا بد من ذلك، وما هذا إلا لولدك. فأمسك أبو عبد الله عن ممانعته ثم أخذ يلوم أهله وعمه، وقال لهم: إنما بقي لنا أيام قلائل، وكأننا قد نزل بنا الموت، فإما إلى جنة وإما إلى نار، فنخرج من الدنيا وبطوننا قد أخذت من مال هؤلاء. في كلام طويل يعظهم به. فاحتجوا عليه بالحديث الصحيح " ما جاءك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه ". وأن ابن عمر وابن عباس قبلا جوائز السلطان. فقال: وما هذا وذاك سواء، ولو أعلم أن هذا المال أخذ من حقه وليس بظلم ولا جور لم أبال. ولما استمر ضعفه جعل المتوكل يبعث إليه بابن ماسويه المتطبب لينظر في مرضه، فرجع إليه فقال: يا أمير المؤمنين إن أحمد ليس به علة في بدنه، وإنما علته من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة. فسكت المتوكل ثم سألت أم الخليفة منه أن ترى الإمام أحمد، فبعث المتوكل إليه يسأله أن يجتمع بابنه المعتز ويدعو له، وليكن في حجره. فتمنع من ذلك ثم أجاب إليه رجاء أن يعجل برجوعه إلى أهله ببغداد. وبعث الخليفة إليه بخلعة سنية ومركوب من مراكبه، فامتنع من ركوبه لأنه عليه ميثرة نمور، فجئ ببغل لبعض التجار فركبه وجاء إلى مجلس المعتز، وقد جلس الخليفة وأمه في ناحية في ذلك المجلس، من وراء ستر رقيق. فلما جاء أحمد قال: سلام عليكم. وجلس ولم يسلم عليه بالامرة، فقالت أم الخليفة: الله الله يا بني في هذا الرجل ترده إلى أهله، فإن هذا ليس ممن يريد ما أنتم فيه. وحين رأى المتوكل أحمد قال لامه: يا أمه قد تأنست الدار. وجاء الخادم ومعه خلعة سنية مبطنة وثوب وقلنسوة وطيلسان، فألبسها أحمد بيده، وأحمد لا يتحرك بالكلية. قال الإمام أحمد: ولما جلست إلى المعتز قال مؤدبه: أصلح الله الأمير هذا الذي أمر الخليفة أن يكون مؤدبك. فقال: إن علمني شيئا تعلمته، قال أحمد: فتعجبت من ذكائه في صغره لأنه كان صغيرا جدا فخرج أحمد عنهم وهو يستغفر الله ويستعيذ بالله من مقته وغضبه. ثم بعد أيام أذن له الخليفة بالانصراف وهيأ له حزاقة فلم يقبل أن ينحدر فيها، بل ركب في زورق فدخل بغداد مختفيا، وأمر أن تباع تلك الخلعة وأن يتصدق بثمنها على الفقراء والمساكين. وجعل أياما يتألم من اجتماعه بهم ويقول: سلمت منهم طول عمري ثم ابتليت بهم في آخره. وكان قد جاع عندهم جوعا عظيما كثيرا حتى كاد أن يقتله الجوع. وقد قال بعض الأمراء للمتوكل: إن أحمد لا يأكل لك طعاما، ولا يشرب لك شرابا، ولا يجلس على فرشك، ويحرم ما تشربه. فقال: والله لو نشر المعتصم وكلمني في أحمد ما قبلت منه. وجعلت رسل الخليفة تفد إليه في كل يوم تستعلم أخباره وكيف حاله. وجعل يستفتيه في أموال ابن أبي دؤاد فلا يجيب بشئ، ثم إن المتوكل أخرج ابن أبي دؤاد من سر من رأى إلى بغداد بعد أن أشهد عليه نفسه ببيع ضياعه وأملاكه وأخذ أمواله كلها. قال عبد الله بن أحمد: وحين رجع أبي من سامرا وجدنا عينيه قد دخلتا في موقيه، وما رجعت إليه نفسه إلا بعد ستة

стр. 3965

أشهر، وامتنع أن يدخل بيت قرابته أو يدخل بيتا هم فيه أو ينتفع بشئ مما هم فيه لأجل قبولهم أموال السلطان. وكان مسير أحمد إلى المتوكل في سنة سبع وثلاثين ومائتين، ثم مكث إلى سنة وفاته وكل يوم إلا ويسأل عنه المتوكل ويوفد إليه في أمور يشاوره فيها، ويستشيره في أشياء تقع له. ولما قدم المتوكل بغداد بعث إليه ابن خاقان ومعه ألف دينار ليفرقها على من يرى، فامتنع من قبولها وتفرقتها، وقال: إن أمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره فردها. وكتب رجل رقعة إلى المتوكل يقول: يا أمير المؤمنين إن أحمد يشتم آباءك ويرميهم بالزندقة. فكتب فيها المتوكل: أما المأمون فإنه خلط فسلط الناس على نفسه، وأما أبي المعتصم فإنه كان رجل حرب ولم يكن له بصر بالكلام، وأما أخي الواثق فإنه استحق ما قيل فيه. ثم أمر أن يضرب الرجل الذي رفع إليه الرقعة مائتي سوط، فأخذه عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم فضربه خمسمائة سوط. فقال له الخليفة: لم ضربته خمسمائة سوط؟ فقال: مائتين لطاعتك ومائتين لطاعة الله، ومائة لكونه قذف هذا الشيخ الرجل الصالح أحمد بن حنبل. وقد كتب الخليفة إلى أحمد يسأله عن القول في القرآن سؤال استرشاد واستفادة لا سؤال تعنت ولا امتحان ولا عناد. فكتب إليه أحمد ﵀ رسالة حسنة فيها آثار عن الصحابة وغيرهم، وأحاديث مرفوعة. وقد أوردها ابنه صالح في المحنة التي ساقها، وهي مروية عنه، وقد نقلها غير واحد من الحفاظ. وفاة الإمام أحمد بن حنبل قال ابنه صالح: كان مرضه في أول شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، ودخلت عليه يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول وهو محموم يتنفس الصعداء وهو ضعيف، فقلت: يا أبت ما كان غداؤك؟ فقال: ماء الباقلا. ثم إن صالحا ذكر كثرة مجئ الناس من الأكابر وعموم الناس لعيادته وكثرة حرج الناس عليه، وكان معه خريقة فيها قطيعات ينفق على نفسه منها، وقد أمر ولده عبد الله أن يطالب سكان ملكه وأن يكفر عنه كفارة يمين، فأخذ شيئا من الأجرة فاشترى تمرا وكفر عن أبيه، وفضل من ذلك ثلاثة دراهم. وكتب الإمام أحمد وصيته: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله في العابدين، وأن يحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وأوصي أني قد رضيت الله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا، وأوصي لعبد لله بن محمد المعروف ببوران (١) علي نحوا من خمسين دينارا وهو مصدق فيها فيقضي

стр. 3966

ماله علي من غلة الدار إن شاء الله، فإذا استوفى أعطى ولد صالح كل ذكر وأنثى عشرة دراهم (١). ثم استدعى بالصبيان من ورثته فجعل يدعو لهم، وكان قد ولد له صبي قبل موته بخمسين يوما فسماه سعيدا، وكان له ولد آخر اسمه محمد قد مشى حين مرض فدعاه فالتزمه وقبله ثم قال: ما كنت أصنع بالولد على كبر السن؟ فقيل له: ذرية تكون بعدك يدعون لك. قال وذاك إن حصل. وجعل يحمد الله تعالى. وقد بلغه في مرضه عن طاوس أنه كان يكره أنين المريض فترك الأنين فلم يئن حتى كانت الليلة التي توفي في صبيحتها أن، وكانت ليلة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من هذه السنة، فأن حين اشتد به الوجع. وقد روي عن ابنه عبد الله ويروى عن صالح أيضا أنه قال: حين احتضر أبي جعل يكثر أن يقول: لا بعد، لا بعد، فقلت: يا أبة ما هذه اللفظة التي تلهج بها في هذه الساعة؟ فقال: يا بني إن إبليس واقف في زاوية البيت وهو عاض على إصبعه وهو يقول: فتني يا أحمد؟ فأقول لا بعد لا بعد - يعني لا يفوته حتى تخرج نفسه من جسده على التوحيد - كما جاء في بعض الأحاديث قال إبليس: يا رب وعزتك وجلالك ما أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله: وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني. وأحسن ما كان من أمره أنه أشار إلى أهله أن يوضؤه فجعلوا يوضؤنه وهو يشير إليهم أن خللوا أصابعي وهو يذكر الله في جميع ذلك، فلما أكملوا وضوءه توفي ﵀ ورضي عنه. وقد كانت وفاته يوم الجمعة حين مضى منه نحو من ساعتين (٢)، فاجتمع الناس في الشوارع وبعث محمد بن طاهر حاجبه ومعه غلمان ومعهم مناديل فيها أكفان، وأرسل يقول: هذا نيابة عن الخليفة، فإنه لو كان حاضرا لبعث بهذا. فأرسل أولاده يقولون: إن أمير المؤمنين كان قد أعفاه في حياته مما يكره وأبوا أن يكفنوه بتلك الأكفان، وأتي بثوب كان قد غزلته جاريته فكفنوه واشتروا معه عوز لفافة وحنوطا، واشتروا له راوية ماء وامتنعوا أن يغسلوه بماء بيوتهم، لأنه كان قد هجر بيوتهم فلا يأكل منها ولا يستعير من أمتعتهم شيئا، وكان لا يزال متغضبا عليهم لأنهم كانوا يتناولون ما رتب لهم على بيت المال، وهو في كل شهر أربعة آلاف درهم وكان لهم عيال كثيرة وهم فقراء. وحضر غسله نحو من مائة من بيت الخلافة من بني هاشم، فجعلوا يقبلون بين عينيه ويدعون له ويترحمون عليه ﵀. وخرج الناس بنعشه والخلائق حوله من الرجال والنساء ما لم يعلم عددهم إلا الله، ونائب البلد محمد بن عبد الله بن طاهر واقف في جملة الناس، ثم تقدم فعزى أولاد الإمام أحمد فيه، وكان هو الذي أم الناس في الصلاة عليه، وقد أعاد جماعة الصلاة عليه عند القبر وعلى القبر بعد أن دفن من أجل ذلك، ولم يستقر في قبره ﵀ إلا بعد صلاة العصر وذلك لكثرة الخلق.

стр. 3967

وقد روى البيهقي وغير واحد أن الأمير محمد بن طاهر أمر بحزر الناس فوجدوا ألف ألف وثلاثمائة ألف، وفي رواية وسبعمائة ألف سوى من كان في السفن. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف الناس فيه حيث صلوا على الإمام أحمد بن حنبل فبلغ مقاسه ألفي (١) ألف وخمسمائة ألف. قال البيهقي عن الحاكم سمعت أبا بكر أحمد بن كامل القاضي يقول: سمعت محمد بن يحيى الزنجاني، سمعت عبد الوهاب الوراق يقول: ما بلغنا أن جمعا في الجاهلية ولا في الاسلام اجتمعوا في جنازة أكثر من الجمع الذي اجتمع على جنازة أحمد بن حنبل. فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سمعت أبي يقول حدثني محمد بن العباس (٢) المكي سمعت الوركاني - جار أحمد بن حنبل - قال: أسلم يوم مات أحمد عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس، وفي بعض النسخ أسلم عشرة آلاف بدل عشرين ألفا فالله أعلم. وقال الدارقطني: سمعت أبا سهل بن زياد سمعت عبد الله بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز حين تمر. وقد صدق الله قول أحمد في هذا، فإنه كان إمام السنة في زمانه، وعيون مخالفيه أحمد بن أبي دؤاد وهو قاضي قضاة الدنيا لم يحتفل أحد بموته، ولم يتلفت إليه. ولما مات ما شيعه إلا قليل من أعوان السلطان. وكذلك الحارث بن أسد المحاسبي مع زهده وورعه وتنقيره ومحاسبته نفسه في خطراته وحركاته، لم يصل عليه إلا ثلاثة أو أربعة من الناس. وكذلك بشر بن غياث المريسي لم يصل عليه إلا طائفة يسيرة جدا، فلله الامر من قبل ومن بعد. وقد روى البيهقي: عن حجاج بن محمد الشاعر أنه قال: ما كنت أحب أن أقتل في سبيل الله ولم أصل على الإمام أحمد وروي عن رجل من أهل العلم أنه قال يوم دفن أحمد: دفن اليوم سادس خمسة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز وأحمد. وكان عمره يوم مات سبعا وسبعين سنة وأياما أقل من شهر رحمه الله تعالى. ذكر ما رئي له من المنامات وقد صح في الحديث: " لم يبق من النبوة إلا المبشرات) (٣). وفي رواية " إلا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له ". وروى البيهقي عن الحاكم سمعت علي بن حمشاد سمعت جعفر بن محمد بن الحسين، سمعت سلمة بن شبيب يقول: كنا عند أحمد بن حنبل وجاءه شيخ ومعه عكازة فسلم

стр. 3968

وجلس فقال: من منكم أحمد بن حنبل؟ فقال أحمد: أنا ما حاجتك؟ فقال ضربت إليك من أربعمائة فرسخ، أريت الخضر في المنام فقال لي: سر إلى أحمد بن حنبل وسل عنه وقل له: إن ساكن العرش والملائكة راضون بما صبرت نفسك لله . وعن أبي عبد الله محمد بن خزيمة الإسكندراني. قال: لما مات أحمد بن حنبل اغتممت غما شديدا فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته فقلت له: يا أبا عبد الله أي مشية هذه؟ فقال: مشية الخدام في دار السلام. فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وتوجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال لي: يا أحمد هذا بقولك القرآن كلامي، ثم قال لي: يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان الثوري وكنت تدعو بهن في دار الدنيا، فقلت: يا رب كل شئ، بقدرتك على كل شئ اغفر لي كل شئ حتى لا تسألني عن شئ. فقال لي: يا أحمد هذه الجنة قم فأدخلها. فدخلت فإذا أنا بسفيان الثوري وله جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة، ومن شجرة إلى شجرة، وهو يقول (الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العالمين) [الزمر: ٧٤]. قال فقلت له: ما فعل بشر الحافي؟ فقال بخ بخ، ومن مثل بشر؟ تركته بين يدي الجليل وبين يديه مائدة من الطعام والجليل مقبل عليه وهو يقول: كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب، وانعم يا من لم ينعم، أو كما قال. وقال أبو محمد بن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم بن وارة قال: لما مات أبو زرعة رأيته في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال قال الجبار: ألحقوه بأبي عبد الله وأبي عبد الله وأبي عبد الله، مالك والشافعي وأحمد بن حنبل. وقال أحمد بن خرزاد الأنطاكي: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت وقد برز الرب ﷻ ، لفصل القضاء، وكأن مناديا ينادي من تحت العرش: أدخلوا أبا عبد الله وأبا عبد الله وأبا عبد الله وأبا عبد الله الجنة. قال فقلت لملك إلى جنبي: من هؤلاء؟ فقال: مالك، والثوري، والشافعي وأحمد بن حنبل. وروى أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن أيوب المقدسي قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم وهو نائم وعليه ثوب مغطى به وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين يذبان عنه. وقد تقدم في ترجمة أحمد بن أبي دؤاد عن يحيى الجلاء أنه رأى كأن أحمد بن حنبل في حلقة بالمسجد الجامع وأحمد بن أبي دؤاد في حلقة أخرى وكأن رسول الله ﷺ واقف بين الحلقتين وهو يتلو هذه الآية (فإن يكفر بها هؤلاء) [الانعام: ٨٩] ويشير إلى حلقة ابن أبي دؤاد (فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) [الانعام: ٨٩] ويشير إلى أحمد بن حنبل وأصحابه. ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين ومائتين فيها كانت زلازل هائلة في البلاد، فمنها ما كان بمدينة قومس، تهدمت منها دور كثيرة، ومات من أهلها نحو من خمسة وأربعين ألفا وستة وتسعين نفسا. وكانت باليمن وخراسان وفارس والشام وغيرها من البلاد زلازل منكرة. وفيها أغارت الروم على بلاد الجزيرة فانتهبوا شيئا كثيرا وأسروا نحوا

стр. 3969

من عشرة آلاف من الذراري. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها حج بالناس عبد الصمد بن موسى [بن محمد] بن إبراهيم الامام بن محمد بن علي نائب مكة. وفيها توفي من الأعيان الحسن بن علي بن الجعد قاضي مدينة المنصور. و أبو حسان الزيادي قاضي الشرقية، واسمه الحسن بن عثمان بن حماد بن حسان بن عبد الرحمن بن يزيد البغدادي، سمع الوليد بن مسلم، ووكيع بن الجراح، والواقدي، وخلقا سواهم. وعنه أبو بكر بن أبي الدنيا وعلي بن عبد الله الفرغاني الحافظ المعروف بطفل، وجماعة. ترجمه ابن عساكر في تاريخه. قال: وليس هو من سلالة زياد بن أبيه، إنما تزوج بعض أجداده بأم ولد لزياد، فقيل له الزيادي. ثم أورد من حديثه بسنده عن جابر " الحلال بين والحرام بين " (١) الحديث. وروى عن الخطيب أنه قال: كان من العلماء الأفاضل من أهل المعرفة والثقة والأمانة، ولي قضاء الشرقية في خلافة المتوكل، وله تاريخ على السنين، وله حديث كثير. وقال غيره: كان صالحا دينا قد عمل الكتب، وكانت له معرفة جيده بأيام الناس، وله تاريخ حسن، وكان كريما مفضالا. وقد ذكر ابن عساكر عنه أشياء حسنة، منها أنه أنفذ إليه بعض أصحابه يذكر له أنه قد أصابته ضائقة في عيد من الأعياد، ولم يكن عنده غير مائة دينار، فأرسلها بصرتها إليه، ثم سأل ذلك الرجل صاحب له أيضا وشكا إليه مثلما شكا إلى الزيادي، فأرسل بها الآخر إلى ذلك الآخر. وكتب أبو حسان إلى ذلك الرجل الأخير الذي وصلت إليه أخيرا يستقرض منه شيئا وهو لا يشعر بالامر، فأرسل إليه بالمائة في صرتها، فلما رآها تعجب من أمرها وركب إليه يسأله عن ذلك فذكر أن فلانا أرسلها إليه، فاجتمعوا الثلاثة واقتسموا المائة الدينار ﵏ وجزاهم عن مروءتهم خيرا. وفيها توفي أبو مصعب الزهري أحد رواة الموطأ عن مالك، وعبد الله بن ذكوان أحد القراء المشاهير. ومحمد بن أسلم الطوسي (٢). ومحمد بن رمح (٣). ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي أحد أئمة الجرح والتعديل. والقاضي يحيى بن أكثم.

стр. 3970

ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين في ذي القعدة منها توجه المتوكل على الله من العراق قاصدا مدينة دمشق ليجعلها له دار إقامة ومحلة إمامة فأدركه عيد الأضحى بها، وتأسف أهل العراق على ذهاب الخليفة من بين أظهرهم، فقال في ذلك يزيد بن محمد المهلبي: أظن الشام تشمت بالعراق … إذا عزم الامام على انطلاق فإن يدع العراق وساكنيها … فقد تبلى المليحة بالطلاق وحج بالناس فيها الذي حج بهم في التي قبلها وهو نائب مكة. وفيها توفي من الأعيان كما قال ابن جرير: إبراهيم بن العباس متولي ديوان الضياع. قلت: هو إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الصولي (١) الشاعر الكاتب، وهو عم محمد بن يحيى الصولي، وكان جده صول بكر ملك جرجان وكان أصله منها، ثم تمجس ثم أسلم على يدي يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، ولإبراهيم هذا ديوان شعر ذكره ابن خلكان واستجاد من شعره أشياء منها قوله: ولرب نازلة يضيق بها الفتى … ذرعا وعند الله منها مخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها … فرجت وكنت أظنها (٢) لا تفرج ومنها قوله (٣): كنت السواد لمقلتي … فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت … فعليك كنت أحاذر ومن ذلك ما كتب به إلى وزير المعتصم محمد بن عبد الملك بن الزيات

стр. 3971

وكنت أخي بإخاء الزمان … فلما ثنى (١) صرت حربا عوانا وكنت أذم إليك الزمان … فأصبحت منك (٢) أذم الزمانا وكنت أعدك للنائبات … فها أنا (٣) أطلب منك الأمانا وله أيضا: لا يمنعنك خفض العيش في دعة … نزوع نفس إلى أهل وأوطان تلقى بكل بلاد إن حللت بها … أهلا بأهل وأوطانا بأوطان (٤) كانت وفاته بمنتصف شعبان من هذه السنة. بسر من رأى. والحسن بن مخلد بن الجراح خليفة إبراهيم في شعبان. قال: ومات هاشم بن فيجور في ذي الحجة. قلت: وفيها توفي أحمد بن سعيد الرباطي (٥). والحارث بن أسد المحاسبي. أحد أئمة الصوفية. وحرملة بن يحيى التجيبي صاحب الشافعي. وعبد الله بن معاوية الجمحي (٦). ومحمد بن عمر العدني (٧) وهارون بن عبد الله الحماني (٨) وهناد بن السري (٩). ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائتين في صفر منها دخل الخليفة المتوكل إلى مدينة دمشق في أبهة الخلافة وكان يوما مشهودا، وكان عازما على الإقامة بها، وأمر بنقل دواوين الملك إليها، وأمر ببناء القصور بها فبنيت بطريق داريا، فأقام بها مدة، ثم إنه استوخمها ورأى أن هواءها بارد ندي وماءها ثقيل بالنسبة إلى هواء العراق ومائة، ورأى الهواء بها يتحرك من بعد الزوال في زمن الصيف، فلا يزال في اشتداد وغبار إلى قريب من ثلث الليل،

стр. 3972

ورأى كثرة البراغيث بها، ودخل عليه فصل الشتاء فرأى من كثرة الأمطار والثلوج أمرا عجيبا، وغلت الأسعار وهو بها لكثرة الخلق الذين معه، وانقطعت الأجلاب بسبب كثرة الأمطار والثلوج، فضجر منها ثم جهز بغا إلى بلاد الروم، ثم رجع من آخر السنة إلى سامرا بعد ما أقام بدمشق شهرين وعشرة أيام، ففرح به أهل بغداد فرحا شديدا. وفيها أتى المتوكل بالحربة التي كانت تحمل بين يدي رسول الله ﷺ ففرح بها فرحا شديدا، وقد كانت تحمل بين يدي رسول الله ﷺ يوم العيد وغيره (١)، وقد كانت للنجاشي فوهبها للزبير بن العوام، فوهبها الزبير للنبي ﷺ ، ثم إن المتوكل أمر صاحب الشرطة أن يحملها بين يديه كما كانت تحمل بين يدي رسول الله ﷺ . وفيها غضب المتوكل على الطبيب بختيشوع ونفاه وأخذ ماله (٢). وحج بالناس فيها عبد الصمد المتقدم ذكره قبلها. واتفق في هذه السنة يوم عيد الأضحى وخميس فطر اليهود وشعانين النصارى وهذا عجيب غريب. وفيها توفي أحمد بن منيع (٣). وإسحاق بن موسى الخطمي (٤). وحميد بن مسعدة (٥). وعبد الحميد بن بيان (٦). وعلي بن حجر (٧). والوزير محمد بن عبد الملك الزيات. ويعقوب بن السكيت صاحب إصلاح المنطق. ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائتين فيها أمر المتوكل ببناء مدينة الماحوزة وحفر نهرها، فيقال إنه أنفق على بنائها وبناء قصر الخلافة بها الذي يقال له " اللؤلؤة " ألفي ألف دينار. وفيها وقعت زلازل كثيرة في بلاد شتى، فمن ذلك بمدينة أنطاكية سقط فيها ألف وخمسمائة دار، وانهدم من سورها نيف وتسعون برجا، وسمعت من كوى دورها أصوات مزعجة جدا فخرجوا من منازلهم سراعا يهرعون، وسقط الجبل الذي إلى جانبها الذي يقال له الأقرع فساخ في البحر، فهاج البحر عند ذلك وارتفع دخان أسود مظلم منتن، وغار نهر على فرسخ منها فلا يدرى أين ذهب. ذكر أبو جعفر بن جرير قال: وسمع فيها أهل تنيس ضجة دائمة

стр. 3973

طويلة مات منها خلق كثير. قال: وزلزلت فيها الرها والرقة وحران ورأس العين وحمص ودمشق وطرسوس والمصيصة، وأذنة وسواحل الشام، ورجفت اللاذقية بأهلها فما بقي منها منزل إلا انهدم، وما بقي من أهلها إلا اليسير، وذهبت جبلة بأهلها. وفيها غازت مشاش - عين - مكة حتى بلغ ثمن القربة بمكة ثمانين درهما. ثم أرسل المتوكل فأنفق عليها مالا جزيلا حتى خرجت. وفيها مات إسحاق بن أبي إسرائيل (١) وسوار بن عبد الله القاضي، وهلال الرازي. وفيها هلك نجاح بن سلمة وقد كان على ديوان التوقيع. وقد كان حظيا عند المتوكل، ثم جرت له حكاية أفضت به إلى أن أخذ المتوكل أمواله وأملاكه وحواصله، وقد أورد قصته ابن جرير مطولة. وفيها توفي أحمد بن عبدة الضبي (٢)، وأبو الحيس القواس مقري مكة، وأحمد بن نصر النيسابوري. وإسحاق بن أبي إسرائيل، وإسماعيل بن موسى بن بنت السدي (٣). وذو النون المصري، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم (٤)، ومحمد بن رافع (٥)، وهشام بن عمار (٦)، وأبو تراب النخشبي (٧). وابن الراوندي الزنديق، وهو أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين بن الراوندي، نسبة إلى قرية ببلاد قاشان ثم نشأ ببغداد، كان بها يصنف الكتب في الزندقة، وكانت لديه فضيلة، ولكنه استعملها فيما يضره ولا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة. وقد ذكرنا له ترجمة مطولة حسب ما ذكرها ابن الجوزي في سنة ثمان وتسعين ومائتين وإنما ذكرناه ههنا لان ابن خلكان ذكر أنه توفي في هذه السنة، وقد تلبس عليه ولم يجرحه بل مدحه فقال: هو أبو الحسين أحمد بن إسحاق الراوندي العالم المشهور، له مقالة في علم الكلام، وكان من الفضلاء في عصره، وله من الكتب المصنفة نحو من مائة وأربعة عشرة كتابا، منها فضيحة المعتزلة، وكتاب التاج، وكتاب الزمردة، وكتاب القصب، وغير ذلك. وله محاسن ومحاضرات مع جماعة من علماء الكلام، وقد انفرد بمذاهب نقلها عنه أهل الكلام

стр. 3974

توفي سنة خمس وأربعين ومائتين، برحبة مالك بن طوق التغلبي، وقيل ببغداد. نقلت ذلك عن ابن خلكان بحروفه وهو غلط. وإنما أرخ ابن الجوزي وفاته في سنة ثمان وتسعين ومائتين كما سيأتي له هناك ترجمة مطولة. ذو النون المصري ثوبان بن إبراهيم، وقيل ابن الفيض بن إبراهيم، أبو الفيض المصري أحد المشايخ المشهورين، وقد ترجمه ابن خلكان في الوفيات، وذكر شيئا من فضائله وأحواله، وأرخ وفاته في هذه السنة، وقيل في التي بعدها، وقيل في سنة ثمان وأربعين ومائتين فالله أعلم. وهو معدود في جملة من روى الموطأ عن مالك. وذكره ابن يونس في تاريخ مصر، قال: كان أبوه نوبيا، وقيل إنه كان من أهل إخميم، وكان حكيما فصيحا، قيل وسئل عن سبب توبته فذكر أنه رأى قبرة عمياء نزلت من وكرها فانشقت لها الأرض عن سكرجتين من ذهب وفضة في إحداهما سمسم وفي الأخرى ماء، فأكلت من هذه وشربت من هذه. وقد شكى عليه مرة إلى المتوكل فأحضره من مصر إلى العراق، فلما دخل عليه وعظه فأبكاه، فرده مكرما. فكان بعد ذلك إذا ذكر عند المتوكل يثني عليه. ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائتين في يوم عاشوراء منها دخل المتوكل الماحوزة فنزل بقصر الخلافة فيها، واستدعى بالقراء ثم بالمطربين وأعطى وأطلق، وكان يوما مشهودا، وفي صفر منها وقع الفداء بين المسلمين والروم، ففدي من المسلمين نحو من أربعة آلاف أسير (١). وفي شعبان منها أمطرت بغداد مطرا عظيما استمر نحوا من أحد وعشرين يوما، ووقع بأرض مطر ماؤه دم عبيط. وفيها حج بالناس محمد بن سليمان الزينبي، وحج فيها من الأعيان محمد بن عبد الله بن طاهر وولي أمر الموسم. وممن توفي فيها من الأعيان أحمد بن إبراهيم الدورقي (٢). والحسين (٣) بن أبي الحسن المروزي. وأبو عمرو الدوري (٤). أحد القراء المشاهير. ومحمد بن مصفى الحمصي (٥).

стр. 3975

و دعبل بن علي ابن رزين بن سليمان الخزاعي، مولاهم الشاعر الماجن البليغ في المدح، وفي الهجاء أكثر. حضر يوما عند سهل بن هارون الكاتب كان بخيلا، فاستدعى بغدائه فإذا ديك في قصعة، وإذا هو قاس لا يقطعه سكين إلا بشدة، ولا يعمل فيه ضرس. فلما حضر بين يديه فقد رأسه فقال للطباخ ويلك، ماذا صنعت؟ أين رأسه، قال: ظننت أنك لا تأكله فألقيته، فقال: ويحك: والله إني لأعيب على من يلقي الرجلين فكيف بالرأس وفيه الحواس الأربع، ومنه يصوت وبه، فضل عينيه وبهما يضرب المثل، وعرفه وبه يتبرك، وعظمه أهني العظام، فإن كنت رغبت عن أكله فأحضره. فقال: لا أدري أين هو؟ فقال: بل أنا أدري، هو في بطنك قاتلك الله. فهجاه بأبيات ذكر فيها بخله ومسكه. أحمد بن أبي الحواري واسمه (١) عبد الله بن ميمون بن عياش بن الحارث أبو الحسن التغلبي الغطفاني، أحد العلماء الزهاد المشهورين، والعباد المذكورين، والأبرار المشكورين، ذوي الأحوال الصالحة، والكرامات الواضحة، أصله من الكوفة وسكن دمشق وتخرج بأبي سليمان الداراني رحمهما الله. وروى الحديث عن سفيان بن عيينة ووكيع وأبي أسامة وخلق. وعنه أبو داود وابن ماجة وأبو حاتم وأبو زرعة الدمشقي، وأبو زرعة الرازي وخلق كثير. وقد ذكره أبو حاتم فأثنى عليه. وقال يحيى بن معين: إني لأظن أن الله يسقي أهل الشام به. وكان الجنيد بن محمد يقول: هو ريحانة الشام. وروى ابن عساكر أن كان قد عاهد أبا سليمان الداراني ألا يغضبه ولا يخالفه، فجاءه يوما وهو يحدث الناس فقال: يا سيدي هذا قد سجروا التنور فماذا تأمر؟ فلم يرد عليه أبو سليمان، لشغله بالناس، ثم أعادها أحمد ثانية، وقال له في الثالثة: اذهب فاقعد فيه. ثم اشتغل أبو سليمان في حديث الناس ثم استفاق فقال لمن حضره: إني قلت لأحمد: اذهب فاقعد في التنور، وإني أحسب أن يكون قد فعل ذلك، فقوموا بنا إليه. فذهبوا فوجدوه جالسا في التنور ولم يحترق منه شئ ولا شعرة واحدة. وروي أيضا أن أحمد بن أبي الحواري أصبح ذات يوم وقد ولد له ولد ولا يملك شيئا يصلح به الولد، فقال لخادمه: اذهب فاستدن لنا وزنة من دقيق، فبينما هو في ذلك إذ جاءه رجل بمائتي درهم فوضعها بين يديه، فدخل عليه رجل في تلك الساعة فقال: يا أحمد إنه قد ولد لي الليلة ولد ولا أملك شيئا، فرفع طرفه إلى السماء وقال: يا مولاي هكذا بالعجلة. ثم قال للرجل: خذ هذه الدراهم، فأعطاه إياها كلها، ولم يبق منها شيئا، واستدان لأهله دقيقا. وروى عنه خادمه أنه خرج للثغر لأجل الرباط

стр. 3976

فما زالت الهدايا تفد إليه من بكرة النهار إلى الزوال، ثم فرقها كلها إلى وقت الغروب ثم قال لي: كن هكذا لا ترد على الله شيئا، ولا تدخر عنه شيئا. ولما جاءت المحنة في زمن المأمون إلى دمشق بخلق القرآن عين فيها أحمد بن أبي الحواري وهشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، وعبد الله بن ذكوان، فكلهم أجابوا إلا ابن أبي الحواري فحبس بدار الحجارة، ثم هدد فأجاب تورية مكرها، ثم أطلق ﵀. وقد قام ليلة بالثغر يكرر هذه الآية (إياك نعبد وإياك نستعين) [الفاتحة: ٥] حتى أصبح. وقد ألقى كتبه في البحر وقال: نعم الدليل كنت لي على الله وإليه، ولكن الاشتغال بالدليل بعد معرفة المدلول عليه والوصول إليه محال. ومن كلامه لا دليل على الله سواه، وإنما يطلب العلم لآداب الخدمة. وقال: من عرف الدنيا زهد فيها، ومن عرف الآخرة رغب فيها، ومن عرف الله آثر رضاه. وقال: من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب لها أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه. وقال: قلت لأبي سليمان في ابتداء أمري: أوصني، فقال: اتستوص أنت؟ فقلت نعم إن شاء الله تعالى. فقال: خالف نفسك في كل مراداتها فإنها الامارة بالسوء، وإياك أن تحقر إخوانك المسلمين، واجعل طاعة الله دثارا، والخوف منه شعارا، والاخلاص له زادا، والصدق حسنة، واقبل مني هذه الكلمة والواحدة ولا تفارقها ولا تغفل عنها: من استحيى من الله في كل أوقاته وأحواله وأفعاله، بلغه الله إلى مقام الأولياء من عباده. قال فجعلت هذه الكلمات أمامي في كل وقت أذكرها وأطالب نفسي بها. والصحيح أنه توفي في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاثين ومائتين، وقيل غير ذلك فالله أعلم. ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين في شوال منها كان مقتل الخليفة المتوكل على الله على يد ولده المنتصر، وكان سبب ذلك أنه أمر ابنه عبد الله المعتز الذي هو ولي العهد من بعده أن يخطب بالناس في يوم جمعة، فأداها أداء عظيما بليغا، فبلغ ذلك من المنتصر كل مبلغ، وحنق على أبيه وأخيه، فأحضره أبوه وأهانه وأمر بضربه في رأسه وصفعه، وصرح بعزله عن ولاية العهد من بعد أخيه، فاشتد أيضا حنقه أكثر مما كان. فلما كان يوم عيد الفطر خطب المتوكل بالناس وعنده بعض ضعف من علة به، ثم عدل إلى خيام قد ضربت له أربعة أميال في مثلها، فنزل هناك ثم استدعى في يوم ثالث شوال بندمائه على عادته في سمره وحضرته وشربه، ثم تمالا ولده المنتصر وجماعة من الأمراء على الفتك به فدخلوا عليه ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال، ويقال من شعبان من هذه السنة، وهو على السماط فابتدروه بالسيوف فقتلوه ثم ولوا بعده ولده المنتصر (١).

стр. 3977

ترجمة المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور العباسي، وأم المتوكل أم ولد يقال لها شجاع، وكانت من سروات النساء سنحا وحزما. كان مولده بفم الصلح سنة سبع ومائتين، وبويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة لسنة ثنتين وثلاثين ومائتين. وقد روى الخطيب من طريقه عن يحيى بن أكثم، عن محمد بن عبد الوهاب، عن سفيان، عن الأعمش، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: " من حرم الرفق حرم الخير " (١). ثم أنشأ المتوكل يقول: الرفق يمن والأناة سعادة … فاستأن في رفق تلاق نجاحا لا خير في حزم بغير روية … والشك وهن إن أردت سراحا وقال ابن عساكر في تاريخه: وحدث عن أبيه المعتصم ويحيى بن أكثم القاضي. وروى عنه علي بن الجهم الشاعر، وهشام بن عمار الدمشقي، وقدم المتوكل دمشق في خلافته وبنى بها قصرا بأرض داريا. وقال يوما لبعضهم: إن الخلفاء تتغضب على الرعية لتطيعها، وإني ألين لهم ليحبوني ويطيعوني. وقال أحمد بن مروان المالكي: ثنا أحمد بن علي البصري قال: وجه المتوكل إلى أحمد بن المعذل وغيره من العلماء فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم إليه إلا أحمد بن المعذل. فقال المتوكل لعبيد الله: إن هذا لا يرى بيعتنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين بلى! ولكن في بصره سوء. فقال أحمد بن المعذل: يا أمير المؤمنين ما في بصري سوء، ولكن نزهتك من عذاب الله. قال النبي ﷺ : " من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار " (٢). فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه. وروى الخطيب أن علي بن الجهم دخل على المتوكل وفي يده درتان يقلبهما فأنشده قصيدته التي يقول فيها: وإذا مررت ببئر عروة فاستقي من مائها فأعطاه التي في يمينه وكانت تساوي مائة ألف. ثم أنشده: بسر من رأى أمير … تغرف من بحره البحار يرجى ويخشى لكل خطب … كأنه جنة ونار الملك فيه وفي بنيه … ما اختلف الليل والنهار

стр. 3978

يداه في الجود ضرتان … عليه كلتاهما تغار لم تأت منه اليمين شيئا … إلا أتت مثله اليسار قال: فأعطاه التي في يساره أيضا. قال الخطيب: وقد رويت هذه الأبيات لعلي بن هارون البحتري في المتوكل. وروى ابن عساكر عن علي بن الجهم قال: وقفت فتحية حظية المتوكل بين يديه وقد كتبت على خدها بالغالية جعفر فتأمل ذلك ثم أنشأ يقول: وكاتبة في الخد بالمسك جعفرا … بنفسي تحط المسك من حيث أثرا لئن أودعت سطرا (١) من المسك خدها … لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا فيا من مناها في السريرة جعفر … سقا الله من سقيا ثناياك جعفرا (٢) ويا من لمملوك بملك يمينه … مطيع له فيما أسر وأظهرا قال ثم أمر المتوكل عربا فغنت به. وقال الفتح بن خاقان: دخلت يوما على المتوكل فإذا هو مطرق مفكر فقلت: يا أمير المؤمنين ما لك مفكر؟ فوالله ما على الأرض أطيب منك عيشا، ولا أنعم منك بالا. قال: بلى أطيب مني عيشا له دار واسعة وزوجة صالحة ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه. وكان المتوكل محببا إلى رعيته قائما في نصرة أهل السنة، وقد شبهه بعضهم بالصديق في قتله أهل الردة، لأنه نصر الحق ورده عليهم حتى رجعوا إلى الدين. وبعمر بن عبد العزيز حين رد مظالم بني أمية. وقد أظهر السنة بعد البدعة، وأخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها فرحمه الله. وقد رآه بعضهم في المنام بعد موته وهو جالس في نور قال فقلت: المتوكل؟ قال: المتوكل. قلت: فما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي. قلت: بماذا؟ قال: بقليل من السنة أحييتها. وروى الخطيب عن صالح بن أحمد أنه رأى في منامه ليلة مات المتوكل كأن رجلا يصعد به إلى السماء وقائلا يقول: ملك يقاد إلى مليك عادل … متفضل في العفو ليس بحائر وروى عن عمرو بن شيبان الحلبي قال: رأيت ليلة المتوكل قائلا يقول: يا نائم العين في أوطان جثمان … أفض دموعك يا عمرو بن شيبان

стр. 3979

أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا … بالهاشمي وبالفتح بن خاقان وافى إلى الله مظلوما فضج له … أهل السماوات من مثنى ووحدان وسوف يأتيكم من بعده فتن … توقعوها لها شأن من الشأن فآبكوا على جعفر وابكوا خليفتكم … فقد بكاه جميع الإنس والجان قال: فلما أصبحت أخبرت الناس برؤياي فجاء نعي المتوكل أنه قد قتل في تلك الليلة، قال ثم رأيته بعد هذا بشهر وهو واقف بين يدي الله فقلت: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لي. قلت بماذا؟ قال: بقليل من السنة أحييتها. قلت فما تصنع ههنا؟ قال: أنتظر ابني محمدا أخاصمه إلى الله الحليم العظيم الكريم. وذكرنا قريبا كيفية مقتله وأنه قتل في ليلة الأربعاء أول الليل لأربع خلت من شوال من هذه السنة - أعني سنة سبع وأربعين ومائتين - بالمتوكلية وهي الماحوزية (١)، وصلي عليه يوم الأربعاء (٢)، ودفن بالجعفرية وله من العمر أربعون سنة، وكانت مدة خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام (٣) .. وكان أسمر حسن العينين نحيف الجسم خفيف العارضين أقرب إلى القصر والله سبحانه أعلم. خلافة محمد المنتصر بن المتوكل قد تقدم أنه تمالا هو وجماعة من الأمراء على قتل أبيه، وحين قتل بويع له بالخلافة في الليل، فلما كان الصباح من يوم الأربعاء رابع شوال أخذت له البيعة من العامة وبعث إلى أخيه المعتز فأحضره إليه فبايعه المعتز، وقد كان المعتز هو ولي العهد من بعد أبيه (٤)، ولكنه أكرهه وخاف فسلم وبايع. فلما أخذت البيعة له كان أول ما تكلم به أنه اتهم الفتح بن خاقان على قتل أبيه، وقتل الفتح أيضا، ثم بعث البيعة له إلى الآفاق (٥). وفي ثاني يوم من خلافته ولى المظالم لأبي عمرة أحمد بن سعيد مولى بني هاشم فقال الشاعر:

стр. 3980

يا ضيعة الاسلام لما ولي … مظالم الناس أبو عمره صير مأمونا على أمة … وليس مأمونا على بعره وكانت البيعة له بالمتوكلية، وهي المأحوزة، فأقام بها عشرة (١) أيام ثم تحول هو وجميع قواده وحشمه منها إلى سامرا. وفيها في ذي الحجة أخرج المنتصر عمه علي بن المعتصم من سامرا إلى بغداد ووكل به. وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبي. وفيها توفي من الأعيان إبراهيم بن سعيد الجوهري (٢). وسفيان بن وكيع بن الجراح، وسلمة بن شبيب (٣). وأبو عثمان المازني النحوي واسمه بكر بن محمد بن عثمان البصري شيخ النحاة في زمانه، أخذه عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه أبو العباس المبرد وأكثر عنه، وللمازني مصنفات كثيرة في هذا الشأن. وكان شبيها بالفقهاء ورعا زاهدا ثقة مأمونا. روى عنه المبرد أن رجلا من أهل الذمة طلب منه أن يقرأ عليه كتاب سيبويه ويعطيه مائة دينار فامتنع من ذلك. فلامه بعض الناس في ذلك فقال: إنما تركت أخذ الأجرة عليه لما فيه من آيات الله تعالى. فاتفق بعد هذا أن جارية غنت بحضرة الواثق: أظلوم إن مصابكم رجلا … رد السلام تحية ظلم فاختلف من بحضرة الواثق في إعراب هذا البيت، وهل يكون رجلا مرفوعا أو منصوبا، وبم نصب؟ أهو اسم أو ماذا؟ وأصرت الجارية على أن المازني حفظها هذا هكذا. قال فأرسل الخليفة إليه، فلما مثل بين يديه قال له: أنت المازني؟ قال: نعم. قال: من مازن تميم أم من مازن ربيعة أم مازن قيس؟ فقلت من مازن ربيعة. فأخذ يكلمني بلغتي، فقال: باسمك؟ وهو يقلبون الباء ميما والميم باء، فكرهت أن أقول مكر فقلت: بكر، فأعجبه إعراضي عن المكر إلى البكر، وعرف ما أردت. فقال: على م انتصب رجلا؟ فقلت: لأنه معمول المصدر بمصابكم فأخذ اليزيدي يعارضه فعلاه المازني بالحجة فأطلق له الخليفة ألف دينار ورده إلى أهله مكرما. فعوضه الله عن المائة الدينار - لما تركها لله سبحانه ولم يمكن الذمي من قراءة الكتاب لأجل ما فيه من القرآن - ألف دينار عشرة أمثالها. روى المبرد عنه قال: أقرأت رجلا كتاب سيبويه إلى آخره، فلما انتهى إلى آخره قال لي: أما أنت أيها الشيخ جزاك الله خيرا، وأما أنا فوالله ما فهمت منه حرفا. توفي المازني في هذه السنة وقيل في سنة ثمان وأربعين.

стр. 3981

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين فيها أغزى المنتصر وصيفا التركي الصائفة لقتال الروم، وذلك أن ملك الروم قصد بلاد الشام، فعند ذلك جهز المنتصر وصيفا وجهز معه نفقات وعددا كثيرة، وأمره إذا فرغ من قتال الروم أن يقيم بالثغر أربع سنين، وكتب له إلى محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق كتابا عظيما فيه آيات كثيرة في التحريض للناس على القتال والترغيب فيه (١). وفي ليلة السبت لسبع (٢) بقين من صفر خلع أبو عبد الله المعتز والمؤيد إبراهيم أنفسهما من الخلافة، وأشهدا عليهما بذلك (٣)، وأنهما عاجزان عن الخلافة، والمسلمين في حل من بيعتهما، وذلك بعد ما تهددهما أخوهما المنتصر وتوعدهما بالقتل إن لم يفعلا ذلك، ومقصوده تولية ابنه عبد الوهاب بإشارة أمراء الأتراك بذلك. وخطب بذلك على رؤوس الاشهاد بحضرة القواد والقضاة وأعيان الناس والعوام، وكتب بذلك إلى الآفاق (٤) ليعلموا بذلك ويخطبوا له بذلك على المنابر، ويتوالى على محال الكتابة، والله غالب على أمره، فأراد أن يسلبهما الملك ويجعله في ولده، والاقدار تكذبه وتخالفه، وذلك أنه لم يستكمل بعد قتل أبيه سوى ستة أشهر، ففي أواخر صفر من هذه السنة عرضت له علة كان فيها حتفه، وقد كان المنتصر رأى في منامه كأنه يصعد سلما فبلغ إلى آخر خمس وعشرين درجة. فقصها على بعض المعبرين فقال: تلي خمسا وعشرين سنة الخلافة، وإذا هي مدة عمره قد استكملها في هذه السنة. وقال بعضهم: دخلنا عليه يوما فإذا هو يبكي وينتحب شديدا، فسأله بعض أصحابه عن بكائه فقال: رأيت أبي المتوكل في منامي هذا وهو يقول: ويلك يا محمد قتلتني وظلمتني وغصبتني خلافتي، والله لا أمتعت بها بعدي إلا أياما يسيرة ثم مصيرك إلى النار. قال: فما أملك عيني ولا جزعي. فقال له أصحابه من الغرارين الذين يغرون الناس ويفتنونهم: هذه رؤيا وهي تصدق وتكذب، قم بنا إلى الشراب ليذهب همك وحزنك. فأمر بالشراب فأحضر وجاء ندماؤه فأخذ في الخمر وهو منكسر الهمة، وما زال كذلك مكسورا حتى مات. وقد اختلفوا في علته التي كان فيها هلاكه، فقيل داء في رأسه فقطر في أذنه دهن فلما وصل إلى دماغه عوجل بالموت، وقيل بل ورمت معدته فانتهى الورم إلى قلبه فمات، وقيل بل أصابته ذبحة فاستمرت به عشرة أيام فمات، وقيل بل فصده الحجام بمفصد مسموم فمات من يومه (٥). قال ابن جرير: أخبرني بعض أصحابنا أن هذا الحجام رجع إلى منزله وهو محموم فدعا تلميذا له حتى يقصده فأخذ مبضع أستاذه ففصده به وهو لا يشعر وأنسى الله سبحانه الحجام فما ذكر حتى رآه قد قصده به

стр. 3982

وتحكم فيه السم، فأوصى عند ذلك ومات من يومه. وذكر ابن جرير أن أم الخليفة دخلت عليه وهو في مرضه الذي مات فيه فقالت له: كيف حالك؟ فقال: ذهبت مني الدنيا والآخرة، ويقال إنه أنشد لما أحيط به وأيس من الحياة: فما فرحت نفسي بدنيا أصبتها (١) … ولكن إلى الرب الكريم أصير فمات يوم الأحد لخمس بقين (٢) من ربيع الآخر من هذه السنة، وقت صلاة العصر، عن خمس وعشرين سنة، قيل وستة أشهر. ولا خلاف أنه إنما مكث بالخلافة ستة أشهر لا أزيد منها. وذكر ابن جرير عن بعض أصحابه أنه لم يزل يسمع الناس يقولون - العامة وغيرهم حين ولي المنتصر - إنه لا يمكث في الخلافة سوى ستة أشهر، وذلك مدة خلافة من قتل أباه لأجلها، كما مكث شيرويه بن كسرى حين قتل أباه لأجل الملك. وكذلك وقع، وقد كان المنتصر أعين أقنى قصيرا مهيبا جيد البدن، وهو أول خليفة من بني العباس أبرز قبره بإشارة أمه حبشية الرومية. ومن جيد كلامه قوله: والله ما عز ذو باطل قط، ولو طلع القمر من جبينه، ولا ذل ذو حق قط ولو أصفق العالم عليه. بحمد الله تعالى قد تم طبع الجزء العاشر من البداية والنهاية ويليه الجزء الحادي عشر وأوله خلافة أحمد المستعين بالله. والله نسأل المعونة والتوفيق.

стр. 3983

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ خلافة المستعين بالله وهو أبو العباس أحمد بن محمد المعتصم. بويع له بالخلافة يوم مات المنتصر، بايعه عموم الناس، ثم خرجت عليه شرذمة من الأتراك يقولون: يا معتز يا منصور (١). فالتف عليهم خلق، وقام بنصر المستعين جمهور الجيش، فاقتتلوا قتالا شديدا أياما فقتل منهم خلق من الفريقين، وانتهبت أماكن كثيرة من بغداد، وجرت فتن منتشرة كثيرة جدا، ثم استقر الامر للمستعين فعزل وولى وقطع ووصل، وأمر ونهى أياما ومدة غير طويلة. وفيها مات بغا الكبير في جمادى الآخرة منها، فولى الخليفة مكانه ولده موسى بن بغا (٢). وقد كانت له همم عالية وآثار سامية، وغزوات في المشارق والمغارب متوالية وكان له من المتاع والضياع ما قيمته عشرة آلاف ألف دينار. وترك عشر حبات حوهر (٣) قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار، وثلاث حبات سلا ذهبا وورق. وفيها عدا أهل حمص على عاملهم (٤) فأخرجوه من بين أظهرهم، فأخذ منهم المستعين مائة رجل من سراتهم وأمر بهدم سورهم. وفيها حج بالناس محمد بن سليمان الزينبي. وفيها توفي من الأعيان أحمد بن صالح (٥). والحسين بن علي الكرابيسي (٦). وعبد الجبار بن العلاء (٧). وعبد

стр. 3984

الملك بن شعيب. وعيسى بن حماد (١). ومحمد بن حميد الرازي (٢). ومحمد بن زنبور (٣). ومحمد بن العلاء أبو كريب. ومحمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي (٤). وأبو حاتم السجستاني واسمه سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشمي أبو حاتم النحوي اللغوي صاحب المصنفات الكثيرة وكان بارعا في اللغة. اشتغل فيها على أبي عبيد والأصمعي، وأكثر الرواية عن أبي زيد الأنصاري. وأخذ عنه المبرد وابن دريد وغيرهما. وكان صالحا كثير الصدقة والتلاوة، كان يتصدق كل يوم بدينار ويقرأ في كل أسبوع بختمة، وله شعر كثير منه قوله: أبرزوا وجهه الجميل … ولاموا من افتتن لو أرادوا صيانتي … ستروا وجهه الحسن كانت وفاته في المحرم، وقيل في رجب من هذه السنة. ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائتين في يوم الجمعة للنصف من رجب التقى جمع من المسلمين وخلق من الروم بالقرب من ملطية، فاقتتلوا قتالا شديدا، قتل من الفريقين خلق كثير، وقتل أمير المسلمين عمر بن عبيد (٥) الله بن الأقطع، وقتل معه ألفا رجل من المسلمين، وكذلك قتل علي بن يحيى الأرمني، وكان أميرا في طائفة من المسلمين أيضا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد كان هذان الأميران من أكبر أنصار الاسلام. ووقعت فتنة عظيمة ببغداد في أول يوم من صفر منها، وذلك أن العامة كرهوا جماعة من الأمراء الذين قد تغلبوا على أمر الخلافة وقتلوا المتوكل واستضعفوا المنتصر والمستعين بعده فنهضوا إلى السجن فأخرجوا من كان فيه، وجاؤا إلى أحد الجسرين فقطعوه وضربوا الآخر بالنار، وأحرقوا ونادوا بالنفير

стр. 3985

فاجتمع خلق كثير وجم غفير، ونهبوا أماكن متعددة، وذلك بالجانب الشرقي من بغداد. ثم جمع أهل اليسار أموالا كثيرة من أهل بغداد لتصرف إلى من ينهض إلى ثغور المسلمين لقتال العدو عوضا عن من قتل من المسلمين هناك، فأقبل الناس من نواحي الجبال وأهواز وفارس وغيرها لغزو الروم، وذلك أن الخليفة والجيش لم ينهضوا إلى بلاد الروم وقتال أعداء الاسلام، وقد ضعف جانب الخلافة واشتغلوا بالقيان والملاهي، فعند ذلك غضبت العوام من ذلك وفعلوا ما ذكرنا. ولتسع بقين من ربيع الأول نهض عامة أهل سامرا إلى السجن فأخرجوا من فيه أيضا كما فعل أهل بغداد وجاءهم قوم من الجيش يقال لهم الزرافة فهزمتهم العامة، فعند ذلك ركب وصيف وبغا الصغير وعامة الأتراك فقتلوا من العامة خلقا كثيرا، وجرت فتن طويلة ثم سكنت. وفي منتصف ربيع الآخر وقعت فتنة بين الأتراك وذلك أن المستعين قد فوض أمر الخلافة والتصرف في أموال بيت المال إلى ثلاثة وهم أتامش التركي، وكان أخص من عند الخليفة وهو بمنزلة الوزير، وفي حجره العباس بن المستعين يربيه ويعلمه الفروسية. وشاهك الخادم، وأم الخليفة (١). وكان لا يمنعها شيئا تريده، وكان لها كاتب يقال له سلمة بن سعيد النصراني. فأقبل أتامش فأسرف في أخذ الأموال حتى لم يبق بيت المال شيئا، فغضب الأتراك من ذلك وغاروا منه فاجتمعوا وركبوا عليه وأحاطوا بقصر الخلافة وهو عند المستعين، ولم يمكنه منعه منهم ولا دفعهم عنه، فأخذوه صاغرا فقتلوه وانتهبوا أمواله وحواصله ودوره، واستوزر الخليفة بعده أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وولى بغا الصغير فلسطين، وولى وصيفا الأهواز، وجرى خبط كثير وشر كثير، ووهن الخليفة وضعف. وتحركت المغاربة بسامرا في يوم الخميس لثلاث خلون من جمادى الآخرة، فكانوا يجتمعون فيركبون ثم يتفرقون. وفي يوم الجمعة لخمس بقين من جمادى الأولى، وهو اليوم السادس عشر من تموز، مطر أهل سامرا مطرا عظيما برعد شديد، وبرق متصل وغيم منعقد مطبق والمطر مستهل كثير من أول النهار إلى اصفرار الشمس، وفي ذي الحجة أصاب أهل الري زلزلة شديدة جدا، وتبعتها رجفة هائلة تهدمت منها الدور ومات منها خلق كثير، وخرج بقية أهلها إلى الصحراء. وفيها حج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الامام وهو والي مكة. وفيها توفي من الأعيان أيوب بن محمد الوزان. والحسن بن الصباح البزار صاحب كتاب السنن ورجاء بن مرجا الحافظ. وعبد بن حميد صاحب التفسير الحافل. وعمرو بن علي الفلاس. وعلي بن الجهم ابن بدر بن مسعود بن أسد (٢) القرشي السامي من ولد سامة بن لؤي الخراساني ثم البغدادي،

стр. 3986

أحد الشعراء المشهورين وأهل الديانة المعتبرين. وله ديوان شعر فيه أشعار حسنة، وكان فيه تحامل على علي بن أبي طالب ﵁، وكان له خصوصية بالمتوكل ثم غضب عليه فنفاه إلى خراسان وأمر نائبه بها أن يضربه مجردا ففعل به ذلك، ومن مستجاد شعره: بلاء ليس يعدله بلاء … عداوة غير ذي حسب ودين يبيحك منه عرضا لم يصنه … ويرتع منك في عرض مصون (١) قال ذلك في مروان بن أبي حفصة حين هجاه فقال في هجائه له: لعمرك ما الجهم بن بدر بشاعر … وهذا علي بعده يدعى الشعرا ولكن أبي قد كان جار لامه … فلما ادعى الاشعار أوهمني أمرا كان علي بن الجهم قد قدم الشام ثم عاد قاصدا العراق، فلما جاوز حلب (٢) ثار عليه أناس من بني كلب فقاتلهم فجرح جرحا بليغا فكان فيه حتفه، فوجد في ثيابه رقعة مكتوب فيها: يا رحمتا للغريب بالبلد … النازح ماذا بنفسه صنعا فارق أحبابه فما انتفعوا … بالعيش من بعده وما انتفعا (٣) كانت وفاته لهذا السبب في هذه السنة. ثم دخلت سنة خمسين ومائتين من الهجرة فيما كان ظهور أبي الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين (٤) بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأمه أم الحسين فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وذلك أنه أصابته فاقة شديدة فدخل سامرا فسأل وصيفا أن يجري عليه رزقا فأغلظ له القول. فرجع إلى أرض الكوفة فاجتمع عليه خلق من الاعراب، وخرج إليه خلق من أهل الكوفة، فنزل على الفلوجة وقد كثر الجمع معه، فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق إلى عامله بالكوفة - وهو أبو أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان - يأمره بقتاله. ودخل يحيى بن عمر قبل ذلك في طائفة من أصحابه إلى الكوفة فاحتوى على بيت مالها فلم يجد فيه سوى ألفي دينار وسبعين ألف درهم، وظهر أمره بالكوفة وفتح السجنين وأطلق من فيهما، وأخرج نواب الخليفة منها وأخذ أموالهم واستحوذ عليها، واستحكم أمره بها، والتف عليه خلق

стр. 3987

من الزيدية وغيره، ثم خرج من الكوفة إلى سوادها ثم كر راجعا إليها، فتلقاه عبد الرحمن بن الخطاب الملقب وجه الفلس، فقاتله قتالا شديدا فانهزم وجه الفلس ودخل يحيى بن عمر الكوفة ودعا إلى الرضى من آل محمد، وقوي أمره جدا، وصار إليه جماعة كثيرة من أهل الكوفة، وتولاه أهل بغداد من العامة وغيرهم ممن ينسب إلى التشيع، وأحبوه أكثر من كل من خرج قبله من أهل البيت، وشرع في تحصيل السلاح وإعداد آلات الحرب وجمع الرجال. وقد هرب نائب الكوفة منها إلى ظاهرها، واجتمع إليه أمداد كثيرة من جهة الخليفة مع محمد بن عبد الله بن طاهر، واستراحوا وجمعوا خيولهم، فلما كان اليوم الثاني عشر من رجب أشار من أشار على حيى بن عمر ممن لا رأي له، أن يركب ويناجز الحسين بن إسماعيل ويكبس جيشه، فركب في جيش كثير من خلق من الفرسان والمشاة أيضا من عامة أهل الكوفة بغير أسلحة، فساروا إليهم فاقتتلوا قتالا شديدا في ظلمة آخر الليل، فما طلع الفجر إلا وقد انكشف أصحاب يحييب بن عمر، وقد تقنطر به فرسه ثم طعن في ظهره فخر أيضا، فأخذوه وحزوا رأسه وحملوه إلى الأمير فبعثوه إلى ابن طاهر فأرسله إلى الخليفة من الغد مع رجل يقال له عمر بن الخطاب، أخي عبد الرحمن بن الخطاب، فنصب بسامرا ساعة من النهار ثم بعث به إلى بغداد فنصب عند الجسر، ولم يمكن نصبه من كثرة العامة فجعل في خزائن السلاح. ولما جئ برأس يحيى بن عمر إلى محم بن عبد الله بن طاهر دخل الناس يهنونه بالفتح والظفر، فدخل عليه أبو هاشم داود بن الهيثم الجعفري فقال له: أيها الأمير! إنك لتهنى بقتل رجل لو كان رسول الله حيا لعزي به، لما رد عليه شيئا ثم خرج أبو هشام الجعفري وهو يقول: يا بني طاهر كلوه وبيا … إن لحم النبي غير مري إن وترا يكون طالبه الله … لوتر نجاحه (١) بالحري وكان الخليفة قد وجه أميرا إلى الحسين بن إسماعيل نائب الكوفة، فلما قتل يحيى بن عمر دخلوا الكوفة فأراد ذلك الأمير أن يضع في أهلها السيف فمنعه الحسين وأمن الأسود والأبيض، وأطفأ الله هذه الفتنة. فلما كان رمضان من هده السنة خرج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن (٢) بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب بناحية طبرستان، وكان سبب خروجه أنه لما قتل يحيى بن عمر أقطع المستعين لمحمد بن عبد الله بن طاهر طائفة من أرض تلك الناحية، فبعث كاتبا له يقال له جابر بن هارون، وكان نصرانيا، ليتسلم تلك الأراضي، فلما انتهى إليهم كرهوا ذلك جدا وأرسلوا إلى الحسن بن زيد هذا فجاء إليهم فبايعوه والتف عليه جملة الديلم وجماعة الأمراء في تلك النواحي،

стр. 3988

فركب فيهم ودخل آمل طبرستان وأخذها قهرا، وجبى خراجها، واستفحل أمره جدا، ثم خرج منها طالبا لقتال سليمان بن عبد الله أمير تلك الناحية، فالتقيا هنالك فكانت بينهما حروب ثم انهزم سليمان هزيمة منكرة، وترك أهله وماله ولم يرجع دون جرجان فدخل الحسن بن زيد سارية فأخذ ما فيها من الأموال والحواصل، وسير أهل سليمان إليه مكرمين على مراكب، واجتمع للحسن بن زيد إمرة طبرستان بكمالها. ثم بعث إلى الري فأخذها أيضا وأخرج منها الطاهرية، وصار إلى جند همذان ولما بلغ خبره المستعين - وكان مدير ملكه يومئذ وصيف التركي - اغتم لذلك جدا واجتهد في بعض الجيوش والامداد لقتال الحسن بن زيد هذا. وفي يوم عرفة منها ظهر بالري أحمد بن عيسى بن حسين الصغير بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى (١) بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب فصلى بالناس يوم العيد أحمد بن عيسى هذا ودعا إلى الرضى من آل محمد، فحاربه محمد بن علي بن طاهر فهزمه أحمد بن عيسى هذا واستفحل أمره. وفيها وثب أهل حمص على عاملهم الفضل بن قارن فقتلوه في رجب، فوجه المستعين إليهم موسى بن بغا الكبير فاقتتلوا بأرض الرستن فهزمهم وقتل جماعة من أهلها وأحرق أماكن كثيرة منها، وأسر أشراف أهلها. وفيها وثبت الشاكرية والجند في أرض فارس على عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم فهرب منهم فانتهبوا داره وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن. وفيها غضب الخليفة على جعفر بن عبد الواحد ونفاه إلى البصرة. وفيها أسقطت مرتبة جماعة من الأمويين في دار الخلافة. وفيها حج بالناس جعفر بن الفضل أمير مكة. وفيها توفي من الأعيان أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح (٢)، والبزي (٣) أحد القراء المشاهير. الحارث بن مسكين (٤). وأبو حاتم السجستاني. وقد تقدم ذكره في التي قبلها وعياد بن يعقوب الرواجني (٥) وعمرو بن بحر الجاحظ صاحب الكلام والمصنفات. وكثير ين عبيد الحمصي (٦). ونصر بن علي الجهضمي (٧).

стр. 3989

ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين فيها اجتمع رأي المستعين وبغا الصغير ووصيف على قتل باغر التركي، وكان من قواد الأمراء الكبار الذين باشروا قتل المتوكل، وقد اتسع إقطاعه وكثر عماله، فقتل ونهبت دار كتابه دليل بن يعقوب النصراني، ونهبت أمواله وحواصله، وركب الخليفة في حراقة من سامرا إلى بغداد فاضطربت الأمور بسبب خروجه، وذلك في المحرم. فنزل دار محمد بن عبد الله بن طاهر. وفيها وقعت فتنة شنعاء بين جند بغداد وجند سامرا، ودعا أهل سامرا إلى بيعة المعتز، واستقر أمر أهل بغداد على المستعين، وأخرج المعتز وأخوه المؤيد من السجن فبايع أهل سامرا المعتز واستحوذ على حواصل بيت المال بها فإذا بها خمسمائة ألف دينار، وفي خزانة أم المستعين ألف ألف دينار، وفي حواصل العباس بن المستعين ستمائة ألف دينار، واستفحل أمر المعتز بسامرا. وأمر المستعين لمحمد بن عبد الله بن طاهر أن يحصن بغداد ويعمل في السورين والخندق، وغرم على ذلك ثلاثمائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار، ووكل بكل باب أميرا يحفظه، ونصب على السور خمسة مناجيق (١)، منها واحد كبير جدا، يقال له الغضبان، وست عرادات وأعدوا آلات الحرب والحصار والعدد، وقطعت القناطر من كل ناحية لئلا يصل الجيش إليهم. وكتب المعتز إلى محمد بن علي بن طاهر يدعوه إلى الدخول معه في أمره، ويذكره ما كان أخذه عليهم أبوه المتوكل من العهود والمواثيق، من أنه ولي العهد بعده (٢)، فلم يلتفت إليه بل رد عليه واحتج بحجج يطول ذكرها. وكتب كل واحد من المستعين والمعتز إلى موسى بن بغا الكبير وهو مقيم بأطراف الشام لحرب أهل. حمص يدعوه إلى نفسه وبعث إليه بألوية يعقدها لمن اختار من أصحابه، وكتب إليه المستعين يأمره بالمسير إليه إلى بغداد ويأمره أن يستنيب في عمله، فركب مسرعا فسار إلى سامرا فكان مع المعتز على المستعين. وكذلك هرب عبد الله بن بغا الصغير من عند أبيه من بغداد إلى المعتز، وكذلك غيره من الأمراء والأتراك. وعقد المعتز لأخيه أبي أحمد بن المتوكل على حرب المستعين وجهز معه جيشا لذلك، فسار في خمسة آلاف من الأتراك وغيرهم نحو بغداد، وصلى بعكبرا يوم الجمعة، ودعا لأخيه المعتز. ثم وصل إلى بغداد ليلة الأحد لسبع لخون من صفر فاجتمعت العساكر هنالك، وقد قال رجل يقال له باذنجانة كان في عسكر أبي أحمد: يا بني طاهر جنود الله … والموت بينها منثور (٣) وجيوش أمامهن (٤) أبو أحمد … نعم المولى ونعم النصير

стр. 3990

ثم جرت بينهما حروب طويلة وفتن مهولة جدا قد ذكرها ابن جرير مطولة، ثم بعث المعتز مع موسى بن ارشناس ثلاثة آلاف مددا لأخيه أبي أحمد فوصلوا لليلة بقيت من ربيع الأول فوقفوا في الجانب الغربي عند باب قطر بل، وأبو أحمد وأصحابه على باب الشماسية، والحرب مستعرة والقتال كثير جدا، والقتل واقع. قال ابن جرير. وذكر أن المعتز كتب إلى أخيه أبي أحمد يلومه على التقصير في قتال أهل بغداد فكتب إليه أبو أحمد: لأمر المنايا علينا طريق … وللدهر فينا اتساع وضيق وأيامنا عبر للأنام … فمنها البكور ومنها الطروق ومنها هنات تشيب الوليد … ويخذل فيها الصديق الصديق (١) وسور عريض له (٢) ذروة … تفوت العيون وبحر عميق قتال مبيد وسيف عتيد … وخوف شديد وحصن وثيق وطول صياح لداعي الصباح ال … سلاح السلاح فما يستفيق فهذا طريح (٣) وهذا جريح … وهذا حريق وهذا غريق وهذا قتيل وهذا تليل … وآخر يشدخه المنجنيق هناك اغتصاب وثم انتهاب … ودور خراب وكانت تروق إذا ما سمونا إلى مسلك … وجدناه قد سد عنا الطريق فبالله نبلغ ما نرتجيه … وبالله ندفع ما لا نطيق قال ابن جرير: هذا الشعر ينشد لعلي بن أمية في فتنة المخلوع والمأمون، وقد استمرت الفتنة والقتال ببغداد بين أبي أحمد أخي المعتز وبين محمد بن عبد الله بن طاهر نائب المستعين، والبلد محصور وأهله في ضيق شديد جدا، بقية شهور هذه السنة، وقتل من الفريقين خلق كثير في وقعات متعددات، وأيام نحسات، فتارة يظهر أصحاب أبي أحمد ويأخذون بعض الأبواب فتحمل عليهم الطاهرية فيزيحونهم عنها، ويقتلون منهم خلقا ثم يتراجعون إلى مواقفهم ويصابرونهم مصابرة عظيمة. لكن أهل بغداد كلما هم إلى ضعف بسبب قلة الميرة والجلب إلى داخل البلد، ثم شاع بين العامة أن محمد بن عبد الله بن طاهر يريد أن يخلع المستعين ويبايع للمعتز، وذلك في أواخر السنة، فتنصل من ذلك واعتذر إلى الخليفة وإلى العامة. وحلف بالايمان الغليظة فلم تبرأ ساحته من ذلك حق البراءة عند العامة، واجتمعت العامة والغوغاء إلى دار ابن طاهر والخليفة نازل بها، فسألوا أن يبرز لهم الخليفة ليروه ويسألوه عن ابن طاهر أهو راض عنه أم لا. وما زالت الضجة والأصوات مرتفعة حتى برز لهم الخليفة من فوق المكان الذي هم فيه وعليه السواد ومن فوقه البردة النبوية وبيده القضيب

стр. 3991

وقال لهم فيما خاطبهم به: أقسمت عليكم بحق صاحب هذه البردة والقضيب لما رجعتم إلى منازلكم ورضيتم عن ابن طاهر فإنه غير متهم لدي. فسكت الغوغاء ورجعوا إلى منازلهم، ثم انتقل الخليفة من دار ابن طاهر إلى دار رزق الخادم (١)، وذلك في أوائل ذي الحجة، وصلى بهم العيد يوم الأضحى في الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، وبرز الخليفة يومئذ للناس وبين يديه الحربة وعليه البردة وبيده القضيب وكان يوما مشهودا ببغداد على ما بأهلها من الحصار والغلاء بالأسعار، وقد اجتمع على الناس الخوف والجوع المترجمان لباس الخوع والخوف، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. ولما تفاقم الامر واشتد الحال وضاق المجال وجاع العيال وجهد الرجال، جعل ابن طاهر يظهر ما كان كامنا في نفسه من خلق المستعين، فجعل يعرض له في ذلك ولا يصرح، ثم كاشفه به وأظهره له وناظره فيه وقال له: إن المصلحة تقتضي أن تصالح عن الخلافة على مال تأخذه سلفا وتعجيلا، وأن يكون لك من الخراج في كل عام ما تختاره وتحتاجه، ولم يزل يفتل في الذروة والغارب حتى أجاب إلى ذلك وأناب. فكتب فيما اشترطه المستعين في خلعه نفسه من الخلافة كتابا، فلما كان يوم السبت لعشر بقين من ذي الحجة ركب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى الرصافة وجمع القضاة والفقهاء وأدخلهم على المستعين فوجا فوجا يشهدون عليه أنه قد صير أمره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وكذلك جماعة الحجاب والخدم، ثم تسلم منه جوهر الخلافة، وأقام عند المستعين إلى هوي من الليل. وأصبح الناس يذكرون ويتنوعون فيما يقولون من الأراجيف. وأما ابن طاهر فإنه أرسل بالكتاب مع جماعة من الأمراء إلى المعتز بسامرا، فلما قدموا عليه بذلك أكرمهم وخلع عليهم وأجازهم فأسنى جوائزهم. وسيأتي ما كان من أمره أول السنة الداخلة. وفيها كان ظهور رجل من أهل البيت أيضا بأرض قزوين وزنجان في ربيع الأول منها، وهو الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ويعرف بالكوكبي (٢). وسيأتي ما كان من أمره هناك. وفيها خرج إسماعيل بن يوسف العلوي، وهو ابن أخت موسى بن عبيد الله الحسني، وسيأتي ما كان من أمره أيضا. وفيها خرج بالكوفة أيضا رجل من الطالبيين وهو الحسين بن محمد (٣) بن حمزة بن عبد الله بن حسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان فاقتتلا فهزم العلوي وقتل من أصحابه بشر كثير. ولما دخل مزاحم الكوفة حرق بها ألف دار ونهب أموال الذين خرجوا معه، وباع بعض جواري الحسين بن محمد هذا، وكانت معتقة.

стр. 3992

وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (١) بن علي بن أبي طالب بمكة فهرب منه نائبها جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى، فانتهب منزله ومنازل أصحابه وقتل جماعة من الجند وغيرهم من أهل مكة، وأخذ ما في الكعبة من الذهب والفضة والطيب وكسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار، ثم خرج إلى المدينة النبوية فهرب منه نائبها أيضا علي بن الحسين بن علي بن إسماعيل، ثم رجع إسماعيل بن يوسف إلى مكة في رجب فحصر أهلها حتى هلكوا جوعا وعطشا فبيع الخبز ثلاث أواق بدرهم، واللحم الرطل بأربعة، وشربة الماء بثلاثة دراهم، ولقي منه أهل مكة كل بلاء، فترحل عنهم إلى جدة - بعد مقامه عليهم سبعة وخمسين يوما - فانتهب أموال التجار هنالك وأخذ المراكب وقطع الميرة عن أهل مكة ثم عاد إلى مكة لا جزاه الله خيرا عن المسلمين. فلما كان يوم عرفة لم يمكن الناس من الوقوف نهارا ولا ليلا، وقتل من الحجيج ألفا ومائة، وسلبهم أموالهم ولم يقف بعرفة عامئذ سواه ومن معه من الحرامية، لا تقبل الله منهم صرفا ولا عدلا. وفيها وهن أمر الخلافة جدا. وفيها توفي من الأعيان إسحاق بن منصور الكوننج (٢) وحميد بن زنجويه (٣). وعمرو بن عثمان بن كثير بن دينار الحمصي (٤). وأبو البقى (٥) هشام بن عبد الملك اليزني. سنة ثنتين وخمسين ومائتين "ذكر خلافة المعتز بالله بن المتوكل على الله بعد خلع المستعين نفسه " استهلت هذه السنة وقد استقرت الخلافة باسم أبي عبد الله محمد المعتز بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، وقيل إن اسم المعتز أحمد، وقيل الزبير، وهو الذي عول عليه ابن عساكر وترجمه في تاريخه. فلما خلع المستعين نفسه من الخلافة وبايع للمعتز دعا الخطباء يوم الجمعة رابع المحرم من هذه السنة بجوامع بغداد على المنابر للخليفة المعتز بالله، وانتقل المستعين من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل هو وعياله وولده وجواريه، ووكل بهم سعيد بن رجاء في جماعة معه، وأخذ من المستعين البردة والقضيب والخاتم، وبعث بذلك إلى المعتز ثم أرسل إليه المعتز يطلب منه خاتمين من جوهر ثمين عنده يقال لأحدهما برج وللآخر جبل. فأرسلهما. وطلب المستعين أن يسير إلى مكة فلم يمكن، فطلب البصرة فقيل له إنها وبيئة. فقال إن ترك الخلافة أوبأ منها. ثم أذن له في المسير إلى

стр. 3993

واسط فخرج ومعه حرس يوصلونه إليها نحو من أربعمائة. واستوزر المعتز أحمد بن أبي إسرائيل وخلع عليه وألبسه تاجا على رأسه. ولما تمهد أمر بغداد واستقرت البيعة للمعتز بها ودان لهو أهلها وقدمتها الميرة من كل جانب، واتسع الناس في الأرزاق والأطعمة، ركب أبو أحمد منها في يوم السبت لثنتي عشرة ليلة من المحرم إلى سامرا وشيعه ابن طاهر في وجوه الأمراء، فخلع أبو أحمد على ابن طاهر خمس خلع وسيفا ورده من الطريق إلى بغداد. وقد ذكر ابن جرير مدائح الشعراء في المعتز وتشفيهم بخلع المستعين، فأكثر من ذلك جدا، فمن ذلك قول محمد بن مروان بن أبي الجنوب بن مروان في مدح المعتز وذم المستعين كما جرت به عادة الشعراء: إن الأمور إلى المعتز قد رجعت … والمستعين إلى حالاته رجعا وكان يعلم أن الملك ليس له … وأنه لك لكن نفسه خدعا ومالك الملك مؤتيه ونازعه … آتاك ملكا ومنه الملك قد نزعا إن الخلافة كانت لا تلائمه … كانت كذات حليل زوجت متعا ما كان أقبح عند الناس بيعته … وكان أحسن قول الناس قد خلعا ليت السفين إلى قاف دفعن به … نفسي الفداء لملاح به دفعا كم ساس قبلك أمر الناس من ملك … لو كان حمل ما حملته ظلعا أمسى بك الناس بعد الضيق في سعة … والله يجعل بعد الضيق متسعا والله يدفع عنك السوء من ملك … فإنه بك عنا السوء قد دفعا وكتب المعتز من سامرا إلى نائب بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر أن يسقط اسم وصيف وبغا ومن كان في رسمهما في الدواوين عزم على قتلهما، ثم استرضي عنهما فرضي عنهما. وفي رجب من هذه السنة خلع المعتز أخاه إبراهيم الملقب بالمؤيد من ولاية العهد وحبسه، وأخاه أبا أحمد، بعدما ضرب المؤيد أربعين مقرعة. ولما كان يوم الجمعة خطب بخلعه وأمره أن يكتب كتابا على نفسه بذلك، وكانت وفاته بعد ذلك بخمسة عشر يوما، فقيل إنه أدرج في لحاف سمور وأمسك طرفاه حتى مات غما، وقيل بل ضرب بحجارة من ثلج حتى مات بردا وبعد ذلك أخرج من السجن ولا أثر به فأحضر القضاة والأعيان فشهدوا على موته من غير سبب ولا أثر، حمل على حمار ومعه كفنه إلى أمه فدفنته. ذكر مقتل المستعين في شوال منها كتب المعتز إلى نائبه محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتجهيز جيش نحو المستعين فجهز أحمد بن طولون التركي فوافاه فأخرجه لست بقين من رمضان فقدم به القاطول لثلاث مضين من شوال ثم قتل، فقيل ضرب حتى مات، وقيل بل غرق في دجيل، وقيل بل ضربت عنقه. وقد ذكر ابن جرير: أن المستعين سأل من سعيد بن صالح التركي حين أراد قتله أن يمهله حتى يصلي ركعتين فأمهله، فلما كان في السجدة الأخيرة قتله وهو ساجد، ودفن جثته في مكان صلاته، وخفى أثره وحمل

стр. 3994

رأسه إلى المعتز فدخل به عليه وهو يلعب بالشطرنج، فقيل هذا رأس المخلوع. فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدست. فلما فرغ نظر إليه وأمر بدفنه، ثم أمر لسعيد بن صالح الذي قتله بخمسين ألف درهم، وولاه معونة البصرة وفيها مات إسماعيل بن يوسف العلوي الذي فعل بمكة ما فعل كما تقدم من إلحاده في الحرم، فأهلكه الله في هذه السنة عاجلا ولم ينظره. وفيها مات أحمد بن محمد المعتصم وهو المستعين بالله كما تقدم. وإسحاق بن بهلول (١)، وزياد بن أيوب (٢)، ومحمد بن بشار بندار (٣). وموسى بن المثنى الزمن (٤). ويعقوب بن إبراهيم الدورقي (٥). ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين في رجب منها عقد المعتز لموسى بن بغا الكبير على جيش قريب من أربعة آلاف ليذهبوا إلى قتال عبد العزيز بن أبي دلف بناحية همذان، لأنه خرج عن الطاعة وهو في نحو من عشرين ألفا بناحية همذان، فهزموا عبد العزيز في أواخر هذه السنة هزيمة فظيعة، ثم كانت بينهما وقعة أخرى في رمضان عند الكرج فهزم عبد العزيز أيضا وقتل من أصحابه بشر كثير، وأسروا ذراري كثيرة حتى أسروا أم عبد العزيز أيضا، وبعثوا إلى المعتز سبعين حملا من الرؤوس وأعلاما كثيرة، وأخذ من عبد العزيز ما كان استحوذ عليه من البلاد. وفي رمضان منها خلع على بغا الشرابي وألبسه التاج والوشاحين. وفي يوم عيد الفطر كانت وقعة هائلة عند مكان يقال له البوازيج، وذلك أن رجلا يقال له مساور بن عبد الحميد حكم فيها والتف عليه نحو من سبعمائة من الخوارج، فقصد له رجل يقال له بندار الطبري في ثلاثمائة من أصحابه، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من الخوارج نحو من خمسين رجلا. وقتل أصحاب بندار مائتان وقيل وخمسون رجلا. وقتل بندار فيمن قتل ﵀. ثم صمد مساور إلى حلوان فقاتله أهلها وأعانهم حجاج أهل خراسان فقتل مساور منهم نحوا من أربعمائة قبحه الله. وقتل من جماعته كثيرون أيضا. ولثلاث بقين من شوال قتل وصيف التركي وأرادت العامة نهب داره في سامرا ودور أولاده فلم يمكنهم ذلك، وجعل الخليفة ما كان إليه إلى بغا الشرابي. وفي ليلة أربع عشرة من ذي القعدة من هذه السنة خسف القمر حتى غاب أكثره وغرق نوره، وعند انتهاء خسوفه

стр. 3995

مات محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق ببغداد. وكانت علته قروحا في رأسه وحلقه فذبحته، ولما أتي به ليصلى عليه اختلف أخوه عبيد الله وابنه طاهر وتنازعا الصلاة عليه حتى جذبت السيوف وترامى الناس بالحجارة، وصاحت الغوغاء يا طاهر يا منصور: فمال عبيد الله إلى الشرقية ومعه القواد وأكابر الناس، فدخل داره وصلى عليه ابنه وكان أبوه قد أوصى إليه. وحين بلغ المعتز ما وقع بعث بالخلع والولاية إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فأطلق عبيد الله للذي قدم بالخلع خمسين ألف درهم. وفيها نفى المعتز أخاه أبا أحمد من سر من رأى إلى واسط، ثم إلى البصرة. ثم رد إلى بغداد أيضا. وفي يوم الاثنين منها سلخ ذي القعدة التقي موسى بن بغا الكبير والحسين بن أحمد الكوكبي الطالبي الذي خرج في سنة إحدى وخمسين عند قزوين فاقتتلا قتالا شديد، ثم هزم الكوكبي وأخذ موسى قزوين وهرب الكوكبي إلى الديلم. وذكر أبن جرير عن بعض من حضر هذه الوقعة أن الكوكبي حين التقى أمر أصحابه أن يتترسوا بالحجف - وكانت السهم لا تعمل فيهم - فأمر موسى بن بغا أصحابه عند ذلك أين يطرحوا ما معهم من النفط ثم حاولوهم وأروهم أنهم قد انهزموا منهم، فتبعهم أصحاب الكوكبي، فلما توسطوا الأرض التي فيها النفط أمر عند ذلك بإلقاء النار فيه فجعل النفط يحرق أصحاب الكوكبي ففروا سراعا هاربين، وكر عليهم موسى وأصحابه فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب الكوكبي إلى الديلم، وتسلم موسى قزوين. وفيها حج بالناس عبد الله بن محمد بن سليمان الزينبي. وفيها توفي من الأعيان أبو الأشعث (١). وأحمد بن سعيد الدارمي (٢). و سري السقطي أحد كبار مشايخ الصوفية. تلميذ معروف الكرخي. حدث عن هشيم وأبي بكر بن عياش وعلي بن عراب ويحيى بن يمان ويزيد بن هارون وغيرهم. وعنه ابن أخته الجنيد بن محمد. وأبو الحسن النوري ومحمد بن الفضل بن جابر السقطي وجماعة. وكانت له دكان يتجر فيها فمرت به جارية قد انكسر إناء كان معها تشتري فيه شيئا لسادتها، فجعلت تبكي فأعطاها سري شيئا تشتري بدله، فنظر معروف إليه وما صنع بتلك الجارية فقال له: بغض الله إليك الدنيا فوجد الزهد من يومه. وقال سري: مررت في يوم عيد فإذا معروف ومعه صغير شعث الحال فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا كان واقفا عند صبيان يلعبون بالجوز وهو مفكر، فقلت له: ما لك لا تلعب كما يلعبون؟ فقال: أنا يتيم ولا شئ معي أشتري به جوزا ألعب به. فأخذته لأجمع له نوى يشتري به جوزا يفرح به. فقلت ألا أكسوه وأعطيه شيئا يشتري به جوزا؟ فقال أو تفعل؟ فقلت: نعم فقال خذه أغنى الله قلبك. قال سري:
следующие страницы →