← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

وفيها توفي من الأعيان قاضي القضاة ابن أبي الشوارب. أحمد بن محمد بن عبد الله ابن العباس بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، أبو الحسن القرشي الأموي، قاضي قضاة بغداد بعد ابن الأكفاني بثنتي عشرة سنة، وكان عفيفا نزها، وقد سمع الحديث من أبي عمر الزاهد وعبد الباقي بن قانع، إلا أنه لم يحدث. قاله ابن الجوزي: وحكى الخطيب عن شيخه أبي العلاء الواسطي: أن أبا الحسن هذا آخر من ولي الحكم ببغداد، من سلالة محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب وقد ولي الحكم من سلالته أربعة وعشرون، منهم ولوا قضاء قضاة بغداد (١) قال أبو العلاء: ما رأينا مثل أبي الحسن هذا، جلالة ونزاهة وصيانة وشرفا. وقد ذكر القاضي الماوردي: أنه كان له صديقا وصاحبا، وأن رجلا من خيار الناس أوصى له بمائتي دينار، فحملها إليه الماوردي فأبى القاضي أن يقبلها، وجهد عليه كل الجهد فلم يفعل، وقال له: سألتك بالله لا تذكرن هذا لاحد ما دمت حيا، ففعل الماوردي، فلم يخبر عنه إلا بعد موته، وكان ابن أبي الشوارب فقيرا إليها، وإلى ما هو دونها فلم يقبلها ﵀. توفي في شوال منها. جعفر بن أبان أبو مسلم الختلي سمع ابن بطة ودرس فقه الشافعي على الشيخ أبي حامد الأسفراييني، وكان ثقة دينا، توفي في رمضان منها. عمر بن أحمد بن عبدويه أبو حازم الهذلي النيسابوري، سمع ابن نجيد والإسماعيلي، وخلقا، وسمع منه الخطيب وغيره، وكان الناس ينتفعون بإفادته وانتخابه، توفي يوم عيد الفطر منها. علي بن أحمد بن عمر بن حفص أبو الحسن المقري المعروف بالحمامي، سمع النجاد والخلدي وابن السماك وغيرهم، وكان صدوقا فاضلا، حسن الاعتقاد، وتفرد بأسانيد القراءات وعلوها، توفي في شعبان منها عن تسع وثمانين سنة.

стр. 4412

صاعد بن الحسن ابن عيسى الربعي البغدادي، صاحب كتاب الفصوص في اللغة على طريقة القالي في الأمالي، صنفه للمنصور بن أبي عامر، فأجازه عليه خمسة آلاف دينار، ثم قيل له إنه كذاب متهم، فقال في ذلك بعض الشعراء: قد غاص في الماء كتاب الفصوص … وهكذا كل ثقيل يغوص فلما بلغ صاعدا هذا البيت أنشد: عاد إلى عنصره إنما … يخرج من قعر البحور الفصوص قلت: كأنه سمى هذا الكتاب بهذا الاسم ليشاكل به الصحاح للجوهري، لكنه كان مع فصاحته وبلاغته وعلمه متهما بالكذب، فلهذا رفض الناس كتابه، ولم يشتهر، وكان ظريفا ماجنا سريع الجواب، سأله رجل أعمى على سبيل التهكم فقال له: ما الحر تقل (١)؟ فأطرق ساعة وعرف أنه افتعل هذا من عند نفسه ثم رفع رأسه إليه فقال: هو الذي يأتي نساء العميان، ولا يتعداهن إلى غيرهن، فاستحى ذلك الأعمى وضحك الحاضرون. توفي في هذه السنة سامحه الله. القفال المروزي (٢) أحد أئمة الشافعية الكبار، علما وزهدا وحفظا وتصنيفا، وإليه تنسب الطريقة الخراسانية، ومن أصحابه الشيخ أبو محمد الجويني، والقاضي حسين، وأبو علي السبخي (٣)، قال ابن خلكان: وأخذ عنه إمام الحرمين (٤)، وفيما قاله نظر. لان سن إمام الحرمين لا يتحمل ذلك، فإن القفال هذا مات في هذه السنة وله تسعون سنة، ودفن بسجستان، وإمام الحرمين ولد سنة تسع عشرة وأربعمائة كما سيأتي، وإنما قيل له القفال لأنه كان أولا يعمل الأقفال، ولم يشتغل إلا وهو ابن ثلاثين سنة رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة ثمان عشرة وأربعمائة في ربيع الأول منها وقع برد أهلك شيئا كثيرا من الزروع والثمار، وقتل خلقا كثيرا من

стр. 4413

الدواب. قال ابن الجوزي: وقد قيل إنه كان في برده كل بردة رطلان وأكثر، وفي واسط بلغت البردة أرطالا، وفي بغداد بلغت قدر البيض. وفي ربيع الآخر سألت الاسفهلارية الغلمان الخليفة أن يعزل عنهم أبا كاليجار، لتهاونه بأمرهم، وفساده وفساد الأمور في أيامه، ويولي عليهم جلال الدولة، الذي كانوا قد عزلوه عنهم، فماطلهم الخليفة في ذلك وكتب إلى أبي كاليجار أن يتدارك أمره، وأن يسرع الأوبة إلى بغداد، قبل أن يفوت الامر. وألح أولئك على الخليفة في تولية جلال الدولة، وأقاموا له الخطبة ببغداد، وتفاقم الحال، وفسد النظام. وفيها ورد كتاب من محمود بن سبكتكين يذكر أنه دخل بلاد الهند أيضا، وأنه كسر الصنم الأعظم الذي لهم المسمى بسومنات، وقد كانوا يفدون إليه من كل فج عميق، كما يفد الناس إلى الكعبة البيت الحرام وأعظم، وينفقون عنده النفقات والأموال الكثيرة، التي لا توصف ولا تعد، وكان عليه من الأوقاف عشرة آلاف قرية، ومدينة مشهورة، وقد امتلأت خزائنه أموالا، وعنده ألف رجل يخدمونه، وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس حجيجه، وثلاثمائة رجل يغنون ويرقصون على بابه، لما يضرب على بابه الطبول والبوقات، وكان عنده من المجاورين ألوف يأكلون من أوقافه، وقد كان البعيد من الهنود يتمنى لو بلغ هذا الصنم، وكان يعوقه طول المفاوز وكثرة الموانع والآفات، ثم استخار الله السلطان محمود لما بلغه خبر هذا الصنم وعباده، وكثرة الهنود في طريقه، والمفاوز المهلكة، والأرض الخطرة، في تجشم ذلك في جيشه، وأن يقطع تلك الأهوال إليه، فندب جيشه لذلك فانتدب معه ثلاثون ألفا من المقاتلة، ممن أختارهم لذلك، سوى المتطوعة، فسلمهم الله حتى انتهوا إلى بلد هذا الوثن، ونزلوا بساحة عباده، فإذا هو بمكان بقدر المدينة العظيمة، قال: فما كان بأسرع من أن ملكناه وقتلنا من أهله خمسين ألفا وقلعنا هذا الوثن وأوقدنا تحته النار. وقد ذكر غير واحد أن الهنود بذلوا للسلطان محمود أموالا جزيلة ليترك لهم هذا الصنم الأعظم، فأشار من أشار من الامراء على السلطان محمود بأخذ الأموال وإبقاء هذا الصنم لهم، فقال: حتى أستخير الله ، فلما أصبح قال: إني فكرت في الامر الذي ذكر فرأيت أنه إذا نوديت يوم القيامة أين محمود الذي كسر الصنم؟ أحب إلى من أن يقال الذي ترك الصنم لأجل ما يناله من الدنيا، ثم عزم فكسره ﵀، فوجد عليه وفيه من الجواهر واللآلئ والذهب والجواهر النفيسة ما ينيف على ما بذلوه له بأضعاف مضاعفة، ونرجو من الله له في الآخرة الثواب الجزيل الذي مثقال دانق منه خير من الدنيا وما فيها، مع ما حصل له من الثناء الجميل الدنيوي، فرحمه الله وأكرم مثواه. وفي يوم السبت ثالث رمضان دخل جلال الدولة إلى بغداد فتلقاه الخليفة في دجلة في طيارة، ومعه الأكابر والامراء، فلما واجه جلال الدولة الخليفة قبل الأرض دفعات، ثم سار إلى دار الملك، وعاد الخليفة إلى داره، وأمر جلال الدولة أن يضرب له الطبل في أوقات الصلوات الثلاث، كما كان الامر في زمن عضد الدولة، وصمصامها وشرفها وبهائها، وكان الخليفة يضرب له الطبل في أوقات الخمس، فأراد جلال الدولة ذلك فقيل له يحمل هذه المساواة خليفة في ذلك، ثم صمم على ذلك في أوقات الخمس. قال ابن الجوزي: وفيها وقع برد شديد

стр. 4414

حتى جمد الماء والنبيذ وأبوال الدواب والمياه الكبار، وحافات دجلة، ولم يحج أحد من أهل العراق. وفيها توفي من الأعيان … أحمد بن محمد بن عبد الله ابن عبد الصمد بن المهتدي بالله، أبو عبد الله الشاهد، خطب له في جامع المنصور في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ولم يخطب له إلا بخطبة واحدة جمعات كثيرة متعددة، فكان إذا سمعها الناس منه ضجوا بالبكاء وخشعوا لصوته. الحسين بن علي بن الحسين أبو القاسم المغربي الوزير، ولد بمصر في ذي الحجة سنة سبعين (١) وثلاثمائة، وهرب منها حين قتل صاحبها الحاكم أباه وعمه محمدا، وقصد مكة ثم الشام، ووزر في عدة أماكن، وكان يقول الشعر الحسن، وقد تذاكر هو وبعض الصالحين فأنشده ذلك الصالح شعرا: إذا شئت أن تحيا غنيا فلا تكن … على حالة إلا رضيت بدونها فاعتزل المناصب والسلطان، فقال له بعض أصحابه: تركت المنازل والسلطان في عنفوان شبابك؟ فأنشأ يقول: كنت في سفر الجهل والبطالة … حينا (٢) فحان مني القدوم تبت من كل مأثم فعسى … يمحي بهذا الحديث ذاك القديم بعد خمس وأربعين (٣) تعدت … ألا إن الآله القديم كريم توفي بميافارقين في رمضان منها عن خمس (٤) وأربعين سنة، ودفن بمشهد علي. محمد بن الحسن بن إبراهيم أبو بكر الوراق، المعروف بابن الخفاف، روى عن القطيعي وغيره، وقد اتهموه بوضع الحديث والأسانيد، قاله الخطيب وغيره.

стр. 4415

أبو القاسم اللالكائي هبة الله بن الحسن بن منصور: الرازي، وهو طبري الأصل، أحد تلامذة الشيخ أبي حامد الأسفراييني، كان يفهم ويحفظ، وعني بالحديث فصنف فيه أشياء كثيرة، ولكن عاجلته المنية قبل أن تشتهر كتبه، وله كتاب في السنة وشرفها، وذكر طريقة السلف الصالح في ذلك، وقع لنا سماعه على الحجار عاليا عنه، توفي بالدينور في رمضان منها، ورآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قال بم؟ قال بشئ قليل من السنة أحييته. أبو القاسم بن أمير المؤمنين القادر توفي ليلة الأحد في جمادى الآخرة، وصلي عليه غير مرة، ومشى الناس في جنازته، وحزن عليه أبوه حزنا شديدا، وقطع الطبل أياما. ابن طباطبا الشريف (١) كان شاعرا، وله شعر حسن. أبو إسحاق وهو الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني إبراهيم بن محمد بن مهران. الشيخ أبو إسحاق الإمام العلامة، ركن الدين الفقيه الشافعي، المتكلم الأصولي، صاحب التصانيف في الأصلين جامع الحلي في مجلدات، والتعليقة النافعة في أصول الفقه، وغير ذلك، وقد سمع الكثير من الحديث من أبي بكر الإسماعيلي ودعلج وغيرهما، وأخذ عنه البيهقي والشيخ أبو الطيب الطبري، والحاكم النيسابوري، وأثنى عليه، توفي يوم عاشوراء منها بنيسابور، ثم نقل إلى بلده (٢) ودفن بمشهده. القدوري صاحب الكتاب المشهور في مذهب أبي حنيفة، أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان،

стр. 4416

أبو الحسن (١) القدوري الحنفي، صاحب المصنف المختصر، الذي يحفظ، كان إماما بارعا عالما، وثبتا مناظرا، وهو الذي تولى مناظرة الشيخ أبي حامد الأسفراييني من الحنفية، وكان القدوري يطريه ويقول: هو أعلم من الشافعي، وأنظر منه، توفي يوم الأحد الخامس من رجب منها (٢)، عن ست وخمسين سنة، ودفن إلى جانب الفقيه أبي بكر الخوارزمي الحنفي. ثم دخلت سنة تسع عشرة وأربعمائة فيها وقع بين الجيش وبين جلال الدولة ونهبوا دار وزيره، وجرت له أمور طويلة، آل الحال فيها إلى اتفاقهم على إخراجه من البلد، فهئ له برذون رث، فخرج وفي يده طبر نهارا، فجعلوا لا يلتفتون إليه ولا يفكرون فيه، فلما عزم على الركوب على ذلك البرذون الرث رثوا له ورقوا له ولهيئته وقبلوا الأرض بين يديه، وانصلحت قضيته بعد فسادها. وفيها قل الرطب جدا بسبب هلاك النخل في السنة الماضية بالبرد، فبيع الرطب كل ثلاثة أرطال بدينار جلالي، ووقع برد شديد أيضا فأهلك شيئا كثيرا من النخيل أيضا. ولم يحج أحد من أهل المشرق ولا من أهل الديار المصرية فيها، إلا أن قوما من خراسان ركبوا في البحر من مدينة كرمان فانتهوا إلى جدة فحجوا. وممن توفي فيها من الأعيان … حمزة بن إبراهيم بن عبد الله أبو الخطاب المنجم، حظي عند بهاء الدولة وعلماء النجوم، وكان له بذلك وجاهة عنده، حتى أن الوزراء كانوا يخافونه ويتوسلون به إليه، ثم صار أمره طريدا بعيد حتى مات يوم مات بالكرخ من سامرا غريبا، فقير مفلوجا، قد ذهب ماله وجاهه وعقله (٣). محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد أبو الحسن التاجر، سمع الكثير على المشايخ المتقدمين، وتفرد بعلو الاسناد، وكان ذا مال جزيل فخاف من المصادرة ببغداد فانتقل إلى مصر فأقام بها سنة، ثم عاد إلى بغداد فاتفق مصارة أهل

стр. 4417

محلته فقسط عليه ما أفقره، ومات حين مات ولم يوجد له كفن ولم يترك شيئا فأرسل له القادر بالله ما كفن فيه. مبارك الأنماطي كان ذا مال جزيل نحو ثلاثمائة ألف دينار، مات ولم يترك وارثا سوى ابنة واحدة ببغداد، وتوفي هو بمصر. أبو الفوارس بن بهاء الدولة كان ظالما، وكان إذا سكر يضرب الرجل من أصحابه أو وزيره مائتي مقرعة، بعد أن يحلفه بالطلاق أنه لا يتأوه، ولا يخبر بذلك أحدا. فيقال إن حاشيته سموه، فلما مات نادوا بشعار أخيه كاليجار. أبو محمد بن الساد وزير كاليجار، ولقبه معز الدولة، فلك الدولة، رشيد الأمة، وزير الوزراء، عماد الملك، ثم سلم بعد ذلك إلى جلال الدولة فاعتقله ومات فيها. أبو عبد الله المتكلم توفي فيها، هكذا رأيت ابن الجوزي ترجمه مختصرا. ابن غلبون الشاعر عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب أبو محمد الشامي ثم الصوري، الشاعر المطبق، له ديوان مليح، كان قد نظم قصيدة بليغة في بعض الرؤساء (١)، ثم أنشدها لرئيس آخر يقال له ذو النعمتين (٢)، وزاد فيها بيتا واحدا يقول فيه:

стр. 4418

ولك المناقب كلها … فلم اقتصرت على اثنتين فأجازه جائزة سنية، فقيل له: إنه لم يقلها فيك، فقال: إن هذا البيت وحده بقصيدة، وله أيضا في بخيل نزل عنده: وأخ مسه نزولي بقرح … مثل ما مسني منه جرح (١) بت ضيفا له كما حكم الدهر … وفي حكمه على الحر فتح (٢) فابتدأني يقول وهو من … السكر بالهم (٣) طافح ليس يصحو لم تغربت؟ قلت قال رسول الله … والقول منه نصح ونجح: "سافروا تغنموا " فقال وقد … قال تمام الحديث " صوموا تصحوا " ثم دخلت سنة عشرين وأربعمائة فيها سقط بناحية المشرق مطر شديد، معه برد كبار. قال ابن الجوزي: حزرت البردة الواحدة منه مائة وخمسون رطلا، وغاصت في الأرض نحوا من ذراع. وفيها ورد كتاب من محمود بن سبكتكين أنه أحل بطائفة من أهل الري من الباطنية والروافض قتلا ذريعا، وصلبا شنيعا، وأنه انتهب أموال رئيسهم رستم بن علي الديلمي، فحصل منها ما يقارب ألف ألف دينار، وقد كان في حيازته نحو من خمسين امرأة حرة، وقد ولدن له ثلاثا وثلاثين ولدا بين ذكر وأنثى، وكانوا يرون إباحة ذلك. وفي رجب منها انقض كواكب كثيرة شديدة الضوء شديدة الصوت. وفي شعبان منها كثرة العملات وضعفت رجال المعونة عن مقاومة العيارين وفي يوم الاثنين منها ثامن عشر رجب غار ماء دجلة حتى لم يبق منه إلا القليل، ووقفت الارحاء عن الطحن، وتعذر ذلك. وفي هذا اليوم جمع القضاة والعلماء في دار الخلافة، وقرئ عليهم كتاب جمعه القادر بالله، فيه مواعظ وتفاصيل مذاهب أهل البصرة، وفيه الرد على أهل البدع، وتفسيق من قال بخلق القرآن، وصفة ما وقع بين بشر المريسي وعبد العزيز بن يحيى الكتاني من المناظرة، ثم ختم القول بالمواعظ، والقول بالمعروف، والنهى عن المنكر. وأخذ خطوط الحاضرين بالموافقة على ما سمعوه. وفي يوم الاثنين غرة ذي القعدة جمعوا أيضا كلهم وقرئ عليهم كتاب آخر طويل يتضمن بيان السنة والرد على أهل البدع ومناظرة بشر المرسي والكتاني أيضا، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفضل الصحابة، وذكر فضائل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄، ولم يفرغوا منه إلا بعد العتمة، وأخذت خطوطهم

стр. 4419

بموافقة ما سمعوه. وعزل خطباء الشيعة، وولى خطباء السنة ولله الحمد والمنة على ذلك وغيره. وجرت فتنة بمسجد براثا، وضربوا الخطيب السني بالآجر، حتى كسروا أنفه وخلعوا كتفه، فانتصر لهم الخليفة وأهان الشيعة وأذلهم، حتى جاؤوا يعتذرون مما صنعوا، وأن ذلك إنما تعاطاه السفهاء منهم. ولم يتمكن أحد من أهل العراق وخراسان في هذه السنة من الحج. وممن توفي فيها من الأعيان … الحسن بن أبي القين أبو علي الزاهد، أحد العباد والزهاد وأصحاب الأحوال، دخل عليه بعض الوزراء فقبل يده، فعوتب الوزير بذلك فقال: كيف لا أقبل يدا ما امتدت إلى إلى الله . علي بن عيسى بن الفرج بن صالح أبو الحسن الربعي النحوي، أخذ العربية أولا عن أبي سعيد السيرافي، ثم عن أبي علي الفارسي ولازمه عشرين سنة حتى كان يقول: قولوا له لو سار من المشرق إلى المغرب لم يجد أحدا أنحى منه، كان يوما يمشي على شاطئ دجلة إذ نظر إلى الشريفين الرضي والمرتضى في سفينة، ومعهما عثمان بن جني، فقال لهما: من أعجب الأشياء عثمان معكما، وعلي بعيد عنكما، يمشى على شاطئ الفرات. (فضحكا وقالا: باسم الله). توفي في المحرم منها عن ثنتين وتسعين سنة. ودفن بباب الدير، ويقال إنه لم يتبع جنازته إلا ثلاثة أنفس. أسد الدولة أبو علي صالح بن مرداس بن إدريس الكلابي، أول ملوك بني مرداس (١) بحلب، انتزعها من يدي نائبها (٢) عن الظاهر بن الحاكم العبيدي، في ذي الحجة سنة سبع عشرة وأربعمائة، ثم جاءه جيش كثيف من مصر فاقتتلوا فقتل أسد الدولة هذا في سنة تسع عشرة، وقام حفيده (٣) نصر.

стр. 4420

ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فيها توفي الملك الكبير المجاهد المغازي، فاتح بلاد الهند محمود بن سبكتكين ﵀، لما كان في ربيع الأول (١) من هذه السنة توفي الملك العادل الكبير الثاغر المرابط، المؤيد المنصور، يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين، صاحب بلاد غزنة ومالك تلك الممالك الكبار، وفاتح أكثر بلاد الهند قهرا، وكاسر أصنامهم وندودهم وأوثانهم وهنودهم، وسلطانهم الأعظم قهرا، وقد مرض ﵀ نحوا من سنتين لم يضطجع فيهما على فراش، ولا توسد وسادا، بل كان يتكئ جالسا حتى مات وهو كذلك، وذلك لشهامته وصرامته، وقوة عزمه، وله من العمر ستون سنة ﵀. وقد عهد بالامر من بعده لولده محمد، فلم يتم أمره حتى عافصه أخوه مسعود بن محمود المذكور، فاستحوذ على ممالك أبيه، مع ما كان يليه مما فتحه هو بنفسه من بلاد الكفار، من الرساتيق الكبار والصغار، فاستقرت له الممالك شرقا وغربا في تلك النواحي، وفي أواخر هذا العام، وجاءته الرسل بالسلام من كل ناحية ومن كل ملك همام، وبالتحية والاكرام، وبالخضوع التام، وسيأتي ذكر أبيه في الوفيات وفيها استحوذت السرية التي كان بعثها الملك المذكور محمود إلى بلاد الهند على أكثر مدائن الهنود وأكبرها مدينة، وهي المدينة المسماة نرسي، دخلوها في نحو من مائة ألف مقاتل، ما بين فارس وراجل، فنهبوا سوق العطر والجوهر بها نهارا كاملا، ولم يستطيعوا أن يحولوا ما فيه من أنواع الطيب والمسك والجواهر واللآلي واليواقيت، ومع هذا لم يدر أكثر أهل البلد بشئ من ذلك لاتساعها، وذلك أنها كانت في غاية الكبر: طولها مسيرة منزلة من منازل الهند، وعرضها كذلك، وأخذوا منها من الأموال والتحف والأثاث ما لا يحد ولا يوصف، حتى قيل إنهم اقتسموا الذهب والفضة بالكيل، ولم يصل جيش من جيوش المسلمين إلى هذه المدينة قط، لا قبل هذه السنة ولا بعدها، وهذه المدينة من أكثر بلاد الهند خيرا ومالا، بل قيل إنه لا يوجد مدينة أكثر منها مالا ورزقا، مع كفر أهلها وعبادتهم الأصنام، فليسلم المؤمن على الدنيا سلام. وقد كانت محل الملك، وأخذوا منها من الرقيق من الصبيان والبنات ما لا يحصى كثرة. وفيها عملت الرافضة بدعتهم الشنعاء، وحادثتهم الصلعاء في يوم عاشوراء، من تعليق المسوح، وتغليق الأسواق، والنوح والبكاء في الأزقة، فأقبل أهل السنة إليهم في الحديد فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من الفريقين طوائف كثيرة، وجرت بينهم فتن وشرور مستطيرة. وفيها مرض أمير المؤمنين القادر بالله وعهد بولاية العهد من بعده إلى ولده أبي جعفر القائم بأمر الله، بمحضر من القضاة والوزراء والامراء، وخطب له بذلك، وضرب اسمه على السكة المتعامل بها. وفيها أقبل ملك الروم من قسطنطينية في مائة (٢) ألف مقاتل،

стр. 4421

فسار حتى بلغ بلاد حلب، وعليها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، فنزلوا على مسيرة يوم منها، ومن عزم ملك الروم أن يستحوذ على بلاد الشام كلها، وأن يستردها إلى دين النصرانية، وقد قال رسول الله ﷺ " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده " (١) وقيصر هو من ملك الشام من الروم مع بلاد الروم فلا سبيل لملك الروم إلى هذا. فلما نزل من حلب كما ذكرنا أرسل الله عليهم عطشا شديدا، وخالف بين كلمتهم، وذلك أنه كان معه الدمستق، فعامل طائفة من الجيش على قتله ليستقل هو بالامر من بعده، ففهم الملك ذلك فكر من فوره راجعا، فاتبعهم الاعراب ينهبونهم ليلا ونهارا، وكان من جملة ما أخذوا منهم أربعمائة فحل محجل محملة أموالا وثيابا للملك، وهلك أكثرهم جوعا وعطشا، ونهبوا من كل جانب ولله الحمد والمنة. وفيها ملك جلال الدولة واسطا واستناب عليها ولده وبعث وزيره أبا علي بن ماكولا إلى البطائح ففتحها، وسار في الماء إلى البصرة وعليها نائب لأبي كاليجار، فهزمهم البصريون فسار إليهم جلال الدولة بنفسه فدخلها في شعبان منها. وفيها جاء سيل عظيم بغزنة فأهلك شيئا كثيرا من الزروع والأشجار. وفي رمضان منها تصدق مسعود بن محمود بن سبكتكين بألف ألف درهم، وأدر أرزاقا كثيرة للفقهاء والعلماء ببلاده، على عادة أبيه من قبله، وفتح بلادا كثيرة، واتسعت ممالكه جدا، وعظم شأنه، وقويت أركانه، وكثرت جنوده وأعوانه. وفيها دخل خلق كثير من الأكراد إلى بغداد يسرقون خيل الأتراك ليلا، فتحصن الناس منهم فأخذوا الخيول كلها حتى خيل السلطان. وفيها سقط جسر بغداد على نهر عيسى. وفيها وقعت فتنة بين الأتراك النازلين بباب البصرة، وبين الهاشميين، فرفعوا المصاحف ورمتهم الأتراك بالنشاب، وجرت خبطة عظيمة ثم أصلح بين الفريقين. وفيها كثرت العملات، وأخذت الدور جهرة، وكثر العيارون ولصوص الأكراد. وفيها تعطل الحج أيضا سوى شرذمة من أهل العراق ركبوا من جمال البادية مع الاعراب، ففازوا بالحج. ذكر من توفي فيها من الأعيان … أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو الحسن الواعظ، المعروف بابن اكرات، صاحب كرامات ومعاملات، كان من أهل الجزيرة فسكن دمشق، وكان يعظ الناس بالرفادة القيلية، حيث كان يجلس القصاص. قاله ابن عساكر. قال: وصنف كتبا في الوعظ، وحكى حكايات كثيرة، ثم قال: سمعت أبا الحسن أحمد بن عبد الله اكرات الواعظ ينشد أبياتا: أنا ما أصنع باللذات … شغلي بالذنوب

стр. 4422

إنما العيد لمن فاز … بوصل من حبيب أصبح الناس على روح … وريحان وطيب ثم أصبحت على نوح … وحزن ونحيب فرحوا حين أهلوا … شهرهم بعد المغيب وهلالي متوار … من ورا حجب الغيوب فلهذا قلت للذات … غيبي ثم غيبي وجعلت الهم والحزن … من الدنيا نصيبي يا حياتي ومماتي … وشقائي وطبيبي جد لنفس تتلظى … منك بالرحب الرحيب الحسين بن محمد الخليع (١) الشاعر، له ديوان شعر حسن، عمر طويلا، وتوفي في هذه السنة الملك الكبير العادل محمود بن سبكتكين، أبو القاسم الملقب يمين الدولة، وأمين الملة، وصاحب بلاد غزنة، وما والاها، وجيشه يقال لهم السامانية، لان أباه كان قد تملك عليهم، وتوفي سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة فتملك عليهم بعده ولده محمود هذا، فسار فيهم وفي سائر رعاياه سيرة عادلة، وقام في نصر الاسلام قياما تاما، وفتح فتوحات كثيرة في بلاد الهند وغيرها، وعظم شأنه، واتسعت مملكته، وامتدت رعاياه، وطالت أيامه لعدله وجهاده، وما أعطاه الله إياه، وكان يخطب في سائر ممالكه للخليفة القادر بالله، وكانت رسل الفاطميين من مصر تفد إليه بالكتب والهدايا لأجل أن يكون من جهتهم، فيحرق بهم ويحرق كتبهم وهداياهم، وفتح في بلاد الكفار من الهند فتوحات هائلة، لم يتفق لغيره من الملوك، لا قبله ولا بعده، وغنم مغانم منهم كثيرة لا تنحصر ولا تنضبط، من الذهب والآلي، والسبي، وكسر من أصنامهم شيئا كثيرا، وأخذ من حليتها. وقد تقدم ذلك مفصلا متفرقا في السنين المتقدمة من أيامه، ومن جملة ما كسر من أصنامهم صنم يقال له سومنان، بلغ ما تحصل من حليته من الذهب عشرين ألف ألف دينار، وكسر ملك الهند الأكبر الذي يقال له صينال، وقهر ملك الترك الأعظم الذي يقال له إيلك الخان، وأباد ملك السامانية، وقد ملكوا العالم في بلاد سمرقند وما حولها، ثم هلكوا. وبنى على جيحون جسرا تعجز الملوك والخلفاء عنه غرم عليه ألفي ألف دينار،

стр. 4423

وهذا شئ لم يتفق لغيره، وكان في جيشه أربعمائة فيل تقاتل، وهذا شئ عظيم هائل، وجرت له فصول يطول تفصيلها، وكان مع هذا في غاية الديانة والصيانة وكراهة المعاصي وأهلها، لا يحب منها شيئا، ولا يألفه، ولا أن يسمع بها، ولا يجسر أحد أن يظهر معصية ولا خمرا في مملكته، ولا غير ذلك، ولا يحب الملاهي ولا أهلها، وكان يحب العلماء والمحدثين ويكرمهم ويجالسهم، ويحب أهل الخير والدين والصلاح، ويحسن إليهم، وكان حنفيا ثم صار شافعيا على يدي أبي بكر القفال الصغير على ما ذكره إمام الحرمين وغيره، وكان على مذهب الكرامية في الاعتقاد، وكان من جملة من يجالسه منهم محمد بن الهيضم، وقد جرى بينه وبين أبي بكر بن فورك مناظرات بين يدي السلطان محمود في مسألة العرش، ذكرها ابن الهيضم في مصنف له، فمال السلطان محمود إلى قول ابن الهيضم، ونقم على ابن فورك كلامه، وأمر بطرده وإخراجه، لموافقته لرأي الجهمية، وكان عادلا جيدا، اشتكى إليه رجل أن ابن أخت الملك يهجم عليه في داره وعلى أهله في كل وقت، فيخرجه من البيت ويختلي بامرأته، وقد حار في أمره، وكلما اشتكاه لاحد من أولي الامر لا يجسر أحد عليه خوفا وهيبة للملك. فلما سمع الملك ذلك غضب غضبا شديدا وقال للرجل، ويحك متى جاءك فائتني فأعلمني، ولا تسمعن من أحد منعك من الوصول إلى، ولو جاءك في الليل فائتني فأعلمني، ثم إن الملك تقدم إلى الحجبة وقال لهم: إن هذا الرجل متى جاءني لا يمنعه أحد من الوصول إلى من ليل أو نهار، فذهب الرجل مسرورا داعيا، فما كان إلا ليلة أو ليلتان حتى هجم عليه ذلك الشاب فأخرجه من البيت واختلى بأهله، فذهب باكيا إلى دار الملك فقيل له إن الملك نائم، فقال: قد تقدم إليكم أن لا أمنع منه ليلا ولا نهارا، فنبهوا الملك فخرج معه بنفسه وليس معه أحد، حتى جاء إلى منزل الرجل فنظر إلى الغلام وهو مع المرأة في فراش واحد، وعندهما شمعة تقد، فتقدم الملك فأطفأ الضوء ثم جاء فاحتز رأس الغلام وقال للرجل: ويحك الحقني بشربة ماء، فأتاه بها فشرب ثم انطلق الملك ليذهب فقال له الرجل: بالله لم أطفأت الشمعة؟ قال: ويحك إنه ابن أختي، وإني كرهت أن أشاهده حالة الذبح، فقال: ولم طلبت الماء سريعا؟ فقال الملك: إني آليت على نفسي منذ أخبرتني أن لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أنصرك، وأقوم بحقك، فكنت عطشانا هذه الأيام كلها، حتى كان ما كان مما رأيت. فدعا له الرجل وانصرف الملك راجعا إلى منزله، ولم يشعر بذلك أحد. وكان مرض الملك محمود هذا بسوء المزاج، اعتراه مع انطلاق البطن سنتين، فكان فيهما لا يضطجع على فراش، ولا يتكئ على شئ، لقوة بأسه وسوء مزاجه، وكان يستند على مخاد توضع له ويحضر مجلس الملك، ويفصل على عادته بين الناس، حتى مات كذلك في يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة عن ثلاث وستين سنة (١)، ملكه منها ثلاث وثلاثون سنة، وخلف من الأموال

стр. 4424

شيئا كثيرا، من ذلك سبعون رطلا من جوهر، الجوهرة منه لها قيمة عظيمة سامحه الله. وقام بالامر من بعده ولده محمد، ثم صار الملك إلى ولده الآخر مسعود بن محمود فأشبه أباه، وقد صنف بعض العلماء مصنفا في سيرته وأيامه وفتوحاته وممالكه. ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة فيها كانت وفاة القادر بالله الخليفة، وخلافة ابنه القائم بأمر الله على ما سيأتي تفصيله وبيانه. وفيها وقعت فتنة عظيمة بين السنة والروافض، فقويت عليهم السنة وقتلوا خلقا منهم، ونهبوا الكرخ ودار الشريف المرتضى، ونهبت العامة دور اليهود لأنهم نسبوا إلى معاونة الروافض، وتعدى النهب إلى دور كثيرة، وانتشرت الفتنة جدا، ثم سكنت بعد ذلك. وفيها كثرت العملات وانتشرت المحنة بأمر العيارين في أرجاء البلد، وتجاسروا على أمور كثيرة، ونهبوا دورا وأماكن سرا وجهرا، ليلا ونهارا، والله سبحانه أعلم. خلافة القائم بالله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله، بويع له بالخلافة لما توفي أبوه العباس أحمد بن المقتدر بن المعتضد بن الأمين أبو أحمد الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، في ليلة الاثنين الحادي عشر (١) من ذي الحجة من هذه السنة، عن ست وثمانين سنة، وعشرة أشهر وإحدى عشر يوما (٢)، ولم يعمر أحد من الخلفاء قبله هذا العمر ولا بعده، مكث من ذلك خليفة إحدى وأربعين سنة وثلاثة أشهر (٣)، وهذا أيضا شئ لم يسبقه أحد إليه، وأمه أم ولد اسمها يمنى، مولاة عبد الواحد بن المقتدر، وقد كان حليما كريما، محبا لأهل العلم والدين والصلاح، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان على طريقة السلف في الاعتقاد، وله في ذلك مصنفات كانت تقرأ على الناس، وكان أبيض حسن الجسم طويل اللحية عريضها يخضبها، وكان يقوم الليل كثير الصدقة، محبا للسنة وأهلها، مبغضا للبدعة وأهلها، وكان يكثر الصوم ويبر الفقراء من أقطاعه، يبعث منه

стр. 4425

إلى المجاورين بالحرمين وجامع المنصور، وجامع الرصافة، وكان يخرج من داره في زي العامة فيزور قبور الصالحين، وقد ذكرنا طرفا صالحا من سيرته عند ذكر ولايته في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وجلسوا في عزائه سبعة أيام لعظم المصيبة به، ولتوطيد البيعة لولده المذكور، وأمه يقال لها قطر الندى (١)، أرمنية أدركت خلافته في هذه السنة، وكان مولده يوم الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين (٢) وثلاثمائة، ثم بويع له بحضرة القضاة والامراء والكبراء في هذه السنة، وكان أول من بايعه المرتضى وأنشده أبياتا: فأما مضى جبل وانقضى … فمنك لنا جبل قد رسى وأما فجعنا ببدر التمام … فقد بقيت منه شمس الضحى لنا حزن في محل السرور … فكم ضحك في محل البكا فيا صارما أغمدته يد … لنا بعدك الصارم المنتضى ولما حضرنا لعقد البياع … عرفنا بهديك طرق الهدى فقابلتنا بوقار المشيب … كمالا وسنك سن الفتى فطالبته الأتراك برسم البيعة فلم يكن مع الخليفة شئ يعطيهم، لان أباه لم يترك شيئا، وكادت الفتنة تقع بين الناس بسبب ذلك، حتى دفع عنه الملك جلال الدولة مالا جزيلا لهم، نحوا من ثلاثة آلاف دينار، واستوزر الخليفة أبا طالب محمد بن أيوب، واستقضى ابن ماكولا. ولم يحج أحد من أهل المشرق سوى شرذمة خرجوا من الكوفة مع العرب فحجوا. وفيها توفي من الأعيان غير الخليفة: الحسن بن جعفر أبو علي بن ماكولا الوزير لجلال الدولة، قتله غلام له وجارية تعاملا عليه فقتلاه، عن ست وخمسين سنة. عبد الوهاب بن علي ابن نصر بن أحمد بن الحسن بن هارون بن مالك بن طوق، صاحب الرحبة، التغلبي

стр. 4426

البغدادي أحد أئمة المالكية، ومصنفيهم، له كتاب التلقين يحفظه الطلبة، وله غيره في الفروع والأصول، وقد أقام ببغداد دهرا، وولي قضاء داريا وماكسايا (١)، ثم خرج من بغداد لضيق حاله، فدخل مصر فأكرمه المغاربة وأعطوه ذهبا كثيرا، فتمول جدا، فأنشأ يقول متشوقا إلى بغداد: سلام على بغداد في كل موقف … وحق لها مني السلام مضاعف فوالله ما فارقتها عن ملالة … وإني بشطي جانبيها لعارف ولكنها ضاقت علي بأسرها … ولم تكن الأرزاق فيها تساعف فكانت كخل كنت أهوى دنوه … وأخلاقه تنأى به وتخالف قال الخطيب: سمع القاضي عبد الوهاب من ابن السماك، وكتبت عنه، وكان ثقة، ولم تر المالكية أحدا أفقه منه. قال ابن خلكان: وعند وصوله إلى مصر حصل له شئ من المال، وحسن حاله، مرض من أكلة اشتهاها فذكر عنه أنه كان يتقلب ويقول: لا إله إلا الله، عندما عشنا متنا. قال: وله أشعار رائقة فمنها قوله: ونائمة قبلتها فتنبهت … فقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحد فقلت لها إني فديتك غاصب … وما حكموا في غاصب بسوى الرد خذيها وكفي عن أثيم طلابة (٢) … وإن أنت لم ترضي فألفا على العد فقالت قصاص يشهد العقل أنه … على كبد الجاني ألذ من الشهد فباتت يميني وهي هميان خصرها … وباتت يساري وهي واسطة العقد فقالت ألم تخبر بأنك زاهد … فقلت بلى، ما زلت أزهد في الزهد ومما أنشده ابن خلكان للقاضي عبد الوهاب: بغداد دار لأهل المال طيبة … وللمفاليس دار الضنك والضيق ظللت حيران أمشي في أزقتها … كأنني مصحف في بيت زنديق ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة في سادس المحرم منها استسقى أهل بغداد لتأخر المطر عن أوانه، فلم يسقوا، وكثر الموت في الناس، ولما كان يوم عاشوراء عملت الروافض بدعتهم، وكثر النوح والبكاء، وامتلأت بذلك الطرقات والأسواق. وفي صفر منها أمر الناس بالخروج إلى الاستسقاء فلم يخرج من أهل بغداد مع

стр. 4427

اتساعها وكثرة أهلها مائة واحد. وفيها وقع بين الجيش وبين جلال الدولة فاتفق على خروجه إلى البصرة منفيا، ورد كثيرا من جواريه، واستبقى بعضهن معه، وخرج من بغداد ليلة الاثنين سادس ربيع الأول منها. وكتب الغلمان الاسفهلارية إلى الملك أبي كاليجار ليقدم عليهم، فلما قدم تمهدت البلاد ولم يبق أحد من أهل العناد والالحاد، ونهبوا دار جلال الدولة وغيرها، وتأخر مجئ أبي كاليجار، وذلك أن وزيره أشار عليه بعدم القدوم إلى بغداد. فأطاعه في ذلك، فكثر العيارون وتفاقم الحال، وفسد البلد، وافتقر جلال الدولة بحيث أن احتاج إلى أن باع بعض ثيابه في الأسواق، وجعل أبو كاليجار يتوهم من الأتراك ويطلب منهم رهائن، فلم يتفق ذلك، وطال الفصل فرجعوا إلى مكاتبة جلال الدولة، وأن يرجع إلى بلده، وشرعوا يعتذرون إليه، وخطبوا له في البلد على عادته، وأرسل الخليفة الرسل إلى الملك كاليجار، وكان فيمن بعث إليه القاضي أبو الحسن الماوردي، فسلم عليه مستوحشا منه، وقد تحمل أمرا عظيما، فسأل من القضاة أن يلقب بالسلطان الأعظم مالك الأمم، فقال الماوردي: هذا ما لا سبيل إليه، لان السلطان المعظم هو الخليفة، وكذلك مالك الأمم، ثم اتفقوا على تلقيبه بملك الدولة، فأرسل مع الماوردي تحفا عظيمة منها ألف ألف دينار سابورية، وغير ذلك من الدراهم آلاف مؤلفة، والتحف والالطاف، واجتمع الجند على طلب من الخليفة فتعذر ذلك فراموا أن يقطعوا خطبته، فلم تصل الجمعة، ثم خطب له من الجمعة القابلة، وتخبط البلد جدا، وكثر العيارون. ثم في ربيع الآخر منها حلف الخليفة لجلال الدولة بخلوص النية وصفائها، وأنه على ما يحب من الصدق وصلاح السريرة. ثم وقع بينهما بسبب جلال الدولة وشربه النبيذ وسكره. ثم اعتذر إلى الخليفة واصطلحا على فساد. وفي رجب علت الأسعار جدا ببغداد وغيرها، من أرض العراق. ولم يحج أحد منهم. وفيها وقع موتان عظيم ببلاد الهند وغزنة وخراسان وجرجان والري وأصبهان، وخرج منها في أدنى مدة أربعون ألف جنازة. وفي نواحي الموصل والجبل وبغداد طرف قوي من ذلك بالجدري، بحيث لم تخل دار من مصاب به، واستمر ذلك في حزيران وتموز وآذار وأيلول وتشرين الأول والثاني، وكان في الصيف أكثر منه في الخريف. قاله ابن الجوزي في المنتظم. وقد رأى رجل في منامه من أهل أصبهان في هذه السنة مناديا ينادي بصوت جهوري: يا أهل أصبهان سكت، نطق سكت، نطق، فانتبه الرجل مذعورا فلم يدر أحد تأويلها ما هو، حتى قال رجل بيت أبي العتاهية فقال: احذروا يا أهل أصبهان فإني قرأت في شعر أبي العتاهية قوله: سكت الدهر زمانا عنهم … ثم أبكاهم دما حين نطق فما كان إلا قليل حتى جاء الملك مسعود بن محمود فقتل منهم خلقا كثيرا، حتى قتل الناس في الجوامع. وفي هذه السنة ظفر الملك أبو كاليجار بالخادم جندل (١) فقتله، وكان قد استحوذ على

стр. 4428

مملكته ولم يبق معه سوى الاسم، فاستراح منه. وفيها مات ملك الترك الكبير صاحب بلاد ما وراء النهر، واسمه قدرخان (١). وفيها توفي من الأعيان … روح بن محمد بن أحمد أبو زرعة الرازي. قال الخطيب: سمع جماعة، وفد علينا حاجا فكتبت عنه، وكان صدوقا فهما أديبا، يتفقه على مذهب الشافعي، وولي قضاء أصبهان. قال: وبلغني أنه مات بالكرخ سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة. علي بن محمد (٢) بن الحسن ابن محمد بن نعيم بن الحسن البصري، المعروف بالنعيمي، الحافظ الشاعر، المتكلم الفقيه الشافعي. قال البرقاني: وهو كامل في كل شئ لولا بادرة فيه، وقد سمع على جماعة، ومن شعره قوله: إذا أضمأتك أكف اللئام … كفتك القناعة شبعا وريا فكن رجلا رجله في الثرى … وهامته همه في الثريا أبيا لنائل ذي نعمة … تراه بما في يديه أبيا فإن إراقة ماء الحيا … ة دون إراقة ماء المحيا محمد بن الطيب ابن سعد بن موسى أبو بكر الصباغ، حدث عن النجاد وأبي بكر الشافعي، وكان صدوقا، حكى الخطيب أنه تزوج تسعمائة امرأة، وتوفي عن خمس وتسعين سنة. علي بن هلال الكاتب المشهور، ذكر ابن خلكان أنه توفي في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاث عشرة كما تقدم.

стр. 4429

ثم دخلت سنة أربع وعشرين وأربعمائة فيها تفاقم الحال بأمر العيارين، وتزايد أمرهم، وأخذوا العملات الكثيرة، وقوي أمر مقدمهم البرجمي، وقتل صاحب الشرطة غيلة، وتواترت العملات في الليل والنهار، وحرس الناس دورهم، حتى دار الخليفة منه، وكذلك سور البلد، وعظم الخطب بهم جدا، وكان من شأن هذا البرجمي أنه لا يؤذي امرأة ولا يأخذ مما عليها شيئا، وهذه مروءة في الظلم، وهذا كما قيل … حنانيك بعض الشر أهون من بعض … وفيها أخذ جلال الدولة البصرة وأرسل إليها ولده العزيز، فأقام بها الخطبة لأبيه، وقطع منها خطبة أبي كاليجار في هذه السنة والتي بعدها، ثم استرجعت، وأخرج منها ولده. وفيها ثارت الأتراك بالملك جلال الدولة ليأخذوا أرزاقهم، وأخرجوه من داره، ورسموا عليه في المسجد، وأخرجت حريمه، فذهب في الليل إلى دار الشريف المرتضى فنزلها، ثم اصطلحت الأتراك عليه وحلفوا له بالسمع والطاعة، وردوه إلى داره، وكثر العيارون واستطالوا على الناس جدا. ولم يحج أحدا من أهل العراق وخراسان لفساد البلاد. وممن توفي فيها من الأعيان … أحمد بن الحسين بن أحمد أبو الحسين (١) الواعظ المعروف بابن السماك، ولد سنة ثلاثين وثلاثمائة، وسمع جعفر الخلدي وغيره وكان يعظ بجامع المنصور وجامع المهدي، ويتكلم على طريق الصوفية، وقد تكلم بعض الأئمة فيه، ونسب إليه الكذب. توفي فيها عن أربع وتسعين سنة ودفن بباب حرب. ثم دخلت سنة خمس وعشرين وأربعمائة فيها غزا السلطان مسعود بن محمود بلاد الهند، وفتح حصونا كثيرة، وكان من جملتها أنه حاصر قلعة حصينة (٢) فخرجت من السور عجوز كبيرة ساحرة، فأخذت مكنسة فبلتها ورشتها من ناحية جيش المسلمين، فمرض السلطان تلك الليلة مرضا شديدا، فارتحل عن تلك القلعة، فلما استقل ذاهبا عنها عوفي عافية كاملة، فرجع إلى غزنة سالما. وفيها ولي البساسيري حماية الجانب الشرقي (٣) من بغداد، لما تفاقم أمر العيارين. وفيها ولي سنان بن سيف الدولة بعد وفاة أبيه،

стр. 4430

فقصد عمه قرواشا فأقره وساعده على أموره. وفيها هلك ملك الروم أرمانوس، فملكهم رجل ليس من بيت ملكهم، قد كان صيرفيا في بعض الأحيان، إلا أنه كان من سلالة الملك قسطنطين. وفيها كثرت الزلازل بمصر والشام فهدمت شيئا كثيرا، ومات تحت الردم خلق كثير، وانهدم من الرملة ثلثها، وتقطع جامعها تقطيعا، وخرج أهلها منها هاربين، فأقاموا بظاهرها ثمانية أيام، ثم سكن الحال فعادوا إليها، وسقط بعض حائط بيت المقدس، ووقع من محراب داود قطعة كبيرة، ومن مسجد إبراهيم قطعة، وسلمت الحجرة، وسقطت منارة عسقلان، ورأس منارة غزة، وسقط نصف بنيان نابلس، وخسف بقرية البارزاد وبأهلها وبقرها وغنمها، وساخت في الأرض. وكذلك قرى كثيرة هنالك، وذكر ذلك ابن الجوزي. ووقع غلاء شديد ببلاد إفريقية، وعصفت ريح سوداء بنصيبين فألقت شيئا كثيرا من الأشجار كالتوت والجوز والعناب، واقتلعت قصرا مشيدا بحجارة وآجر وكلس فألقته وأهله فهلكوا، ثم سقط مع ذلك مطر أمثال الأكف، والزنود والأصابع، وجزر البحر من تلك الناحية ثلاث فراسخ، فذهب الناس خلف السمك فرجع البحر عليهم فهلكوا. وفيها كثر الموت بالخوانيق حتى كان يغلق الباب على من في الدار كلهم موتى، وأكثر ذلك كان ببغداد، فمات من أهلها في شهر ذي الحجة سبعون ألفا. وفيها وقعت الفتنة بين السنة والروافض حتى بين العيارين من الفريقين من ابنا الأصفهاني وهما مقدمي عيارين أهل السنة، منعا أهل الكرخ من ورود ماء دجلة فضاق عليهم الحال، وقتل ابن البرجمي وأخوه في هذه السنة. ولم يحج أحد من أهل العراق. وفيها توفي من الأعيان … أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الحافظ أبو بكر المعروف بالبرقاني (١)، ولد سنة ثلاث (٢) وثلاثين وثلاثمائة، وسمع الكثير، ورحل إلى البلاد، وجمع كتبا كثيرة جدا، وكان عالما بالقرآن والحديث والفقه والنحو، وله مصنفات في الحديث حسنة نافعة. قال الأزهري، إذا مات البرقاني ذهب هذا الشأن، وما رأيت أتقن منه. وقال غيره: ما رأيت أعبد منه في أهل الحديث. توفي يوم الخميس مستهل رجب، وصلى عليه أبو علي بن أبي موسى الهاشمي، ودفن في مقبرة الجامع ببغداد، وقد أورد له ابن عساكر من شعره: أعلل نفسي بكتب الحديث … وأجمل فيه لها الموعدا وأشغل نفسي بتصنيفه … وتخريجه دائما سرمدا

стр. 4431

فطورا أصنفه في الشيوخ … وطورا أصنفه مسندا وأقفو البخاري فيما حواه … وصنفه جاهدا مجهدا ومسلم إذ كان زين الأنام … بتصنيفه مسلما مرشدا وما لي فيه سوى أنني … أراه هوى صادف المقصدا وأرجوا الثواب بكتب الصلاة … على السيد المصطفى أحمدا أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد أبو العباس الأبيوردي، أحد أئمة الشافعية، من تلاميذ الشيخ أبي حامد الأسفراييني، كانت له حلقة في جامع المنصور للفتيا، وكان يدرس في قطيعة الربيع، وولي الحكم ببغداد نيابة عن ابن الأكفاني، وقد سمع الحديث، وكان حسن الاعتقاد جميل الطريقة، فصيح اللسان، صبورا على الفقر، كاتما له، وكان يقول الشعر الجيد، وكان كما قال تعالى (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا) [البقرة: ٣٧٣] توفي في جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب حرب: أبو علي البندنبجي الحسن (١) بن عبد الله بن يحيى، الشيخ أبو علي البندنيجي، أحد أئمة الشافعية، من تلاميذ أبي حامد أيضا، ولم يكن في أصحابه مثله، تفقه ودرس وأفتى وحكم ببغداد، وكان دينا ورعا. توفي في جمادى الآخرة منها أيضا. عبد الوهاب بن عبد العزيز الحارث بن أسد، أبو الصباح (٢) التميمي، الفقيه الحنبلي الواعظ، سمع من أبيه أثرا مسلسلا عن علي: " الحنان: الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال " توفي في ربيع الأول ودفن في مقبرة أحمد بن حنبل. غريب بن محمد ابن مفتي سيف الدولة أبو سنان، كان قد ضرب السكة باسمه، وكان ملكا متمكنا في

стр. 4432

الدولة، وخلف خمسمائة ألف دينار، وقام ابنه سنان بعده، وتقوى بعمه قرواش، واستقامت أموره، توفي بالكرخ سابور عن سبعين سنة. ثم دخلت سنة ست وعشرين وأربعمائة في محرمها كثر تردد الاعراب في قطع الطرقات إلى حواشي بغداد وما حولها، بحيث كانوا يسلبون النساء ما عليهن، ومن أسروه أخذوا ما معه وطالبوه بفداء نفسه، واستفحل أمر العيارين وكثرت شرورهم، وفي مستهل صفر زادت دجلة بحيث ارتفع الماء على الضياع ذراعين، وسقط من البصرة في مدة ثلاثة نحو من ألفي دار. وفي شعبان منها ورد كتاب من مسعود بن محمود بأنه قد فتح فتحا عظيما في الهند، وقتل منهم خمسين ألفا وأسر تسعين ألفا، وغنم شيئا كثيرا، ووقعت فتنة بين أهل بغداد والعيارين، ووقع حريق في أماكن من بغداد، واتسع الخرق على الراقع، ولم يحج أحد من هؤلاء ولا من أهل خراسان. وممن توفي فيها من الأعيان … أحمد بن كليب الشاعر وهو أحد من هلك بالعشق، روى ابن الجوزي في المنتظم بسنده أن أحمد بن كليب هذا المسكين المغتر عشق غلاما يقال له أسلم بن أبي الجعد، من بني خلد (١) وكان فيهم وزارة، أي كانوا وزراء للملوك وحجابا، فأنشد فيه أشعارا تحدث الناس بها، وكان هذا الشاب أسلم يطلب العلم في مجالس المشايخ فلما بلغه عن ابن كليب ما قال فيه استحى من الناس وانقطع في دارهم، وكان لا يجتمع بأحد من الناس، فازداد غرام ابن كليب به حتى مرضا شديدا، بحيث عاده منه الناس، ولا يدرون ما به، وكان في جملة من عاده بعض المشايخ من العلماء، فسأله عن مرضه فقال: أنتم تعلمون ذلك، ومن أي شئ مرضي، وفي أي شئ دوائي، لو زارني أسلم ونظر إلى نظرة ونظرته نظرة واحدة لبرأت، فرأى ذلك العالم من المصلحة أن لو دخل على أسلم وسأله أن يزوره ولو مرة واحدة مختفيا، ولم يزل ذلك الرجل العالم بأسلم حتى أجابه إلى زيارته، فانطلقا إليه فلما دخلا دربه ومحلته تجبن الغلام واستحى من الدخول عليه، وقال للرجل العالم: لا أدخل عليه، وقد ذكرني ونوه باسمي، وهذا مكان ريبة وتهمة، وأنا لا أحب أن أدخل مداخل التهم، فحرص به الرجل كل الحرص ليدخل عليه فأبى عليه، فقال له: إنه ميت لا محالة، فإذا دخلت عليه أحييته.

стр. 4433

فقال: يموت وأنا لا أدخل مدخلا يسخط الله علي ويغضبه، وأبى أن يدخل، وانصرف راجعا إلى دارهم، فدخل الرجل على ابن كليب فذكر له ما كان من أمر أسلم معه، وقد كان غلام ابن كليب دخل عليه قبل ذلك وبشره بقدوم معشوقه عليه، ففرح بذلك جدا، فلما تحقق رجوعه عنه اختلط كلامه واضطرب في نفسه، وقال لذلك الرجل الساعي بينهما: اسمع يا أبا عبد الله واحفظ عني ما أقول، ثم أنشده: أسلم يا راحة العليل … رفقا على الهائم النحيل وصلك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليل فقال له الرجل: ويحك اتق الله تعالى، ما هذه العظيمة؟ فقال: قد كان ما سمعت، أو قال القول ما سمعت. قال فخرج الرجل من عنده فما توسط الدار حتى سمع الصراخ عليه، وسمع صيحة الموت وقد فارق الدنيا على ذلك. وهذه زلة شنعاء، وعظيمة صلعاء، وداهية دهياء، ولولا أن هؤلاء الأئمة ذكروها ما ذكرتها، ولكن فيها عبرة لأولي الألباب، وتنبيه لذوي البصائر والعقول، أن يسألوا الله رحمته وعافيته، وأن يستعيذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقهم حسن الخاتمة عند الممات إنه كريم جواد. قال الحميدي: وأنشدني أبو علي بن أحمد قال: أنشدني محمد بن عبد الرحمن لأحمد بن كليب وقد أهدى إلى أسلم كتاب الفصيح لثعلب: هذا كتاب الفصيح … بكل لفظ مليح وهبته لك طوعا … كما وهبتك روحي الحسن (١) بن أحمد ابن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان بن حرب بن مهران البزاز، أحد مشايخ الحديث، سمع الكثير، وكان ثقة صدوقا، جاء يوما شاب غريب فقال له: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: اذهب إلى أبي علي بن شاذان فسلم عليه وأقره مني السلام. ثم انصرف الشاب فبكى الشيخ وقال: ما أعلم لي عملا استحق به هذا غير صبري على سماع الحديث، وصلاتي على رسول الله ﷺ كلما ذكر. ثم توفي بعد شهرين أو ثلاثة من هذه الرؤيا في محرمها، عن سبع وثمانين سنة ودفن بباب الدير.

стр. 4434

الحسن بن عثمان ابن أحمد بن الحسين بن سورة، أبو عمر الواعظ المعروف بابن الغلو، سمع الحديث عن جماعة. قال ابن الجوزي: وكان يعظ، وله بلاغة، وفيه كرم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ومن شعره قوله: دخلت على السلطان في دار عزه … بفقر ولم أجلب بخيل ولا رجل وقلت: انظروا ما بين فقري وملككم … بمقدار ما بين الولاية والعزل توفي في صفر منها وقد قارب الثمانين، ودفن بمقبرة حرب إلى جانب ابن السماك رحمهما الله. ثم دخلت سنة سبع وعشرين وأربعمائة في المحرم منها تكاملت قنطرة عيسى التي كانت سقطت، وكان الذي ولي مشارفة الانفاق عليها الشيخ أبو الحسين القدوري الحنفي، وفي المحرم وما بعده تفاقم أمر العيارين، وكبسوا الدور وتزايد شرهم جدا. وفيها توفي صاحب مصر الظاهر أبو الحسن علي بن الحاكم الفاطمي، وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة، وقام بالامر من بعده ولده المستنصر وعمره سبع سنين (١)، واسمه معد، وكنيته أبو تميم، وتكفل بأعباء المملكة بين يديه الأفضل أمير الجيوش، واسمه بدر بن عبد الله الجمالي، وكان الظاهر هذا قد استوزر الصاحب أبا القاسم علي بن أحمد الجرجرائي، وكان مقطوع اليدين من المرفقين، في سنة ثماني عشرة، فاستمر في الوزارة مدة ولاية الظاهر، ثم لولده المستنصر، حتى توفي الوزير الجرجرائي المذكور في سنة ست وثلاثين، وكان قد سلك في وزارته العفة العظيمة، وكان الذي يعلم عنه القاضي أبو عبد الله القضاعي صاحب كتاب الشهاب، وكانت علامته الحمد لله شكرا لنعمه، وكان الذي قطع يديه من المرفقين الحاكم، لجناية ظهرت منه في سنة أربع وأربعمائة، ثم استعمله في بعض الأعمال سنة تسع، فلما فقد الحاكم في السابع والعشرين من شوال، سنة إحدى عشرة، تنقلت بالجر جرائي المذكور الأحوال حتى استوزر سنة ثماني عشرة كما ذكرنا، وقد هجاه بعض الشعراء فقال: يا أجمعا اسمع وقل … ودع الرقاعة والتحامق أأقمت نفسك في الثقات … وهبك فيما قلت صادق

стр. 4435

أمن الأمانة والتقى … قطعت يداك من المرافق وممن توفي فيها من الأعيان … أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعالبي ويقال الثعلبي أيضا - وهو لقب أيضا وليس - بنسبة، النيسابوري المفسر المشهور، له التفسير الكبير، وله كتاب العرايس في قصص الأنبياء ﵈، وغير ذلك، وكان كثير الحديث واسع السماع، ولهذا يوجد في كتبه من الغرائب شئ كثير، ذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في تاريخ نيسابور، وأثنى عليه، وقال: هو صحيح النقل موثوق به، توفي في سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وقال غيره: توفي يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم منها، ورئيت له منامات صالحة ﵀. وقال السمعاني: ونيسابور كانت مقصبة (١) فأمر سابور الثاني ببنائها مدينة. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وأربعمائة فيها خلع الخليفة على أبي تمام محمد بن محمد بن علي الزينبي، وقلده ما كان إلى أبيه من نقابة العباسيين والصلاة. وفيها وقعت الفرقة بين الجند وبين جلال الدولة وقطعوا خطبته وخطبة الملك أبي كاليجار، ثم أعادوا الخطبة، واستوزر أبا المعالي بن عبد الرحيم، وكان جلال الدولة قد جمع خلقا كثيرا معه، منهم البساسيري، وديبس بن علي بن مرثد (٢)، وقرواش بن مقلد، ونازل بغداد من جانبها الغربي حتى أخذها قهرا، واصطلح هو وأبو كاليجار نائب جلال الدولة على يدي قاضي القضاة الماوردي، وتزوج أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة جلال الدولة على صداق خمسين ألف دينار واتفقت كلمتهما وحسن حال الرعية. وفيها نزل مطر ببلاد قم الصلح ومعه سمك وزن السمكة رطل ورطلان، وفيها بعث ملك مصر بمال لاصلاح نهر بالكوفة إن أذن الخليفة العباسي في ذلك، فجمع الخليفة الفقهاء وسألهم عن هذا المال فأفتوا بأن هذا المال فئ للمسلمين، يصرف في مصالحهم. فأذن في صرفه في مصالح المسلمين. وفيها ثار العيارون ببغداد وفتحوا السجن بالجانب الشرقي، وأخذوا منه رجالا وقتلوا من رجال الشرط سبعة عشر رجلا، وانتشرت الشرور في البلد جدا. ولم يحج أحد من أهل العراق وخراسان لاختلاف الكلمة.

стр. 4436

وممن توفي فيها من الأعيان … القدوري أحمد بن محمد ابن أحمد بن جعفر، أبو الحسن (١) القدوري الحنفي البغدادي، سمع الحديث ولم يحدث إلا بشئ يسير. قال الخطيب: كتبت عنه. وقد تقدمت وفاته، ودفن بداره في درب خلف (٢). الحسن بن شهاب ابن الحسن بن علي، أبو علي العكبري، الفقيه الحنبلي الشاعر، ولد سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة سمع من أبي بكر بن مالك وغيره، وكان كما قال البرقاني ثقة أمينا، وكان يسترزق من الوراقة - وهو النسخ - يقال إنه كان يكتب ديوان المتنبي في ثلاث ليال فيبيعه بمائتي درهم، ولما توفي أخذ السلطان من تركته ألف دينار سوى الأملاك، وكان قد أوصى بثلث ماله في متفقهة الحنابلة، فلم تصرف. لطف الله أحمد بن عيسى أبو الفضل الهاشمي، ولي القضاء والخطابة بدرب ريحان، وكان ذا لسان، وقد أضر في آخر عمره، وكان يروي حكايات وأناشيد من حفظه، توفي في صفر منها. محمد بن أحمد ابن علي بن موسى بن عبد المطلب، أبو علي الهاشمي، أحد أئمة الحنابلة وفضلائهم. محمد بن الحسن ابن أحمد بن علي أبو الحسن الأهوازي، ويعرف بابن أبي علي الأصبهاني، ولد سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، وقدم بغداد وخرج له أبو الحسن النعيمي أجزاء من حديثه، فسمعها منه البرقاني، إلا أنه بان كذبه، حتى كان بعضهم يسميه جراب الكذب، أقام ببغداد سبع سنين، ثم عاد إلى الأهواز فمات بها.

стр. 4437

مهيار الديلمي الشاعر مهيار بن مرزويه أبو الحسين الكاتب الفارسي، ويقال له الديلمي، كان مجوسيا فأسلم (١)، إلا أنه سلك سبيل الرافضة، وكان ينظم الشعر القوي الفحل في مذاهبهم، من سب الصحابة وغيرهم، حتى قال له أبو القاسم بن برهان: يا مهيار انتقلت من زاوية في النار إلى زاوية أخرى في النار، كنت مجوسيا فأسلمت فصرت تسب الصحابة، وقد كان منزله بدرب رباح من الكرخ، وله ديوان شعر مشهور، فمن مستجاد قوله: أستنجد الصبر فيكم وهو مغلوب … وأسأل النوم عنكم وهو مسلوب وأبتغي عندكم قلبا سمحت به … وكيف يرجع شئ وهو موهوب ما كنت أعرف مقدار حبكم … حتى هجرت وبعض الهجر تأديب ولمهيار أيضا: أجارتنا بالغور والركب منهم … أيعلم خال كيف بات المتيم رحلتم وجمر القلب فينا وفيكم … سواء ولكن ساهرون ونوم فبنتم عنا ظاعنين وخلفوا … قلوبا أبت أن اعرف الصبر عنهم ولما خلى التوديع عما حذرته … ولم يبق إلا نظرة لي تغنم بكيت على الوادي وحرمت ماءه … وكيف به ماء وأكثره دم قال ابن الجوزي: ولما كان شعره أكثره جيدا اقتصرت على هذا القدر. توفي في جمادى الآخرة. هبة الله بن الحسن (٢) أبو الحسين المعروف بالحاجب، كان من أهل الفضل والأدب والدين، وله شعر حسن، فمنه قوله: يا ليلة سلك الزما … ن في طيبها كل مسلك إذ ترتقي روحي المسر … ة مدركا ما ليس يدرك والبدر قد فضح الزما … ن وسره فيه مهتك وكأنما زهر النجوم … بلمعها شعل تحرك

стр. 4438

والغيب أحيانا يلوح … كأنه ثوب ممسك وكأن تجعيد الريا … لدجلة ثوب مفرك وكأن نشر المسك … ينفخ في النسيم إذا تحرك وكأنما المنثور مصفر … الذرى ذهب مسبك والنور يبسم في الرياض … فإن نظرت إليه سرك شارطت نفسي أن أقوم … بحقها والشرط أملك حتى تولى الليل … منهزما وجاء الصبح يضحك وذا الفتى لو أنه … في طيب العيش يترك والدهر يحسب عمره … فإذا أتاه الشيب فذلك أبو علي بن سينا الطبيب الفيلسوف، الحسين (١) بن عبد الله بن سينا الرئيس، كان بارعا في الطب في زمانه، كان أبوه من أهل بلخ، وانتقل إلى بخارى، واشتغل بها فقرأ القرآن وأتقنه، وهو ابن عشر سنين، وأتقن الحساب والجبر والمقابلة وإقليدس والمجسطي، ثم اشتغل على أبي عبد الله الناتلي الحكيم، فبرع فيه وفاق أهل زمانه في ذلك، وتردد الناس إليه واشتغلوا عليه، وهو ابن ست عشرة سنة، وعالج بعض الملوك السامانية، وهو الأمير نوح بن نصر، فأعطاه جائزة سنية، وحكمه في خزانة كتبه، فرأى فيها من العجائب والمحاسن مالا يوجد في غيرها، فيقال إنه عزا بعض تلك الكتب إلى نفسه، وله في الإلهيات والطبيعيات كتب كثيرة، قال ابن خلكان: له نحو من مائة مصنف، صغار وكبار، منها القانون، والشفا، والنجاة، والإشارات، وسلامان، وإنسان، وحي بن يقظان، وغير ذلك. قال وكان من فلاسفة الاسلام، وأورد له من الاشعار قصيدته في نفسه (٢) التي يقول فيها: هبطت إليك من المقام (٣) الا رفع … ورقاء ذات تعزز وتمنع محجوبة عن كل مقلة عارف … وهي التي سفرت ولم تتبرقع وصلت على كره إليك وربما … كرهت فراقك وهي ذات تفجع وهي قصيدة طويلة وله:

стр. 4439

اجعل غذاءك كل يوم مرة … واحذر طعاما قبل هضم طعام واحفظ منيك ما استطعت فإنه … ماء الحياة يراق في الأرحام وذكر أنه مات بالقولنج في همذان، وقيل بأصبهان، والأول أصح، يوم الجمعة في شهر رمضان منها، عن ثمان وخمسين سنة. قلت: قد حصر الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة، ثم رد عليه في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلسا له، كفره في ثلاث منها، وهي قوله بقدم العالم، وعدم المعاد الجثماني، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وبدعه في البواقي، ويقال إنه تاب عند الموت فالله أعلم. ثم دخلت سنة تسع وعشرين وأربعمائة فيها كان بدو ملك السلاجقة، وفيها استولى ركن الدولة أبو طالب طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سلجوق، على نيسابور (١)، وجلس على سرير ملكها، وبعث أخاه داود إلى بلاد خراسان فملكها وانتزعها من نواب الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين. وفيها قتل جيش المصريين لصاحب حلب وهو شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس، واستولوا على حلب وأعمالها. وفيها سأل جلال الدولة الخليفة أن يلقب ملك الدولة، فأجابه إلى ذلك بعد تمنع. وفيها استدعى الخليفة بالقضاة والفقهاء وأحضر جاثليق النصارى ورأى جالوت اليهود، وألزموا بالغيار. وفي رمضان منها لقب جلال الدولة شاهنشاه الأعظم ملك الملوك، بأمر الخليفة، وخطب له بذلك على المنابر، فنفرت العامة من ذلك ورموا الخطباء بالآجر، ووقعت فتنة شديدة بسبب ذلك، واستفتوا القضاة والفقهاء في ذلك فأفتى أبو عبد الله الصيمري أن هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنية، وقد قال تعالى (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) [البقرة: ٢٤٧] وقال (وكان وراءهم ملك) [الكهف: ٧٩] وإذا كان في الأرض ملوك جاز أن يكون بعضهم فوق بعض، وأعظم من بعض، وليس في ذلك ما يوجب النكير والمماثلة بين الخالق والمخلوقين. وكتب القاضي أبو الطيب الطبري: أن إطلاق ملك الملوك جائز، ويكون معناه ملك ملوك الأرض، وإذا جاز أن يقال كافي الكفاة وقاضي القضاة، جاز أن يقال ملك الملوك، وإذا كان في اللفظ ما يدل على أن المراد به ملوك الأرض، زالت الشبهة، ومنه قولهم: اللهم أصلح الملك، فيصرف الكلام إلى المخلوقين. وكتب التميمي الحنبلي نحو ذلك، وأما الماوردي صاحب الحاوي الكبير فقد نقل عنه أنه أجاز ذلك أيضا، والمشهور عنه ما نقله ابن الجوزي والشيخ أبو منصور بن الصلاح في أدب المفتي أنه منع من ذلك وأصر على المنع من ذلك، مع صحبته للملك جلال الدولة، وكثرة ترداده إليه، ووجاهته عنده، وأنه

стр. 4440

امتنع من الحضور عن مجلسه حتى استدعاه جلال الدولة في يوم عيد، فلما دخل عليه، دخل وهو وجل خائف أن يوقع به مكروها، فلما واجهه قال له جلال الدولة: قد علمت أنه إنما منعك من موافقة الذين جوزوا ذلك مع صحبتك إياي ووجاهتك عندي، دينك واتباعك الحق، وإن الحق آثر عندك من كل أحد، ولو حابيت أحدا من الناس لحابيتني، وقد زادك ذلك عندي صحبة ومحبة، وعلو مكانة. قلت: والذي حمل القاضي الماوردي على المنع هو السنة التي وردت بها الأحاديث الصحيحة من غير وجه. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: " أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى بملك الأملاك " (١). قال الزهري: سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع أسم قال: أوضع. وقد رواه البخاري عن علي بن المديني عن ابن عيينة، وأخرجه مسلم من طريق همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل تسمى ملك الأملاك لا ملك إلا الله ". وقال الإمام أحمد: حدثني محمد بن جعفر حدثنا عوف عن جلاس عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ " اشتد غضب الله على من قتله نبي، واشتد غضب الله على رجل تسمى بملك الأملاك، لا ملك إلا الله ". وممن توفي فيها من الأعيان … الثعالبي صاحب يتيمة الدهر أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري، كان إماما في اللغة والاخبار وأيام الناس، بارعا مفيدا، له التصانيف الكبار في النظم والنثر والبلاغة والفصاحة، وأكبر كتبه يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر. وفيها يقول بعضهم (٢): أبيات أشعار اليتيمة … أبكار أفكار قديمة ماتوا وعاشت بعدهم … فلذاك سميت اليتيمة وإنما سمي الثعالبي لأنه كان رفاء يخيط جلود الثعالب، وله أشعار كثيرة مليحة، ولد سنة خمسين وثلاثمائة، ومات في هذه السنة.

стр. 4441

الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد، البغدادي الفقيه الشافعي، أحد الأئمة في الأصول والفروع، وكان ماهرا في فنون كثيرة من العلوم، منها علم الحساب والفرائض، وكان ذا مال وثروة أنفقه كله على أهل العلم، وصنف ودرس في سبعة عشر علما، وكان اشتغاله على أبي إسحاق الأسفرائيني، وأخذ عنه ناصر المروزي وغيره. ثم دخلت سنة ثلاثين وأربعمائة فيها التقى الملك مسعود بن محمود، والملك طغرلبك السلجوقي، ومعه أخوه داود، في شعبان، فهزمهما مسعود، وقتل من أصحابهما خلقا كثيرا. وفيها خطب شبيب بن ريان للقائم العباسي بحران والرحبة وقطع خطبة الفاطمي العبيدي. وفيها خوطب أبو منصور بن جلال الدولة بالملك العزيز، وهو مقيم بواسط، وهذا العزيز آخر من ملك بغداد من بني بويه، لما طغوا وتمردوا وبغوا وتسموا بملك الأملاك، فسلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وجعل الملك في غيرهم، كما قال الله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الآية [الرعد: ١١]. وفيها خلع الخليفة على القاضي أبي عبد الله بن ماكولا خلعة تشريف. وفيها وقع ثلج عظيم ببغداد مقدار شبر. قال ابن الجوزي: وفي جمادى الآخرة تملك بنو سلجوق بلاد خراسان والحبل، وتقسموا الأطراف، وهو أول ملك السلجوقية ولم يحج أحد فيها من العراق وخراسان، ولا من أهل الشام ولا مصر إلا القليل. وممن توفي فيها من الأعيان … الحافظ أبو نعيم الأصبهاني أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران، أبو نعيم الأصبهاني، الحافظ الكبير ذو التصانيف المفيدة الكثيرة الشهيرة، منها حلية الأولياء في مجلدات كثيرة، دلت على استاع روايته، وكثرة مشايخه، وقوة اطلاعه على مخارج الحديث، وشعب طرقه، وله معجم الصحابة، وهو عندي بخطه، وله صفة الجنة ودلائل النبوة، وكتاب في الطب النبوي، وغير ذلك من المصنفات المفيدة. وقد قال الخطيب البغدادي: كان أبو نعيم يخلط المسموع له بالمجاز، ولا يوضح أحدهما من الآخر. وقال عبد العزيز النخشبي: لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بن أبي أسامة من أبي بكر بن خلاد بتمامه، فحدث به كله، وقال ابن الجوزي: سمع الكثير وصنف الكثير، وكان يميل إلى مذهب الأشعري في الاعتقاد ميلا كثيرا، توفي أبو نعيم في الثامن والعشرين من المحرم منها عن أربع وتسعين

стр. 4442

سنة ﵀، لأنه ولد فيما ذكره ابن خلكان في سنة ست وثلاثين وثلاثمائة. قال: وله تاريخ أصبهان. وذكر أبو نعيم في ترجمة والده أن مهران أسلم، وأن ولاءهم لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وذكر أن معنى أصبهان وأصله بالفارسية شاهان (١)، أي مجمع العساكر، وأن الإسكندر بناها. الحسن بن حفص (٢) أبو الفتوح العلوي أمير مكة الحسن بن الحسين، أبو علي البرجمي، وزر لشرف الدولة سنتين ثم عزل، وكان عظيم الجاه في زمانه، وهو الذي بنى مارستان واسط، ورتب فيه الأشربة والأطباء والأدوية، ووقف عليه كفايته. توفي في هذه السنة وقد قارب الثمانين ﵀. الحسين بن محمد بن الحسن ابن علي بن عبد الله المؤدب، وهو أبو محمد الخلال، سمع صحيح البخاري من إسماعيل بن محمد الكشميهني، وسمع غيره، توفي في جمادى الأولى ودفن بباب حرب. عبد الملك بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن بشر بن مهران، أبو القاسم الواعظ، سمع النجاد ودعلج بن أحمد والآجري وغيرهم، وكان ثقة صدوقا، وكان يشهد عند الحكام فترك ذلك رغبة عنه ورهبة من الله، ومات في ربيع الآخر منها، وقد جاوز التسعين، وصلي عليه في جامع الرصافة، وكان الجمع كثيرا حافلا، ودفن إلى جانب أبي طالب المكي، وكان قد أوصى بذلك. محمد بن الحسين (٣) بن خلف ابن الفراء، أبو حازم (٤) القاضي أبو يعلى الحنبلي، سمع الدارقطني وابن شاهين، قال

стр. 4443

الخطيب: كان لا بأس به، ورأيت له أصولا سماعه فيها، ثم إنه بلغنا أنه خلط في الحديث بمصر واشترى من الوراقين صحفا فروى منها، وكان يذهب إلى الاعتزال. توفي بتنيس (١) من بلاد مصر. محمد بن عبد الله أبو بكر الدينوري الزاهد، كان حسن العيش، وكان ابن القزويني يثني عليه، وكان جلال الدولة صاحب بغداد يزوره، وقد سأله مرة أن يطلق للناس مكث الملح، وكان مبلغه ألفي دينار فتركه من أجله، ولما توفي اجتمع أهل بغداد لجنازته وصلي عليه مرات، ودفن بباب حرب رحمه الله تعالى. الفضل بن منصور أبو الرضى، ويعرف بابن الظريف، وكان شاعرا ظريفا ومن شعره قوله: يا قالة الشعر قد نصحت لكم … ولست أدهى إلا من النصح قد ذهب الدهر بالكرام … وفي ذاك أمور طويلة الشرح أتطلبون النوال من رجل … قد طبعت نفسه على الشح وأنتم تمدحون بالحسن والظرف … وجوها في غاية القبح من أجل ذا تحرمون رزقكم … لأنكم تكذبون في المدح صونوا القوافي فما أرى … أحدا يغتر فيه بالنجح فإن شككتم فيما أقول لكم … فكذبوني بواحد سمح هبة الله بن علي بن جعفر أبو القاسم بن ماكولا، وزر لجلال الدولة مرارا، وكان حافظا للقرآن، عارفا بالشعر والاخبار، خنق بهيت في جمادى الآخرة منها. أبو زيد الدبوسي عبد الله بن عمر بن عيسى الفقيه الحنفي، أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود.

стр. 4444

قاله ابن خلكان، وكان يضرب به المثل، والدبوس نسبة إلى قرية (١) من أعمال بخارى، قال: وله كتاب الاسرار والتقويم للأدلة، وغير ذلك من التصانيف والتعاليق، قال وروي أنه ناظر فقيها فبقي كلما ألزمه أبو زيد إلزاما تبسم أو ضحك، فأنشد أبو زيد في ذلك: ما لي إذا ألزمته حجة … قابلني بالضحك والقهقهة إن ضحك المرء من فقهه … فالدب بالصحراء ما أفقهه الحوفي صاحب إعراب القرآن أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف الحوفي النحوي، له كتاب في النحو كبير، وإعراب القرآن في عشر مجلدات، وله تفسير القرآن أيضا، وكان إماما في العربية والنحو والأدب وله تصانيف كثيرة، انتفع بها الناس. قال ابن خلكان: والحوفي نسبة لناحية بمصر يقال لها الشرقية، وقصبتها مدينة بلبيس، فجميع ريفها يسمون حوف، واحدهم حوفي وهو من قرية يقال لها شبرا النخلة من أعمال الشرقية المذكورة ﵀. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة فيها زادت دجلة زيادة عظيمة بحيث حملت الجسر ومن عليه فألقتهم بأسفل البلد وسلموا، وفيها وقع بين الجند وبين جلال الدولة شغب، وقتل من الفريقين خلق، وجرت شرور يطول ذكرها. ووقع فساد عريض واتسع الخرق على الراقع، ونهبت دور كثيرة جدا، ولم يبق للملك عندهم حرمة، وغلت الأسعار. وفيها زار الملك أبو طاهر مشهد الحسين، ومشى حافيا في بعض تلك الأزوار. ولم يحج أحد من أهل العراق. وفيها بعث الملك أبو كاليجار وزيره العادل إلى البصرة فملكها له. وممن توفي فيها من الأعيان … إسماعيل بن أحمد ابن عبد الله أبو عبد الرحمن الضرير الخيري (٢)، من أهل نيسابور، كان من أعيان الفضلاء

стр. 4445

الأذكياء، والثقات الامناء، قدم بغداد حاجا في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، فقرأ عليه الخطيب جميع صحيح البخاري في ثلاث مجالس بروايته له عن أبي الهيثم الكشميهني، عن الفربري عن البخاري، توفي فيها وقد جاوز التسعين (١). بشرى الفاتني وهو بشرى بن مسيس من سبي الروم، أهداه أمراء بني حمدان الفاتن غلام المطيع، فأدبه وسمع الحديث عن جماعة من المشايخ، وروى عنه الخطيب. وقال: كان صدوقا صالحا دينا، توفي يوم عيد الفطر منها ﵀. محمد بن علي ابن أحمد بن يعقوب بن مروان أبو العلاء الواسطي، وأصله من فم الصلح، سمع الحديث وقرأ القراءات ورواها، وقد تكلموا في روايته في القراءات والحديث فالله أعلم. توفي في جمادى الآخرة منها وقد جاوز الثمانين. ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة فيها عظم شأن السلجوقية، وارتفع شأن ملكهم طغرلبك، وأخيه داود، وهما ابنا ميكائيل بن سلجوق بن بغاق (٢)، وقد كان جدهم بغاق هذا من مشايخ الترك القدماء، الذين لهم رأي ومكيدة ومكانة عند ملكهم الأعظم، ونشأ ولده سلجوق نجيبا شهما، فقدمه الملك ولقبه شباسي (٣)، فأطاعته الجيوش وانقاد له الناس بحيث تخوف منه الملك وأراد قتله، فهرب منه إلى بلاد المسلمين، فأسلم فازداد عزا وعلوا، ثم توفي عن مائة وسبع سنين (٤)، وخلف أرسلان وميكائيل وموسى، فأما ميكائيل فإنه اعتنى بقتال الكفار من الأتراك، حتى قتل شهيدا، وخلف ولديه طغرلبك محمد، وجعفر بك داود، فعظم شأنهما في بني عمهما، واجتمع عليهما الترك من المؤمنين، وهم ترك الايمان الذين يقول لهم الناس تركمان، وهم السلاجقة بنو سلجوق جدهم هذا، فأخذوا بلاد خراسان بكمالها بعد موت محمود بن سبكتكين، وقد كان يتخوف منهم محمود بعض التخوف،

стр. 4446

فلما مات وقام ولده مسعود بعده قاتلهم وقاتلوه مرارا، فكانوا يهزمونه في أكثر المواقف، واستكمل لهم ملك خراسان بأسرها، ثم قصدهم مسعود في جنود يضيق بهم الفضاء فكسروه، وكبسه مرة داود فانهزم مسعود فاستحوذ على حواصله وخيامه، وجلس على سريره، وفرق الغنائم على جيشه، ومكث جيشه على خيولهم لا ينزلون عنها ثلاثة أيام، خوفا من دهمة العدو، وبمثل هذا تم لهم ما راموه، وكمل لهم جميع ما أملوه، ثم كان من سعادتهم أن الملك مسعود توجه نحو بلاد الهند لسبي بها وترك مع ولده مودود جيشا كثيفا بسبب قتال السلاجقة، فلما عبر الجسر الذي على سيحون نهبت جنوده حواصله، واجتمعوا على أخيه محمد بن محمود، وخلعوا مسعودا فرجع إليهم مسعود فقاتلهم فهزموه وأسروه، فقال له أخوه: والله لست بقاتلك على شر صنيعك إلي، ولكن اختر لنفسك أي بلد تكون فيه أنت وعيالك، فاختار قلعة كبرى، وكان بها، ثم إن الملك محمدا أخا مسعود جعل لولده الامر من بعده، وبايع الجيش له، وكان ولده اسمه أحمد، وكان فيه هرج، فاتفق هو ويوسف بن سبكتكين على قتل مسعود ليصفو لهم الامر، ويتم لهم الملك، فسار إليه أحمد من غير علم أبيه فقتله، فلما علم أبوه بذلك غاظه وعتب على ابنه عتبا شديدا، وبعث إلى ابن أخيه يعتذر إليه ويقسم له أنه لم يعلم بذلك، حتى كان ما كان. فكتب إليه مودود بن مسعود: رزق الله ولدك المعتوه عقلا يعيش به، فقد ارتكب أمرا عظيما، وقدم على إراقة دم مثل والدي الذي لقبه أمير المؤمنين بسيد الملوك والسلاطين، وستعلمون أي حيف تورطتم، وأي شر تأبطتم (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) [الشعراء: ٢٢٧] ثم سار إليهم في جنود فقاتلهم فقهرهم وأسرهم، فقتل عمه محمدا وابنه أحمد وبني عمه كلهم، إلا عبد الرحمن وخلقا من رؤس أمرائهم، وابتنى قرية هنالك وسماها فتحا أباذا، ثم سار إلى غزنة فدخلها في شعبان، فأظهر العدل وسلك سيرة جده محمود، فأطاعه الناس، وكتب إليه أصحاب الأطراف بالانقياد والاتباع والطاعة، غير أنه أهلك قومه بيده، وهذا من جملة سعادة السلاجقة. وفيها اختلف أولاد حماد على العزيز (١) باديس صاحب إفريقية، فسار إليهم فحاصرهم قريب من سنتين، ووقع بإفريقية في هذه السنة غلاء شديد بسبب تأخر المطر، ووقع ببغداد فتنة عظيمة بين الروافض والسنة من أهل الكرخ، وأهل باب البصرة، فقتل بينهم خلق كثير من الفريقين. ولم يحج أحد من أهل العراق وخراسان. وممن توفي فيها من الأعيان … محمد بن الحسين ابن الفضل بن العباس، أبو يعلى البصري الصوفي، أذهب عمره في الاسفار والتغريب

стр. 4447

وقدم بغداد في سنة ثنتين وثلاثين، فحدث بها عن أبي بكر بن أبي الحديد الدمشقي، وأبي الحسين بن جميع الغساني، وكان ثقة صدوقا دينا حسن الشعر. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة فيها ملك طغرلبك جرجان وطبرستان، ثم عاد إلى نيسابور مؤيدا منصورا. وفيها ولي ظهير الدولة بن جلال الدولة أبي جعفر بن كالويه (١) بعد وفاة أبيه، فوقع الخلف بينه وبين أخويه أبي كاليجار وكرسانيف (٢). وفيها دخل أبو كاليجار همذان ودفع الغز عنها. وفيها شعثت الأكراد ببغداد لسبب تأخر العطاء عنهم. وفيها سقطت قنطرة بني زريق على نهر عيسى، وكذا القنطرة الكثيفة التي تقابلها. وفيها دخل بغداد رجل من البلغار يريد الحج، وذكر أنه من كبارهم، فأنزل بدار الخلافة وأجرى عليه الأرزاق، وذكر أنهم مولدون من الترك والصقالبة، وأنهم في أقصى بلاد الترك، وأن النهار يقصر عندهم حتى يكون ست ساعات، وكذلك الليل، وعندهم عيون وزروع وثمار، على غير مطر ولا سقي. وفيها قرئ الاعتقاد القادري الذي جمعه الخليفة القادر، وأخذت خطوط العلماء والزهاد عليه بأنه اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فسق وكفر، وكان أول من كتب عليه الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، ثم كتب بعده العلماء، وقد سرده الشيخ أبو الفرج بن الجوزي بتمامه في منتظمه، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السلف. وممن توفي فيها من الأعيان … بهرام بن منافيه (٣) أبو منصور الوزير لأبي كاليجار، كان عفيفا نزها صينا، عادلا في سيرته، وقد وقف خزانة كتب في مدينة فيروزباذ، تشتمل على سبعة آلاف مجلد، من ذلك أربعة آلاف ورقة بخط أبي علي وأبي عبد الله بن مقلة (٤).

стр. 4448

محمد بن جعفر بن الحسين المعروف بالجهرمي (١)، قال الخطيب: هو أحد الشعراء الذين لقيناهم وسمعنا منهم، وكان يجيد القول، ومن شعره: يا ويح قلبي من تقلبه … أبدا نحن إلى معذبه قالوا: كتمت هواه عن جلد … لو أن لي جلد (٢) لبحت به ما بي جننت غير مكترث … عني ولكن من تغيبه (٣) حسبي رضاه من الحياة وما … يلقى (٤) وموتي من تغضبه مسعود الملك بن الملك محمود ابن الملك سبكتيكن، صاحب غزنة وابن صاحبها، قتله ابن عمه أحمد بن محمد بن محمود، فانتقم له ابنه مودود بن مسعود، فقتل قاتل أبيه وعمه وابن عمه وأهل بيته، من أجل أبيه، واستتب له الامر وحده من غير منازع من قومه كما تقدم. بنت أمير المؤمنين المتقي بالله تأخرت مدتها حتى توفيت في هذه السنة في رجب منها عن إحدى وتسعين سنة، بالحريم الظاهر، ودفنت بالرصافة. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وأربعمائة فيها أمر الملك جلال الدولة أبا طاهر بجباية أموال الجوالي، ومنع أصحاب الخليفة من قبضها فانزعج لذلك الخليفة القائم بالله، وعزم على الخروج من بغداد. وفيها كانت زلزلة عظيمة بمدينة تبريز، فهدمت قلعتها وسورها ودورها، ومن دار الامارة عامة قصورها، ومات تحت الهدم خمسون ألفا، ولبس أهلها المسوح لشدة مصابهم. وفيها استولى السلطان طغرلبك على أكثر البلاد الشرقية من ذلك مدينة خوارزم ودهستان وطيس والري وبلاد الجبل وكرمان وأعمالها، وقزوين. وخطب له في تلك النواحي كلها، وعظم شأنه جدا، واتسع صيته. وفيها ملك سماك بن صالح بن مرداس حلب، أخذها من الفاطميين، فبعث إليه المصريون من حاربه. ولم يحج أحد من هل العراق وغيرها، ولا في اللواتي قبلها.

стр. 4449

وممن توفي فيها من الأعيان … أبو ذر الهروي عبد الله بن أحمد بن محمد الحافظ المالكي، سمع الكثير ورحل إلى الأقاليم، وسكن مكة، ثم تزوج في العرب، وكان يحج كل سنة ويقيم بمكة أيام الموسم ويسمع الناس، ومنه أخذ المغاربة مذهب الأشعري عنه، وكان يقول إنه أخذ مذهب مالك عن الباقلاني، كان حافظا، توفي في ذي القعدة. محمد بن الحسين ابن محمد بن جعفر، أبو الفتح الشيباني العطار، ويعرف بقطيط، سافر الكثير إلى البلاد، وسمع الكثير، وكان شيخا ظريفا، سلك طريق التصوف، وكان يقول: لما ولدت سميت قطيطا على أسماء البادية، ثم سماني بعض أهلي محمدا. ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة فيها ردت الجوالي إلى نواب الخليفة. وفيها ورد كتاب من الملك طغرلبك إلى جلال الدولة يأمره بالاحسان إلى الرعايا والوصاة بهم، قبل أن يحل به ما يسوءه. أبو كاليجار يملك بغداد بعد أخيه جلال الدولة وفيها توفي جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة، فملك بغداد بعده أخوه سلطان الدولة أبو كاليجار بن بهاء الدولة، وخطب له بها عن ممالاة أمرائها، وأخرجوا منها الملك العزيز أبا منصور بن جلال الدولة، فتنقل في البلاد وتسرب من مملكته إلى غيرها حتى توفي سنة إحدى وأربعين، وحمل فدفن عند أبيه بمقابر قريش. وفيها أرسل الملك مودود بن مسعود عسكرا كثيفا إلى خراسان فبرز إليهم ألب أرسلان بن داود السلجوقي فاقتتلا قتالا عظيما، وفي صفر منها أسلم من الترك الذين كانوا يطرقون بلاد المسلمين نحو من عشرة آلاف خركاة، وضحوا في يوم عيد الأضحى بعشرين ألف رأس من الغنم، وتفرقوا في البلاد، ولم يسلم من خطا والتتر أحد وهم بنواحي الصين. وفيها نفى ملك الروم من القسطنطينية كل غريب له فيها دون العشرين سنة. وفيها خطب المعز أبو تميم صاحب إفريقية ببلاده للخليفة العباسي، وقطع خطبة الفاطميين وأحرق أعلامهم، وأرسل إليه الخليفة الخلع واللواء المنشور، وفيه تعظيم له وثناء عليه. وفيها أرسل القائم بأمر الله أبا الحسن علي بن

стр. 4450

محمد بن حبيب الماوردي قبل موت جلال الدولة إلى الملك طغرلبك ليصلح بينه وبين جلال الدولة وأبي كاليجار، فسار إليه فالتقاه بجرجان فتلقاه الملك على أربعة فراسخ إكراما للخليفة، وأقام عنده إلى السنة الآتية. فلما قدم على الخليفة أخبره بطاعته وإكرامه لأجل الخليفة. وفيها توفي من الأعيان … الحسين بن عثمان ابن سهل بن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي، أبو سعد أحد الرحالين في طلب الحديث إلى البلاد المتباعدة، ثم أقام ببغداد مدة وحدث بها، وروى عنه الخطيب، وقال: كان صدوقا، ثم انتقل في آخر عمره إلى مكة فأقام بها حتى مات في شوال منها. عبد الله بن أبي الفتح أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر، أبو القاسم الأزهري، الحافظ المحدث المشهور، ويعرف بابن السواري، سمع من أبي بكر بن مالك وخلق يطول ذكرهم، وكان ثقة صدوقا، دينا، حسن الاعتقاد والسيرة، توفي ليلة الثلاثاء تاسع عشر صفر منها عن ثمانين سنة وعشرة أيام. الملك جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة بن بويه الديلمي، صاحب العراق، كان يحب العباد ويزورهم، ويلتمس الدعاء منهم، وقد نكب مرات عديدة، وأخرج من داره، وتارة أخرج من بغداد بالكلية، ثم يعود إليها حتى اعتراه وجع كبده فمات من ذلك في ليلة الجمعة خامس شعبان منها، وله من العمر إحدى وخمسين سنة وأشهر، تولى العراق من ذلك ست (١) عشرة سنة وإحدى عشر شهرا والله أعلم. ثم دخلت سنة ست وثلاثين وأربعمائة فيها دخل الملك أبو كاليجار بغداد وأمر بضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس، ولم تكن الملوك تفعل ذلك، إنما كان يضرب لعضد الدولة ثلاث أوقات، وما كان يضرب في الأوقات الخمس إلا للخليفة، وكان دخوله إليها في رمضان، وقد فرق على الجند أموالا جزيلة، وبعث إلى الخليفة بعشرة آلاف دينار، وخلع على مقدمي الجيوش وهم البساسيري، والنشاوري، والهمام أبو اللقاء، ولقبه الخليفة محيي الدولة، وخطب له في بلاد كثيرة بأمر ملوكها، وخطب له بهمذان، ولم
следующие страницы →