الصلاة. فجاء الناس إلى محل الاستسقاء وجاء القاضي منذر فصعد المنبر والناس ينظرون إليه ويسمعون ما يقول، فلما أقبل عليهم كان أول ما خاطبهم به قال: (سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم) [الانعام: ٥٤] ثم أعادها مرارا فأخذ الناس في البكاء والنحيب والتوبة والإنابة، فلم يزالوا كذلك حتى سقوا ورجعوا يخوضون الماء.
أبو الحسن علي بن أحمد
ابن المرزبان الفقيه الشافعي، تفقه بأبي الحسين بن القطان وأخذ عنه الشيخ أبو حامد الأسفراييني. قال ابن خلكان: كان ورعا زاهدا ليس لأحد عنده مظلمة، وله في المذهب وجه، وكان له درس ببغداد. توفي في رجب منها.
ثم دخلت سنة سبع وستين وثلاثمائة
فيها دخل عضد الدولة إلى بغداد وخرج منها عز الدولة بختيار واتبعه عضد الدولة وأخذ معه الخليفة فاستعفاه فأعفاه، وسار عضد الدولة وراه فأخذه أسيرا، ثم قتل سريعا وتصرمت دولته واستقر أمر عضد الدولة ببغداد، وخلع عليه الخليفة الخلع السنية والأسورة والطوق، وأعطاه لواءين أحدهما ذهب والآخر فضة، ولم يكن هذا لغيره إلا لأولياء العهد، وأرسل إليه الخليفة بتحف سنية، وبعث عضد الدولة إلى الخليفة أموالا جزيلة من الذهب والفضة واستقرت يده على بغداد وما والاها من البلاد، وزلزلت بغداد مرارا في هذه السنة، وزادت دجلة زيادة كثيرة غرق بسببها خلق كثير، وقيل لعضد الدولة إن أهل بغداد قد قلوا كثيرا بسبب الطاعون وما وقع بينهم من الفتن بسبب الرفض والسنة وأصابهم حريق وغرق، فقال: إنما يهيج الشر بين الناس هؤلاء القصاص والوعاظ، ثم رسم أن أحدا لا يقص ولا يعظ في سائر بغداد ولا يسأل سائل باسم أحد من الصحابة، وإنما يقرأ القرآن فمن أعطاه أخذ منه. فعمل بذلك في البلد، ثم بلغه أن أبا الحسين بن سمعون الواعظ - وكان من الصالحين - لم يترك الوعظ بل استمر على عادته، فأرسل إليه من جاء به، وتحول عضد الدولة من مجلسه وجلس وحده لئلا يبدر من ابن سمعون إليه بين الدولة كلام يكرهه، وقيل لابن سمعون: إذا دخلت على الملك فتواضع في الخطاب وقبل التراب. فلما دخل دار الملك وجده قد جلس وحده لئلا يبدر من ابن سمعون في حقه كلام بحضرة الناس يؤثر عنه. ودخل الحاجب بين يديه يستأذن له عليه ودخل ابن سمعون وراءه، ثم استفتح القراءة بقوله (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة) الآية [هود: ١٠٢]. ثم التفت بوجهه نحو دار عز الدولة ثم قرأ (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظرهم كيف تعملون) [يونس: ١٤] ثم أخذ في مخاطبة الملك ووعظه فبكى عضد الدولة بكاء كثيرا، وجزاه خيرا. فلما خرج من عنده قال للحاجب:
стр. 4307
اذهب فخذ ثلاثة آلاف درهم وعشرة أثواب وادفعها له فإن قبلها جئني برأسه، قال الحاجب: فجئته فقلت: هذا أرسل به الملك إليك. فقال: لا حاجة لي به، هذه ثيابي من عهد أبي منذ أربعين سنة كلما خرجت إلى الناس لبستها، فإذا رجعت طويتها، ولي دار آكل من أجرتها تركها لي أبي، فأنا في غنية عما أرسل به الملك. فقلت: فرقها في فقراء أهلك. فقال: فقراء أهله أحق بها من فقراء أهلي، وأفقر إليها منهم. فرجعت إلى الملك لأشاوره وأخبره بما قال، فسكت ساعة ثم قال: الحمد لله الذي سلمه منا وسلمنا منه. ثم إن عضد الدولة أخذ ابن بقية الوزير لعز الدولة فأمر به فوضع بين قوائم الفيل فتخبطته بأرجلها حتى هلك، ثم صلب على رأس الجسر في شوال منها، فرثها أبو الحسين بن الأنباري بأبيات يقول فيها:
علو في الحياة وفي الممات … بحق أنت (١) إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا … وفود نداك أيام الصلات
كأنك واقف (٢) فيهم خطيبا … وكلهم وقوف (٢) للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاء … كمدهما إليهم بالهباء (٣)
وهي قصيدة طويلة أورد كثيرا منها ابن الأثير في كامله.
مقتل عز الدين بختيار
لما دخل عضد الدولة بغداد وتسلمها خرج منها بختيار ذليلا طريدا في فل من الناس، ومن عزمه أن يذهب إلى الشام فيأخذها، وكان عضد الدولة قد حلفه أن لا يتعرض لأبي تغلب لمودة كانت بينهما ومراسلات، فحلف له على ذلك، وحين خرج من بغداد كان معه حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان فحسن لعز الدولة أخذ بلاد الموصل من أبي تغلب، لأنها أطيب وأكثر مالا من الشام وأقرب إليه، وكان عز الدولة ضعيف العقل قليل الدين، فلما بلغ ذلك أبا تغلب أرسل إلى عز الدولة يقول له: لئن أرسلت إلى ابن أخي حمدان بن ناصر الدولة أغنيتك بنفسي وجيشي حتى آخذ لك ملك بغداد من عضد الدولة، وأردك إليها. فعند ذلك أمسك حمدان وأرسله إلى عمه أبي تغلب فسجنه في بعض القلاع وبلغ ذلك عضد الدولة وأنهما قد اتفقا على حربه فركب إليهما بجيشه وأراد إخراج الخليفة الطائع معه فاستعفاه فأعفاه، فذهب إليهما فالتقى معهما فكسرهما وهزمهما (٤)، وأخذ عز
стр. 4308
الدولة أسيرا وقتله من فوره، وأخذ الموصل ومعاملتها، وكان قد حمل معه ميرة كثيرة، وشرد أبا تغلب في البلاد وبعث وراءه السرايا في كل وجه، وأقام بالموصل إلى أواخر سنة ثمان وستين، وفتح ميافارقين وآمد وغيرهما من بلاد بكر وربيعة، وتسلم بلاد مضر من أيدي نواب أبي تغلب، وأخذ منهم الرحبة ورد بقيتها على صاحب حلب سعد الدولة بن سيف الدولة، وتسلط على سعد الدولة، وحين رجع من الموصل استناب عليها أبا الوفا، وعاد إلى بغداد فتلقاه الخليفة ورؤس الناس إلى ظاهر البلد، وكان يوما مشهودا.
مما وقع من الحوادث فيها الوقعة التي كانت بين العزيز بن المعز الفاطمي وبين الفتكين غلام معز الدولة صاحب دمشق فهزمه وأسره وأخذه معه إلى الديار المصرية مكرما معظما كما تقدم، وتسلم العزيز دمشق وأعمالها، وقد تقدم بسط ذلك في سنة أربع وستين.
وفيها خلع على القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي بقضاء قضاة الري وما تحت حكم مؤيد الدولة بن ركن الدولة، وله مصنفات حسنة، منها دلائل النبوة وعمد الأدلة وغيرها. وحج بالناس فيها نائب المصريين وهو الأمير باديس بن زيري أخو يوسف بن بلكين. ولما دخل مكة اجتمع إليه اللصوص وسألوا منه أن يضمنهم الموسم هذا العام بما شاء من الأموال. فأظهر لهم الإجابة إلى ما سألوا وقال لهم: اجتمعوا كلكم حتى أضمنكم كلكم، فاجتمع عنده بضع وثلاثون حراميا، فقال: هل بقي منكم أحد؟ فحلفوا له إنه لم يبق منهم أحد. فأخذ عند ذلك بالقبض عليهم وبقطع أيديهم كلهم، ونعما ما فعل. وكانت الخطبة في الحجاز للفاطميين دون العباسيين، وممن توفي فيها من الأعيان الملك عز الدولة
بختيار بن بويه الديلمي
ملك بعد أبيه وعمره فوق العشرين سنة بقليل، وكان حسن الجسم شديد البطش قوي القلب، يقال إنه كان يأخذ بقوائم الثور الشديد فيلقيه في الأرض من غير أعوان، ويقصد الأسود في أماكنها، ولكنه كان كثير اللهو واللعب والاقبال على اللذات، ولما كسره ابن عمه ببلاد الأهواز كان في جملة ما أخذ منه أمرد كان يحبه حبا شديدا لا يهنأ بالعيش إلا معه، فبعث يترفق له في رده إليه، وأرسل إليه بتحف كثيرة وأموال جزيلة وجاريتين عوادتين لا قيمة لهما، فرد عليه الغلام المذكور فكثر تعنيف الناس له عند ذلك وسقط من أعين الملوك، فإنه كان يقول: ذهاب هذا الغلام مني أشد علي
стр. 4309
من أخذ بغداد من يدي، بل وأرض العراق كلها، ثم كان من أمره بعد ذلك أن ابن عمه أسره كما ذكرنا وقتله سريعا فكانت مدة حياته ستا وثلاثين سنة، ومدة دولته منها إحدى وعشرين (١) سنة وشهور، وهو الذي أظهر الرفض ببغداد وجرى بسبب ذلك شرور كما تقدم.
محمد بن عبد الرحمن
أبو بكر القاضي المعروف بابن قريعة، ولي القضاء بالسندية، وكان فصيحا يأتي بالكلام المسجوع من غير تكلف ولا تردد، وكان جميل المعاشرة ومن شعره:
لي حيلة في من ينمم … وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول … فحيلتي فيه قليله
وكان يقول للرجل من أصحابه إذا تماشيا: إذا تقدمت بين يديك فإني حاجب وإن تأخرت فواجب. توفي يوم السبت لعشر بقين من جمادى الآخرة منها.
ثم دخلت سنة ثمان وستين وثلاثمائة
في شعبان منها أمر الطائع لله أن يدعى لعضد الدولة بعد الخليفة على المنابر ببغداد، وأن تضرب الدبادب على بابه وقت الفجر وبعد المغرب والعشاء. قال ابن الجوزي: وهذا شئ لم يتفق لغيره من بني بويه، وقد كان معز الدولة سأل من الخليفة أن يضرب الدبادب على بابه فلم يأذن له، وقد افتتح عز الدولة في هذه السنة وهو مقيم بالموصل أكثر بلاد أبي تغلب بن حمدان، كآمد والرحبة وغيرهما، ثم دخل بغداد في سلخ في ذي القعدة فتلقاه الخليفة والأعيان إلى أثناء الطريق.
قسام التراب (٢) يملك دمشق
لما ذهب الفتكين إلى ديار مصر نهض رجل من أهل دمشق يقال له قسام التراب، كان الفتكين يقربه ويدنيه، ويأمنه على أسراره، فاستحوذ على دمشق وطاوعه أهلها وقصدته عساكر العزيز من مصر فحاصروه فلم يتمكنوا منه، وجاء أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان فحاصره فلم يقدر أن يدخل دمشق، فانصرف عنه خائبا إلى طبرية، فوقع بينه وبين بني عقيل وغيرهم من العرب حروب طويلة، آل الحال إلى أن قتل أبو تغلب وكانت معه أخته وجميلة امرأته وهي بنت سيف الدولة، فردتا إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بحلب، فأخذ أخته وبعث بجميلة إلى بغداد فحبست في دار وأخذ
стр. 4310
منها أموال جزيلة. وأما قسام التراب هذا - وهو من بني الحارث بن كعب من اليمن - فإنه أقام بالشام فسد خللها وقام بمصالحها مدة سنين عديدة، وكان مجلسه بالجامع يجتمع الناس إليه فيأمرهم وينهاهم فيمتثلون ما يأمر به. قال ابن عساكر: أصله من قرية تلفيتا، وكان ترابا. قلت والعامة يسمونه قسيم الزبال، وإنما هو قسام، ولم يكن زبالا بل ترابا من قرية تلفيتا بالقرب من قرية منين، وكان بدو أمره أنه انتمى إلى رجل من أحداث أهل دمشق يقال له أحمد بن المسطان (١)، فكان من حزبه ثم استحوذ على الأمور وغلب على الولاة والامراء إلى أن قدم بلكتكين التركي من مصر في يوم الخميس السابع عشر من المحرم سنة ست وسبعين وثلاثمائة، فأخذها منه واختفى قسام التراب مدة ثم ظهر فأخذه أسيرا وأرسله مقيدا إلى الديار المصرية فأطلق وأحسن إليه وأقام بها مكرما.
وممن توفي فيها من الأعيان …
العقيقي
صاحب الحمام والدار المنسوبتين إليه بدمشق بمحلة باب البريد، واسمه أحمد بن الحسن العقيقي بن ضعقن بن عبد الله بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الشريف أبو القاسم الحسين العقيقي، قال ابن عساكر: كان من وجوه الاشراف بدمشق وإليه تنسب الدار والحمام بمحلة باب البريد. وذكر أنه توفي يوم الثلاثاء لأربع خلون من جمادى الأولى منها، وأنه دفن من الغد وأغلقت البلد لأجل جنازته، وحضرها نكجور (٢) وأصحابه - يعني نائب دمشق - ودفن خارج باب الصغير. قلت: وقد اشترى الملك الظاهر بيبرس داره وبناها مدرسة ودار حديث وتربة وبها قبره، وذلك في حدود سنة سبعين ستمائة كما سيأتي بيانه.
أحمد بن جعفر
ابن مالك بن شبيب بن عبد الله بن أبو بكر بن مالك القطيعي - من قطيعة الدقيق ببغداد - راوي مسند أحمد عن ابنه عبد الله، وقد روى عنه غير ذلك من مصنفات أحمد، وحدث عن غيره من المشايخ، وكان ثقة كثير الحديث، حدث عنه الدارقطني وابن شاهين والبرقاني وأبو نعيم الحاكم، ولم يمتنع أحد من الرواية عنه ولا التفتوا إلى ما طعن عليه بعضهم وتكلم فيه، بسبب غرق كتبه حين غرقت القطيعة بالماء الأسود، فاستحدث بعضها من نسخ أخرى، وهذا ليس بشئ، لأنها قد تكون معارضة على كتبه التي غرقت والله أعلم. ويقال إنه تغير في آخر عمره فكان لا يدري ما جرى عليه، وقد جاوز التسعين.
стр. 4311
تميم بن المعز الفاطمي
وبه كان يكنى، وقد كان من أكابر أمراء دولة أبيه وأخيه العزيز، وقد اتفقت له كائنة غريبة وهي أنه أرسل إلى بغداد فاشتريت له جارية مغنية بمبلغ جزيل، فلما حضرت عنده أضاف أصحابه ثم أمرها فغنت - وكانت تحب شخصا ببغداد -:
وبدا له من بعد ما انتقل الهوى … برق تألق من هنا لمعانه
يبدو لحاشية اللواء ودونه … صعب الذرى ممتنع أركانه
فبدا لينظر كيف لاح فلم يطق … نظرا إليه وشده أشجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه … والماء ما سمحت به أجفانه
ثم غنته أبياتا غيرها فاشتد طرب تميم هذا وقال لها: لابد أن تسأليني حاجة، فقالت: عافيتك. فقال: ومع العافية. فقالت: تردني إلى بغداد حتى أغني بهذه الأبيات، فوجم لذلك ثم لم يجد بدا من الوفاء لها بما سألت، فأرسلها مع بعض أصحابه فأحجبها ثم سار بها على طريق العراق، فلما أمسوا في الليلة التي يدخلون فيها بغداد من صبيحتها ذهبت في الليل فلم يدر أين ذهبت، فلما سمع تميم خبرها شق عليه ذلك وتألم ألما شديد، وندم ندما شديدا حيث لا ينفعه الندم.
أبو سعيد السيرافي
النحوي الحسن بن عبد الله بن المرزبان. القاضي، سكن بغداد وولي القضاء بها نيابة، وله شرح كتاب سيبويه، وطبقات النحاة، روى عن أبي بكر بن دريد وغيره، وكان أبوه مجوسيا (١)، وكان أبو سعيد هذا عالما باللغة والنحو والقراءات والفرائض والحساب وغير ذلك من فنون العلم، وكان مع ذلك زاهدا لا يأكل إلا من عمل يده، كان ينسخ في كل يوم عشر ورقات بعشرة دراهم، تكون منها نفقته، وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وكان ينتحل مذهب أهل العراق في الفقه، وقرأ القراءات على ابن مجاهد، واللغة على ابن دريد، والنحو على ابن السراج وابن المرزبان، ونسبه بعضهم إلى الاعتزال وأنكره آخرون. توفي في رجب منها عن أربع وثمانين سنة، ودفن بمقبرة الخيزران.
стр. 4312
عبد الله بن إبراهيم
ابن أبي القاسم الريحاني، ويعرف بالآبندوني (١)، رحل في طلب الحديث إلا الآفاق ووافق ابن عدي في بعض ذلك، ثم سكن بغداد وحدث بها عن أبي يعلى، والحسن بن سفيان، وابن خزيمة وغيرهم، وكان ثقة ثبتا، له مصنفات، زاهدا روى عن البرقاني وأثنى عليه خيرا، وذكر أن أكثر أدم أهله الخبز المأدوم بمرق الباقلا، وذكر أشياء من تقلله وزهده وورعه. توفي عن خمس وتسعين سنة.
عبد الله بن محمد بن ورقاء
الأمير أبو أحمد الشيباني من أهل البيوتات والحشمة، بلغ التسعين سنة، روى عن ابن الأعرابي أنه أنشد في صفة النساء
هي الضلع العوجاء لست تقيمها … ألا إن تقويم الضلوع انكسارها
أيجمعن ضعفا واقتدارا على الفتى … أليس عجيبا ضعفها واقتدارها؟
قلت: وهذا المعنى أخذه من الحديث الصحيح: " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج شئ في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج " (٢).
محمد بن عيسى
ابن عمرويه الجلودي راوي صحيح مسلم، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه، عن مسلم بن الحجاج وكان من الزهاد، يأكل من كسب يده من النسخ وبلغ ثمانين سنة.
ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمائة
في المحرم منها توفي الأمير عمر بن شاهين صاحب بلاد البطيحة منذ أربعين سنة، تغلب عليها وعجز عنه الأمراء والملوك والخلفاء، وبعثوا إليه الجنود والسرايا والجيوش غير مرة، فكل ذلك يفلها ويكسرها، وكل ماله في تمكن وزيادة وقوة، ومكث كذلك هذه المدة، ومع هذا كله مات على فراشه حتف أنفه، فلا نامت أعين الجبناء، وقام بالامر من بعده ولده الحسن فرام عضد الدولة أن ينتزع
стр. 4313
الملك من يده، فأرسل إليه سرية حافلة من الجنود فكسرهم الحسن بن عمر بن شاهين، وكاد أن يتلفهم بالكلية حتى أرسل إليه عضد الدولة فصالحه على مال يحمله إليه في كل سنة، وهذا من العجائب الغريبة. وفي صفر قبض على الشريف أبي أحمد الحسن بن موسى الموسوي نقيب الطالبيين، وقد كان أمير الحج مدة سنين، اتهم بأنه يفشي الاسرار وأن عز الدولة أودع عنده عقدا ثمينا، ووجدوا كتابا بخطه في إفشاء الاسرار فأنكر أنه خطه وكان مزورا عليه، واعترف بالعقد فأخذ منه وعزل عن النقابة وولوا غيره، وكان مظلوما. وفي هذا الشهر أيضا عزل عضد الدولة قاضي القضاة أبا محمد بن معروف وولى غيره (١) وفي شعبان منها ورد البريد من مصر إلى عضد الدولة بمراسلات كثيرة فرد الجواب بما مضمونه صدق النية وحسن الطوية، ثم سأل عضد الدولة من الطائع أن يجدد عليه الخلع والجواهر، وأن يزيد في إنشائه تاج الدولة، فأجابه إلى ذلك، وخلع عليه من أنواع الملابس ما لم يتمكن معه من تقبيل الأرض بين يدي الخليفة، وفوض إليه ما وراء بابه من الأمور ومصالح المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وحضر ذلك أعيان الناس، وكان يوما مشهودا. وأرسل في رمضان إلى الاعراب من بني شيبان وغيرهم فعقرهم وكسرهم، وكان أميرهم منبه بن محمد الأسدي متحصنا بعين التمر مدة نيف وثلاثين سنة. فأخذ ديارهم وأموالهم.
وفي يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي القعدة تزوج الطائع لله بنت عضد الدولة الكبرى، وعقد العقد بحضرة الأعيان على صداق مبلغه مائة ألف دينار، وكان وكيل عضد الدولة الشيخ أبا الحسين بن أحمد الفارسي النحوي، صاحب الايضاح والتكملة، وكان الذي خطب خط القاضي أبو علي الحسن بن علي التنوخي. قال ابن الأثير: وفيها جدد عضد الدولة عم ومحاسنها، وجدد المساجد والمشاهد، وأجرى على الفقهاء الأرزاق، على الأئمة من الفقهاء والمحدثين والأطباء والحساب وغيرهم، وأطلق الصلات لأرباب البيوتات والشرف، وألزم أصحاب الأملاك بعمارة بيوتهم ودورهم، ومهد الطرقات وأطلق المكوس وأصلح الطريق للحجاج من بغداد إلى مكة، وأرسل الصدقات للمجاورين بالحرمين. قال: وأذن لوزيره نصر بن هارون - وكان نصرانيا - بعمارة البيع والأديرة وأطلق الأموال لفقرائهم.
وفيها توفي حسنويه بن حسين الكردي، وكان قد استحوذ على نواحي البلاد الدينور وهمدان ونهاوند مدة خمسين سنة، وكان حسن السيرة كثير الصدقة بالحرمين وغيرهما، فلما توفي اختلف أولاده (٢) من بعده وتمزق شملهم، وتمكن عضد الدولة من أكثر بلادهم، وقويت شوكته في ذلك الأرض.
стр. 4314
وفيها ركب عضد الدولة في جنود كثيفة إلى بلاد أخيه فخر الدولة، وذلك لما بلغه من ممالاته لعز الدولة واتفاقهم عليه، فتسلم بلاد أخيه فخر الدولة وهمدان والري وما بينهما من البلاد، وسلم ذلك إلى مؤيد الدولة - وهو أخوه الاخر - ليكون نائبه عليها، ثم سار إلى بلاد حسنويه الكردي فتسلمها وأخذ حواصله وذخائره، وكانت كثيرة جدا، وحبس بعض أولاده وأسر بعضهم، وأرسل إلى الأكراد الهكارية فأخذ منهم بعض بلادهم، وعظم شأنه وارتفع صيته، إلا أنه أصابه في هذا السفر داء الصداع، وكان قد تقدم له بالموصل مثله، وكان يكتمه إلى أن غلب عليه كثرة النسيان فلا يذكر الشئ إلا بعد جهد جهيد، والدنيا لا تسر بقدر ما تضر:
دار إذا ما أضحكت في يومها … أبكت غدا، بعدا لها من دار
وفيها توفي من الأعيان …
أحمد بن زكريا أبو الحسن (١) اللغوي
صاحب كتاب المجمل في اللغة وغيره، ومن شعره قبل موته بيومين:
يا رب إن ذنوبي قد أحطت بها … علما وبي وبإعلاني وأسراري
أنا الموحد لكني المقر بها … فهب ذنوبي لتوحيدي وإقراري
ذكر ذلك ابن الأثير (٢)
أحمد بن عطاء بن أحمد
أبو عبد الله الروذباري - ابن أخت أبي علي الروذباري - أسند الحديث، وكان يتكلم على مذهب الصوفية، وكان قد انتقل من بغداد فأقام بصور وتوفي بها في هذه السنة. قال: رأيت في المنام كأن قائلا يقول: أي شئ أصح في الصلاة؟ فقلت صحة القصد، فسمعت قائلا يقول: رؤية المقصود بإسقاط رؤية القصد أتم. وقال: مجالسة الأضداد ذوبان الروح، ومجالسة الاشكال تلقيح العقول، وليس كل من يصلح للمجالسة يصلح للمؤانسة، ولا كل من يصلح للمؤانسة يؤمن على الاسرار، ولا يؤمن على الاسرار إلا الامناء فقط. وقال: الخشوع في الصلاة علامة الفلاح. قال
стр. 4315
تعالى (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) [المؤمنون: ١] وترك الخشوع في الصلاة علامة النفاق وخراب القلب. قال تعالى (إنه لا يفلح الكافرون) [المؤمنون: ١١٧].
عبد الله بن إبراهيم
ابن أيوب بن ماسي أبو محمد البزاز، أسند الكثير وبلغ خمسا وتسعين سنة، وكان ثقة ثبتا. توفي في رجب منها ..
محمد بن صالح
ابن علي بن يحيى أبو الحسن الهاشمي، يعرف بابن أم شيبان، كان عالما فاضلا، له تصانيف، وقد ولي الحكم ببغداد قديما وكان جيد السيرة، توفي فيها وقد جاوز السبعين وقارب الثمانين.
ثم دخلت سنة سبعين وثلاثمائة
فيها ورد الصاحب بن عباد من جهة مؤيد الدولة إلى أخيه عضد الدولة فتلقاه عضد الدولة إلى ظاهر البلد وأكرمه وأمر الأعيان باحترامه، وخلع عليه وزاده في إقطاعه، ورد معه هدايا كثيرة. وفي جمادى الآخرة منها رجع عضد الدولة إلى بغداد فتلقاه الخليفة الطائع وضرب له القباب وزينت الأسواق. وفي هذا الشهر أيضا وصلت هدايا من صاحب اليمن إلى عضد الدولة، وكانت الخطبة بالحرمين لصاحب مصر، وهو العزيز بن المعز الفاطمي.
وممن توفي فيها من الأعيان:
أبو بكر الرازي الحنفي
أحمد بن علي أبو بكر الفقيه الحنفي الرازي أحد أئمة أصحاب أبي حنيفة، وله من المصنفات المفيدة كتاب أحكام القرآن، وهو تلميذ أبي الحسن الكرخي، وكان عابدا زاهدا وورعا، انتهت إليه رياسة الحنفية في وقته ورحل إليه الطلبة من الآفاق، وقد سمع الحديث من أبي العباس الأصم، وأبي القاسم الطبراني، وقد أراده الطائع على أن يوليه القضاء فلم يقبل، توفي في ذي الحجة من هذا العام، وصلى عليه أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي.
стр. 4316
محمد بن جعفر
ابن (١) محمد بن زكريا أبو بكر الوراق، ويلقب بغندر، كان جوالا رحالا، سمع الكثير ببلاد فارس وخراسان، وسمع الباغندي وابن صاعد وابن دريد وغيرهم، وعنه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، وكان ثقة حافظا.
ابن خالويه
الحسين بن أحمد بن خالويه أبو عبد الله النحوي اللغوي صاحب المصنفات، أصله من همذان، ثم دخل بغداد فأدرك بها مشايخ هذا الشأن: كابن دريد وابن مجاهد، وأبي عمر الزاهد، واشتغل على أبي سعيد السيرافي ثم صار إلى حلب فعظمت مكانته عند آل حمدان، وكان سيف الدولة يكرمه وهو أحد جلسائه، وله مع المتنبي مناظرات. وقد سرد له ابن خلكان مصنفات كثيرة منها كتاب ليس في كلام العرب - لأنه كان يكثر أن يقول ليس في كلام العرب كذا وكذا - وكتاب الآل تكلم فيه على أقسامه وترجم الأئمة لاثني عشر وأعرب ثلاثين سورة من القرآن، وشرح الدريدية وغير ذلك، وله شعر حسن، وكان به داء كانت به وفاته.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة
في ربيع الأول منها وقع حريق عظيم بالكرخ، وفيها سرق شئ نفيس لعضد الدولة فتعجب الناس من جرأة من سرقه مع شدة هيبة عضد الدولة، ثم مع هذا اجتهدوا كل الاجتهاد فلم يعرفوا من أخذ. ويقال إن صاحب مصر بعث من فعل ذلك فالله أعلم.
وممن توفي فيها من الأعيان …
الإسماعيلي
أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني الحافظ الكبير الرحال الجوال، سمع الحديث الكثير وحدث وخرج وصنف فأفاد وأجاد، وأحسن الانتقاد والاعتقاد، صنف كتابا على صحيح البخاري فيه فوائد كثيرة، وعلوم غزيرة. قال الدارقطني: كنت عزمت غير مرة على الرحلة إليه فلم أرزق. وكانت وفاته يوم السبت عاشر رجب (٢) سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وهو ابن أربع وسبعين (٣) سنة ﵀.
стр. 4317
الحسن بن صالح
أبو محمد السبيعي، سمع ابن جرير وقاسما المطرز وغيرهما، وعنه الدارقطني والبرقاني، وكان ثقة حافظا مكثرا، وكان عسر الرواية.
الحسن بن علي بن الحسن
ابن الهيثم بن طهمان أبو عبد الله الشاهد، المعروف بالبادي، سمع الحديث وكان ثقة، عاش سبعا وتسعين سنة، منها خمس عشرة سنة مقيدا أعمى.
عبد الله بن الحسين
ابن إسماعيل بن محمد أبو بكر الضبي، ولي الحكم ببغداد، وكان عفيفا نزها دينا.
عبد العزيز بن الحارث
ابن أسد بن الليث أبو الحسن التميمي الفقيه الحنبلي. له كلام ومصنف في الخلاف، وسمع الحديث وروى عن غير واحد، وقد ذكر الخطيب البغدادي أنه وضع حديثا. وأنكر ذلك ابن الجوزي وقال: ما زال هذا دأب الخطيب في أصحاب أحمد بن حنبل. قال: وشيخ الخطيب الذي حكى عنه هذا هو أبو القاسم عبد الواحد بن أسد العكبري لا يعتمد على قوله، فإنه كان معتزليا وليس من أهل الحديث، وكان يقول بأن الكفار لا يخلدون في النار. قلت: وهذا غريب فإن المعتزلة يقولون بأن الكفار يخلدون في النار، بل يقولون بتخليد أصحاب الكبائر. قال: وعنه حكى الكلام عن ابن بطة أيضا.
علي بن إبراهيم
أبو الحسن الحصري الصوفي الواعظ شيخ المتصوفة ببغداد، أصله من البصرة صحب الشبلي وغيره، وكان يعظ الناس بالجامع، ثم لما كبرت سنه بنى له الرباط المقابل لجامع المنصور، ثم عرف بصاحبه المروزي، وكان لا يخرج إلا من الجمعة إلى الجمعة، وله كلام جيد في التصوف على طريقتهم. ومما نقله ابن الجوزي عنه أنه قال: ما على مني؟ وأي شئ لي في؟ حتى أضاف وأرجو، إن رحم رحم ماله، وإن عذب عذب ماله. توفي في ذي الحجة وقد نيف على الثمانين، ودفن بمقبرة دار حرب من بغداد.
стр. 4318
علي بن محمد الأحدب المزور
كان قوي الخط، له ملكة على التزوير لا يشاء يكتب على أحد كتابه إلا فعل، فلا يشك ذلك المزور عليه أنه خطه، وحصل للناس به بلاء عظيم، وختم السلطان على يده مرارا فلم يقدر، وكان يزور ثم كانت وفاته في هذه السنة.
الشيخ أبو زيد المروزي الشافعي
محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد أبو زيد المروزي شيخ الشافعية في زمانه وإمام أهل عصره في الفقه والزهد والعبادة والورع، سمع الحديث ودخل بغداد وحدث بها فسمع منه الدارقطني وغيره. قال أبو بكر البزار: عادلت الشيخ أبا زيد في طريق الحج فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة. وقد ذكرت ترجمته بكمالها في طبقات الشافعية. قال الشيخ أبو نعيم: توفي بمرو يوم الجمعة الثالث عشر من رجب من هذه السنة.
محمد بن خفيف
أبو عبد الله الشيرازي أحد مشاهير الصوفية، صحب الجريري وابن عطاء وغيرهما. قال ابن الجوزي: وقد ذكرت في كتابي المسمى بتلبيس إبليس عنه حكايات تدل على أنه كان يذهب مذهب الإباحية.
ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين وثلاثمائة
قال ابن الجوزي: في المحرم منها جرى الماء الذي ساقه عضد الدولة إلى داره وبستانه. وفي صفر فتح المارستان الذي أنشأه عضد الدولة في الجانب الغربي من بغداد، وقد رتب فيه الأطباء والخدم، ونقل إليه من الأدوية والأشربة والعقاقير شيئا كثيرا (١). وقال: وفيها توفي عضد الدولة فكتم أصحابه وفاته حتى أحضروا ولده صمصامة فولوه الامر وراسلوا الخليفة فبعث إليه بالخلع والولاية.
شئ من أخبار عضد الدولة
أبو شجاع بن ركن الدولة أبو علي الحسين بن بويه الديلمي، صاحب ملك بغداد وغيرها،
стр. 4319
وهو أول من تسمى شاهنشاه، ومعناه ملك الملوك. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: أوضع اسم - وفي رواية أخنع اسم - عند الله رجل تسمى ملك الملوك " وفي رواية " ملك الأملاك لا ملك إلا الله " (١). وهو أول من ضربت له الدبادب ببغداد، وأول من خطب له بها مع الخليفة. وذكره ابن خلكان أنه امتدحه الشعراء بمدائح هائلة منهم المتنبي وغيره، فمن ذلك قول أبي الحسن محمد بن عبد الله السلامي في قصيدة له:
إليك طوى عرض البسيطة جاعل … قصارى المطايا أن يلوح لها القصر
فكنت وعزمي في الظلام وصارمي … ثلاثة أشياء (٢) كما اجتمع النسر
وبشرت آمالي بملك هو الورى … ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
وقال المتنبي أيضا:
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى … ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
قال وقال أبو بكر أحمد الأرجاني في قصيدة له بيتا فلم يلحق السلامي أيضا وهو قوله:
لقيته فرأيت الناس في رجل … والدهر في ساعة والأرض في دار
قال: وكتب إليه افتكين مولى أخيه يستمده بجيش إلى دمشق يقاتل به الفاطميين، فكتب إليه عضد الدولة " غرك عزك فصار قصاراك ذلك، فاخش فاحش فعلك، فعلك بهذا تهدأ ". قال ابن خلكان: ولقد أبدع فيها كل الابداع، وقد جرى له من التعظيم من الخليفة ما لم يقع لغيره قبله، وقد اجتهد في عمارة بغداد والطرقات، وأجرى النفقات على المساكين والمحاويج، وحفر الأنهار وبنى المارستان العضدي وأدار السور على مدينة الرسول، فعل ذلك مدة ملكه على العراق، وهي خمسة (٣) سنين، وقد كان عاقلا فاضلا حسن السياسة شديد الهيبة بعيد الهمة، إلا أنه كان يتجاوز في سياسة الأمور الشرعية، كان يحب جارية فألهته عن تدبير المملكة، فأمر بتغريقها. وبلغه أن غلاما له أخذ لرجل بطيخة فضربه بسيفه فقطعه نصفين، وهذه مبالغة. وكان سبب موته الصرع. وحين أخذ في علة موته لم يكن له كلام سوى تلاوة قوله تعالى (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه) [الحاقة: ٢٨] فكان هذا هجيراه حتى مات. وحكى ابن الجوزي: أنه كان يحب العلم والفضيلة، وكان يقرأ عنده كتاب إقليدس وكتاب النحو لأبي علي الفارسي، وهو الايضاح والتكملة الذي صنفه له. وقد خرج مرة إلى بستان له فقال أود لو جاء المطر، فنزل المطر فأنشأ يقول:
стр. 4320
ليس شرب الراح (١) إلا في المطر … وغناء من جوار في السحر
غانيات سالبات للنهي … ناعمات (٢) في تضاعيف الوتر
راقصات زاهرات نجل … رافلات في أفانين الحبر
مطربات غنجات لحن … رافضات الهم أمال الفكر
مبرزات الكاس من مطلعها … مسقيات الخمر (٣) من فاق البشر
عضد الدولة وابن ركنها … مالك الأملاك غلاب القدر (٤)
سهل الله إليه نصره … في ملوك الأرض ما دام القمر (٥)
وأراه الخير في أولاده … ولباس الملك فيهم بالغرر
قبحه الله وقبح شعره وقبح أولاده، فإنه قد اجترأ في أبياته هذه فلم يفلح بعدها، فيقال: إنه حين أنشد قوله غلاب القدر، أخذه الله فأهلكه، ويقال: إن هذه الأبيات إنما أنشدت بين يديه ثم هلك عقيبها. مات في شوال من هذه السنة عن سبع أو ثمان وأربعين سنة، وحمل إلى مشهد علي فدفن فيه، وكان فيه رفض وتشيع، وقد كتب على قبره في تربته عند مشهد علي: هذا قبر عضد الدولة، وتاج المملكة، أبي شجاع بن ركن الدولة، أحب مجاورة هذا الامام المتقي لطمعه في الخلاص (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) [النحل: ١١١] والحمد لله وصلواته على محمد وعترته الطاهرة. وقد تمثل عند موته بهذه الأبيات وهي للقاسم بن عبيد الله:
قتلت صناديد الرجال فلم أدع … عدوا ولم أمهل على ظنه خلقا
وأخليت در الملك من كان باذلا … فشردتهم غربا وشردتهم شرقا
فلما بلغت النجم عزا ورفعة … وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الردى سهما فأخمد جمرتي … فها أنا ذا في حفرتي عاطلا ملقى
فأذهبت دنياي وديني سفا … فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى؟
ثم جعل يكرر هذه الأبيات وهذه الآية (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه) [الحاقة ٢٨ - ٢٩] إلى أن مات. وأجلس ابنه صمصامه على الأرض وعليه ثياب السواد، وجاءه الخليفة معزيا وناح النساء عليه في الأسواق حاسرات عن وجوههن أياما كثيرة، ولما انقضى العزاء ركب ابنه
стр. 4321
صمصامة إلى دار الخلافة فخلع عليه الخليفة سبع خلع وطوقه وسوره وألبسه التاج ولقبه شمس الدولة، وولاه ما كان يتولاه أبوه، وكان يوما مشهودا.
محمد بن جعفر
ابن أحمد بن جعفر بن الحسن بن وهب أبو بكر الجريري المعروف بزوج الحرة، سمع ابن جرير والبغوي وابن أبي داود وغيرهم، وعنه ابن رزقويه وابن شاهين والبرقاني، وكان أحد العدول الثقات جليل القدر. وذكر ابن الجوزي والخطيب سبب تسميته بزوج الحرة: أنه كان يدخل إلى مطبخ أبيه بدار مولاته التي كانت زوجة المقتدر بالله، فلما توفي المقتدر وبقيت هذه المرأة سالمة من الكتاب والمصادرات وكانت كثيرة الأموال، وكان هذا غلاما شابا حدث السن يحمل شيئا من حوائج المطبخ على رأسه فيدخل به إلى مطبخها مع جملة الخدم، وكان شابا رشيقا حركا، فنفق على القهرمانة حتى جعلته كاتبا على المطبخ، ثم ترقى إلى أن صار وكيلا للست على ضياعها، ينظر فيها وفي أموالها، ثم آل به الحال حتى صارت الست تحدثه من وراء الحجاب، ثم علقت به وأحبته وسألته أن يتزوج بها فاستصغر نفسه وخاف من غائلة ذلك فشجعته هي وأعطته أموالا كثيرة ليظهر عليه الحشمة والسعادة مما يناسبها ليتأهل لذلك، ثم شرعت تهادي القضاة والأكابر، ثم عزمت على تزويجه ورضيت به عند حضور القضاة، واعترض أولياؤها عليها فغلبتهم بالمكارم والهدايا، ودخل عليها فمكثت معه دهرا طويلا ثم ماتت قبله فورث منها نحو ثلاثمائة ألف دينار، وطال عمره بعدها حتى كانت وفاته في هذه السنة والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة
فيها غلت الأسعار ببغداد حتى بلغ الكر من الطعام إلى أربع آلاف وثمانمائة، ومات كثير من الناس جوعا، وجافت الطرقات من الموتى من الجوع، ثم تساهل الحال في ذي الحجة منها، وجاء الخبر بموت مؤيد الدولة بن ركن الدولة، وأن أبا القاسم بن عباد الوزير بعث إلى أخيه فخر الدولة فولاه الملك مكانه، فاستوزر ابن عباد أيضا على ما كان عليه، ولما بلغ القرامطة موت عضد الدولة قصدوا البصرة ليأخذوها مع الكوفة فلم يتم لهم ذلك، ولكن صولحوا على مال كثير فأخذوه وانصرفوا.
وممن توفي فيها من الأعيان بويه مؤيد الدولة بن ركن الدولة، وكان ملكا على بعض ما كان أبوه يملكه، وكان الصاحب أبو القاسم بن عباد وزيره، وقد تزوج مؤيد الدولة هذا ابنة عمه معز الدولة، فغرم على عرسه سبعمائة ألف دينار، وهذا سرف عظيم.
стр. 4322
بلكين بن زيري بن منادي
الحميري الصنهاجي، ويسمى أيضا يوسف، وكان من أكابر أمراء المعز الفاطمي، وقد استخلفه على بلاد إفريقية حين سار إلى القاهرة، وكان حسن السيرة، له أربعمائة حظية، وقد بشر في ليلة واحدة بتسعة (١) عشر ولدا، وهو جد باديس المغربي.
سعيد بن سلام
أبو عثمان المغربي، أصله من بلاد القيروان، ودخل الشام وصحب أبا الخير الأقطع، وجاور بمكة مدة سنين، وكان لا يظهر في المواسم، وكانت له كرامات، وقد أثنى عليه أبو سليمان الخطابي وغيره، وروى له أحوال صالحة رحمه الله تعالى.
عبد الله بن محمد
ابن عبد الله بن عثمان بن المختار بن محمد المري الواسطي، يعرف بابن السقا، سمع عبدان وأبا يعلى الموصلي وابن أبي داود والبغوي، وكان فهما حافظا، دخل بغداد فحدث بها مجالس كثيرة من حفظه، وكان يحضره الدارقطني وغيره من الحفاظ فلم ينكروا عليه شيئا، غير أنه حدث مرة عن أبي يعلى بحديث أنكروه عليه ثم وجوده في أصله بخط الضبي، كما حدث به، فبرئ من عهدته.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ثلاثمائة
فيها جرى الصلح بين صمصامة وبين عمه فخر الدولة، فأرسل الخليفة لفخر الدولة خلعا وتحفا. قال ابن الجوزي: وفي رجب منها عمل عرس في درب رياح فسقطت الدار على من فيها فهلك أكثر النساء بها، ونبش من تحت الردم فكانت المصيبة عامة.
وفيها كانت وفاة:
الحافظ أبي الفتح محمد بن الحسن (٢)
ابن أحمد ابن الحسين الأزدي الموصلي المصنف في الجرح والتعديل، وقد سمع الحديث من أبي يعلى وطبقته، وضعفه كثير من الحفاظ من أهل زمانه، واتهمه بعضهم بوضع حديث رواه لابن
стр. 4323
بويه، حين قدم عليه بغداد، فساقه بإسناد إلى النبي ﷺ " أن جبريل كان ينزل عليه في مثل صورة ذلك الأمير ". فأجازه وأعطاه دراهم كثيرة. والعجب إن كان هذا صحيحا كيف راج على أحد ممن له أدنى فهم وعقل، وقد أرخ ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، وقد قيل إنه توفي سنة تسع وستين.
وفيها توفي …
الخطيب بن نباته الحذاء (١)
في بطن من قضاعة، وقيل إياد الفارقي خطيب حلب في أيام سيف الدولة بن حمدان، ولهذا أكثر ديوانه الخطب الجهادية، ولم يسبق إلى مثل ديوانه هذا، ولا يلحق إلا أن يشاء الله شيئا، لأنه كان فصيحا بليغا دينا ورعا، روى الشيخ تاج الدين الكندي عنه أنه خطب يوم جمعة بخطبة المنام ثم رأى ليلة السبت رسول الله ﷺ في جماعة من أصحابه بين المقابر، فلما أقبل عليه قال: له: مرحبا بخطيب الخطباء، ثم أومأ إلى قبور هناك فقال لابن نباتة: كأنهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعدوا في الاحياء مرة، أبادهم الذي خلقهم، وأسكتهم الذي أنطقهم، وسيجدهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، فتم الكلام ابن نباتة حتى انتهى إلى قوله (يوم تكونوا شهداء على الناس - وأشار إلى الصحابة الذين مع الرسول - ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة: ١٤٣] وأشار إلى رسول الله ﷺ . فقال: أحسنت أحسنت أدنه أدنه، فقبل وجهه وتفل في فيه وقال: وفقك الله. فاستيقظ وبه من السرور أمر كبير، وعلى وجهه بهاء ونور، ولم يعش بعد ذلك إلا سبعة عشر يوما لم يستطعم بطعام، وكان يوجد منه مثل رائحة المسك حتى مات ﵀. قال ابن الأزرق الفارقي: ولد ابن نباتة في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. حكاه ابن خلكان.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وثلاثمائة
فيها خلع الخليفة على صمصامة الدولة وسوره وطوقه وأركب على فرس بسرج ذهب، وبين يديه جنيب مثله، وفيها ورد الخبر بأن اثنين من سادة القرامطة وهما إسحاق وجعفر، دخلا الكوفة في حفل عظيم فانزعجت النفوس بسبب ذلك، وذلك لصرامتهما وشجاعتهما، ولأن عضد الدولة مع شجاعته كان يصانعهما، وأقطعهما أراضي من أراضي واسط، وكذلك عز الدولة من قبله أيضا. فجهز إليهما صمصامة جيشا فطردهما عن تلك النواحي التي قد أكثروا فيها الفساد، وبطل ما كان في
стр. 4324
نفوس الناس منهما، وفيها عزم صمصامة الدولة على أن يضع مكسا على الثياب الابريسمات فاجتمع الناس بجامع المنصور وأرادوا تعطيل الجمعة وكادت الفتنة تقع بينهم فأعفوا من ذلك.
وفي ذي الحجة ورد الخبر بموت مؤيد الدولة فجلس صمصامة للعزاء، وجاء إليه الخليفة معزيا له فقام إليه صمصامة وقبل الأرض بين يديه وتخاطبا في الغزاء بألفاظ حسنة. وفيها توفي الشيخ:
أبو علي بن أبي هريرة
واسمه الحسن بن الحسين، وهو أحد مشايخ الشافعية، وله اختيارات كثيرة غريبة في المذهب وقد ترجمناه في طبقات الشافعية.
الحسين بن علي
ابن محمد بن يحيى أبو أحمد النيسابوري المعروف بحسنك (١)، كانت تربيته عند ابن خزيمة وتلميذا له، وكان يقدمه على أولاده ويقر له ما لا يقر لغيره، وإذا تخلف ابن خزيمة عن مجالس السلطان بعث حسنك مكانه. ولما توفي ابن خزيمة كان عمر حسنك ثلاثا وعشرين سنة، ثم عمر بعده دهرا طويلا، وكان من أكثر الناس عبادة وقراءة للقرآن، لا يترك قيام الليل حضرا ولا سفرا، كثير الصدقات والصلات، وكان يحكي وضوء ابن خزيمة وصلاته، ولم يكن في الأغنياء أحسن صلاة منه ﵀، وصلى عليه الحافظ أبو أحمد النيسابوري.
أبو القاسم الداركي (٢)
عبد العزيز بن عبد الله بن محمد: أبو القاسم الداركي أحد أئمة الشافعية في زمانه، نزل نيسابور ثم سكن بغداد إلى أن مات بها، قال الشيخ أبو حامد الأسفراييني: ما رأيت أفقه منه. وحكى الخطيب عنه أنه كان يسأل عن الفتوى فيجيب بعد تفكر طويل، فربما كانت فتواه مخالفة لمذهب الشافعي وأبي حنيفة فيقال له في ذلك فيقول: ويلكم روى فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ كذا وكذا، فالأخذ به أولى من الاخذ بمذهب الشافعي وأبي حنيفة، ومخالفتهما أسهل من مخالفة الحديث. قال ابن خلكان: وله في المذهب وجوه جيدة دالة على متانة علمه، وكان يتهم بالاعتزال، وكان قد أخذ العلم عن الشيخ أبي إسحاق المروزي، والحديث عن جده لامه الحسن بن
стр. 4325
محمد الداركي، وهو أحد مشايخ أبي حامد الأسفراييني، وأخذ عنه عامة شيوخ بغداد وغيرهم من أهل الآفاق، وكانت وفاته في شوال، وقيل في ذي القعدة منها، وقد نيف على السبعين ﵀.
محمد بن أحمد بن محمد بن حسنويه
أبو سهل النيسابوري، ويعرف بالحسنوي، كان فقيها شافعيا أديبا محدثا مشتغلا بنفسه عما لا يعينه.
محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح
أبو بكر الفقيه المالكي، سمع من أبي عمرويه والباغندي وأبي بكر بن أبي داود وغيرهم، وعنه البرقاني، وله تصانيف في شرح مذهب مالك، وانتهت إليه رياسة مذهب مالك، وعرض عليه القضاء فأباه وأشار بأبي بكر الرازي الحنفي، فلم يقبل الآخر أيضا. توفي في يوم شوال منها عن ست وثمانين سنة رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة ست وسبعين وثلاثمائة
قال ابن الجوزي: في محرمها كثرت الحيات في بغداد فهلك بسبب ذلك خلق كثير. ولسبع خلون من ربيع الأول - وكان يوم العشرين من تموز - وقع مطر كثير ببرق ورعد. وفي رجب غلت الأسعار جدا ووردا الخبر فيه بأنه وقع بالموصل زلزلة عظيمة سقط بسببها عمران كثر، ومات من أهلها أمة عظيمة. وفيها وقع بين صمصام الدولة وبين أخيه شرف الدولة فاقتتلا فغلبه شرف الدولة ودخل بغداد فتلقاه الخليفة وهنأه بالسلامة، ثم استدعى شرف الدولة بفراش ليكحل صمصام الدولة فاتفق موته فأكحله بعد موته (١)، وهذا من غريب ما وقع. وفي ذي الحجة منها قبل قاضي القضاة أبو محمد بن معروف شهادة القاضي الحافظ أبي الحسن الدارقطني، وأبي محمد بن عقبة، فذكر أن الدارقطني ندم على ذلك وقال: كان يقبل قولي على رسول الله ﷺ وحدي فصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع غيري.
стр. 4326
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمائة
في صفرها عقد مجلس بحضرة الخليفة فيه القضاة وأعيان الدولة وجددت البيعة بين الطائع وبين شرف الدولة بن عضد الدولة وكان يوما مشهودا، ثم في ربيعها الأول ركب شرف الدولة من داره إلى دار الخليفة وزينت البلد وضربت البوقات والطبول والدبادب، فخلع عليه الخليفة وسوره وأعطاه لواءين معه، وعقد له على ما وراء داره، واستخلفه على ذلك، وكان في جملة من قدم مع شرف الدولة القاضي أبو محمد عبيد الله بن أحمد بن معروف، فلما رآه الخليفة قال:
مرحبا بالأحبة القادمينا … أو حشونا وطال ما آنسونا
فقبل الأرض بين يدي الخليفة، ولما قضيت البيعة دخل شرف الدولة على أخته امرأة الخليفة فمكث عندها إلى العصر والناس ينتظرونه، ثم خرج وسار إلى داره للتهنئة. وفيها اشتد الغلاء جدا ثم لحقه فناء كثير. وفيها توفيت أم شرف الدولة - وكانت تركية أم ولد - فجاءه الخليفة فعزاه. وفيها ولد لشرف الدولة ابنان توأمان.
وممن توفي فيها من الأعيان …
أحمد بن الحسين بن علي (١)
أبو حامد المروزي، ويعرف بابن الطبري، كان حافظا للحديث مجتهدا في العبادة، متقنا بصيرا بالأثر، فقيها حنفيا، درس على أبي الحسين الكرخي وصنف كتبا في الفقه والتاريخ، وولي قضاء القضاة بخراسان، ثم دخل بغداد وقد علت سنه، فحدث الناس وكتب الناس عنه، منهم الدارقطني.
إسحاق بن المقتدر بالله
توفي ليلة الجمعة لسبع عشرة (٢) من ذي الحجة عن ستين سنة، وصلى عليه ابنه القادر بالله وهو إذ ذاك أمير المؤمنين، ودفن في تربة جدته شغب أم المقتدر، وحضر جنازته الأمراء والأعيان من جهة الخليفة وشرف الدولة، وأرسل شرف الدولة من عزى الخليفة فيه، واعتذر من الحضور لوجع حصل له.
جعفر بن المكتفي بالله
كان فاضلا توفي فيها أيضا.
стр. 4327
أبو علي الفارسي النحوي (١)
صاحب الايضاح والمصنفات الكثيرة، ولد ببلده ثم دخل بغداد وخدم الملوك وحظي عند عضد الدولة بحيث إن عضد الدولة كان يقول أنا غلام أبي على في النحو، وحصلت له الأموال، وقد اتهمه قوم بالاعتزال وفضله قوم من أصحابه على المبرد، وممن أخذ عنه أبو عثمان بن جني وغيره، توفي فيها عن بضع وتسعين سنة.
ستيتة
بنت القاضي أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي، وتكنى أم عبد الواحد، قرأت القرآن وحفظت الفقه والفرائض والحساب والدرر والنحو وغير ذلك، وكانت من أعلم الناس في وقتها بمذهب الشافعي، وكانت تفتي به مع الشيخ أبي علي بن أبي هريرة، وكانت فاضلة في نفسها كثيرة الصدقة، مسارعة إلى فعل الخيرات، وقد سمعت الحديث أيضا، وكانت وفاتها في رجب عن بضع وتسعين سنة.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة
في محرمها كثر الغلاء والفناء ببغداد إلى شعبان كثرت الرياح والعواصف، بحيث هدمت كثيرا من الأبنية، وغرق شئ كثير من السفن، واحتملت بعض الزوارق فألقته بالأرض من ناحية جوخى، وهذا أمر هائل وخطب شامل. وفي هذا الوقت لحق أهل البصرة حر شديد بحيث سقط كثير من الناس في الطرقات وماتوا من شدته.
وفيها توفي من الأعيان …
الحسن بن علي بن ثابت
أبو عبد الله المقري، ولد أعمى، وكان يحضر مجلس ابن الأنباري فيحفظ ما يقول وما يمليه كله، وكان ظريفا حسن الزي، وقد سبق الشاطبي إلى قصيدة عملها في القراءات السبع، وذلك في حياة النقاش، وكانت تعجبه جدا، وكذلك شيوخ ذلك الزمان أذعنوا إليها.
стр. 4328
الخليل بن أحمد القاضي
شيخ الحنفية في زمانه، كان مقدما في الفقه والحديث، سمع ابن جرير والبغوي وابن صاعد وغيرهم، ولهذا سمي باسم النحوي المتقدم.
زياد بن محمد بن زياد بن الهيثم
أبو العباس الخرخاني بخاءين معجمتين نسبة إلى قرية من قرى قومس، ولهم الجرجاني بجيمين، وهم جماعة، ولهم الخرجاني بخاء معجمة ثم جيم (١). وقد حرر هذه المواضع الشيخ ابن الجوزي في منتظمه.
ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثلاثمائة
فيها كانت وفاة شرف الدولة بن عضد الدولة بن بويه الديلمي، وكان قد انتقل إلى قصر معز الدولة عن إشارة الأطباء لصحة الهواء، وذلك لشدة ما كان يجده من الداء، فلما كان في جمادى الأولى تزايد به ومات في هذا الشهر، وقد عهد إلى أخيه (٢) أبي نصر، وجاء الخليفة في طيارة لتعزيته في والده (٣) فتلقاه أبو نصر والترك بين يديه والديلم، فقبل الأرض بين يديه الخليفة، وكذلك بقية العسكر والخليفة في الطيارة وهم يقبلون الأرض إلى ناحيته. وجاء الرئيس أبو الحسين علي بن عبد العزيز من عند الخليفة إلى أبي نصر فبلغه تعزيته له في والده (٣) فقبل الأرض أيضا ثانية، وعاد الرسول أيضا إلى الخليفة فبلغه شكر الأمير، ثم عاد من جهة الخليفة لتوديع أبي نصر فقبل الأرض ثالثا، ورجع الخليفة. فلما كان يوم السبت عاشر هذا الشهر ركب الأمير أبو نصر إلى حضرة الخليفة الطائع لله ومعه الاشراف والأعيان والقضاة والامراء، وجلس الخليفة في الرواق، فلما وصل الأمير أبو نصر خلع عليه الخليفة سبع خلع أعلاهن السواد وعمامة سوداء وفي عنقه طوق وفي يده سواران ومشى الحجاب بين يديه بالسيوف والمناطق، فقبل الأرض ثانية ووضع له كرسي فجلس عليه وقرأ الرئيس أبو الحسن عهده، وقدم إلى الطائع لواء فعقده بيده ولقبه بهاء الدولة وضياء الملة، ثم خرج من بين
стр. 4329
يديه والعسكر معه حتى عاد إلى دار المملكة، وأقر الوزير أبا منصور بن صالح (١) على الوزارة، وخلع عليه. وفيها بنى جامع القطيعة - قطيعة أم جعفر - بالجانب الغربي من بغداد، وكان أصل بناء هذا المسجد أن امرأة رأت في منامها رسول الله ﷺ يصلي في مكانه، ووضع يده في جدار هناك، فلما أصبحت فذكرت ذلك فوجدوا أثر الكف في ذلك فبني مسجدا ثم توفيت تك المرأة في ذلك اليوم، ثم إن الشريف أبا أحمد الموسوي جدده وجعله جامعا، وصلى الناس فيه في هذه السنة.
وفيها توفي من الأعيان …
شرف الدولة
ابن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه الديلمي، تملك بغداد بعد أبيه، وكان يحب الخير ويبغض الشر، وأمر بترك المصادرات. وكان مرضه بالاستسقاء فتزايد به حتى كانت وفاته ليلة الجمعة الثاني من جمادى الآخرة عن ثمان وعشرين سنة أشهر، وكانت مدة ملكه سنتين وثمانية أشهر، وحمل تابوته إلى تربة أبيه بمشهد علي، وكلهم فيهم تشيع ورفض.
محمد بن جعفر بن العباس
أبو جعفر، وأبو بكر النجار، ويلقب غندر أيضا، روى عن أبي بكر النيسابوري وطبقته، وكان فهما يفهم القرآن فهما حسنا وهو من ثقات الناس (٢).
عبد الكريم بن عبد الكريم
ابن بديل أبو الفضل الخزاعي الجرجاني قدم بغداد وحدث بها. قال الخطيب: كانت له عناية بالقراءات وصنف أسانيدها، ثم ذكر أنه كان يخلط ولم يكن مأمونا على ما يرويه، وأنه وضع كتابا في الحروف ونسبه إلى أبي حنيفة، فكتب الدارقطني وجماعة أن هذا الكتاب موضوع لا أصل له، فافتضح وخرج من بغداد إلى الجبل فاشتهر أمره هناك وحبطت منزلته، وكان يسمي نفسه أولا جميلا، ثم غيره إلى محمد.
стр. 4330
محمد بن المظفر (١)
ابن موسى بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن سلمة بن إياس، أبو الحسين البزار الحافظ، ولد في محرم سنة ثلاثمائة (٢)، ورحل إلى بلاد شتى، وروى عن ابن جرير والبغوي وخلق، وروى عنه جماعة من الحفاظ - منهم الدارقطني - شيئا كثيرا، وكان يعظمه ويجله ولا يستند بحضرته، كان ثقة ثبتا، وكان قديما ينتقد على المشايخ، ثم كانت وفاته في هذه السنة ودفن يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الأولى أو الأخرى منها.
ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة من الهجرة
فيها قلد الشريف أبو أحمد الحسن بن موسى الموسوي نقابة الاشراف الطالبيين والنظر في المظالم وإمرة الحاج، وكتب عهده بذلك واستخلف ولداه المرتضى أبو القاسم والرضي أبو الحسين على النقابة وخلع عليهما. وفيها تفاقم الامر بالعيارين ببغداد وصار الناس أحزابا في كل محلة أمير مقدم، واقتتل الناس وأخذت الأموال واتصلت الكبسات وأحرقت دور كبار، ووقع حريق بالنهار في نهر الدجاج، فاحترق بسببه شئ كثير للناس والله أعلم.
وفيها توفي من الأعيان …
يعقوب بن يوسف
أبو الفتوح بن كلس، وزير العزيز صاحب مصر، وكان شهما فهما ذا همة وتدبير وكلمة نافذة عند مخدومه، وقد فوض إليه أموره في سائر مملكته، ولما مرض عاده العزيز ووصاه الوزير بأمر مملكته ولما مات دفنه في قصره وتولى دفنه بيده وحزن عليه كثيرا، وأغلق الديوان أياما من شدة حزنه عليه.
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة
فيها كان القبض على الخليفة الطائع لله وخلافة القادر بالله أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله، وكان ذلك في يوم السبت التاسع عشر من شعبان منها، وذلك أنه جلس الخليفة على عادته في الرواق وقعد الملك بهاء الدولة على السرير، ثم أرسل من اجتذب الخليفة
стр. 4331
بحمائل عن السرير ولفوه في كساء وحملوه إلى الخزانة بدار المملكة، وتشاغل الناس بالنهب ولم يدر أكثر الناس ما الخطب وما الخبر، حتى أن كبير المملكة بهاء الدولة ظن الناس أنه هو الذي مسك، فنهبت الخزائن والحواصل وأشياء من أثاث دار الخلافة، حتى أخذ ثياب الأعيان والقضاة والشهود وجرت كائنة عظيمة جدا، ورجع بهاء الدولة إلى داره وكتب على الطائع كتابا بالخلع من الخلافة (١)، وأشهد عليه الاشراف وغيرهم أنه قد خلع نفسه من الخلافة وسلمها إلى القادر بالله، ونودي بذلك في الأسواق، وسبقت الديلم والأتراك وطالبوا برسم البيعة، وراسلوا بهاء الدولة في ذلك وتطاول الامر في يوم الجمعة، ولم يمكنوا من الدعاء له على المنبر بصريح اسمه، بل قالوا اللهم أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله، ثم أرضوا وجوههم وأكابرهم وأخذت البيعة له واتفقت الكلمة، وأمر بهاء الدولة بتحويل جميع ما في دار الخلافة من الأواني والأثاث وغيره إلى داره، وأبيحت للعامة والخاصة، فقلعوا وشعثوا أبنيتها، هذا والخليفة القادر قد هرب إلى أرض البطيحة من الطائع حين كان يطلبه، ولما رجع إلى بغداد مانعته الديم من الدخول إليها حتى يعطيهم رسم البيعة، وجرت بينهم خطوب طويلة، ثم رضوا عنه ودخل بغداد، وكانت مدة هربه إلى أرض البطيحة ثلاث سنين. ولما دخل بغداد جلس في اليوم الثاني جلوسا عاما إلى التهنئة وسماع المدائح والقصائد فيه، وذلك في العشر الأخير من شوال، ثم خلع على بهاء الدولة وفوض إليه ما وراء بابه، وكان الخليفة القادر بالله من خيار الخلفاء وسادات العلماء في ذلك الزمان، وكان كثير الصدقة حسن الاعتقاد، وصنف قصيدة فيها فضائل الصحابة وغير ذلك، فكانت تقرأ في حلق أصحاب الحديث كل جمعة في جامع المهدي، وتجتمع الناس لسماعها مدة خلافته، وكان ينشد هذه الأبيات يترنم بها وهي لسابق البربري:
سبق القضاء بكل ما هو كائن … والله يا هذا لرزقك ضامن
تعنى بما تكفي وتترك ما به … تعنى كأنك للحوادث آمن
أو ما ترى الدنيا ومصرع أهلها … فاعمل ليوم فراقها يا خائن
واعلم بأنك لا أبا لك في الذي … أصبحت تجمعه لغير خازن
يا عامر الدنيا أتعمر منزلا … لم يبق فيه مع المنية ساكن
الموت شئ أنت تعلم أنه … حق وأنت بذكره متهاون
إن المنية لا تؤامر من أتت … في نفسه يوما ولا تستأذن
стр. 4332
وفي اليوم الثالث عشر من ذي الحجة - وهو يوم غدير خم - جرت فتنة بين الروافض والسنة واقتتلوا فقتل منهم خلق كثير، واستظهر أهل باب البصرة وحرقوا أعلام السلطان، فقتل جماعة اتهموا بفعل ذلك. وصلبوا على القناطر ليرتدع أمثالهم. وفيها ظهر أبو الفتوح الحسين بن جعفر العلوي أمير مكة، وادعى أنه خليفة، وسمى نفسه الراشد بالله، فمالاه أهل مكة وحصل له أموال من رجل أوصى له بها، فانتظم أمره بها، وتقلد سيفا وزعم أنه ذو الفقار، وأخذ بيده قضيبا زعم أنه كان لرسول الله ﷺ ، ثم قصد بلاد الرملة ليستعين بعرب الشام، فتلقوه بالرحب وقبلوا له الأرض، وسلموا عليه بأمير المؤمنين، وأظهر الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. ثم أن الحاكم صاحب مصر - وكان قد قام بالامر من بعد أبيه العزيز في هذه السنة - بعث إلى عرب الشام بملطفات ووعدهم من الذهب بألوف ومئات، وكذلك إلى عرب الحجاز، واستناب على مكة أميرا وبعث إليه بخمسين ألف دينار، فانتظم أمر الحاكم وتمزق أمر الراشد، وانسحب إلى بلاده كما بدأ منها، وعاد إليها كما خرج عنها، واضمحل حاله وانتقضت حباله، وتفرق عنه رجاله.
وممن توفي فيها من الأعيان …
أحمد بن الحسين بن مهران
أبو بكر المقري، توفي في شوال منها عن ست وثمانين سنة، واتفق له أنه مات في يوم وفاته أبو الحسن العامري الفيلسوف، فرأى بعض الصالحين أحمد بن الحسين بن مهران هذا في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أقام أبا الحسن العامري بجانبي، وقال: هذا فداؤك من النار.
عبد الله بن أحمد بن معروف
أبو محمد قاضي قضاة بغداد روى عن ابن صاعد وعنه الخلال والأزهري وغيرهما، وكان من العلماء الثقات العقلاء الفطناء، حسن الشكل جميل اللبس، عفيفا عن الأموال، توفي عن خمس وسبعين سنة، وصلى عليه أبو أحمد الموسوي، فكبر عليه خمسا، ثم صلى عليه ابنه بجامع المنصور فكبر عليه أربعا، ثم دفن في داره سامحه الله.
جوهر بن عبد الله
القائد باني القاهرة، أصله أرمني ويعرف بالكاتب، أخذ مصر بعد موت كافور الأخشيدي، أرسله مولاه العزيز الفاطمي إليها في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فوصل إليها في شعبان منها في مائة ألف مقاتل، ومائتي صندوق لينفقه في عمارة القاهرة، فبرزوا لقتاله فكسرهم وجدد الأمان لأهلها، ودخلها يوم الثلاثاء لثمان عشرة خلت من شعبان، فشق مصر ونزل في مكان القاهرة
стр. 4333
اليوم، وأسس من ليلته القصرين وخطب يوم الجمعة الآتية لمولاه، وقطع خطبة بني العباس، وذكر في خطبته الأئمة الاثني عشر، وأمر فأذن بحي على خير العمل، وكان يظهر الاحسان إلى الناس، ويجلس كل يوم سبت مع الوزير ابن الفرات والقاضي، واجتهد في تكميل القاهرة وفرغ من جامعها الأزهر سريعا، وخطب به في سنة إحدى وستين، وهو الذي يقال له الجامع الأزهر، ثم أرسل جعفر بن فلاح إلى الشام فأخذها، ثم قدم مولاه المعز في سنة اثنتين وستين كما تقدم، فنزل بالقصرين ولم تزل منزلته عالية عنده إلى أن مات في هذه السنة، وقام مكانه الحسين (١) الذي كان يقال له قائد القواد، وهو أكبر أمراء الحاكم، ثم كان قتله على يديه في سنة إحدى وأربعمائة، وقتل معه صهره زوج أخته القاضي عبد العزيز بن النعمان، وأظن هذا القاضي هو الذي صنف البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم، الذي فيه من الكفر ما لم يصل إبليس إلى مثله، وقد رد على هذا الكتاب أبو بكر الباقلاني ﵀.
ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين وثلاثمائة
في عاشر محرمها أمر الوزير أبو الحسن علي بن محمد الكوكبي - ويعرف بابن المعلم وكان قد استحوذ على السلطان - أهل الكرخ وباب الطاق من الرافضة بأن لا يفعلوا شيئا من تلك البدع التي كانوا يتعاطونها في عاشوراء: من تعليق المسوح وتغليق الأسواق والنياحة على الحسين، فلم يفعلوا شيئا من ذلك ولله الحمد. وقد كان هذا الرجل من أهل السنة إلا أنه كان طماعا، رسم أن لا يقبل أحدا من الشهود ممن أحدثت عدالته بعد ابن معروف، وكان كثير منهم قد بذل أموالا جزيلة في ذلك، فاحتاجوا إلى أن جمعوا له شيئا فوقع لهم بالاستمرار، ولما كان في جمادى الآخرة سعت الديلم والترك على ابن المعلم هذا وخرجوا بخيامهم إلى باب الشماسية وراسلوا بهاء الدولة ليسلمه إليهم، لسوء معاملته لهم، فدافع عنه مدافعة عظيمة في أيام متعددة، ولم يزالوا يراسلونه في أمره حتى خنقه في حبل ومات ودفن بالمحرم. وفي رجب منها سلم الخليفة الطائع الذي خلع إلى الخليفة القادر فأمر بوضعه في حجرة من دار الخلافة وأمر أن تجري عليه الأرزاق والتحف والالطاف، مما يستعمله الخليفة القادر من مأكل وملبس وطيب وغيره ووكل به من يحفظه ويخدمه، وكان يتعنت على القادر في تقلله في المأكل والملبس، فرتب من يحضر له من سائر الأنواع، ولم يزالوا كذلك حتى توفي وهو في السجن. وفي شوال منها ولد للخليفة القادر ولد وذكر، وهو أبو الفضل محمد بن القادر بالله، وقد ولاه العهد من بعده وسماه الغالب بالله، فلم يتم له الامر. وفي هذا الوقت غلت الأسعار ببغداد حتى بيع رطل الخبز بأربعين درهما، والجزر بدرهم. وفي ذي القعدة قام صاحب الصفراء الأعرابي والتزم بحراسة
стр. 4334
الحجاج في ذهابهم وإيابهم، وأن يخطب للقادر من اليمامية والبحرين إلى الكوفة، فأجيب إلى ذلك، وأطلقت له الخلع والأموال والأواني وغيرها.
وممن توفي فيها من الأعيان …
محمد بن العباس
ابن محمد بن محمد بن زكريا بن يحيى بن معاذ أبو عمر الخزاز (١) المعروف بابن حياة (٢)، سمع البغوي والباغندي وابن صاعد وخلقا كثيرا، وانتقد عليه الدارقطني وسمع منه الأعيان، وكان ثقة دينا متيقظا ذا مروءة، وكتب من الكتب الكبار كثيرا بيده، وكانت وفاته في ربيع الآخر منها وقد قارب التسعين.
أبو أحمد العسكري
الحسن بن عبد الله بن سعيد أحد الأئمة في اللغة والأدب والنحو والنوادر، وله في ذلك تصانيف مفيدة، منها التصحيف وغيره، وكان الصاحب بن عباد يود الاجتماع به فسافر إلى عسكر خلفه حتى اجتمع به فأكرمه وأرسله بالاشعار. توفي فيها وله تسعون سنة. كذا ذكره ابن خلكان. وذكره ابن الجوزي فيمن توفي في سنة سبع وثمانين كما سيأتي.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة
فيها أمر القادر بالله بعمارة مسجد الحربية وكسوته، وأن يجري مجرى الجوامع في الخطب وغيرها وذلك بعد أن استفتى العلماء في جواز ذلك. قال الخطيب البغدادي: أدركت الجمعة تقام ببغداد في مسجد المدينة، ومسجد الرصافة، ومسجد دار الخلافة، ومسجد براثا، ومسجد قطيعة أم جعفر، ومسجد الحربية. قال: ولم يزل الامر على هذا إلى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، فتعطلت في مسجد براثا. وفي جمادى الأولى فرغ من الجسر الذي بناه بهاء الدولة في مشرعة القطانين، واجتاز عليه هو بنفسه، وقد زين المكان. وفي جمادى الآخرة شعثت الديالم والأتراك في نواحي البلد لتأخر العطاء عنهم، وغلت الأسعار وراسلوا بهاء الدولة فأزيحت عللهم.
وفي يوم الخميس الثاني من ذي القعدة تزوج الخليفة سكينة بنت بهاء الدولة على صداق مائة
стр. 4335
ألف دينار وكان وكيل بهاء الدولة الشريف أبو أحمد الموسوي، ثم توفيت هذه المرأة قبل دخول الخليفة بها. وفيها ابتاع الوزير أبو نصر سابور بن أزدشير دارا بالكرخ وجدد عمارتها، ونقل إليها كتبا كثيرة، ووقفها على الفقهاء، وسماها دار العلم. وأظن أن هذه أول مدرسة وقفت على الفقهاء، وكانت قبل النظامية بمدة طويلة. وفيها في أواخرها ارتفعت الأسعار وضاق الحال وجاع العيال (١).
وفيها توفي من الأعيان ..
أحمد بن إبراهيم بن
الحسن بن شاذان بن حرب بن مهران، أبو بكر البزار، سمع الكثير من البغوي وابن صاعد وابن أبي داود وابن دريد، وعنه الدارقطني والبرقاني والأزهري وغيرهم، وكان ثبتا صحيح السماع، كثير الحديث، متحريا ورعا. توفي عن خمس وثمانين سنة رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة
فيها عظم الخطب بأمر العيارين، عاثوا ببغداد فسادا وأخذوا الأموال والعملات الثقال ليلا ونهارا، وحرقوا مواضع كثيرة، وأخذوا من الأسواق الجبايات، وتطلبهم الشرط فلم يفد ذلك شيئا ولا فكروا في الدولة، بل استمروا على ما هم عليه من أخذ الأموال، وقتل الرجال، وإرعاب النساء والأطفال، في سائر المحال. فلما تفاقم الحال بهم تطلبهم السلطان بهاء الدولة وألح في طلبهم فهربوا بين يديه واستراح الناس من شرهم. وأظن هذه الحكايات التي يذكرها بعض الناس عن أحمد الدنف عنهم، أو كان منهم والله أعلم.
وفي ذي القعدة عزل الشريف الموسوي وولداه عن نقابة الطالبيين (٢). وفيها رجع ركب العراق من أثناء الطريق بعد ما فاتهم الحج، وذلك أن الأصيفر الأعرابي الذي كان قد تكفل بحراستهم اعترض لهم في الطريق وذكر لهم أن الدنانير التي أقطعت له من دار الخلافة كانت دارهم مطلية، وأنه يريد من الحجيج بدلها وإلا لا يدعهم يتجاوزوا هذا المكان، فمانعوه وراجعوه، فحبسهم عن السير حتى ضاق الوقت ولم يبق فيه ما يدركوا فيه الحج فرجعوا إلى بلادهم، ولم يحج منهم أحد، وكذلك ركب الشام وأهل اليمن لم يحج منهم أحد، وإنما حج أهل مصر والمغرب خاصة. وفي يوم عرفة قلد الشريف أبو الحسين (٣) الزينبي محمد بن علي بن أبي تمام الزينبي نقابة
стр. 4336
العباسيين، وقرئ عهده بين يدي الخليفة بحضرة القضاة والأعيان.
وفيها توفي من الأعيان الصابئي الكاتب المشهور صاحب التصانيف، وهو:
إبراهيم بن هلال
ابن إبراهيم بن زهرون بن حبون أبو إسحاق الحراني كاتب الرسائل للخليفة ولمعز الدولة بن بويه، كان على دين الصابئة إلى أن مات عليه، وكان مع هذا يصوم رمضان ويقرأ القرآن من حفظه، وكان يحفظه حفظا حسنا، ويستعمل منه في الرسائل، وكانوا يحرضون عليه أن يسلم فلم يفعل، وله شعر جيد قوي. توفي في شوال منها وقد تجاوز السبعين، وقد جاوز السبعين، وقد رثاه الشريف الرضي وقال: إنما رثيت فضائله (١)، وليس له فضائل ولا هو أهل لها ولا كرامة.
عبد الله بن محمد
ابن نافع بن مكرم أبو العباس البستي الزاهد، ورث من آبائه أموالا كثيرة فأنفقها كلها في وجوه الخير والقرب، وكان كثير العبادة، يقال إنه مكث سبعين سنة لم يستند إلى حائط ولا إلى شئ، ولا اتكأ على وسادة، وحج من نيسابور ماشيا حافيا، ودخل الشام وأقام بيت المقدس شهورا، ثم دخل مصر وبلاد المغرب، وحج من هناك ثم رجع إلى بلاده بست، وكان له بها بقية أموال وأملاك فتصدق بها كلها، ولما حضرته الوفاة جعل يتألم ويتوجع، فقيل له في ذلك فقال: أرى بين يدي أمورا هائلة، ولا أدري كيف أنجو منها. توفي في الحرم من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة، وليلة موته رأت امرأة أمها بعد موتها وعليها ثياب حسان وزينة فقالت: يا أمه ما هذه الزينة؟ فقالت: نحن في عيد لأجل قدوم عبد الله بن محمد الزاهد البستي علينا رحمه الله تعالى.
علي بن عيسى بن عبيد الله (٢)
أبو الحسن النحوي المعروف بالرماني، روى عن ابن دريد، وكانت له يد طولى في النحو واللغة والمنطق والكلام، وله تفسير كبير وشهد عند ابن معروف فقبله، وروى عنه التنوخي والجوهري، قال ابن خلكان: والرماني نسبة إلى بيع الرمان أو إلى قصر الرمان بواسط، توفي عن ثمان وثمانين سنة ودفن في الشونيزية عند قبر أبي علي الفارسي.
стр. 4337
محمد بن العباس بن أحمد بن القزاز
أبو الحسن الكاتب المحدث الثقة المأمون. قال الخطيب: كان ثقة، كتب الكثير وجمع ما لم يجمعه أحد في وقته، بلغني أنه كتب مائة تفسير ومائة تاريخ، وخلف ثمانية عشر صندوقا مملوءة كتبا أكثرها بخطه سوى ما سرق له، وكان حفظه في غاية الصحة، ومع هذا كان له جارية تعارض معه - أي تقابل ما يكتبه - رحمه الله تعالى.
محمد بن عمران بن موسى بن (١) عبيد الله
أبو عبد الله (٢) الكاتب المعروف بابن المرزبان، روى عن البغوي وابن دريد وغيرهما، وكان صاحب اختيار وآداب، وصنف كتبا كثيرة في فنون مستحسنة، وهو مصنف كتاب تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب، وكان مشايخه وغيرهم يحضرون عنده ويبيتون في داره على فرش وأطعمة وغير ذلك، وكان عضد الدولة إذا اجتاز بداره لا يجوز حتى يسلم عليه، وكان يقف حتى يخرج إليه، وكان أبو علي الفارسي يقول عنه: هو من محاسن الدنيا. وقال العقيقي: كان ثقة. وقال الأزهري: ما كان ثقة. وقال ابن الجوزي: ما كان من الكذابين وإنما كان فيه تشيع واعتزال. ويخلط السماع بالإجازة، وبلغ الثمانين سنة رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة
فيها استوزر ابن ركن الدولة بن بويه أبا العباس أحمد بن إبراهيم الضبي، الملقب بالكافي، وذلك بعد وفاة الصاحب إسماعيل بن عباد، وكان من مشاهير الوزراء. وفيها قبض بهاء الدولة على القاضي عبد الجبار وصادره بأموال جزيلة، فكان من جملة ما بيع له في المصادرة ألف طيلسان وألف ثوب معدني، ولم يحج في هذه السنة وما قبلها وما بعدها ركب العراق، والخطبة في الحرمين للفاطميين.
وممن توفي فيها من الأعيان …
الصاحب بن عباد
وهو إسماعيل بن عباد بن عباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني (٣)، أبو القاسم الوزير
стр. 4338
المشهور بكافي الكفاة، وزر لمؤيد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وقد كان من العلم والفضيلة والبراعة والكرم والاحسان إلى العلماء والفقراء على جانب عظيم، كان يبعث في كل سنة إلى بغداد بخمسة آلاف دينار لتصرف على أهل العلم، وله اليد الطولى في الأدب، وله مصنفات في فنون العلم واقتنى كتبا كثيرة، وكانت تحمل على أربعمائة بعير، ولم يكن في وزراء بني بويه مثله ولا قريب منه في مجموع فضائله، وقد كانت دولة بني بويه مائة وعشرين سنة وأشهرا، وفتح خمسين قلعة لمخدومه مؤيد الدولة، وابنه فخر الدولة، بصرامته وحسن تدبيره وجودة رأيه، وكان يحب العلوم الشرعية، ويبغض الفلسفة وما شابهها من علم الكلام والآراء البدعية، وقد مرض مرة بالاسهال فكان كلما قام عن المطهرة وضع عندها عشر دنانير لئلا يتبرم به الفراشون، فكانوا يتمنون لو طالت علته، ولما عوفي أباح للفقراء نهب داره، وكان فيها ما يساوي نحوا من خمسين ألف دينار من الذهب، وقد سمع الحديث من المشايخ الجياد العوالي الاسناد، وعقد له في وقت مجلس للاملاء فاحتفل الناس لحضوره، وحضره وجوه الأمراء، فلما خرج إليه لبس زي الفقهاء وأشهد على نفسه بالتوبة والإنابة مما يعانيه من أمور السلطان، وذكر للناس أنه كان يأكل من حين نشأ إلى يومه هذا من أموال أبيه وجده مما ورثه منهم، ولكن كان يخالط السلطان وهو تائب مما يمارسونه، واتخذ بناء في داره سماه بيت التوبة، ووضع العلماء خطوطهم بصحة توبته، وحين حدث استملى عليه جماعة لكثرة مجلسه، فكان في جملة من يكتب عنه ذلك اليوم القاضي عبد الجبار الهمداني وأضرابه من رؤس الفضلاء وسادات الفقهاء والمحدثين، وقد بعث إليه قاضي قزوين بهدية كتب سنية، وكتب معها:
العميدي (١) عبد كافي الكفاة وأنه … أعقل في وجوه القضاة
خدم المجلس الرفيع، بكتب … منعمات (٢)، من حسنها مترعات
فلما وصلت إليه أخذ منها كتابا واحدا ورد باقيها وكتب تحت البيتين:
قد قبلنا من الجميع كتابا … ورددنا لوقتها الباقيات
لست أستغنم الكثير وطبعي … قول: خذ ليس مذهبي قول هات
وجلس مرة في مجلس شراب فناوله الباقي كأسا، فلما أراد شربها قال له بعض خدمه: إن هذا الذي في يدك مسموم. قال: وما الشاهد على صحة قولك؟ قال تجربه، قال: فيمن؟ قال في الساقي. قال ويحك لا أستحل ذلك، قال ففي دجاجة، قال: إن التمثيل بالحيوان لا يجوز، ثم أمر بصب ما في ذلك القدح وقال للساقي: لا تدخل بعد اليوم داري، ولم يقطع عنه معلومه. وقد عمل عليه الوزير أبو الفتح ابن ذي الكفايتين حتى عزله عن وزارة مؤيد الدولة في وقت وباشرها
стр. 4339
عوضه واستمر فيها مدة فبينما هو ذات ليلة قد اجتماع عنده أصحابه وهو في أتم السرور، قد هيئ له في مجلس حافل بأنواع اللذات، وقد نظم أبياتا والمغنون يغنونه بها وهو في غاية الطرب والسرور والفرح، وهي هذه الأبيات:
دعوت الهنا ودعوت العلا (١) … فلما أجابا دعوت القدح
وقلت لأيام شرخ الشبا … ب إلي. فهذا أوان الفرح
إذا بلغ المرء آماله … فليس له بعدها منتزح (٢)
ثم قال لأصحابه: باكروني غدا إلى الصبوح، ونهض إلى بيت منامه فما أصبح حتى قبض عليه مؤيد الدولة وأخذ جميع ما في داره من الحواصل والأموال، وجعله مثلة في العباد، وأعاد إلى وزارته ابن عباد. وقد ذكر ابن الجوزي: أن ابن عباد هذا حين حضرته الوفاة جاءه الملك فخر الدولة بن مؤيد الدولة يعوده ليوصيه في أموره فقال له: إني موصيك أن تستمر في الأمور على ما تركتها عليه، ولا تغيرها، فإنك إن استمريت بها نسبت إليك من أول الأمر إلى آخره، وإن غيرتها وسلكت غيرها نسب الخير المتقدم إلى لا إليك، وأنا أحب أن تكون نسبة الخير إليك وإن كنت أنا المشير بها عليك. فأعجبه ذلك منه واستمر بما أوصاه به من الخير، وكانت وفاته في عشية يوم الجمعة لست بقين من صفر منها. قال ابن خلكان: وهو أول من تسمى من الوزراء بالصاحب، ثم استعمل بعده منهم، وإنما سمي بذلك لكثرة صحبته الوزير أبا الفضل بن العميد، ثم أطلق عليه أيام وزارته. وقال الصابئ في كتابه الناجي: إنما سماه الصاحب مؤيد الدولة لأنه كان صحابه من الصغر، وكان إذ ذاك يسميه الصاحب، فلما ملك واستوزره سماه به واستمر فاشتهر به، وسمي به الوزراء بعده، ثم ذكر ابن خلكان قطعة صالحة من مكارمه وفضائله وثناء الناس عليه، وعدد له مصنفات كثيرة، منها كتابه المحيط في اللغة في سبع مجلدات، يحتوي على أكثر اللغة وأورد من شعره أشياء منها في الخمر:
رق الزجاج وراقت (٣) الخمر … وتشابها فتشاكل الامر
فكأنما خمر ولا قدح … وكأنما قدح ولا خمر
قال ابن خلكان: توفي بالري في هذه السنة وله نحو ستين سنة ونقل إلى أصبهان ﵀.
الحسن بن حامد
أبو محمد الأديب، كان شاعرا متجولا كثير المكارم، روى عن علي بن محمد بن سعيد الموصلي
стр. 4340
عنه الصوري، وكان صدوقا. وهو الذي أنزل المتنبي داره حين قدم بغداد وأحسن إليه حتى قال له المتنبي: لو كنت مادحا تاجرا لمدحتك، وقد كان أبو محمد هذا شاعرا ماهرا، فمن شعره الجيد قوله:
شربت المعالي غير منتظر بها … كسادا ولا سوقا يقام لها أحرى
وما أنا من أهل المكاسب كلما … توفرت الأثمان كنت لها أشرى
ابن شاهين الواعظ
عمر بن أحمد بن عثمان بن محمد بن أيوب بن زذان، أبو حفص المشهور، سمع الكثير وحدث عن الباغندي وأبي بكر بن أبي داود والبغوي، وابن صاعد، وخلق. وكان ثقة أمينا، يسكن الجانب الشرقي من بغداد، وكانت له المصنفات العديدة. ذكر عنه أنه صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفا منها التفسير في ألف جزء، والمسند في ألف وخمسمائة جزء، والتاريخ في مائة وخمسين جزءا، والزاهد في مائة جزء. توفي في ذي الحجة منها وقد قارب التسعين ﵀.
الحافظ الدارقطني
علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد الله الحافظ الكبير، أستاذ هذه الصناعة، وقبله بمدة وبعده إلى زماننا هذا، سمع الكثير، وجمع وصنف وألف وأجاد وأفاد، وأحسن النظر والتعليل والانتقاد والاعتقاد، وكان فريد عصره، ونسيج وحده، وإمام دهره في أسماء الرجال وصناعة التعليل، والجرح والتعديل، وحسن التصنيف والتأليف، واتساع الرواية، والاطلاع التام في الدراية، له كتابه المشهور من أحسن المصنفات في بابه، لم يسبق إلى مثله ولا يلحق في شكله إلا من استمد من بحره وعمل كعمله، وله كتاب العلل بين فيه الصواب من الدخل، والمتصل من المرسل والمنقطع والمعضل، وكتاب الافراد الذي لا يفهمه، فضلا عن أن ينظمه، إلا من هو من الحفاظ الافراد، والأئمة النقاد، والجهابذة الجياد، وله غير ذلك من المصنفات التي هي كالعقود في الأجياد، وكان من صغره موصوفا بالحفظ الباهر، والفهم الثاقب، والبحر الزاخر، جلس مرة في مجلس إسماعيل الصفار وهو يملي على الناس الأحاديث، والدار قطني ينسخ في جزء حديث، فقال له بعض المحدثين في أثناء المجلس: إن سماعك لا يصح وأنت تنسخ، فقال الدارقطني: فهمي للاملاء أحسن من فهمك وأحضر، ثم قال له ذلك الرجل: أتحفظ كم أملى حديثا؟ فقال: إنه أملى ثمانية عشر حديثا إلى الآن، والحديث الأول منها عن فلان عن فلان، ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئا، فتعجب الناس منه. وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: لم ير الدارقطني مثل نفسه. وقال ابن الجوزي: وقد اجتمع له مع معرفة الحديث والعلم بالقراءات والنحو والفقه والشعر مع الإمامة والعدالة، وصحة العقيدة، وقد كانت وفاته في
стр. 4341
يوم الثلاثاء السابع (١) من ذي القعدة منها، وله من العمر سبع وسبعون سنة ويومان، ودفن من الغد بمقبرة معروف الكرخي ﵀.
قال ابن خلكان: وقد رحل إلى الديار المصرية فأكرمه الوزير أبو الفضل جعفر بن خنزابة وزير كافور الأخشيدي، وساعده هو والحافظ عبد الغني على إكمال مسنده، وحصل للدار قطني منه مال جزيل. قال: والدار قطني نسبة إلى دار القطن وهي محلة كبيرة ببغداد، وقال عبد الغني بن سعيد الضرير: لم يتكلم على الأحاديث مثل علي بن المديني (٢) في زمانه، وموسى بن هارون (٣) في زمانه، والدار قطني في زمانه. وسئل الدارقطني: هل رأى مثل نفسه؟ قال: أما في فن واحد فربما رأيت من هو أفضل مني، وأما فيما اجتمع لي من الفنون فلا. وقد روى الخطيب البغدادي عن الأمير أبي نصر هبة الله بن ماكولا قال: رأيت في المنام كأني أسأل عن حال أبي الحسن الدارقطني وما آل أمره إليه في الآخرة، فقيل لي ذاك يدعى في الجنة الامام.
عباد بن عباس بن عباد
أبو الحسن الطالقاني، والد الوزير إسماعيل بن عباد المتقدم ذكره، سمع أبا خليفة الفضل بن الحباب وغيره من البغداديين والأصفهانيين والرازيين وغيرهم، وحدث عنه ابنه الوزير أبو الفضل القاسم، وأبو بكر بن مردويه، ولعباد هذا كتاب في أحكام القرآن، وقد اتفق موته وموت ابنه في هذه السنة رحمهما الله.
عقيل بن محمد بن عبد الواحد
أبو الحسن الأحنف العكبري الشاعر المشهور، له ديوان مفرد، ومن مستجاد شعره ما ذكره ابن الجوزي في منتظمه قوله:
أقضى علي من الاجل … عذل العذول إذا عذل
وأشد من عذل العذول … صدود إلف قد وصل
وأشد من هذا وذا … طلب النوال من السفل
وقوله:
من أراد العز والراحة … من هم طويل
стр. 4342
فليكن فردا في الناس … ويرضى بالقليل
ويرى أن سيري … كافيا عما قليل
ويرى بالحزم أن الحزم … في ترك الفضول
ويداوي مرض الوحدة … بالصبر الجميل
لا يماري أحدا ما … عاش في قال وقيل
يلزم الصمت فإن الصمت … تهذيب العقول
يذر الكبر لأهل الكبر … ويرضى بالخمول
أي عيش لا مرئ … يصبح في حال ذليل
بين قصد من عدو … ومداراة جهول
واعتلال من صديق … وتجنى من ملول
واحتراس من ظنون السوء … مع عذل العذول
ومقاسات بغيض ومداناة ثقيل
أف من معرفة الناس … على كل سبيل
وتمام الامر لا يعرف … سمحا من بخيل
فإذا أكمل هذا كان … في ضل ظليل
محمد بن عبد الله بن سكرة
أبو الحسين الهاشمي، من ولد علي بن المهدي، كان شاعرا خليعا ظريفا، وكان ينوب في نقابة الهاشميين. فترافع إليه رجل اسمه علي وامرأة اسمها عائشة يتحاكمان في جمل فقال هذه قضية لا أحكم فيها بشئ لئلا يعود الحال خدعة. ومن مستجاد شعره ولطيف قوله:
في وجه إنسانة كلفت بها … أربعة ما اجتمعن في أحد
الوجه بدر (١)، والصدغ غالية … والريق خمر، والثغر من برد
وله في قوله وقد دخل حمام فسرق نعليه فعاد إلى منزله حافيا فقال:
إليك أذم حمام ابن موسى … وإن فاق المنى طيبا وحرا
تكاثرت اللصوص عليه حتى … ليحفى من يطيف به ويعرى
ولم أفقد به ثوبا ولكن … دخلت محمدا وخرجت بشرا
стр. 4343
يوسف بن عمر بن مسرور
أبو الفتح القواس، سمع البغوي وابن أبي داود وابن صاعد وغيرهم، وعنه الخلال والعشاري والبغدادي والتنوخي وغيرهم، وكان ثقة ثبتا، يعد من الابدال، قال الدارقطني: كنا نتبرك به وهو صغير. توفي لثلاث (١) بقين من ربيع الآخر عن خمس وثمانين سنة، ودفن بباب حرب.
يوسف بن أبي سعيد
السيرافي أبو محمد النحوي، وهو الذي تمم شرح أبيه لكتاب سيبويه، وكان يرجع إلى علم ودين وكانت وفاته في ربيع الأول منها عن خمس وخمسين سنة.
ثم دخلت سنة ست وثمانين وثلاثمائة
في محرمها كشف أهل البصرة عن قبر عتيق فإذا هم بميت طري عليه ثيابه وسيفه، فظنوه الزبير بن العوام، فأخرجوه وكفنوه ودفنوه واتخذوا عند قبره مسجدا، ووقف عليه أوقاف كثيرة، وجعل عنده خدام وقوام وفرش وتنوير. وفيها ملك الحاكم العبيدي بلاد مصر بعد أبيه العزيز بن المعز الفاطمي، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة وستة أشهر، وقام بتدبير المملكة أرجوان الخادم، وأمين الدولة الحسن بن عمار، فلما تمكن الحاكم قتلهما وأقام غيرهما، ثم قتل خلقا حتى استقام له الامر على ما سنذكره. وحج بالناس الأمير الذي من جهة المصريين والخطبة لهم.
وفيها توفي من الأعيان …
أحمد بن إبراهيم
ابن محمد بن يحيى بن سحنويه أبو حامد بن إسحاق المزكي النيسابوري، سمع الأصم وطبقته وكان كثير العبادة من صغره إلى كبره، وصام في عمره سردا تسعا وعشرين سنة، وقال الحاكم: وعندي أن الملائكة لم تكتب عليه خطيئة، توفي في شعبان منها عن ثلاث وستين سنة.
أبو طالب المكي
صاحب قوت القلوب، محمد بن علي بن عطية أبو طالب المكي الواعظ المذكر، الزاهد
стр. 4344
المتعبد، الرجل الصالح، سمع الحديث وروى عن غير واحد. قال العتيقي: كان رجلا صالحا مجتهدا في العبادة وصنف كتابا سماه قوت القلوب، وذكر فيه أحاديث لا أصل لها، وكان يعظ الناس في جامع بغداد، وحكى ابن الجوزي أن أصله من الجبل، وأنه نشأ بمكة، وأنه دخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن بن سالم، فانتمى إلى مقالته، ودخل بغداد فاجتمع عليه الناس وعقد له مجلس الوعظ بها، فغلط في كلام وحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أضر من الخالق، فبدعه الناس وهجروه، وامتنع من الكلام على الناس: وقد كان أبو طالب هذا يبيح السماع، فدعا عليه عبد الصمد بن علي ودخل عليه فعاتبه على ذلك فأنشد أبو طالب
فيا ليل كم فيك من متغب … ويا صبح ليتك لم تقرب
فخرج عبد الصمد مغضبا. وقال أبو القاسم بن سرات: دخلت على شيخنا أبي طالب المكي وهو يموت فقلت له: أوص، فقال: إذا ختم لي بخير فانثر على جنازتي لوزا وسكرا فقلت: كيف أعلم بذلك؟ فقال: اجلس عندي ويدك في يدي، فإن قبضت على يدك فاعلم أنه قد ختم لي بخير. قال ففعلت فلما حان فراقه قبض على يدي قبضا شديدا، فلما رفع على جنازته نثرت اللوز والسكر على نعشه. قال ابن الجوزي: توفي في جمادى الآخرة منها وقبره ظاهر في جامع الرصافة.
العزيز صاحب مصر
نزار بن المعز معد أبي تميم، ويكنى نزار بأبي منصور، ويلقب بالعزيز، توفي عن اثنين وأربعين سنة (١) منها، وكانت ولايته بعد أبيه إحدى وعشرين سنة، وخمسة أشهر وعشرة أيام (٢)، وقام بالامر من بعده ولده الحاكم قبحه الله، والحاكم هذا هو الذي ينسب إليه الفرقة الضالة المضلة الزنادقة الحاكمية وإليه ينسب أهل وادي التيم من الدرزية أتباع هستكر غلام الحاكم الذي بعثه إليهم يدعوهم إلى الكفر المحض فأجابوه، لعنه الله وإياهم أجمعين، أما العزيز هذا فإنه كان قد استوزر رجلا نصرانيا يقال له عيسى بن نسطورس، وآخر يهوديا اسمه ميشا، فعز بسببهما أهل هذين الملتين في ذلك الزمان على المسلمين، حتى كتبت إليه امرأة قصة في حاجة لها تقول فيها: بالذي أعز النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا وأذل المسلمين بهما لما كشفت ظلامتي، فعند ذلك أمر بالقبض على هذين الرجلين وأخذ من النصارى ثلاثمائة ألف دينار.
وفيها توفيت بنت عضد الدولة امرأة الطائع فحملت تركتها إلى ابن أخيها بهاء الدولة، وكان فيها جوهر كثير والله أعلم.
стр. 4345
ثم دخلت سنة سبع وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة بن بويه، وأقيم ولده رستم في الملك مكانه، وكان عمره أربع سنين، وقام خواص أبيه بتدبير الملك في الرعايا.
وممن توفي فيها من الأعيان أبو أحمد العسكري اللغوي.
الحسن بن عبد الله
ابن سعيد بن أحمد العسكري اللغوي، العلامة في فنه وتصانيفه، المفيدة في اللغة وغيرها، يقال إنه كان يميل إلى الاعتزال، ولما قدم الصاحب بن عباد هو وفخر الدولة البلدة التي كان فيها أبو أحمد العسكري - وكان قد كبر وأسن - بعث إليه الصاحب رقعة فيها هذه الأبيات:
ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم … ضعفنا فما نقوى على الوحدان
أتيناكم من بعد أرض نزوركم … فكم من منزل بكر لنا وعوان
نناشدكم هل من قرى لنزيلكم … بطول جوار لا يمل جفان
تضمنت بنت ابن الرشيد كأنما … تعمد تشبيهي به وعناني
أهم بأمر الحزم لا أستطيعه … وقد حيل بين العير والنزوان (١)
ثم ركب بغلته تحاملا وصار إلى الصاحب فوجده مشغولا في خيمته بأبهة الوزارة فصعد أكمه ثم نادى بأعلى صوته:
مالي أرى القبة الفيحاء مقفلة … دوني وقد طال ما استفتحت مقفلها
كأنها جنة الفردوس معرضة … وليس لي عمل زاك فأدخلها
فلما سمع الصاحب صوته ناداه: ادخلها يا أبا أحمد فلك السابقة الأولى، فلما صار إليه أحسن إليه. توفي في يوم التروية منها. قال ابن خلكان: وكانت ولادته يوم الخميس لست عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاث (٢) وتسعين ومائتين، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة.