← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

يوم الثلاثاء السابع (١) من ذي القعدة منها، وله من العمر سبع وسبعون سنة ويومان، ودفن من الغد بمقبرة معروف الكرخي ﵀. قال ابن خلكان: وقد رحل إلى الديار المصرية فأكرمه الوزير أبو الفضل جعفر بن خنزابة وزير كافور الأخشيدي، وساعده هو والحافظ عبد الغني على إكمال مسنده، وحصل للدار قطني منه مال جزيل. قال: والدار قطني نسبة إلى دار القطن وهي محلة كبيرة ببغداد، وقال عبد الغني بن سعيد الضرير: لم يتكلم على الأحاديث مثل علي بن المديني (٢) في زمانه، وموسى بن هارون (٣) في زمانه، والدار قطني في زمانه. وسئل الدارقطني: هل رأى مثل نفسه؟ قال: أما في فن واحد فربما رأيت من هو أفضل مني، وأما فيما اجتمع لي من الفنون فلا. وقد روى الخطيب البغدادي عن الأمير أبي نصر هبة الله بن ماكولا قال: رأيت في المنام كأني أسأل عن حال أبي الحسن الدارقطني وما آل أمره إليه في الآخرة، فقيل لي ذاك يدعى في الجنة الامام. عباد بن عباس بن عباد أبو الحسن الطالقاني، والد الوزير إسماعيل بن عباد المتقدم ذكره، سمع أبا خليفة الفضل بن الحباب وغيره من البغداديين والأصفهانيين والرازيين وغيرهم، وحدث عنه ابنه الوزير أبو الفضل القاسم، وأبو بكر بن مردويه، ولعباد هذا كتاب في أحكام القرآن، وقد اتفق موته وموت ابنه في هذه السنة رحمهما الله. عقيل بن محمد بن عبد الواحد أبو الحسن الأحنف العكبري الشاعر المشهور، له ديوان مفرد، ومن مستجاد شعره ما ذكره ابن الجوزي في منتظمه قوله: أقضى علي من الاجل … عذل العذول إذا عذل وأشد من عذل العذول … صدود إلف قد وصل وأشد من هذا وذا … طلب النوال من السفل وقوله: من أراد العز والراحة … من هم طويل

стр. 4342

فليكن فردا في الناس … ويرضى بالقليل ويرى أن سيري … كافيا عما قليل ويرى بالحزم أن الحزم … في ترك الفضول ويداوي مرض الوحدة … بالصبر الجميل لا يماري أحدا ما … عاش في قال وقيل يلزم الصمت فإن الصمت … تهذيب العقول يذر الكبر لأهل الكبر … ويرضى بالخمول أي عيش لا مرئ … يصبح في حال ذليل بين قصد من عدو … ومداراة جهول واعتلال من صديق … وتجنى من ملول واحتراس من ظنون السوء … مع عذل العذول ومقاسات بغيض ومداناة ثقيل أف من معرفة الناس … على كل سبيل وتمام الامر لا يعرف … سمحا من بخيل فإذا أكمل هذا كان … في ضل ظليل محمد بن عبد الله بن سكرة أبو الحسين الهاشمي، من ولد علي بن المهدي، كان شاعرا خليعا ظريفا، وكان ينوب في نقابة الهاشميين. فترافع إليه رجل اسمه علي وامرأة اسمها عائشة يتحاكمان في جمل فقال هذه قضية لا أحكم فيها بشئ لئلا يعود الحال خدعة. ومن مستجاد شعره ولطيف قوله: في وجه إنسانة كلفت بها … أربعة ما اجتمعن في أحد الوجه بدر (١)، والصدغ غالية … والريق خمر، والثغر من برد وله في قوله وقد دخل حمام فسرق نعليه فعاد إلى منزله حافيا فقال: إليك أذم حمام ابن موسى … وإن فاق المنى طيبا وحرا تكاثرت اللصوص عليه حتى … ليحفى من يطيف به ويعرى ولم أفقد به ثوبا ولكن … دخلت محمدا وخرجت بشرا

стр. 4343

يوسف بن عمر بن مسرور أبو الفتح القواس، سمع البغوي وابن أبي داود وابن صاعد وغيرهم، وعنه الخلال والعشاري والبغدادي والتنوخي وغيرهم، وكان ثقة ثبتا، يعد من الابدال، قال الدارقطني: كنا نتبرك به وهو صغير. توفي لثلاث (١) بقين من ربيع الآخر عن خمس وثمانين سنة، ودفن بباب حرب. يوسف بن أبي سعيد السيرافي أبو محمد النحوي، وهو الذي تمم شرح أبيه لكتاب سيبويه، وكان يرجع إلى علم ودين وكانت وفاته في ربيع الأول منها عن خمس وخمسين سنة. ثم دخلت سنة ست وثمانين وثلاثمائة في محرمها كشف أهل البصرة عن قبر عتيق فإذا هم بميت طري عليه ثيابه وسيفه، فظنوه الزبير بن العوام، فأخرجوه وكفنوه ودفنوه واتخذوا عند قبره مسجدا، ووقف عليه أوقاف كثيرة، وجعل عنده خدام وقوام وفرش وتنوير. وفيها ملك الحاكم العبيدي بلاد مصر بعد أبيه العزيز بن المعز الفاطمي، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة وستة أشهر، وقام بتدبير المملكة أرجوان الخادم، وأمين الدولة الحسن بن عمار، فلما تمكن الحاكم قتلهما وأقام غيرهما، ثم قتل خلقا حتى استقام له الامر على ما سنذكره. وحج بالناس الأمير الذي من جهة المصريين والخطبة لهم. وفيها توفي من الأعيان … أحمد بن إبراهيم ابن محمد بن يحيى بن سحنويه أبو حامد بن إسحاق المزكي النيسابوري، سمع الأصم وطبقته وكان كثير العبادة من صغره إلى كبره، وصام في عمره سردا تسعا وعشرين سنة، وقال الحاكم: وعندي أن الملائكة لم تكتب عليه خطيئة، توفي في شعبان منها عن ثلاث وستين سنة. أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب، محمد بن علي بن عطية أبو طالب المكي الواعظ المذكر، الزاهد

стр. 4344

المتعبد، الرجل الصالح، سمع الحديث وروى عن غير واحد. قال العتيقي: كان رجلا صالحا مجتهدا في العبادة وصنف كتابا سماه قوت القلوب، وذكر فيه أحاديث لا أصل لها، وكان يعظ الناس في جامع بغداد، وحكى ابن الجوزي أن أصله من الجبل، وأنه نشأ بمكة، وأنه دخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن بن سالم، فانتمى إلى مقالته، ودخل بغداد فاجتمع عليه الناس وعقد له مجلس الوعظ بها، فغلط في كلام وحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أضر من الخالق، فبدعه الناس وهجروه، وامتنع من الكلام على الناس: وقد كان أبو طالب هذا يبيح السماع، فدعا عليه عبد الصمد بن علي ودخل عليه فعاتبه على ذلك فأنشد أبو طالب فيا ليل كم فيك من متغب … ويا صبح ليتك لم تقرب فخرج عبد الصمد مغضبا. وقال أبو القاسم بن سرات: دخلت على شيخنا أبي طالب المكي وهو يموت فقلت له: أوص، فقال: إذا ختم لي بخير فانثر على جنازتي لوزا وسكرا فقلت: كيف أعلم بذلك؟ فقال: اجلس عندي ويدك في يدي، فإن قبضت على يدك فاعلم أنه قد ختم لي بخير. قال ففعلت فلما حان فراقه قبض على يدي قبضا شديدا، فلما رفع على جنازته نثرت اللوز والسكر على نعشه. قال ابن الجوزي: توفي في جمادى الآخرة منها وقبره ظاهر في جامع الرصافة. العزيز صاحب مصر نزار بن المعز معد أبي تميم، ويكنى نزار بأبي منصور، ويلقب بالعزيز، توفي عن اثنين وأربعين سنة (١) منها، وكانت ولايته بعد أبيه إحدى وعشرين سنة، وخمسة أشهر وعشرة أيام (٢)، وقام بالامر من بعده ولده الحاكم قبحه الله، والحاكم هذا هو الذي ينسب إليه الفرقة الضالة المضلة الزنادقة الحاكمية وإليه ينسب أهل وادي التيم من الدرزية أتباع هستكر غلام الحاكم الذي بعثه إليهم يدعوهم إلى الكفر المحض فأجابوه، لعنه الله وإياهم أجمعين، أما العزيز هذا فإنه كان قد استوزر رجلا نصرانيا يقال له عيسى بن نسطورس، وآخر يهوديا اسمه ميشا، فعز بسببهما أهل هذين الملتين في ذلك الزمان على المسلمين، حتى كتبت إليه امرأة قصة في حاجة لها تقول فيها: بالذي أعز النصارى بعيسى بن نسطورس، واليهود بميشا وأذل المسلمين بهما لما كشفت ظلامتي، فعند ذلك أمر بالقبض على هذين الرجلين وأخذ من النصارى ثلاثمائة ألف دينار. وفيها توفيت بنت عضد الدولة امرأة الطائع فحملت تركتها إلى ابن أخيها بهاء الدولة، وكان فيها جوهر كثير والله أعلم.

стр. 4345

ثم دخلت سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فيها توفي فخر الدولة أبو الحسن علي بن ركن الدولة بن بويه، وأقيم ولده رستم في الملك مكانه، وكان عمره أربع سنين، وقام خواص أبيه بتدبير الملك في الرعايا. وممن توفي فيها من الأعيان أبو أحمد العسكري اللغوي. الحسن بن عبد الله ابن سعيد بن أحمد العسكري اللغوي، العلامة في فنه وتصانيفه، المفيدة في اللغة وغيرها، يقال إنه كان يميل إلى الاعتزال، ولما قدم الصاحب بن عباد هو وفخر الدولة البلدة التي كان فيها أبو أحمد العسكري - وكان قد كبر وأسن - بعث إليه الصاحب رقعة فيها هذه الأبيات: ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم … ضعفنا فما نقوى على الوحدان أتيناكم من بعد أرض نزوركم … فكم من منزل بكر لنا وعوان نناشدكم هل من قرى لنزيلكم … بطول جوار لا يمل جفان تضمنت بنت ابن الرشيد كأنما … تعمد تشبيهي به وعناني أهم بأمر الحزم لا أستطيعه … وقد حيل بين العير والنزوان (١) ثم ركب بغلته تحاملا وصار إلى الصاحب فوجده مشغولا في خيمته بأبهة الوزارة فصعد أكمه ثم نادى بأعلى صوته: مالي أرى القبة الفيحاء مقفلة … دوني وقد طال ما استفتحت مقفلها كأنها جنة الفردوس معرضة … وليس لي عمل زاك فأدخلها فلما سمع الصاحب صوته ناداه: ادخلها يا أبا أحمد فلك السابقة الأولى، فلما صار إليه أحسن إليه. توفي في يوم التروية منها. قال ابن خلكان: وكانت ولادته يوم الخميس لست عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاث (٢) وتسعين ومائتين، وتوفي يوم الجمعة لسبع خلون من ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة.

стр. 4346

عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن إبراهيم بن عبيد الله بن زياد بن مهران، أبو القاسم الشاعر المعروف بابن الثلاج، لان جده أهدى لبعض الخلفاء ثلجا، فوقع منه موقعا، فعرف عند الخليفة بالثلاج، وقد سمع أبو القاسم هذا من البغوي وابن صاعد وأبي داود، وحدث عن التنوخي والأزهري والعقيقي وغيرهم من الحفاظ. قال ابن الجوزي: وقد اتهمه المحدثون منهم الدارقطني ونسبوه إلى أنه كان يركب الاسناد ويضع الحديث على الرجال. توفي في ربيع الأول فجأة ابن زولاق الحسن بن إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن خلد (١) بن راشد بن عبيد الله بن سليمان ابن زولاق، أبو محمد المصري الحافظ، صنف كتابا في قضاة مصر ذيل به كتاب أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي، إلى سنة ست وأربعين ومائتين، وذيل ابن زولاق من القاضي بكار إلى سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وهي أيام محمد بن النعمان قاضي الفاطميين، الذي صنف البلاغ الذي انتصب فيه للرد على القاضي الباقلاني، وهو أخو عبد العزيز بن النعمان والله أعلم. وكانت وفاته في أواخر ذي القعدة من هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة. ابن بطة عبيد الله بن محمد ابن حمران، أبو عبد الله العكبري (٢)، المعروف بابن بطة، أحد علماء الحنابلة، وله التصانيف الكثيرة الحافلة في فنون من العلوم، سمع الحديث من البغوي وأبي بكر النيسابوري وابن صاعد وخلق في أقاليم متعددة، وعنه جماعة من الحفاظ، منهم أبو الفتح بن أبي الفوارس، والأزجي والبرمكي، وأثنى عليه غير واحد من الأئمة، وكان ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقد رأى بعضهم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قد اختلفت علي المذاهب. فقال: عليك بأبي عبد الله بن بطة، فلما أصبح ذهب إليه ليبشره بالمنام فحين رآه ابن بطة تبسم إليه وقال له - قبل أن يخاطبه - صدق رسول الله ﷺ ثلاث مرات. وقد تصدى الخطيب البغدادي للكلام في ابن بطة والطعن عليه وفيه بسبب بعض الجرح في ابن بطة الذي أسنده إلى شيخه عبد الواحد بن علي الأسدي المعروف بابن برهان اللغوي، فانتدب ابن الجوزي للرد على الخطيب والطعن عليه أيضا بسبب بعض مشايخه والانتصار لابن بطة، فحكى عن أبي الوفا بن عقيل أن ابن برهان كان يرى مذهب

стр. 4347

مرجئة المعتزلة، في أن الكفار لا يخلدون في النار، وإنما قالوا ذلك لان دوام ذلك إنما هو للتشفي ولا معنى له هنا مع أنه قد وصف نفسه بأنه غفور رحيم، وأنه أرحم الراحمين. ثم شرع ابن عقيل يرد على ابن برهان. قال ابن الجوزي: فكيف يقبل الجرح مثل هذا!؟. ثم روى ابن الجوزي بسنده عن ابن بطة أنه سمع المعجم من البغوي، قال: والمثبت مقدم على النافي. قال الخطيب: وحدثني عبد الواحد بن برهان قال: ثنا محمد بن أبي الفوارس روى عن ابن بطة عن البغوي عن أبي مصعب، عن مالك، عن الزهري، عن أنس. قال قال رسول الله ﷺ : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " (١). قال الخطيب: وهذا باطل من حديث مالك، والحمل فيه على ابن بطة. قال ابن الجوزي: والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما أنه وجد بخط ابن برهان: ما حكاه الخطيب في القدح في ابن بطة وهو شيخي أخذت عنه العلم في البداية، الثاني أن ابن برهان قد تقدم القدح فيه بما خالف فيه الاجماع، فكيف قبلت القول في رجل قد حكيت عن مشايخ العلماء أنه رجل صالح مجاب الدعوة، نعوذ بالله من الهوى. علي بن عبد العزيز بن مدرك أبو الحسن البردعي، روى عن أبي حاتم وغيره، وكان كثير المال فترك الدنيا وأقبل على الآخرة، فاعتكف في المسجد، وكان كثير الصلاة والعبادة. فخر الدولة بن بويه علي بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه الديلمي، ملك بلاد الري ونواحيها، وحين مات أخوه مؤيد الدولة كتب إليه الوزير ابن عباد بالاسراع إليه فولاه الملك بعده، واستوزر ابن عباد على ما كان عليه. توفي عن ست وأربعين سنة، منها مدة ملكه ثلاث عشرة سنة وعشرة أشهر وسبعة عشر يوما، وترك من الأموال شيئا كثيرا، من الذهب ما يقارب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الجواهر نحوا من خمسة عشر ألف قطعة، يقارب قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار ذهبا. وغير ذلك من أواني الذهب زنته ألف ألف دينار، ومن الفضة زنته ثلاثة آلاف ألف درهم، كلها آنية، ومن الثياب ثلاثة آلاف حمل، وخزانة السلاح ألف حمل، ومن الفرش ألف وخمسمائة حمل، ومن الأمتعة مما يليق بالملوك شيئا كثيرا لا يحصر، ومع هذا لم يصلوا ليلة موته إلى شئ من المال ولم يحصل له كفن إلا ثوب من المجاورين في المسجد، واشتغلوا عنه بالملك حتى تم لولده رستم من بعده، فأنتن الملك ولم يتمكن أحد من الوصول إليه فربطوه في حبال وجروه على درج القلعة من نتن ريحه، فتقطع، جزاء وفاقا.

стр. 4348

ابن سمعون الواعظ محمد بن أحمد بن إسماعيل أبو الحسين بن سمعون الواعظ، أحد الصلحاء والعلماء، كان يقال له الناطق بالحكمة، روى عن أبي بكر بن داود وطبقته، وكان له يد طولى في الوعظ والتدقيق في المعاملات، وكانت له كرامات ومكاشفات، كان يوما يعظ على المنبر وتحته أبو الفتح بن القواس، وكان من الصالحين المشهورين، فنعس ابن القواس فأمسك ابن سمعون عن الوعظ حتى استيقظ، فحين استيقظ قال ابن سمعون: رأيت رسول الله ﷺ في منامك هذا؟ قال: نعم! قال: فلهذا أمسكت عن الوعظ حتى لا أزعجك عما كنت فيه. وكان لرجل ابنة مريضة مدنفة فرأى أبوها رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول له: اذهب إلى ابن سمعون ليأتي منزلك فيدعو لابنتك تبرأ بإذن الله. فلما أصبح اذهب إليه فلما رآه نهض ولبس ثيابه وخرج مع الرجل، فظن الرجل أنه يذهب إلى مجلس وعظه، فقال في نفسه أقول له في أثناء الطريق، فلما مر بدار الرجل دخل إليها فأحضر إليه ابنته فدعا لها وانصرف، فبرأت من ساعتها، وبعث إليه الخليفة الطائع لله من أحضره إليه وهو مغضب عليه، فخيف على ابن سمعون منه، فلما جلس بين يديه أخذ في الوعظ، وكان أكثر ما أورده من كلام علي بن أبي طالب، فبكى الخليفة حتى سمع نشيجه، ثم خرج من بين يديه وهو مكرم، فقيل للخليفة: رأيناك طلبته وأنت غضبان، فقال: بلغني أنه ينتقص عليا فأردت أن أعاقبه، فلما حضر أكثر من ذكر علي فعلمت أنه موفق، فذكرني وشفى ما كان في خاطري عليه. ورأى بعضهم في المنام رسول الله ﷺ وإلى جانبه عيسى بن مريم ﵇، وهو يقول: أليس من أمتي الأحبار أليس من أمتي أصحاب الصوامع. فبينما هو يقول ذلك إذ دخل ابن سمعون فقال رسول الله ﷺ لعيسى ﵇: أفي أمتك مثل هذا؟ فسكت عيسى. ولد ابن سمعون في سنة ثلاثمائة، وتوفي يوم الخميس الرابع عشر من ذي القعدة في هذه السنة، ودفن بداره. قال ابن الجوزي: ثم أخرج بعد سنتين إلى مقبرة أحمد بن حنبل وأكفانه لم تبل ﵀. اخر ملوك السامانية نوح بن منصور ابن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل، أبو القاسم الساماني، ملك خراسان وغزنة وما وراء النهر، ولي الملك وعمره ثلاث عشرة سنة، واستمر في الملك إحدى وعشرين سنة وتسعة أشهر، ثم قبض عليه خواصه وأجلسوا مكانه أخاه عبد الملك، فقصدهم محمود بن سبكتكين فانتزع الملك من أيديهم، وقد كان لهم الملك مائة وستين سنة فباد ملكهم في هذا العام، ولله الامر من قبل ومن بعد. أبو الطيب سهل بن محمد ابن سليمان بن محمد بن سليمان الصعلوكي الفقيه الشافعي إمام أهل نيسابور، وشيخ تلك

стр. 4349

الناحية، كان يحضر مجلسه خمسمائة محبرة، وكانت وفاته في هذه السنة على المشهور. وقال الحافظ أبو يعلى الخليلي في الارشاد: مات في سنة ستين وأربعمائة فالله أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة قال ابن الجوزي: في ذي الحجة منها سقط في بغداد برد عظيم، بحيث جمد الماء في الحمامات، وبول الدواب في الطرقات. وفيها جاءت رسل أبي طالب بن فخر الدولة في البيعة له فبايعه الخليفة وأمره على بلاد الري ولقبه مجد الدولة كهف الأمة، وبعث إليه بالخلع والألوية، وكذلك فعل ببدر بن حسنويه ولقبه ناصر الدين والدولة، وكان كثير الصدقات. وفيها هرب أبو عبد الله بن جعفر المعروف بابن الوثاب، المنتسب إلى جده الطائع، من السجن بدار الخلافة إلى البطيحة، فآواه صاحبها مهذب الدولة، ثم أرسل القادر بالله في أمره فجئ به مضيقا عليه فاعتقله، ثم هرب من الاعتقال أيضا فذهب إلى بلاد كيلان فادعى أنه الطائع لله، فصدقوه وبايعوه وأدوا إليه العشر، وغير ذلك من الحقوق، ثم اتفق مجئ بعضهم إلى بغداد فسألوا عن الامر فإذا ليس له أصل ولا حقيقة، فرجعوا عنه واضمحل أمره وفسد حاله، فانهزم عنهم. وحج بالناس فيها أمير المصريين، والخطبة بالحرمين للحاكم العبيدي قبحه الله. وممن توفي فيها من الأعيان … الخطابي أبو سليمان حمد ويقال أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي، أحد المشاهير الأعيان، والفقهاء المجتهدين المكثرين، له من المصنفات معالم السنن وشرح البخاري، وغير ذلك. وله شعر حسن. فمنه قوله: ما دمت حيا فدار الناس كلهم … فإنما أنت في دار المداراة من يدر داري ومن لم يدر سوف يرى … عما قليل نديما للندامات توفي بمدينة بست في ربيع الأول من هذه السنة، قاله ابن خلكان. الحسين بن أحمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن بكير (١) بن عبد الله الصيرفي الحافظ المطبق سمع إسماعيل الصفار وابن

стр. 4350

السماك والنجاد والخلدي وأبا بكر الشاشي. وعنه ابن شاهين والأزهري والتنوخي، وحكى الأزهري: أنه دخل عليه وبين يديه أجزاء كبار فجعل إذا ساق إسنادا أورد متنه من حفظه وإذا سرد متنا ساق إسناده من حفظه. قال: وفعلت هذا معه مرارا، كل ذلك يورد الحديث إسنادا ومتنا كما في كتابه. قال: وكان ثقة فحسدوه وتكلموا فيه. وحكى الخطيب: أن ابن أبي الفوارس اتهمه بأنه يزيد في سماع الشيوخ، ويلحق رجالا في الأحاديث ويصل المقاطيع. توفي في ربيع الأول (١) منها عن إحدى وسبعين (٢) سنة. صمصامة الدولة ابن عضد الدولة صاحب بلاد فارس، خرج عليه ابن عمه أبو نصر بن بختيار فهرب منه ونجا في جماعة من الأكراد، فلما وغلوا به أخذوا ما في خزائنه وحواصله، ولحقه أصحاب ابن بختيار فقتلوه وحملوا رأسه إليه، فلما وضع بين يدي ابن بختيار قال: هذه سنة سنها أبوك. وكان ذلك في ذي الحجة من هذه السنة، وكان عمره يوم قتل خمسا وثلاثين سنة (٣)، ومدة ملكه منها تسع سنين وأشهر (٤). عبد العزيز بن يوسف الحطان أبو القاسم، كاتب الانشاء لعضد الدولة، ثم وزر لابنه بهاء الدولة خمسة أشهر، وكان يقول الشعر. توفي في شعبان منها … محمد بن أحمد ابن إبراهيم أبو الفتح (٥) المعروف بغلام الشنبوذي، كان عالما بالقراءات وتفسيرها، يقال إنه كان يحفظ خمسين ألف بيت من الشعر، شواهد للقرآن، ومع هذا تكلموا في روايته عن أبي الحسين بن شنبوذ، وأساء الدارقطني القول فيه. توفي في صفر منها، وولد سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.

стр. 4351

ثم دخلت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة فيها قصد محمود بن سبكتكين بلاد خراسان فاستلب ملكها من أيدي السامانية، وواقعهم مرات متعددة في هذه السنة وما قبلها، حتى أزال اسمهم ورسمهم عن البلاد بالكلية، وانقرضت دولتهم بالكلية، ثم صمد لقتال ملك الترك بما وراء النهر، وذلك بعد موت الخاقان الكبير الذي يقال له فائق، وجرت له معهم حروب وخطوب. وفيها استولى بهاء الدولة على بلاد فارس وخوزستان، وفيها أرادت الشيعة أن يصنعوا ما كانوا يصنعونه من الزينة يوم غدير خم، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة فيما يزعمونه، فقاتلهم جهلة آخرون في المنتسبين إلى السنة فادعوا أن في مثل هذا اليوم حصر النبي ﷺ وأبو بكر في الغار فامتنعوا من ذلك، وهذا أيضا جهل من هؤلاء، فإن هذا إنما كان في أوائل ربيع الأول من أول سني الهجرة، فإنهما أقاما فيه ثلاثا، وحين خرجا منه قصدا المدينة فدخلاها بعد ثمانية أيام أو نحوها، وكان دخولهما المدينة في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، وهذا أمر معلوم مقرر محرر. ولما كانت الشيعة يصنعون في يوم عاشوراء مأتما يظهرون فيه الحزن على الحسين بن علي، قابلتهم طائفة أخرى من جهلة أهل السنة فادعوا أن في اليوم الثاني عشر من المحرم قتل مصعب بن الزبير، فعملوا له مأتما كما تعمل الشيعة للحسين، وزاروا قبره كما زاروا قبر الحسين، وهذا من باب مقابلة البدعة ببدعة مثلها، ولا يرفع البدعة إلا السنة الصحيحة. وفيها وقع برد شديد مع غيم مطبق، وريح قوية، بحيث أتلفت شيئا كثيرا من النخيل ببغداد، فلم يتراجع حملها إلى عادتها إلا بعد سنتين. وفيها حج بركب العراق الشريفان الرضى والمرتضى فاعتقلهما أمير الاعراب ابن الجراح فافتديا أنفسهما منه بتسعة آلاف دينار من أموالهما فأطلقهما. وممن توفي فيها من الأعيان … زاهر بن عبد الله ابن أحمد بن محمد بن عيسى السرخسي المقرئ الفقيه المحدث، شيخ عصره بخراسان، قرأ على ابن مجاهد، وتفقه بأبي إسحاق المروزي إمام الشافعية، وأخذ اللغة والأدب والنحو عن أبي بكر بن الأنباري. توفي في ربيع الآخر عن ست وتسعين (١) سنة. عبد الله بن محمد بن إسحاق ابن سليمان بن مخلد بن إبراهيم بن مروز أبو القاسم المعروف بابن حبابة، روى عن البغوي وأبي بكر بن أبي داود وطبقتهما، وكان ثقة مأمونا مسندا، ولد ببغداد سنة تسع وتسعين ومائتين،

стр. 4352

ومات في جمادى الأولى من هذه السنة عن تسعين سنة. وصلى عليه الشيخ أبو حامد الأسفراييني شيخ الشافعية، ودفن في مقابر جامع المنصور. ثم دخلت سنة تسعين وثلاثمائة من الهجرة النبوية فيها ظهر بأرض سجستان معدن من ذهب كانوا يحفرون فيه مثل الآبار، ويخرجون منه ذهبا أحمر. وفيها قتل الأمير أبو نصر بن بختيار صاحب بلاد فارس واستولى عليها بهاء الدولة. وفيها قلد القادر بالله القضاء بواسط وأعمالها أبا حازم محمد بن الحسن الواسطي، وقرئ عهده بدار الخلافة، وكتب له القادر وصية حسنة طويلة أوردها ابن الجوزي في منتظمه، وفيها مواعظ وأوامر ونواهي حسنة جيدة. وممن توفي فيها من الأعيان … أحمد بن محمد ابن أبي موسى أبو بكر الهاشمي الفقيه المالكي القاضي بالمدائن وغيرها، وخطب بجامع المنصور، وسمع الكثير، وروى عنه الجم الغفير، وعنه الدارقطني الكبير، وكان عفيفا نزها ثقة دينا. توفي في محرم هذه السنة عن خمس وسبعين سنة. عبيد الله بن عثمان بن يحيى أبو القاسم الدقاق، ويعرف بابن حنيفا قال القاضي العلامة أبو يعلى بن الفراء - وهذا جده - وروي باللام لا بالنون - حليفا - وقد سمى سماعا صحيحا، وروى عنه الأزهري وكان ثقة مأمونا حسن الخلق، ما رأينا مثله في معناه. الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء والد القاضي أبي يعلى، وكان صالحا فقيها على مذهب أبي حنيفة، أسند الحديث وروى عنه ابنه أبو حازم محمد بن الحسين. عبد الله بن أحمد ابن علي بن أبي طالب البغدادي، نزيل مصر، وحدث بها فسمع منه الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري.

стр. 4353

عمر بن إبراهيم ابن أحمد أبو نصر (١) المعروف بالكتاني المقري، ولد سنة ثلاثمائة، روى عن البغوي وابن مجاهد وابن صاعد، وعنه الأزهري وغيره، وكان ثقة صالحا. محمد بن عبد الله بن الحسين ابن عبد الله بن هارون، أبو الحسين الدقاق، المعروف بابن أخي ميمي، سمع البغوي وغيره، وعنه جماعة، ولم يزل على كبر سنه يكتب الحديث إلى أن توفي وله تسعون سنة، وكان ثقة مأمونا دينا فاضلا حسن الأخلاق، توفي ليلة الجمعة لثمان وعشرين من شعبان منها. محمد بن عمر بن يحيى ابن الحسين (٢) بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، الشريف أبو الحسين العلوي، الكوفي، ولد سنة خمس عشرة، وسمع من أبي العباس بن عقدة وغيره، وسكن بغداد، وكانت له أموال كثيرة وضياع، ودخل عظيم وحشمة وافرة، وهمة عالية، وكان مقدما على الطالبيين في وقته، وقد صادره عضد الدولة في وقت واستحوذ على جمهور أمواله وسجنه، ثم أطلقه شرف الدولة بن عضد الدولة، ثم صادره بهاء الدولة بألف ألف دينار ثم سجنه، ثم أطلقه واستنابه على بغداد. ويقال إن غلاته كانت تساوي في كل سنة بألفي ألف دينار، وله وجاهة كبيرة جدا. ورياسة باذخة. الأستاذ أبو الفتوح برجوان الناظر في الأمور بالديار المصرية في الدولة الحاكمية، وإليه تنسب حارة برجوان بالقاهرة، كان أولا من غلمان العزيز بن المعز، ثم صار عند الحاكم نافذ الامر مطاعا كبيرا في الدولة، ثم أمر بقتله في القصر فضربه الأمير ريدان - الذي تنسب إليه الريدانية خارج باب الفتوح - بسكين في بطنه فقتله. وقد ترك شيئا كثيرا من الأثاث والثياب، من ذلك ألف سراويل بيدقي بألف تكة من حرير، قاله ابن خلكان. وولى الحاكم بعده في منصبه الأمير حسين بن القائد جوهر.

стр. 4354

الجريري المعروف بابن طرار (١) المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد بن حماد بن داود أبو الفرج النهرواني القاضي - لأنه ناب في الحكم - المعروف بابن طرار الجريري، لأنه اشتغل على ابن جرير الطبري، وسلك وراءه في مذهبه، فنسب إليه. سمع الحديث من البغوي وابن صاعد وخلق، وروى عنه جماعة، وكان ثقة مأمونا عالما فاضلا كثير الآداب والتمكن في أصناف العلوم، وله المصنفات الكثيرة منها كتابه المسمى بالجليس والأنيس، فيه فوائد كثيرة جمة، وكان الشيخ أبو محمد الباقلاني أحد أئمة الشافعية يقول: إذا حضر المعافي حضرت العلوم كلها، ولو أوصى رجل بثلث ماله لاعلم الناس لوجب أن يصرف إليه. وقال غيره: اجتمع جماعة من الفضلاء في دار بعض الرؤساء وفيهم المعافى فقالوا: هل نتذاكر في فن من العلوم؟ فقال المعافى لصاحب المنزل - وكان عنده كتب كثيرة في خزانة عظيمة - مر غلامك أن يأتي بكتاب من هذه الكتب، أي كتاب كان نتذاكر فيه. فتعجب الحاضرون من تمكنه وتبحره في سائر العلوم، وقال الخطيب البغدادي: أنشدنا الشيخ أبو الطيب الطبري أنشدنا المعافى بن زكريا لنفسه: ألا قل لمن كان لي حاسدا … أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله سبحانه … لأنك لا ترضى لي ما وهب فجازاك عني بأن زادني (٢) … وسد عليك وجوه الطلب توفي في ذي الحجة من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة، ﵀. ابن فارس صاحب المجمل، وقيل إنه توفي في سنة خمس وتسعين كما سيأتي. أم السلامة بنت القاضي أبي بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شنخرة، أم الفتح، سمعت من محمد بن إسماعيل النصلاني وغيره، وعنها الأزهري والتنوخي وأبو يعلى بن الفراء وغيرهم، وأثنى عليها غير واحد في دينها وفضلها وسيادتها، وكان مولدها في رجب من سنة ثمان وتسعين، وتوفيت في رجب أيضا من هذه السنة عن ثنتين وتسعين سنة، رحمها الله تعالى.

стр. 4355

ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة فيها بايع الخليفة القادر بالله لولده أبي الفضل بولاية العهد من بعده، وخطب له على المنابر بعد أبيه، ولقب بالغالب بالله، وكان عمره حينئذ ثماني سنين وشهورا، ولم يتم له ذلك وكان سبب ذلك أن رجلا يقال له عبد الله بن عثمان الواقفي ذهب إلى بعض الأطراف من بلاد الترك، وادعى أن القادر بالله جعله ولي العهد من بعده، فخطبوا له هنالك، فلما بلغ القادر أمره بعث يتطلبه فهرب في البلاد وتمزق، ثم أخذه بعض الملوك (١) فسجنه في قلعة إلى أن مات، فلهذا بادر القادر إلى هذه البيعة. وفي يوم الخميس الثامن عشر من ذي القعدة ولد الأمير أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله، وهذا هو الذي صارت إليه الخلافة، وهو القائم بأمر الله. وفيها قتل الأمير حسام الدولة المقلد بن المسيب العقيلي غيلة ببلاد الأنبار، وكان قد عظم شأنه بتلك البلاد، ورام المملكة فجاءه القدر المحتوم فقتله بعض غلمانه الأتراك، وقام بالامر من بعده ولده قرواش. وحج بالناس المصريون. وفيها توفي من الأعيان .. جعفر بن الفضل بن جعفر ابن محمد بن الفرات أبو الفضل، المعروف بابن حنزابة الوزير، ولد سنة ثمان وثلاثمائة ببغداد، ونزل الديار المصرية ووزر بها للأمير كافور الأخشيدي، وكان أبوه وزيرا للمقتدر، وقد سمع الحديث من محمد بن هارون الحضرمي وطبقته من البغداديين، وكان قد سمع مجلسا من البغوي، ولم يكن عنده، وكان يقول: من جاءني به أغنيته، وكان له مجلس للاملاء بمصر، وبسببه رحل الدارقطني إلى مصر فنزل عنده وخرج له مسندا، وحصل له منه مال جزيل، وحدث عنه الدارقطني وغيره من الأكابر. ومن مستجاد شعره قوله: من أخمل النفس أحياها وروحها … ولم يبت طاويا منها على ضجر إن الرياح إذا اشتدت عواصفها … فليس ترمي سوى العالي من الشجر (٢) قال ابن خلكان: كانت وفاته في صفر، وقيل في ربيع الأول منها، عن ثنتين وثمانين سنة ودفن بالقرافة، وقيل بداره، وقيل إنه كان قد اشترى بالمدينة النبوية دارا فجعل له فيها تربة، فلما نقل إليها تلقته الاشراف لاحسانه إليهم، فحملوه وحجوا به ووقفوا به بعرفات، ثم أعادوه إلى المدينة فدفنوه بتربته.

стр. 4356

ابن الحجاج الشاعر (١) الحسين بن أحمد بن الحجاج أبو عبد الله الشاعر الماجن المقذع في نظمه، يستنكف اللسان عن التلفظ بها والأذنان عن الاستماع لها، وقد كان أبوه من كبار العمال، وولي وهو حسبة بغداد في أيام عز الدولة، فاستخلف عليها نوابا ستة، وتشاغل هو بالشعر السخيف والرأي الضعيف، إلا أن شعره جيد من حيث اللفظ، وفيه قوة تدل على تمكين واقتدار على سبك المعاني القبيحة التي هي في غاية الفضيحة، في الألفاظ الفصيحة وله غير ذلك من الاشعار المستجادة، وقد امتدح مرة صاحب مصر فبعث إليه بألف دينار. وقول ابن خلكان بأنه عزل عن حسبة بغداد بأبي سعيد الإصطخري قول ضعيف لا يسامح بمثله، فإن أبا سعيد توفي في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، فكيف يعزل به ابن الحجاج وهو لا يمكن ادعاء أن يلي الحسبة بعده أبو سعيد الإصطخري، وابن خلكان قد أرخ وفاة هذا الشاعر بهذه السنة. ووفاة الإصطخري بما تقدم. وقد جمع الشريف الرضي أشعاره الجيدة على حدة في ديوان مفرد ورثاه حين توفي هو وغيره من الشعراء. عبد العزيز بن أحمد بن الحسن الجزري القاضي بالحرم وحريم دار الخلافة وغير ذلك من الجهات، وكان ظاهريا على مذهب داود، وكان لطيفا، تحاكم إليه وكيلان فبكى أحدهما في أثناء الخصومة فقال له القاضي: أرني وكالتك، فناوله فقرأها ثم قاله له: لم يجعل إليك أن تبكي عنه. فاستضحك الناس ونهض الوكيل خجلا. عيسى بن الوزير علي بن عيسى ابن داود بن الجراح، أبو القاسم البغدادي، وكان أبوه من كبار الوزراء، وكتب هو للطائع أيضا، وسمع الحديث الكثير، وكان صحيح السماع كثير العلوم، وكان عارفا بالمنطق وعلم الأوائل فاتهموه بشئ من مذهب الفلاسفة، ومن جيد شعره قوله: رب ميت قد صار بالعلم حيا … ومبقي قد مات جهلا وغيا فاقتنوا العلم كي تنالوا خلودا … لا تعدوا الحياة في الجهل شيا ولد في سنة ثنتين وثلاثمائة وتوفي في هذه السنة عن تسع وثمانين سنة، ودفن في داره ببغداد.

стр. 4357

ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وثلاثمائة في محرمها غزا يمين الدولة محمود بن سبكتكين بلاد الهند فقصده ملكها جيبال في جيش عظيم فاقتتلوا قتالا شديدا، ففتح الله على المسلمين، وانهزمت الهنود، وأسر ملكهم جيبال، وأخذوا من عنقه قلادة قيمتها ثمانون (١) ألف دينار، وغنم المسلمون منهم أموالا عظيمة، وفتحوا بلادا كثيرة، ثم إن محمودا سلطان المسلمين أطلق ملك الهند احتقارا له واستهانة به (٢)، ليراه أهل مملكته والناس في المذلة فحين وصل جيبال إلى بلاده ألقى نفسه في النار التي يعبدونها من دون الله فاحترق، لعنه الله. وفي ربيع الأول منها ثارت العوام على النصارى ببغداد فنهبوا كنيستهم التي بقطيعة الدقيق وأحرقوها، فسقطت على خلق فماتوا، وفيهم جماعة من المسلمين رجال ونساء وصبيان. وفي رمضان منها قوي أمر العيارين وكثرت العملات ونهبت بغداد وانتشرت الفتنة. قال ابن الجوزي: وفي ليلة الاثنين منها ثالث القعدة انقض كوكب أضاء كضوء القمر ليلة التمام، ومضى الشعاع وبقي جرمه يتموج نحو ذراعين في ذراعين في رأى العين ثم توارى بعد ساعة. وفي هذا الشهر قدم الحجاج من خراسان إلى بغداد ليسيروا إلى الحجاز فبلغهم عيث الاعراب في الأرض بالفساد، وأنه لا ناصر لهم ولا ناظر ينظر في أمرهم، فرجعوا إلى بلادهم، ولم يحج من بلاد المشرق أحد في هذه السنة. وفي يوم عرفة منها ولد لبهاء الدولة ابنان توأمان فمات أحدهما بعد سبع سنين، وأقام الآخر حتى قام بالامر من بعد أبيه، ولقب شرف الدولة، وحج المصريون فيها بالناس. وممن توفي فيها من الأعيان .. ابن جني أبو الفتح [عثمان بن جني] الموصلي النحوي اللغوي، صاحب التصانيف الفائقة المتداولة في النحو واللغة، وكان جني عبدا روميا مملوكا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي، ومن شعره في ذلك قوله: فإن أصبح بلا نسب … فعلمي في الورى نسبي على أني أؤول إلى … قروم سادة نجب قياصرة إذا نطقوا … أرمو الدهر ذا الخطب أولاك دعا النبي لهم … كفى شرفا دعاء نبي

стр. 4358

وقد أقام ببغداد ودرس بها العلم إن أن توفي ليلة الجمعة لليلتين خلتا (١) من صفر منها، قال ابن خلكان: ويقال إنه كان أعور وله في ذلك: صدودك عني ولا ذنب لي … يدل على نية فاسده فقد - وحياتك - مما بكيت … خشيت على عيني الواحدة ولولا مخافة أن لا أراك … لما كان في تركها فائده ويقال: إن هذه الأبيات لغيره (٢)، وكان قائلها أعور. وله في مملوك حسن الصورة أعور قوله: له عين أصابت كل عين … وعين قد أصابتها العيون أبو الحسن الجرجاني الشاعر الماهر: علي بن عبد العزيز القاضي بالري، سمع الحديث وترقى في العلوم حتى أقر له الناس بالتفرد، وله أشعار حسان من ذلك قوله: يقولون لي فيك انقباض وإنما … رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم … ومن أكرمته عزة النفس أكرما ولم أقض حق العلم إن كان كلما … بدا طمع صيرته لي سلما إذا قيل لي هذا مطمع قلت قد أرى … ولكن نفس الحر تحتمل الظما (٣) ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي … لأخدم من لاقيت ولكن لا خدما أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة … إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم … ولو عظموه في النفوس عظما ولكن أهانوه، فهان، ودنسوا … محياه بالأطماع حتى تجهما ومن مستجاد شعره أيضا: ما تطمعت لذة العيش حتى … صرت للبيت والكتاب جليسا

стр. 4359

ليس عندي شئ ألذ من ال … علم فما أبتغي سواه أنيسا ومن شعره أيضا: إذا شئت أن تستقرض المال منفقا … على شهوات النفس في زمن العسر فسل نفسك الانفاق من كنز صبرها … عليك وإنظارا إلى زمن اليسر فإن فعلت كنت الغني وإن أبت … فكل منوع بعدها واسع العذر توفي ﵀ في هذه السنة، وحمل تابوته إلى جرجان فدفن بها. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وفيها كانت وفاة الطائع لله على ما سنذكره وفيها منع عميد الجيوش الشيعة من النحو على الحسين في يوم عاشوراء، ومنع جهلة السنة بباب البصرة وباب الشعير من النوح على مصعب بن الزبير بعد ذلك بثمانية أيام، فامتنع الفريقان ولله الحمد والمنة. وفي أواخر المحرم خلع بهاء الدولة وزيره أبا غالب محمد بن خلف عن الوزارة وصادره بمائة ألف دينار قاشانية، وفي أوائل صفر منها غلت الأسعار ببغداد جدا، وعدمت الحنطة حتى بيع الكر بمائة وعشرين دينارا. وفيها برز عميد الجيوش إلى سر من رأى واستدعى سيد الدولة أبا الحسن، علي بن مزيد، وقرر عليه في كل سنة أربعين ألف دينار، فالتزم بذلك فقرره على بلاده. وفيها هرب أبو العباس الضبي وزير مجد الدولة بن فخر الدولة من الري إلى بدر بن حسنويه، فأكرمه، وولى بعد ذلك وزارة مجد الدولة أبو علي الخطير. وفيها استناب الحاكم على دمشق وجيوش الشام أبا محمد الأسود ثم بلغه أنه عزر رجلا مغربيا سب أبا بكر وعمر ﵄، وطاف به في البلد، فخاف من معرة ذلك فبعث إليه فعزله مكرا وخديعة. وأنقطع الحج فيها من العراق بسبب الاعراب. وممن توفي فيها الأعيان: إبراهيم بن أحمد بن محمد أبو إسحاق الطبري الفقيه المالكي، مقدم المعدلين ببغداد، وشيخ القراءات، وقد سمع الكثير من الحديث، وخرج له الدارقطني خمسمائة جزء حديث، وكان كريما مفضلا على أهل العلم. الطائع لله عبد الكريم بن المطيع تقدم خلعه وذكر ما جرى له، توفي ليلة عيد الفطر منها عن خمس أو ست وسبعين سنة (١)،

стр. 4360

منها سبع عشرة سنة وستة أشهر وخمسة أيام خليفة، وصلى عليه الخليفة القادر فكبر عليه خمسا، وشهد جنازته الأكابر، ودفن بالرصافة. محمد بن عبد الرحمن بن العباس بن زكريا أبو طاهر المخلص، شيخ كبير الرواية، سمع البغوي وابن صاعد وخلقا، وعنه البرقاني الأزهري والخلال والتنوخي، وكان ثقة من الصالحين. توفي في رمضان منها عن ثمان وثمانين سنة ﵀. محمد بن عبد الله (١) أبو الحسن السلامي الشاعر المجيد، له شعر مشهور، ومدائح في عضد الدولة وغيره. ميمونة بنت شاقولة والواعظة التي هي للقرآن حافظة، ذكرت يوما في وعظها أن ثوبها الذي عليها - وأشارت إليه - له في صحبتها تلبسه منذ سبع وأربعين سنة وما تغير، وأنه كان من غزل أمها. قالت والثوب إذا لم يعص الله فيه لا يتخرق سريعا، وقال ابنها عبد الصمد: كان في دارنا حائط يريد أن ينقض فقلت لأمي: ألا ندعو البناء ليصلح هذا الجدار؟ فأخذت رقعة فكتبت فيها شيئا ثم أمرتني أن أضعها في موضع من الجدار، فوضعتها فمكث على ذلك عشرين سنة، فلما توفيت أردت أن أستعلم ما كتبت في الرقعة، فحين أخذتها من الجدار سقط، وإذا في الرقعة (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا) [فاطر: ٤١] اللهم ممسك السماوات الأرض أمسكه. ثم دخلت سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وفيها ولى بهاء الدولة الشريف أبا أحمد الحسين بن أحمد بن موسى الموسوي، قضاء القضاة والحج والمظالم، ونقابة الطالبيين، ولقب بالطاهر الأوحد، ذوي المناقب، وكان التقليد له بسيراج، فلما وصل الكتاب إلى بغداد لم يأذن له الخليفة القادر في قضاء القضاة، فتوقف حاله بسبب ذلك. وفيها ملك أبو العباس بن واصل بلاد البطيحة وأخرج منها مهذب الدولة، فقصده زعيم الجيوش ليأخذها منه، فهزمه ابن واصل ونهب أمواله وحواصله، وكان في جملة ما أصاب في خيمة الخزانة ثلاثون ألف دينار، وخمسون ألف درهم. وفيها خرج الركب العراقي إلى الحجاز في جحفل

стр. 4361

عظيم كبير وتجمل كثير، فاعترضهم الأصيفر أمير الاعراب، فبعثوا إليه بشابين قارئين مجيدين كانا معهم، يقال لهما أبو الحسن الرفا وأبو عبد الله بن الزجاجي (١)، وكان من أحسن الناس قراءة، ليكلماه في شئ يأخذه من الحجيج، ويطلق سراحهم ليدركوا الحج، فلما جلسا بين يديه قرآ جميعا عشرا بأصوات هائلة مطربة مطبوعة، فأدهشه ذلك وأعجبه جدا، وقال لهما: كيف عيشكما ببغداد؟ فقالا: بخير لا يزال الناس يكرموننا ويبعثون إلينا بالذهب والفضة والتحف. فقال لهما. هل أطلق لكما أحد منهم بألف ألف دينار في يوم واحد؟ فقال: لا، ولا ألف درهم في يوم واحد. قال: فإني أطلق لكما ألف ألف دينار في هذه اللحظة، أطلق لكما الحجيج كله، ولولا كما لما قنعت منهم بألف ألف دينار. فأطلق الحجيج كله بسببهما، فلم يتعرض أحد من الاعراب لهم، وذهب الناس إلى الحج سالمون شاكرون لذينك الرجلين المقرئين. ولما وقف الناس بعرفات قرأ هذان الرجلان قراءة عظيمة على جبل الرحمة فضج الناس بالبكاء من سائر الركوب لقراءتهما، وقالوا لأهل العراق: ما كان ينبغي لكم أن تخرجوا معكم بهذين الرجلين في سفرة واحدة، لاحتمال أن يصابا جميعا، بل كان ينبغي أن تخرجوا بأحدهما وتدعوا الآخر، فإذا أصيب سلم الآخر. وكانت الحجة والخطبة للمصريين كما هي لهم من سنين متقدمة، وقد كان أمير العراق عزم على العود سريعا إلى بغداد على طريقهم التي جاؤوا منها، وأن لا يسيروا إلى المدينة النبوية خوفا من الاعراب، وكثرة الخفارات، فشق ذلك على الناس، فوقف هذان الرجلان القارئان على جادة الطريق التي منها يعدل إلى المدينة النبوية، وقرءا (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) الآيات [التوبة: ١٢٠] فضج الناس بالبكاء وأمالت النوق أعناقها نحوهما، فمال الناس بأجمعهم والأمير إلى المدينة النبوية فزاروا وعادوا سالمين إلى بلادهم ولله الحمد والمنة. ولما رجع هذا القارئان رتبهما ولي الأمر مع أبي بكر بن البهلول - وكان مقرئا مجيدا أيضا - ليصلوا بالناس صلاة التراويح في رمضان، فكثر الجمع وراءهم لحسن تلاوتهم، وكانوا يطيلون الصلاة جدا ويتناوبون في الإمامة، يقرأون في كل ركعة بقدر ثلاثين آية، والناس لا ينصرفون من التراويح إلا في الثلث الأول من الليل، أو قريب النصف منه. وقد قرأ ابن البهلول يوم في جامع المنصور قول تعالى (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) [الحديد: ١٦] فنهض إليه رجل صوفي وهو يتمايل فقال: كيف قلت؟ فأعاد الآية، فقال الصوفي: بلى والله، وسقط ميتا ﵀. قال ابن الجوزي: وكذلك وقع لأبي الحسن بن الخشاب شيخ ابن الرفا، وكان تلميذا لأبي بكر بن الادمي المتقدم ذكره، وكان جيد القراءة حسن الصوت أيضا، قرأ ابن الخشاب هذا في جامع الرصافة في الاحياء هذه الآية (ألم يأن للذين آمنوا) فتواجد رجل صوفي وقال: بلى والله قد آن، وجلس وبكى بكاء طويلا، ثم سكت سكتة فإذا هو ميت ﵀.

стр. 4362

وممن توفي فيها من الأعيان … أبو علي الإسكافي ويلقب بالموفق، وكان مقدما عند بهاء الدولة، فولاه بغداد فأخذ أموالا كثيرة من اليهود ثم هرب إلى البطيحة، فأقام بها سنتين ثم قدم بغداد فولاه بهاء الدولة الوزارة، وكان شهما منصورا في الحرب ثم عاقبه بعد ذلك وقتله في هذه السنة، عن تسع وأربعين سنة. ثم دخلت سنة خمس وتسعين وثلاثمائة فيها عاد مهذب الدولة إلى البطيحة ولم يمانعه ابن واصل، وقرر عليه في كل سنة لبهاء الدولة خمسين ألف دينار. وفيها كان غلاء عظيم بإفريقية، بحيث تعطلت المخابز والحمامات، وذهب خلق كثير من الفناء، وهلك آخرون من شدة الغلاء، فنسأل الله حسن العافية والخاتمة آمين. وفيها أصاب الحجيج في الطريق عطش شديد بحيث هلك كثير منهم. وكانت الخطبة للمصريين. وممن توفي فيها من الأعيان … محمد بن أحمد بن موسى بن جعفر أبو نصر البخاري، المعروف بالملاحمي، أحد الحفاظ، قدم بغداد وحدث بها عن محمود بن إسحاق عن البخاري، وروى عن الهيثم بن كليب وغيره، وحدث عنه الدارقطني، وكان من أعيان أصحاب الحديث. توفي ببخارى في شعبان منها، وقد جاوز الثمانين. محمد بن أبي إسماعيل علي بن الحسين بن الحسن بن القاسم أبي الحسن العلوي، ولد بهمذان ونشأ ببغداد، وكتب الحديث عن جعفر الخلدي وغيره، وسمع بنيسابور من الأصم وغيره، ودرس فقه الشافعي على علي بن أبي هريرة، ثم دخل الشام فصحب الصوفية حتى صار من كبارهم، وحج مرات على الوحدة، توفي في محرم من هذه السنة … أبو الحسين أحمد بن فارس ابن زكريا بن محمد بن حبيب اللغوي الرازي، صاحب المجمل في اللغة، وكان مقيما

стр. 4363

بهمذان، وله رسائل حسان، أخذ عنه البديع صاحب المقامات (١)، ومن رائق شعره قوله: مرت بناء هيفاء مجدولة (٢) … تركية تنمى لتركي ترنو بطرف فاتر فاتن … أضعف من حجة نحوي وله أيضا: إذا كنت في حاجة مرسلا … وأنت بها كلف مغرم فأرسل حكيما ولا توصيه … وذاك الحكيم هو الدرهم قال ابن خلكان: توفي سنة تسعين وثلاثمائة، وقيل سنة خمس وتسعين، والأول أشهر. ثم دخلت سنة ست وتسعين وثلاثمائة قال ابن الجوزي: في ليلة الجمعة مستهل شعبان طلع نجم يشبه الزهرة في كبره وكثرة ضوئه عن يسار القبلة يتموج، وله شعاع على الأرض كشعاع القمر. وثبت إلى النصف من ذي القعدة، ثم غاب. وفيها ولي محمد بن الأكفاني قضاء جميع بغداد. وفيها جلس القادر بالله للأمير قرواش بن أبي حسان وأقره في إمارة الكوفة، ولقبه معتمد الدولة. وفيها قلد الشريف الرضي نقابة الطالبيين، ولقب بالرضي ذي الحسنيين، ولقب أخوه المرتضى ذا المجدين. وفيها غزا يمين الدولة محمود بن سبكتكين بلاد الهند فافتتح مدنا كبارا، وأخذ أموالا جزيلة، وأسر بعض ملوكهم وهو ملك كراشي (٣) حين هرب منه لما افتتحها، وكسر أصنامها، فألبسه منطقته وشدها على وسطه بعد تمنع شديد وقطع خنصره ثم أطلقه إهانة له، وإظهارا لعظمة الاسلام وأهله. وفيها كانت الخطبة للحاكم العبيدي، وتجدد في الخطبة أنه إذا ذكر الخطيب الحاكم يقوم الناس كلهم إجلالا له، وكذلك فعلوا بديار مصر مع زيادة السجود له، وكانوا يسجدون عند ذكره، يسجد من هو في الصلاة ومن هو في الأسواق يسجدون لسجودهم، لعنه الله وقبحه. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو سعد (٤) الإسماعيلي إبراهيم (٥) بن إسماعيل أبو سعد الجرجاني، المعروف بالإسماعيلي، ورد بغداد والدار قطني

стр. 4364

حي فحدث عن أبيه أبي بكر الإسماعيلي والأصم بن عدي، وحدث عنه الخلال والتنوخي، وكان ثقة فقيها فاضلا، على مذهب الشافعي، عارفا بالعربية، سخيا جوادا على أهل العلم، وله ورع ورياسة إلى اليوم في بلده إلى ولده. قال الخطيب: سمعت الشيخ أبا الطيب يقول: ورد أبو سعد الإسماعيلي بغداد فعقد له الفقهاء مجلسين تولى أحدهما أبو حامد الأسفراييني، وتولى الثاني أبو محمد الباجي، فبعث الباجي إلى القاضي المعافى بن زكريا الجريري يستدعيه إلى حضور المجلس ليجمل المجلس، وكانت الرسالة مع ولده أبي الفضل، وكتب على يده هذين البيتين: إذا أكرم القاضي الجليل وليه … وصاحبه ألفاه للشكر موضعا ولي حاجة يأتي بني بذكرها … ويسأله فيها التطول أجمعا فأجابه الجريري مع ولد الشيخ: دعا الشيخ مطواعا سميعا لامره … نواتيه طوعا حيث يرسم أصنعا وها أنا غاد في غد نحو داره … أبادر ما قد حده لي مسرعا توفي الإسماعيلي فجأة بجرجان في ربيع الآخر (١) وهو قائم يصلي في المحراب، في صلاة المغرب، فلما قرأ (إياك نعبد وإياك نستعين) فاضت نفسه فمات ﵀. محمد بن أحمد ابن محمد بن جعفر بن محمد بن محمد بن بحير أبو عمرو المزكي، الحافظ النيسابوري، ويعرف بالحيري (٢)، رحل إلى الآفاق في طلب العلم، وكان حافظا جيد المذاكرة، ثقة ثبتا، حدث ببغداد وغيرها من البلاد، وتوفي في شعبان عن ثلاث وسبعين (٣) سنة. أبو عبد الله بن منده الحافظ محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده أبو عبد الله الأصفهاني الحافظ، كان ثبت الحديث والحفظ، رحل إلى البلاد الشاسعة، وسمع الكثير وصنف التاريخ، والناسخ والمنسوخ. قال أبو العباس جعفر بن محمد: ما رأيت أحفظ من ابن منده، توفي في أصفهان في صفر منها.

стр. 4365

ثم دخلت سنة سبع وتسعين وثلاثمائة فيها كان خروج أبي ركوة على الحاكم العبيدي صاحب مصر. وملخص أمر هذا الرجل أنه كان من سلالة هاشم بن عبد الملك بن مروان الأموي، واسمه الوليد، وإنما لقب بأبي ركوة لركوة كان يصحبها في أسفاره على طريق الصوفية، وقد سمع الحديث بالديار المصرية، ثم أقام بمكة ثم رحل إلى اليمن ثم دخل الشام، وهو في غضون ذلك يبايع من انقاد له، ممن يرى عنده همة ونهضة للقيام في نصرة ولد هشام، ثم إنه أقام ببعض بلاد مصر في محلة من محال العرب، يعلم الصبيان ويظهر التقشف والعبادة والورع، ويخبر بشئ من المغيبات، حتى خضعوا له وعظموه جدا، ثم دعا إلى نفسه وذكر لهم أنه الذي يدعى إليه من الأمويين، فاستجابوا له (١) وخاطبوه بأمير المؤمنين، ولقب بالثائر بأمر الله المنتصر من أعداء الله، ودخل برقة في جحفل عظيم، فجمع له أهلها نحوا من مائتي ألف دينار، وأخذ رجلا من اليهود اتهم بشئ من الودائع فأخذ منه مائتي ألف دينار أيضا، ونقشوا الدراهم والدنانير بألقابه، وخطب بالناس يوم الجمعة ولعن الحاكم في خطبته ونعما فعل، فالتف على أبي ركوة من الجنود نحو من ستة عشر ألفا، فلما بلغ الحاكم أمره وما آل إليه حاله بعث بخمسمائة ألف دينار وخمسة آلاف ثوب إلى مقدم جيوش أبي ركوة وهو الفضل بن عبد الله (٢) يستميله إليه ويثنيه عن أبي ركوة، فحين وصلت الأموال إليه رجع عن أبي ركوة وقال له: إنا لا طاقة لنا بالحاكم، وما دمت بين أظهرنا فنحن مطلوبون بسببك، فاختر لنفسك بلدا تكون فيها. فسأل أن يبعثوا معه فارسين يوصلانه إلى النوبة فإن بينه وبين ملكها مودة وصحبة، فأرسله، ثم بعث وراءه من رده إلى الحاكم بمصر، فلما وصل إليه أركبه جملا وشهره ثم قتله في اليوم الثاني، ثم أكرم الحاكم الفضل وأقطعه أقطاعا كثيرة. واتفق مرض الفضل فعاده الحاكم مرتين، فلما عوفي قتله وألحقه بصاحبه وهذه مكافأة التمساح. وفي رمضان منها عزل قرواش عما كان بيده ووليه أبو الحسن علي بن يزيد، ولقب بسند الدولة. وفيها هزم يمين الدولة محمود بن سبكتكين ملك الترك عن بلاد خراسان وقتل من الأتراك خلقا كثيرا. وفيها قتل أبو العباس بن واصل وحمل رأسه إلى بهاء الدولة فطيف به بخراسان وفارس. وفيها ثارت على الحجيج وهم بالطريق ريح سوداء مظلمة جدا، واعترضهم ابن الجراح أمير الاعراب فاعتاقهم عن الذهاب ففاتهم الحج فرجعوا إلى بلادهم فدخلوها في يوم التروية. وكانت الخطبة بالحرمين للمصريين.

стр. 4366

وفيها توفي من الأعيان .. عبد الصمد بن عمر بن إسحاق أبو القاسم الدينوري الواعظ الزاهد، قرأ القرآن ودرس على مذهب الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، وسمع الحديث من النجاد، وروى عنه الصيمري، وكان ثقة صالحا، يضرب به المثل في مجاهدة النفس، واستعمال الصدق المحض، والتعفف والتفقه والتقشف، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن وعظه ووقعه في القلوب، جاءه يوما رجل بمائة دينار فقال: أنا غني عنها، قال خذها ففرقها على أصحابك هؤلاء، فقال: ضعها على الأرض. فوضعها ثم قال للجماعة. ليأخذ كل واحد منكم حاجته منها، فجعلوا يأخذون بقدر حاجاتهم حتى أنفذوها، وجاء ولده بعد ذلك فشكى إليه حاجتهم فقال: اذهب إلى البقال فخذ على ربع رطل تمر. ورآه رجل وقد اشترى دجاجة وحلواء فتعجب من ذلك فاتبعه إلى دار فيها امرأة ولها أيتام فدفعها إليهم، وقد كان يدق السعد للعطارين بالأجرة ويقتات منه، ولما حضرته الوفاة جعل يقول: سيدي لهذه الساعة خبأتك. توفي يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة منها، وصلي عليه بالجامع المنصوري، ودفن بمقبرة الإمام أحمد. أبو العباس بن واصل صاحب سيراف والبصرة وغيرهم، كان أولا يخدم بالكرخ، وكان منصورا له أنه سيملك، كان أصحابه يهزؤون به، فيقول أحدهم: إذا ملكت فأي شئ تعطيني؟ ويقول الآخر: ولني، ويقول الآخر: استخدمني، ويقول الآخر: اخلع علي: فقدر له أنه تقلبت به الأحوال حتى ملك سيراف والبصرة، وأخذ بلاد البطيحة من مهذب الدولة، وأخرجه طريدا، بحيث إنه احتاج في أثناء الطريق إلى أن ركب بقرة. واستحوذ ابن واصل على ما هناك، وقصد الأهواز وهزم بهاء الدولة، ثم ظفر به بهاء الدولة فقتله في شعبان منها، وطيف برأسه في البلاد. ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة فيها غزا يمين الدولة محمود بن سبكتكين بلاد الهند، ففتح حصونا كثيرة، وأخذ أموالا جزيلة وجواهر نفيسة، وكان في جملة ما وجد بيت طوله ثلاثون ذراعا وعرضه خمسة عشر ذراعا مملوءا فضة، ولما رجع إلى غزنة بسط هذه الأموال كلها في صحن داره وأذن لرسل الملك فدخلوا عليه فرأوا ما بهرهم وهالهم، وفي يوم الأربعاء الحادي عشر من ربيع الآخر وقع ببغداد ثلج عظيم، بحيث بقي على وجه الأرض ذراعا ونصفا (١)، ومكث أسبوعا لم يذب (٢) وبلغ سقوطه إلى تكريت والكوفة وعبادان

стр. 4367

والنهروان. وفي هذا الشهر كثرت العملات جهرة وخفية، حتى من المساجد والمشاهد ثم ظفر أصحاب الشرطة بكثير منهم فقطعوا أيديهم وكحلوهم. قصة مصحف ابن مسعود وتحريقه "على فتيا الشيخ أبي حامد الأسفراييني فيما ذكره ابن الجوزي في منتظمه " وفي عاشر رجب جرت فتنة بين السنة والرافضة، سببها أن بعض الهاشمين قصد أبا عبد الله محمد بن النعمان المعروف بابن المعلم - وكان فقيه الشيعة - في مسجده بدرب رباح، فعرض له بالسب فثار أصحابه له واستنفر أصحاب الكرخ وصاروا إلى دار القاضي أبي محمد الأكفاني والشيخ أبي حامد الأسفراييني، وجرت فتنة عظيمة طويلة، وأحضرت الشيعة مصحفا ذكروا أنه مصحف عبد الله بن مسعود، وهو مخالف للمصاحف كلها، فجمع الاشراف والقضاة والفقهاء في يوم جمعة لليلة بقيت من رجب، وعرض المصحف عليهم فأشار الشيخ أبو حامد الأسفراييني والفقهاء بتحريقه، ففعل ذلك بمحضر منهم، فغضب الشيعة من ذلك غضبا شديدا، وجعلوا يدعون ليلة النصف من شعبان على من فعل ذلك ويسبونه، وقصد جماعة من أحداثهم دار الشيخ أبي حامد ليؤذوه فانتقل منها إلى دار القطن، وصاحوا يا حاكم يا منصور، وبلغ ذلك الخليفة فغضب وبعث أعوانه لنصرة أهل السنة، فحرقت دور كثيرة من دور الشيعة، وجرت خطوب شديدة، وبعث عميد الجيوش إلى بغداد لينفي عنها ابن المعلم فقيه الشيعة، فأخرج منها ثم شفع فيه، ومنعت القصاص من التعرض للذكر والسؤال باسم الشيخين، وعلي ﵃، وعاد الشيخ أبو حامد إلى داره على عادته. وفي شعبان منها زلزلت الدينور زلزالا شديدا، وسقطت منها دور كثيرة، وهلك للناس شئ كثير من الأثاث والأمتعة، وهبت ريح سوداء بدقوقي وتكريت وشيراز، فأتلفت كثيرا من المنازل والنخيل والزيتون، وقتلت خلقا كثيرا، وسقط بعض شيراز ووقعت رجفة بشيراز غرق بسببها مراكب كثيرة في البحر. ووقع بواسط برد زنة الواحدة مائة درهم وستة دراهم، ووقع ببغداد في رمضان - وذلك في أيار - مطر عظيم سالت منه المزاريب. تخريب قمامة في هذه السنة وفيها أمر الحاكم بتخريب قمامة وهي كنيسة النصارى ببيت المقدس، وأباح للعامة ما فيها من الأموال والأمتعة وغير ذلك (١)، وكان سبب ذلك البهتان الذي يتعاطاه النصارى في يوم الفصح من

стр. 4368

النار التي يحتالون بها، وهي التي يوهمون جهلتهم أنها نزلت من السماء، وإنما هي مصنوعة بدهن البلسان في خيوط الإبريسم، والرقاع المدهونة بالكبريت وغيره، بالصنعة اللطيفة التي تروج على الطغام منهم والعوام، وهم إلى الآن يستعملونها في ذلك المكان بعينه. وكذلك هدم في هذه السنة عدة كنائس ببلاد مصر، ونودي في النصارى: من أحب الدخول في دين الاسلام دخل ومن لا يدخل فليرجع إلى بلاد الروم آمنا، ومن أقام منهم على دينه فليلتزم بما يشرط عليهم من الشروط التي زادها الحاكم على العمرية، من تعليق الصلبان على صدورهم، وأن يكون الصليب من خشب زنته أربعة أرطال، وعلى اليهود تعليق رأس العجل زنته ستة أرطال. وفي الحمام يكون في عنق الواحد منهم قربة زنة خمسة أرطال، بأجراس، وأن لا يركبوا خيلا. ثم بعد هذا كله أمر بإعادة بناء الكنائس التي هدمها وأذن لمن أسلم منهم في الارتداد إلى دينه. وقال ننزه مساجدنا أن يدخلها من لا نية له، ولا يعرف باطنه، قبحه الله. وممن توفي فيها من الأعيان .. أبو محمد الباجي سبق ذكره، اسمه عبد الله بن محمد الباجي البخاري الخوارزمي، أحد أئمة الشافعية، تفقه على أبي القاسم الداركي ودرس مكانه، وله معرفة جيدة بالأدب والفصاحة والشعر، جاء مرة ليزور بعض أصحابه فلم يجده في المنزل فكتب هذه الأبيات: قد حضرنا وليس نقضي التلاقي … نسأل الله خير هذا الفراق إن تغب لم أغب وإن لم تغب … غبت كأن افتراقنا باتفاق توفي في محرم هذه السنة، وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية. عبد الله بن أحمد ابن علي بن الحسين، أبو القاسم المعروف بالصيدلاني (١)، وهو آخر من حدث عن ابن صاعد من الثقات، وروى عنه الأزهري، وكان ثقة مأمونا صالحا. توفي في رجب من هذه السنة وقد جاوز التسعين. الببغاء الشاعر عبد الواحد بن نصر بن محمد، أبو الفرج المخزومي، الملقب بالببغاء، توفي في شعبان من

стр. 4369

هذه السنة، وكان أديبا فاضلا مترسلا شاعرا مطبقا، فمن ذلك قوله: يامن تشابه منه الخلق والخلق … فما تسافر إلا نحوه الحدق فورد (١) دمعي من خديك مختلس … وسقم جسمي من جفنيك مسترق لم يبق لي رمق أشكو هواك به … وإنما يتشكى من به رمق محمد بن يحيى أبو عبد الله الجرجاني، أحد العلماء الزهاد العباد، المناظرين لأبي بكر الرازي، وكان يدرس في قطيعة الربيع، وقد فلج في آخر عمره، وحين مات دفن مع أبي حنيفة. بديع الزمان صاحب المقامات، أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد. أبو الفضل الهمذاني، الحافظ المعروف ببديع الزمان، صاحب الرسائل الرائقة، والمقامات الفائقة، وعلى منواله نسج الحريري، واقتفى أثره وشكر تقدمه، واعترف بفضله، وقد كان أخذ اللغة عن ابن فارس، ثم برز، وكان أحد الفضلاء الفصحاء، ويقال إنه سم وأخذه سكتة، فدفن سريعا. ثم عاش في قبره وسمعوا صراخه فنبشوا عنه فإذا هو قد مات وهو آخذ على لحيته من هول القبر، وذلك يوم الجمعة الحادي عشر من جمادى الآخرة منها، رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثلاثمائة فيها قتل علي بن ثمال نائب الرحبة من طرف الحاكم العبيدي، قتله عيسى بن خلاط العقيلي، وملكها، فأخرجه منها عباس (٢) بن مرداس صاحب حلب وملكها، وفيها صرف عمرو بن عبد الواحد عن قضاء البصرة ووليه أبو الحسن بن أبي الشوارب، فذهب الناس يهنون هذا ويعزون هذا، فقال في ذلك العصفري: عندي حديث ظريف … بمثله يتغنى من قاضيين يعزى … هذا وهذا يهنا فذا يقول أكرهوني … وذا يقول استرحنا

стр. 4370

ويكذبان جميعا … ومن يصدق منا؟ وفي شعبان من هذه السنة عصفت ريح شديدة فألقت وحلا أحمر في طرقات بغداد. فيها هبت على الحجاج ريح سوداء مظلمة واعترضهم الاعراب فصدوهم عن السبيل، واعتاقوهم حتى فاتهم الحج فرجعوا، وأخذت بنو هلال طائفة من حجاج البصرة نحوا من ستمائة واحد، وأخذوا منهم نحوا من ألف ألف دينار، وكانت الخطبة فيها للمصريين. وممن توفي فيها من الأعيان … عبد الله بن بكر بن محمد بن الحسين أبو أحمد الطبراني، سمع بمكة وبغداد وغيرهما من البلاد، وكان مكرما، سمع منه الدارقطني وعبد الغني بن سعيد ثم أقام بالشام بالقرب من جبل عند بانياس يعبد الله تعالى إلى أن مات في ربيع الأول منها. محمد بن علي بن الحسين أبو مسلم كاتب الوزير بن خنزابة، روى عن البغوي وابن صاعد وابن دريد وابن أبي داود وابن عرفة وابن مجاهد وغيرهم، وكان آخر من بقي من أصحاب البغوي، وكان من أهل العلم والحديث والمعرفة والفهم، وقد تكلم بعضهم في روايته عن البغوي لان أصله كان غالبا مفسودا. وذكر الصوري أنه خلط في آخر عمره. أبو الحسن علي بن أبي سعيد عبد الواحد (١) بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، صاحب كتاب الزيج الحاكمي في أربع مجلدات، كان أبوه من كبار المحدثين الحفاظ، وقد وضع لمصر تاريخا نافعا يرجع العلماء إليه فيه، وأما هذا فإنه اشتغل في علم النجوم فنال من شأنه منالا جيدا، وكان شديد الاعتناء بعلم الرصد وكان مع هذا مغفلا سئ الحال، رث الثياب، طويلا يتعمم على طرطور طويل ويتطيلس فوقه، ويركب حمارا فمن رآه ضحك منه، وكان يدخل عل الحاكم فيكرمه ويذكر من تغفله ما يدل على اعتنائه بأمر نفسه، وكان شاهدا معدلا، وله شعر جيد، فمنه ما ذكره ابن خلكان:

стр. 4371

أحمل نشر الريح عند هبوبه … رسالة مشتاق إلى (١) حبيبه بنفسي من تحيا النفوس بريقه … ومن طابت الدنيا وبطيبه يجدد وجدي طائف منه في الكرا … سرى موهنا في جفنه من رقيبه لعمري لقد عطلت كأسي بعده … وغيبتها عني لطول مغيبه تمني أم أمير المؤمنين القادر بالله مولاة عبد الواحد بن المقتدر، كانت من العابدات الصالحات، ومن أهل الفضل والدين توفيت ليلة الخميس الثاني والعشرين من شعبان منها، وصلى عليها ابنها القادر، وحملت بعد العشاء إلى الرصافة. ثم دخلت سنة أربعمائة من الهجرة في ربيع الآخر نقصت دجلة نقصا كثيرا، حتى ظهرت جزائر لم تغرق، وامتنع سير السفن في أعاليها من أذنة (٢) والراشدية، فأمر بكري تلك الأماكن، وفيها كمل السور على مشهد أمير المؤمنين علي ﵇ الذي بناه أبو إسحاق الأرجاني، وذلك أن أبا محمد بن سهلان مرض فنذر إن عوفي ليبنينه فعوفي،. وفي رمضان أرجف الناس بالخلفية القادر بالله بأنه مات فجلس للناس يوم جمعة بعد الصلاة وعليه البردة وبيده القضيب، وجاء الشيخ أبو حامد الأسفراييني فقبل الأرض بين يديه وقرأ (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم) الآيات [الأحزاب: ٦٠] فتباكى الناس ودعوا وانصرفوا وهم فراحا. وفيها ورد الخبر بأن الحاكم أنفذ إلى دار جعفر بن محمد الصادق بالمدينة فأخذ منها مصحفا وآلات كانت بها، وهذه الدار لم تفتح بعد موت صاحبها إلى هذا الآن، وكان مع المصحف قعب خشب مطوق بحديد ودرقة خيزران وحربة وسرير، حمل ذلك كله جماعة من العلويين إلى الديار المصرية، فأطلق لهم الحاكم أنعاما كثيرة ونفقات زائدة، ورد السرير وأخذ الباقي، وقال: أنا أحق به. فردوا وهم ذاموا له داعون عليه وبنى الحاكم فيها دارا للعلم وأجلس فيها الفقهاء، ثم بعد ثلاث سنين هدمها وقتل خلقا كثيرا ممن كان فيها من الفقهاء والمحدثين وأهل الخير. وفيها عمر الجامع المنسوب إليه بمصر وهو جامع الحاكم، وتأنق في بنائه. وفي ذي الحجة منها أعيد المؤيد هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الأموي إلى ملكه بعد خلعه وحبسه مدة طويلة، وكانت الخطبة بالحرمين للحاكم صاحب مصر والشام. وممن توفي فيها من الأعيان …

стр. 4372

أبو أحمد الموسوي النقيب الحسين (١) بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الموسوي، والد الرضي والمرتضى، ولي نقابة الطالبيين مرات نحوا من خمس مرات، يعزل ويعاد، ثم أخر في آخر عمره، وتوفي عن سبع وتسعين سنة، وصلى عليه ابنه المرتضى، ودفن في مشهد الحسين. وقد رثاه ابنه المرتضى في قصيدة حسنة قوية المنزع والمطلع فمنها: سلام الله تنقله الليالي … وتهديه الغدو إلى الرواح على جدث حسيب من لؤي … لينبوع العبادة والصلاح فتى لم يرو إلا من حلال … ولم يك زاده إلا المباح ولا دنست له أزر لزور … ولا علقت له راح براح خفيف الظهر من ثقل الخطايا … وعريان الجوارح من جناح مشوق في الأمور إلى علاها … ومدلول على باب النجاح من القوم الذين لهم قلوب … بذكر الله عامرة النواحي بأجسام من التقوى مراض … لنصرتها وأديان صحاح الحجاج بن هرمز أبو جعفر نائبها بهاء الدولة على العراق، وكان تليده لقتال الاعراب والأكراد، وكان من المقدمين في أيام عضد الدولة، وكانت له خبرة تامة بالحرب، وحزمة شديدة، وشجاعة تامة وافرة، وهمة عالية وآراء سديدة، ولما خرج من بغداد في سنة ثنتين وسبعين وثلاثمائة كثرت بها الفتن. توفي بالأهواز عن مائة سنة وخمس سنين. ﵀. أبو عبد الله القمي المصري التاجر كان ذا مال جزيل جدا، اشتملت تركته على أزيد من ألف ألف دينار، من سائر أنواع المال. توفي بأرضي الحجاز ودفن بالمدينة النبوية عند قبر الحسن بن علي، ﵃. أبو الحسين بن الرفا المقري تقدم ذكره وقراءته على كبير الاعراب في سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن وأحلاهم أداء ﵀.

стр. 4373

ثم دخلت سنة إحدى وأربعمائة في يوم الجمعة الرابع من المحرم منها خطب بالموصل للحاكم العبيدي عن أمر صاحبها قرواش بن مقلد أبي منيع، وذلك لقهره رعيته، وقد سرد ابن الجوزي صفة الخطبة بحروفها. وفي آخر الخطبة صلوا على آبائه المهدي ثم ابنه القائم ثم المنصور، ثم ابنه المعز، ثم ابنه العزيز، ثم ابنه الحاكم صاحب الوقت، وبالغوا في الدعاء لهم، ولا سيما للحاكم، وكذلك تبعته أعمالها من الأنبار والمدائن وغيرها. وكان سبب ذلك أن الحاكم ترددت مكاتباته ورسله وهداياه إلى قرواش يستمليه إليه، وليقبل بوجهه عليه، حتى فعل ما فعل من الخطبة وغيرها، فلما بلغ الخبر القادر بالله العباسي كتب يعاتب قرواش على ما صنع، ونفذ بهاء الدولة إلى عميد الجيوش بمائة ألف دينار لمحاربة قرواش. فلما بلغ قرواشا رجع عن رأيه وندم على ما كان منه، وأمر بقطع الخطبة للحاكم من بلاده، وخطب للقادر على عادته. قال ابن الجوزي: ولخمس بقين من رجب زادت دجلة زيادة كثيرة واستمرت الزيادة إلى رمضان، وبلغت أحدا وعشرين ذراعا وثلثا (١)، ودخل إلى أكثر دور بغداد. وفيها رجع الوزير أبو خلف إلى بغداد ولقب فخر الملك بعميد الجيوش. وفيها عصى أبو الفتح الحسن بن جعفر العلوي ودعا إلى نفسه وتلقب بالراشد بالله. ولم يحج فيها أحد من أهل العراق والخطبة للحاكم. وممن توفي فيها من الأعيان أبو مسعود صاحب الأطراف. إبراهيم بن محمد بن عبيد أبو مسعود الدمشقي الحافظ الكبير، مصنف كتاب الأطراف على الصحيحين، رحل إلى بلاد شتى كبغداد والبصرة والكوفة وواسط وأصبهان وخراسان، وكان من الحفاظ الصادقين، والامناء الضابطين، ولم يرو إلا اليسير، روى عنه أبو القاسم وأبو ذر الهروي، وحمزة السهمي، وغيرهم. توفي ببغداد في رجب وأوصى إلى أبي حامد الأسفراييني فصلى عليه، ودفن في مقبرة جامع المنصور قريبا من السكك. وقد ترجمه ابن عساكر وأثنى عليه. عميد الجيوش الوزير الحسن بن أبي جعفر أستاذ هرمز، ولد سنة خمسين وثلاثمائة، وكان أبوه من حجاب عضد الدولة، وولاه بهاء الدولة وزارته سنة ثنتين وتسعين، والشرور كثيرة منتشرة، فمهد البلاد وأخاف العيارين واستقامت به الأمور، وأمر بعض غلمانه أن يحمل صينية فيها دراهم مكشوفة من أول بغداد

стр. 4374

إلى آخرها وأن يدخل بها في جميع الأزقة، فإن اعترضه أحد فليدفعها إليه وليعرف ذلك المكان، فذهب الغلام فلم يعترضه أحد، فحمد الله وأثنى عليه، ومنع الروافض النياحة في يوم عاشوراء، وما يتعاطونه من الفرح في يوم ثامن عشر ذي الحجة الذي يقال له عيد غدير خم، وكان عادلا مصنفا. خلف الواسطي صاحب الأطراف أيضا، خلف بن محمد بن علي بن حمدون، أبو محمد الواسطي، رحل إلى البلاد وسمع الكثير ثم عاد إلى بغداد، ثم رحل إلى الشام ومصر، وكتب الناس عنه بانتخابه، وصنف أطرافا على الصحيحين، وكانت له معرفة تامة، وحفظ جيد، ثم عاد إلى بغداد واشتغل بالتجارة وترك النظر في العلم حتى توفي في هذه السنة سامحه الله. روى عنه الأزهري. أبو عبيد الهروي (١) صاحب الغريبين، أحمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي أبو عبيد الهروي اللغوي البارع، كان من علماء الناس في الأدب واللغة، وكتاب الغريبين، في معرفة غريب القرآن والحديث، يدل على اطلاعه وتبحره في هذا الشأن، وكان من تلامذة أبي منصور الأزهري. قال ابن خلكان: وقيل كان يحب التنزه (٢) ويتناول في خلوته ما لا يجوز، ويعاشر أهل الأدب في مجلس اللذة والطرب، والله أعلم. سامحه الله. قال: وكانت وفاته في رجب سنة إحدى وأربعمائة، وذكر أبن خلكان أن في هذه السنة أو التي قبلها كان وفاة البستي الشاعر وهو: علي بن محمد بن الحسين بن يوسف الكاتب صاحب الطريقة الأنيقة والتجنيس الأنيس، البديع التأسيس، والحذاقة والنظم والنثر، وقد ذكرناه، ومما أورد له ابن خلكان قوله: من أصلح فاسده أرغم حاسده، ومن أطاع غضبه أضاع أدبه. من سعادة جدك وقوفك عند حدك. المنية تضحك من الأمنية. الرشوة رشا الحاجات، حد العفاف الرضى بالكفاف ومن شعره: إن هز أقلامه يوما لعملها … أنساك كل كمي هز عامله

стр. 4375

وإن أمر على رق أنامله … أقر بالرق كتاب الأنام له وله: إذا تحدثت في قوم لتؤنسهم … بما تحدث من ماض ومن آت فلا تعد لحديث إن طبعهم … موكل بمعاداة المعادات ثم دخلت سنة ثنتين وأربعمائة في المحرم منها أذن فخر الملك الوزير للروافض أن يعلموا بدعتهم الشنعاء، والفضيحة الصلعاء، من الانتحاب والنوح والبكاء، وتعليق المسوح وأن تغلق الأسواق من الصباح إلى المساء، وأن تدور النساء حاسرات عن وجوههن ورؤوسهن، يلطمن خدودهن، كفعل الجاهلية الجهلاء، على الحسين بن علي، فلا جزاه الله خيرا، وسود الله وجهه يوم الجزاء، إنه سميع الدعاء. وفي ربيع الآخر أمر القادر بعمارة مسجد الكف بقطيعة الدقيق، وأن يعاد إلى أحسن ما كان، ففعل ذلك وزخرف زخرفة عظيمة جدا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. الطعن من أئمة بغداد وعلمائهم في نسب الفاطميين وفي ربيع الآخر منها كتب هؤلاء ببغداد محاضر تتضمن الطعن والقدح في نسب الفاطميين وهم ملوك مصر وليسوا كذلك، وإنما نسبهم إلى عبيد بن سعد الجرمي، وكتب في ذلك جماعة من العلماء والقضاة والأشراف والعدول، والصالحين والفقهاء، والمحدثين، وشهدوا جميعا أن الحاكم بمصر هو منصور بن نزار الملقب بالحاكم، حكم الله عليه بالبوار والخزي والدمار، ابن معد بن إسماعيل بن عبد الله (١) بن سعيد، لا أسعده الله، فإن لما صار إلى بلاد المغرب تسمى بعبيد الله، وتلقب بالمهدي، وأن من تقدم من سلفه أدعياء خوارج، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب، ولا يتعلقون بسبب وأنه منزه عن باطلهم، وأن الذي ادعوه إليه باطل وزور، وأنهم لا يعلمون أحدا من أهل بيوتات علي بن أبي طالب توقف عن إطلاق القول في أنهم خوارج كذبة، وقد كان هذا الانكار لباطلهم شائعا في الحرمين، وفي أول أمرهم بالمغرب منتشرا انتشارا يمنع أن يدلس أمرهم على أحد، أو يذهب وهم إلى تصديقهم فيما ادعوه، وأن هذا الحاكم بمصر هو وسلفه كفار فساق فجار، ملحدون زنادقة، معطلون، وللاسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية والثنوية معتقدون، قد عطلوا الحدود وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمر وسفكوا الدماء، وسبوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية. وكتب في سنة اثنتين وأربعمائة، وقد كتب خطه في المحضر خلق كثير، فمن العلويين: المرتضى والرضي وابن الأزرق الموسوي، وأبو طاهر بن أبي الطيب، ومحمد بن محمد بن عمرو بن

стр. 4376

أبي يعلى. ومن القضاة أبو محمد بن الأكفاني وأبو القاسم الجزري (١)، وأبو العباس بن الشيوري (٢). ومن الفقهاء أبو حامد الأسفراييني وأبو محمد بن الكسفلي (٣)، وأبو الحسن القدوري، وأبو عبد الله الصيمري، وأبو عبد الله البيضاوي، وأبو علي بن حمكان. ومن الشهود أبو القاسم التنوخي في كثير منهم، وكتب فيه خلق كثير. هذه عبارة أبي الفرج بن الجوزي. قلت: ومما يدل على أن هؤلاء أدعياء كذبة، كما ذكر هؤلاء السادة العلماء، والأئمة الفضلاء، وأنهم لا نسب لهم إلى علي بن أبي طالب، ولا إلى فاطمة كما يزعمون، قول ابن عمر للحسين بن علي حين أراد الذهاب إلى العراق، وذلك حين كتب عوام أهل الكوفة بالبيعة إليه فقال له ابن عمر: لا تذهب إليهم فإني أخاف عليك أن تقتل، وإن جدك قد خير بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة على الدنيا، وأنت بضعة منه، وإنه والله لا تنالها لا أنت ولا أحد من خلفك ولا من أهل بيتك. فهذا الكلام الحسن الصحيح المتوجه المعقول، من هذا الصحابي الجليل، يقتضي أنه لا يلي الخلافة أحد من أهل البيت إلا محمد بن عبد الله المهدي الذي يكون في آخر الزمان عند نزول عيسى بن مريم، رغبة بهم عن الدنيا، وأن لا يدنسوا بها. ومعلوم أن هؤلاء قد ملكوا ديار مصر مدة طويلة، فدل ذلك دلالة قوية ظاهرة على أنهم ليسوا من أهل البيت، كما نص عليه سادة الفقهاء. وقد صنف القاضي الباقلاني كتابا في الرد على هؤلاء وسماه " كشف الاسرار وهتك الأستار " بين فيه فضائحهم وقبائحهم، ووضح أمرهم لكل أحد، ووضوح أمرهم ينبئ عن مطاوي أفعالهم، وأقوالهم، وقد كان الباقلاني يقول في عبارته عنهم، هم قوم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض. والله سبحانه أعلم. وفي رجب وشعبان ورمضان أجرى الوزير فخر الملك صدقات كثيرة على الفقراء والمساكين والمقيمين بالمشاهد والمساجد وغير ذلك، وزار بنفسه المساجد والمشاهد، وأخرج خلقا من المحبوسين وأظهر نسكا كثيرا، وعمر دارا عظيمة عند سوق الدقيق. وفي شوال عصفت ريح شديدة فقصفت كثيرا من النخل وغيره، أكثر من عشرة آلاف نخلة، وورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سبكتكين صاحب غزنة بأنه ركب بجيشه إلى أرض العدو فجازوا بمفازة فأعوزهم الماء حتى كادوا يهلكون عن آخرهم عطشا، فبعث الله لهم سحابة فأمطرت عليهم حتى شربوا وسقوا واستقوا، ثم تواقفوا هم وعدوهم، ومع عدوهم نحو من ستمائة قيل، فهزموا العدول وغنموا شيئا كثيرا من الأموال ولله الحمد. وفيها عملت الشيعة بدعتهم التي كانوا يعملونها يوم غدير خم، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، وزينت الحوانيت وتمكنوا بسبب الوزير وكثير من الأتراك تمكنا كثيرا.

стр. 4377

وفيها توفي من الأعيان .. الحسن بن الحسن بن علي بن العباس ابن نوبخت أبو محمد النوبختي، ولد سنة عشرين وثلاثمائة، وروى عن المحاملي وغيره، وعنه البرقاني وقال كان شيعيا معتزليا، إلا أنه تبين لي أنه كان صدوقا، وروى عنه الأزهري وقال: كان رافضيا، ردئ المذهب. وقال العقيقي: كان فقيرا في الحديث، ويذهب إلى الاعتزال والله أعلم. عثمان بن عيسى: أبو عمرو الباقلاني (١) أحد الزهاد الكبار المشهورين، كانت له نخلات يأكل منها ويعمل بيده في البواري، ويأكل من ذلك، وكان في غاية الزهادة والعبادة الكثيرة، وكان لا يخرج من مسجده إلا من يوم الجمعة إلى يوم الجمعة، لأجل صلاة الجمعة ثم يعود إلى مسجده، وكان لا يجد شيئا يشعله في مسجده، فسأله بعض الأمراء أن يقبل شيئا ولو زيتا يشعله في قناديل مسجده، فأبى الشيخ ذلك، ولهذا وأمثاله لما مات رأى بعضهم بعض الأموات من جيرانه في القبور فسأله عن جواره فقال: وأين هو، لما مات ووضع في قبره سمعنا قائلا يقول: إلى الفردوس الاعلى، إلى الفردوس الاعلى. أو كما قال. توفي في رجب (٢) منها عن ست (٣) وثمانين سنة. محمد بن جعفر بن محمد ابن هارون بن فروة بن ناجية، أبو الحسن (٤) النحوي، المعروف بابن النجار التميمي الكوفي، قدم بغداد وروى عن ابن دريد والصولي ونفطويه وغيرهم، توفي في جمادى الأولى منها عن سبع وسبعين سنة. أبو الطيب سهل بن محمد الصعلوكي النيسابوري، قال أبو يعلى الخليلي: توفي فيها، وقد ترجمناه في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.

стр. 4378

ثم دخلت سنة ثلاث وأربعمائة في سادس عشر محرمها قلد الشريف الرضي أبو الحسن الموسوي نقابة الطالبيين في سائر الممالك وقرئ تقليده في دار الوزير فخر الملك، بمحضر الأعيان، وخلع عليه السواد، وهو أول طالبي خلع عليه السواد. وفيها جئ بأمير بني خفاجة (١) أبو قلنبة قبحه الله وجماعة من رؤس قومه أسارى، وكانوا قد اعترضوا للحجاج في السنة التي قبلها وهم راجعون، وغوروا المناهل التي يردها الحجاج، ووضعوا فيها الحنظل بحيث إنه مات من الحجاج من العطش نحو من خمسة عشر ألفا، وأخذوا بقيتهم فجعلوهم رعاة لدوابهم في أسوأ حال، وأخذوا جميع ما كان معهم، فحين حضروا عند دار الوزير سجنهم ومنعهم الماء، ثم صلبهم يرون صفاء الماء ولا يقدرون على شئ منه، حتى ماتوا عطشا جزاء وفاقا، وقد أحسن في هذا الصنع اقتداء بحديث أنس في الصحيحين. ثم بعث إلى أولئك الذين اعتقلوا في بلاد بني خفاجة من الحجاج فجئ بهم، وقد تزوجت نساؤهم وقسمت أموالهم، فردوا إلى أهاليهم وأموالهم. قال ابن الجوزي: وفي رمضان منها انقض كوكب من المشرق إلى المغرب عليه ضوء على ضوء القمر، وتقطع قطعا وبقي ساعة طويلة. قال: وفي شوال توفيت زوجة بعض رؤساء النصارى، فخرجت النوائح والصلبان معها جهارا، فأنكر ذلك بعض الهاشميين فضربه بعض غلمان ذلك الرئيس النصراني بدبوس في رأسه فشجه، فثار المسلمون بهم فانهزموا حتى لجأوا إلى كنيسة لهم هناك، فدخلت العامة إليها فنهبوا ما فيها، وما قرب منها من دور النصارى، وتتبعوا النصارى في البلد، وقصدوا الناصح وابن أبي إسرائيل فقاتلهم غلمانهم، وانتشرت الفتنة ببغداد، ورفع المسلمون المصاحف في الأسواق، وعطلت الجمع في بعض الأيام، واستعانوا بالخليفة، فأمر بإحضار ابن أبي إسرائيل فامتنع، فعزم الخليفة على الخروج من بغداد، وقويت الفتنة جدا ونهبت دور كثير من النصارى، ثم أحضر ابن أبي إسرائيل فبذل أموالا جزيلة، فعفى عنه وسكنت الفتنة. وفي ذي القعدة ورد كتاب يمين الدولة محمود إلى الخليفة يذكر أنه ورد إليه رسول من الحاكم صاحب مصر ومعه كتاب يدعوه إلى طاعته فبصق فيه وأمر بتحريقه، وأسمع رسوله غليظ ما يقال. وفيها ما قلد أبو نصر بن مروان الكردي آمد وميافارقين وديار بكر، وخلع عليه طوق وسواران، ولقب بناصر الدولة، ولم يتمكن ركب العراق وخراسان من الذهاب إلى الحج لفساد الطريق، وغيبة فخر الملك في إصلاح الأراضي. وفيها عادت مملكة الأمويين ببلاد الأندلس فتولى فيها سليمان بن الحكم (٢) بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر الأموي، ولقب بالمستعين بالله، وبايعه الناس بقرطبة. وفيها مات بهاء الدولة بن بويه الديلمي صاحب بغداد وغيرها، وقام بالامر من بعده ولده سلطان الدولة أبو شجاع. وفيها

стр. 4379

مات ملك الترك الأعظم واسمه إيلك الخان، وتولى مكانه أخوه طغان خان. وفيها هلك شمس المعالي قابوس بن وشمكير، أدخل بيتا باردا في الشتاء وليس عليه ثياب حتى مات كذلك، وولي الامر من بعده منوجهر، ولقب فلك المعالي، وخطب لمحمود بن سبكتكين، وقد كان شمس المعالي قابوس عالما فاضلا أديبا شاعرا، فمن شعره قوله: قل للذي بصروف الدهر عيرنا … عل عاند الدهر إلا من له خطر أما ترى البحر يطوف فوقه جيف … ويستقر بأقصى قعره الدرر فإن تكن نشبت أيدي الخطوب بنا … ومسنا من توالي صرفها ضرر ففي السماء نجوم غير ذي عدد (١) … وليس يكسف الا الشمس والقمر ومن مستجاد شعره قوله: خطرات ذكرك تستثير مودتي … فأحس منها في الفؤاد دبيبا لا عضو لي إلا وفيه صبابة … وكأن أعضائي خلقن قلوبا وفيها توفي من الأعيان .. أحمد بن علي أبو الحسن الليثي كان يكتب للقادر وهو بالبطيحة، ثم كتب له على ديوان الخراج والبريد، وكان يحفظ القرآن حفظا حسنا، مليح الصوت والتلاوة، حسن المجالسة، ظريف المعاني، كثير الضحك والمجانة، خرج في بعض الأيام هو والشريفان الرضي والمرتضى وجماعة من الأكابر لتلقي بعض الملوك، فخرج بعض اللصوص فجعلوا يرمونهم بالحراقات ويقولون: يا أزواج القحاب. فقال الليثي: ما خرج هؤلاء علينا إلا بعين، فقالوا: ومن أين علمت هذا؟ فقال: وإلا من أين علموا أنا أزواج قحاب. الحسن بن حامد بن علي بن مروان الوراق الحنبلي، كان مدرس أصحاب أحمد وفقيههم في زمانه، وله المصنفات المشهورة، منها كتاب الجامع في اختلاف العلماء في أربعمائة جزء، وله في أصول الفقه والدين، وعليه اشتغل أبو يعلى بن الفراء، وكان معظما في النفوس، مقدما عند السلطان، وكان لا يأكل إلا من كسب يديه من النسج، وروى الحديث عن أبي بكر الشافعي، وابن مالك القطيعي، وغيرهما، وخرج في هذه السنة إلى الحج فلما عطش الناس في الطريق استند هو إلى حجر في الحر الشديد، فجاءه رجل

стр. 4380

بقليل من ماء فقال له ابن حامد: من أين لك؟ فقال: ما هذا وقت سؤالك اشرب، فقال: بلى هذا وقته عند لقاء الله ، فلم يشرب ومات من فوره ﵀. الحسين بن الحسن ابن محمد بن حليم، أبو عبد الله الحليمي، صاحب المنهاج في أصول الديانة، كان أحد مشايخ الشافعية، ولد بجرجان وحمل إلى بخارى، وسمع الحديث الكثير حتى انتهت إليه رياسة المحدثين في عصره، وولي القضاء ببخارى. قال ابن خلكان: انتهت إليه الرياسة فيما وراء النهر، وله وجوه حسنة في المذهب، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله. فيروز أبو نصر الملقب ببهاء الدولة بن عضد الدولة الديلمي، صاحب بغداد وغيرها، وهو الذي قبض على الطائع وولى القادر، وكان يحب المصادرات فجمع من الأموال ما لم يجمعه أحد قبله من بني بويه، وكان بخيلا جدا - توفي بأرجان في جمادى الآخرة منها عن ثنتين وأربعين سنة وثلاث أشهر (١)، وكان مرضه بالصرع، ودفن بالمشهد إلى جانب أبيه. قابوس بن وشمكير كان أهل دولته قد تغيروا عليه فبايعوا ابنه منوجهر وقتلوه كما ذكرنا، وكان قد نظر في النجوم فرأى أن ولده يقتله، وكان يتوهم أنه ولده دارا، لما يرى من مخالفته له، ولا يخطر بباله منوجهر لما يرى من طاعته له، فكان هلاكه على يد منوجهر، وقد قدمنا شيئا من شعره في الحوادث. القاضي أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب أبو بكر الباقلاني، رأس المتكلمين على مذهب الشافعي، وهو من أكثر الناس كلاما وتصنيفا في الكلام، يقال إنه كان لا ينام كل ليلة حتى يكتب عشرين ورقة من مدة طويلة من عمره، فانتشرت عنه تصانيف كثيرة، منها التبصرة، ودقائق الحقائق، والتمهيد في أصوله الفقه، وشرح الإبانة، وغير ذلك من المجاميع الكبار والصغار، ومن أحسنها كتابه في الرد على الباطنية، الذي سماه: " كشف الاسرار وهتك الأستار "، وقد اختلفوا في مذهبه في الفروع: فقيل شافعي وقيل مالكي، حكى ذلك عنه أبو ذر الهروي، وقيل إنه كان يكتب على الفتاوى: كتبه محمد بن
следующие страницы →