نبأ أتى من أعظم الانباء … لما ألم مقلقل الأحشاء
قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم … ناشدتكم لا تجعلوه الطائي
وقال غيره:
فجع القريض بخاتم الشعراء … وغدير روضتها حبيب الطائي
ماتا معا فتجاروا في حفرة … وكذاك كانا قبل في الاحياء
وقد جمع الصولي شعر أبي تمام على حروف المعجم. قال ابن خلكان: وقد امتدح أحمد بن
المعتصم ويقال ابن المأمون بقصيدته التي يقول فيها:
إقدام عمرو في سماحة حاتم … في حلم أحنف في ذكاء إياس
فقال له بعض الحاضرين: أتقول هذا لأمير المؤمنين وهو أكبر قدرا من هؤلاء؟ فإنك ما زدت على أن شبهته بأجلاف من العرب البوادي. فأطرق إطراقة ثم رفع رأسه فقال:
لا تنكروا ضربي له من دونه … مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره … مثلا من المشكاة والنبراس
قال: فلما أخذوا القصيدة لم يجدوا فيها هذين البيتين، وإنما قالهما ارتجالا. قال: ولم يعش بعد هذا إلا قليلا حتى مات. وقيل إن الخليفة أعطاه الموصل لما مدحه بهذه القصيدة، فأقام بها أربعين يوما ثم مات. وليس هذا بصحيح، ولا أصل له، وإن كان قد لهج به بعض الناس كالزمخشري وغيره.
وقد أورد له ابن عساكر أشياء من شعره مثل قوله:
ولو كانت الأرزاق تجرى على الحجا … هلكن إذا من جهلهن البهائم
ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد … ولا المجد في كف امرئ والدراهم
ومنه قوله:
وما أنا بالغيران من دون غرسه … إذا أنا لم أصبح غيورا على العلم
طبيب فؤادي مذ ثلاثين حجة … ومذهب همي والمفرج للغم
وفيها توفي أبو نصر الفارابي (١). والعيشي (٢)، وأبو الجهم (٣)، ومسدد (٤)، وداود بن عمرو
стр. 3922
الضبي (١)، ويحيى بن عبد الحميد الحماني (٢).
ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين
فيها أمر الواثق بعقوبة الدواوين وضربهم واستخلاص الأموال منهم، لظهور خياناتهم وإسرافهم في أمورهم، فمنهم من ضرب ألف سوط وأكثر من ذلك وأقل، ومنهم من أخذ منه ألف ألف دينار، ودون ذلك، وجاهر الوزير محمد بن عبد الملك لسائر ولاة الشرط بالعداوة فعسفوا وحبسوا ولقوا شرا عظيما، وجهدا جهيدا، وجلس إسحاق بن إبراهيم للنظر في أمرهم، وأقيموا للناس وافتضحوهم والدواوين فضحية بليغة. وكان سبب ذلك أن الواثق جلس ليلة في دار الخلافة وجلسوا يسمرون عنده، فقال: هل منكم أحد يعرف سبب عقوبة جدي الرشيد للبرامكة؟ فقال بعض الحاضرين: نعم يا أمير المؤمنين! سبب ذلك أن الرشيد عرضت له جارية فأعجبه جمالها فساوم سيدها فيها فقال: يا أمير المؤمنين إني أقسمت بكل يمين أن لا أبيعها بأقل من مائة ألف دينار، فاشتراها منه بها وبعث إلى يحيى بن خالد الوزير ليبعث إليه بالمال من بيت المال، فاعتل بأنها ليست عنده، فأرسل الرشيد إليه يؤنبه ويقول: أما في بيت مالي مائة ألف دينار؟ وألح في طلبها فقال يحيى بن خالد: أرسلوها إليه دراهم ليستكثرها، ولعله يرد الجارية. فبعثوا بمائة ألف دينار دراهم ووضعوها في طريق الرشيد وهو خارج إلى الصلاة، فلما اجتاز به رأى كوما من دراهم، فقال: ما هذا قالوا: ثمن الجارية، فاستكثر ذلك وأمر بخزنها عند بعض خدمه في دار الخلافة، وأعجبه جمع المال في حواصله، ثم شرع في تتبع أموال بيت المال فإذا البرامكة قد استهلكوها، فجعل يهم بهم تارة يريد أخذهم وهلاكهم، وتارة يحجم عنهم، حتى إذا كان في بعض الليالي سمر عنده رجل يقال له أبو العود فأطلق له ثلاثين ألفا من الدراهم، فذهب إلى الوزير يحيى بن خالد بن برمك فطلبها منه فماطله مدة طويلة، فلما كان في بعض الليالي في السمر عرض أبو العود بذلك للرشيد في قول عمر بن أبي ربيعة:
وعدت هند وما كادت تعد … ليت هندا أنجزتنا ما تعد
واستبدت مرة واحدة … إنما العاجز من لا يستبد
стр. 3923
فجعل الرشيد يكرر قوله: إنما العاجز من لا يستبد، ويعجبه ذلك. فلما كان الصباح دخل عليه يحيى بن خالد فأنشده الرشيد هذين البيتين وهو يستحسنهما، ففهم ذلك يحيى بن خالد وخاف وسأل عن من أنشد ذلك للرشيد؟ فقيل له أبو العود. فبعث إليه وأعطاه الثلاثين ألفا وأعطاه من عنده عشرين ألفا، وكذلك ولداه الفضل وجعفر، فما كان عن قريب حتى أخذ الرشيد البرامكة، وكان من أمرهم ما كان.
فلما سمع ذلك الواثق أعجبه وجعل يكرر قول الشاعر: إنما العاجز من لا يستبد. ثم بطش بالكتاب وهم الدواوين على إثر ذلك، وأخذ منهم أموالا عظيمة جدا. وفيها حج بالناس أمير السنة الماضية وهو أمير الحجيج في السنتين الماضيتين.
وفيها توفي خلف بن هشام البزار أحد مشاهير القراء، وعبد الله بن محمد المسندي (١)، ونعيم بن حماد الخزاعي أحد أئمة السنة بعد أن كان من أكابر الجهمية، وله المصنفات في السنن وغيرها، وبشار بن عبد الله المنسوب إليه النسخة المكذوبة عنه أو منه، ولكنها عالية الاسناد إليه، ولكنها موضوعة.
ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين
في جمادى منها خرجت بن سليم حول المدينة النبوية فعاثوا في الأرض فسادا، وأخافوا السبيل، وقاتلهم أهل المدينة فهزموا أهلها واستحوذوا على ما بين المدينة ومكة من المناهل والقرى، فبعث إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى التركي في جيش فقاتلهم في شعبان فقتل منهم خمسين فارسا وأسر منهم وانهزم بقيتهم، فدعاهم إلى الأمان وأن يكونوا على حكم أمير المؤمنين، فاجتمع إليه منهم خلق كثير، فدخل بهم المدينة وسجن رؤوسهم في دار يزيد بن معاوية وخرج إلى الحج في هذه السنة، وشهد معه الموسم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب نائب العراق. وفيها حج بالناس محمد بن دواد المتقدم. وفيها توفي:
عبد الله بن طاهر بن الحسين
نائب خراسان وما والاها. وكان خراج ما تحت يده في كل سنة ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، فولى الواثق مكانه ابنه طاهر. وتوفي قبله أشناس التركي بتسعة أيام، يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من هذه السنة. وقال ابن خلكان: توفي سنة ثمان وعشرين بمرو، وقيل بنيسابور، وكان كريما جوادا، وله شعر حسن، وقد ولي نيابة مصر بعد العشرين ومائتين.
стр. 3924
وذكر الوزير أبو القاسم بن المغربي: أن البطيخ العبد لاوي الذي بمصر منسوب إلى عبد الله بن طاهر هذا. قال ابن خلكان: لأنه كان يستطيبه، وقيل لأنه أول من زرعه هناك والله أعلم. ومن جيد شعره:
اغتفر زلتي لتحرز فضل الشكر … مني ولا يفوتك أجبري
لا تلكني إلى التوسل بالعذر … لعلي أن لا أقوم بعذري
ومن شعره قوله:
نحن قوم يليننا الخد والنحر … (١) على أننا نلين الحديدا
طوع أيدي الصبا تصيدنا العين … ومن شأننا نصيد الاسودا (٢)
نملك الصيد ثم تملكنا البيض … المضيئات أعينا وخدودا
تتقي سخطنا الأسود ونخشى … سقط الخشف حين تبدي القعودا (٣)
قترانا يوم الكريهة أحرارا … وفي السلم للغواني عبيدا
قال ابن خلكان: وكان خزاعيا من موالي طلحة الطلحات الخزاعي، وقد كان أبو تمام يمدحه، فدخل إليه مرة فأضافه الملح بهمدان فصنف له كتاب الحماسة عند بعض نسائه. ولما ولاه المأمون نيابة الشام ومصر صار إليها وقد رسم له بما في ديار مصر من الحواصل، فحمل إليه وهو في أثناء الطريق ثلاثة آلاف ألف دينار، ففرقها كلها في مجلس واحد، وأنه لما واجه مصر نظر إليها فاحتقرها وقال: قبح الله فرعون، ما كان أخسه وأضعف همته حين تبجح وتعاظم بملك هذه القرية، وقال: أنا ربكم الاعلى. وقال: أليس لي ملك مصر. فكيف لو رأى بغداد وغيرها.
وفيها توفي علي بن جعد الجوهري (٤)، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي مصنف كتاب الطبقات وغيره. وسعيد بن محمد الجرمي (٥).
стр. 3925
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين
فيها وقعت مفاداة الأسارى المسلمين الذين كانوا في أيدي الروم على يدي الأمير خاقان الخادم وذلك في المحرم من هذه السنة، وكان عدة الأسارى أربعة آلاف وثلاثمائة واثنين وستين أسيرا (١).
وفيها كان مقتل أحمد بن نصر الخزاعي ﵀ وأكرم مثواه.
وكان سبب ذلك أن هذا الرجل وهو أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي وكان جده مالك بن الهيثم من أكبر الدعاة إلى دولة بني العباس الذين قتلوا ولده هذا، وكان أحمد بن نصر هذا له وجاهة ورياسة، وكان أبوه نصر بن مالك يغشاه أهل الحديث، وقد بايعه العامة في سنة إحدى ومائتين على القيام بالأمر والنهي حين كثرت الشطار والدعار في غيبة المأمون عن بغداد كما تقدم ذلك، وبه تعرف سويقة نصر ببغداد، وكان أحمد بن نصر هذا من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وكان الواثق من أشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلا ونهارا، سرا وجهارا، اعتمادا على ما كان عليه أبوه قبله وعمه المأمون، من غير دليل ولا برهان، ولا حجة ولا بيان، ولا سنة ولا قرآن فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله وإلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها. فاجتمع عليه جماعة من أهل بغداد، والتف عليه من الألوف أعداد، وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نصر هذا رجلان وهما أبو هارون السراج (٢) يدعو أهل الجانب الشرقي، وآخر يقال له طالب يدعو أهل الجانب الغربي فاجتمع عليه من الخلائق ألوف كثيرة، وجماعات غزيرة، فلما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السر على القيام بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن، ولما هو عليه وأمراؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها. فتواعدوا على أنهم في الليلة الثالثة من شعبان - وهي ليلة - الجمعة يضرب طبل في الليل فيجتمع الذين بايعوا في مكان اتفقوا عليه، وأنفق طالب أبو هارون في أصحابه دينارا دينارا، وكان من جملة من أعطوه رجلان من بني أشرس، وكانا يتعاطيان الشراب، فلما كانت ليلة الخميس شربا في قوم من أصحابهم واعتقدا أن تلك الليلة هي ليلة الوعد، وكان ذلك قبله بليلة، فقاما يضربان على طبل في الليل ليجتمع إليهما الناس، فلم يجئ أحد وانحزم النظام وسمع الحرس في الليل فأعلموا نائب السلطنة، وهو محمد بن إبراهيم بن مصعب، وكان نائبا لأخيه إسحاق بن إبراهيم، لغيبته عن بغداد، فأصبح الناس متخبطين، واجتهد نائب السلطنة على إحضار ذينك الرجلين فأحضرا فعاقبهما فأقرا على أحمد بن نصر، فطلبه وأخذ خادما له فاستقره فأقر بما أقر به الرجلان،
стр. 3926
فجمع جماعة من رؤوس أصحاب أحمد بن نصر معه وأرسل بهم إلى الخليفة بسر من رأى، وذلك في آخر شعبان، فأحضر له جماعة من الأعيان وحضر القاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي، وأحضر أحمد بن نصر ولم يظهر منه على أحمد بن نصر عتب، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الواثق لم يعاتبه على شئ مما كان منه في مبايعته العوام على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيره، بل أعرض عن ذلك كله وقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: هو كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال هو كلام الله. وكان أحمد بن نصر قد استقل وباع نفسه وحضر وقد تحنط وتنور وشد على عورته ما يسترها فقال له: فما تقول في ربك، أتراه يوم القيامة؟ فقال: يا أمير المؤمنين قد جاء القرآن والاخبار بذلك، قال الله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وقال رسول الله ﷺ : (إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) (١). فنحن على الخبر. زاد الخطيب قال الواثق: ويحك! أيرى كما يرى المحدود المتجسم؟ ويحويه مكان ويحصره الناظر؟ أنا أكفر برب هذه صفته.
قلت: وما قاله الواثق لا يجوز ولا يلزم ولا يرد به هذا الخبر الصحيح والله أعلم. ثم قال أحمد بن نصر للواثق: وحدثني سفيان بحديث يرفعه (إن قلب ابن آدم بأصبعين من أصابع لله يقلبه كيف شاء) (٢) وكان النبي ﷺ يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " (٣). فقال له إسحاق بن إبراهيم: ويحك، انظر ما تقول. فقال: أنت أمرتني بذلك. فأشفق إسحاق من ذلك وقال: أنا أمرتك؟ قال: نعم، أنت أمرتني أن أنصح له. فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون في هذا الرجل؟ فأكثروا القول فيه. فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضيا على الجانب الغربي فعزل وكان موادا لا حمد بن نصر قبل ذلك - يا أمير المؤمنين هو حلال الدم. وقال أبو عبد الله الأرمني صاحب أحمد بن أبي دؤاد: اسقني دمه يا أمير المؤمنين. فقال الواثق: لا بد أن يأتي ما تريد. وقال ابن أبي دؤاد: هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل. فقال الواثق: إذا رأيتموني قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي. ثم نهض إليه بالصمصامة - وقد كانت سيفا لعمرو بن معد يكرب الزبيدي أهديت لموسى الهادي في أيام خلافته وكانت صفيحة مسحورة في أسفلها مسمورة بمسامير - فلما انتهى إليه ضربه بها على عاتقه وهو مربوط بحبل قد أوقف على نطع، ثم ضربه أخرى على رأسه ثم طعنه بالصمصامة في بطنه فسقط صريعا ﵀ على النطع ميتا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ﵀ وعفا
стр. 3927
عنه. ثم انتضى سيما الدمشقي سيفه فضرب عنقه وحز رأسه وحمل معترضا حتى أتى به الحظيرة التي فيها بابك الخرمي فصلب فيها، وفي رجليه زوج قيود وعليه سراويل وقميص، وحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياما، وفي الغربي أياما، وعنده الحرس في الليل والنهار، وفي أذنه رقعة مكتوب فيها: هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر الخزاعي، ممن قتل على يدي عبد الله هارون الامام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن، ونفي التشبيه وعرض عليه التوبة ومكنه من الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح، فالحمد لله الذي عجله إلى ناره وأليم عقابه بالكفر، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه.
ثم أمر الواثق بتتبع رؤوس أصحابه فأخذ منهم نحوا من تسع وعشرين رجلا فأودعوا في السجون وسموا الظلمة، ومنعوا أن يزورهم أحد وقيدوا بالحديد، ولم يجر عليهم شئ من الأرزاق التي كانت تجري على المحبوسين وهذا ظلم عظيم.
وقد كان أحمد بن نصر هذا من أكابر العلماء العالمين القائمين بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسمع الحديث من حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وهاشم بن بشير، وكانت عنده مصنفاته كلها، وسمع من الامام مالك بن أنس أحاديث جيدة (١)، ولم يحدث بكثير من حديثه، وحدث عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأخوه يعقوب بن إبراهيم ويحيى بن معين، وذكره يوما فترحم عليه وقال: قد ختم الله له بالشهادة، وكان لا يحدث ويقول إني لست أهلا لذلك. وأحسن يحيى بن معين الثناء عليه جدا. وذكره الإمام أحمد بن حنبل يوما فقال: ﵀ ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له. وقال جعفر بن محمد الصائغ: بصرت عيناي وإلا فقئتا وسمعت أذناي وإلا فصمتا أحمد بن نصر الخزاعي حين ضربت عنقه يقول رأسه: لا إله إلا الله. وقد سمعه بعض الناس وهو مصلوب على الجذع ورأسه يقرأ (آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) [العنكبوت: ١ - ٢] قال: فاقشعر جلدي. ورآه بعضهم في النوم فقال له: ما فعل بك ربك؟ فقال: ما كانت إلا غفوة حتى لقيت الله فضحك إلي. ورأى بعضهم رسول الله ﷺ في المنام ومعه أبو بكر وعمر، قد مروا على الجذع الذي عليه رأس أحمد بن نصر، فلما جاوزوه أعرض رسول الله ﷺ بوجهه الكريم عنه فقيل له: يا رسول الله ما لك أعرضت عن أحمد بن نصر؟ فقال: " أعرضت عنه استحياء منه حين قتله رجل يزعم أنه من أهل بيتي ".
ولم يزل رأسه منصوبا من يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان من هذه السنة - أعني سنة إحدى وثلاثين ومائتين - إلى بعد عيد الفطر بيوم أو يومين من سنة سبع وثلاثين ومائتين، فجمع بين رأسه وجثته ودفن بالجانب الشرقي من بغداد بالمقبرة المعروفة بالمالكية ﵀. وذلك بأمر المتوكل
стр. 3928
على الله الذي ولي الخلافة بعد أخيه الواثق، وقد دخل عبد العزيز بن يحيى الكتاني - صاحب كتاب الحيدة - على المتوكل وكان من خيار الخلفاء لأنه أحسن الصنيع لأهل السنة، بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمه المأمون، فإنهم أساؤوا إلى أهل السنة وقربوا أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم، فأمره أن ينزل جثة أحمد بن نصر ويدفنه ففعل، وقد كان المتوكل يكرم الإمام أحمد بن حنبل إكراما زائدا جدا كما سيأتي بيانه في موضعه. والمقصود أن عبد العزيز صاحب كتاب الحيدة قال للمتوكل: يا أمير المؤمنين ما رأيت أو ما رئي أعجب من أمر الواثق، قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن. فوجل المتوكل من كلامه وساءه ما سمع في أخيه الواثق، فلما دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات قال له المتوكل: في قلبي شئ من قتل أحمد بن نصر. فقال: يا أمير المؤمنين أحرقني الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا ودخل عليه هرثمة فقال له في ذلك فقال: قطعني الله إربا إربا إن قتله إلا كافرا. ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد فقال له مثل ذلك فقال: ضربني الله بالفالج إن قتله الواثق إلا كافرا. قال المتوكل: فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار. وأما هرثمة فإنه هرب فاجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من الحي فقال: يا معشر خزاعة هذا الذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر فقطعوه. فقطعوه إربا إربا. وأما ابن أبي دؤاد فقد سجنه الله في جلده - يعني بالفالج - ضربه الله قبل موته بأربع سنين، وصودر من صلب ماله بمال جزيل جدا كما سيأتي بيانه في موضعه.
وروى أبو داود في كتاب المسائل عن أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أحمد بن نصر قال: سألت سفيان بن عيينة " القلوب بين إصبعين من أصابع الله، وإن الله يضحك ممن يذكره في الأسواق ". فقال: اروها كما جاءت بلا كيف.
وفيها أراد الواثق أن يحج واستعد لذلك فذكر له أن الماء بالطريق قليل فترك الحج عامئذ. وفيها تولى جعفر بن دينار نائب اليمن فسار إليها في أربعة آلاف فارس (١). وفيها عدا قوم من العامة على بيت المال فأخذوا منه شيئا من الذهب والفضة، فأخذوا وسجنوا. وفيها ظهر خارجي (٢) ببلاد ربيعة فقاتله نائب الموصل فكسره وانهزم أصحابه. وفيها قدم وصيف الخادم بجماعة من الأكراد نحو من خمسمائة في القيود، كانوا قد أفسدوا في الطرقات وقطعوها، فأطلق الخليفة لوصيف الخادم خمسة وسبعين ألف دينار، وخلع عليه. وفيها قدم خاقان الخادم من بلاد الروم وقد تم الصلح والمفاداة بينه وبين الروم، وقدم معه جماعة من رؤوس الثغور، فأمر الواثق بامتحانهم بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة فأجابوا إلا أربعة فأمر بضرب أعناقهم إن لم يجيبوا بالقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة. وأمر الواثق أيضا بامتحان الأسارى الذين فودوا من أسر الفرنج بالقول بخلق القرآن وأن الله
стр. 3929
لا يرى في الآخرة فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة فودي وإلا ترك في أيدي الكفار، وهذه بدعة صلعاء شنعاء عمياء صماء لا مستند لها من كتاب ولا سنة ولا عقل صحيح، بل الكتاب والسنة والعقل الصحيح بخلافها كما هو مقرر في موضعه. وبالله المستعان.
وكان وقوع المفاداة عند نهر يقال له اللامس، عند سلوقية بالقرب من طرسوس، بدل كل مسلم أو مسلمة في أيدي الروم أو ذمي أو ذمية كان تحت عقد المسلمين أسير من الروم كان بأيدي المسلمين ممن لم يسلم، فنصبوا جسرين على النهر فإذا أرسل الروم مسلما أو مسلمة في جسرهم فانتهى إلى المسلمين كبر وكبر المسلمون، ثم يرسل المسلمون أسيرا من الروم على جسرهم فإذا انتهى إليهم تكلم بكلام يشبه التكبير أيضا. ولم يزالوا كذلك مدة أربعة أيام بدل كل نفس نفس، ثم بقي مع خاقان جماعة من الروم الأسارى فأطلقهم للروم حتى يكون له الفضل عليهم.
قال ابن جرير: وفيها مات الحسن بن الحسين أخو طاهر بطبرستان في شهر رمضان. وفيها مات الخطاب بن وجه الفلس وفيها مات أبو عبد الله بن الأعرابي الراوية يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من شعبان، وهو ابن ثمانين سنة. وفيها ماتت أم أبيها بنت موسى أخت علي بن موسى الرضا. وفيها مات مخارق المغني. وأبو نصر أحمد بن حاتم راوية الأصمعي. وعمرو بن أبي عمرو الشيباني. ومحمد بن سعدان النحوي. قلت: وممن توفي فيها أيضا أحمد بن نصر الخزاعي كما تقدم. وإبراهيم بن محمد بن عرعرة (١). وأمية بن بسطام (٢). وأبو تمام الطائي في قول. والمشهور ما تقدم. وكامل بن طلحة (٣). ومحمد بن سلام الجمحي (٤). وأخوه عبد الرحمن. ومحمد بن منهال الضرير (٥). ومحمد بن منهال أخو حجاج. وهارون بن معروف (٦). والبويطي صاحب الشافعي مات في السجن مقيدا على القول بخلق القرآن فامتنع من ذلك. ويحيى بن بكير راوي الموطأ عن مالك.
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائتين
فيها عاثت قبيلة يقال لها بنو نمير باليمامة فسادا فكتب الواثق إلى بغا الكبير وهو مقيم بأرض الحجاز فحاربهم فقتل منهم جماعة وأسر منهم آخرين، وهزم بقيتهم، ثم التقى مع بني تميم وهو في
стр. 3930
ألفي فارس وهم ثلاثة آلاف، فجرت بينهم حروب ثم كان الظفر له عليهم آخرا، وذلك في النصف من جمادي الآخرة. ثم عاد بعد ذلك إلى بغداد ومعهم من أعيان رؤوسهم في القيود والأسر جماعة، وقد فقد من أعيانهم في الوقائع ما ينيف على ألفي رجل من بني سليم ونمير ومرة وكلاب وفزارة وثعلبة وطي وتميم وغيرهم. وفي هذه السنة أصاب الحجيج في رجوعهم عطش شديد حتى بيعت الشربة بالدنانير الكثيرة، ومات خلق كثير من العطش. وفيها أمر الواثق بترك جباية أعشار سفن البحر.
وفيها كانت وفاة الخليفة الواثق بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد أبي جعفر هارون الواثق. كان هلاكه في ذي الحجة من هذه السنة بعلة الاستسقاء، فلم يقدر على حضور العيد عامئذ، فاستناب في الصلاة بالناس قاضيه أحمد بن أبي دؤاد الأيادي المعتزلي. توفي لست بقين من ذي الحجة، وذلك أنه قوي به الاستسقاء فأقعد في تنور قد أحمي له بحيث يمكنه الجلوس فيه ليسكن وجعه، فلان عليه بعض الشئ اليسير، فلما كان من الغد أمر بأن يحمى أكثر من العادة فأجلس فيه ثم أخرج فوضع في محفة فحمل فيها وحوله أمراؤه ووزراؤه وقاضيه، فمات وهو محمول فيها، فما شعروا حتى سقط جبينه على المحفة وهو ميت، فغمض القاضي عينيه بعد سقوط جبينه، وولي غسله والصلاة عليه ودفنه في قصر الهادي، عليهما من الله ما يستحقانه. وكان أبيض اللون مشربا حمرة جميل المنظر خبيث القلب حسن الجسم سئ الطوية، قاتم العين اليسرى، فيها نكتة بيضاء، وكان مولده سنة ست وتسعين ومائة بطريق مكة، فمات وهو ابن ست وثلاثين سنة، ومدة خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وقيل سبعة أيام واثنتي عشرة ساعة. فهكذا أيام أهل الظلم والفساد والبدع قليلة قصيرة. وقد جمع الواثق أصحاب النجوم في زمانه حين اشتدت علته، وإنما اشتدت بعد قتله أحمد بن نصر الخزاعي ليلحقه إلى بين يدي الله، فلما جمعهم أمرهم أن ينظروا في مولده وما تقتضيه صناعة النجوم كم تدوم أيام دولته، فاجتمع عنده من رؤوسهم جماعة منهم الحسن بن سهل والفضل بن إسحاق الهاشمي، وإسماعيل بن نوبخت. ومحمد بن موسى الخوارزمي المجوسي القطربلي وسند صاحب محمد بن الهيثم، وعامة من ينظر في النجوم، فنظروا في مولده وما يقتضيه الحال عندهم فأجمعوا على أنه يعيش في الخلافة دهرا طويلا، وقدروا له خمسين سنة مستقبلة من يوم نظروا نظر من لم يبصر، فإنه لم يعش بعد قولهم وتقديرهم إلا عشرة أيام حتى هلك. ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀.
قال ابن جرير: وذكر الحسين بن الضحاك أنه شهد الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام وقد قعد مجلسا كان أول مجلس قعده، وكان أول ما غنى به في ذلك المجلس أن غنته شارية جارية إبراهيم بن المهدي:
ما درى الحاملون يوم استقلوا … نعشه للثواء أم للقاء (١)
стр. 3931
فليقل فيك باكياتك ما شئن … صياحا في وقت كل مساء
قال: فبكى وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه. ثم اندفع بعضهم يغني:
ودع هريرة إن الركب مرتحل … وهل تطيق وداعا أيها الرجل
فازداد بكاؤه وقال: ما سمعت كاليوم قط تعزية بأب وبغى نفس، ثم ارفض ذلك المجلس. وروى الخطيب أن دعبل بن علي الشاعر لما تولى الواثق عمد إلى طومار فكتب فيه أبيات شعر ثم جاء إلى الحاجب فدفعه إليه وقال: اقرأ أمير المؤمنين السلام وقل: هذه أبيات امتدحك بها دعبل فلما فضها الواثق إذا فيها:
الحمد لله لا صبر ولا جلد … ولا عزاء إذا أهل الهوى (١) رقدوا
خليفة مات لم يحزن له أحد … وآخر قام لم يفرح به أحد
فمر هذا ومر الشؤم يتبعه … وقام هذا فقام الويل والنكد
قال: فتطلبه الواثق بكل ما يقدر عليه من الطلب فلم يقدر عليه حتى مات الواثق. وروى أيضا أنه لما استخلف الواثق ابن أبي دؤاد على الصلاة في يوم العيد ورجع إليه بعد أن قضاها قال له: كيف كان عيدكم يا أبا عبد الله؟ قال: كنا في نهار لا شمس فيه. فضحك وقال: يا أبا عبد الله أنا مؤيد بك. قال الخطيب: وكان ابن أبي دؤاد استولى على الواثق وحمله على التشديد في المحنة ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن. قال ويقال: إن الواثق رجع عن ذلك قبل موته فأخبرني عبد الله بن أبي الفتح، أنبأ أحمد بن إبراهيم بن الحسن، ثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، حدثني حامد بن العباس عن رجل عن المهدي: أن الواثق مات وقد تاب من القول بخلق القرآن. وروي أن الواثق دخل عليه يوما مؤدبه فأكرمه إكراما كثيرا فقيل له في ذلك فقال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله وأدناني برحمة الله. وكتب إليه بعض الشعراء:
جذبت دواعي النفس عن طلب الغنى … وقلت لها عفي عن الطلب النزر
فإن أمير المؤمنين بكفه … مدار رحا الأرزاق دائمة تجري
فوقع له في رقعته جذبتك نفسك عن امتهانها، ودعتك إلى صونها فخذ ما طلبته هينا. وأجزل له العطاء. ومن شعره قوله:
هي المقادير تجري في أعنتها … فاصبر فليس لها صبر على حال
ومن شعر الواثق قوله:
стр. 3932
تنح عن القبيح ولا ترده … ومن أوليته حسنا فزده
ستكفي من عدوك كل كيد … إذا كاد العدو ولم تكده
وقال القاضي يحيى بن أكثم: ما أحسن أحد من خلفاء بني العباس إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق: ما مات وفيهم فقير. ولما احتضر جعل يردد هذين البيتين:
الموت فيه جمع الخلق مشترك … لا سوقة منهم يبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم … وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا
ثم أمر بالبسط فطويت ثم ألصق خده بالأرض وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه أرحم من قد زال ملكه. وقال بعضهم: لما احتضر الواثق ونحن حوله غشي عليه فقال بعضنا لبعض: انظروا هل قضى؟ قال: فدنوت من بينهم إليه لأنظر هل هدأ نفسه، فأفاق فلحظ إلي بعينه فرجعت القهقرى خوفا منه، فتعلقت قائمة سيفي بشئ فكدت أن أهلك، فما كان عن قريب حتى مات وأغلق عليه الباب الذي هو فيه وبقي فيه وحده واشتغلوا عن تجهيزه بالبيعة لأخيه جعفر المتوكل، وجلست أنا أحرس الباب فسمعت حركة من داخل البيت فدخلت فإذا جرذ قد أكل عينه التي لحظ إلي بها، وما كان حولها من الخدين.
وكانت وفاته بسر من رأى التي كان يسكنها في القصر الهاروني، في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة من هذه السنة - أعني سنة ثنتين وثلاثين ومائتين - عن ست وثلاثين سنة، وقيل ثنتين وثلاثين سنة. وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وقيل خمس سنين وشهران وأحد وعشرين يوما، وصلى عليه أخوه جعفر المتوكل على الله. والله أعلم.
خلافة المتوكل على الله جعفر بن المعتصم
بويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق وقت الزوال من يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة. وكانت الأتراك قد عزموا على تولية محمد بن الواثق فاستصغروه فتركوه وعدلوا إلى جعفر هذا، وكان عمره إذ ذاك ستا (١) وعشرين سنة، وكان الذي ألبسه خلعة الخلافة أحمد بن أبي دؤاد القاضي، وكان هو أول من سلم عليه بالخلافة وبايعه الخاصة والعامة، وكانوا قد اتفقوا على تسميته بالمنتصر بالله، إلى صبيحة يوم الجمعة فقال ابن أبي دؤاد رأيت أن يلقب بالمتوكل على الله، فاتفقوا على ذلك، وكتب إلى الآفاق وأمر بإعطاء الشاكرية من الجند ثمانية شهور، وللمغاربة أربعة شهور ولغيرهم ثلاثة شهور واستبشر الناس به. وقد كان المتوكل رأى في منامه في حياة أخيه هارون الواثق كأن شيئا نزل عليه من
стр. 3933
السماء مكتوب فيه جعفر المتوكل على الله، فعبره فقيل له هي الخلافة، فبلغ ذلك أخاه الواثق فسجنه حينا ثم أرسله.
وفيها حج بالناس أمير الحجيج محمد بن داود. وفيها توفي الحكم بن موسى (١)، وعمرو بن محمد (٢) الناقد.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
في يوم الأربعاء سابع صفر منها أمر الخليفة المتوكل على الله بالقبض على محمد بن عبد الملك بن الزيات وزير الواثق، وكان المتوكل يبغضه لأمور، منها أن أخاه الواثق غضب على المتوكل في بعض الأوقات وكان ابن الزيات يزيده غضبا عليه، فبقي ذلك في نفسه، ثم كان الذي استرضى الواثق عليه أحمد بن أبي دؤاد فحظي بذلك عنده في أيام ملكه، ومنها أن ابن الزيات كان قد أشار بخلافة محمد بن الواثق بعد أبيه، ولف عليه الناس، وجعفر المتوكل في جنب دار الخلافة لم يلتفت إليه ولم يتم الامر إلا لجعفر المتوكل على الله، رغم أنف ابن الزيات. فلهذا أمر بالقبض عليه سريعا فطلبه فركب بعد غدائه وهو يظن أن الخليفة بعث إليه، فانتهى به الرسول إلى دار إيتاخ أمير الشرطة فاحتيط به وقيد وبعثوا في الحال إلى داره فأخذ جميع ما فيها من الأموال واللآلئ والجواهر والحواصل والجواري والأثاث، ووجدوا في مجلسه الخاص به آلات الشرب، وبعث المتوكل في الحال أيضا إلى حواصله بسامرا وضياعه وما فيها فاحتاط عليها، وأمر به أن يعذب ومنعوه من الكلام، وجعلوا يساهرونه كلما أراد الرقاد نخس بالحديد، ثم وضعه بعد ذلك كله في تنور من خشب فيه مسامير قائمة في أسفله فأقيم عليها ووكل به من يمنعه من القعود والرقاد، فمكث كذلك أياما حتى مات وهو كذلك. ويقال إنه أخرج من التنور وفيه رمق فضرب على بطنه ثم على ظهره حتى مات وهو تحت الضرب، ويقال إنه أحرق ثم دفعت جثته إلى أولاده فدفنوه، فنبشت عليه الكلاب فأكلت ما بقي من لحمه وجلده.
وكانت وفاته لإحدى عشرة من ربيع الأول منها. وكان قيمة ما وجد له من الحواصل نحوا من تسعين ألف دينار وقد قدمنا أن المتوكل سأله عن قتل أحمد بن نصر الخزاعي فقال: يا أمير المؤمنين أحرقني الله بالنار إن قتله الواثق إلا كافرا. قال المتوكل: فأنا أحرقته بالنار.
وفيها في جمادى الأولى منها بعد مهلك ابن الزيات فلج أحمد بن دؤاد القاضي المعتزلي. فلم يزل مفلوجا حتى مات بعد أربع سنين وهو كذلك، كما دعا على نفسه حين سأله المتوكل عن قتل أحمد بن نصر كما تقدم. ثم غضب المتوكل على جماعة من الدواوين والعمال، وأخذ منهم أموالا جزيلة جدا.
стр. 3934
وفيها ولى المتوكل ابنه محمد المنتصر الحجاز واليمن وعقد له على ذلك كله في رمضان منها. وفيها عمد ملك الروم ميخائيل بن توفيل إلى أمه تدورة فأقامها بالشمس وألزمها الدير وقتل الرجل الذي اتهمها به، وكان ملكها ست سنين. وفيها حج بالناس محمد بن داود أمير مكة. وفيها توفي إبراهيم بن الحجاج الشامي (١)، وحبان بن موسى العربي (٢)، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي (٣)، وسهل بن عثمان العسكري (٤)، ومحمد بن سماعة القاضي (٥)، ومحمد بن عائذ الدمشقي صاحب المغازي، ويحيى المقابري، ويحيى بن معين أحد أئمة الجرح والتعديل، وأستاذ أهل هذه الصناعة في زمانه.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين
فيها خرج محمد بن البعيث بن حلبس عن الطاعة في بلاده أذربيجان، وأظهر أن المتوكل قد مات والتف عليه جماعة من أهل تلك الرساتيق، ولجأ إلى مدينة مرند فحصنها، وجاءته البعوث من كل جانب، وأرسل إليه المتوكل جيوشا يتبع بعضها بعضا، فنصبوا على بلده المجانيق من كل جانب، وحاصروه محاصرة عظيمة جدا، وقاتلهم مقاتلة هائلة، وصبر هو وأصحابه صبر بليغا، وقدم بغا الشرابي لمحاصرته، فلم يزل به حتى أسره واستباح أمواله وحريمه وقتل خلقا من رؤوس أصحابه، وأسر سائرهم وانحسمت مادة ابن البعيث. وفي جمادى الأولى منها خرج المتوكل إلى المدائن. وفيها حج إيتاخ أحد الأمراء الكبار وهو والي مكة، ودعي له على المنابر، وقد كان ايتاخ هذا غلاما خزريا طباخا، وكان لرجل يقال له سلام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع وتسعين ومائة، فرفع منزلته وحظي عنده، وكذلك الواثق من بعده، ضم إليه أعمالا كثيرة، وكذلك عامله المتوكل وذلك لفروسيته ورجلته وشهامته، ولما كان في هذه السنة شرب ليلة مع المتوكل فعربد عليه المتوكل فهم إيتاخ بقتله. فلما كان الصباح اعتذر المتوكل إليه وقال له: أنت أبي وأنت ربيتني، ثم دس إليه من يشير إليه بأن يستأذن للحج فاستأذن فأذن له، وأمره على كل بلدة يحل بها، وخرج القواد في
стр. 3935
خدمته إلى طريق الحج حين خرج، ووكل المتوكل الحجابة لوصيف الخادم عوضا عن ايتاخ. وحج بالناس فيها محمد بن داود أمير مكة وهو أمير الحجيج من سنين متقدمة.
وفيها توفي أبو خيثمة زهير بن حرب. وسليمان بن داود الشاركوني أحد الحفاظ. وعبد الله بن محمد النفيلي. وأبو ربيع الزهراني (١). وعلي بن عبد الله بن جعفر المديني شيخ البخاري في صناعة الحديث. ومحمد بن عبد الله بن نمير (٢). ومحمد بن أبي بكر المقدمي. والمعافا الرسيعني. ويحيى بن يحيى الليثي راوي الموطأ عن مالك.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين
في جمادى الآخرة منها كان هلاك إيتاخ في السجن، وذلك أنه رجع من الحج فتلقته هدايا الخليفة، فلما اقترب يريد دخول سامرا التي فيها المتوكل بعث إليه إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد عن أمر الخليفة يستدعيه إليها ليتلقاه وجوه الناس وبني هاشم، فدخلها في أبهة عظيمة، فقبض عليه إسحاق بن إبراهيم وعلى ابنيه مظفر ومنصور وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد النصراني فأسلم تحت العقوبة، وكان هلاك إيتاخ بالعطش، وذلك أنه أكل أكلا كثيرا بعد جوع شديد ثم استسقى الماء فلم يسق حتى مات ليلة الأربعاء لخمس خلون من جمادى الآخرة منها. ومكث ولداه في السجن مدة خلافة المتوكل، فلما ولي المنتصر ولد المتوكل أخرجهما. وفي شوال منها قدم بغا سامرا ومعه محمد بن البعيث وأخواه صقر وخالد، ونائبه العلاء ومعهم من رؤوس أصحابه نحو من مائة وثمانين إنسانا فأدخلوا على الجمال ليراهم الناس، فلما أوقف ابن البعيث بين يدي المتوكل أمر بضرب عنقه، فأحضر السيف والنطع فجاء السيافون فوقفوا حوله، فقال له المتوكل: ويلك ما دعاك إلى ما فعلت؟ فقال: الشقوة يا أمير المؤمنين، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو. ثم اندفع يقول بديهة:
أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي … إمام الهدى والصفح بالمرء أجمل
وهل أنا إلا جبلة من خطيئة … وعفوك من نور النبوة يجبل
فإنك خير السابقين إلى العلى … ولا شك أن خير الفعالين تفعل
فقال المتوكل: إن معه لأدبا. ثم عفا عنه. ويقال بل شفع فيه المعتز بن المتوكل فشفعه، ويقال بل أودع في السجن في قيوده فلم يزل فيه حتى هرب بعد ذلك، وقد قال حين هرب:
стр. 3936
كم قد قضيت أمورا كان أهملها … غيري وقد أخذ الافلاس بالكظم
لا تعذليني فيما ليس ينفعني … إليك عني جرى المقدور (١) بالقلم
سأتلف المال في عسر وفي يسر … إن الجواد يعطي على العدم
وفيها أمر المتوكل أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في لباسهم وعمائمهم وثيابهم، وأن يتطيلسوا بالمصبوغ بالقلى وأن يكون على عمائمهم رقاع مخالفة للون ثيابهم من خلفهم ومن بين أيديهم، وأن يلزموا بالزنانير الخاصرة لثيابهم كزنانير الفلاحين اليوم، وأن يحملوا في رقابهم كرات من خشب كثيرة، وأن لا يركبوا خيلا، ولتكن ركبهم من خشب، إلى غير ذلك من الأمور المذلة لهم المهينة لنفوسهم، وأن لا يستعملوا في شئ من الدواوين التي يكون لهم فيها حكم على مسلم، وأمر بتخريب كنائسهم المحدثة، وبتضييق منازلهم المتسعة، فيؤخذ منها العشر، وأن يعمل مما كان متسعا من منازلهم مسجد، وأمر بتسوية قبورهم بالأرض، وكتب بذلك إلى سائر الأقاليم والآفاق، وإلى كل بلد ورستاق.
وفيها خرج رجل يقال له محمود بن الفرج النيسابوري، وهو ممن كان يتردد إلى خشبة بابك وهو مصلوب فيقعد قريبا منه، وذلك بقرب دار الخلافة بسر من رأى، فادعى أنه نبي، وأنه ذو القرنين وقد اتبعه على هذه الضلالة ووافقه على هذه الجهالة جماعة قليلون، وهم تسعة (٢) وعشرون رجلا، وقد نظم لهم كلاما في مصحف له قبحه الله، زعم أن جبريل جاءه به من الله، فأخذ فرفع أمره إلى المتوكل فأمر فضرب بين يديه بالسياط، فاعترف بما نسب إليه وما هو معول عليه، وأظهر التوبة من ذلك والرجوع عنه، فأمر الخليفة كل واحد من أتباعه التسعة والعشرين أن يصفعه فصفعوه عشر صفعات فعليه وعليهم لعنة رب الأرض والسماوات. ثم اتفق موته في يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي الحجة من هذه السنة.
وفي يوم السبت لثلاث بقين من ذي الحجة أخذ المتوكل على الله العهد من بعده لأولاده الثلاثة وهم: محمد المنتصر، ثم أبو عبد الله المعتز، واسمه محمد، وقيل الزبير، ثم لإبراهيم وسماه المؤيد بالله (٣)، ولم يل الخلافة هذا. وأعطى كل واحد منهم طائفة من البلاد يكون نائبا عليها ويستنيب فيها ويضرب له السكة بها، وقد عين ابن جرير ما لكل واحد منهم من البلدان والأقاليم، وعقد لكل واحد منهم لواءين لواء أسود للعهد، ولواء للعمالة، وكتب بينهم كتابا بالرضى منهم ومبايعته لأكثر الأمراء على ذلك وكان يوما مشهودا. وفيها في شهر ذي الحجة منها تغير ماء دجلة إلى الصفرة ثلاثة أيام ثم
стр. 3937
صار في لون ماء الدردي (١) ففزع الناس لذلك. وفيها أتى المتوكل بيحيى بن عمر بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من بعض النواحي، وكان قد اجتمع إليه قوم من الشيعة فأمر بضربه فضرب ثماني عشرة مقرعة ثم حبس في المطبق. وحج بالناس محمد بن داود.
قال ابن جرير: وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم صاحب الجسر - يعني نائب بغداد - يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة وجعل ابنه محمد مكانه، وخلع عليه خمس خلع وقلده سيفا. قلت: وقد كان نائبا في العراق من زمن المأمون، وهو من الدعاة تبعا لسادته وكبرائه إلى القول بخلق القرآن الذي قال الله تعالى فيهم (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل) [الأحزاب: ٦٧] الآية. وهو الذي كان يمتحن الناس ويرسلهم إلى المأمون. وفيها توفي:
إسحاق بن [إبراهيم بن] (٢) ماهان
الموصلي النديم الأديب ابن الأديب النادر الشكل في وقته، المجموع من كل فن يعرفه أبناء عصره، في الفقه والحديث والجدل والكلام واللغة والشعر، ولكن اشتهر بالغناء لأنه لم يكن له في الدنيا نظير فيه. قال المعتصم: إن إسحاق إذا غنى يخيل لي أنه قد زيد في ملكي. وقال المأمون: لولا اشتهاره بالغناء لوليته القضاء لما أعلمه من عفته ونزاهته وأمانته. وله شعر حسن وديوان كبير، وكانت عنده كتب كثيرة من كل فن. توفي في هذه السنة وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. وقد ترجمه ابن عساكر ترجمة حافلة وذكر عنه أشياء حسنة وأشعارا رائقة وحكايات مدهشة يطول استقصاؤها. فمن غريب ذلك أنه غنى يوما يحيى بن خالد بن برمك فوقع له بألف ألف ووقع له ابنه جعفر بمثلها، وابنه الفضل بمثلها، في حكايات طويلة.
وفيها توفي سريج (٣) بن يونس. وشيبان بن فروخ (٤)، وعبيد الله بن عمر القواريري (٥). وأبو بكر بن أبي شيبة أحد الاعلام وأئمة الاسلام وصاحب المصنف الذي لم يصنف أحد مثله قط لا قبله ولا بعده.
стр. 3938
ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائتين
فيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب وما حوله من المنازل والدور، ونودي في الناس من وجد هنا بعد ثلاثة أيام ذهبت به إلى المطبق. فلم يبق هناك بشر، واتخذ ذلك الموضع مزرعة تحرث وتستغل. وفيها حج بالناس محمد بن المنتصر بن المتوكل. وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن مصعب سمه ابن أخيه محمد بن إسحاق بن إبراهيم، وكان محمد بن إبراهيم هذا من الأمراء الكبار. وفيها توفي الحسن بن سهل الوزير والد بوران زوجة المأمون التي تقدم ذكرها، وكان من سادات الناس، ويقال إن إسحاق بن إبراهيم المغني توفي في هذه السنة فالله أعلم. وفيها توفي أبو سعيد محمد بن يوسف المروزي فجأة، فولى ابنه يوسف مكانه على نيابة أرمينية، وفيها توفي إبراهيم بن المنذر الحزامي (١). ومصعب بن عبد الله الزبيري (٢). وهدبة بن خالد القيسي (٣). وأبو الصلت الهروي أحد الضعفاء.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين
فيها قبض يوسف بن محمد بن يوسف نائب أرمينية على البطريق الكبير بها وبعثه إلى نائب الخليفة، واتفق بعد بعثه إياه أن سقط ثلج عظيم على تلك البلاد، فتحزب أهل تلك الطريق وجاؤوا فحاصروا البلد التي بها يوسف فخرج إليهم ليقاتلهم فقتلوه وطائفة كبيرة من المسلمين الذين معه وهلك كثير من الناس من شدة البرد، ولما بلغ المتوكل ما وقع من هذا الامر الفظيع أرسل إلى أهل تلك الناحية بغا الكبير في جيش كثيف جدا فقتل من أهل تلك الناحية ممن حاصر المدينة نحوا من ثلاثين ألفا وأسر منهم طائفة كبيرة، ثم سار إلى بلاد الباق من كور البسفرجان وسلك إلى مدن كثيرة كبار ومهد المماليك ووطد البلاد والنواحي. وفي صفر منها غضب المتوكل على ابن أبي دؤاد القاضي المعتزلي وكان على المظالم، فعزله عنها واستدعى بيحيى بن أكثم فولاه قضاء القضاة والمظالم أيضا (٤). وفي ربيع الأول أمر الخليفة بالاحتياط على ضياع ابن أبي دؤاد وأخذ ابنه أبا الوليد محمد فحبسه في يوم السبت لثلاث خلون من ربيع الآخر (٥)، وأمر بمصادرته فحمل مائة ألف وعشرين ألف دينار، ومن الجواهر
стр. 3939
النفيسة ما يقوم بعشرين (١) ألف دينار، ثم صولح على ستة عشر ألف ألف درهم. كان ابن أبي دؤاد قد أصابه الفالج كما ذكرنا. ثم نفي أهله من سامرا إلى بغداد مهانين، قال ابن جرير فقال في ذلك أبو العتاهية:
لو كنت في الرأي منسوبا إلى رشد … وكان عزمك عزما فيه توفيق
لكان في الفقه شغل لو قنعت به … عن أن تقول كتاب الله مخلوق
ماذا عليك وأصل الدين يجمعهم … ما كان في الفرع لولا الجهل والموق
وفي عيد الفطر منها أمر المتوكل بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي والجمع بين رأسه وجسده وأن يسلم إلى أوليائه، ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، واجتمع في جنازته خلق كثير جدا، وجعلوا يتمسحون بها وبأعواد نعشه، وكان يوما مشهودا. ثم أتوا إلى الجذع الذي صلب عليه فجعلوا يتمسحون به، وأرهج العامة بذلك فرحا وسرورا، فكتب المتوكل إلى نائبه يأمره بردعهم عن تعاطي مثل هذا وعن المغالاة في البشر، ثم كتب المتوكل إلى الآفاق بالمنع من الكلام في مسألة الكلام والكف عن القول بخلق القرآن، وأن من تعلم علم الكلام لو تكلم فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت. وأمر الناس أن لا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير، ثم أظهر إكرام الإمام أحمد بن حنبل واستدعاه من بغداد إليه، فاجتمع به فأكرمه وأمر له بجائزة سنية فلم يقبلها، وخلع عليه خلعة سنية من ملابسه فاستحيا منه أحمد كثيرا فلبسها إلى الموضع الذي كان نازلا فيه ثم نزعها نزعا عنيفا وهو يبكي رحمه الله تعالى. وجعل المتوكل في كل يوم يرسل إليه من طعامه الخاص ويظن أنه يأكل منه، وكان أحمد لا يأكل لهم طعاما بل كان صائما مواصلا طاويا تلك الأيام، لأنه لم يتيسر له شئ يرضى أكله، ولكن كان ابنه صالح وعبد الله يقبلان تلك الجوائز وهو لا يشعر بشئ من ذلك، ولولا أنهم أسرعوا الأوبة إلى بغداد لخشي على أحمد أن يموت جوعا، وارتفعت السنة جدا في أيام المتوكل عفا الله عنه، وكان لا يولي أحدا إلا بعد مشورة الإمام أحمد، وكان ولاية يحيى بن أكثم قضاء القضاة موضع ابن أبي دؤاد عن مشورته، وقد كان يحيى بن أكثم هذا من أئمة السنة، وعلماء الناس، ومن المعظمين للفقه والحديث واتباع الأثر، وكان قد ولى من جهته حيان بن بشر قضاء الشرقية، وسوار بن عبد الله قضاء الجانب الغربي، وكان كلاهما أعورا. فقال في ذلك بعض أصحاب (٢) ابن أبي دؤاد:
رأيت من العجائب قاضيين … هما أحدوثة في الخافقين
هما اقتسما العمى نصفين قدا … كما اقتسما قضاء الجانبين
ويحسب منهما من هز رأسا … لينظر في مواريث ودين
стр. 3940
كأنك قد وضعت عليه دنا … فتحت بزاله من فرد عين
هما فأل الزمان بهلك يحيى … إذ افتتح القضاء بأعورين
وغزا الصائفة في هذه السنة علي بن يحيى الأرمني. وحج بالناس علي بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور أمير الحجاز. وفيها توفي حاتم الأصم (١). وممن توفي فيها عبد الأعلى بن حماد (٢). وعبيد الله بن معاذ العنبري (٣) وأبو كامل الفضيل بن الحسن (٤) الجحدري.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين
في ربيع الأول منها حاصر بغا مدينة تفليس وعلى مقدمته زيرك التركي، فخرج إليه صاحب تفليس إسحاق بن إسماعيل فقاتله فأسر بغا إسحاق فأمر بغا بضرب عنقه وصلبه، وأمر بإلقاء النار في النفط إلى نحو المدينة، وكان أكثر بنائها من خشب الصنوبر، فأحرق أكثرها وأحرق من أهلها نحوا من خمسين ألفا، وطفئت النار بعد يومين، لان نار الصنوبر لا بقاء لها. ودخل الجند فأسروا من بقي من أهلها واستلبوهم حتى استلبوا المواشي. ثم سار بغا إلى مدن أخرى ممن كان يمالئ أهلها مع من قتل نائب أرمينية يوسف بن محمد بن يوسف، فأخذ بثأره وعاقب من تجرأ عليه.
وفيها جاءت الفرنج في نحو من ثلاثمائة مركب قاصدين مصر من جهة دمياط، فدخلوها فجأة فقتلوا من أهلها خلقا وحرقوا المسجد الجامع والمنبر، وأسروا من النساء نحوا من ستمائة امرأة، من المسلمات مائة وخمسة وعشرين امرأة، وسائرهن من النساء القبط، وأخذوا من الأمتعة والمال والأسلحة شيئا كثيرا جدا، وفر الناس منهم في كل جهة، وكان من غرق في بحيرة تنيس أكثر ممن أسروه، ثم رجعوا على حمية ولم يعرض لهم أحد حتى رجعوا بلادهم لعنهم الله. وفي هذه السنة غزا الصائفة علي بن يحيى الأرمني. وفيها حج بالناس الأمير الذي حج بهم قبلها.
وفيها توفي إسحاق بن راهويه أحد الاعلام وعلماء الاسلام، والمجتهدين من الأنام. وبشر بن الوليد الفقيه الحنفي. وطالوت بن عباد (٥). ومحمد بن بكار بن الريان (٦). ومحمد بن البرجاني (٧).
стр. 3941
ومحمد بن أبي السري العسقلاني (١).
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين
في المحرم منها زاد المتوكل في التغليظ على أهل الذمة في التميز في اللباس وأكد الامر بتخريب الكنائس المحدثة في الاسلام. وفيها نفى المتوكل علي بن الجهم إلى خراسان. وفيها اتفق شعانين النصارى ويوم النيروز في يوم واحد وهو يوم الأحد لعشرين ليلة خلت من ذي القعدة، وزعمت النصارى أن هذا لم يتفق مثله في الاسلام إلا في هذا العام. وغزا الصائفة علي بن يحيى المذكور. وفيها حج بالناس عبد الله بن محمد بن داود والي مكة.
قال ابن جرير: وفيها توفي أبو الوليد محمد بن القاضي أحمد بن أبي دؤاد الأيادي المعتزلي.
قلت: وممن توفي فيها داود بن رشيد (٢). وصفوان بن صالح مؤذن أهل دمشق. وعبد الملك بن حبيب الفقيه المالكي، أحد المشاهير. وعثمان بن أبي شيبة صاحب التفسير والمسند المشهور. ومحمد بن مهران الرازي (٣). ومحمود بن غيلان (٤). ووهب بن بقية (٥). وفيها توفي:
أحمد بن عاصم الأنطاكي
أبو علي الواعظ الزاهد أحد العباد والزهاد، له كلام حسن في الزهد ومعاملات القلوب، قال أبو عبد الرحمن السلمي: كان من طبقة الحارث المحاسبي، وبشر الحافي. وكان أبو سليمان الداراني يسميه جاسوس القلوب لحدة فراسته. روى عن أبي معاوية الضرير وطبقته، وعنه أحمد بن الحواري، ومحمود بن خالد، وأبو زرعة الدمشقي. وغيرهم. روى عنه أحمد بن الحواري، عن مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان قال: مررت بالحسن البصري وهو جالس وقت السحر فقلت: يا أبا سعيد مثلك يجلس في هذا الوقت؟ قال: إني توضأت وأردت نفسي على الصلاة فأبت علي، وأرادتني على أن تنام فأبيت عليها. ومن مستجاد كلامه قوله: إذا أردت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ جوارحك. وقال: من الغنيمة الباردة أن تصلح ما بقي من عمرك فيغفر لك ما مضى منه. وقال: يسير
стр. 3942
اليقين يخرج الشك كله من قلبك، ويسير الشك يخرج اليقين كله منه. وقال: من كان بالله أعرف كان منه أخوف. وقال: خير صاحب لك في دنياك الهم، يقطعك عن الدنيا ويوصلك إلى الآخرة. ومن شعره:
هممت ولم أعزم ولو كنت صادقا … عزمت ولكن الفطام شديدا
ولو كان لي عقل وإيقان موقن … لما كنت عن قصد الطريق أحيد
ولو كان في غير السلوك مطامعي … ولكن عن الاقدار كيف أميد
ومن شعره أيضا:
قد بقينا مذبذبين حيارى … نطلب الصدق ما إليه سبيل
فدواعي الهوى تخف علينا … وخلاف الهوى علينا ثقيل
فقد الصدق في الأماكن حتى … وصفه اليوم ما عليه دليل
لا نرى خائفا فيلزمنا الخوف … ولسنا نرى صادقا على ما يقول
ومن شعره أيضا:
هون عليك فكل الامر ينقطع … وخل عنك ضباب الهم يندفع
فكل هم له من بعده فرج … وكل كرب إذا ما ضاق يتسع
إن البلاء وإن طال الزمان به … الموت يقطعه أو سوف ينقطع
وقد أطال الحافظ ابن عساكر ترجمته ولم يؤرخ وفاته، وإنما ذكرته ههنا تقريبا والله أعلم.
ثم دخلت سنة أربعين ومائتين
فيها عدا أهل حمص على عاملهم أبي الغيث (١) موسى بن إبراهيم الرافقي (٢) لأنه قتل رجلا من أشرافهم فقتلوا جماعة من أصحابه وأخرجوه من بين أظهرهم، فبعث إليهم المتوكل أميرا عليهم وقال للسفير معه: إن قبلوه وإلا فأعلمني. فقبلوه (٣) فعمل فيهم الأعاجيب وأهانهم غاية الإهانة. وفيها عزل المتوكل يحيى بن أكثم القاضي عن قضاء القضاة وصادره بما مبلغه ثمانون ألف دينار، وأخذ منه أراضي كثيرة في أرض البصرة، وولى مكانه جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي على قضاء القضاة. قال ابن جرير: وفي المحرم منها توفي أحمد بن أبي دؤاد بعد ابنه بعشرين يوما.
стр. 3943
وهذه ترجمته
هو أحمد بن أبي دؤاد واسمه الفرج - وقيل دعمى، والصحيح أن اسمه كنيته - الأيادي المعتزلي. قال ابن خلكان في نسبه: هو أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد فرج بن جرير بن مالك بن عبد الله بن عباد بن سلام [بن مالك] بن عبد هند بن عبد نجم (١) بن مالك بن فيض بن منعة بن برجان بن دوس الهذلي بن أمية بن حذيفة بن زهير بن إياد بن أد بن معد بن عدنان. قال الخطيب: ولي ابن أبي دؤاد قضاء القضاة للمعتصم، ثم للواثق. وكان موصوفا بالجود والسخاء وحسن الخلق ووفور الأدب، غير أنه أعلن بمذهب الجهمية وحمل السلطان على امتحان الناس بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الآخرة. قال الصولي: لم يكن بعد البرامكة أكرم منه، ولولا ما وضع من نفسه من محبة المحنة لاجتمعت عليه الانس. قالوا: وكان مولده في سنة ستين ومائة، وكان أسن من يحيى بن أكثم بعشرين سنة. قال ابن خلكان: وأصله من بلاد قنسرين، وكان أبوه تاجرا يفد إلى الشام ثم وفد إلى العراق وأخذ ولده هذا معه إلى العراق، فاشتغل بالعلم وصحب هياج بن العلاء السلمي أحد أصحاب واصل بن عطاء فأخذ عنه الاعتزال، وذكر أنه كان يصحب يحيى بن أكثم القاضي ويأخذ عنه العلم. ثم سرد له ترجمة طويلة في كتاب الوفيات، وقد امتدحه بعض الشعراء فقال:
رسول الله والخلفاء منا … ومنا أحمد بن أبي دؤاد (٢)
فرد عليه بعض الشعراء فقال (٣):
فقل للفاخرين على نزار … وهم في الأرض سادات العباد
رسول الله والخلفاء منا … ونبرأ من دعي بني إياد
وما منا إياد إذا أقرت … بدعوة أحمد بن أبي دؤاد
قال: فلما بلغ ذلك أحمد بن أبي دؤاد قال: لولا أني أكره العقوبة لعاقبت هذا الشاعر عقوبة ما فعلها أحد. وعفا عنه. قال الخطيب: حدثني الأزهري: ثنا أحمد بن عمر الواعظ، حدثنا عمر بن الحسن بن علي بن مالك، حدثني جرير بن أحمد أبو مالك قال: كان أبي - يعني أحمد بن أبي دؤاد إذا صلى رفع يديه إلى السماء وخاطب ربه وأنشأ يقول:
ما أنت بالسبب الضعيف وإنما … نجح الأمور بقوة الأسباب
стр. 3944
واليوم حاجتنا إليك وإنما … يدعى الطبيب لساعة الأوصاب
ثم روى الخطيب أن أبا تمام دخل على ابن أبي دؤاد يوما فقال له: أحسبك عاتبا، فقال: إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا، فقال له: أنى لك هذا؟ فقال: من قول أبي نواس:
وليس على الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد (١)
وامتدحه أبو تمام يوما فقال:
لقد أنست مساوي كل دهر … محاسن أحمد بن أبي دؤاد
وما سافرت في الآفاق إلا … ومن جدواك (٢) راحلتي وزادي
نعم (٣) الظن عندك والأماني … وإن قلقت ركابي في البلاد
فقال له: هذا المعنى تفردت به أو أخذته من غيرك؟ فقال: هو لي، غير أني ألمحت بقول أبي نواس:
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة … لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
وقال محمد بن الصولي: ومن مختار مديح أبي تمام لأحمد بن أبي دؤاد قوله:
أأحمد إن الحاسدين كثير … ومالك إن عد الكرام نظير
حللت محلا فاضلا متقادما … من المجد والفخر القديم فخور
فكل غني أو فقير فإنه … إليك وإن نال السماء فقير
إليك تناهى المجد من كل وجهة … يصير فما يعدوك حيث يصير
وبدر إياد أنت لا ينكرونه … كذاك إياد للأنام بدور
تجنبت أن تدعى الأمير تواضعا … وأنت لمن يدعى الأمير أمير
فما من يد إلا إليك ممدة … وما رفعة إلا إليك تشير
قلت: قد أخطأ الشاعر في هذه الأبيات خطأ كبيرا، وأفحش في المبالغة فحشا كثيرا، ولعله إن اعتقد هذا في مخلوق ضعيف مسكين ضال مضل، أن يكون له جهنم وساءت مصيرا. وقال ابن أبي دؤاد يوما لبعضهم: لما لم لا تسألني؟ فقال له: لأني لو سألتك أعطيتك ثمن صلتك. فقال له: صدقت. وأرسل إليه بخمسة آلاف درهم.
стр. 3945
وقال ابن الأعرابي: سأل رجل ابن أبي دؤاد أن يحمله على عير فقال: يا غلام اعطه عيرا وبغلا وبرذونا وفرسا وجارية. وقال له: لو أعلم مركوبا غير هذا لأعطيتك. ثم أورد الخطيب بأسانيده عن جماعة أخبارا تدل على كرمه وفصاحته وأدبه وحلمه ومبادرته إلى قضاء الحاجات، وعظيم منزلته عند الخلفاء. وذكر عن محمد المهدي بن الواثق أن شيخا دخل يوما على الواثق فسلم فلم يرد عليه الواثق بل قال: لا سلم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين بئس ما أدبك معلمك. قال الله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) [النساء: ٨٦] فلا حييتني بأحسن منها ولا رددتها. فقال ابن أبي دؤاد يا أمير المؤمنين الرجل متكلم. فقال: ناظره. فقال ابن أبي دؤاد: ما تقول يا شيخ في القرآن أمخلوق هو؟ فقال الشيخ: لم تنصفني، المسألة لي. فقال: قل. فقال: هذا الذي تقوله علمه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو ما علموه؟ فقال ابن أبي دؤاد: لم يعلموه. قال: فأنت علمت ما لم يعلموا، فخجل وسكت. ثم قال أقلني بل علموه، قال: فلم لا دعوا الناس إليه كما دعوتهم أنت، أما يسعك ما وسعهم؟ فخجل وسكت وأمر الواثق له بجائزة نحو أربعمائة دينار فلم يقبلها. قال المهدي: فدخل أبي المنزل فاستلقى على ظهره وجعل يكرر قول الشيخ على نفسه ويقول: أما وسعك ما وسعهم؟ ثم أطلق الشيخ وأعطاه أربعمائة دينار ورده إلى بلاده، وسقط من عينيه ابن أبي دؤاد ولم يمتحن بعده أحدا. ذكره الخطيب في تاريخه بإسناد فيه بعض من لا يعرف، وساق قصته مطولة. وقد أنشد ثعلب عن أبي حجاج الأعرابي أنه قال في أبي دؤاد:
نكست الدين يا بن أبي دؤاد … فأصبح من أطاعك في ارتداد
زعمت كلام ربك كان خلقا … أما لك عند ربك من معاد
كلام الله أنزله بعلم … على جبريل إلى خير العباد (١)
ومن أمسى ببابك مستضيفا … كمن حل الفلاة بغير زاد
لقد أطرفت يا بن أبي دؤاد … بقولك إنني رجل إيادي
ثم قال الخطيب: أنبأ القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال: أنشدنا المعافى بن زكريا الجريري عن محمد بن يحيى الصولي لبعضهم يهجو ابن أبي دؤاد:
لو كنت في الرأي منسوبا إلى رشد … وكان عزمك عزما فيه توفيق
وقد تقدمت هذه الأبيات.
وروى الخطيب عن أحمد بن الموفق أو يحيى الجلاء أنه قال: ناظرني رجل من الواقفية في خلق القرآن فنالني منه ما أكره، فلما أمسيت أتيت امرأتي فوضعت لي العشاء فلم أقدر أن أنال منه شيئا، فنمت فرأيت رسول الله ﷺ في المسجد الجامع وهناك حلقة فيها أحمد بن حنبل وأصحابه، فجعل
стр. 3946
رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية (فإن يكفر بها هؤلاء) [الانعام: ٨٩] ويشير إلى حلقة ابن أبي دؤاد (فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) [الانعام: ٨٩] ويشير إلى أحمد بن حنبل وأصحابه. وقال بعضهم: رأيت في المنام كأن قائلا يقول: هلك الليلة أحمد بن أبي دؤاد. فقلت له: وما سبب هلاكه؟ فقال: إنه أغضب الله عليه فغضب عليه من فوق سبع سماوات. وقال غيره: رأيت ليلة مات ابن أبي دؤاد كأن النار زفرت زفرة عظيمة فخرج منها لهب فقلت: ما هذا؟ فقيل هذا أنجزت لابن أبي دؤاد.
وقد كان هلاكه في يوم السبت لسبع بقين من المحرم من هذه السنة، وصلى عليه ابنه العباس ودفن في داره ببغداد وعمره يومئذ ثمانون سنة، وابتلاه الله بالفالج قبل موته بأربع سنين حتى بقي طريحا في فراشه لا يستطيع أن يحرك شيئا من جسده، وحرم لذة الطعام والشراب والنكاح وغير ذلك. وقد دخل عليه بعضهم فقال: والله ما جئتك عائدا وإنما جئتك لأعزيك في نفسك وأحمد الله الذي سجنك في جسدك الذي هو أشد عليك عقوبة من كل سجن، ثم خرج عنه داعيا عليه بأن يزيده الله ولا ينقصه مما هو فيه، فازداد مرضا إلى مرضه. وقد صودر في العام الماضي بأموال جزيلة جدا، ولو كان يحمل العقوبة لوضعها عليه المتوكل. قال ابن خلكان: كان مولده في سنة ستين ومائة. قلت: فعلى هذا يكون أسن من أحمد بن حنبل ومن يحيى بن أكثم الذي ذكر ابن خلكان أن ابن أكثم كان سبب اتصال ابن أبي دؤاد بالخليفة المأمون، فحظي عنده بحيث إنه أوصى به إلى أخيه المعتصم، فولاه المعتصم القضاء والمظالم، وكان ابن الزيات الوزير يبغضه، وجرت بينهما منافسات وهجو، وقد كان لا يقطع أمرا بدونه. وعزل ابن أكثم عن القضاء وولاه مكانه، وهذه المحنة التي هي أس ما بعدها من المحن، والفتنة التي فتحت على الناس باب الفتن.
ثم ذكر ابن خلكان ما ضرب به الفالج وما صودر به من المال، وأن ابنه أبا الوليد محمد صودر بألف ألف دينار ومائتي ألف دينار (١)، وأنه مات قبل أبيه بشهر. وأما ابن عساكر فإنه بسط القول في ترجمته وشرحها شرحا جيدا. وقد كان الرجل أديبا فصيحا كريما جوادا ممدحا يؤثر العطاء على المنع، والتفرقة على الجمع وقد روى ابن عساكر بإسناده أنه جلس يوما مع أصحابه ينتظرون خروج الواثق فقال ابن أبي دؤاد إنه ليعجبني هذان البيتان:
ولي نظرة لو كان يحبل ناظر … بنظرته أنثى لقد حبلت مني
فإن ولدت بين تسعة أشهر … إلى نظر ابنا فإن ابنها مني
وممن توفي فيها من الأعيان أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء المشاهير. قال الإمام أحمد: هو عندنا في مسلاخ (٢) الثوري. وخليفة بن خياط أحد أئمة التاريخ وسويد بن سعيد (٣)
стр. 3947
الحدثاني وسويد بن نصر (١). وعبد السلام بن سعيد الملقب بسحنون أحد فقهاء المالكية المشهورين. وعبد الواحد بن غياث (٢). وقتيبة بن سعيد شيخ الأئمة والسنة. وأبو العميثل عبد الله بن خالد (٣) كاتب عبد الله بن طاهر وشاعره، كان عالما باللغة وله فيها مصنفات عديدة أورد منها ابن خلكان
جملة، ومن شعره يمدح عبد الله بن طاهر:
يا من يحاول أن تكون صفاته … كصفات عبد الله أنصت واسمع
فلأنصحنك في خصال (٤) والذي … حج الحجيج إليه فاسمع أودع
أصدق وعف وبر واصبر واحتمل … واصفح وكافئ ودار واحلم وأشجع
والطف ولن وتأن وارفق واتئد … واحزم وجد وحام واحمل وادفع
فلقد نصحتك (٥) إن قبلت نصيحتي … وهديت للنهج الأسد المهيع
اما سحنون المالكي صاحب المدونة
فهو أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن جندب (٦) بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة التنوخي، أصله من مدينة حمص، فدخل به أبوه مع جندها بلاد المغرب فأقام بها، وانتهت إليه رياسة مذهب مالك هنالك، وكان قد تفقه على ابن القاسم، وسببه أنه قدم أسد بن الفرات صاحب الامام مالك من بلاد العرب إلى بلاد مصر فسأل عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك عن أسئلة كثيرة فأجابه عنها، فعقلها عنه ودخل بها بلاد المغرب فانتسخها منه سحنون، ثم قدم على ابن القاسم مصر فأعاد أسئلته عليه فزاد فيها ونقص، ورجع عن أشياء منها، فرتبها سحنون ورجع بها إلى بلاد المغرب، وكتب معه ابن القاسم إلى أسد بن الفرات أن يعرض نسخته على نسخة سحنون ويصلحها بها فلم يقبل، فدعى عليه ابن القاسم فلم ينتفع به ولا بكتابه، وصارت الرحلة إلى سحنون، وانتشرت عنه المدونة، وساد أهل ذلك الزمان، وتولى القضاء بالقيروان (٧) إلى أن توفي في هذه السنة
стр. 3948
عن ثمانين سنة ﵀ وإيانا.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين
في جمادى الأولى أو الآخرة من هذه السنة وثب أهل حمص أيضا على عاملهم محمد بن عبدويه فأرادوا قتله، وساعدهم نصارى أهلها أيضا عليه، فكتب إلى الخليفة يعلمه بذلك، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم، وكتب إلى متولي دمشق أن يمده بجيش من عنده ليساعده على أهل حمص، وكتب إليه أن يضرب ثلاثة منهم معروفين بالشر بالسياط حتى يموتوا، ثم يصلبهم على أبواب البلد، وأن يضرب عشرين آخرين منهم كل واحد ثلاثمائة، وأن يرسلهم إلى سامرا مقيدين في الحديد، وأن يخرج كل نصراني بها ويهدم كنيستها العظمى التي إلى جانب المسجد الجامع، وأن يضيفها إليه، وأمر له بخمسين ألف درهم، وللأمراء الذين ساعدوه بصلات سنية. فامتثل ما أمره به الخليفة فيهم. وفيها أمر الخليفة المتوكل على الله بضرب رجل من أعيان أهل بغداد يقال له عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم، فضرب ضربا شديدا مبرحا، يقال إنه ضرب ألف سوط حتى مات. وذلك أنه شهد عليه سبعة عشر رجلا عند قاضي الشرقية أبي حسان الزيادي أنه يشتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة ﵃. فرفع أمره إلى الخليفة فجاء كتاب الخليفة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين نائب بغداد يأمره أن يضربه بين الناس حد السب (١)، ثم يضرب بالسياط حتى يموت ويلقى في دجلة ولا يصلى عليه، ليرتدع بذلك أهل الالحاد والمعاندة. ففعل معه ذلك قبحه الله ولعنه. ومثل هذا يكفر إن كان قد قذف عائشة بالاجماع، وفيمن قذف سواها من أمهات المؤمنين قولان، والصحيح أنه يكفر أيضا، لأنهن أزواج رسول الله ﷺ ورضي عنهن.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة انقضت الكواكب ببغداد وتناثرت، وذلك ليلة الخميس لليلة خلت من جمادى الآخرة. قال: وفيها مطر الناس في آب مطرا شديدا جدا. قال: وفيها مات من الدواب شئ كثير ولا سيما البقر. قال: وفيها أغارت الروم على عين زربة فأسروا من بها من الزط وأخذوا نساءهم وذراريهم ودوابهم. قال: وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم في بلاد طرسوس بحضرة قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد، عن إذن الخليفة له في ذلك، واستنابته ابن أبي الشوارب. وكانت عدة الاسرى من المسلمين سبعمائة وخمسة وثمانين رجلا، ومن النساء مائة وخمسا وعشرين امرأة، وقد كانت أم الملك تدورة لعنها الله عرضت النصرانية على من كان في يدها من الأسارى، وكانوا نحوا من عشرين ألفا فمن أجابها إلى النصرانية وإلا قتلته، فقتلت اثني عشر ألفا وتنصر بعضهم، وبقي منهم هؤلاء الذين فودوا وهم قريب من التسعمائة رجالا ونساء.
стр. 3949
وفيها أغارت البجة (١) على جيش من أرض مصر، وقد كانت البجة لا يغزون المسلمين قبل ذلك، لهدنة كانت لهم من المسلمين، فنقضوا الهدنة وصرحوا بالخلاف. والبجة طائفة من سودان بلاد المغرب، وكذا النوبة وشنون وزغرير ويكسوم وأمم كثيرة لا يعلمهم إلا الله. وفي بلاد هؤلاء معادن الذهب والجوهر، وكان عليهم حمل في كل سنة إلى ديار مصر من هذه المعادن (٢)، فلما كانت دولة المتوكل امتنعوا من أداء ما عليهم سنين متعددة، فكتب نائب مصر - وهو يعقوب بن إبراهيم الباذغيسي مولى الهادي وهو المعروف بقوصرة - بذلك كله إلى المتوكل، فغضب المتوكل من ذلك غضبا شديدا، وشاور في أمر البجة فقيل له: يا أمير المؤمنين إنهم قوم أهل إبل وبادية، وإن بلادهم بعيدة ومعطشة، ويحتاج الجيش الذاهبون إليها أن يتزودوا لمقامهم بها طعاما وماء، فصده ذلك عن البعث إليهم، ثم بلغه أنهم يغيرون على أطراف الصعيد، ويخشى أهل مصر على أولادهم منهم، فجهز لحربهم محمد بن عبد الله القمي، وجعل إليه نيابة تلك البلاد كلها المتاخمة لأرضهم، وكتب إلى عمال مصر أن يعينوه بكل ما يحتاج إليه من الطعام وغير ذلك، فتخلص وتخلص معه من الجيوش الذين انضافوا إليه من تلك البلاد حتى دخل بلادهم في عشرين ألف فارس وراجل، وحمل معه الطعام الادام في مراكب سبعة، وأمر الذين هم بها أن يلجوا بها في البحر فيوافوه بها إذا توسط بلاد البجة، ثم سار حتى دخل بلادهم وجاوز معادنهم وأقبل إليه ملك البجة - واسمه علي بابا - في جمع عظيم أضعاف من مع محمد بن عبد الله القمي، وهم قوم مشركون يعبدون الأصنام، فجعل الملك يطاول المسلمين لعله تنفد أزوادهم فيأخذونهم بالأيدي، فلما نفد ما عند المسلمين طمع فيهم السودان فيسر الله وله الحمد بوصول تلك المراكب وفيها من الطعام والتمر والزيت وغير ذلك مما يحتاجون إليه شئ كثير جدا فقسمه الأمير بين المسلمين بحسب حاجاتهم، فيئس السودان من هلاك المسلمين جوعا فشرعوا في التأهب لقتال المسلمين، ومركبهم الإبل شبيهة بالهجن زعرة جدا كثيرة النفار، لا تكاد ترى شيئا ولا تسمع شيئا إلا جفلت منه. فلما كان يوم الحرب عمد أمير المسلمين إلى جميع الأجراس التي معهم في الجيش فجعلها في رقاب الخيول، فلما كانت الوقعة حمل المسلمون حملة رجل واحد، فنفرت بهم إبلهم من أصوات تلك الأجراس في كل وجه، وتفرقوا شذر مذر، واتبعهم المسلمون يقتلون من شاؤوا، لا يمتنع منهم أحد، فلا يعلم عدد من قتلوا منهم إلا الله . ثم أصبحوا وقد اجتمعوا رجالة فكبسهم القمي من حيث لا يشعرون فقتل عامة من بقي منهم وأخذ ملكهم بالأمان، وأدى ما كان عليه من الحمل، وأخذه معه أسيرا إلى الخليفة. وكانت هذه الوقعة في أول يوم من هذه السنة، فولاه الخليفة على بلاده كما كان، وجعل إلى ابن القمي أمر تلك الناحية والنظر في أمرها ولله الحمد والمنة.
стр. 3950
قال ابن جرير: ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة في جمادى الآخرة. قلت: وهذا الرجل كان نائبا على الديار المصرية من جهة المتوكل. وفيها حج بالناس عبد الله بن محمد ابن داود، وحج جعفر بن دينار وهو والي طريق مكة وأحداث الموسم، ولم يتعرض ابن جرير لوفاة أحد من المحدثين في هذه السنة، وقد توفي من الأعيان الإمام أحمد بن حنبل. وجبارة بن المغلس الحماني (١). وأبو ثوبة الحلبي (٢). وعيسى بن حماد سجادة (٣). ويعقوب بن حميد بن كاسب (٤). ولنذكر شيئا من:
الإمام أحمد بن حنبل
فنقول وبالله المستعان: هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن حمل بن النبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ أبو عبد الله الشيباني ثم المروزي ثم البغدادي، هكذا ساق نسبه الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي في الكتاب الذي جمعه في مناقب أحمد عن شيخه الحافظ أبي عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وروى عن صالح بن الإمام أحمد قال: رأى أبي هذا النسب في كتاب لي فقال: وما تصنع به؟ ولم ينكر النسب. قالوا: وقدم به أبوه من مرو وهو حمل فوضعته أمه ببغداد في ربيع الأول من سنة أربع وستين ومائة، وتوفي أبوه وهو ابن ثلاث سنين فكفلته أمه. قال صالح عن أبيه: فثقبت أذني وجعلت فيها لؤلؤتين فلما كبرت دفعتهما إلي فبعتهما بثلاثين درهما. وتوفي أبو عبد الله أحمد بن حنبل يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله من العمر سبع وسبعون سنة ﵀.
وقد كان في حداثته يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف، ثم ترك ذلك وأقبل على سماع الحديث، فكان أول طلبه للحديث وأول سماعه من مشايخه في سنة سبع وثمانين ومائة، وقد بلغ من العمر ست عشرة سنة، وأول حجة حجها في سنة سبع وثمانين ومائة، ثم سنة إحدى وتسعين. وفيها حج الوليد بن مسلم، ثم سنة ست وتسعين، وجاور في سنة سبع وتسعين، ثم حج في سنة ثمان
стр. 3951
وتسعين، وجاور إلى سنة تسع وتسعين سافر إلى عند عبد الرزاق إلى اليمن، فكتب عنه هو ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه. قال الإمام أحمد: حججت خمس حجج منها ثلاث راجلا، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهما. قال: وقد ضللت في بعضها عن الطريق وأنا ماش فجعلت أقول: يا عباد الله دلوني على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقفت على الطريق. قال: وخرجت إلى الكوفة فكنت في بيت تحت رأسي لبنة، ولو كان عندي تسعون درهما كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الري وخرج بعض أصحابنا ولم يمكني الخروج لأنه لم يمكن عندي شئ.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه عن حرملة: سمعت الشافعي قال: وعدني أحمد بن حنبل أن يقدم على مصر فلم يقدم. قال ابن أبي حاتم: يشبه أن تكون خفة ذات اليد منعته أن يفي بالعدة. وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق، وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلونه ويحترمونه في حال سماعه منهم، وقد سرد شيخنا في تهذيبه أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم، وكذلك الرواة عنه. قال البيهقي بعد أن ذكر جماعة من شيوخ الإمام أحمد: وقد ذكر أحمد بن حنبل في المسند وغيره الرواية عن الشافعي، وأخذ عنه جملة من كلامه في أنساب قريش، وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور، وحين توفي أحمد وجدوا في تركته رسالتي الشافعي القديمة والجديدة.
قلت: قد أفرد ما رواه عن الشافعي وهي أحاديث لا تبلغ عشرين حديثا، ومن أحسن ما رويناه عن الإمام أحمد عن الشافعي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : " نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه إلى جسده يوم بعث " (١). وقد قال الشافعي لأحمد لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد سنة تسعين (٢) ومائة وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة. قال له: يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث فأعلمني به أذهب إليه حجازيا كان أو شاميا أو عراقيا أو يمنيا - يعني لا يقول بقول فقهاء الحجاز الذين لا يقبلون إلا رواية الحجازيين وينزلون أحاديث من سواهم منزلة أحاديث أهل الكتاب - وقول الشافعي له هذه المقالة تعظيم لأحمد وإجلال له وأنه عنده بهذه المثابة إذا صحح أو ضعف يرجع إليه. وقد كان الإمام أحمد بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء كما سيأتي ثناء الأئمة عليه واعترافهم له بعلو المكانة في العلم والحديث، وقد بعد صيته في زمانه واشتهر اسمه في شبيبته في الآفاق.
ثم حكى البيهقي كلام أحمد في الايمان وأنه قول وعمل ويزيد وينقص، وكلامه في القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنكاره على من يقول: إن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن. قال: وفيها حكى أبو عمارة وأبو جعفر أخبرنا أحمد شيخنا السراج عن أحمد بن حنبل أنه قال: اللفظ محدث. واستدل بقوله
стр. 3952
(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [ق: ١٨] قال: فاللفظ كلام الآدميين. وروى غيرهما عن أحمد أنه قال: القرآن كيف ما تصرف فيه غير مخلوق، وأما أفعالنا فهي مخلوقة. قلت: وقد قرر البخاري في هذا المعنى في أفعال العباد وذكره أيضا في الصحيح، واستدل بقوله ﵇: " زينوا القرآن بأصواتكم) (١). ولهذا قال غير واحد من الأئمة: الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري. وقد قرر البيهقي ذلك أيضا.
وروى البيهقي من طريق إسماعيل بن محمد بن إسماعيل السلمي عن أحمد أنه قال: من قال: القرآن محدث فهو كافر. ومن طريق أبي الحسن الميموني عن أحمد أنه أجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) [الأنبياء: ٢]. قال: يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث، لا الذكر نفسه هو المحدث. وعن حنبل عن أحمد أنه قال: يحتمل أن يكون ذكر آخر غير القرآن، وهو ذكر رسول الله ﷺ أو وعظه إياهم. ثم ذكر البيهقي كلام الإمام أحمد في رؤية الله في الدار الآخرة، واحتج بحديث صهيب في الرؤية وهي زيادة، وكلامه في نفي التشبيه وترك الخوض في الكلام والتمسك بما ورد في الكتاب والسنة عن النبي ﷺ وعن أصحابه. وروى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو بن السماك عن حنبل أن أحمد بن حنبل تأول قول الله تعالى: (وجاء ربك) [الفجر: ٢٢] أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر بن عياش، ثنا عاصم، عن زر، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئا فهو عند الله سئ. وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر ﵁ إسناد صحيح. قلت: وهذا الأثر فيه حكاية إجماع عن الصحابة في تقديم الصديق. والامر كما قاله ابن مسعود، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة. وقد قال أحمد حين اجتاز بحمص وقد حمل إلى المأمون في زمن المحنة ودخل عليه عمرو بن عثمان الحمصي فقال له: ما تقول في الخلافة؟ فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن قدم عليا على عثمان فقد أزرى بأصحاب الشورى لأنهم قدموا عثمان ﵁.
ورعه وتقشفه وزهده ﵀
روى البيهقي من طريق المزني عن الشافعي أنه قال للرشيد: إن اليمن يحتاج إلى قاض، فقال له: اختر رجلا نوله إياها. فقال الشافعي لأحمد بن حنبل وهو يتردد إليه في جملة من يأخذ عنه: ألا تقبل قضاء اليمن؟ فامتنع من ذلك امتناعا شديدا وقال للشافعي: إني إنما أختلف إليك لأجل العلم
стр. 3953
المزهد في الدنيا، فتأمرني أن ألي القضاء؟ ولولا العلم لما أكلمك بعد اليوم. فاستحى الشافعي منه. وروى أنه كان لا يصلي خلف عمه إسحاق بن حنبل، ولا خلف بنيه ولا يكلمهم أيضا، لأنهم أخذوا جائزة السلطان. ومكث مرة ثلاثة أيام لا يجد ما يأكله حتى بعث إلى بعض أصحابه فاستقرض منه دقيقا فعرف أهله حاجته إلى الطعام فعجلوا وعجنوا وخبزوا له سريعا فقال: ما هذه العجلة! كيف خبزتم؟ فقالوا: وجدنا تنور بيت صالح مسجورا فخبزنا لك فيه. فقال: ارفعوا، ولم يأكل وأمر بسد بابه إلى دار صالح. قال البيهقي: لان صالحا أخذ جائزة السلطان، وهو المتوكل على الله. وقال عبد الله ابنه: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يوما لم يأكل فيها إلا ربع مد سويقا، يفطر بعد كل ثلاث ليال على سفة منه حتى رجع إلى بيته، ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر. وقد رأيت موقيه دخلا في حدقتيه. قال البيهقي: وقد كان الخليفة يبعث إليه المائدة فيها أشياء كثيرة من الأنواع وكان أحمد لا يتناول منها شيئا. قال: وبعث المأمون مرة ذهبا يقسم على أصحاب الحديث فما بقي منهم أحد إلا أخذ إلا أحمد بن حنبل فإنه أبى.
وقال سليمان الشاذكوني: حضرت أحمد وقد رهن سطلا له عند فامي (١) باليمن، فلما جاءه بفكاكه أخرج له سطلين فقال: خذ متاعك منهما. فاشتبه عليه أيهما له فقال: أنت في حل منه ومن الفكاك، وتركه وذهب. وحكى ابنه عبد الله قال: كنا في زمن الواثق في ضيق شديد، فكتب رجل إلى أبي: إن عندي أربعة آلاف درهم ورثتها من أبي وليست صدقة ولا زكاة، فإن رأيت أن تقبلها. فامتنع من ذلك، وكرر عليه فأبى، فلما كان بعد حين ذكرنا ذلك فقال أبي: لو كنا قبلناها كانت ذهبت وأكلناها، وعرض عليه بعض التجار عشرة آلاف درهم ربحها من بضاعة جعلها باسمه فأبى أن يقبلها وقال: نحن في كفاية وجزاك الله عن قصدك خيرا. وعرض عليه تاجر آخر ثلاثة آلاف دينار فامتنع من قبولها وقام وتركه. ونفدت نفقة أحمد وهو في اليمن فعرض عليه شيخه عبد الرزاق ملء كفه دنانير فقال: نحن في كفاية ولم يقبلها. وسرقت ثيابه وهو باليمن فجلس في بيته ورد عليه الباب وفقده أصحابه فجاؤوا إليه فسألوه فأخبرهم فعرضوا عليه ذهبا فلم يقبله ولم يأخذ منهم إلا دينارا واحدا ليكتب لهم به فكتب لهم بالاجر ﵀. وقال أبو داود. كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة لا يذكر فيها شئ من أمر الدنيا، وما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط. وروى البيهقي أن أحمد سئل عن التوكل فقال: هو قطع الاستشراف باليأس من الناس، فقيل له: هل من حجة على هذا؟ قال: نعم! إن إبراهيم لما رمي به في النار في المنجنيق عرض له جبريل فقال: هل لك من حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال: فسل من لك إليه حاجة. فقال: أحب الامرين إلي أحبهما إليه.
وعن أبي جعفر محمد بن يعقوب الصفار قال: كنا مع أحمد بن حنبل بسر من رأى فقلنا: ادع الله لنا فقال: اللهم إنك تعلم أنك على أكثر مما نحب فاجعلنا على ما تحب دائما. ثم سكت. فقلنا:
стр. 3954
زدنا فقال: اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسموات والأرض (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) [فصلت: ١١] اللهم وفقنا لمرضاتك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ونعوذ بك من الذل إلا لك، اللهم لا تكثر لنا فنطغى ولا تقل علينا فننسى، وهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغا لنا في دنيانا، وغنى من فضلك. قال البيهقي: وفي حكاية أبي الفضل التميمي عن أحمد: وكان يدعو في السجود: اللهم من كان من هذه الأمة على غير الحق وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق ليكون من أهل الحق. وكان يقول: اللهم إن قبلت عن عصاة أمة محمد ﷺ فداء فاجعلني فداء لهم. وقال صالح بن أحمد: كان أبي لا يدع أحدا يستقي له الماء للوضوء، بل كان يلي ذلك بنفسه، فإذا خرج الدلو ملآن قال: الحمد لله. فقلت: يا أبة ما الفائدة بذلك؟ قال: يا بني أما سمعت قول الله (أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) [الملك: ٣٠] والاخبار عنه في هذا الباب كثيرة جدا. وقد صنف أحمد في الزهد كتابا حافلا عظيما لم يسبق إلى مثله، ولم يلحقه أحد فيه. والمظنون بل المقطوع به أنه إنما كان يأخذ بما أمكنه منه ﵀.
وقال إسماعيل بن إسحاق السراج: قال لي أحمد بن حنبل: هل تستطيع أن تريني الحارث المحاسبي إذا جاء منزلك؟ فقلت: نعم! وفرحت بذلك، ثم ذهبت إلى الحارث فقلت له: إني أحب أن تحضر الليلة عندي أنت وأصحابك. فقال: إنهم كثير فأحضر لهم التمر والكسب. فلما كان بين العشاءين جاؤوا وكان الإمام أحمد قد سبقهم فجلس في غرفة بحيث يراهم ويسمع كلامهم ولا يرونه، فلما صلوا العشاء الآخرة لم يصلوا بعدها شيئا، بل جاؤوا فجلسوا بين يدي الحارث سكوتا مطرقي الرؤوس، كأنما على رؤوسهم الطير، حتى إذا كان قريبا من نصف الليل سأله رجل مسألة فشرع الحارث يتكلم عليها وعلى ما يتعلق بها من الزهد والورع والوعظ، فجعل هذا يبكي وهذا يئن وهذا يزعق، قال: فصعدت إلى الإمام أحمد إلى الغرفة فإذا هو يبكي حتى كاد يغشى عليه، ثم لم يزالوا كذلك حتى الصباح، فلما أرادوا الانصراف قلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما رأيت أحدا يتكلم في الزهد مثل هذا الرجل، وما رأيت مثل هؤلاء، ومع هذا فلا أرى لك أن تجتمع بهم. قال البيهقي: يحتمل أنه كره له صحبتهم لان الحارث بن أسد، وإن كان زاهدا، فإنه كان عنده شئ من علم الكلام، وكان أحمد يكره ذلك، أو كره له صحبتهم من أجل أنه لا يطيق سلوك طريقتهم وما هم عليه من الزهد والورع. قلت: بل إنما كره ذلك لان في كلامهم من التقشف وشدة السلوك التي لم يرد بها الشرع والتدقيق والمحاسبة الدقيقة البليغة ما لم يأت بها أمر، ولهذا لما وقف أبو زرعة الرازي على كتاب الحارث المسمى بالرعاية قال: هذا بدعة. ثم قال للرجل الذي جاء بالكتاب: عليك بما كان عليه مالك والثوري والأوزاعي والليث، ودع عنك هذا فإنه بدعة. وقال إبراهيم الحربي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إن أحببت أن يدوم الله لك على ما تحب فدم له على ما يحب. وقال: الصبر على الفقر مرتبة لا ينالها إلا الأكابر. وقال: الفقر أشرف من الغنى، فإن الصبر عليه مرارة وانزعاجه أعظم حالا من الشكر. وقال: لا أعدل بفضل الفقر شيئا. وكان يقول: على العبد أن يقبل الرزق بعد اليأس،
стр. 3955
ولا يقبله إذا تقدمه طمع أو استشراف. وكان يحب التقلل من الدنيا لأجل خفة الحساب. وقال إبراهيم: قال رجل لأحمد: هذا العلم تعلمته لله؟ فقال له أحمد: هذا شرط شديد ولكن حبب إلي شئ فجمعته. وفي رواية أنه قال: أما لله فعزيز، ولكن حبب إلي شئ فجمعته.
وروى البيهقي أن رجلا جاء إلى الإمام أحمد فقال: إن أمي زمنة مقعدة منذ عشرين سنة، وقد بعثتني إليك لتدعو لها، فكأنه غضب من ذلك وقال: نحن أحوج أن تدعو هي لنا من أن ندعو لها. ثم دعا الله لها. فرجع الرجل إلى أمه فدق الباب فخرجت إليه على رجليها وقالت: قد وهبني الله العافية. وروي أن سائلا سأل فأعطاه الإمام أحمد قطعة فقام رجل إلى السائل فقال: هبني هذه القطعة حتى أعطيك عوضها، ما تساوي درهما. فأبى فرقاه إلى خمسين درهما وهو يأبى وقال: إني أرجو من بركتها ما ترجوه أنت من بركتها. ثم قال البيهقي ﵀:
ذكر ما جاء في محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل
في أيام المأمون ثم المعتصم ثم الواثق بسبب القرآن العظيم وما أصابه من الحبس الطويل والضرب الشديد والتهديد بالقتل بسوء العذاب وأليم العقاب، وقلة مبالاته بما كان منهم في ذلك إليه وصبره عليه وتمسكه بما كان عليه من الدين القويم والصراط المستقيم، وكان أحمد عالما بما ورد بمثل حاله من الآيات المتلوة، والاخبار المأثورة، وبلغه ما أوصى به في المنام واليقظة فرضي وسلم إيمانا واحتسابا، وفاز بخير الدنيا ونعيم الآخرة، وهيأه بما آتاه من ذلك لبلوغ أعلى منازل أهل البلاء في الله من أوليائه، وألحق به محبيه فيما نال من كرامة الله تعالى إن شاء الله من غير بلية وبالله التوفيق والعصمة.
قال الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذي صدقوا وليعلمن الكاذبين) [العنكبوت: ١ - ٣] وقال الله تعالى: (واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) [لقمان: ١٧] في سواها في معنى ما كتبنا. وقد روى الإمام أحمد الممتحن في مسنده قائلا فيه: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عاصم بن بهدلة سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ فقال: " الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي الله الرجل على حسب دينه، فإن كان رقيق الدين ابتلي على حسب ذلك، وإن كان صلب الدين ابتلي على حسب ذلك، وما يزال البلاء (١) بالرجل حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ". وقد روى مسلم في صحيحه قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس. قال قال رسول الله ﷺ : " ثلاثة من كن فيه فقد وجد
стр. 3956
حلاوة الايمان (١): من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه " (٢) أخرجاه في الصحيحين.
وقال أبو القاسم البغوي. حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان بن عمرو السكسكي، ثنا عمرو بن قيس السكوني، ثنا عاصم بن حميد قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: " إنكم لم تروا إلا بلاء وفتنة، ولن يزداد الامر إلا شدة، ولا الأنفس إلا شحا ". وبه قال معاذ: " لن تروا من الأئمة إلا غلظة ولن تروا أمرا يهولكم ويشتد عليكم إلا حضر بعده ما هو أشد منه ". قال البغوي: سمعت أحمد يقول: اللهم رضنا. وروى البيهقي: عن الربيع قال: بعثني الشافعي بكتاب من مصر إلى أحمد بن حنبل، فأتيته وقد انفتل من صلاة الفجر فدفعت إليه الكتاب فقال: أقرأته؟ فقلت: لا! فأخذه فقرأه فدمعت عيناه، فقلت: يا أبا عبد الله وما فيه؟ فقال: يذكر أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام فقال: اكتب إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل وأقرأ عليه مني السلام وقل له: إنك ستمتحن وتدعى إلى القول بخلق القرآن فلا تجبهم، يرفع الله لك علما إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت حلاوة البشارة، فخلع قميصه الذي يلي جلده فأعطانيه، فلما رجعت إلى الشافعي أخبرته قال: إني لست أفجعك فيه، ولكن بله بالماء وأعطينيه حتى أتبرك به.
ملخص الفتنة والمحنة من كلام أئمة السنة
قد ذكرنا فيما تقدم أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله . قال البيهقي: ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف ومنهاجهم، فلما ولي هو الخلافة اجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك وزينوا له، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم فكتب إلى نائبه ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين. فلما وصل الكتاب كما ذكرنا استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين: واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجنديسابوري، فحملا على بعير وسيرا إلى الخليفة عن أمره بذلك، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد فلما كانا ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الاعراب من عبادهم يقال له جابر بن عامر، فسلم على الإمام أحمد
стр. 3957
وقال له: يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم، وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميدا. قال أحمد: وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك الذي يدعونني إليه. فلما اقتربا من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول: يعز علي يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفا لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته من رسول الله ﷺ لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف. قال: فجثى الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال: سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته. قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل. قال أحمد: ففرحنا، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة وقد انضم إليه أحمد بن أبي دؤاد، وأن الامر شديد، فردونا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ونالني منهم أذى كثير، وكان في رجليه القيود، ومات صاحبه محمد بن نوح في الطريق وصلى عليه أحمد، فلما رجع أحمد إلى بغداد دخلها في رمضان، فأودع في السجن نحوا من ثمانية وعشرين شهرا، وقيل نيفا وثلاثين شهرا، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم. وقد كان أحمد وهو في السجن هو الذي يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه.
ذكر ضربه ﵁ بين يدي المعتصم
لما أحضره المعتصم من السجن زاد في قيوده، قال أحمد: فلم أستطع أن أمشي بها فربطتها في التكة وحملتها بيدي، ثم جاؤني بدابة فحملت عليها فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود وليس معي أحد يمسكني، فسلم الله حتى جئنا دار المعتصم، فأدخلت في بيت وأغلق علي وليس عندي سراج، فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا إناء فيه ماء فتوضأت منه، ثم قمت ولا أعرف القبلة، فلما أصبحت إذا أنا على القبلة ولله الحمد. ثم دعيت فأدخلت على المعتصم، فلما نظر إلي وعنده ابن أبي دؤاد قال: أليس قد زعمتم أنه حدث السن وهذا شيخ مكهل؟ فلما دنوت منه وسلمت قال لي: ادنه، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه ثم قال: اجلس! فجلست وقد أثقلني الحديد، فمكثت ساعة ثم قلت: يا أمير المؤمنين إلى م دعا إليه ابن عمك رسول الله ﷺ ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. قلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله. قال: ثم ذكرت له حديث ابن عباس في وفد عبد القيس (١) ثم
стр. 3958
قلت: فهذا الذي دعا إليه رسول الله ﷺ . قال: ثم تكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه، وذلك أني لم أتفقه كلامه، ثم قال المعتصم: لولا أنك كنت في يد من كان قبلي لم أتعرض إليك، ثم قال: يا عبد الرحمن ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال أحمد: فقلت، الله أكبر، هذا فرج للمسلمين، ثم قال: ناظره يا عبد الرحمن، كلمه. فقال لي عبد الرحمن [بن إسحاق الشافعي] (١): ما تقول في القرآن؟ فلم أجبه، فقال المعتصم: أجبه فقلت: ما تقول في العلم؟ فسكت، فقلت: القرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله، فسكت فقالوا فيما بينهم: يا أمير المؤمنين كفرك وكفرنا، فلم يلتفت إلى ذلك، فقال عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن، فقلت: كان الله ولا علم؟ فسكت. فجعلوا يتكلمون من ههنا وههنا، فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به، فقال: ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا بهذا وهذا؟ فقلت: وهل يقوم الاسلام إلا بهما. وجرت مناظرات طويلة، واحتجوا عليه بقوله (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) [الأنبياء: ٢] وبقوله (الله خالق كل شئ) [الرعد: ١٦] وأجاب بما حاصله أنه عام مخصوص بقوله (تدمر كل شئ بأمر ربها) [الأحقاف: ٢٥] فقال ابن أبي دؤاد: هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع، وهنا قضاتك والفقهاء فسلهم، فقال لهم: ما تقولون؟ فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دؤاد، ثم أحضروه في اليوم الثاني وناظروه أيضا ثم في اليوم الثالث، وفي ذلك كله يعلو صوته عليهم، وتغلب حجته حججهم. قال: فإذا سكتوا فتح الكلام عليهم ابن أبي دؤاد، وكان من أجهلهم بالعلم والكلام، وقد تنوعت بهم المسائل في المجادلة ولا علم لهم بالنقل، فجعلوا ينكرون الآثار ويردون الاحتجاج بها، وسمعت منهم مقالات لم أكن أظن أن أحدا يقولها، وقد تكلم معي ابن غوث (٢) بكلام طويل ذكر فيه الجسم وغيره بما لا فائدة فيه، فقلت: لا أدري ما تقول، إلا أني أعلم أن الله أحد صمد، ليس كمثله شئ، فسكت عني. وقد أوردت لهم حديث الرؤية في الدار الآخرة فحاولوا أن يضعفوا إسناده ويلفقوا عن بعض المحدثين كاملا يتسلقون به إلى الطعن فيه، وهيهات، وأنى لهم التناوش من كان بعيد؟ وفي غبون ذلك كله يتلطف به الخليفة ويقول: يا أحمد أجبني إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي وممن يطأ بساطي. فأقول: يا أمير المؤمنين يأتوني بآية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله ﷺ حتى أجيبهم إليها.
واحتج أحمد عليهم حين أنكروا الآثار بقوله تعالى (يا أبة لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا) [مريم: ٤٢] وبقوله: (وكلم الله موسى تكليما) [النساء: ١٦٣] وبقوله (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) [طه: ١٤] وبقوله: (إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) [النحل: ٤٠] ونحو ذلك من الآيات. فلما لم يقم لهم معه حجة عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة، فقالوا: يا أمير
стр. 3959
المؤمنين هذا كافر ضال مضل. وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد: يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين، فعند ذلك حمي واشتد غضبه، وكان ألينهم عريكة، وهو يظن أنهم على شئ. قال أحمد فعند ذلك قال لي: لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال: خذوه واخلعوه واسحبوه. قال أحمد: فأخذت وسحبت وخلعت وجئ بالعاقبين والسياط وأنا أنظر، وكان معي شعرات من شعر النبي ﷺ مصرورة في ثوبي، فجردوني منه وصرت بين العقابين، فقلت: يا أمير المؤمنين الله الله، إن رسول الله ﷺ قال: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث " (١) وتلوت الحديث، وأن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم " (٢): فبم تستحل دمي ولم آت شيئا من هذا؟ يا أمير المؤمنين أذكر وقوفك بين الله كوقوفي بين يديك، فكأنه أمسك. ثم لم يزالوا يقولون له: يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل كافر، فأمر بي فقمت بين العقابين وجئ بكرسي فأقمت عليه وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم، فتخلعت يداي وجئ بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له - يعني المعتصم -: شد قطع الله يديك، ويجئ الآخر فيضربني سوطين ثم الآخر كذلك، فضربوني أسواطا فأغمي علي وذهب عقلي مرارا، فإذا سكن الضرب يعود علي عقلي، وقام المعتصم إلي (٣) يدعوني إلى قولهم فلم أجبه، وجعلوا يقولون: ويحك! الخليفة على رأسك، فلم أقبل وأعادوا الضرب ثم عاد إلي فلم أجبه، فأعادوا الضرب ثم جاء إلي الثالثة، فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب وأرعبه ذلك من أمري وأمر بي فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجلي، وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين، ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله، وكان جملة ما ضرب نيفا وثلاثين سوطا، وقيل ثمانين سوطا، ولكن كان ضربا مبرحا شديدا جدا (٤). وقد كان الإمام أحمد رجلا رقيقا أسمر اللون كثير التواضع ﵀.
ولما حمل من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائم، أتوه بسويق ليفطر من الضعف فامتنع من ذلك وأتم صومه، وحين حضرت صلاة الظهر صلى معهم فقال له ابن سماعة القاضي وصليت في دمك! فقال له أحمد: قد صلى عمر وجرحه يثعب دما، فسكت. ويروى أنه لما أقيم
стр. 3960
ليضرب انقطعت تكة سراويله فخشي أن يسقط سراويله فتكشف عورته فحرك شفتيه فدعا لله فعاد سراويله كما كان، ويروى أنه قال: يا غياث المستغيثين، يا إله العالمين، إن كنت تعلم أني قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة.
ولما رجع إلى منزله جاءه الجرايحي فقطع لحما ميتا من جسده وجعل يداويه والنائب في كل وقت يسأل عنه، وذلك أن المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندما كثيرا، وجعل يسأل النائب عنه والنائب يستعلم خبره، فلما عوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك، ولما شفاه الله بالعافية بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد، وجعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى (وليعفوا وليصفحوا) الآية [النور: ٢٢]. ويقول: ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك؟ وقد قال تعالى (فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) [الشورى: ٤٠] وينادي المنادي يوم القيامة: " ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا " وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه الله) (١).
وكان الذين ثبتوا على الفتنة فلم يجيبوا بالكلية أربعة (٢): أحمد بن حنبل وهو رئيسهم، ومحمد بن نوح بن ميمون الجنديسابوري، ومات في الطريق. ونعيم بن حماد الخزاعي، وقد مات في السجن، وأبو يعقوب البويطي وقد مات في سجن الواثق على القول بخلق القرآن. وكان مثقلا بالحديد. وأحمد بن نصر الخزاعي وقد ذكرنا كيفية مقتله.
ثناء الأئمة على الإمام أحمد بن حنبل
قال البخاري: لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة. وقال إسماعيل بن الخليل: لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان نبيا. وقال المزني: أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم الجمل وصفين. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من العراق فما تركت رجلا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل. وقال شيخ أحمد يحيى بن سعيد القطان: ما قدم على بغداد أحد أحب إلي من أحمد بن حنبل. وقال قتيبة: مات سفيان الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع. وقال: إن أحمد بن حنبل قام في