فلما مات وقام ولده مسعود بعده قاتلهم وقاتلوه مرارا، فكانوا يهزمونه في أكثر المواقف، واستكمل لهم ملك خراسان بأسرها، ثم قصدهم مسعود في جنود يضيق بهم الفضاء فكسروه، وكبسه مرة داود فانهزم مسعود فاستحوذ على حواصله وخيامه، وجلس على سريره، وفرق الغنائم على جيشه، ومكث جيشه على خيولهم لا ينزلون عنها ثلاثة أيام، خوفا من دهمة العدو، وبمثل هذا تم لهم ما راموه، وكمل لهم جميع ما أملوه، ثم كان من سعادتهم أن الملك مسعود توجه نحو بلاد الهند لسبي بها وترك مع ولده مودود جيشا كثيفا بسبب قتال السلاجقة، فلما عبر الجسر الذي على سيحون نهبت جنوده حواصله، واجتمعوا على أخيه محمد بن محمود، وخلعوا مسعودا فرجع إليهم مسعود فقاتلهم فهزموه وأسروه، فقال له أخوه: والله لست بقاتلك على شر صنيعك إلي، ولكن اختر لنفسك أي بلد تكون فيه أنت وعيالك، فاختار قلعة كبرى، وكان بها، ثم إن الملك محمدا أخا مسعود جعل لولده الامر من بعده، وبايع الجيش له، وكان ولده اسمه أحمد، وكان فيه هرج، فاتفق هو ويوسف بن سبكتكين على قتل مسعود ليصفو لهم الامر، ويتم لهم الملك، فسار إليه أحمد من غير علم أبيه فقتله، فلما علم أبوه بذلك غاظه وعتب على ابنه عتبا شديدا، وبعث إلى ابن أخيه يعتذر إليه ويقسم له أنه لم يعلم بذلك، حتى كان ما كان. فكتب إليه مودود بن مسعود: رزق الله ولدك المعتوه عقلا يعيش به، فقد ارتكب أمرا عظيما، وقدم على إراقة دم مثل والدي الذي لقبه أمير المؤمنين بسيد الملوك والسلاطين، وستعلمون أي حيف تورطتم، وأي شر تأبطتم (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) [الشعراء: ٢٢٧] ثم سار إليهم في جنود فقاتلهم فقهرهم وأسرهم، فقتل عمه محمدا وابنه أحمد وبني عمه كلهم، إلا عبد الرحمن وخلقا من رؤس أمرائهم، وابتنى قرية هنالك وسماها فتحا أباذا، ثم سار إلى غزنة فدخلها في شعبان، فأظهر العدل وسلك سيرة جده محمود، فأطاعه الناس، وكتب إليه أصحاب الأطراف بالانقياد والاتباع والطاعة، غير أنه أهلك قومه بيده، وهذا من جملة سعادة السلاجقة.
وفيها اختلف أولاد حماد على العزيز (١) باديس صاحب إفريقية، فسار إليهم فحاصرهم قريب من سنتين، ووقع بإفريقية في هذه السنة غلاء شديد بسبب تأخر المطر، ووقع ببغداد فتنة عظيمة بين الروافض والسنة من أهل الكرخ، وأهل باب البصرة، فقتل بينهم خلق كثير من الفريقين. ولم يحج أحد من أهل العراق وخراسان.
وممن توفي فيها من الأعيان …
محمد بن الحسين
ابن الفضل بن العباس، أبو يعلى البصري الصوفي، أذهب عمره في الاسفار والتغريب
стр. 4447
وقدم بغداد في سنة ثنتين وثلاثين، فحدث بها عن أبي بكر بن أبي الحديد الدمشقي، وأبي الحسين بن جميع الغساني، وكان ثقة صدوقا دينا حسن الشعر.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة
فيها ملك طغرلبك جرجان وطبرستان، ثم عاد إلى نيسابور مؤيدا منصورا. وفيها ولي ظهير الدولة بن جلال الدولة أبي جعفر بن كالويه (١) بعد وفاة أبيه، فوقع الخلف بينه وبين أخويه أبي كاليجار وكرسانيف (٢). وفيها دخل أبو كاليجار همذان ودفع الغز عنها. وفيها شعثت الأكراد ببغداد لسبب تأخر العطاء عنهم. وفيها سقطت قنطرة بني زريق على نهر عيسى، وكذا القنطرة الكثيفة التي تقابلها. وفيها دخل بغداد رجل من البلغار يريد الحج، وذكر أنه من كبارهم، فأنزل بدار الخلافة وأجرى عليه الأرزاق، وذكر أنهم مولدون من الترك والصقالبة، وأنهم في أقصى بلاد الترك، وأن النهار يقصر عندهم حتى يكون ست ساعات، وكذلك الليل، وعندهم عيون وزروع وثمار، على غير مطر ولا سقي. وفيها قرئ الاعتقاد القادري الذي جمعه الخليفة القادر، وأخذت خطوط العلماء والزهاد عليه بأنه اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فسق وكفر، وكان أول من كتب عليه الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، ثم كتب بعده العلماء، وقد سرده الشيخ أبو الفرج بن الجوزي بتمامه في منتظمه، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السلف.
وممن توفي فيها من الأعيان …
بهرام بن منافيه (٣)
أبو منصور الوزير لأبي كاليجار، كان عفيفا نزها صينا، عادلا في سيرته، وقد وقف خزانة كتب في مدينة فيروزباذ، تشتمل على سبعة آلاف مجلد، من ذلك أربعة آلاف ورقة بخط أبي علي وأبي عبد الله بن مقلة (٤).
стр. 4448
محمد بن جعفر بن الحسين
المعروف بالجهرمي (١)، قال الخطيب: هو أحد الشعراء الذين لقيناهم وسمعنا منهم، وكان
يجيد القول، ومن شعره:
يا ويح قلبي من تقلبه … أبدا نحن إلى معذبه
قالوا: كتمت هواه عن جلد … لو أن لي جلد (٢) لبحت به
ما بي جننت غير مكترث … عني ولكن من تغيبه (٣)
حسبي رضاه من الحياة وما … يلقى (٤) وموتي من تغضبه
مسعود الملك بن الملك محمود
ابن الملك سبكتيكن، صاحب غزنة وابن صاحبها، قتله ابن عمه أحمد بن محمد بن محمود، فانتقم له ابنه مودود بن مسعود، فقتل قاتل أبيه وعمه وابن عمه وأهل بيته، من أجل أبيه، واستتب له الامر وحده من غير منازع من قومه كما تقدم. بنت أمير المؤمنين المتقي بالله تأخرت مدتها حتى توفيت في هذه السنة في رجب منها عن إحدى وتسعين سنة، بالحريم الظاهر، ودفنت بالرصافة.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وأربعمائة
فيها أمر الملك جلال الدولة أبا طاهر بجباية أموال الجوالي، ومنع أصحاب الخليفة من قبضها فانزعج لذلك الخليفة القائم بالله، وعزم على الخروج من بغداد. وفيها كانت زلزلة عظيمة بمدينة تبريز، فهدمت قلعتها وسورها ودورها، ومن دار الامارة عامة قصورها، ومات تحت الهدم خمسون ألفا، ولبس أهلها المسوح لشدة مصابهم. وفيها استولى السلطان طغرلبك على أكثر البلاد الشرقية من ذلك مدينة خوارزم ودهستان وطيس والري وبلاد الجبل وكرمان وأعمالها، وقزوين. وخطب له في تلك النواحي كلها، وعظم شأنه جدا، واتسع صيته. وفيها ملك سماك بن صالح بن مرداس حلب، أخذها من الفاطميين، فبعث إليه المصريون من حاربه. ولم يحج أحد من هل العراق وغيرها، ولا في اللواتي قبلها.
стр. 4449
وممن توفي فيها من الأعيان …
أبو ذر الهروي
عبد الله بن أحمد بن محمد الحافظ المالكي، سمع الكثير ورحل إلى الأقاليم، وسكن مكة، ثم تزوج في العرب، وكان يحج كل سنة ويقيم بمكة أيام الموسم ويسمع الناس، ومنه أخذ المغاربة مذهب الأشعري عنه، وكان يقول إنه أخذ مذهب مالك عن الباقلاني، كان حافظا، توفي في ذي القعدة.
محمد بن الحسين
ابن محمد بن جعفر، أبو الفتح الشيباني العطار، ويعرف بقطيط، سافر الكثير إلى البلاد، وسمع الكثير، وكان شيخا ظريفا، سلك طريق التصوف، وكان يقول: لما ولدت سميت قطيطا على أسماء البادية، ثم سماني بعض أهلي محمدا.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة
فيها ردت الجوالي إلى نواب الخليفة. وفيها ورد كتاب من الملك طغرلبك إلى جلال الدولة يأمره بالاحسان إلى الرعايا والوصاة بهم، قبل أن يحل به ما يسوءه.
أبو كاليجار يملك بغداد بعد أخيه جلال الدولة
وفيها توفي جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة، فملك بغداد بعده أخوه سلطان الدولة أبو كاليجار بن بهاء الدولة، وخطب له بها عن ممالاة أمرائها، وأخرجوا منها الملك العزيز أبا منصور بن جلال الدولة، فتنقل في البلاد وتسرب من مملكته إلى غيرها حتى توفي سنة إحدى وأربعين، وحمل فدفن عند أبيه بمقابر قريش. وفيها أرسل الملك مودود بن مسعود عسكرا كثيفا إلى خراسان فبرز إليهم ألب أرسلان بن داود السلجوقي فاقتتلا قتالا عظيما، وفي صفر منها أسلم من الترك الذين كانوا يطرقون بلاد المسلمين نحو من عشرة آلاف خركاة، وضحوا في يوم عيد الأضحى بعشرين ألف رأس من الغنم، وتفرقوا في البلاد، ولم يسلم من خطا والتتر أحد وهم بنواحي الصين. وفيها نفى ملك الروم من القسطنطينية كل غريب له فيها دون العشرين سنة. وفيها خطب المعز أبو تميم صاحب إفريقية ببلاده للخليفة العباسي، وقطع خطبة الفاطميين وأحرق أعلامهم، وأرسل إليه الخليفة الخلع واللواء المنشور، وفيه تعظيم له وثناء عليه. وفيها أرسل القائم بأمر الله أبا الحسن علي بن
стр. 4450
محمد بن حبيب الماوردي قبل موت جلال الدولة إلى الملك طغرلبك ليصلح بينه وبين جلال الدولة وأبي كاليجار، فسار إليه فالتقاه بجرجان فتلقاه الملك على أربعة فراسخ إكراما للخليفة، وأقام عنده إلى السنة الآتية. فلما قدم على الخليفة أخبره بطاعته وإكرامه لأجل الخليفة.
وفيها توفي من الأعيان …
الحسين بن عثمان
ابن سهل بن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي، أبو سعد أحد الرحالين في طلب الحديث إلى البلاد المتباعدة، ثم أقام ببغداد مدة وحدث بها، وروى عنه الخطيب، وقال: كان صدوقا، ثم انتقل في آخر عمره إلى مكة فأقام بها حتى مات في شوال منها.
عبد الله بن أبي الفتح
أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر، أبو القاسم الأزهري، الحافظ المحدث المشهور، ويعرف بابن السواري، سمع من أبي بكر بن مالك وخلق يطول ذكرهم، وكان ثقة صدوقا، دينا، حسن الاعتقاد والسيرة، توفي ليلة الثلاثاء تاسع عشر صفر منها عن ثمانين سنة وعشرة أيام.
الملك جلال الدولة
أبو طاهر بن بهاء الدولة بن بويه الديلمي، صاحب العراق، كان يحب العباد ويزورهم، ويلتمس الدعاء منهم، وقد نكب مرات عديدة، وأخرج من داره، وتارة أخرج من بغداد بالكلية، ثم يعود إليها حتى اعتراه وجع كبده فمات من ذلك في ليلة الجمعة خامس شعبان منها، وله من العمر إحدى وخمسين سنة وأشهر، تولى العراق من ذلك ست (١) عشرة سنة وإحدى عشر شهرا والله أعلم.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وأربعمائة
فيها دخل الملك أبو كاليجار بغداد وأمر بضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس، ولم تكن الملوك تفعل ذلك، إنما كان يضرب لعضد الدولة ثلاث أوقات، وما كان يضرب في الأوقات الخمس إلا للخليفة، وكان دخوله إليها في رمضان، وقد فرق على الجند أموالا جزيلة، وبعث إلى الخليفة بعشرة آلاف دينار، وخلع على مقدمي الجيوش وهم البساسيري، والنشاوري، والهمام أبو اللقاء، ولقبه الخليفة محيي الدولة، وخطب له في بلاد كثيرة بأمر ملوكها، وخطب له بهمذان، ولم
стр. 4451
يبق لنواب طغرلبك فيها أمر. وفيها استوزر طغرلبك أبا القاسم (١) عبد الله الجويني، وهو أول وزير وزر له. وفيها ورد أبو نصر أحمد بن يوسف الصاحب مصر، وكان يهوديا فأسلم بعد موت الجرجراي. وفيها تولى نقابة الطالبيين أبو أحمد عدنان بن الرضي، وذلك بعد وفاة عمه المرتضى. وفيها ولي القضاء أبو الطيب الطبري، قضاء الكرخ، مضافا إلى ما كان يتولاه من القضاء بباب الطاق، وذلك بعد موت القاضي الصيمري. وفيها نظر رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المسلم في كتاب ديوان الخليفة، وكان عنده بمنزلة عالية. ولم يحج فيها أحد من أهل العراق.
وممن توفي فيها من الأعيان …
الحسين بن علي
ابن محمد بن جعفر، أبو عبد الله الصيمري نسبة إلى نهر البصرة يقال له صيمر، عليه عدة قرى، أحد أئمة الحنفية، ولي قضاء المدائن ثم قضاء ربع الكرخ، وحدث عن أبي بكر المفيد، وابن شاهين وغيرهما، وكان صدوقا وافر العقل، جميل المعاشرة، حسن العبادة، عارفا بحقوق العلماء. توفي في شوال عن خمس وثمانين سنة.
عبد الوهاب بن منصور
ابن أحمد، أبو الحسن المعروف بابن المشتري الأهوازي، كان قاضيا بالأهواز (٢) ونواحيها، شافعي المذهب، كان له منزلة كبيرة عند السلطان، وكان صدوقا كثير المال، حسن السيرة.
الشريف المرتضى
علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الشريف الموسوي، الملقب بالمرتضى، ذي المجدين، كان أكبر من أخيه ذي الحسبين وكان جيد الشعر على مذهب الإمامية والاعتزال، يناظر على ذلك، وكان يناظر عنده في كل المذاهب، وله تصانيف في التشيع، أصولا وفروعا، وقد نقل ابن الجوزي أشياء من تفرداته في التشيع، فمن ذلك أنه لا يصح السجود إلا على الأرض أو ما كان من جنسها، وأن الاستجمار إنما يجزئ في الغائط لا في البول، وأن الكتابيات حرام، وكذا ذبائح أهل الكتاب، وما ولدوه هم وسائر الكفار من الأطعمة
стр. 4452
حرام، وأن الطلاق لا يقع إلا بحضرة شاهدين، والمعلق منه لا يقع وإن وجد شرطه، ومن نام عن صلاة العشاء حتى انتصف الليل وجب قضاؤها، ويجب عليه أن يصبح صائما كفارة لما وقع منه. ومن ذلك أن المرأة إذا جزت شعرها يجب عليها كفارة قتل الخطأ، ومن شق ثوبه في مصيبة وجب عليه كفارة اليمين، ومن تزوج امرأة لها زوج لا يعلمه وجب عليه أن يتصدق بخمسة دراهم، وأن قطع السارق من رؤوس الأصابع. قال ابن الجوزي: نقلته من خط أبي الوفاء بن عقيل. قال: وهذه مذاهب عجيبة، تخرق الاجماع، وأعجب منها ذم الصحابة ﵃. ثم سرد من كلامه شيئا قبيحا في تكفير عمر بن الخطاب وعثمان وعائشة وحفصة ﵃ وأخزاه الله وأمثاله من الأرجاس الأنجاس، أهل الرفض والارتكاس، إن لم يكن تاب، فقد روى ابن الجوزي قال: أنبأنا ابن ناصر، عن أبي الحسن بن الطيوري قال: سمعت أبا القاسم بن برهان يقول: دخلت على الشريف المرتضى وإذا هو قد حول وجهه إلى الجدار وهو يقول: أبو بكر وعمر وليا فعدلا واسترحما فرحما، فأنا أقول ارتدا بعدما أسلما؟ قال: فقمت عنه فما بلغت عتبة داره حتى سمعت الزعقة عليه. توفي في هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة. وقد ذكره ابن خلكان فملس عليه على عادته مع الشعراء في الثناء عليهم، وأورد له أشعارا رائقة. قال ويقال: إنه هو الذي وضع كتاب نهج البلاغة.
محمد بن أحمد
ابن شعيب بن عبد الله بن الفضل، أبو منصور الروياني، صاحب الشيخ أبي حامد الأسفراييني قال الخطيب: سكن بغداد وحدث بها، وكتبنا عنه، وكان صدوقا يسكن قطيعة الربيع. توفي في ربيع الأول منها، ودفن بباب حرب.
أبو الحسين البصري المعتزلي
محمد بن علي بن الخطيب (١)، أبو الحسين البصري المتكلم، شيخ المعتزلة والمنتصر لهم، والمحامي عن ذمهم بالتصانيف الكثيرة، توفي في ربيع الآخر منها، وصلى عليه القاضي أبو عبد الله الصيمري، ودفن في الشونيزي، ولم يرو من الحديث سوى حديث واحد، رواه الخطيب البغدادي في تاريخه: حدثنا محمد بن علي بن الطيب قرئ على هلال بن محمد بن أخي هلال الرأي، بالبصرة وأنا أسمع، قيل له حدثكم أبو مسلم الكجي وأبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي والغلابي والمازني والزريقي قالوا: حدثنا القعنبي، عن شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن أبي مسعود
стр. 4453
البدري. قال: قال رسول الله ﷺ : " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة إذا لم تستح فاصنع ما شئت ". والغلابي اسمه محمد، والمازني اسمه محمد بن حامد (١)، والزريقي أبو علي محمد بن أحمد بن خالد البصري.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وأربعمائة
فيها بعث السلطان طغرلبك السلجوقي أخاه إبراهيم إلى بلاد الجبل فملكها، وأخرج عنها صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة، فالتحق بالأكراد، ثم سار إبراهيم إلى الدينور فملكها أيضا، وأخرج صاحبها وهو أبو الشوك، فسار إلى حلوان فتبعه إبراهيم فملك حلوان قهرا، وأحرق داره وغنم أمواله، فعند ذلك تجهز الملك أبو كاليجار لقتال السلاجقة الذين تعدوا على أتباعه، فلم يمكنه ذلك لقلة الظهر، وذلك أن الآفة اعترت في هذه السنة الخيل فمات له فيها نحو من اثني عشر ألف فرس، بحيث جافت بغداد من جيف الخيل. وفيها وقع بين الروافض والسنة ثم اتفق الفريقان على نهب دور اليهود، وإحراق الكنيسة العتيقة، التي لهم، واتفق موت رجل من أكابر النصارى بواسط فجلس أهله لعزائه على باب مسجد هناك وأخرجوا جنازته جهرا، ومعها طائفة من الأتراك يحرسونها، فحملت عليهم العامة فهزموهم وأخذوا الميت منهم واستخرجوه من أكفانه فأحرقوه، ورموا رماده في دجلة، ومضوا إلى الدير فنهبوه، وعجز الأتراك عن دفعهم. ولم يحج فيها أحد من أهل العراق. وممن توفي فيها من الأعيان …
فارس بن محمد بن عتاز (٢)
صاحب الدينور وغيرهم، توفي في هذا الأوان.
خديجة بنت موسى
ابن عبد الله الواعظة، وتعرف ببنت البقال، وتكنى أم سلمة، قال الخطيب: كتبت عنها
وكانت فقيرة صالحة فاضلة.
أحمد بن يوسف السليكي المنازي (٣)
الشاعر الكاتب، وزير أحمد بن مروان الكردي، صاحب ميافارقين وديار بكر، كان فاضلا
стр. 4454
بارعا لطيفا، تردد في الترسل إلى القسطنطينية غير مرة، وحصل كتبا عزيزة أوقفها على جامعي آمد وميافارقين، ودخل يوما على أبي العلاء المعري فقال له: إني معتزل الناس وهم يؤذونني، وتركت لهم الدنيا، فقال له الوزير: والآخرة أيضا. فقال والآخرة يا قاضي؟ قال نعم:. وله ديوان قليل النظير عزيز الوجود، حرص عليه القاضي الفاضل فلم يقدر عليه، توفي فيها. ومن شعره في وادي نزاعة (١):
وقانا لفحة الرمضاء واد … وقاه مضاعف النبت العميم
نزلنا دوحه فحنا علينا … حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالا … ألذ من المدامة للنديم
يراعي الشمس أنى قابلته … فيحجبها ليأذن للنسيم
تروع حصاه حالية العذارى … فتلمس جانب العقد النظيم (٢)
قال ابن خلكان: وهذه الأبيات بديعة في بابها.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة
استهلت هذه السنة والموتان كثير في الدواب جدا، حتى جافت بغداد قال ابن الجوزي: وربما أحضر بعض الناس الأطباء لأجل دوابهم فيسقونها ماء الشعير ويطببونها، وفيها حاصر السلطان بن طغرلبك أصبهان فصالحه أهلها على مال يحملونه إليه، وأن يخطب له بها، فأجابوه إلى ذلك. وفيها ملك مهلهل (٣) قرميسين والدينور. وفيها تأمر على بني خفاجة رجل يقال له رجب بن أبي منيع بن ثمال، بعد وفاة بدران بن سلطان بن ثمال، وهؤلاء الاعراب أكثر من يصد الناس عن بيت الله الحرام، فلا جزاهم الله خيرا.
وممن توفي فيها من الأعيان …
الشيخ أبو محمد الجويني
إمام الشافعية: عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه (٤) الشيخ أبو محمد الجويني، وهو والد
стр. 4455
إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن أبي محمد، وأصله من قبيلة يقال لها سنبس، وجوين من نواحي نيسابور، سمع الحديث من بلاد شتى على جماعة، وقرأ الأدب على أبيه، وتفقه بأبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي، ثم خرج إلى مرو إلى أبي بكر عبد الله بن أحمد القفال، ثم عاد إلى نيسابور وعقد مجلس المناظرة، وكان مهيبا لا يجري بين يديه إلا الجد، وصنف التصانيف الكثيرة في أنواع من العلوم وكان زاهدا شديد الاحتياط لدينه حتى ربما أخرج الزكاة مرتين. وقد ذكرته في طبقات الشافعية وذكرت ما قاله الأئمة في مدحه، توفي في ذي القعدة منها. قال ابن خلكان: صنف التفسير الكبير المشتمل على أنواع العلوم، وله في الفقه التبصرة والتذكرة، وصنف مختصر المختصر والفرق والجمع، والسلسلة وغير ذلك، وكان أماما في الفقه والأصول والأدب والعربية. توفي في هذه السنة، وقيل سنة أربع وثلاثين. قاله السمعاني في الأنساب، وهو في سن الكهولة.
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأربعمائة
فيها اصطلح الملك طغرلبك وأبو كاليجار، وتزوج طغرلبك بابنته، وتزوج أبو منصور بن كاليجار بابنة الملك داود أخي طغرلبك. وفيها أسرت الأكراد سرخاب أخا أبي الشوك وأحضروه بين يدي أميرهم ينال، فأمر بقلع إحدى عينيه، وفيها استولى أبو كاليجار على بلاد البطيحة ونجا صاحبها أبو نصر بنفسه. وفيها ظهر رجل يقال له الأصفر التغلبي، وادعى أنه من المذكورين في الكتب، فاستغوى خلقا، وقصد بلادا فغنم منها أموالا تقوى بها، وعظم أمره. ثم اتفق له أسر وحمل إلى نصر الدولة بن مروان صاحب ديار بكر، فاعتقله وسد عليه باب السجن. وفيها كان وباء شديد بالعراق والجزيرة، بسبب جيف الدواب التي ماتت، فمات فيها خلق كثير، حتى خلت الأسواق وقلت الأشياء التي يحتاج إليها المرضى، وورد كتاب من الموصل بأنه لا يصلي الجمعة من أهلها إلا نحو أربعمائة، وأن أهل الذمة لم يبق منهم إلا نحو مائة وعشرين نفسا. وفيها وقع غلاء شديد أيضا ووقعت فتنة بين الروافض والسنة ببغداد، قتل فيها خلق كثير. ولم يحج فيها أحد من ركب العراق.
وممن توفي فيها من الأعيان …
أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد
أبو الفضل القاضي الهاشمي، الرشيدي، من ولد الرشيد، ولي القضاء بسجستان، وسمع الحديث من الغطريفي. قال الخطيب، أنشدني لنفسه قوله:
قالوا اقتصد في الجود إنك منصف … عدل وذو الانصاف ليس يجور
стр. 4456
فأجبتهم إني سلالة معشر … لهم لواء في الندى منشور
تالله إني شائد ما قدموا … جدي الرشيد وقبله المنصور
عبد الواحد بن محمد
ابن يحيى بن أيوب أبو القاسم الشاعر المعروف بالمطرز، ومن شعره قوله:
يا عبد كم لك من ذنب ومعصية … إن كنت ناسيها فالله أحصاها
لا بد يا عبد من يوم تقوم به … ووقفة لك يدمي القلب ذكراها
إذا عرضت على قلبي تذكرها … وساء ظني فقلت أستغفر الله
محمد بن الحسن بن علي
ابن عبد الرحيم أبو سعد الوزير، وزر للملك جلال الدولة ست مرات، ثم كان موته بجزيرة ابن عمر فيها عن ست وخمسين سنة.
محمد بن أحمد بن موسى
أبو عبد الله الواعظ الشيرازي، قال الخطيب: قدم بغداد وأظهر الزهد والتقشف والورع، وعزوف النفس عن الدنيا، فافتتن الناس به، وكان يحضر مجلسه خلق كثير، ثم إنه بعد حين كان يعرض عليه الشئ فيقبله، فكثرت أمواله ولبس الثياب الناعمة وجرت له أمور، وكثرت أتباعه وأظهر أنه يريد الغزو فاتبعه نفر كثير، فعسكر بظاهر البلد، وكان يضرب له الطبل في أوقات الصلوات وسار إلى ناحية أذربيجان، فالتف عليه خلق كثير، وضاها أمير تلك الناحية، وكانت وفاته هنالك في هذه السنة. قال الخطيب: وقد حدث ببغداد وكتبت عنه أحاديث يسيرة، وحدثني بعض أصحابنا عنه بشئ يدل على ضعفه، وأنشد هو لبعضهم:
إذا ما أطعت النفس في كل لذة … نسبت إلى غير الحجى والتكرم
إذا ما أجبت الناس في كل دعوة … دعتك إلى الامر القبيح المحرم
المظفر بن الحسين
ابن عمر بن برهان، أبو الحسن الغزال، سمع محمد بن المظفر وغيره، وكان صدوقا.
стр. 4457
محمد بن علي بن إبراهيم
أبو الخطاب الحنبلي (١) الشاعر، من شعره قوله:
ما حكم الحب فهو ممتثل … وما جناه الحبيب محتمل
يهوى ويشكو الضنى وكل هوى … لا ينحل الجسم فهو منتحل
وقد سافر إلى الشام فاجتاز بمعرة النعمان فامتدحه أبو العلاء المعري بأبيات، فأجابه مرتجلا عنها. وقد كان حسن العينين حين سافر، فما رجع إلى بغداد إلا وهو أعمى. توفي في ذي القعدة منها ويقال إنه كان شديد الرفض فالله أعلم.
الشيخ أبو علي السنجي
الحسين بن شعيب بن محمد شيخ الشافعية في زمانه، أخذ عن أبي بكر القفال، وشرح الفروع لابن الحداد، وقد شرحها قبله شيخه، وقبله القاضي أبو الطيب الطبري، وشرح أبو علي السنجي كتاب التلخيص لابن القاص، شرحا كبيرا، وله كتاب المجموع، ومنه أخذ الغزالي في الوسيط. قال ابن خلكان، وهو أول من جمع بين طريقة العراقيين والخراسانيين. توفي سنة بضع وثلاثين وأربعمائة
ثم دخلت سنة أربعين وأربعمائة
في هذه السنة توفي الملك أبو كاليجار في جمادى الأولى منها، صاحب بغداد، مرض وهو في برية، ففصد في يوم ثلاث مرات، وحمل في محفة فمات ليلة الخميس، ونهبت الغلمان الخزائن، وأحرق الجواري الخيام، سوى الخيمة التي هو فيها، وولى بعده ابنه أبو نصر، وسموه الملك الرحيم، ودخل دار الخلافة فخلع عليه الخليفة سبع خلع، وسوره وطوقه وجعل على رأسه التاج والعمامة السوداء، ووصاه الخليفة، ورجع إلى داره وجاء الناس ليهنئوه. وفيها دار السور على شيراز، وكان دوره اثني عشرة ألف ذراع، وارتفاعه ثمانية أذرع، وعرضه ستة أذرع، وفيه أحد عشر بابا. وفيها غزا إبراهيم بن ينال بلاد الروم فغنم مائة ألف رأس، وأربعة آلاف درع، وقيل تسع عشرة ألف درع، ولم يبق بينه وبين القسطنطينة إلا خمسة عشر يوما، وحمل ما غنم على عشرة
стр. 4458
آلاف عجلة. وفيها خطب لذخيرة الدين أبي العباس أحمد بن الخليفة القائم بأمر الله، على المنابر بولاية العهد بعد أبيه، وحيى بذلك. وفيها اقتتل الروافض والسنة، وجرت ببغداد فتن يطول ذكرها. ولم يحج أحد من أهل العراق.
وممن توفي فيها من الأعيان …
الحسن بن عيسى بن المقتدر
أبو محمد العباسي (١)، ولد في المحرم سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وسمع من مؤدبه أحمد بن منصور السكري، وأبي الأزهر عبد الوهاب الكاتب، وكان فاضلا دينا، حافظا لاخبار الخلفاء، عالما بأيام الناس صالحا، أعرض عن الخلافة مع قدرته عليها، وآثر بها القادر. توفي فيها عن سبع وتسعين (٢) سنة. وأوصى أن يدفن بباب حرب، فدفن قريبا من قبر الإمام أحمد بن حنبل.
هبة الله (٣) بن عمر بن أحمد بن عثمان
أبو القاسم الواعظ المعروف بابن شاهين، سمع من أبي بكر بن ملك، وابن ماسي والبرقاني. قال الخطيب: كتبت عنه وكان صدوقا، ولد في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وتوفي في ربيع الآخر منها، ودفن بباب حرب.
علي بن الحسن
ابن محمد بن المنتاب أبو محمد القاسم، المعروف بابن أبي عثمان الدقاق. قال الخطيب: سمع القطيعي وغيره، وكان شيخا صالحا، صدوقا دينا، حسن المذهب.
محمد بن جعفر بن أبي الفرج
الوزير الملقب بذي السعادات، وزر لأبي كاليجار بفارس وبغداد، وكان ذا مروءة غزيرة، مليح الشعر والترسل، ومن محاسنه أنه كتب إليه في رجل مات عن ولد له ثمانية أشهر وله من المال ما
стр. 4459
يقارب مائة ألف دينار، فكتب إليه الموصي، وقيل غيره، إن فلانا قد مات وخلف ولدا عمره ثمانية أشهر، وله من المال ما يقارب مائة ألف دينار، فإن رأى الوزير أن يقترض هذا المال إلى حين بلوغ الطفل. فكتب الوزير على ظهر الورقة: المتوفى ﵀، واليتيم جبره الله، والمال ثمره الله، والساعي لعنه الله، ولا حاجة بنا إلى مال الأيتام. اعتقل ثم قتل في رمضان منها، عن إحدى وخمسين سنة.
محمد بن أحمد (١) بن إبراهيم
ابن غيلان بن عبد الله بن غيلان بن حليم بن غيلان، أخو (٢) طالب البزاز، يروي عن جماعة وهو آخر من حدث عن أبي بكر الشافعي، كان صدوقا دينار صالحا، قوي النفس على كبر السن، كان يملك ألف دينار، وكان يصبها كل يوم في حجره فيقبلها ثم يردها إلى موضعها، وقد خرج له الدارقطني الاجزاء الغيلانيات، وهي سماعنا. توفي يوم الاثنين سادس شوال منها عن أربع وتسعين سنة، ويقال إنه بلغ المائة فالله أعلم.
الملك أبو كاليجار
واسمه المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة، توفي عن أربعين سنة وأشهر، ولي العراق نحو من أربع سنين (٣)، ونهبت له قلعة كان له فيها من المال ما يزيد على ألف ألف دينار، وقام بالامر من بعده ابنه الملك الرحيم أبو نصر.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمائة
في عاشر المحرم تقدم إلى أهل الكرخ أن لا يعملوا بدع النوح، فجرى بينهم وبين أهل باب البصرة ما يزيد على الحد، من الجراح والقتل، وبنى أهل الكرخ سورا على الكرخ، وبنى أهل السنة سورا على سوق القلائين، ثم نقض كل من الفريقين أبنيته، وحملوا الآجر إلى مواضع بالطبول والمزامير، وجرت بينهم مفاخرات في ذلك، وسخف لا تنحصر ولا تنضبط، وإنشاد أشعار في فضل الصحابة. وثلبهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم وقعت بينهم فتن يطول ذكرها، وأحرقوا دورا كثيرة جدا. وفيها وقعت وحشة بين الملك طغرلبك وبين أخيه، فجمع أخوه جموعا كثيرا فاقتتل هو
стр. 4460
وأخوه طغرلبك، ثم أسره من قلعة قد تحصن بها (١)، بعد محاصرة أربعة أيام، فاستنزله منها مقهورا، فأحسن إليه وأكرمه، وأقام عنده مكرما، وكتب ملك الروم إلى طغرلبك في فداء بعض ملوكهم ممن كان أسره إبراهيم بن ينال، وبذل له مالا كثيرا، فبعثه إليه مكرما من غير عوض، اشترط عليه فأرسل إليه ملك الروم هدايا كثيرة، وأمر بعمارة المسجد الذي بالقسطنطينية، وأقيمت فيه الصلاة والجمعة، وخطب فيه للملك طغرلبك، فبلغ هذا الامر العجيب سائر الملوك فعظموا الملك طغرلبك تعظيما زائدا، وخطب له نصر الدولة بالجزيرة. وفيها ولي مسعود بن مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين الملك بعد وفاة أبيه، وكان صغيرا، فمكث أياما ثم عدل عنه إلى عمه علي بن مسعود، وهذا أمر غريب جدا، وفيها ملك المصريون مدينة حلب وأجلوا عنها صاحبها ثمال بن صالح بن مرداس. وفيها كان بين البساسيري وبين بني عقيل حرب. وفيها ملك البساسيري الأنبار من يد قرواش فأصلح أمورها. وفي شعبان منها سار البساسير إلى طريق خراسان وقصد ناحية الدوران (٢) وملكها، وغنم مالا كثيرا كان فيها، وقد كان سعدى بن أبي الشوك قد حصنها، قال ابن الجوزي: في ذي الحجة (٣) منها ارتفعت سحابة سوداء فزادت على ظلمة الليل، وظهر في جوانب السماء كالنار المضيئة، فانزعج الناس وخافوا وأخذوا في الدعاء والتضرع، فانكشف في أثناء الليل بعد ساعة، وكانت قد هبت ريح شديدة جدا قبل ذلك، فأتلفت شيئا كثيرا من الأشجار، وهدمت رواشن كثيرة في دار الخلافة ودار المملكة. ولم يحج أحد من أهل العراق.
وفيها توفي من الأعيان …
أحمد بن محمد بن منصور
أبو الحسن المعروف بالعتيقي، نسبة إلى جد له كان يسمى عتيقا، سمع من ابن شاهين وغيره، وكان صدوقا. توفي في صفر منها وقد جاوز التسعين (٤).
علي بن الحسن
أبو القاسم العلوي ويعرف بابن محيي السنة. قال الخطيب: سمع من ابن مظفر وكتب عنه، وكان صدوقا دينا حسن الاعتقاد، يورق بالأجرة ويأكل منه، ويتصدق. توفي في رجب منها وقد جاوز الثمانين.
стр. 4461
عبد الوهاب بن القاضي الماوردي
يكنى أبا الفائز (١) شهد عند ابن ماكولا في سنة إحدى وثلاثين فأجاز شهادته احتراما لأبيه، توفي في المحرم منها.
الحافظ أبو عبد الله الصوري
محمد بن علي بن عبد الله بن محمد أبو عبد الله الصوري الحافظ، طلب الحديث بعد ما كبر وأسن، ورحل في طلبه إلى الآفاق، وكتب الكثير وصنف واستفاد على الحافظ عبد الغني المصري، وكتب عن عبد الغني شيئا من تصانيفه، وكان من أعظم أهل الحديث، همه في الطلب وهو شاب ثم كان من أقوى الناس على العمل الصالح عزيمة في حال كبره، كان يسرد الصوم إلا يومي العيدين وأيام التشريق، وكان مع ذلك حسن الخلق جميل المعاشرة، وقد ذهبت إحدى عينيه، وكان يكتب بالأخرى المجلد في جزء. قال أبو الحسن الطيوري: يقال إن عامة كتب الخطيب سوى التاريخ مستفادة من كتب أبي عبد الله الصوري، كان قد مات الصوري وترك كتبه اثني عشر عدلا عند أخيه، فلما صار الخطيب أعطاه أخاه شيئا وأخذ بعض تلك الكتب فحولها في كتبه، ومن شعره:
تولى الشباب بريعانه … وأتى المشيب بأحزانه
فقلبي لفقدان ذا مؤلم … كئيب لهذا ووجد انه
وإن كان ما جار في حكمه … ولا جاء في غير إبانه
ولكن أتى مؤذنا بالرحيل … فويلي من قرب إيذانه
ولولا ذنوب تحملتها … لما راعني إتيانه
ولكن ظهري ثقيل بما … جناه شبابي بطغيانه
فمن كان يبكي شبابا مضى … ويندب طيب زمانه
فليس بكائي وما قد ترون … مني لوحشة فقدانه
ولكن لما كان قد رجره … علي بوثبات شيطانه
فويلي وويحي إن لم يجد … على مليكي برضوانه
ولم يتغمد ذنوبي وما قد … جنيت برحمته وغرانه
ويجعل مصيري إلى جنة … يحل بها أهل رضوانه وغفرانه
فإن كنت ما لي من طاعة … سوى حسن ظني باحسانه
وإني مقر بتوحيده … عليم بعزة سلطانه
стр. 4462
أخالف في ذاك أهل الهوى … وأهل الفسوق وعدوانه
وأرجو به الفوز في منزل … معد مهيأ لسكانه
ولن يجمع الله أهل الجحود … ومن أقر بنيرانه
فهذا ينجيه إيمانه … وهذا يبوء بخسرانه
وهذا ينعم في جنة … وذاك قرين لشيطانه
ومن شعره أيضا:
قل لمن عاند الحديث وأضحى … عائبا أهله ومن يدعيه
أبعلم تقول هذا ابن لي … أم بجهل فالجهل خلق السفيه
أيعاب الذين هم حفظوا الدين … من الترهات والتمويه
وإلى قولهم ما قد رووه … راجع كل عالم وفقيه
كان سبب موته أنه افتصد فورمت يده، وعلى ما ذكر أن ريشة الفاصد كانت مسمومة لغيره فغلط ففصده بها، فكانت فيها منيته، فحمل إلى المارستان فمات به، ودفن بمقبرة جامع المدينة، وقد نيف على الستين رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة
فيها فتح السلطان طغرلبك أصبهان (١) بعد حصار سنة، فنقل إليها حواصله من الري وجعلها دار إقامته، وخرب قطعة من سورها، وقال: إنما يحتاج إلى السور من تضعف قوته، وإنما حصنني عساكري وسيفي، وقد كان فيها أبو منصور قرامز بن علاء الدولة أبي جعفر بن كالويه (٢)، فأخرجه منها وأقطعه بعض بلادها. وفيها سار الملك الرحيم إلى الأهواز وأطاعه عسكر فارس. وفيها استولت الخوارج على عمان وأخربوا دار الامارة، وأسروا أبا المظفر بن أبي كاليجار. وفيها دخلت العرب بإذن المستنصر الفاطمي بلاد إفريقية، وجرت بينهم وبين المعز بن باديس حروب طويلة، وعاثوا في الأرض فسادا عدة سنين. وفيها اصطلح الروافض والسنة ببغداد، وذهبوا كلهم لزيارة مشهد علي ومشهد الحسين، وترضوا في الكرخ على الصحابة كلهم، وترحموا عليهم، وهذا عجيب جدا، إلا أن يكون من باب التقية، ورخصت الأسعار ببغداد جدا. ولم يحج أحد من أهل العراق. وممن توفي فيها من الأعيان …
стр. 4463
علي بن عمر بن الحسن
أبو الحسن الحربي المعروف بالقزويني، ولد في مستهل المحرم في سنة ستين وثلاثمائة، وهي الليلة التي مات فيها أبو بكر الآجري، وسمع أبا بكر بن شاذان وأبا حفص بن حيويه، وكان وافر العقل، من كبار عباد الله الصالحين، له كرامات كثيرة، وكان يقرأ القرآن ويروي الحديث، ولا يخرج إلا إلى الصلاة. توفي في شوال منها. فغلقت بغداد لموته يومئذ، وحضر الناس جنازته، وكان يوما مشهودا ﵀.
عمر بن ثابت
الثمانيني النحوي الضرير. شارح اللمع، كان في غاية العلم بالنحو، وكان يأخذ عليه. وذكر ابن خلكان: أنه اشتغل على ابن جني، وشرح كلامه، وكان ماهرا في صناعة النحو، قال ونسبته إلى قرية من نواحي جزيرة ابن عمر عند الجبل الجودي، يقال لها ثمانين، باسم التمانين الذين كانوا مع نوح ﵇ في السفينة.
قرواش بن مقلد
أبو المنيع، صاحب الموصل والكوفة وغيرها، كان من الجبارين، وقد كاتبه الحاكم صاحب مصر في بعض الأحيان فاستماله إليه، فخطب له ببلاده ثم تركه، واعتذر إلى الخليفة فعذره، وقد جمع هذا الجبار بين أختين في النكاح، ولامته العرب، فقال: وأي شئ عملته؟ إنما عملت ما هو مباح في الشريعة (١) وقد نكب في أيام المعز الفاطمي ونهبت حواصله، وحين توفي قام بالامر بعده ابن أخيه قريش بن بدران بن مقلد (٢).
مودود بن مسعود
ابن محمود بن سبكتكين، صاحب غزنة: توفي فيها وقام بالامر من بعده عمه عبد الرشيد بن محمود.
стр. 4464
ر ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة
في صفر منها وقع الحرب بين الروافض والسنة، فقتل من الفريقين خلق كثير، وذلك أن الروافض نصبوا أبراجا وكتبوا عليها بالذهب: محمد وعلي خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر. فأنكرت السنة إقران علي مع محمد ﷺ في هذا، فنشبت الحرب بينهم، واستمر القتال بينهم إلى ربيع الأول، فقتل رجل هاشمي فدفن عند الإمام أحمد، ورجع السنة من دفنه فنهبوا مشهد موسى بن جعفر وأحرقوا من ضريح موسى ومحمد الجواد، وقبور بني بويه، وقبور من هناك من الوزرا وأحرق قبر جعفر بن المنصور، ومحمد الأمين، وأمه زبيدة، وقبور كثيرة جدا، وانتشرت الفتنة وتجاوزوا الحدود، وقد قابلهم أولئك الرافضة أيضا بمفاسد كثيرة، وبعثروا قبورا قديمة، وأحرقوا من فيها من الصالحين، حتى هموا بقبر الإمام أحمد، فمنعهم النقيب، وخاف من غائلة ذلك، وتسلطا على الرافضة عيار يقال له القطيعي، وكان يتبع رؤوسهم وكبارهم فيقتلهم جهارا وغيلة، وعظمت المحنة بسببه جدا، ولم يقدر عليه أحد، وكان في غاية الشجاعة والبأس والمكر، ولما بلغ ذلك دبيس بن علي بن مزيد - وكان رافضيا - قطع خطبة الخليفة، ثم روسل فأعادها. وفي رمضان منها جاءت من الملك طغرلبك رسل شكر للخليفة على إحسانه إليه بما كان بعثه له من الخلع والتقليد وأرسل إلى الخليفة بعشرين ألف دينار، وإلى الحاشية بخمسة آلاف، وإلى رئيس الرؤساء بألفي دينار، وقد كان طغرلبك حين عمر الري وخرب فيها أماكن وجد فيها دفائن كثيرة من الذهب والجوهر، فعظم شأنه بذلك، وقوي ملكه بسببه.
وممن توفي فيها من الأعيان …
محمد بن محمد بن أحمد
أبو الحسن الشاعر البصروي، نسبة إلى قرية دون عكبرا يقال لها بصرى باسم المدينة التي هي أم حوران، وقد سكن بغداد، وكان متكلما مطبوعا، له نوادر، من شعره قوله:
نرى الدنيا وشهوتها فنصبوا (١) … وما يخلو من الشهوات قلب
فلا يغررك زخرف ما تراه … وعيش لين الاعطاف (٢) رطب
فضول العيش أكثرها هموم … وأكثر ما يضرك ما تحب
إذا ما بلغة جاءتك عفوا … فخذها فالغنى مرعى وشرب
إذا اتفق (٣) القليل وفيه سلم … فلا ترد الكثير وفيه حرب
стр. 4465
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وأربعمائة
فيها كتبت تذكرة الخلفاء المصريين وأنهم أدعياء كذبة لا نسب لهم صحيحة إلى رسول الله ﷺ ، نسخا كثيرة، وكتب فيها الفقهاء والقضاة والأشراف. وفيها كانت زلازل عظيمة في نواحي أرجان والأهواز وتلك البلاد، تهدم بسببها شئ كثير من العمران وشرفات القصور، وحكى بعض من يعتد قوله أنه انفراج إيوانه وهو يشاهد ذلك، حتى رأى السماء منه ثم عاد إلى حاله لم يتغير. وفي ذي القعدة منها تجددت الحرب بين أهل السنة والروافض، وأحرقوا أماكن كثيرة، وقتل من الفريقين خلائق، وكتبوا على مساجدهم: محمد وعلي خير البشر، وأذنوا بحي على خير العمل، واستمرت الحرب بينهم، وتسلط القطيعي العيار على الروافض، بحيث كان لا يقر لهم معه قرار، وهذا من جملة الاقدار.
وفيها توفي من الأعيان ..
الحسن بن علي
ابن محمد بن علي بن أحمد بن وهب بن شنبل بن قرة بن واقد، أبو علي التميمي الواعظ، المعروف بابن المذهب، ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وسمع مسند الإمام أحمد من أبي بكر بن مالك القطيعي عن عبد الله بن الإمام أحمد، عن أبيه، وقد سمع الحديث من أبي بكر بن ماسي وابن شاهين والدار قطني وخلق، وكان دينا خيرا، وذكر الخطيب أنه كان صحيح السماع لمسند أحمد من القطيعي غير أنه ألحق اسمه في أجزاء. قال ابن الجوزي: وليس هذا بقدح في سماعه، لأنه إذا تحقق سماعه جاز أن يلحق اسمه فيما تحقق سماعه له، وقد عاب عليه الخطيب أشياء لا حاجة إليها.
علي بن الحسين
ابن محمد، أبو الحسن المعروف بالشاشي البغدادي، وقد أقام بالبصرة واستحوذ هو وعمه على أهلها، وعمل أشياء من الحيل يوهم بها أنه من ذوي الأحوال والمكاشفات، وهو في ذلك كاذب قبحه الله وقبح عمه، وقد كان مع هذا رافضيا خبيثا قرمطيا، توفي في هذا العام فلله الحمد والشكر والانعام.
стр. 4466
القاضي أبو جعفر
محمد بن أحمد (١) بن أحمد، أبو جعفر السمناني القاضي، أحد المتكلمين على طريقة الشيخ أبي الحسن الأشعري، وقد سمع الدارقطني وغيره، كان عالما فاضلا سخيا، تولى القضاء بالموصل، وكان له في داره مجلس للمناظرة، وتوفي لما كف بصره بالموصل وهو قاضيها، في ربيع الأول منها وقد بلغ خمسا وثمانين سنة، سامحه الله.
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وأربعمائة.
فيها تجدد الشر والقتال والحريق بين السنة والروافض، وسرى الامر وتفاقم الحال. وفيها وردت الاخبار بأن المعز الفاطمي عازم على قصد العراق. وفيها نقل إلى الملك طغرلبك أن الشيخ أبا الحسن الأشعري يقول بكذا وكذا، وذكر بشئ من الأمور التي لا تليق بالدين والسنة، فأمر بلعنه، وصرح أهل نيسابور بتكفير من يقول ذلك، فضج أبو القاسم القشيري عبد الكريم بن هوازن من ذلك، وصنف رسالة في شكاية أهل السنة لما نالهم من المحنة، واستدعى السلطان جماعة من رؤس الأشاعرة منهم القشيري فسألهم عما أنهي إليه من ذلك. فأنكروا ذلك، وأن يكون الأشعري قال ذلك. فقال السلطان: نحن إنما لعنا من يقول هذا .. وجرت فتنة عظيمة طويلة. وفيها استولى فولا بسور (٢) الملك أبي كاليجار على شيراز، وأخرج منها أخاه أبا سعد، وفي شوال سار البساسيري إلى أكراد وأعراب أفسدوا في الأرض فقهرهم وأخذ أموالهم. ولم يحج فيها أحد من أهل العراق. وفيها توفي من الأعيان …
أحمد بن عمر بن روح
أبو الحسن النهرواني، كان ينظر في العيار بدار الضرب، وله شعر حسن، قال: كنت يوما على شاطئ النهروان، فسمعت رجلا يتغنى في سفينة منحدرة يقول:
وما طلبوا سوى قتلي … فهان علي ما طلبوا
قال فاستوقفته وقلت: أضف إليه غيره فقال:
على قتلي الأحبة … في التمادي، بالجفا غلبوا (٣)
стр. 4467
وبالهجران من عيني … طيب النوم قد سلبوا
وما طلبوا سوى قتلي … فهان علي ما طلبوا
إسماعيل بن علي
ابن الحسين بن محمد بن زنجويه، أبو سعيد (١) الرازي، المعروف بالسمان، شيخ المعتزلة، سمع الحديث الكثير وكتب عن أربعة آلاف شيخ، وكان عالما عارفا فاضلا مع اعتزاله، ومن كلامه: من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الاسلام، وكان حنفي المذهب، عالما بالخلاف والفرائض والحساب وأسماء الرجال، وقد ترجمه ابن عساكر في تاريخه فأطنب في شكره والثناء عليه.
عمر بن الشيخ أبي طالب المكي
محمد بن علي بن عطية، سمع أباه وابن شاهين، وكان صدوقا يكنى بأبي جعفر.
محمد بن أحمد
ابن عثمان بن الفرج الأزهر، أبو طالب المعروف بابن السوادي، وهو أخو أبي القاسم الأزهري توفي عن نيف وثمانين سنة.
محمد بن أبي تمام
الزينبي نقيب النقباء، قام ببغداد بعد أبيه مقامه بالنقابة.
ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمائة
فيها غزا السلطان طغرلبك بلاد الروم بعد أخذه بلاد أذربيجان، فغنم من بلاد الروم وسبى وعمل أشياء حسنة، ثم عاد سالما فأقام بآذربيجان سنة. وفيها أخذ قريش بن بدران الأنبار، وخطب بها وبالموصل لطغرلبك، وأخرج منها نواب البساسيري. وفيها دخل البساسيري بغداد مع بني خفاجة منصرفه من الوقعة، وظهرت منه آثار النفرة للخلافة، فراسلة الخليفة لتطيب نفسه،
стр. 4468
وخرج في ذي الحجة إلى الأنبار فأخذها، وكان معه دبيس بن علي بن مزيد، وخرب أماكن وحرق غيرها ثم أذن له الخليفة في الدخول إلى بيت النوبة ليخلع عليه، فجاء إلى أن حاذى بيت النوبة فقبل الأرض وانصرف إلى منزله، ولم يعبر، فقويت الوحشة. ولم يحج أحد من أهل العراق فيها.
وممن توفي فيها من الأعيان …
الحسين بن جعفر بن محمد
ابن داود، أبو عبد الله السلماسي، سمع ابن شاهين وابن حيويه والدارقطني، وكان ثقة مأمونا مشهورا باصطناع المعروف، وفعل الخير، وافتقاد الفقراء، وكثرة الصدقة، وكان قد أريد على الشهادة فأبى ذلك، وكان له في كل شهر عشرة دنانير نفقة لأهله.
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن
أبو عبد الله الأصبهاني، المعروف بابن اللبان، أحد تلامذة أبي حامد الأسفراييني، ولي قضاء الكرخ، وكان يصلي بالناس التراويح، ثم يقوم بعد انصرافهم فيصلي إلى أن يطلع الفجر، وربما انقضى الشهر عنه ولم يضطجع إلى الأرض ﵀.
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمائة
فيها ملك طغرلبك بغداد، وهو أول ملوك السلجوقية، ملكها وبلاد العراق. وفيها تأكدت الوحشة بين الخليفة والبساسيري، واشتكت الأتراك منه، وأطلق رئيس الرؤساء عبارته فيه، وذكر قبيح أفعاله، وأنه كاتب المصريين بالطاعة، وخلع ما كان عليه من طاعة العباسيين، وقال الخليفة وليس إلا إهلاكه. وفيها غلت الأسعار بنواحي الأهواز حتى بيع الكر بشيراز بألف دينار. وفيها وقعت الفتنة بين السنة والرافضة على العادة، فاقتتلوا قتالا مستمرا، ولا تمكن الدولة أن يحجزوا بين الفريقين. وفيها وقعت الفتنة بين الأشاعرة والحنابلة، فقوي جانب الحنابلة قوة عظيمة، بحيث إنه كان ليس لأحد من الأشاعرة أن يشهد الجمعة ولا الجماعات.
قال الخطيب: كان أرسلان التركي المعروف بالبساسيري قد عظم أمره واستفحل، لعدم أقرانه من مقدمي الأتراك، واستولى على البلاد وطار اسمه، وخافته أمراء العرب والعجم، ودعي له على كثير من المنابر العراقية والأهواز ونواحيها، ولم يكن للخليفة قطع ولا وصل دونه، ثم صح عند الخليفة سوء عقيدته، وشهد عنده جماعة من الأتراك أنه عازم على نهب دار الخلافة، وأنه يريد
стр. 4469
القبض على الخليفة، فعند ذلك كاتب الخليفة محمد بن ميكائيل بن سلجوق الملقب طغرلبك يستنهضه على المسير إلى العراق، فانفض أكثر من كان مع البساسيري وعادوا إلى بغداد سريعا، ثم أجمع رأيهم على قصد دار البساسيري وهي في الجانب الغربي فأحرقوها، وهدموا أبنيتها، ووصل السلطان طغرلبك إلى بغداد في رمضان سنة سبع وأربعين، وقد تلقاه إلى أثناء الطريق الامراء والوزراء والحجاب، ودخل بغداد في أبهة عظيمة جدا، وخطب له بها ثم بعده للملك الرحيم، ثم قطعت خطبة الملك الرحيم، ورفع إلى القلعة (١) معتقلا عليه، وكان آخر ملوك بني بويه، وكانت مدة ولايتهم قريب المائة والعشر سنين، وكان ملك الملك الرحيم لبغداد ست سنين وعشرة أيام (٢)، ونزل طغرلبك دار المملكة بعد الفراغ من عمارتها، ونزل أصحابه دور الأتراك وكان معه ثمانية أفيلة، ووقعت الفتنة بين الأتراك والعامة ونهب الجانب الشرقي بكماله، وجرت خبطة عظيمة. وأما البساسيري فإنه فر من الخليفة إلى بلاد الرحبة وكتب إلى صاحب مصر بأنه على إقامة الدعوى له بالعراق، فأرسل إليه بولاية الرحبة ونيابته بها، ليكون على أهبة الامر الذي يريد.
وفي يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة قلد أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني قضاء القضاة، وخلع عليه به، وذلك بعد موت ابن ماكولا، ثم خلع الخليفة على الملك طغرلبك بعد دخوله بغداد بيوم، ورجع إلى داره وبين يديه الدبادب والبوقات.
وفي هذا الشهر توفي ذخيرة الدين أبو العباس محمد بن الخليفة القائم بأمر الله، وهو ولي عهد أبيه فعظمت الرزية به، وفيها استولى أبو كامل علي بن محمد الصليحي الهمداني على أكثر أعمال اليمن، وخطب للفاطميين، وقطع خطبة العباسيين. وفيها كثر فساد الغز ونهبوا دواب الناس حتى بيع الثور بخمسة قراريط. وفيها اشتد الغلاء بمكة وعدمت الأقوات، وأرسل الله عليهم جرادا فتعوضوا به عن الطعام. ولم يحج أحد من أهل العراق.
وممن توفي فيها من الأعيان …
الحسن بن علي
ابن جعفر بن علي بن محمد بن دلف بن أبي دلف بن العجلي قاضي القضاة، المعروف بابن ماكولا الشافعي، وقد ولي القضاء بالبصرة، ثم ولي قضاء القضاة ببغداد سنة عشرين وأربعمائة في خلافة المقتدر، وأقره ابنه القائم إلى أن مات في هذه السنة، عن تسع وسبعين سنة، منها في القضاء سبع
стр. 4470
وعشرون سنة، وكان صينا دينا لا يقبل من أحد هدية ولا من الخليفة، وكان يذكر أنه سمع من أبي عبد الله بن منده، وله شعر حسن فمنه:
تصابى برهة من بعد شيب … فما أغنى المشيب عن التصابي
وسود عارضيه بلون خضب … فلم ينفعه تسويد الخضاب
وأبدى للأحبة كل لطف … فما زادوا سوى فرط اجتناب
سلام الله عودا بعد بدئ … على أيام ريعان الشباب
تولى عزمه يوما وأبقى … بقلبي حسرة ثم اكتئاب
علي بن المحسن بن علي
ابن محمد بن أبي الفهم أبو القاسم التنوخي، قال ابن الجوزي: وتنوخ اسم لعدة قبائل اجتمعوا بالبحرين، وتحالفوا على التناصر والتآزر، فسموا تنوخا (١). ولد بالبصرة سنة خمس وخمسين (٢) وثلاثمائة، وسمع الحديث سنة سبعين، وقبلت شهادته عند الحكام في حداثته، وولي القضاء بالمدائن وغيرها، وكان صدوقا محتاطا، إلا أنه كان يميل إلى الاعتزال والرفض.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة
في يوم الخميس لثمان بقين من المحرم عقد الخليفة على خديجة بنت أخي السلطان طغرلبك على صداق مائة ألف دينار، وحضر هذا العقد عميد الملك الكندري، وزير طغرلبك، وبقية العلويين وقاضي القضاة الدامغاني والماوردي، ورئيس الرؤساء ابن المسلمة. فلما كان شعبان ذهب رئيس الرؤساء إلى الملك طغرلبك وقال له: أمير المؤمنين يقول لك قال الله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) [النساء: ٥٨] وقد أمرني أن أنقل الوديعة إلى داره العزيزة، فقال: السمع والطاعة، فذهبت أم الخليفة لدار الملك لاستدعاء العروس، فجاءت معها وفي خدمتها الوزير عميد الملك والحشم، فدخلوا داره وشافه الوزير الخليفة عن عمها وسأله اللطف بها والاحسان إليها، فلما دخلت إليه قبلت الأرض مرارا بين يديه، فأدناها إليه وأجلسها إلى جانبه، وأفاض عليها خلعا سنية وتاجا من جوهر ثمين، وأعطاها من الغد مائة ثوب ديباجا، وقصبات من
стр. 4471
ذهب، وطاسة ذهب قد نبت فيها الجوهر والياقوت والفيروزج، وأقطعها في كل سنة من ضياعه ما يغل اثنا عشر ألف دينار، وغير ذلك. وفيها أمر السلطان طغرلبك ببناء دار الملك العضدية فخربت محال كثيرة في عمارتها، ونهبت العامة أخشابا كثيرة من دور الأتراك، والجانب الغربي، وباعوه على الخبازين والطباخين، وغيرهم.
وفيها رجع غلاء شديد على الناس وخوف ونهب كثير ببغداد، ثم أعقب ذلك فناء كثير بحيث دفن كثير من الناس بغير غسل ولا تكفين، وغلت الأشربة وما تحتاج إليه المرضى كثيرا، واعترى الناس موت كثير، واغبر الجو وفسد الهواء. قال ابن الجوزي: وعم هذا الوباء والغلاء مكة والحجاز وديار بكر والموصل وبلاد بكر وبلاد الروم وخراسان والجبال والدنيا كلها. هذا لفظه في المنتظم. قال: وورد كتاب من مصر أن ثلاثة من اللصوص نقبوا بعض الدور فوجدوا عند الصباح موتى أحدهم على باب النقب، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الثياب التي كورها ليأخذها فلم يمهل.
وفيها أمر رئيس الرؤساء بنصب أعلام سود في الكرخ، فانزعج أهلها لذلك، وكان كثير الأذية للرافضة، وإنما كان يدافع عنهم عميد الملك الكندري، وزير طغرلبك. وفيها هبت ريح شديدة وارتفعت سحابة ترابية وذلك ضحى، فأظلمت الدنيا، واحتاج الناس في الأسواق وغيرها إلى السرج. قال ابن الجوزي: وفي العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر كوكب له ذؤابة طولها في رأي العين نحو من عشرة أذرع، وفي عرض نحو الذراع، ولبث كذلك إلى النصف من رجب، ثم اضمحل. وذكروا أنه طلع مثله بمصر فملكت وخطب بها للمصريين. وكذلك بغداد لما طلع فيها ملكت وخطب بها للمصريين. وفيها ألزم الروافض بترك الاذان بحي على خير العمل، وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح، وبعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين، وأزيل ما كان على أبواب المساجد ومساجدهم من كتابة: محمد وعلي خير البشر، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ، ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة، وذلك أن نوء الرافضة اضمحل، لان بني بويه كانوا حكاما، وكانوا يقوونهم وينصرونهم، فزالوا وبادوا، وذهبت دولتهم، وجاء بعدهم قوم آخرون من الأتراك السلجوقية الذين يحبون أهل السنة ويوالونهم ويرفعون قدرهم، والله المحمود، أبدا على طول المدى. وأمر رئيس الرؤساء الوالي بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض، لما كان تظاهر به من الرفض والغلو فيه، فقتل على باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره.
وفيها جاء البساسيري قبحه الله إلى الموصل ومعه نور الدولة دبيس في جيش كثيف، فاقتتل مع صاحبها قريش ونصره قتلمش ابن عم طغرلبك، وهو جد ملوك الروم، فهزمهما البساسيري، وأخذ البلد قهرا، فخطب بها للمصريين، وأخرج كاتبه من السجن، وقد كان أظهر الاسلام ظنا
стр. 4472
منه أنه ينفعه، فلم ينفعه فقتل، وكذلك خطب للمصريين فيها بالكوفة وواسط وغيرها من البلاد. وعزم طغرلبك على المسير إلى الموصل لمناجزة البساسيري فنهاه الخليفة عن ذلك لضيق الحال وغلاء الأسعار، فلم يقبل فخرج بجيشه قاصدا الموصل بجحافل عظيمة، ومعه الفيلة والمنجنيقات، وكان جيشه لكثرتهم ينهبون القرى، وربما سطوا على بعض الحريم، فكتب الخليفة إلى السلطان ينهاه عن ذلك، فبعث إليه يعتذر لكثرة من معه، واتفق أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام فسلم عليه فأعرض عنه، فقال: يا رسول الله لأي شئ تعرض عني؟ فقال: يحكمك الله في البلاد ثم لا ترفق بخلقه ولا تخاف من جلال الله . فاستيقظ مذعورا وأمر وزيره أن ينادي في الجيش بالعدل، وأن لا يظلم أحد أحدا. ولما اقترب من الموصل فتح دونها بلادا، ثم فتحها وسلمها إلى أخيه داود، ثم سار منها إلى بلاد بكر ففتح أماكن كثيرة هناك.
وفيها ظهرت دولة الملثمين (١) ببلاد المغرب، وأظهروا إعزاز الدين وكلمة الحق واستولوا على بلاد كثيرة منها سجلماسة وأعمالها والسوس، وقتلوا خلقا كثيرا من أهلها، وأول ملوك الملثمين رجل يقال له أبو بكر بن عمر، وقد أقام بسجلماسة إلى أن توفي سنة ثنتين وستين وكما سيأتي بيانه، ثم ولي بعده أبو نصر يوسف بن تاشفين، وتلقب بأمير المؤمنين، وقوي أمره، وعلا قدره ببلاد المغرب.
وفيها ألزم أهل الذمة بلبس الغيار ببغداد، عن أمر السلطان. وفيه ولد لذخيرة الدين بعد موته من جارية له ولد ذكر، وهو أبو القاسم عبد الله المقتدي بأمر الله. وفيها كان الغلاء والفناء أيضا مستمرين على الناس ببغداد وغيرها من البلاد، على ما كان عليه الامر في السنة الماضية؟، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولم يحج أحد من أهل العراق فيها.
وفيها توفي من الأعيان …
علي بن أحمد بن علي بن سلك
أبو الحسن المؤدب، المعروف بالفالي، صاحب الأمالي (٢)، وفالة قرية قريبة من إيذج، أقام
стр. 4473
بالبصرة مدة، وسمع بها من عمر بن عبد الواحد الهاشمي وغيره، وقدم بغداد فاستوطنها، وكان ثقة
في نفسه، كثير الفضائل. ومن شعره الحسن:
لما تبدلت المجالس أوجها … غير الذين عهدت من علمائها
ورأيتها محفوفة بسوى الأولى … كانوا ولاة صدورها وفنائها
أنشدت بيتا سائرا متقدما … والعين قد شرقت بجاري مائها
أما الخيام فإنها كخيامهم … ورأى نساء الحي غير نسائها
ومن شعره أيضا:
تصدر للتدريس كل مهوس … بليد تسمى بالفقيه المدرس
فحق لأهل العلم أن يتمثلوا … ببيت قديم شاع في كل مجلس
لقد هزلت حتى بدا من هزالها … كلاها وحتى سامها كل مفلس
محمد بن عبد الواحد بن محمد الصباغ
الفقيه الشافعي، وليس بصاحب الشامل، ذاك متأخر وهذا من تلاميذ أبي حامد الأسفراييني، كانت له حلقة للفتوى بجامع المدينة، وشهد عند قاضي القضاة الدامغاني الحنفي فقبله، وقد سمع الحديث من ابن شاهين وغيره، وكان ثقة جليل القدر.
هلال بن المحسن
ابن إبراهيم بن هلال، أبو الخير الكاتب الصابئ، صاحب التاريخ، وجده أبو إسحاق الصابئ صاحب الرسائل، وكان أبوه صابئيا أيضا، أسلم هلال هذا متأخرا، وحسن إسلامه، وقد سمع في حال كفره من جماعة من المشايخ، وذلك أنه كان يتردد إليهم يطلب الأدب، فلما أسلم نفعه ذلك، وكان ذلك سبب إسلامه على ما ذكره ابن الجوزي: بسنده مطولا، أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام مرارا يدعوه إلى الله ، ويأمره بالدخول في الاسلام، ويقول له: أنت رجل عاقل، فلم تدع دين الاسلام الذي قامت عليه الدلائل؟ وأراه آيات في المنام شاهدها في اليقظة، فمنها أن قال له: إن امرأتك حامل بولد ذكر، فسمه محمدا، فولدت ذكرا، فسماه محمدا، وكناه أبا الحسن، في أشياء كثيرة سردها ابن الجوزي، فأسلم وحسن إسلامه، وكان صدوقا. توفي عن تسعين سنة، منها في الاسلام نيف وأربعون سنة.
стр. 4474
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وأربعمائة
فيها كان الغلاء والفناء مستمرين ببغداد وغيرها من البلاد، بحيث خلت أكثر الدور وسدت على أهلها أبوابها بما فيها، وأهلها موتى فيها، ثم صار المار في الطريق لا يلقى الواحد بعد الواحد وأكل الناس الجيف والنتن من قلة الطعام، ووجد مع امرأة فخذ كلب قد اخضر وشوى رجل صبية في الأتون وأكلها، فقيل وسقط طائر ميت من حائط فاحتوشته خمس أنفس فاقتسموه وأكلوه، وورد كتاب من بخارى أنه مات في يوم واحد منها ومن معاملتها ثمانية عشر ألف إنسان، وأحصي من مات في هذا الوباء من تلك البلاد إلى يوم كتب فيه هذا الكتاب بألف ألف، وخمسمائة (١) ألف وخمسين ألف إنسان، والناس يمرون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقا فارغة وطرقات خالية، وأبوابا مغلقة، ووحشة وعدم أنس. حكاه ابن الجوزي. قال: وجاء الخبر من أذربيجان وتلك البلاد بالوباء العظيم، وأنه لم يسلم من تلك البلاد إلا العدد اليسير جدا. قال: ووقع وباء بالأهواز وبواط وأعمالها وغيرها، حتى طبق البلاد، وكان أكثر سبب ذلك الجوع، كان الفقراء يشوون الكلاب وينبشون القبور ويشوون الموتى ويأكلونهم، وليس للناس شغل في الليل والنهار إلا غسل الأموات وتجهيزهم ودفنهم، فكان يحفر الحفير فيدفن فيه العشرون والثلاثون، وكان الانسان بينما هو جالس إذ انشق قلبه عن دم المهجة، فيخرج منه إلى الفم قطرة فيموت الانسان من وقته، وتاب الناس وتصدقوا بأكثر أموالهم فلم يجدوا أحدا يقبل منهم، وكان الفقير تعرض عليه الدنانير الكثيرة والدراهم والثياب فيقول: أنا أريد كسرة أريد ما يسد جوعي، فلا يجد ذلك، وأراق الناس الخمور وكسروا آلات اللهو، ولزموا المساجد للعبادة وقراءة القرآن، وقل دار يكون فيها خمر إلا مات أهلها كلهم، ودخل على مريض له سبعة أيام في النزع فأشار بيده إلى مكان فوجدوا فيه خابية من خمر فأراقوها فمات من وقته بسهولة، ومات رجل في مسجد فوجدوا معه خمسين ألف درهم، فعرضت على الناس فلم يقبلها أحد فتركت في المسجد تسعة أيام لا يريدها أحد، فلما كان بعد ذلك دخل أربعة ليأخذوها فماتوا عليها، فلم يخرج من المسجد منهم أحد حي، بل ماتوا جميعا. وكان الشيخ أبو محمد عبد الجبار بن محمد يشتغل عليه سبعمائة متفقه، فمات وماتوا كلهم إلا اثني عشر نفرا منهم، ولما اصطلح السلطان دبيس بن علي رجع إلى بلاده فوجدها خرابا لقلة أهلها من الطاعون، فأرسل رسولا منهم إلى بعض النواحي فتلقاه طائفة فقتلوه وشووه وأكلوه.
قال ابن الجوزي: وفي يوم الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة احترقت قطيعة عيسى وسوق الطعام والكنيس، وأصحاب السقط وباب الشعير، وسوق العطارين وسوق العروس والانماطيين والخشابين والجزارين والتمارين، والقطيعة وسوق مخول ونهر الزجاج وسويقة غالب والصفارين
стр. 4475
والصباغين وغير ذلك من المواضع، وهذه مصيبة أخرى إلى ما بالناس من الجوع والغلاء والفناء، ضعف الناس حتى طغت النار فعملت أعمالها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وفيها كثر العيارون ببغداد، وأخذوا الأموال جهارا، وكبسوا الدور ليلا ونهارا، وكبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة، وأحرقت كتبه ومآثره، ودفاتره التي كان يستعملها في ضلالته وبدعته، ويدعو إليها أهل ملته ونحلته، ولله الحمد. وفيها دخل الملك طغرلبك بغداد عائدا إليها من الموصل فتلقاه الناس والكبراء إلى أثناء الطريق، وأحضر له رئيس الرؤساء خلعة من الخليفة مرصعة بالجوهر فلبسها، وقبل الأرض ثم بعد ذلك دخل دار الخلافة، وقد ركب إليها فرسا من مراكب الخليفة، فلما دخل على الخليفة إذا هو على سرير طوله سبعة أذرع، وعلى كتفه البردة النبوية، وبيده القضيب، فقبل الأرض وجلس على سرير دون سرير الخليفة، ثم قال الخليفة لرئيس الرؤساء: قل له: أمير المؤمنين حامد لسعيك شاكر لفعلك، آنس بقربك، وقد ولاك جميع ما ولاه الله تعالى من بلاده، فاتق الله فيما ولاك، واجتهد في عمارة البلاد وإصلاح العباد ونشر العدل، وكف الظلم، ففسر له عميد الدولة ما قال الخليفة فقام وقبل الأرض وقال: أنا خادم أمير المؤمنين وعبده، ومتصرف على أمره ونهيه، ومتشرف بما أهلني له واستخدمني فيه، ومن الله أستمد المعونة والتوفيق. ثم أمره الخليفة أن ينهض للبس الخلعة فقام إلى بيت في ذلك البهو، فأفيض عليه سبع خلع وتاج، ثم عاد فجلس على السرير بعد ما قبل يد الخليفة، ورام تقبيل الأرض فلم يتمكن من التاج، فأخرج الخليفة سيفا فقلده إياه وخوطب بملك الشرق والغرب، وأحضرت ثلاث ألوية فعقد منها الخليفة لواء بيده، وأحضر العهد إلى الملك، وقرئ بين يديه بحضرة الملك وأوصاه الخليفة بتقوى الله والعدل في الرعية، ثم نهض فقبل يد الخليفة ثم وضعها على عينيه، ثم خرج في أبهة عظيمة إلى داره وبين يديه الحجاب والجيش بكماله، وجاء الناس للسلام عليه، وأرسل إلى الخليفة بتحف عظيمة، منها خمسون ألف دينار، وخمسون غلاما أتراكا، بمراكبهم وسلاحهم ومناطقهم، وخمسمائة ثوب أنواعا، وأعطى رئيس الرؤساء خمسة آلاف دينار، وخمسين قطعة قماش وغير ذلك.
وفيها قبض صاحب مصر على وزيره أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن البازري (١)، وأخذ خطه بثلاثة آلاف دينار، وأحيط على ثمانين من أصحابه، وقد كان هذا الوزير فقيها حنفيا، يحسن إلى أهل العلم وأهل الحرمين، وقد كان الشيخ أبو يوسف القزويني يثني عليه ويمدحه.
وممن توفي فيها من الأعيان …
стр. 4476
أحمد بن عبد الله بن سليمان
ابن محمد بن سليمان بن أحمد سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحرث بن ربيعة بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النعمان بن عدي بن غطفان بن عمرو بن بريح بن خزيمة (١) بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة أبو العلاء المعري التنوخي الشاعر، المشهور بالزندقة، اللغوي، صاحب الدواوين والمصنفات في الشعر واللغة، ولد يوم الجمعة عند غروب الشمس لثلاث بقين من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وأصابه جدري وله أربع سنين أو سبع، فذهب بصره، وقال الشعر وله إحدى أو ثنتا عشرة سنة، ودخل بغداد سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، فأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم خرج منها طريدا منهزما ولأنه سأل سؤالا بشعر يدل على قلة دينه وعلمه وعقله فقال:
تناقض فما لنا إلا السكوت له … وأن نعوذ بمولانا من النار
يد بخمس مئين عسجد وديت … ما بالها قطعت في ربع دينار
وهذا من إفكه يقول: اليد ديتها خمسمائة دينار، فما لكم تقطعونها إذا سرقت ربع دينار، وهذا من قلة عقله وعلمه، وعمى بصيرته. وذلك أنه إذا جنى عليه يناسب أن يكون ديتها كثيرة لينزجر الناس عن العدوان، وأما إذا جنت هي بالسرقة فيناسب أن تقل قيمتها وديتها لينزجر الناس عن أموال الناس وتصان أموالهم، ولهذا قال بعضهم: كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت هانت. ولما عزم الفقهاء على أخذه بهذا وأمثاله هرب ورجع إلى بلده، ولزم منزله فكان لا يخرج منه. وكان يوما عند الخليفة وكان الخليفة يكره المتنبي ويضع منه، وكان أبو العلاء يحب المتنبي ويرفع من قدره ويمدحه، فجرى ذكر المتنبي في ذلك المجلس فذمه الخليفة، فقال أبو العلاء: لو لم يكن للمتنبي إلا قصيدته التي أولها … لك يا منازل في القلوب منازل … لكفاه ذلك. فغضب الخليفة وأمر به فسحب برجله على وجهه وقال: أخرجوا عني هذا الكلب. وقال الخليفة: أتدرون ما أراد هذا الكلب من هذه القصيدة؟ وذكره لها؟ أراد قول المتنبي فيها:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص … فهي الدليل علي أني كامل
وإلا فالمتنبي له قصائد أحسن من هذه، وإنما أراد هذا. وهذا من فرط ذكاء الخليفة، حيث تنبه لهذا. وقد كان المعري أيضا من الأذكياء، ومكث المعري خمسا وأربعين سنة من عمره لا يأكل اللحم ولا اللبن ولا البيض، ولا شيئا من حيوان، على طريقة البراهمة الفلاسفة، ويقال إنه اجتمع براهب في بعض الصوامع في مجيئه من بعض السواحل آواه الليل عنده، فشككه في دين الاسلام،
стр. 4477
وكان يتقوت بالنبات وغيره، وأكثر ما كان يأكل العدس ويتحلى بالدبس وبالتين، وكان لا يأكل بحضرة أحد، ويقول: أكل الأعمى عورة، وكان في غاية الذكاء المفرط، وعلى ما ذكروه، وأما ما ينقلونه عنه من الأشياء المكذوبة المختلقة من أنه وضع تحت سريره درهم فقال: إما أن تكون السماء قد انخفضت مقدار درهم أو الأرض قد ارتفعت مقدار درهم، أي أنه شعر بارتفاع سريره عن الأرض مقدار ذلك الدرهم الذي وضع تحته، فهذا لا أصل له. وكذلك يذكرون عنه أنه مر في بعض أسفاره بمكان فطأطأ رأسه فقيل له في ذلك فقال: أما هنا شجرة؟ قالوا: لا، فنظروا فإذا أصل شجرة كانت هنا في الموضع الذي طأطأ رأسه فيه، وقد قطعت، وكان قد اجتاز بها قديما مرة فأمره من كان معه بمطأطأة رأسه لما جازوا تحتها، فلما مر بها المرة الثانية طأطأ رأسه خوفا من أن يصيبه شئ منها، فهذا لا يصح. وقد كان ذكيا، ولم يكن زكيا، وله مصنفات كثيرة أكثرها في الشعر، وفي بعض أشعاره ما يدل على زندقته، وانحلاله من الدين، ومن الناس من يعتذر عنه ويقول: إنه إنما كان يقول ذلك مجونا ولعبا، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، وقد كان باطنه مسلما. قال ابن عقيل لما بلغه: وما الذي ألجأه أن يقول في دار الاسلام ما يكفره به الناس؟ قال: والمنافقون مع قلة عقلهم وعلمهم أجود سياسة منه، لأنهم حافظوا على قبائحهم في الدنيا وستروها، وهذا أظهر الكفر الذي تسلط عليه به الناس وزندقوه، والله يعلم أن ظاهره كباطنه. قال ابن الجوزي: وقد رأيت لأبي العلاء المعري كتابا سماه الفصول والغايات، في معارضة السور والآيات، على حروف المعجم في آخر كلماته وهو في غاية الركاكة والبرودة، فسبحان من أعمى بصره وبصيرته. قال: وقد نظرت في كتابه المسمى لزوم ما لا يلزم، ثم أورد ابن الجوزي من أشعاره الدالة على استهتاره بدين الاسلام أشياء كثيرة.
فمن ذلك قوله:
إذا كان لا يحظى برزقك عاقل … وترزق مجنونا وترزق أحمقا
فلا ذنب يا رب السماء على امرئ … رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا
وقوله:
ألا إن البرية في ضلال … وقد نظر اللبيب لما اعتراها
تقدم صاحب التوراة موسى … وأوقع في الخسار من افتراها
فقال رجاله وحي أتاه … وقال الناظرون بل افتراها
وما حجي إلى أحجار بيت … كروس الحمر تشرف في ذراها
إذا رجع الحليم إلى حجاه … تهاون بالمذاهب وازدراها
وقوله:
عفت الحنيفة والنصارى اهتدت … ويهود جارت والمجوس مضلله
стр. 4478
اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا … دين وآخر ذو دين ولا عقل له
وقوله:
فلا تحسب مقال الرسل حقا … ولكن قول زور سطروه
فكان الناس في عيش رغيد … فجاؤوا بالمحال فكدروه
وقلت أنا معارضة عليه:
فلا تحسب مقال الرسل زورا … ولكن قول حق بلغوه
وكان الناس في جهل عظيم … فجاؤوا بالبيان فأوضحوه
وقوله:
إن الشرائع ألقت بيننا إحنا … وأورثتنا افانين العداوات
وهل أبيح نساء الروم عن عرض … للعرب إلا بأحكام النبوات
وقوله:
وما حمدي لآدم أو بنيه … وأشهد أن كلهم خسيس
وقوله:
أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما … دياناتكم مكرا من القدما
وقوله:
صرف الزمان مفرق الألفين … فاحكم إلهي بين ذاك وبيني
نهيت عن قتل النفوس تعمدا … وبعثت تقبضها مع الملكين
وزعمت أن لها معادا ثانيا … ما كان أغناها عن الحالين
وقوله:
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة … وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
تحطمنا الأيام حتى كأننا … زجاج ولكن لا يعود له سبك
وقوله:
أمور تستخف بها حلوم … وما يدري الفتى لمن الثبور
كتاب محمد وكتاب موسى … وإنجيل ابن مريم والزبور
وقوله: قالت معاشر لم يبعث إلهكم … إلى البرية عيساها ولا موسى
وإنما جعلوا الرحمن مأكلة … وصيروا دينهم في الناس ناموسا
стр. 4479
وذكر ابن الجوزي وغير أشياء كثيرة من شعره تدل على كفره، بل كل واحدة من هذه الأشياء تدل على كفره وزندقته وانحلاله، ويقال إنه أوصى أن يكتب على قبره:
هذا جناه أبي علي … وما جنيت على أحد
معناه أن أباه بتزوجه لامه أوقعه في هذه الدار، حتى صار بسبب ذلك إلى ما إليه صار، وهو لم يجن على أحد بهذه الجناية، وهذا كله كفر وإلحاد قبحه الله. وقد زعم بعضهم أنه أقلع عن هذا كله وتاب منه، وأنه قال قصيدة يعتذر فيها من ذلك كله، ويتنصل منه، وهي القصيدة التي يقول فيها:
يا من يرى مد البعوض جناحها … في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في نحرها … والمخ في تلك العظام النحل
أمنن علي بتوبة تمحو بها … ما كان مني في الزمان الأول
توفي في ربيع الأول من هذه السنة بمعرة النعمان، عن ست وثمانين سنة إلا أربعة عشر يوما، وقد رثاه جماعة من أصحابه وتلامذته، وأنشدت عند قبره ثمانون مرثاة، حتى قال بعضهم (١) في مرثاة له:
إن كنت لم ترق الدماء زهادة … فلقد أرقت اليوم من جفني دما
قال ابن الجوزي: وهؤلاء الذين رثوه والذين اعتقدوه: إما جهال بأمره، وإما ضلال على مذهبه وطريقه. وقد رأى بعضهم في النوم رجلا ضريرا على عاتقه حيتان مدليتان على صدره، رافعتان رأسيهما إليه، وهما ينهشان من لحمه، وهو يستغيث، وقائل يقول: هذا المعري الملحد وقد ذكره ابن خلكان فرفع في نسبه على عادته في الشعراء، كما ذكرنا. وقد ذكر له من المصنفات كتبا كثيرة، وذكر أن بعضهم وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتابه المسمى بالأيك والغصون، وهو المعروف بالهمز والردف، وأنه أخذ العربية عن أبيه واشتغل بحلب على محمد بن عبد الله بن سعد النحوي، وأخذ عنه أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، والخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي، وذكر أنه مكث خمسا وأربعين سنة لا يأكل اللحم على طريقة الحكماء، وأنه أوصى أن يكتب على قبره:
هذا جناه أبي علي … وما جنيت على أحد
قال ابن خلكان: وهذا أيضا متعلق باعتقاد الحكماء، فإنهم يقولون اتخاذ الولد وإخراجه إلى هذا الوجود جناية عليه، لأنه يتعرض للحوادث والآفات. قلت: وهذا يدل على أنه لم يتغير عن
стр. 4480
اعتقاده، وهو ما يعتقده الحكماء إلى آخر وقت، وأنه لم يقلع عن ذلك كما ذكره بعضهم، والله أعلم بظواهر الأمور وبواطنها، وذكر ابن خلكان أن عينه اليمنى كانت ناتئة وعليها بياض، وعينه اليسرى غائرة، وكان نحيفا ثم أورد من أشعاره الجيدة أبياتا فمنها قوله:
لا تطلبن بآلة لك رتبة … قلم البليغ بغير جد مغزل
سكن السماء كان السماء كلاهما … هذا له رمح وهذا أعزل
الأستاذ أبو عثمان الصابوني
إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن عامر بن عابد النيسابوري، الحافظ الواعظ المفسر، قدم دمشق وهو ذاهب إلى الحج فسمع بها وذكر الناس، وقد ترجمه ابن عساكر ترجمة عظيمة، وأورد له أشياء حسنة من أقواله وشعره، فمن ذلك قوله:
إذا لم أصب أموالكم ونوالكم … ولم آمل (١) المعروف منكم ولا البرا
وكنتم عبيدا للذي أنا عبده … فمن أجل ماذا أتعب البدن الحرا؟
وروى ابن عساكر عن إمام الحرمين أنه قال: كنت أتردد وأنا بمكة في المذاهب فرأيت النبي ﷺ وهو يقول: عليك باعتقاد أبي عثمان الصابوني. رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة خمسين وأربعمائة
فيها كنت فتنة الخبيث البساسيري، وهو أرسلان التركي، وذلك أن إبراهيم ينال أخا الملك طغرلبك ترك الموصل الذي كان قد استعمله أخوه عليها، وعدل إلى ناحية بلاد الجبل، فاستدعاه أخوه وخلع عليه وأصلح أمره، ولكن في غضون ذلك ركب البساسيري ومعه قريش بن بدران أمير العرب إلى الموصل فأخذها، وأخرب قلعتها، فسار إليه الملك طغرلبك سريعا فاستردها وهرب منه البساسيري وقريش خوفا منه، فتبعهما إلى نصيبين، وفارقه أخوه إبراهيم، وعصى عليه، وهرب إلى همذان، وذلك بإشارة البساسيري عليه، فسار الملك طغرلبك وراء أخيه وترك عساكره وراءه فتفرقوا وقل من لحقه منهم، ورجعت زوجته الخاتون ووزيره الكندري إلى بغداد، ثم جاء الخبر بأن أخاه قد استظهر عليه، وأن طغرلبك محصور بهمذان، فانزعج الناس لذلك، واضطربت بغداد، وجاء الخبر بأن البساسيري على قصد بغداد، وأنه قد اقترب من الأنبار، فقوي عزم الكندري على
стр. 4481
الهروب، فأرادت الخاتون أن تقبض عليه فتحول عنها إلى الجانب الغربي، ونهبت داره وقطع الجسر الذي بين الجانبين، وركبت الخاتون في جمهور الجيش، وذهبت إلى همذان لأجل زوجها، وسار الكندري ومعه أنوشروان بن تومان وأم الخاتون المذكورة، ومعها بقية الجيش إلى بلاد الأهواز وبقيت بغداد ليس بها أحد من المقاتلة، فعزم الخليفة على الخروج منها، وليته فعل، ثم أحب داره والمقام مع أهله، فمكث فيها اغترارا ودعة، ولما خلى البلد من المقاتلة قيل للناس: من أراد الرحيل من بغداد فليذهب حيث شاء، فانزعج الناس وبكى الرجال والنساء والأطفال، وعبر كثير من الناس إلى الجانب الغربي، وبلغت المعبرة دينارا ودينارين لعدم الجسر. قال ابن الجوزي: وطار في تلك الليلة على دار الخليفة نحو عشر بومات مجتمعات يصحن صياحا مزعجا، وقيل لرئيس الرؤساء المصلحة أن الخليفة يرتحل لعدم المقاتلة فلم يقبل، وشرعوا في استخدام طائفة من العوام، ودفع إليهم سلاح كثير من دار المملكة، فلما كان يوم الأحد الثامن من ذي القعدة من هذه السنة جاء البساسيري إلى بغداد ومعه الرايات البيض المصرية، وعلى رأسه أعلام مكتوب عليها اسم المستنصر بالله أبو تميم معد أمير المؤمنين، فتلقاه أهل الكرخ الرافضة وسألوه أن يجتاز من عندهم، فدخل الكرخ وخرج إلى مشرعة الزوايا، فخيم بها والناس إذ ذاك في مجاعة وضر شديد، ونزل قريش بن بدران في نحو من مائتي فارس على مشرعة باب البصرة، وكان البساسيري، قد جمع العيارين وأطمعهم في نهب دار الخلافة، ونهب أهل الكرخ دور أهل السنة بباب البصرة، ونهبت دار قاضي القضاة الدامغاني، وتملك أكثر السجلات والكتب الحكمية، وبيعت للعطارين، ونهبت دور المتعلقين بخدمة الخليفة، وأعادت الروافض الاذان بحي على خير العمل، وأذن به في سائر نواحي بغداد في الجمعات والجماعات وخطب ببغداد للخليفة المستنصر العبيدي، على منابرها وغيرها، وضربت له السكة على الذهب والفضة، وحوصرت دار الخلافة، فجاحف الوزير أبو القاسم بن المسلمة الملقب برئيس الرؤساء، بمن معه من المستخدمين دونه فلم يفد ذلك شيئا، فركب الخليفة بالسواد والبردة، وعلى رأسه اللواء وبيده سيف مصلت، وحوله زمرة من العباسيين والجواري حاسرات عن وجوههن، ناشرات شعورهن، ومعهن المصاحف على رؤوس الرماح، وبين يديه الخدم بالسيوف، ثم إن الخليفة أخذ ذماما من أمير العرب قريش ليمنعه وأهله ووزيره ابن المسلمة، فأمنه على ذلك كله، وأنزله في خيمة، فلامه البساسيري على ذلك، وقال: قد علمت ما كان وقع الاتفاق عليه بيني وبينك، من أنك لا تبت برأي دوني، ولا أنا دونك، ومهما ملكنا بيني وبينك. ثم إن البساسيري أخذ القاسم بن مسلمة فوبخه توبيخا مفضحا، ولامه لوما شديدا ثم ضربه ضربا مبرحا، واعتقله مهانا عنده، ونهبت العامة دار الخلافة، فلا يحصى ما أخذوا منها من الجواهر والنفائس، والديباج والذهب والفضة، والثياب والأثاث، والدواب وغير ذلك، مما لا يحد ولا يوصف. ثم اتفق رأى البساسيري وقريش على أن يسيروا الخليفة إلى أمير حديثة عانة، وهو
стр. 4482
مهارش بن مجلي (١) الندوي، وهو من بني عم قريش بن بدران، وكان رجلا فيه دين وله مروءة. فلما بلغ ذلك الخليفة دخل على قريش أن لا يخرج من بغداد فلم يفد ذلك شيئا، وسيره مع أصحابهما في هودج إلى حديثة عانة، فكان عند مهارش حولا كاملا، وليس معه أحد من أهله، فحكى عن الخليفة أنه قال: لما كنت بحديثة عانة قمت ليلة إلى الصلاة فوجدت في قلبي حلاوة المناجاة، ثم دعوت الله بما سنح لي، ثم قلت: اللهم أعدني إلى وطني، واجمع بيني وبين أهلي وولدي، ويسر اجتماعنا، وأعد روض الانس زاهرا، وربع القرب عامرا، وفلفل العزا وبرج الجفا، قال: فسمعت قائلا على شاطئ الفرات يقول: نعم نعم، فقلت: هذا رجل يخاطب آخر، ثم أخذت في السؤال والابتهال، فسمعت ذلك الصائح يقول: إلى الحول إلى الحول، فقلت: إنه هاتف أنطقه الله بما جرى الامر عليه، وكان كذلك، خرج من داره في ذي القعدة من هذه السنة، ورجع إليها في ذي القعدة من السنة المقبلة، وقد قال الخليفة القائم بأمر الله في مدة مقامه بالحديثة شعرا يذكر فيه حاله فمنه:
ساءت ظنوني فيمن كنت آمله … ولم يجل ذكر من واليت في خلدي
تعلموا من صروف الدهر كلهم … فما أرى أحدا يحنو على أحد
فما أرى من الأيام إلا موعدا … فمتى أرى ظفري بذاك الموعد
يومي يمر وكلما قضيته … عللت نفسي بالحديث إلى غد
أقبح بنفس تستريح إلى المنى … وعلى مطامعها تروح وتغتدي
وأما البساسيري وما اعتمده في بغداد: فإنه ركب يوم عيد الأضحى وألبس الخطباء والمؤذنين البياض، وكذلك أصحابه، وعلى رأسه الألوية المصرية، وخطب للخليفة المصري، والروافض في غاية السرور، والاذان بسائر العراق بحي على خير العمل، وانتقم البساسيري من أعيان أهل بغداد انتقاما عظيما، وغرق خلقا ممن كان يعاديه، وبسط على آخرين الأرزاق ممن كان يحبه ويواليه، وأظهر العدل. ولما كان يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة أحضر إلى بين يديه الوزير ابن المسلمة الملقب رئيس الرؤساء، وعليه جبة صوف، وطرطور من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة من جلود كالتعاويذ، فأركب جملا أحمر وطيف به في البلد. وخلفه من يصفعه بقطعة جلد، وحين اجتاز بالكرخ نثروا عليه خلقان المداسات، وبصقوا في وجهه ولعنوه وسبوه، وأوقف بإزاء دار الخلافة وهو في ذلك يتلو قوله تعالى (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير) [آل عمران: ٢٦] ثم لما فرغوا من التطواف به جئ به إلى
стр. 4483
المعسكر فألبس جلد ثور بقرنيه، وعلق بكلوب في شدقيه، ورفع إلى الخشبة، فجعل يضطرب إلى آخر النهار فمات ﵀. وكان آخر كلامه أن قال: الحمد لله الذي أحياني سعيدا، وأماتني شهيدا. وفيها وقع برد بأرض العراق أهلك كثيرا من الغلات، وقتل بعض الفلاحين، وزادت دجلة زيادة كثيرة، وزلزلت بغداد في هذه السنة قبل الفتنة بشهر زلزالا شديدا، فتهدمت دور كثيرة، ووردت الاخبار أن هذه الزلزلة اتصلت بهمذان وواسط، وتكريت، وعانة، وذكر أن الطواحين وقفت من شدتها. وفيها كثر النهب ببغداد حتى كانت العمائم تخطف عن الرؤوس، وخطفت عمامة الشيخ أبي نصر بن الصباغ، وطيلسانه وهو ذاهب إلى صلاة الجمعة.
وفي أواخر السنة خرج السلطان طغرلبك من همذان فقاتل أخاه وانتصر عليه، ففرح الناس وتباشروا بذلك، ولم يظهروا ذلك خوفا من البساسيري، واستنجد طغرلبك بأولاد أخيه داود - وكان قد مات - على أخيه إبراهيم فغلبوه وأسروه في أوائل سنة إحدى وخمسين، واجتمعوا على عمهم طغرلبك، فسار بهم نحو العراق فكان من أمرهم ما سيأتي ذكره في السنة الآتية إن شاء الله.
وفيها توفي من الأعيان …
الحسن (١) بن محمد أبو عبد الله الوني
الفرضي، وهو شيخ الحربي، وكان شافعي المذهب، قتل في بغداد في فتنة البساسيري ودفن في يوم الجمعة يوم عرفة منها.
داود أخو طغرلبك
وكان الأكبر منهم، توفي فيها وقام أولاده مقامه.
أبو الطيب الطبري
الفقيه، شيخ الشافعية، طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، ولد بآمل طبرستان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، سمع الحديث بجرجان من أبي أحمد الغطريفي، وبنيسابور من أبي الحسن الماسرجسي، وعليه درس الفقه أيضا وعلى أبي علي الزجاجي، وأبي القاسم بن كج، ثم اشتغل ببغداد على أبي حامد الأسفراييني، وشرح المختصر وفروع ابن الحداد، وصنف في الأصول
стр. 4484
والجدل، وغير ذلك من العلوم الكثيرة النافعة، وسمع ببغداد من الدارقطني وغيره، وولي القضاء بربع الكرخ بعد موت أبي عبد الله الصيمري، وكان ثقة دينا ورعا، عالما بأصول الفقه وفروعه، حسن الخلق سليم الصدر مواظبا على تعليم العلم ليلا ونهارا. وقد ترجمته في طبقات الشافعية، وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عنه - وكان شيخه، وقد أجلسه بعده في الحلقة - أن أبا الطيب أسلم خفا له - وكان متقللا من الدنيا فقيرا - عند خفاف ليصلحه له فأبطأ عليه فكان كلما مر عليه أخذه فغمسه في الماء وقال: أيها الشيخ الساعة أصلحه، فقال الشيخ: أسلمته لتصلحه ولم أسلمه لتعلمه السباحة. وحكى ابن خلكان: أنه كان له ولأخيه عمامة واحدة، وقميص واحد، إذا لبسهما هذا جلس الآخر في البيت لا يخرج منه، وإذا لبسهما هذا احتاج الآخر أن يقعد في البيت ولا يخرج منه، وإذا غسلاهما جلسا في البيت إلى أن ييبسا وقد قال في ذلك أبو الطيب:
قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم … لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل
وقد توفي في هذه السنة عن مائة سنة وسنتين، وهو صحيح العقل، والفهم، والأعضاء، يفتي ويشتغل إلى أن مات، وقد ركب مرة سفينة فلما خرج منها قفز قفزة لا يستطيعها الشاب فقيل له: ما هذا يا أبا الطيب؟ فقال: هذه أعضاء حفظناها في الشبيبة تنفعنا في الكبر ﵀.
القاضي الماوردي
صاحب الحاوي الكبير، علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي البصري، شيخ الشافعية، صاحب التصانيف الكثيرة في الأصول والفروع والتفسير والاحكام السلطانية، وأدب الدنيا والدين. قال: بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة، يعني الاقناع. وقد ولي الحكم في بلاد كثيرة، وكان حليما وقورا أديبا، لم ير أصحابه ذراعه يوما من الدهر من شدة تحرزه وأدبه، وقد استقصيت ترجمته في الطبقات، توفي عن ست وثمانين سنة، ودفن بباب حرب.
رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المسلمة
علي بن الحسن (١) بن أحمد بن محمد بن عمر، وزير القائم بأمر الله، كان أولا قد سمع الحديث من أبي أحمد الفرضي وغيره، ثم صار أحد المعدلين، ثم استكتبه القائم بأمر الله واستوزره، ولقبه رئيس الرؤساء، شرف الوزراء، جمال الوزراء، كان متضلعا بعلوم كثيرة مع سداد رأي، ووفور عقل، وقد مكث في الوزارة ثنتي عشرة سنة وشهرا، ثم قتله البساسيري بعد ما شهره كما تقدم، وله من العمر ثنتان وخمسون سنة وخمسة أشهر.
стр. 4485
منصور بن الحسين
أبو الفوارس الأسدي، صاحب الجزيرة، توفي فيها وأقاموا ولده بعده (١).
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وأربعمائة
استهلت هذه السنة وبغداد في حكم البساسيري، يخطب فيها لصاحب مصر الفاطمي، والخليفة العباسي بحديثة عانة، ثم لما كان يوم الاثنين ثاني عشر صفر أحضر القضاة أبا عبد الله الدامغاني وجماعة من الوجوه والأعيان والأشراف، وأخذ عليهم البيعة لصاحب مصر المستنصر الفاطمي، ثم دخل دار الخلافة وهؤلاء المذكورون معه وأمر بنقض تاج دار الخلافة، فنقض بعض الشراريف، ثم قيل له إن القبح في هذا أكثر من المصلحة. فتركه، ثم ركب إلى زيارة المشهد بالكوفة، وعزم على عبور نهر جعفر ليسوق الحائر لوفاء نذر كان عليه، وأمر بأن تنقل جثة ابن مسلمة إلى ما يقارب الحريم الظاهري، وأن تنصب على دجلة. وكتبت إليه أم الخليفة - وكانت عجوزا كبيرة قد بلغت التسعين وهي مختفية في مكان - تشكو إليه الحاجة والفقر وضيق الحال، فأرسل إليها من نقلها إلى الحريم، وأخدمها جاريتين، ورتب لها كل يوم اثني عشر رطلا من خبز، وأربعة أرطال من لحم.
فصل
ولما خلص السلطان طغرلبك من حصره بهمذان وأسر أخاه إبراهيم وقتله، وتمكن في أمره، وطابت نفسه، ولم يبق له في تلك البلاد منازع، كتب إلى قريش بن بدران يأمره بأن يعيد الخليفة إلى وطنه، وداره وتوعده على أنه إن لم يفعل ذلك وإلا أحل به بأسا شديدا، فكتب إليه قريش يتلطف به ويدخل عليه، ويقول: أنا معك على البساسيري بكل ما أقدر عليه، حتى يمكنك الله منه، ولكن أخشى أن أتسرع في أمر يكون فيه على الخليفة مفسدة، أو تبدر إليه بادرة سوء يكون علي عارها، ولكن سأعمل على ما أمرتني به بكل ما يمكنني، وأمر برد امرأة الخليفة خاتون إلى دارها وقرارها، ثم إنه راسل البساسيري بعود الخليفة إلى داره، وخوفه من جهة الملك طغرلبك، وقال له فيما قال: إنك دعوتنا إلى طاعة المستنصر الفاطمي، وبيننا وبينه ستمائة فرسخ، ولم يأتنا رسول ولا أحد من عنده ولم يفكر في شئ مما أرسلنا إليه، وهذا الملك من ورائنا بالمرصاد، قريب منا، وقد جاءني منه كتاب عنوانه: إلى الأمير الجليل علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران، مولى أمير المؤمنين، من