هل لأخي بل مالكي علم بالذي … إليه وإن طال التردد راجع
وإني بيوم واحد من لقائه … علي وإن عظم الموت بايع
ولم يبق إلا دون عشرين ليلة … ويحيى اللقا أبصارنا والمسامع
إلى ملك تعنو الملوك إذا بدا … وتخشع إعظاما له وهو خاشع
كتبت وأشواقي إليك ببعضها … تعلمت النوح الحمام السواجع
وما الملك إلا راحة أنت زندها … تضم على الدنيا ونحن الأصابع
وكان قومه على أخيه سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فشهد معه مواقف مشهودة محمودة، واستنابه على دمشق مدة، ثم سار إلى مصر فاستنابه على الإسكندرية فلم توافقه، وكانت تعتريه القوالنج فمات في هذه السنة، ودفن بقصر الامارة فيها، ثم نقلته أخته ست الشام بنت أيوب فدفنته بتربتها التي بالشامية البرانية، فقبره القبلي، والوسطاني قبر زوجها وابن عمها ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، صاحب حماه والرحبة، والموخر قبرها، والتربة الحسامية منسوبة إلى ولدها حسام الدين عمر بن لاشين، وهي إلى جانب المدرسة من غربها، وقد كان توران شاه هذا كريما شجاعا عظيم الهيبة كبير النفس، واسع النفقة والعطاء، قال فيه ابن سعدان الحلبي:
هو الملك إن تسمع بكسرى وقيصر … فإنهما في الجود والباس عبداه
وما حاتم ممن يقاس بمثله … فخذ ما رأيناه ودع ما رويناه
ولذ بعلاه مستجيرا فإنه … يجيرك من جور الزمان وعدواه
ولا تحمل للسحائب منه إذا … هطلت جودا سحائب كفاه
فترسل كفاه بما اشتق منهما … فلليمن يمناه وليسر يسراه
ولما بلغ موته أخاه صلاح الدين بن أيوب وهو مخيم بظاهر حمص، حزن عليه حزنا شديدا، وجعل ينشد باب المراثي من الحماسة وكانت محفوظة.
وفي رجب منها قدمت رسل الخليفة الناصر وخلع وهدايا إلى الناصر صلاح الدين، فلبس خلعة الخليفة بدمشق، وزينت له البلد، وكان يوما مشهودا. وفي رجب (١) أيضا منها سار السلطان إلى مصر لينظر في أحوالها ويصوم بها رمضان، ومن عزمه أن يحج عامه ذلك، واستناب على الشام ابن أخيه عز الدين فروخ شاه، وكان عزيز المثل غزير الفضل، فكتب القاضي الفاضل عن الملك العادل أبي بكر إلى أهل اليمن والبقيع ومكة يعلمهم بعزم السلطان الناصر على الحج، ومعه صدر الدين أبو القاسم عبد الرحيم شيخ الشيوخ ببغداد، الذي قدم من جهة الخليفة في الرسالة، وجاء
стр. 4762
بالخلع ليكون في خدمته إلى الديار المصرية، وفي صحبته إلى الحجاز، فدخل السلطان مصر وتلقاه الجيش، وأما شيخ الشيوخ فإنه لم يقم بها إلا قليلا حتى توجه إلى الحجاز في البحر، فأدرك الصيام في المسجد الحرام.
وفيها سار قراقوش التقوى إلى المغرب فحاصر بها فاس وقلاعا كثيرة حولها، واستحوذ على أكثرها، واتفق له أنه أسر من بعض الحصون غلاما أسود فأراد قتله فقال له أهل الحصن لا تقتله وخذ لك ديته عشرة آلاف دينار، فأبى فأوصله إلى مائة ألف، فأبى إلا قتله فقتله، فلما قتله نزل صاحب الحصن وهو شيخ كبير ومعه مفاتيح ذلك الحصن، فقال له خذ هذه فإني شيخ كبير، وإنما كنت أحفظه من أجل هذا الصبي الذي قتلته، ولي أولاد أخ أكره أن يملكوه بعدي، فأقره فيه وأخذ منه أموالا كثيرة.
وفيها توفي من الأعيان ..
الحافظ أبو طاهر السلفي
أحمد بن محمد بن إبراهيم سلفة الحافظ الكبير المعمر، أبو طاهر السلفي الأصبهاني، وإنما قيل له السلفي لحده إبراهيم سلفة، لأنه كان مشقوق إحدى الشفتين، وكان له ثلاث شفاه فسمته الأعاجم لذلك، قال ابن خلكان: وكان يلقب بصدر الدين، وكان شافعي المذهب، ورد بغداد واشتغل بها على الكيا الهراسي، وأخذ اللغة عن الخطيب أبي زكريا. يحيى بن علي التبريزي سمع الحديث الكثير ورحل في طلبه إلى الآفاق ثم نزل ثغر الإسكندرية في سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن السلار وزير الخليفة الظافر مدرسة، وفوضها إليه، فهي معروفة به إلى الآن. قال ابن خلكان: وأما أماليه وكتبه وتعاليقه فكثيرة جدا، وكان مولده فيما ذكر المصريون سنة ثنتين وسبعين وأربعمائة، ونقل الحافظ عبد الغني عنه أنه قال: أذكر مقتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربعمائة ببغداد، وأنا ابن عشر تقريبا، ونقل أبو القاسم الصفراوي أنه قال: مولدي بالتخمين لا باليقين سنة ثمان وسبعين، فيكون مبلغ عمره ثمانيا وتسعين سنة، لأنه توفي ليلة الجمعة خامس ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بثغر الإسكندرية والله أعلم، ودفن بوعلة وفيها جماعة من الصالحين. وقد رجح ابن خلكان قول الصفراوي، قال: ولم يبلغنا من ثلاثمائة أن أحدا جاوز المائة إلا القاضي أبا الطيب الطبري، وقد ترجمه ابن عساكر في تاريخه ترجمة حسنة، وإن كان قد مات قبله بخمس سنين، فذكر رحلته في طلب الحديث ودورانه في الأقاليم، وأنه كان يتصوف أولا ثم أقام بثغر الإسكندرية وتزوج بامرأة ذات يسار، فحسنت حاله، وبنت عليه مدرسة هناك، وذكر طرفا من أشعاره منها قوله:
أتأمن إلمام المنية بغتة … وأمن الفتى جهل وقد خبر الدهرا
стр. 4763
وليس يحابي الدهر في دورانه … أراذل أهليه ولا السادة الزهرا
وكيف وقد مات النبي وصحبه … وأزواجه طرا وفاطمة الزهرا
وله أيضا:
يا قاصدا علم الحديث لدينه … إذ ضل عن طرق الهداية وهمه
إن العلوم كما علمت كثيرة … وأجلها فقه الحديث وعلمه
من كان طالبه وفيه تيقظ … فأتم سهم في المعالي سهمه
لولا الحديث وأهله لم يستقم … دين النبي وشذ عنا حكمه
وإذا استراب بقولنا متحذلق … ما كل فهم في البسيطة فهمه
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة
استهلت وصلاح الدين مقيم بالقاهرة مواظب على سماع الحديث، وجاءه كتاب من نائبه بالشام عز الدين فروخ شاه يخبره فيه بما من الله به على الناس من ولادة النساء بالتوأم جبرا لما كان أصابهم من الوباء بالعام الماضي والفناء، وبأن الشام مخصبة بإذن الله لما كان أصابهم من الغلاء. وفي شوال توجه الملك صلاح الدين إلى الإسكندرية لينظر ما أمر به من تحصين سورها وعمارة أبراجها وقصورها، وسمع بها موطأ مالك على الشيخ أبي طاهر بن عوف، عن الطرطوشي، وسمع معه العماد الكاتب، وأرسل القاضي الفاضل رسالة إلى السلطان يهنئه بهذا السماع.
وفاة الملك الصالح بن نور الدين الشهيد
صاحب حلب وما جرى بعده من الأمور
كانت وفاته في الخامس والعشرين من رجب من هذه السنة (١) بقلعة حلب، ودفن بها، وكان سبب وفاته فيما قيل أن الأمير علم الدين سليمان بن حيدر سقاه سما في عنقود عنب في الصيد، وقيل بل سقاه ياقوت الأسدي في شراب فاعتراه قولنج فما زال كذلك حتى مات وهو شاب حسن الصورة، بهي المنظر، ولم يبلغ عشرين سنة (٢)، وكان من أعف الملوك ومن أشبه أباه فما ظلم، وصف له الأطباء في مرضه شرب الخمر فاستفتى الفقهاء في شربها تداويا فأفتوه بذلك، فقال: أيزيد شربها في أجلي أو ينقص منه تركها شيئا؟ قالوا: لا. قال: فوالله لا أشربها وألقى الله وقد شربت ما حرمه
стр. 4764
علي. ولما يئس من نفسه استدعا الامراء فحلفهم لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل، لقوة سلطانه وتمكنه، ليمنعها من صلاح الدين، وخشي أن يبايع لابن عمه الآخر عماد الدين زنكي، صاحب سنجار، وهو زوج أخته وتربية والده، فلا يمكنه حفظها من صلاح الدين فلما مات استدعى الحلبيون عز الدين مسعود بن قطب الدين، صاحب الموصل، فجاء إليهم فدخل حلب في أبهة عظيمة، وكان يوما مشهودا، وذلك في العشرين من شعبان، فتسلم خزائنها وحواصلها. وما فيها من السلاح، وكان تقي الدين عمر (١) في مدينة منبج فهرب إلى حماه فوجد أهلها قد نادوا بشعار صاحب الموصل وأطمع الحلبيون مسعودا بأخذ دمشق لغيبة صلاح الدين عنها، وأعلموه محبة أهل الشام لهذا البيت الأتابكي نور الدين، فقال لهم: بيننا وبين صلاح الدين أيمان وعهود، وأنا لا أغدر به، فأقام بحلب شهورا وتزوج بأم الملك الصالح في شوال، ثم سار إلى الرقة فنزلها وجاءه رسل أخيه عماد الدين زنكي يطلب منه أن يقايضه من حلب إلى سنجار، وألح عليه في ذلك، وتمنع أخوه ثم فعل على كره منه، فسلم إليه حلب وتسلم عز الدين سنجار والخابور والرقة ونصيبين وسروج وغير ذلك من البلاد.
ولما سمع الملك صلاح الدين بهذه الأمور ركب من الديار المصرية في عساكره فسار حتى أتى الفرات فعبرها، وخامر إليه بعض أمراء صاحب الموصل، وتقهقر صاحب الموصل عن لقائه، واستحوذ صلاح الدين على بلاد الجزيرة بكمالها، وهم بمحاصرة الموصل فلم يتفق له ذلك، ثم جاء إلى حلب فتسلمها من عماد الدين زنكي لضعفه عن ممانعتها، ولقلة ما ترك فيها عز الدين من الأسلحة وذلك في السنة الآتية.
وفيها عزم البرنس صاحب الكرك على قصد تيماء من أرض الحجاز، ليتوصل منها إلى المدينة النبوية، فجهز له صلاح الدين سرية من دمشق تكون حاجزة بينه وبين الحجاز، فصده ذلك عن قصده. وفيها ولى السلطان صلاح الدين أخاه سيف الاسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب نيابة اليمن، وأرسله إليها (٢)، وذلك لاختلاف نوابها واضطراب أصحابها، بعد وفاة المعظم أخي السلطان، فسار إليها طغتكين فوصلها في سنة ثمان وسبعين، فسار فيها أحسن سيرة، واحتاط على أموال حطان بن منقذ صاحب زبيد، وكانت تقارب ألف ألف دينار أو أكثر، وأما نائب عدن فخر
стр. 4765
الدين عثمان [الزنجبيلي] فإنه خرج من اليمن قبل قدوم طغتكين فسكن الشام، وله أوقاف مشهورة باليمن ومكة، وإليه تنسب المدرسة الزنجبيلية، خارج باب توما، تجاه دار المطعم، وكان قد حصل من اليمن أموالا عظيمة جدا.
وفيها غدرت الفرنج ونقضت عهودها، وقطعوا السبل على المسلمين برا وبحرا وسرا وجهرا، فأمكن الله من لطيشة عظيمة فيها نحو من ألفين وخمسمائة من مقاتلتهم المعدودين، ألقاها الموج إلى ثغر دمياط قبل خروج السلطان من مصر، فأحيط بها فغرق بعضهم وحصل في الأسر نحو ألف وسبعمائة. وفيها سرا قراقوش إلى بلاد إفريقية ففتح بلادا كثيرة، وقاتل عسكر ابن عبد المؤمن صاحب المغرب، واستفحل أمره هناك، وقراقوش مملوك تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين، ثم عاد إلى مصر فأمره صلاح الدين أن يتم السور المحيط بالقاهرة ومصر، وذلك قبل خروجه منها في هذه السنة، وكان ذلك آخر عهده بها حتى توفاه الله بعد أن أناله الله بلوغ مناه، ففتح عليه بيت المقدس وما حوله، ولما خيم بارزا، من مصر وأولاده حوله جعل يشمهم ويقبلهم ويضمهم فأنشد بعضهم في ذلك:
تمتع من شميم عرار نجد … فما بعد العشية من عرار
وكان الامر كما قال، لم يعد إلى مصر بعد هذا العام، بل كان مقامه بالشام. وفيها ولد للسلطان ولدان أحدهما المعظم توران شاه، والملك المحسن أحمد، وكان بين ولادتهما سبعة أيام، فزينت البلاد واستمر الفرح أربعة عشر يوما.
وفيها توفي من الأعيان:
الشيخ كمال الدين أبو البركات
عبد الرحمن بن محمد بن أبي السعادات، عبيد الله بن محمد بن عبيد الله الأنباري النحوي الفقيه العابد الزاهد، كان خشن العيش، ولا يقبل من أحد شيئا، ولا من الخليفة، وكان يحضر نوبة الصوفية بدار الخلافة، ولا يقبل من جوائز الخليفة ولا فلسا، وكان مثابرا على الاشتغال، وله تصانيف مفيدة، توفي في شعبان من هذه السنة. قال ابن خلكان: له كتاب أسرار العربية مفيد جدا، وطبقات النحاة، مفيد جدا، وكتاب الميزان في النحو أيضا، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة
في خامس محرمها كان بروز السلطان من مصر قاصدا دمشق لأجل الغزو والاحسان إلى الرعايا
стр. 4766
وكان ذلك آخر عهده بمصر، وأغار بطريقه على بعض نواحي بلاد الإفرنج، وقد جعل أخاه تاج الملوك بوري بن أيوب على الميمنة، فالتقوا على الأزرق بعد سبعة أيام، وقد أغار عز الدين فروخ شاه على بلاد طبرية وافتتح حصونا جيدة، وأسر منهم خلقا، واغتنم عشرين ألفا رأس من الانعام، ودخل الناصر دمشق سابع (١) صفر ثم خرج منها في العشر الأول من ربيع الأول، فاقتتل مع الفرنج في نواحي طبرية وبيسان تحت حصن كوكب، فقتل خلق من الفريقين، وكانت النصرة للمسلمين على الفرنج، ثم رجع إلى دمشق مؤيدا منصورا، ثم ركب قاصدا حلب وبلاد الشرق ليأخذها وذلك أن المواصلة والحلبيين كاتبوا الفرنج على حرب المسلمين، فغارت الفرنج على بعض أطراف البلاد ليشغلوا الناصر عنهم بنفسه، فجاء إلى حلب فحاصرها ثلاثا، ثم رأى العدول عنها إلى غيرها أولى، فسار حتى بلغ الفرات، واستحوذ على بلاد الجزيرة والرها والرقة ونصيبين، وخضعت له الملوك، ثم عاد إلى حلب فتسلمها من صاحبها عماد الدين زنكي، فاستوثقت له الممالك شرقا وغربا، وتمكن حينئذ من قتال الفرنج.
فصل
ولما عجز ابرنس الكرك عن إيصال الأذى إلى المسلمين في البر، عمل مراكب في بحر القلزم ليقطعوا الطريق على الحجاج والتجار، فوصلت أذيتهم إلى عيذاب، وخاف أهل المدينة النبوية من شرهم، فأمر الملك العادل الأمير حسام الدين لؤلؤ صاحب الأسطول أن يعمل مراكبه في بحر القلزم ليحارب أصحاب الابرنس، ففعل ذلك فظفر بهم في كل موطن، فقتلوا منهم وحرقوا وغرقوا وسبوا في مواطن كثيرة، ومواقف هائلة، وأمن البر والبحر بإذن الله تعالى، وأرسل الناصر إلى أخيه العادل ليشكر ذلك عن مساعيه، وأرسل إلى ديوان الخليفة يعرفهم بذلك.
فصل في وفاة المنصور عز الدين
فروخ شاه بن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك ونائب دمشق لعمه الناصر، وهو والد الأمجد بهرام شاه صاحب بعلبك بعد أبيه، وإليه تنسب المدرسة الفروخ شاهية بالشرق الشمالي بدمشق، وإلى جانبها التربة الأمجدية لولده، وهما وقف على الحنفية والشافعية، وقد كان فروخ شاه شجاعا شهما عاقلا ذكيا كريما ممدحا، امتدحه الشعراء لفضله وجوده، وكان من أكبر أصحاب الشيخ تاج الدين أبي اليمن الكندي، عرفه من مجلس القاضي الفاضل، فانتمى إليه، وكان يحسن إليه، وله وللعماد الكاتب فيه مدائح، وكان ابنه الأمجد شاعرا جيدا، ولاه عم أبيه صلاح الدين بعلبك بعد
стр. 4767
أبيه، واستمر فيها مدة طويلة، ومن محاسن فروخ شاه صحبته لتاج الدين الكندي وله شعر رائق:
أنا في أسر السقام … وهو في هذا المقام
رشأ يرشق عينا … فؤادي بسهام
كلما أرشفني فاه … على حر الأوام
ذقت منه الشهد … المصفى في المدام
وقد دخل يوما الحمام فرأى رجلا كان يعرفه من أصحاب الأموال، وقد نزل به الحال حتى إنه كان يستتر ببعض ثيابه لئلا تبدو عورته، فرق له وأمر غلامه أن ينقل بقجة وبساطا إلى موضع الرجل، وأمره فأحضر ألف دينار وبغلة وتوقيعا له في كل شهر بعشرين ألف دينار، فدخل الرجل الحمام فقيرا وخرج منه غنيا، فرحمة الله على الأجواد الجياد.
وفيها توفي من الأعيان …
الشيخ أبو العباس
أحمد بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد المعروف بابن الرفاعي، شيخ الطائفة الأحمدية الرفاعية البطائحية، لسكناه أم عبيدة من قرى البطائح، وهي بين البصرة وواسط، كان أصله من العرب فسكن هذه البلاد، والتف عليه خلق كثير، ويقال: إنه حفظ التنبيه في الفقه على مذهب الشافعي. قال ابن خلكان: ولأتباعه أحوال عجيبة من أكل الحيات وهي حية، والدخول في النار وفي التنانير وهي تضطرم، ويلعبون بها وهي تشتعل، ويقال إنهم في بلادهم يركبون الأسود. وذكر ابن خلكان: أنه قال وليس للشيخ أحمد عقب، وإنما النسل لأخيه وذريته يتوارثون المشيخة بتلك البلاد. وقال: ومن شعره على ما قيل:
إذا جن ليلي هام قلبي بذكركم … أنوح كما ناح الحمام المطوق
وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى … وتحتي بحار بالأسى تتدفق
سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها … تفك الأسارى دونه وهو موثق
فلا هو مقتول ففي القتل راحة … ولا هو ممنون عليه فيطلق
من شعره قوله:
أغار عليها من أبيها وأمها … ومن كل من يدنو إليها وينظر
وأحسد للمرآة أيضا بكفها … إذا نظرت مثل الذي أنا أنظر
قال: ولم يزل على تلك الحال إلى أن توفي يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة.
стр. 4768
خلف بن عبد الملك بن مسعود بن بشكوال
أبو القاسم القرطبي الحافظ المحدث المؤرخ، صاحب التصانيف، له كتاب الصلة جعله ذيلا على تاريخ أبي الوليد بن الفرضي، وله كتاب المستغيثين بالله، وله مجلدة في تعيين الأسماء المبهمة على طريق الخطيب، وله أسماء من روى الموطأ على حروف المعجم، بلغوا ثلاثة وسبعين رجلا، مات في رمضان عن أربع وثمانين سنة.
العلامة قطب الدين أبو المعالي
مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، تفقه على محمد بن يحيى صاحب الغزالي، قدم دمشق ودرس بالغزالية والمجاهدية، وبحلب بمدرسة نور الدين وأسد الدين، ثم بهمدان، ثم رجع إلى دمشق ودرس بالغزالية وانتهت إليه رياسة المذهب، ومات بها في سلخ رمضان يوم العيد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، عن ثلاث وسبعين (١) سنة، وعنه أخذ الفخر ابن عساكر وغيره، وهو الذي صلى على الحافظ ابن عساكر والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة
في رابع عشر محرمها تسلم السلطان الناصر مدينة آمد صلحا بعد حصار طويل (٢)، من يد صاحبها ابن بيسان (٣)، بعد حمل ما أمكنه من حواصله وأمواله مدة ثلاثة أيام، ولما تسلم البلد وجد فيه شيئا كثيرا من الحواصل وآلات الحرب، حتى إنه وجد برجا مملوءا بنصول النشاب، وبرجا آخر فيه مائة ألف شمعة، وأشياء يطول شرحها، ووجد فيها خزانة كتب ألف ألف مجلد، وأربعين ألف مجلد، فوهبها كلها للقاضي الفاضل، فانتخب منها حمل سبعين حمارة. ثم وهب السلطان البلد بما فيه لنور الدين محمد بن قرا أرسلان - وكان قد وعده بها - فقيل له: إن الحواصل لم تدخل في الهبة، فقال: لا أبخل بها عليه، وكان في خزانتها ثلاثة آلاف ألف دينار، فامتدحه الشعراء على هذا الصنيع. ومن أحسن ذلك قول بعضهم:
стр. 4769
قل للملوك تنحوا عن ممالككم … فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها
ثم سار السلطان في بقية المحرم (١) إلى حلب فحاصرها وقاتله أهلها قتالا شديدا، فجرح أخو السلطان تاج الملوك بوري بن أيوب جرحا بليغا، فمات منه بعد أيام، وكان أصغر أولاد أيوب، لم يبلغ عشرين سنة، وقيل إنه جاوزها بثنتين، وكان ذكيا فهما، له ديوان شعر لطيف، فحزن عليه أخوه صلاح الدين حزنا شديدا، ودفنه بحلب، ثم نقله إلى دمشق، ثم اتفق الحال بين الناصر وبين صاحب حلب عماد الدين زنكي بن آقسنقر على عوض أطلقه له الناصر، بأن يرد عليه سنجار ويسلمه حلب، فخرج عماد الدين من القلعة إلى خدمة الناصر وعزاه في أخيه ونزل عنده في المخيم، ونقل أثقاله إلى سنجار، وزاده السلطان الخابور والرقة ونصيبين وسروج واشترط عليه إرسال العسكر في الخدمة لأجل الغزاة في الفرنج، ثم سار وودعه السلطان ومكث السلطان في المخيم يرى حلب أياما غير مكترث بحلب ولا وقعت منه موقعا، ثم صعد إلى قلعتها يوم الاثنين السابع والعشرين من صفر، وعمل له الأمير طهمان وليمة عظيمة، فتلا هذه الآية وهو داخل في بابها (قل اللهم مالك الملك) [آل عمران: ٢٦] الآية. ولما دخل دار الملك تلا قوله تعالى (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم) الآية [الأحزاب: ٢٧]، ولما دخل مقام إبراهيم صلى فيه ركعتين وأطال السجود به، والدعاء والتضرع إلى الله، ثم شرع في عمل وليمة، وضربت البشائر وخلع على الامراء، وأحسن إلى الرؤساء والفقراء، ووضعت الحرب أوزارها، وقد امتدحه الشعراء بمدائح حسان. ثم إن القلعة وقعت منه بموقع عظيم، ثم قال: ما سررت بفتح قلعة أعظم سرورا من فتح مدينة حلب، وأسقطت عنها وعن سائر بلاد الجزيرة المكوس والضرائب، وكذلك عن بلاد الشام ومصر، وقد عاث الفرنج في غيبته في الأرض فسادا، فأرسل إلى عساكره فاجتمعوا إليه، وكان قد بشر بفتح بيت المقدس حين فتح حلب، وذلك أن الفقيه مجد الدين بن جهبل الشافعي رأى في تفسير أبي الحكم العربي عند قوله: (آلم غلبت الروم في أدنى الأرض) الآية [الروم: ١ - ٢]، البشارة بفتح بين المقدس في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، واستدل على ذلك بأشياء، فكتب ذلك في ورقة وأعطاها للفقيه عيسى الهكاري، ليبشر بها السلطان، فلم يتجاسر على ذلك خوفا من عدم المطابقة، فأعلم بذلك القاضي محيي الدين بن الزكي، فنظم معناه في قصيدة يقول فيها:
وفتحكم حلب الشهباء في صفر … قضى لكم بافتتاح القدس في رجب (٢)
وقدمها إلى السلطان فتاقت نفسه إلى ذلك، فلما افتتحها كما سيأتي أمر ابن الزكي فخطب
стр. 4770
يومئذ وكان يوم الجمعة، ثم بلغه بعد ذلك أن [ابن] جهبل هو الذي قال ذلك أولا، فأمره فدرس على نفس الصخرة درسا عظيما، فأجزل له العطاء، وأحسن عليه الثناء.
فصل
ثم رحل من حلب في أواخر ربيع الآخر واستخلف على حلب ولده الظاهر غازي، وولى قضاءها لابن الزكي، فاستناب له فيها نائبا، وسار مع السلطان، فدخلوا دمشق في ثالث جمادى الأولى وكان ذلك يوما مشهودا، ثم برز منها خارجا إلى قتال الفرنج في أول جمادى الآخرة قاصدا نحو بيت المقدس، فانتهى إلى بيسان فنهبها، ونزل على عين جالوت، وأرسل بين يديه سرية هائلة فيها بردويل وطائفة من النورية، وجاء مملوك عمه أسد الدين فوجدوا جيش الفرنج قاصدين إلى أصحابهم نجدة، فالتقوا معهم فقتلوا من الفرنج خلقا وأسروا مائة أسير، ولم يفقد من المسلمين سوى شخص واحد، ثم عاد في آخر ذلك اليوم، وبلغ السلطان أن الفرنج قد اجتمعوا لقتاله، فقصدهم وتصدى لهم لعلهم يصافونه، فالتقى معهم فقتل منهم خلقا كثيرا، وجرح مثلهم فرجعوا ناكصين على أعقابهم خائفين منه غاية المخافة، ولا زال جيشه خلفهم يقتل ويأسر حتى غزوا في بلادهم فرجعوا عنهم، وكتب القاضي الفاضل إلى الخليفة يعلمه بما من الله عليه وعلى المسلمين من نصرة الدين، وكان لا يفعل شيئا ولا يريد أن يفعله إلا أطلع عليه الخليفة أدبا واحتراما وطاعة واحتشاما.
فصل
وفي رجب سار السلطان إلى الكرك (١) فحاصرها وفي صحبته تقي الدين عمر ابن أخيه، وقد كتب لأخيه العادل ليحضر عنده ليوليه حلب وأعمالها وفق ما كان طلب، واستمر الحصار على الكرك مدة شهر رجب، ولم يظفر منها بطلب، وبلغه أن الفرنج قد اجتمعوا كلهم ليمنعوا منه الكرك فكر راجعا إلى دمشق - وذلك من أكبر همته - وأرسل ابن أخيه تقي الدين إلى مصر نائبا، وفي صحبته القاضي الفاضل، وبعث أخاه على مملكة حلب وأعمالها، واستقدم ولده الظاهر إليه، وكذلك نوابه ومن يعز عليه، وإنما أعطى أخاه حلب ليكون قريبا منه، فإنه كان لا يقطع أمرا دونه، واقترض السلطان من أخيه العادل مائة ألف دينار، وتألم الظاهر بن الناصر على مفارقة حلب، وكانت إقامته
стр. 4771
بها ستة أشهر، ولكن لا يقدر أن يظهر ما في نفسه لوالده، لكن ظهر ذلك على صفحات وجهه ولفظات لسانه.
ثم دخلت سنة ثمانين وخمسمائة
فيها أرسل الناصر إلى العساكر الحلبية والجزيرية والمصرية والشامية أن يقدموا عليه لقتال الفرج، فقدم عليه تقي الدين عمر من مصر ومعه الفاضل، ومن حلب العادل، وقدمت ملوك الجزيرة وسنجار وغيرها، فأخذ الجميع وسار نحو الكرك فأحدقوا بها في رابع عشر جمادى الأولى، وركب عليها المنجنيقات، وكانت تسعة، وأخذ في حصارها، وذلك أنه رأى أن فتحها أنفع للمسلمين من غيرها، فإن أهلها يقطعون الطريق على الحجاج، فبينما هو كذلك إذ بلغه أن الفرنج قد اجتمعوا له كلهم فارسهم وراجلهم، ليمنعوا منه الكرك، فانشمر عنها وقصدهم فنزل على حسان تجاههم، ثم صار إلى ماعر، فانهزمت الفرنج قاصدين الكرك، فأرسل وراءهم من قتل منهم مقتلة عظيمة، وأمر السلطان بالإغارة على السواحل لخلوها من المقاتلة، فنهبت نابلس وما حولها من القرى والرساتيق، ثم عاد السلطان إلى دمشق فأذن للعساكر في الانصراف إلى بلادهم، وأمر ابن أخيه عمر الملك المظفر أن يعود إلى مصر، وأقام هو بدمشق ليؤدي فرض الصيام، وليجل الخيل ويحد الحسام، وقدم على السلطان خلع الخليفة فلبسها، وألبس أخاه العادل، وابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه، ثم خلع خلعته على ناصر الدين بن قرا أرسلان، صاحب حصن كيفا آمد التي أطلقها له السلطان. وفيها مات صاحب المغرب يوسف بن عبد المؤمن بن علي وقام في الملك بعده ولده يعقوب. وفي أواخرها بلغ صلاح الدين أن صاحب الموصل نازل أربل فبعث صاحبها يستصرخ، به فركب من فوره إليه، فسار إلى بعلبك ثم إلى حماه، فأقام بها أياما ينتظر وصول العماد إليه، وذلك لأنه حصل له ضعف فأقام ببعلبك، وقد أرسل إليه الفاضل من دمشق طبيبا يقال له أسعد بن المطران، فعالجه مداواة من طب لمن حب …
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة
استهلت والسلطان مخيم بظاهر حماه، ثم سار إلى حلب، ثم خرج منها في صفر قاصدا الموصل فجاء إلى حران فقبض على صاحبها مظفر الدين، وهو أخو زين الدين صاحب إربل، ثم رضي عنه وأعاده إلى مملكته حتى يتبين خبث طويته، ثم سار إلى الموصل فتلقاه الملوك من كل ناحية وجاء إلى خدمته عماد الدين أبو بكر بن قرا أرسلان، وسار السلطان فنزل على الإسماعيليات قريبا من الموصل، وجاءه صاحب إربل نور الدين الذي خضعت له ملوك تلك الناحية، ثم أرسل صلاح الدين ضياء الدين الشهرزوري إلى الخليفة يعلمه بما عزم عليه من حصار الموصل، وإنما مقصوده
стр. 4772
ردهم إلى طاعة الخليفة، ونصرة الاسلام، فحاصرها مدة ثم رحل عنها ولم يفتحها، وسار إلى خلاط واستحوذ على بلدان كثيرة، وأقاليم جمة ببلاد الجزيرة وديار بكر، وجرت أمور استقصاها ابن الأثير في كامله، وصاحب الروضتين، ثم وقع الصلح بينه وبين المواصلة، على أن يكونوا من جنده إذا ندبهم لقتال الفرنج، وعلى أن يخطب له وتضرب له السكة، ففعلوا ذلك في تلك البلاد كلها، وانقطعت خطبة السلاجقة والأزيقية بتلك البلاد كلها، ثم اتفق مرض السلطان بعد ذلك مرضا شديدا، فكان يتجلد ولا يظهر شيئا من الألم حتى قوي عليه الامر وتزايد الحال، حتى وصل إلى حران فخيم هنالك من شدة ألمه، وشاع ذلك في البلاد، وخاف الناس عليه وأرجف الكفرة والملحدون بموته، وقصده أخوه العادل من حلب بالأطباء والأدوية، فوجده في غاية الضعف، وأشار عليه بأن يوصي، فقال: ما أبالي وأنا أترك من بعدي أبا بكر وعمر وعثمان وعليا - يعني أخاه العادل وتقي الدين عمر صاحب حماه وهو إذ ذاك نائب مصر، وهو بها مقيم، وابنيه العزيز عثمان والأفضل عليا - ثم نذر لئن شفاه الله من مرضه هذا ليصرفن همته كلها إلى قتال الفرنج، ولا يقاتل بعد ذلك مسلما، وليجعل أكبر همه فتح بيت المقدس، ولو صرف في سبيل الله جميع ما يملكه من الأموال والذخائر، وليقتلن البرنس صاحب الكرك بيده، لأنه نقض العهد وتنقص الرسول ﷺ ، وذلك أنه أخذ قافلة ذاهبة من مصر إلى الشام، فأخذ أموالهم وضرب رقابهم، وهو يقول: أين محمدكم؟ دعوه ينصركم، وكان هذا النذر كله بإشارة القاضي الفاضل، وهو أرشده إليه وحثه عليه، حتى عقده مع الله ، فعند ذلك شفاه الله وعافاه من ذلك المرض الذي كان فيه، كفارة لذنوبه، وجاءت البشارات بذلك من كل ناحية، فدقت البشائر وزينت البلاد، وكتب الفاضل من دمشق وهو مقيم بها إلى المظفر عمر أن العافية الناصرية قد استقامت واستفاضت أخبارها، وطلعت بعد الظلمة أنوارها، وظهرت بعد الاختفاء آثارها، وولت العلة ولله الحمد والمنة، وطفئت نارها، وانجلى غبارها، وخمد شرارها، وما كانت إلا فلتة وقى الله شرها وشنارها، وعظيمة كفى الله الاسلام عارها، وتوبة امتحن الله بها نفوسنا، فرأى أقل ما عندها صبرنا، وما كان الله ليضيع الدعاء وقد أخلصته القلوب، ولا تتوقف الإجابة وإن سدت طريقها الذنوب، ولا ليخلف وعد فرج وقد أيس الصاحب والمصحوب:
نعي زاد فيه الدهر ميما … فأصبح بعد بؤساه نعيما
وما صدق النذير به لأني … رأيت الشمس تطلع والنجوما
وقد استقبل مولانا السلطان الملك الناصر غضة جديدة، والعزمه ماضية حديدة والنشاط إلى الجهاد، والتوبة لرب العباد، والجنة مبسوطة البساط، وقد انقضى الحساب وجزنا الصراط، وعرضنا نحن على الأهوال التي من خوفها كاد الجمل يلج بسم الخياط. ثم ركب السلطان من حران بعد العافية فدخل حلب، ثم ركب فدخل دمشق، وقد تكاملت عافيته، وقد كان يوما مشهودا.
стр. 4773
وفيها توفي من الأعيان الفقيه مهذب الدين:
عبد الله بن أسعد الموصلي
مدرس حمص، وكان بارعا في فنون، ولا سيما في الشعر والأدب، وقد أثنى عليه العماد، والشيخ شهاب الدين أبو شامة.
الأمير ناصر الدين محمد بن شيركوه
صاحب حمص والرحبة، وهو ابن عم صلاح الدين وزوج أخته ست الشام بنت أيوب، توفي بحمص فنقلته زوجته إلى تربتها بالشامية البرانية، وقبره الأوسط بينها وبين أخيها المعظم توران شاه صاحب اليمن، وقد خلف من الأموال والذخائر شيئا كثيرا، ينيف على ألف ألف دينار توفي يوم عرفة فجأة (١) فولي بعده مملكة حمص ولده أسد الدين شيركوه بأمر صلاح الدين.
المحمودي بن محمد بن علي بن إسماعيل
ابن عبد الرحيم الشيخ جمال الدين أبو الثناء محمودي بن الصابوني، كان أحد الأئمة المشهورين، وإنما يقال له المحمودي لصحبة جده السلطان محمود بن زنكي، فأكرمه ثم سار إلى مصر فنزلها، وكان صلاح الدين يكرمه، وأوقف عليه وعلى ذريته أرضا فهي لهم إلى الآن.
الأمير سعد الدين مسعود
ابن معين الدين، كان من كبار الامراء أيام نور الدين وصلاح الدين، وهو أخو الست خاتون وحين تزوجها صلاح الدين زوجه بأخته الست ربيعة خاتون بنت أيوب، التي تنسب إليها المدرسة الصاحبية بسفح قيسون على الحنابلة، وقد تأخرت مدتها فتوفيت في سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وكانت آخر من بقي من أولاد أيوب لصلبه، وكانت وفاته بدمشق في جمادى الآخرة من جرح أصابه وهو في حصار ميافارقين.
стр. 4774
الست خاتون عصمت الدين
بنت معين الدين، نائب دمشق، وأتابك عساكرها قبل نور الدين كما تقدم، وقد كانت زوجة نور الدين ثم خلف عليها من بعده صلاح الدين في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وكانت من أحسن النساء وأعفهن وأكبرهن صدقة، وهي واقفة الخاتونية الجوانية بمحلة حجر الذهب، وخانقات خاتون ظاهر باب النصر في أول الشرف القبلي على بانياس، ودفنت بتربتها في سفح قاسيون قريبا من قباب السركسية، وإلى جنبها دار الحديث الأشرفية والأتابكية، ولها أوقاف كثيرة غير ذلك، وأما الخاتونية البرانية التي على القنوات بمحلة صنعاء الشام، ويعرف ذلك المكان التي هي فيه بتل الثعالب، فهي من إنشاء الست زمرد خاتون بنت جاولي، وهي أخت الملك دقماق لامه، وكانت زوجة زنكي والد نور الدين محمود، صاحب حلب، وقد ماتت قبل هذا الحين كما تقدمت وفاتها.
الحافظ الكبير أبو موسى المديني
محمد بن عمر بن محمد (١) الأصبهاني الحافظ الموسوي المديني، أحد حفاظ الدنيا الرحالين الجوالين له مصنفات عديدة، وشرح أحاديث كثيرة ﵀.
السهيلي أبو القاسم
وأبو زيد عبد الرحمن بن الخطيب أبي محمد بن عبد الله بن الخطيب أبي عمر أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح - هو الداخل إلى الأندلس - الخثعمي السهيلي، حكى القاضي ابن خلكان: أنه أملى عليه نسبه كذلك، قال والسهيلي نسبة إلى قرية بالقرب من مالقة اسمها سهيل، لأنه لا يرى سهيل النجم في شئ من تلك البلاد إلا منها من رأس جبل شاهق عندها، وهي من قرى المغرب، ولد السهيلي سنة ثمان وخمسمائة، وقرأ القراءات واشتغل وحصل حتى برع وساد أهل زمانه بقوة القريحة وجودة الذهن وحسن التصنيف، وذلك من فضل الله تعالى ورحمته، وكان ضريرا مع ذلك، له " الروض الأنف " يذكر فيه نكتا حسنة على السيرة لم يسبق إلى شئ منها أو إلى أكثرها، وله كتاب " الاعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الاعلام "، وكتاب " نتائج الفكر "، ومسألة في الفرائض بديعة، ومسألة في سركون الدجال أعور، وأشياء فريدة كثيرة بديعة مفيدة، وله أشعار حسنة، وكان عفيفا فقيرا، وقد حصل له مال كثير في آخر عمره من صاحب
стр. 4775
مراكش، مات يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان من هذه السنة، وله قصيدة كان يدعو الله بها ويرتجي الإجابة فيها وهي:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع … أنت المعد لكل ما يتوقع
يا من يرجى للشدائد كلها … يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول كن … امنن فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلة … فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة … فلئن رددت فأي باب أقرع؟
ومن الذي أرجو (١) وأهتف باسمه … إن كان فضلك عن فقيرك يمنع؟
حاشا لمجدك أن تقنط عاصيا … الفضل أجزل والمواهب أوسع
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة
في ثاني ربيع الأول منها كان دخول الناصر دمشق بعد عافيته، وزار القاضي الفاضل، واستشاره، وكان لا يقطع أمرا دونه، وقرر في نيابة دمشق ولده الأفضل علي، ونزل أبو بكر العادل عن حلب لصهره زوج ابنته الملك الظاهر غازي بن الناصر، وأرسل السلطان أخاه العادل صحبة ولده عماد الدين عثمان الملك العزيز على ملك مصر، ويكون الملك العادل أتابكه، وله إقطاع كبيرة جدا، وعزل عن نيابتها تقي الدين عمر (٢)، فعزم على الدخول إلى إفريقية، فلم يزل الناصر يتلطف به ويترفق له حتى أقبل بجنوده نحوه، فأكرمه واحترمه وأقطعه حماه وبلادا كثيرة معها، وقد كانت له قبل ذلك، وزاد له على ذلك مدينة ميافارقين، وامتدحه العماد بقصيدة ذكرها في الروضتين.
وفيها هادن قومس طرابلس السلطان وصالحه وصافاه، حتى كان يقاتل ملوك الفرنج أشد القتال وسبى منهم النساء والصبيان، وكاد أن يسلم (٣) ولكن صده السلطان فمات على الكفر
стр. 4776
والطغيان، وكانت مصالحته من أقوى أسباب النصر على الفرنج، ومن أشد ما دخل عليهم في دينهم. قال العماد الكاتب: وأجمع المنجمون على خراب العالم في شعبان، لان الكواكب الستة تجتمع فيه في الميزان، فيكون طوفان الريح في سائر البلدان، وذكر أن ناسا من الجهلة تأهبوا لذلك بحفر مغارات في الجبار ومدخلات وأسراب في الأرض خوفا من ذلك، قال: فلما كانت تلك الليلة التي أشاروا إليها وأجمعوا عليها لم ير ليلة مثلها في سكونها وركودها وهدوئها، وقد ذكر ذلك غير واحد من الناس في سائر أقطار الأرض، وقد نظم الشعراء في تكذيب المنجمين في هذه الواقعة وغريبها أشعارا كثيرة حسنة منها:
مزق التقويم والزيج فقد بان الخطأ … إنما التقويم والزيج هباء وهوا
قلت للسبعة إبرام ومنع وعطا … ومتى ينزلن في الميزان يستولي الهوا
ويثور الرمل حتى يمتلي منه الصفا … ويعم الأرض رجف وخراب وبلى
ويصير القاع كالقف وكالطود العدا … وحكمتم فأبى الحاكم إلا ما يشا
ما أتى الشرع ولا جاءت بهذا الأنبياء … فبقيتم ضحكة يضحك منها العلما
حسبكم خزيا وعارا ما يقول الشعرا … ما أطمعكم في الحكم إلا الأمرا
ليت إذ لم يحسنوا في الدين طغاما أسا … فعلى اصطرلاب بطليموس والزيج العفا
وعليه الخزي ما جادت على الأرض السما
وممن توفي فيها من الأعيان:
أبو محمد عبد الله بن أبي الوحش
بري بن عبد الجبار بن بري المقدسي ثم المصري، أحد أئمة اللغة والنحو في زمانه، وكان عليه
تعرض الرسائل بعد ابن بابشاد، وكان كثير الاطلاع عالما بهذا الشأن، مطرحا للتكليف في كلامه،
لا يلتفت ولا يعرج على الاعراب فيه إذا خاطب الناس، وله التصانيف المفيدة، توفي وقد جاوز
الثمانين بثلاث سنين رحمه الله تعالى، والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة
فيها كانت وقعة حطين التي كانت أمارة وتقدمة وإشارة لفتح بيت المقدس، واستنقاذه من
стр. 4777
أيدي الكفرة. قال ابن الأثير: كان أول يوم منها يوم السبت، وكان يوم النيروز، وذلك أول سنة الفرس، واتفق أن ذلك كان أول سنة الروم، وهو اليوم الذي نزلت فيه الشمس برج الحمل، وكذلك كان القمر في برج الحمل أيضا، وهذا شئ يبعد وقوع مثله، وبرز السلطان من دمشق يوم السبت مستهل محرم في جيشه، فسار إلى رأس الماء فنزل ولده الأفضل هناك في طائفة من الجيش وتقدم السلطان ببقية الجيش إلى بصرى فخيم على قصر أبي سلام، ينتظر قدوم الحجاج، وفيهم أخته ست الشام وابنها حسام الدين محمد بن عمر بن لاشين (١)، ليسلموا من معرة برنس الكرك، فلما جاز الحجيج سالمين سار السلطان فنزل على الكرك وقطع ما حوله من الأشجار، ورعى الزرع وأكلوا الثمار، وجاءت العساكر المصرية وتوافت الجيوش المشرقية، فنزلوا عند ابن السلطان على رأس الماء، وبعث الأفضل سرية نحو بلاد الفرنج فقتلت وغنمت وسلمت ورجعت، فبشر بمقدمات الفتح والنصر، وجاء السلطان بجحافله فالتفت عليه جميع العساكر، فرتب الجيوش وسار قاصدا بلا الساحل، وكان جملة من معه من المقاتلة اثني عشر ألفا غير المتطوعة، فتسامعت الفرنج بقدومه فاجتمعوا كلهم وتصالحوا فيما بينهم، وصالح قومس طرابلس وبرنس الكرك الفاجر، وجاؤوا بحدهم وحديدهم واستصحبوا معهم صليب الصلبوت يحمله منهم عباد الطاغوت، وضلال الناسوت، في خلق لا يعلم عدتهم إلا الله ، يقال كانوا خمسين ألفا وقيل ثلاثا وستين ألفا، وقد خوفهم صاحب طرابلس من المسلمين فاعترض عليه البرنس صاحب الكرك فقال له لا أشك أنك تحب المسلمين وتخوفنا كثرتهم، وستري غب ما أقول لك، فتقدموا نحو المسلمين وأقبل السلطان ففتح طبرية وتقوى بما فيها من الأطعمة والأمتعة وغير ذلك، وتحصنت منه القلعة فلم يعبأ بها، وحاز البحيرة في حوزته ومنع الله الكفرة أن يصلوا منها إلى قطرة، حتى صاروا من عطش عظيم، فبرز السلطان إلى سطح الجبل الغربي من طبرية عند قرية يقال لها حطين، التي يقال إن فيها قبر شعيب ﵊، وجاء العدو المخذول، وكان فيهم صاحب عكا وكفرنكا وصاحب الناصرة وصاحب صور وغير ذلك من جميع ملوكهم، فتواجه الفريقان وتقابل الجيشان، وأسفر وجه الايمان واغبر وأقتم وأظلم وجه الكفر والطغيان، ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان، وذلك عشية يوم الجمعة، فبات الناس على مصافهم وأصبح صباح يوم السبت الذي كان يوما عسيرا على أهل الأحد وذلك لخمس بقين من ربيع الآخر، فطلعت الشمس على وجوه الفرنج واشتد الحر وقوي بهم العطش، وكان تحت أقدام خيولهم حشيش قد صار هشيما، وكان ذلك عليهم مشؤوما، فأمر السلطان النفاطة أن يرموه بالنفط، فرموه فتأجج نارا تحت سنابك خيولهم، فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال، وتبارز الشجعان، ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة فحملوا وكان النصر من الله ، فمنحهم الله أكتافهم فقتل منهم
стр. 4778
ثلاثون ألفا في ذلك اليوم، وأسر ثلاثون ألفا من شجعانهم وفرسانهم، وكان في جملة من أسر جميع ملوكهم سوى قومس طرابلس فإنه انهزم في أول المعركة، واستلبهم السلطان صليبهم الأعظم، وهو الذين يزعمون أنه صلب عليه المصلوب، وقد غلفوه بالذهب واللآلئ والجواهر النفيسة، وليم يسمع بمثل هذا اليوم في عز الاسلام وأهله، ودمغ الباطل وأهله، حتى ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم يقود نيفا وثلاثين أسيرا من الفرنج قد ربطهم بطنب خيمة، وباع بعضهم أسيرا بنعل ليلبسها في رجله، وجرت أمور لم يسمع بمثلها إلا في زمن الصحابة والتابعين، فلله الحمد دائما كثيرا طيبا مباركا.
فلما تمت هذه الوقعة، وضعت الحرب أوزارها أمر السلطان بضرب مخيم عظيم، وجلس فيه على سرير المملكة وعن يمينه أسرة وعن يساره مثلها، وجئ بالأسارى تتهادى بقيودها، فأمر بضرب أعناق جماعة من مقدمي الداوية - والأسارى بين يديه - صبرا، ولم يترك أحدا منهم ممن كان يذكر الناس عنه شرا، ثم جئ بملوكهم فأجلسوا عن يمينه ويساره على مراتبهم، فأجلس ملكهم الكبير عن يمينه، وأجلس أرياط برنس الكرك وبقيتهم عن شماله، ثم جئ إلى السلطان بشراب من الجلاب مثلوجا، فشرب ثم ناول الملك فشرب، ثم ناول أرياط صاحب الكرك فغضب السلطان وقال له: إنما ناولتك ولم آذن لك أن تسقيه، هذا لا عهد له عندي، ثم تحول السلطان إلى خيمة داخل تلك الخيمة واستدعى بأرياط صاحب الكرك، فلما أوقف بين يده قام إليه بالسيف ودعاه إلى الاسلام فامتنع، فقال له: نعم أنا أنوب عن رسول الله ﷺ في الانتصار لامته، ثم قتله وأرسل برأسه إلى الملوك وهم في الخيمة، وقال: إن هذا تعرض لسب رسول الله ﷺ ، ثم قتل السلطان جميع من كان من الأسارى من الداوية والاسبتارية صبرا وأراح المسلمين من هذين الجنسين الخبيثين، ولم يسلم ممن عرض عليه الاسلام إلا القليل، فيقال إنه بلغت القتلى ثلاثين ألفا، والأسارى كذلك كانوا ثلاثين ألفا، وكان جملة جيشهم ثلاثة وستين ألفا، وكان من سلم مع قلتهم وهرب أكثرهم جرحى فماتوا ببلادهم، وممن مات كذلك قومس طرابلس، فإنه انهزم جريحا (١) فمات بها بعد مرجعه، ثم أرسل السلطان برؤس أعيان الفرنج ومن لم يقتل من رؤوسهم، وبصليب الصلبوت صحبة القاضي ابن أبي عصرون إلى دمشق ليودعوا في قلعتها، فدخل بالصليب منكوسا وكان يوما مشهودا.
ثم سار السلطان إلى قلعة طبرية فأخذها، وقد كانت طبرية تقاسم بلاد حوران والبلقاء وما
стр. 4779
حولها من الجولان وتلك الأراضي كلها بالنصف، فأراح الله المسلمين من تلك المقاسمة، ثم سار السلطان إلى حطين فزار قبر شعيب، ثم ارتفع منه إلى أقليم الأردن، فتسلم تلك البلاد كلها، وهي قرى كثيرة كبار وصغار، ثم سار إلى عكا فنزل عليها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر، فافتتحها صلحا يوم الجمعة، وأخذ ما كان بها من حواصل الملوك وأموالهم وذخائرهم ومتاجر وغيرها، واستنقذ من كان بها من أسرى المسلمين، فوجد فيها أربعة آلاف أسير، ففرج الله عنهم، وأمر بإقامة الجمعة بها، وكانت أول جمعة أقيمت بالساحل بعد أخذه الفرنج، نحوا من سبعين سنة. ثم سار منها إلى صيدا وبيروت وتلك النواحي من السواحل يأخذها بلدا بلدا، لخلوها من المقاتلة والملوك، ثم رجع سائرا نحو غزة وعسقلان ونابلس وبيسان وأراضي الغور، فملك ذلك كله، واستناب على نابلس ابن أخيه حسام الدين عمر بن محمد بن لاشين (١)، وهو الذي افتتحها، وكان جملة ما افتتحه السلطان في هذه المدة القريبة خمسين بلدا كبارا كل بلد له مقاتلة وقلعة ومنعة، وغنم الجيش والمسلمون من هذه الأماكن شيئا كثيرا، وسبوا خلقا.
ثم إن السلطان أمر جيوشه أن ترتع في هذه الأماكن مدة شهور ليستريحوا وتحمو أنفسهم وخيولهم لفتح بيت المقدس، وطار في الناس أن السلطان عزم على فتح بيت المقدس، فقصده العلماء والصالحون تطوعا، وجاؤوا إليه، ووصل أخاه العادل بعد وقعة حطين وفتح عكا ففتح بنفسه حصونا كثيرة، فاجتمع من عباد الله ومن الجيوش شئ كثير جدا، فعند ذلك قصد السلطان القدس بمن معه كما سيأتي. وقد امتدحه الشعراء بسبب وقعة حطين فقالوا وأكثروا، وكتب إليه القاضي الفاضل من دمشق - وهو مقيم بها لمرض اعتراه - " ليهن المولى أن الله أقام به الدين، وكتب المملوك هذه الخدمة والرؤوس لم ترفع من سجودها، والدموع لم تمسح من خدودها، وكلما ذكر المملوك أن البيع تعود مساجد، والمكان الذي كان يقال فيه إن الله ثالث ثلاثة يقال فيه اليوم إنه الواحد، جدد لله شكرا تارة يفيض من لسانه، وتارة يفيض من جفنه سرورا بتوحيد الله، تعالى الملك الحق المبين، وأن يقال محمد رسول الله الصادق الأمين، وجزى الله يوسف خيرا عن إخراجه من سجنه، والمماليك ينتظرون المولى وكل من أراد أن يدخل الحمام بدمشق قد عزم على دخول حمام طبرية: تلك المكارم لا قعبان من لبن … وذلك السيف لا سيف ابن ذي يزن ثم قال: وللألسنة بعد في هذا الفتح تسبيح طويل وقول جميل جليل ".
فتح بيت المقدس في هذه السنة
"واستنقاذه من أيدي النصارى بعد أن استحوذوا عليه مدة ثنتين وتسعين سنة "
стр. 4780
لما افتتح السلطان تلك الأماكن المذكورة فيما تقدم، أمر العساكر فاجتمعت ثم سار نحو بيت المقدس، فنزل غربي بيت المقدس في الخامس عشر من رجب من هذه السنة - أعني سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة - فوجد البلد قد حصنت غاية التحصين، وكانوا ستين ألف مقاتل، دون بيت المقدس أو يزيدون، وكان صاحب القدس يومئذ رجلا يقال له بالبان بن بازران (١)، ومعه من سلم من وقعة حطين يوم التقى الجمعان، من الداوية والاسبتارية (٢) أتباع الشيطان، وعبدة الصلبان، فأقام السلطان بمنزله المذكور خمسة أيام، وسلم إلى كل طائفة من الجيش ناحية من السور وأبراجه، ثم تحول السلطان إلى ناحية الشام لأنه رآها أوسع للمجال، والجلاد والنزال، وقاتل الفرنج دون البلد قتالا هائلا، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في نصرة دينهم وقمامتهم، واستشهد في الحصار بعض أمراء المسلمين (٣)، فحنق عند ذلك كثير من الامراء والصالحين، واجتهدوا في القتال ونصب المناجنيق والعرادات على البلد، وغنت السيوف والرماح الخطيات، والعيون تنظر إلى الصلبان منصوبة فوق الجدران، وفوق قبة الصخرة صليب كبير، فزاد ذلك أهل الايمان حنقا وشدة التشمير، وكان ذلك يوما عسيرا على الكافرين غير يسير، فبادر السلطان بأصحابه إلى الزاوية الشرقية الشمالية من السور فنقبها وعلقها وحشاها وأحرقها، فسقط ذلك الجانب وخر البرج برمته فإذا هو واجب، فلما شاهد الفرنج ذلك الحادث الفظيع، والخطب المؤلم الوجيع، قصد أكابرهم السلطان وتشفعوا إليه أن يعطيهم الأمان، فامتنع من ذلك وقال: لا أفتحها إلا عنوة، كما افتتحتموها أنتم عنوة، ولا أترك بها أحدا من النصارى إلا قتلته كما قتلتم أنتم من كان بها من المسلمين، فطلب صاحبها بالبان بن بازران (١) الأمان ليحضر عنده فأمنه، فلما حضر ترقق للسلطان وذل ذلا عظيما، وتشفع إليه بكل ما أمكنه فلم يجبه إلى الأمان لهم، فقالوا إن لم تعطنا الأمان رجعنا فقتلنا كل أسير بأيدينا - وكانوا قريبا من أربعة آلاف (٤) - وقتلنا ذرارينا وأولادنا ونساءنا - وخربنا الدور والأماكن الحسنة، وأحرقنا المتاع وأتلفنا ما بأيدينا من الأموال، وهدمنا قبة الصخرة وحرقنا ما نقدر عليه، ولا نبقي ممكنا في إتلاف ما نقدر عليه، وبعد ذلك نخرج فنقاتل قتال الموت، ولا خير في حياتنا بعد ذلك، فلا يقتل واحد منا حتى يقتل أعدادا منكم، فماذا ترتجي بعد هذا من الخير؟
стр. 4781
فلما سمع السلطان ذلك أجاب إلى الصلح وأناب، على أن يبذل كل رجل منهم عن نفسه عشرة دنانير، وعن المرأة خمسة دنانير، وعن كل صغير وصغيرة دينارين (١)، ومن عجز عن ذلك كان أسيرا للمسلمين، وأن تكون الغلات والأسلحة والدور للمسلمين، وأنهم يتحولون منها إلى مأمنهم وهي مدينة صور. فكتب الصلح بذلك، وأن من لم يبذل ما شرط عليه إلى أربعين يوما فهو أسير، فكان جملة من أسر بهذا الشرط ستة عشر ألف أسير (٢) من رجال ونساء وولدان، ودخل السلطان والمسلمون البلد يوم الجمعة قبل وقت الصلاة بقليل، وذلك يوم السابع والعشرين (٣) من رجب. قال العماد: وهي ليلة الاسراء برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. قال أبو شامة: وهو أحد الأقوال في الاسراء، ولم يتفق للمسلمين صلاة الجمعة يومئذ خلافا لمن زعم أنها أقيمت يومئذ، وأن السلطان خطب بنفسه بالسواد، والصحيح أن الجمعة لم يتمكنوا من إقامتها يومئذ لضيق الوقت، وإنما أقيمت في الجمعة المقبلة، وكان الخطيب محيي الدين بن محمد بن علي القرشي بن الزكي كما سيأتي قريبا.
ولكن نظفوا المسجد الأقصى مما كان فيه من الصلبان والرهبان والخنازير، وخربت دور الداوية وكانوا قد بنوها غربي المحراب الكبير، واتخذوا المحراب مشتا لعنهم الله، فنظف من ذلك كله، وأعيد إلى ما كان عليه في الأيام الاسلامية، وغسلت الصخرة بالماء الطاهر، وأعيد غسلها بماء الورد والمسك الفاخر، وأبرزت للناظرين، وقد كانت مستورة مخبوءة عن الزائرين، ووضع الصليب عن قبتها، وعادت إلى حرمتها، وقد كان الفرنج قلعوا منها قطعا فباعوها من أهل البحور الجوانية بزنتها ذهبا، فتعذر استعادة ما قطع منها.
ثم قبض من الفرنج ما كانوا بذلوه عن أنفسهم من الأموال، وأطلق السلطان خلقا منهم بنات الملوك بن معهن من النساء والصبيان والرجال، ووقعت المسامحة في كثير منهم، وشفع في أناس كثير فعفا عنهم، وفرق السلطان جميع ما قبض منهم من الذهب في العسكر، ولم يأخذ منه شيئا مما يقتنى ويدخر، وكان ﵀ حليما كريما مقداما شجاعا رحيما.
أول جمعة أقيمت ببيت المقدس بعد فتحه
لما تطهر بيت المقدس مما كان فيه من الصلبان والنواقيس والرهبان والقساقس، ودخله أهل الايمان، ونودي بالاذان وقرئ القرآن، ووحد الرحمن، كان أول جمعة أقيمت في اليوم الرابع من
стр. 4782
شعبان، بعد يوم الفتح بثمان، فنصب المنبر (١) إلى جانب المحراب، وبسطت البسط وعلقت القناديل وتلي التنزيل، وجاء الحق وبطلت الأباطيل، وصفت السجادات وكثرت السجدات، وتنوعت العبادات، وارتفعت الدعوات، ونزلت البركات، وانجلت الكربات، وأقيمت الصلوات، وأذن المؤذنون، وخرس القسيسون، وزال البوس وطابت النفوس، وأقبلت السعود وأدبرت النحوس، وعبد الله الأحد الصمد الذي (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) [الاخلاص: ٣ - ٤]، وكبره الراكع والساجد، والقائم والقاعد، وامتلأ الجامع وسالت لرقة القلوب المدامع، ولما أذن المؤذنون للصلاة قبل الزوال كادت القلوب تطير من الفرح في ذلك الحال، ولم يكن عين خطيب فبرز من السلطان المرسوم الصلاحي وهو في قبة الصخرة أن يكون القاضي محيي الدين بن الزكي اليوم خطيبا، فلبس الخلعة السوداء وخطب للناس خطبة سنية فصيحة بليغة، ذكر فيها شرف البيت المقدس، وما ورد فيه من الفضائل والترغيبات، وما فيه من الدلائل والامارات. وقد أورد الشيخ أبو شامة الخطبة في الروضتين بطولها وكان أول ما قال (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الانعام: ٤٥].
ثم أورد تحميدات القرآن كلها، ثم قال: " الحمد لله معز الاسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومزيد النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدر الأيام دولا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاض (٢) على العباد من طله وهطله، [و] (٣) أظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فلا يدافع، أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه ونصرة أنصاره، ومطهر بيت المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر أجهاره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رافع الشكر وداحض الشرك، ورافض (٤) الإفك، الذي أسري به من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى، ﷺ وعلى خليفته الصديق السابق إلى الايمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين جامع القرآن،
стр. 4783
وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك، ومكسر الأصنام، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ".
ثم ذكر الموعظة وهي مشتملة على تغبيط الحاضرين بما يسره الله على أيديهم من فتح بيت المقدس، الذي من شأنه كذا وكذا، فذكر فضائله ومآثره، وأنه أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، وإليه أسري برسول الله ﷺ من المسجد الحرام، وصلى فيه بالأنبياء والرسل الكرام، ومنه كان المعراج إلى السماوات، ثم عاد إليه ثم سار منه إلى المسجد الحرام على البراق، وهو أرض المحشر والمنشر يوم التلاق، وهو مقر الأنبياء ومقصد الأولياء، وقد أسس على التقوى من أول يوم.
قلت: ويقال إن أول من أسسه يعقوب ﵇ بعد أن بنى الخليل المسجد الحرام بأربعين سنة، كما جاء في الصحيحين، ثم جدد بناءه سليمان بن داود ﵉، كما ثبت فيه الحديث بالمسند والسنن، وصحيح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، وسأل سليمان ﵇ الله عند فراغه من خلالا ثلاثا، حكما يصادف حكمه; وملكا لا ينبغي لاحد من بعده، وأنه لا يأتي أحد هذا المسجد لا ينهزه إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
ثم ذكر تمام الخطبتين، ثم دعا للخليفة الناصر العباسي، ثم دعا للسلطان الناصر صلاح الدين. وبعد الصلاة جلس الشيخ زين الدين أبو الحسن بن علي نجا المصري على كرسي الوعظ بإذن السلطان، فوعظ الناس، واستمر القاضي ابن الزكي يخطب بالناس في أيام الجمع أربع جمعات، ثم قرر السلطان للقدس خطيبا مستقرا، وأرسل إلى حلب فاستحضر المنبر الذي كان الملك العادل نور الدين الشهيد قد استعمله لبيت المقدس، وقد كان يؤمل أن يكون فتحه على يديه، فما كان إلا على يدي بعض أتباعه صلاح الدين بعد وفاته.
نكتة غريبة
قال أبو شامة في الروضتين: وقد تكلم شيخنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي في تفسيره الأول فقال: وقع في تفسير أبي الحكم الأندلسي - يعني ابن برجان - في أول سورة الروم أخبار عن فتح بيت المقدس، وأنه ينزع من أيدي النصارى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. قال السخاوي: ولم أره أخذ ذلك من علم الحروف، وإنما أخذه فيما زعم من قوله (آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) [الروم: ١ - ٣] فبنى الامر على التاريخ كما يفعل المنجمون، فذكر أنهم يغلبون في سنة كذا وكذا، ويغلبون في سنة كذا وكذا، على ما تقتضيه دوائر التقدير، ثم قال: وهذه نجابة وافقت إصابة، إن صح، قال ذلك قبل وقوعه، وكان في كتابه قبل حدوثه،
стр. 4784
قال: وليس هذا من قبيل علم الحروف، ولا من بابا الكرامات والمكاشفات، ولا ينال في حساب، قال: وقد ذكر في تفسير سورة القدر أنه لو علم الوقت الذي نزل فيه القرآن لعلم الوقت الذي يرفع فيه.
قلت: ابن برجان ذكر هذا في تفسيره في حدود سنة ثنتين وعشرين وخمسمائة، ويقال إن الملك نور الدين أوقف على ذلك فطمع أن يعيش إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، لان مولده في سنة إحدى عشر وخمسمائة، فتهيأ لأسباب ذلك حتى إنه أعد منبرا عظيما لبيت المقدس إذا فتحه والله أعلم.
وأما الصخرة المعظمة فإن السلطان أزال ما حولها من المنكرات والصور والصلبان، وطهرها بعد ما كانت جيفة، وأظهرها بعد ما كانت خفية مستورة غير مرئية، وأمر الفقيه عيسى الهكاري أن يعمل حولها شبابيك من حديد، ورتب لها إماما راتبا، وقف عليه رزقا جيدا، وكذلك إمام الأقصى، وعمل للشافعية مدرسة يقال لها الصلاحية والناصرية أيضا، وكان موضعها كنيسة على قبر حنة أم مريم، ووقف على الصوفية رباطا كان للبترك إلى جنب القمامة، وأجرى على الفقهاء والفقراء الجوامك، وأرصد الختم والربعات في أرجاء المسجد الأقصى والصخرة، ليقرأ فيها المقيمون والزائرون وتنافس بنو أيوب فيما يفعلونه ببيت المقدس وغيره من الخيرات إلى كل أحد، وعزم السلطان على هدم القمامة وأن يجعلها دكا لتنحسم مادة النصارى من بيت المقدس، فقيل [له] إنهم لا يتركون الحج إلى هذه البقعة، ولو كانت قاعا صفصفا، وقد فتح هذه البلد قبلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وترك هذه الكنيسة بأيديهم، ولك في ذلك أسوة. فأعرض عنها وتركها على حالتها تأسيا بعمر ﵁، ولم يترك من النصارى فيها سوى أربعة يخدمونها، وحال بين النصارى وبينها، وهدم المقابر التي كانت لهم عند باب الرحمة، وعفا آثارها، وهدم ما كان هناك من القباب. وأما أسارى المسلمين الذين كانوا بالقدس فإنه أطلقهم جميعهم، وأحسن إليهم، وأطلق لهم إعطاءات سنية، وكساهم وانطلق كل منهم إلى وطنه: وعاد إلى أهله ومسكنه، فلله الحمد على نعمه ومننه.
فصل
فلما فرغ السلطان صلاح الدين من القدس الشريف انفصل عنها في الخامس والعشرين (١) من شعبان قاصدا مدينة صور بالساحل، وكان فتحها قد تأخر، وقد استحوذ عليها بعد وقعة حطين
стр. 4785
رجل من تجار الفرنج يقال له المركيس (١)، فحصنها وضبط أمرها وحفر حولها خندقا من البحر إلى البحر، فجاء السلطان فحاصرها مدة، ودعا بالأسطول من الديار المصرية في البحر، فأحاط بها برا وبحرا، فعدت الفرنج في بعض الليالي على خمس شواني من أسطول المسلمين فملكتها، فأصبح المسلمون واجمين حزنا وتأسفا، وقد دخل عليهم فصل البرد وقلت الأزواد، وكثرت الجراحات وكل الامراء من المحاصرات، فسألوا السلطان أن ينصرف بهم إلى دمشق حتى يستريحوا ثم يعودوا إليها بعد هذا الحين، فأجابهم إلى ذلك على تمنع منه، ثم توجه بهم نحو دمشق واجتاز في طريقه على عكا، وتفرقت العساكر إلى بلادها. وأما السلطان فإنه لما وصل إلى عكا نزل بقلعتها وأسكن ولده الأفضل برج الداوية، وولى نيابتها عز الدين حردبيل، وقد أشار بعضهم على السلطان بتخريب مدينة عكا خوفا من عود الفرنج إليها، فكاد ولم يفعل وليته فعل، بل وكل بعمارتها وتجديد محاسنها بهاء الدين قراقوش التقوي، ووقف دار الاسبتارية (٢) بصفين على الفقهاء والفقراء، وجعل دار الأسقف مارستانا ووقف على ذلك كله أوقافا دارة، وولى نظر ذلك إلى قاضيها جمال الدين بن الشيخ أبى النجيب.
ولما فرغ من هذه الأشياء عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا، وأرسل إليه الملوك بالتهاني والتحف والهدايا من سائر الأقطار والأمصار، وكتب الخليفة إلى السلطان يعتب عليه في أشياء، منها أنه بعث إليه في بشارة الفتح بوقعة حطين شابا بغداديا كان وضيعا عندهم، لا قدر له ولا قيمة، وأرسل بفتح القدس مع نجاب، ولقب نفسه بالناصر مضاهاة للخليفة. فتلقى ذلك بالبشر واللطف والسمع والطاعة، وأرسل يعتذر مما وقع. وقال: الحرب كانت شغلته عن التروي في كثير من ذلك، وأما لقبه بالناصر فهو من أيام الخليفة المستضئ، ومع هذا فمهما لقبني أمير المؤمنين فلا أعدل عنه، وتأدب مع الخليفة غاية الأدب مع غناه عنه.
وفيها كانت وقعة عظيمة ببلاد الهند بين الملك شهاب الدين الغوري صاحب غزنة، وبين ملك الهند الكبير، فأقبلت الهنود في عدد كثير من الجنود، ومعهم أربعة عشر فيلا، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت ميمنة المسلمين وميسرتهم، وقيل للملك أنج بنفسك، فما زاده ذلك إلا إقداما، فحمل على الفيلة فجرح بعضها - وجرح الفيل لا يندمل - فرماه بعض الفيالة بحربة في ساعده فخرجت من الجانب الآخر فخر صريعا، فحملت عليه الهنود ليأخذوه فجاحف عنه أصحابه فاقتتلوا
стр. 4786
عنده قتالا شديدا، وجرت حرب عظيمة لم يسمع بمثلها بموقف، فغلب المسلمون الهنود وخلصوا صاحبهم وحملوه على كواهلهم في محفة عشرين (١) فرسخا، وقد نزفه الدم، لما تراجع إليه جيشه أخذ في تأنيب الامراء، وحلف ليأكلن كل أمير عليق فرسه، وما أدخلهم غزنة إلا مشاة.
وفيها ولدت امرأة من سواد بغداد بنتا لها أسنان. وفيها قتل الخليفة الناصر أستاذ داره أبا الفضل بن الصاحب، وكان قد استحوذ على الأمور ولم يبق للخليفة معه كلمة تطاع، ومع هذا كان عفيفا عن الأموال، جيد السيرة، فأخذ الخليفة منه شيئا كثيرا من الحواصل والأموال. وفيها استوزر الخليفة أبا المظفر جلال الدين، ومشى أهل الدولة في ركابه حتى قاضي القضاة ابن الدامغاني وقد كان ابن يونس هذا شاهدا عند القاضي، وكان يقول وهو يمشي في ركابه لعن الله طول العمر، فمات القاضي في آخر هذه السنة.
وفيها توفي من الأعيان ..
الشيخ عبد المغيث بن زهير الحربي (٢)
كان من صلحاء الحنابلة، وكان يزار، وله مصنف في فضل يزيد بن معاوية، أتى فيه بالغرائب والعجائب، وقد رد عليه أبو الفرج بن الجوزي فأجاد وأصاب، ومن أحسن ما اتفق لعبد المغيث هذا أن بعض الخلفاء - وأظنه الناصر - جاءه زائرا مستخفيا، فعرفه الشيخ عبد المغيث ولم يعلمه بأنه قد عرفه، فسأله الخليفة عن يزيد أيلعن أم لا؟ فقال لا أسوغ لعنه لأني لو فتحت هذا الباب لأفضي الناس إلى لعن خليفتنا. فقال الخليفة: ولم؟ قال: لأنه يفعل أشياء منكرة كثيرة، منها كذا وكذا، ثم شرع يعدد على الخليفة أفعاله القبيحة، وما يقع منه من المنكر لينزجر عنها، فتركه الخليفة وخرج من عنده وقد أثر كلامه فيه، وانتفع به. مات في المحرم من هذه السنة. وفيها توفي الشيخ:
علي بن خطاب بن خلف
العابد الناسك، أحد الزهاد، ودوي الكرامات، وكان مقامه بجزيرة ابن عمر. قال ابن الأثير في الكامل: ولم أر مثله في حسن خلقه وسمته وكراماته وعبادته.
стр. 4787
الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك بن مقدم
أحد نواب صلاح الدين، لما افتتح الناصر بيت المقدس أحرم جماعة في زمن الحج منه إلى المسجد الحرام، وكان ابن مقدم أمير الحاج في تلك السنة، فلما وقف بعرفة ضرب الدبادب ونشر الألوية، وأظهر عز السلطان صلاح الدين وعظمته، فغضب طاشتكين أمير الحاج من جهة الخليفة، فزجره عن ذلك فلم يسمع، فاقتتلا فجرح ابن مقدم ومات في اليوم الثاني بمنى، ودفن هنالك، وجرت خطوب كثيرة، وليم طاشتكين على ما فعل، وخاف معرة ذلك من جهة صلاح الدين والخليفة، وعزله الخليفة عن منصبه.
محمد بن عبيد الله
ابن عبد الله سبط بن التعاويذي الشاعر، ثم أضر في آخر عمره وجاز الستين توفي في شوال.
نصر بن فتيان بن مطر
الفقيه الحنبلي المعروف بابن المنى، كان زاهدا عابدا، مولده سنة إحدى وخمسمائة، وممن تفقه عليه من المشاهير الشيخ موفق الدين بن قدامة، والحافظ عبد الغني، ومحمد بن خلف بن راجح، والناصر عبد الرحمن بن المنجم بن عبد الوهاب، وعبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي وغيرهم توفي خامس رمضان. وفيها توفي قاضي القضاة.
أبو الحسن الدامغاني
وقد حكم في أيام المقتفي ثم المستنجد ثم عزل وأعيد في أيام المستضئ، وحكم للناصر حتى توفي في هذه السنة.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة
في محرمها حاصر السلطان صلاح الدين حصن كوكب فرآه منيعا صعبا، فوكل به الأمير قايماز البجمي (١) في خمسمائة فارس يضيقون عليهم المسالك، وكذلك وكل لصفت (٢) وكانت للداوية خمسمائة فارس مع طغرلبك الجامدار يمنعون الميرة والتقاوى أن تصل إليهم، وبعث إلى الكرك
стр. 4788
الشوبك يضيقون على أهلها ويحاصرونهم، ليفرغ من أموره لقتال هذه الأماكن، ولما رجع السلطان من هذه الغزوة إلى دمشق وجد الصفي بن الفايض وكيل الخزانة قد بنى له دارا بالقلعة هائلة مطلة على الشرف القبلي، فغضب عليه وعزله وقال: إنا لم نخلق للمقام بدمشق ولا بغيرها من البلاد، وإنما خلقنا لعبادة الله والجهاد في سبيله، وهذا الذي عملته مما يثبط النفوس ويقعدها عما خلقت له. وجلس السلطان بدار العدل فحضرت عنده القضاة وأهل الفضل، وزار القاضي الفاضل في بستانه على الشرف في جوسق ابن الفراش، وحكى له ما جرى من الأمور، واستشاره فيما يفعل في المستقبل من المهمات والغزوات، ثم خرج من دمشق فسلك على بيوس وقصد البقاع، وسار إلى حمص وحماه وجاءت الجيوش من الجزيرة وهو على العاصي، فسار إلى السواحل الشمالية ففتح أنطرطوس وغيرها من الحصون، وجبلة واللاذقية، وكانتا من أحصن المدن عمارة ورخاما ومحالا، وفتح صهيون (١) وبكاس والشغر وهما قلعتان على العاصي حصينتان، فتحهما عنوة، وفتح حصن بدرية (٢) وهي قلعة عظيمة على جبل شاهف منيع، تحتها أودية عميقة يضرب بها المثل في سائر بلاد الفرنج والمسلمين، فحاصرها أشد حصار وركب عليها المجانيق الكبار، وفرق الجيش ثلاث فرق، كل فريق يقاتل، فإذا كلوا وتعبوا خلفهم الفريق الآخر، حتى لا يزال القتال مستمرا ليلا ونهارا، فكان فتحها في نوبة السلطان أخذها عنوة في أيام معدودات، ونهب جميع ما فيها، واستولى على حواصلها وأموالها، وقتل حماتها ورجالها، واستخدم نساءها وأطفالها، ثم عدل عنها ففتح حصن دربساك وحصن بغراس، كل ذلك يفتحه عنوة فيغنم ويسلم، ثم سمت به همته العالية إلى فتح أنطاكية، وذلك لأنه أخذ جميع ما حولها من القرى والمدن، واستظهر عليها بكثرة الجنود، فراسله صاحب أنطاكية يطلب منه الهدنة على أن يطلق من عنده من أسرى المسلمين، فأجابه إلى ذلك لعلمه بتضجر من معه من الجيش، فوقعت الهدنة على سبعة أشهر (٣)، ومقصود السلطان أن يستريح من تعبها، وأرسل السلطان من تسلم منه الأسارى وقد ذلت دولة النصارى، ثم سار فسأله ولده الظاهر أن يجتاز بحلب فأجابه إلى ذلك، فنزل بقلعتها ثلاثة أيام، ثم استقدمه ابن أخيه تقي الدين إليه إلى حماه فنزل عنده ليلة واحدة، وأقطعه جبلة واللاذقية، ثم سار فنزل بقلعة بعلبك، ودخل حمامها، ثم عاد إلى دمشق في أوائل رمضان، وكان يوم مشهودا، وجاءته البشائر بفتح الكرك وإنقاذه من أيدي الفرنج، وأراح الله منهم تلك الناحية، وسهل حزنها على السالكين من التجار والغزاة والحجاج (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) [الانعام: ٤٥].
стр. 4789
فصل في فتح صفد وحصن كوكب
لم يقم السلطان بدمشق إلا أياما حتى خرج قاصدا صفد فنازلها في العشر الأوسط من رمضان، وحاصرها بالمجانيق، وكان البرد شديدا يصبح الماء فيه جليدا، فما زال حتى فتحها صلحا في ثامن شوال، ثم سار إلى صور فألقت إليه بقيادها، وتبرأت من أنصارها وأجنادها وقوادها، وتحققت لما فتحت صفد أنها مقرونة معها في أصفادها، ثم سار منها إلى حصن كوكب - وهي معقل الاسبتارية (١) كما أن صفد كانت معقل الداوية - كانوا أبغض أجناس الفرنج إلى السلطان، ولا يكاد يترك منهم أحدا إلا قتله إذا وقع في المأسورين، فحاصر قلعة كوكب حتى أخذها، وقتل من بها وأراح المارة من شر ساكنيها، وتمهدت تلك السواحل واستقر بها منازل قاطنيها. هذا والسماء تصب، والرياح تهب، والسيول تعب، والأرجل في الأوحال تخب، وهو في كل ذلك صابر مصابر، وكان القاضي الفاضل معه في هذه الغزوة، وكتب القاضي الفاضل إلى أخي السلطان صاحب اليمن يستدعيه إلى الشام لنصرة الاسلام، وأنه قد عزم على حصار أنطاكية، ويكون تقي الدين عمر محاصرا طرابلس إذا انسلخ هذا العام، ثم عزم القاضي الفاضل على الدخول إلى مصر، فودعه السلطان فدخل القدس فصلى به الجمعة وعيد فيه عيد الأضحى، ثم سار ومعه أخوه السلطان العادل إلى عسقلان، ثم أقطع أخاه الكرك عوضا عن عسقلان، وأمره بالانصراف ليكون عونا لابنه العزيز على حوادث مصر، وعاد السلطان فأقام بمدينة عكا حتى انسلخت هذه السنة.
وفيها خرجت طائفة بمصر من الرافضة ليعيدوا دولة الفاطميين، واغتنموا غيبة العادل عن مصر، واستخفوا أمر العزيز عثمان بن صلاح الدين، فبعثوا اثني عشر رجلا ينادون في الليل يا آل علي، يا آل علي، بنياتهم على أن العامة تجيبهم فلم يجبهم أحد، ولا التفت إليهم، فلما رأوا ذلك انهزموا فأدركوا وأخذوا وقيدوا وحبسوا، ولما بلغ أمرهم السلطان صلاح الدين ساءه ذلك واهتم له، وكان القاضي الفاضل عنده بعد لم يفارقه، فقال له: أيها الملك ينبغي أن تفرح ولا تحزن، حيث لم يصغ إلى هؤلاء الجهلة أحد من رعيتك، ولو أنك بعثت جواسيس من قبلك يختبرون الناس لسرك ما بلغك عنهم، فسرى عنه ما كان يجد، ورجع إلى قوله وأرسله إلى مصر ليكون له عينا وعونا.
وفيها توفي من الأعيان ..
الأمير الكبير سلالة الملوك والسلاطين
الشيزري مؤيد الدولة أبو الحارث وأبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن [مقلد بن نصر بن]
стр. 4790
منقذ أحد الشعراء المشهورين، المشكورين، بلغ من العمر ستا وتسعين سنة، وكان عمره تاريخا مستقلا وحده، وكانت داره بدمشق، مكان العزيزية، وكانت معقلا للفضلاء، ومنزلا للعلماء وله أشعار رائقة، ومعان فائقة، ولديه علم غزير، وعنده جود وفضل كثير، وكان من أولاد ملوك شيزر، ثم أقام بمصر مدة في أيام الفاطميين، ثم عاد إلى الشام فقدم على الملك صلاح الدين في سنة سبعين وأنشده:
حمدت على طول عمري المشيبا … وإن كنت أكثرت فيه الذنوبا
لأني حييت إلى أن لقيت … بعد العدو صديقا حبيبا
وله في سن قلعها وفقد نفعها:
وصاحب لا أمل الدهر صحبته … يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا … لناظري افترقنا فرقة الأبد
ولد ديوان شعر كبير، وكان صلاح الدين يفضله على سائر الدواوين، وقد كان مولده في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وكان في شبيبته شهما شجاعا، قتل الأسد وحده مواجهة، ثم عمر إلى أن توفي في هذه السنة ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من رمضان، ودفن شرقي جبل قاسيون. قال وزرت قبره وأنشدت له:
لا تستعر جلدا على هجرانهم … فقواك تضعف عن صدود دائم
واعلم بأنك إن رجعت إليهم … طوعا وإلا عدت عودة نادم
وله أيضا:
وأعجب لضعف يدي عن حملها قلما … من بعد حطم القنا في لبة الأسد
وقل لمن يتمنى طول مدته … هذي عواقب طول العمر والمدد
قال ابن الأثير: وفيها توفي شيخه.
أبو محمد عبد الله بن علي
ابن عبد الله بن سويد التكريتي، كان عالما بالحديث وله تصانيف حسنة.
الحازمي الحافظ
قال أبو شامة: وفيها توفي الحافظ أبو بكر محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الحازمي الهمداني
стр. 4791
ببغداد، صاحب التصانيف، على صغر سنة، منها العجالة في النسب، والناسخ والمنسوخ وغيرها ومولده سنة ثمان أو تسع وأربعين وخمسمائة، وتوفي في الثامن والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة
فيها قدم من جهة الخليفة رسل إلى السلطان يعلمونه بولاية العهد لأبي نصر الملقب بالظاهر بن الخليفة الناصر، فأمر السلطان خطيب دمشق أبا القاسم عبد الملك بن زيد الدولعي أن يذكره على المنبر، ثم جهز السلطان مع الرسل تحفا كثيرة، وهدايا سنية، وأرسل بأسارى من الفرنج على هيئتهم في حال حربهم، وأرسل بصليب الصلبوت فدفن تحت عتبة باب النوى، من دار الخليفة، فكان بالاقدام يداس، بعد ما كان يعظم ويباس، والصحيح أن هذا الصليب كان منصوبا على الصخرة وكان من نحاس مطليا بالذهب، فحطه الله إلى أسفل العتب.
قصة عكا وما كان من أمرها
لما كان شهر رجب اجتمع من كان بصور من الفرنج وساروا إلى مدينة عكا، فأحاطوا بها يحاصرونها فتحصن من فيها من المسلمين، وأعدوا للحصار ما يحتاجون إليه، وبلغ السلطان خبرهم فسار إليهم من دمشق مسرعا، فوجدهم قد أحاطوا بها إحاطة الخاتم بالخنصر، فلم يزل يدافعهم عنها ويمانعهم منها، حتى جعل طريقا إلى باب القلعة يصل إليه كل من أراده، من جندي وسوقي، وامرأة صبي، ثم أدخل إليها ما أراد من الآلات والأمتعة، ودخل هو بنفسه فعلا على سورها ونظر إلى الفرنج وجيشهم وكثرة عددهم وعددهم، والميرة تفد إليهم في البحر، في كل وقت، وكل ما لهم في ازدياد، وفي كل حين تصل إليهم الامداد، ثم عاد إلى مخيمه والجنود تفد إليه، وتقدم عليه من كل جهة ومكان، منهم رجال وفرسان، فلما كان في العشر الأخير من شعبان برزت الفرنج من مراكبها إلى مواكبها، في نحو من ألفي فارس وثلاثين ألف راجل، فبرز إليهم السلطان فيمن معه من الشجعان فاقتتلوا بمرج عكا قتالا عظيما، وهزم جماعة من المسلمين في أول النهار، ثم كانت الدائرة على الفرنج فكانت القتلى بينهم أزيد من سبعة آلاف (١) قتيل، ولما تناهت هذه الوقعة تحول السلطان عن مكانه الأول إلى موضع بعيد من رائحة القتلى، خوفا من الوخم والأذى، وليستريح الخيالة والخيل، ولم يعلم أن ذلك كان من أكبر مصالح العدو المخذول، فإنهم اغتنموا هذه الفرصة فحفروا حول مخيمهم خندقا من البحر محدقا بجيشهم، واتخذوا من ترابه سورا شاهقا، وجعلوا له أبوابا
стр. 4792
يخرجون منها إذا أرادوا وتمكنوا في منزلهم ذلك الذي اختاروا وارتادوا، وتفارط الامر على المسلمين، وقوي الخطب وصار الداء عضالا، وازداد الحال وبالا، اختبارا من الله وامتحانا، وكان رأي السلطان أن يناجزوا بعد الكرة سريعا، ولا يتركوا حتى يطيب البحر فتأتيهم الامداد من كل صوب، فتعذر عليه الامر بإملال الجيش والضجر، وكل منهم لأمر الفرنج قد احتقر، ولم يدر ما قد حتم في القدر، فأرسل السلطان إلى جميع الملوك يستنفر ويستنصر، وكتب إلى الخليفة بالبث، وبث الكتب بالتحضيض والحث السريع، فجاءته الامداد جماعات وآحادا، وأرسل إلى مصر يطلب أخاه العادل ويستعجل الأسطول، فقدم عليه فوصل إليه خمسون قطعة في البحر مع الأمير حسام الدين لؤلؤ، وقدم العادل في عسكر المصريين، فلما وصل الأسطول حادت مراكب الفرنج عنه يمنة ويسرة، وخافوا منه، واتصل بالبلدة الميرة والعدد والعدد، وانشرحت الصدور بذلك، وانسلخت هذه السنة والحال ما حال بل هو على ما هو عليه ولا ملجأ من الله إلا إليه.
وفيها توفي من الأعيان ..
القاضي شرف الدين أبو سعد
عبد الله بن محمد بن هبة الله بن أبي عصرون أحد أئمة الشافعية، له كتاب الانتصاف، وقد ولي قضاء القضاة بدمشق، ثم أضر قبل موته بعشر سنين، فجعل ولده نجم الدين مكانه بطيب قلبه وقد بلغ من العمر ثلاثا وتسعين سنة ونصفا، ودفن بالمدرسة العصرونية، التي أنشأها عند سويقة باب البريد، قبالة داره، بينهما عرض الطريق، وكان من الصالحين والعلماء العاملين. وقد ذكره ابن خلكان فقال: كان أصله من حديثة عانة الموصل، ورحل في طلب العلم إلى بلدان شتى، وأخذ عن أسعد الميهني وأبي علي الفارقي وجماعة، وولي قضاء سنجار وحران، وباشر في أيام نور الدين تدريس الغزالية، ثم انتقل إلى حلب فبنى له نور الدين بحلب مدرسة وبحمص أخرى، ثم قدم دمشق في أيام صلاح الدين، فولي قضاءها في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة إلى أن توفي في هذه السنة، وقد جمع جزءا في قضاء الأعمى، وأنه جائز، وهو خلاف المذهب، وقد حكاه صاحب البيان وجها لبعض الأصحاب. قال: ولم أره في غير، ولكن حبك الشئ يعمي ويصم، وقد صنف كتبا كثيرة، منها صفوة المذهب في نهاية المطلب، في سبع مجلدات، والانتصاف (١) في أربعة، والخلاف في أربعة، والذريعة [في معرفة الشريعة] (٢) والمرشد وغير ذلك، و [كتابا سماه مأخذ النظر، ومختصرا] (٢) في الفرائض، وقد ذكره ابن عساكر في تاريخه والعماد فأثنى عليه، وكذلك
стр. 4793
القاضي الفاضل. وأورد له العماد أشعارا كثيره وابن خلكان، منها:
أؤمل أن أحيا وفي كل ساعة … تمر بي الموتى يهز نعوشها
وهل أنا إلا مثلهم غير أن لي … بقايا ليال في الزمان أعيشها
أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان
أبو العباس المعروف بابن أفضل الزمان، قال ابن الأثير: كان عالما متبحرا في علوم كثيرة من الفقه، والأصول والحساب والفرائض والنجوم والهيئة والمنطق وغير ذلك، وقد جاور بمكة وأقام بها إلى أن مات بها، وكان من أحسن الناس صحبة وخلقا.
الفقيه الأمير ضياء الدين عيسى الهكاري
كان من أصحاب أسد الدين شيركوه، دخل معه إلى مصر، وحظي عنده، ثم كان ملازما للسلطان صلاح الدين حتى مات في ركابه بمنزلة الخروبة قريبا من عكا، فنقل إلى القدس فدفن به كان ممن تفقه على الشيخ أبي القاسم بن البرزي الجزري، وكان من الفضلاء والامراء الكبار.
المبارك بن المبارك الكرخي
مدرس النظامية، تفقه بابن الخل [وحظي] بمكانه عند الخليفة والعامة، وكان يضرب بحسن خطه المثل. ذكرته في الطبقات.
ثم دخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة
استهلت والسلطان محاصر لحصن عكا، وأمداد الفرنج تفد إليهم في البحر في كل وقت، حتى أن نساء الفرنج ليخرجن بنية القتال، ومنهن من تأتي بنية راحة الغرباء لينكحوها في الغربة، فيجدون راحة وخدمة وقضاء وطر، قدم إليهم مركب فيه ثلاثمائة امرأة من أحسن النساء وأجملهن بهذه النية، فإذا وجدوا ذلك ثبتوا على الحرب والغربة، حتى أن كثيرا من فسقة المسلمين تحيزوا إليهم من أجل هذه النسوة، واشتهر الخبر بذلك. وشاع بين المسلمين والفرنج بأن ملك الألمان قد أقبل بثلاثمائة ألف مقاتل، من ناحية القسطنطينية، يريد أخذ الشام وقتل أهله، انتصارا لبيت المقدس فعند ذلك حمل السلطان والمسلمون هما عظيما، وخافوا غاية الخوف، مع ما هم فيه من الشغل والحصار الهائل، وقويت قلوب الفرنج بذلك، واشتدوا للحصار والقتال، ولكن لطف الله وأهلك
стр. 4794
عامة جنده في الطرقات بالبرد والجوع والضلال في المهالك، على ما سيأتي بيانه. وكان سبب قتال الفرنج وخروجهم من بلادهم ونفيرهم ما ذكره ابن الأثير في كامله أن جماعة من الرهبان والقسيسين الذين كانوا ببيت المقدس وغيره، ركبوا من صور في أربعة مراكب، وخرجوا يطوفون ببلدان النصارى البحرية، وما هو قاطع البحر من الناحية الأخرى، يحرضون الفرنج ويحثونهم على الانتصار لبيت المقدس، ويذكرون لهم ما جرى على أهل القدس، وأهل السواحل من القتل والسبي وخراب الديار، وقد صوروا صورة المسيح وصورة عربي آخر يضربه ويؤذيه، فإذا سألوهم من هذا الذي يضرب المسيح؟ قالوا هذا نبي العرب يضربه وقد جرحه ومات، فينزعجون لذلك ويحمون ويبكون ويحزنون فعند ذلك خرجوا من بلادهم لنصرة دينهم ونبيهم، وموضع حجهم على الصعب والذلول، حتى النساء المخدرات والزواني والزانيات الذين هم عند أهليهم من أعز الثمرات.
وفي نصف ربيع الأول تسلم السلطان شعيف أربون (١) بالأمان، وكان صاحبه مأسورا في الذل والهوان، وكان من أدهى الفرنج وأخبرهم بأيام الناس، وربما قرأ في كتب الحديث وتفسير القرآن، وكان مع هذا غليظ الجلد قاسي القلب، كافر النفس. ولما انفصل فصل الشتاء وأقبل الربيع جاءت ملوك الاسلام من بلدانها بخيولها وشجعانها، ورجالها وفرسانها، وأرسل الخليفة إلى الملك صلاح الدين أحمالا من النفط والرماح، ونفاطة ونقابين، كل منهم متقن في صنعته غاية الاتقان، ومرسوما بعشرين ألف دينار، وانفتح البحر وتواترت مراكب الفرنج من كل جزيرة، لأجل نصرة أصحابهم، يمدونهم بالقوة والميرة، وعملت الفرنج ثلاثة أبرجة من خشب وحديد، عليها جلود مسقاة بالخل، لئلا يعمل فيها النفط، يسع البرج منها خمسمائة مقاتل، وهي أعلا من أبرجة البلد، وهي مركبة على عجل بحيث يديرونها كيف شاؤوا، وعلى ظهر كل منها منجنيق كبير، فلما رأى المسلمون ذلك أهمهم أمرها وخافوا على البلد ومن فيه من المسلمين أن يؤخذوا، وحصل لهم ضيق منها، فأعمل السلطان فكره بإحراقها، وأحضر النفاطين ووعدهم بالأموال الجزيلة إن هم أحرقوها، فانتدب لذلك شاب نحاس من دمشق يعرف بعلي بن عريف النحاسين، والتزم بإحراقها، فأخذ النفط الأبيض وخلطه بأدوية يعرفها، و؟ لي ذلك في ثلاثة قدور من نحاس حتى صار نارا تأجج، ورمى كل برج منها بقدر من تلك القدور بالمنجنيق من داخل عكا، فاحترقت الأبرجة الثلاثة حتى صارت نارا بإذن الله، لها ألسنة في الجو متصاعدة، واحترق من كان فيها، فصرخ المسلمون صرخة واحدة بالتهليل، واحترق في كل برج منها سبعون كفورا، وكان يوما على الكافرين عسيرا، وذلك يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة، وكان الفرنج قد تعبوا في عملها سبعة أشهر، فاحترقت في يوم واحد (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا)
стр. 4795
[الفرقان: ٢٣] ثم أمر السلطان لذلك الشاب النحاس بعطية سنية، وأموال كثيرة فامتنع أن يقبل شيئا من ذلك، وقال: إنما عملت ذلك ابتغاء وجه الله، ورجاء ما عنده سبحانه، فلا أريد منكم جزاء ولا شكورا.
وأقبل الأسطول المصري وفيه الميرة الكثيرة لأهل البلد، فعبى الفرنج أسطولهم ليقاتلوا أسطول المسلمين، نهض السلطان بجيشه ليشغلهم عنهم، وقاتلهم أهل البلد أيضا واقتتل الأسطولان في البحر، وكان يوما عسيرا، وحربا في البر والبحر، فظفرت الفرنج بشبيني واحد من الأسطول الذي للمسلمين، وسلم الله الباقي فوصل إلى البلد بما فيه من الميرة، وكانت حاجتهم قد اشتدت إليها جدا، بل إلى بعضها.
وأما ملك الألمان المتقدم ذكره فإنه أقبل في عدد وعدد كثير جدا، قريب من ثلاثمائة ألف (١) مقاتل، من نيته خراب البلد وقتل أهلها من المسلمين، والانتصار لبيت المقدس، وأن يأخذ البلاد إقليما بعد إقليم، حتى مكة والمدينة، فما نال من ذلك شيئا بعون الله وقوته، بل أهلكهم الله في كل مكان وزمان، فكانوا يتخطفون كما يتخطف الحيوان، حتى اجتاز ملكهم بنهر (٢) شديد الجرية فدعته نفسه أن يسبح فيه، فلما صار فيه حمله الماء إلى شجرة فشجت رأسه، وأخمدت أنفاسه (٣)، وأراح الله منه العباد والبلاد، فأقيم ولده الأصغر في الملك، وقد تمزق شملهم، وقلت منهم العدة، ثم أقبلوا لا يجتازون ببلد إلا قتلوا فيه، فما وصلوا إلى أصحابهم الذين على عكا إلا في ألف فارس، فلم يرفعوا بهم رأسا ولا لهم قدرا ولا قيمة بينهم، ولا عند أحد من أهل ملتهم ولا غيرهم، وهكذا شأن من أراد إطفاء نور الله وإذلال دين الاسلام. وزعم العماد في سياقه أن الألمان وصلوا في خمسة آلاف، وأن ملوك الإفرنج كلهم كرهوا قدومهم عليهم، لما يخافون من سطوة ملكهم، وزوال دولتهم بدولته، ولم يفرح به إلا المركيس صاحب صور، الذي أنشأ هذه الفتنة وأثار هذه المحنة، فإنه تقوى به وبكيده، فإنه كان خبيرا بالحروب، وقد قدم بأشياء كثيرة من آلات الحرب لم تخطر لاحد ببال. نصب دبابات أمثال الجبال، تسير بعجل ولها زلوم من حديد، تنطح السور فتخرقه، وتثلم جوانبه، فمن الله العظيم بإحراقها، وأراح المسلمين منها، ونهض صاحب الألمان بالعسكر الفرنجي فصادم به جيش المسلمين فجاءت جيوش المسلمين برمتها إليه، فقتلوا من الكفرة خلقا
стр. 4796
كثيرا وجما غفيرا، وهجموا مرة على مخيم السلطان بغتة فنهبوا بعض الأمتعة، فنهض الملك العادل أبو بكر - وكان رأس الميمنة - فركب، في أصحابه وأمهل الفرنج حتى توغلوا بين الخيام، ثم حمل عليهم بالرماح والحسام، فهربوا بين يديه فما زال يقتل منهم جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، حتى كسوا وجه الأرض منهم حللا أزهى من الرياض الباسمة، وأحب إلى النفوس من الخدود الناعمة، وأقل ما قيل إنه قتل منهم خمسة آلاف، وزعم العماد أنه قتل منهم فيما بين الظهر إلى العصر عشرة آلاف والله أعلم.
هذا وطرف الميسرة لم يشعر بما جرى ولا درى، بل نائمون وقت القائلة في خيامهم، وكان الذين ساقوا وراءهم أقل من ألف، وإنما قتل من المسلمين عشرة أو دونهم، وهذه نعمة عظيمة، وقد أوهن هذا جيش الفرنج وأضعفهم، وكادوا يطلبون الصلح وينصرفون عن البلد، فاتفق قدوم مدد عظيم إليهم في البحر من ملك يقال له كيد هري (١)، ومعه أموال كثيرة فأنفق فيهم وغرم عليهم وأمرهم أن يبرزوا معه لقتال المسلمين، ونصب على عكا منجنيقين، غرم على كل واحد منهما ألفا وخمسمائة دينار، فأحرقهما المسلمون من داخل البلد، وجاءت كتب صاحب الروم من القسطنطينية يعتذر لصلاح الدين من جهة ملك الألمان، وأنه لم يتجاوز بلده باختياره، وأنه تجاوزه لكثرة جنوده، ولكن ليبشر السلطان بأن الله سيهلكهم في كل مكان، وكذلك وقع، وأرسل إلى السلطان يخبره بأنه يقيم للمسلمين عنده جمعة وخطبا، فأرسل السلطان مع رسله خطيبا ومنبرا، وكان يوم دخولهم إليه يوما مشهودا، ومشهدا محمودا، فأقيمت الخطبة بالقسطنطينية، ودعا للخليفة العباسي، واجتمع فيها من هناك من المسلمين من التجار والمسلمين الاسرى والمسافرين إليها والحمد لله رب العالمين
فصل
وكتب متولي عكا من جهة السلطان صلاح الدين وهو الأمير بهاء الدين قراقوش، في العشر الأول من شعبان إلى السلطان: إنه لم يبق عندهم في المدينة من الأقوات إلا ما يبلغهم إلى ليلة النصف من شعبان، فلما وصل الكتاب إلى السلطان أسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، خوفا من إشاعة ذلك فيبلغ العدو فيقدموا على المسلمين، وتضعف القلوب، وكان قد كتب إلى أمير الأسطول بالديار المصرية أن يقدم بالميرة إلى عكا، فتأخر سيره، ثم وصلت ثلاث بطش (٢) ليلة النصف، فيها من الميرة ما يكفي أهل البلد طول الشتاء، وهي صحبة الحاجب لؤلؤ، فلما أشرفت على البلد نهض إليها أسطول الفرنج ليحول بينها وبين البلد، ويتلف ما فيها، فاقتتلوا في البحر قتالا شديدا، والمسلمون في البر يبتهلون إلى الله في سلامتها، والفرنج أيضا تصرخ برا وبحرا، وقد ارتفع
стр. 4797
الضجيج، فنصر الله المسلمين وسلم مراكبهم، وطابت الريح للبطش فسارت فأحرقت المراكب الفرنجية المحيطة بالميناء، ودخلت البلد سالمة ففرح بها أهل البلد والجيش فرحا شديدا، وكان السلطان قد جهز قبل هذه البطش الثلاث بطشة كبيرة من بيروت، فيها أربعمائة غرارة (١)، وفيها من الجبن والشحم والقديد والنشاب والنفط شئ كثير، وكانت هذه البطشة من بطش الفرنج المغنومة، وأمر من فيها من التجار أن يلبسوا زي الفرنج حتى أنهم حلقوا لحاهم، وشدوا الزنانير، واستصحبوا في البطشة معهم شيئا من الخنازير، وقدموا بها على مراكب الفرنج فاعتقدوا أنهم منهم وهي سائرة كأنها السهم إذا خرج من كبد القوس، فحذرهم الفرنج غائلة الميناء من ناحية البلد، فاعتذروا بأنهم مغلوبون عنها، ولا يمكنهم حبسها من قوة الريح، وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء فأفرغوا ما كان معهم من الميرة، والحرب خدعة، فعبرت الميناء فامتلأ الثغر بها خيرا، فكفتهم إلى أن قدمت عليهم تلك البطش الثلاث المصرية. وكانت البلد يكتنفها برجان يقال لأحدهما برج الديان، فاتخذت الفرنج بطشة عظيمة لها خرطوم وفيه محركات إذا أرادوا أن يضعوه على شئ من الأسوار والابرجة قلبوه فوصل إلى ما أرادوا، فعظم أمر هذه البطشة على المسلمين، ولم يزالوا في أمرها محتالين، حتى أرسل الله عليها شواظا من نار فأحرقها وأغرقها، وذلك أن الفرنج أعدوا فيها نفطا كثيرا وحطبا جزلا، وأخرى خلفها فيها حطب محض، فلما أراد المسلمون المحافظة على الميناء أرسلوا النفط على بطشة الحطب فاحترقت وهي سائرة بين بطش المسلمين، واحترقت الأخرى، وكان في بطشة أخرى لهم مقاتلة تحت قبو قد أحكموه فيها، فلما أرسلوا النفط على برج الديان انعكس الامر عليهم بقدرة الله تعالى، وذلك لشدة الهواء تلك الليلة، فما تعدت النار بطشتهم فاحترقت، وتعدى الحريق إلى الأخرى فغرقت، ووصل إلى بطشة المقاتلة فتلفت، وهلك من فيها، فأشبهوا من سلف من أهل الكتاب من الكافرين، في قوله تعالى (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) [الحشر: ٢].
فصل
وفي ثالث رمضان اشتد حصار الفرنج للمدينة حتى نزلوا إلى الخندق، فبرز إليهم أهل البلد فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وتمكنوا من حريق الكيس والأسوار، وسرى حريقه إلى السقوف، وارتفعت له لهبة عظيمة في عنان السماء، ثم اجتذبه المسلمون إليهم بكلاليب من حديد في سلاسل، فحصل عندهم وألقوا عليه الماء البارد فبرد بعد أيام، فكان فيه من الحديد مائة قنطار بالدمشقي، ولله الحمد والمنة.
стр. 4798
وفي الثامن والعشرين من رمضان (١) توفي الملك زين الدين صاحب إربل في حصار عكا مع السلطان، فتأسف الناس عليه لشبابه وغربته وجودته، وعزي أخاه مظفر الدين فيه، وقام بالملك من بعده وسأل من صلاح الدين أن يضيف إليه شهرزور وحران والرها وسميساط وغيرها، وتحمل مع ذلك خمسين ألف دينار نقدا، فأجيب إلى ذلك، وكتب له تقليدا، وعقد له لواء، وأضيف ما تركه إلى الملك المظفر تقي الدين ابن أخي السلطان صلاح الدين.
فصل
وكان القاضي الفاضل بمصر يدبر الممالك بها، ويجهز إلى السلطان ما يحتاج إليه من الأموال، وعمل الأسطول والكتب السلطانية، فمنها كتاب يذكر فيه أن سبب هذا التطويل في الحصار كثرة الذنوب، وارتكاب المحارم بين الناس، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ولا يفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه، وامتثال أمره، فكيف لا يطول الحصار والمعاصي في كل مكان فاشية، وقد صعد إلى الله منها ما يتوقع بعده الاستعاذة منه، وفيه أنه قد بلغه أن بيت المقدس قد ظهر فيه المنكرات والفواحش والظلم في بلاده ما لا يمكن تلافيه إلا بكلفة كثيرة. ومنها كتاب يقول فيه إنما أتينا من قبل أنفسنا، ولو صدقنا لعجل الله لنا عواقب صدقنا، ولو أطعناه لما عاقبنا بعدونا، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به، فلا يختصم أحد إلا نفسه وعمله، ولا يرج إلا ربه ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان، ولا فلان الذي يعتمد عليه أن يقاتل ولا فلان، فكل هذه مشاغل عن الله ليس النصر بها، وإنما النصر من عند الله، ولا نأمل أن يكلنا الله إليها، والنصر به واللطف منه، ونستغفر الله تعالى من ذنوبنا، فلولا أنها تسد طريق دعائنا لكان جواب دعائنا قد نزل، وفيض دموع الخاشعين قد غسل، ولكن في الطريق عائق، خار الله لمولانا في القضاء السابق واللاحق.
ومن كتاب آخر يتألم فيه لما عند السلطان من الضعف في جسمه بسبب ما حمل على قلبه مما هو فيه من الشدائد، أثابه الله بقوله: وما في نفس المملوك شائنة إلا بقية هذا الضعف الذي في جسم مولانا فإنه بقلوبنا، ونفديه بأسماعنا وأبصارنا ثم قال:
بنا معشر الخدام ما بك من أذى … وإن أشفقوا مما أقول فبي وحدي
وقد أورد الشيخ شهاب الدين صاحب الروضتين ها هنا كتبا عدة من الفاضل إلى السلطان، فيها فصاحة وبلاغة ومواعظ وتحضيض على الجهاد، فرحمه الله من إنسان ما أفصحه، ومن وزير ما كان أنصحه، ومن عقل ما كان أرجحه.
стр. 4799
فصل
وكتب الفاضل كتابا على لسان السلطان إلى ملك المغرب أمير المسلمين، وسلطان جيش الموحدين، يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، يستنجده في إرسال مراكب في البحر تكون عونا للمسلمين على المراكب الفرنجية في عبارة طويلة فصيحة بليغة مليحة، حكاها أبو شامة بطولها. وبعث السلطان صلاح الدين مع الكتاب سنية من التحف والالطاف، صحبة الأمير الكبير شمس الدين أبي الحزم عبد الرحمن بن منقذ، وسار في البحر في ثامن ذي القعدة، فدخل على سلطان المغرب في العشرين من ذي الحجة، فأقام عنده إلى عاشوراء من المحرم من سنة ثمان وثمانين، ولم يفد هذا الارسال شيئا، لأنه تغضب إذ لم يلقب بأمير المؤمنين، وكان إشارة الفاضل إلى عدم الارسال إليه، ولكن وقع ما وقع بمشيئة الله.
فصل
وفيها حصل للناصر صلاح الدين سوء مزاج (١) من كثرة ما يكابده من الأمور، فطمع العدو المخذول في حوزة الاسلام، فتجرد جماعة منهم للقتال، وثبت آخرون على الحصار، فأقبلوا في عدد كثير وعدد، فرتب السلطان الجيوش يمنة ويسرة، وقلبا وجناحين، فلما رأى العدو الجيش الكثيف فروا فقتلوا منهم خلقا كثيرا وجما غفيرا.
فصل
ولما دخل فصل الشتاء وانشمرت مراكب الفرنج عن البلد خوفا من الهلاك بسبب اغتلام البحر، سأل من بالبلد من المسلمين من السلطان أن يريحهم مما هم فيه من الحصر العظيم، والقتال ليلا ونهارا، وأن يرسل إلى البلد بدلهم، فرق لهم السلطان وعزم على ذلك، وكانوا قريبا من عشرين ألف مسلم ما بين أمير ومأمور، فجهز جيشا آخر غيرهم، ولم يكن ذلك برأي جيد، ولكن ما قصد السلطان إلا خيرا، وأن هؤلاء يدخلون البلد بهمم حدة شديدة، ولهم عزم قوي، وهم في
стр. 4800
راحة بالنسبة إلى ما أولئك ولكن أولئك الذين كانوا بالبلد وخرجوا منه كانت لهم خبرة بالبلد بالقتال وكان لهم صبر، وجلد وقد تمونوا فيها مؤنة تكفيهم سنة، فانمحقت بسبب ذلك، وقدم بطش من مصر فيه ميرة تكفي أهل البلد سنة كاملة، فقدر الله العظيم - وله الامر من قبل ومن بعد - أنها لما توسطت البحر واقتربت من المينا هاجت عليها ريح عظيمة فانقلبت تلك البطش وتغلبت على عظمها فاختبطت واضطربت وتصادمت فتكسرت وغرقت، وغرق ما كان فيها من الميرة والبحارة، فدخل بسبب ذلك وهن عظيم على المسلمين، واشتد الامر جدا، ومرض السلطان وازداد مرضا إلى مرضه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان ذلك عونا للعدو المخذول على أخذ البلد، ولا قوة إلا بالله، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة، وكان المقدم على الداخلين إلى عكا الأمير سيف الدين علي بن أحمد بن المشطوب.
وفي اليوم السابع من ذي الحجة سقطت ثلمة عظيمة من سور عكا، فبادر الفرنج إليها فسبقهم المسلمون إلى سدها بصدورهم، وقاتلوا دونها بنحورهم، وما زالوا يمانعون عنها حتى بنوها أشد مما كانت، وأقوى وأحسن. ووقع في هذه السنة وباء عظيم في المسلمين والكافرين، فكان السلطان يقول في ذلك:
اقتلوني ومالكا … واقتلوا مالكا معي (١)
واتفق موت ابن ملك الألمان لعنه الله في ثاني ذي الحجة، وجماعة من كبراء الكندهرية (٢)، وسادات الفرنج لعنهم الله، فحزن الفرنج على ابن ملك الألمان وأوقدوا نارا عظيمة في كل خيمة، وصار كل يوم يهلك من الفرنج المائة والمائتان، واستأمن السلطان جماعة منهم من شدة ما هم فيه من الجوع والضيق والحصر، وأسلم خلق كثير منهم. وفيها قدم القاضي الفاضل من مصر على السلطان، وكان قد طال شوق كل منهما إلى صاحبه، فأفضى كل منهما إلى صاحبه ما كان يسره ويكتمه من الآراء التي فيها مصالح المسلمين.
وفيها توفي من الأعيان …