كثيرا وجما غفيرا، وهجموا مرة على مخيم السلطان بغتة فنهبوا بعض الأمتعة، فنهض الملك العادل أبو بكر - وكان رأس الميمنة - فركب، في أصحابه وأمهل الفرنج حتى توغلوا بين الخيام، ثم حمل عليهم بالرماح والحسام، فهربوا بين يديه فما زال يقتل منهم جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، حتى كسوا وجه الأرض منهم حللا أزهى من الرياض الباسمة، وأحب إلى النفوس من الخدود الناعمة، وأقل ما قيل إنه قتل منهم خمسة آلاف، وزعم العماد أنه قتل منهم فيما بين الظهر إلى العصر عشرة آلاف والله أعلم.
هذا وطرف الميسرة لم يشعر بما جرى ولا درى، بل نائمون وقت القائلة في خيامهم، وكان الذين ساقوا وراءهم أقل من ألف، وإنما قتل من المسلمين عشرة أو دونهم، وهذه نعمة عظيمة، وقد أوهن هذا جيش الفرنج وأضعفهم، وكادوا يطلبون الصلح وينصرفون عن البلد، فاتفق قدوم مدد عظيم إليهم في البحر من ملك يقال له كيد هري (١)، ومعه أموال كثيرة فأنفق فيهم وغرم عليهم وأمرهم أن يبرزوا معه لقتال المسلمين، ونصب على عكا منجنيقين، غرم على كل واحد منهما ألفا وخمسمائة دينار، فأحرقهما المسلمون من داخل البلد، وجاءت كتب صاحب الروم من القسطنطينية يعتذر لصلاح الدين من جهة ملك الألمان، وأنه لم يتجاوز بلده باختياره، وأنه تجاوزه لكثرة جنوده، ولكن ليبشر السلطان بأن الله سيهلكهم في كل مكان، وكذلك وقع، وأرسل إلى السلطان يخبره بأنه يقيم للمسلمين عنده جمعة وخطبا، فأرسل السلطان مع رسله خطيبا ومنبرا، وكان يوم دخولهم إليه يوما مشهودا، ومشهدا محمودا، فأقيمت الخطبة بالقسطنطينية، ودعا للخليفة العباسي، واجتمع فيها من هناك من المسلمين من التجار والمسلمين الاسرى والمسافرين إليها والحمد لله رب العالمين
فصل
وكتب متولي عكا من جهة السلطان صلاح الدين وهو الأمير بهاء الدين قراقوش، في العشر الأول من شعبان إلى السلطان: إنه لم يبق عندهم في المدينة من الأقوات إلا ما يبلغهم إلى ليلة النصف من شعبان، فلما وصل الكتاب إلى السلطان أسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، خوفا من إشاعة ذلك فيبلغ العدو فيقدموا على المسلمين، وتضعف القلوب، وكان قد كتب إلى أمير الأسطول بالديار المصرية أن يقدم بالميرة إلى عكا، فتأخر سيره، ثم وصلت ثلاث بطش (٢) ليلة النصف، فيها من الميرة ما يكفي أهل البلد طول الشتاء، وهي صحبة الحاجب لؤلؤ، فلما أشرفت على البلد نهض إليها أسطول الفرنج ليحول بينها وبين البلد، ويتلف ما فيها، فاقتتلوا في البحر قتالا شديدا، والمسلمون في البر يبتهلون إلى الله في سلامتها، والفرنج أيضا تصرخ برا وبحرا، وقد ارتفع
стр. 4797
الضجيج، فنصر الله المسلمين وسلم مراكبهم، وطابت الريح للبطش فسارت فأحرقت المراكب الفرنجية المحيطة بالميناء، ودخلت البلد سالمة ففرح بها أهل البلد والجيش فرحا شديدا، وكان السلطان قد جهز قبل هذه البطش الثلاث بطشة كبيرة من بيروت، فيها أربعمائة غرارة (١)، وفيها من الجبن والشحم والقديد والنشاب والنفط شئ كثير، وكانت هذه البطشة من بطش الفرنج المغنومة، وأمر من فيها من التجار أن يلبسوا زي الفرنج حتى أنهم حلقوا لحاهم، وشدوا الزنانير، واستصحبوا في البطشة معهم شيئا من الخنازير، وقدموا بها على مراكب الفرنج فاعتقدوا أنهم منهم وهي سائرة كأنها السهم إذا خرج من كبد القوس، فحذرهم الفرنج غائلة الميناء من ناحية البلد، فاعتذروا بأنهم مغلوبون عنها، ولا يمكنهم حبسها من قوة الريح، وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء فأفرغوا ما كان معهم من الميرة، والحرب خدعة، فعبرت الميناء فامتلأ الثغر بها خيرا، فكفتهم إلى أن قدمت عليهم تلك البطش الثلاث المصرية. وكانت البلد يكتنفها برجان يقال لأحدهما برج الديان، فاتخذت الفرنج بطشة عظيمة لها خرطوم وفيه محركات إذا أرادوا أن يضعوه على شئ من الأسوار والابرجة قلبوه فوصل إلى ما أرادوا، فعظم أمر هذه البطشة على المسلمين، ولم يزالوا في أمرها محتالين، حتى أرسل الله عليها شواظا من نار فأحرقها وأغرقها، وذلك أن الفرنج أعدوا فيها نفطا كثيرا وحطبا جزلا، وأخرى خلفها فيها حطب محض، فلما أراد المسلمون المحافظة على الميناء أرسلوا النفط على بطشة الحطب فاحترقت وهي سائرة بين بطش المسلمين، واحترقت الأخرى، وكان في بطشة أخرى لهم مقاتلة تحت قبو قد أحكموه فيها، فلما أرسلوا النفط على برج الديان انعكس الامر عليهم بقدرة الله تعالى، وذلك لشدة الهواء تلك الليلة، فما تعدت النار بطشتهم فاحترقت، وتعدى الحريق إلى الأخرى فغرقت، ووصل إلى بطشة المقاتلة فتلفت، وهلك من فيها، فأشبهوا من سلف من أهل الكتاب من الكافرين، في قوله تعالى (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) [الحشر: ٢].
فصل
وفي ثالث رمضان اشتد حصار الفرنج للمدينة حتى نزلوا إلى الخندق، فبرز إليهم أهل البلد فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وتمكنوا من حريق الكيس والأسوار، وسرى حريقه إلى السقوف، وارتفعت له لهبة عظيمة في عنان السماء، ثم اجتذبه المسلمون إليهم بكلاليب من حديد في سلاسل، فحصل عندهم وألقوا عليه الماء البارد فبرد بعد أيام، فكان فيه من الحديد مائة قنطار بالدمشقي، ولله الحمد والمنة.
стр. 4798
وفي الثامن والعشرين من رمضان (١) توفي الملك زين الدين صاحب إربل في حصار عكا مع السلطان، فتأسف الناس عليه لشبابه وغربته وجودته، وعزي أخاه مظفر الدين فيه، وقام بالملك من بعده وسأل من صلاح الدين أن يضيف إليه شهرزور وحران والرها وسميساط وغيرها، وتحمل مع ذلك خمسين ألف دينار نقدا، فأجيب إلى ذلك، وكتب له تقليدا، وعقد له لواء، وأضيف ما تركه إلى الملك المظفر تقي الدين ابن أخي السلطان صلاح الدين.
فصل
وكان القاضي الفاضل بمصر يدبر الممالك بها، ويجهز إلى السلطان ما يحتاج إليه من الأموال، وعمل الأسطول والكتب السلطانية، فمنها كتاب يذكر فيه أن سبب هذا التطويل في الحصار كثرة الذنوب، وارتكاب المحارم بين الناس، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ولا يفرج الشدائد إلا بالرجوع إليه، وامتثال أمره، فكيف لا يطول الحصار والمعاصي في كل مكان فاشية، وقد صعد إلى الله منها ما يتوقع بعده الاستعاذة منه، وفيه أنه قد بلغه أن بيت المقدس قد ظهر فيه المنكرات والفواحش والظلم في بلاده ما لا يمكن تلافيه إلا بكلفة كثيرة. ومنها كتاب يقول فيه إنما أتينا من قبل أنفسنا، ولو صدقنا لعجل الله لنا عواقب صدقنا، ولو أطعناه لما عاقبنا بعدونا، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إلا به، فلا يختصم أحد إلا نفسه وعمله، ولا يرج إلا ربه ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان، ولا فلان الذي يعتمد عليه أن يقاتل ولا فلان، فكل هذه مشاغل عن الله ليس النصر بها، وإنما النصر من عند الله، ولا نأمل أن يكلنا الله إليها، والنصر به واللطف منه، ونستغفر الله تعالى من ذنوبنا، فلولا أنها تسد طريق دعائنا لكان جواب دعائنا قد نزل، وفيض دموع الخاشعين قد غسل، ولكن في الطريق عائق، خار الله لمولانا في القضاء السابق واللاحق.
ومن كتاب آخر يتألم فيه لما عند السلطان من الضعف في جسمه بسبب ما حمل على قلبه مما هو فيه من الشدائد، أثابه الله بقوله: وما في نفس المملوك شائنة إلا بقية هذا الضعف الذي في جسم مولانا فإنه بقلوبنا، ونفديه بأسماعنا وأبصارنا ثم قال:
بنا معشر الخدام ما بك من أذى … وإن أشفقوا مما أقول فبي وحدي
وقد أورد الشيخ شهاب الدين صاحب الروضتين ها هنا كتبا عدة من الفاضل إلى السلطان، فيها فصاحة وبلاغة ومواعظ وتحضيض على الجهاد، فرحمه الله من إنسان ما أفصحه، ومن وزير ما كان أنصحه، ومن عقل ما كان أرجحه.
стр. 4799
فصل
وكتب الفاضل كتابا على لسان السلطان إلى ملك المغرب أمير المسلمين، وسلطان جيش الموحدين، يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، يستنجده في إرسال مراكب في البحر تكون عونا للمسلمين على المراكب الفرنجية في عبارة طويلة فصيحة بليغة مليحة، حكاها أبو شامة بطولها. وبعث السلطان صلاح الدين مع الكتاب سنية من التحف والالطاف، صحبة الأمير الكبير شمس الدين أبي الحزم عبد الرحمن بن منقذ، وسار في البحر في ثامن ذي القعدة، فدخل على سلطان المغرب في العشرين من ذي الحجة، فأقام عنده إلى عاشوراء من المحرم من سنة ثمان وثمانين، ولم يفد هذا الارسال شيئا، لأنه تغضب إذ لم يلقب بأمير المؤمنين، وكان إشارة الفاضل إلى عدم الارسال إليه، ولكن وقع ما وقع بمشيئة الله.
فصل
وفيها حصل للناصر صلاح الدين سوء مزاج (١) من كثرة ما يكابده من الأمور، فطمع العدو المخذول في حوزة الاسلام، فتجرد جماعة منهم للقتال، وثبت آخرون على الحصار، فأقبلوا في عدد كثير وعدد، فرتب السلطان الجيوش يمنة ويسرة، وقلبا وجناحين، فلما رأى العدو الجيش الكثيف فروا فقتلوا منهم خلقا كثيرا وجما غفيرا.
فصل
ولما دخل فصل الشتاء وانشمرت مراكب الفرنج عن البلد خوفا من الهلاك بسبب اغتلام البحر، سأل من بالبلد من المسلمين من السلطان أن يريحهم مما هم فيه من الحصر العظيم، والقتال ليلا ونهارا، وأن يرسل إلى البلد بدلهم، فرق لهم السلطان وعزم على ذلك، وكانوا قريبا من عشرين ألف مسلم ما بين أمير ومأمور، فجهز جيشا آخر غيرهم، ولم يكن ذلك برأي جيد، ولكن ما قصد السلطان إلا خيرا، وأن هؤلاء يدخلون البلد بهمم حدة شديدة، ولهم عزم قوي، وهم في
стр. 4800
راحة بالنسبة إلى ما أولئك ولكن أولئك الذين كانوا بالبلد وخرجوا منه كانت لهم خبرة بالبلد بالقتال وكان لهم صبر، وجلد وقد تمونوا فيها مؤنة تكفيهم سنة، فانمحقت بسبب ذلك، وقدم بطش من مصر فيه ميرة تكفي أهل البلد سنة كاملة، فقدر الله العظيم - وله الامر من قبل ومن بعد - أنها لما توسطت البحر واقتربت من المينا هاجت عليها ريح عظيمة فانقلبت تلك البطش وتغلبت على عظمها فاختبطت واضطربت وتصادمت فتكسرت وغرقت، وغرق ما كان فيها من الميرة والبحارة، فدخل بسبب ذلك وهن عظيم على المسلمين، واشتد الامر جدا، ومرض السلطان وازداد مرضا إلى مرضه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان ذلك عونا للعدو المخذول على أخذ البلد، ولا قوة إلا بالله، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة، وكان المقدم على الداخلين إلى عكا الأمير سيف الدين علي بن أحمد بن المشطوب.
وفي اليوم السابع من ذي الحجة سقطت ثلمة عظيمة من سور عكا، فبادر الفرنج إليها فسبقهم المسلمون إلى سدها بصدورهم، وقاتلوا دونها بنحورهم، وما زالوا يمانعون عنها حتى بنوها أشد مما كانت، وأقوى وأحسن. ووقع في هذه السنة وباء عظيم في المسلمين والكافرين، فكان السلطان يقول في ذلك:
اقتلوني ومالكا … واقتلوا مالكا معي (١)
واتفق موت ابن ملك الألمان لعنه الله في ثاني ذي الحجة، وجماعة من كبراء الكندهرية (٢)، وسادات الفرنج لعنهم الله، فحزن الفرنج على ابن ملك الألمان وأوقدوا نارا عظيمة في كل خيمة، وصار كل يوم يهلك من الفرنج المائة والمائتان، واستأمن السلطان جماعة منهم من شدة ما هم فيه من الجوع والضيق والحصر، وأسلم خلق كثير منهم. وفيها قدم القاضي الفاضل من مصر على السلطان، وكان قد طال شوق كل منهما إلى صاحبه، فأفضى كل منهما إلى صاحبه ما كان يسره ويكتمه من الآراء التي فيها مصالح المسلمين.
وفيها توفي من الأعيان …
стр. 4801
ملك الألمان
وقد تقدم أنه قدم في ثلاثمائة ألف مقاتل; فهلكوا في الطرقات، فلم يصل إلى الفرنج إلا في خمسة آلاف وقيل في ألفي مقاتل، وكان قد عزم على دمار الاسلام، واستنقاذ البلاد بكمالها من أيدي المسلمين، انتصارا في زعمه إلى بيت المقدس، فأهلكه الله بالغرق كما أهلك فرعون، ثم ملك بعده ولده الأصغر فأقبل بمن بقي معه من الجيش إلى الفرنج، وهم في حصار عكا، ثم مات في هذه السنة فلله الحمد والمنة.
محمد بن محمد بن عبد الله
أبو حامد قاضي القضاة بالموصل (١)، كمال الدين الشهرزوري الشافعي، أثنى عليه العماد وأنشد له من شعره قوله:
قامت بإثبات الصفات أدلة … قصمت ظهور أئمة التعطيل
وطلائع التنزيه لما أقبلت … هزمت ذوي التشبيه والتمثيل
فالحق ما صرنا إليه جميعنا … بأدلة الاخبار والتنزيل
من لم يكن بالشرع مقتديا فقد … ألقاه فرط الجهل في التضليل
ثم دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة
فيها قدم ملك الفرنسيس وملك إنكلترا وغيرهما من ملوك البحر الفرنج، على أصحابهم الفرنج إلى عكا، وتمالؤا على أخذ عكا في هذه السنة كما سيأتي تفصيله، وقد استهلت هذه السنة والحصار الشديد على عكا من الجانبين، وقد استكمل دخول العدو إلى البلد والملك العادل مخيم إلى جانب البحر، ليتكامل دخولهم ودخول ميرتهم، وفي ليلة مستهل ربيع الأول منها خرج المسلمون من عكا فهجموا على مخيم الفرنج فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وسبوا وغنموا شيئا كثيرا، سبوا اثني عشر امرأة، وانكسر مركب عظيم للفرنج فغرق ما فيه منهم وأسر باقيهم، وأغار صاحب حمص أسد الدين بن شيركوه على سرح الفرنج بأراضي طرابلس، فاستاق منهم شيئا كثيرا من الخيول والأبقار والأغنام، وظفر الترك بخلق كثير من الفرنج فقتلوهم، ولم يقتل من المسلمين سوى طواش صغير عثر به فرسه. وفي ثاني عشر ربيع الأول وصل إلى الفرنج ملك الفرنسيين في قريب من ستين (٢) بطش
стр. 4802
ملعونة مشحونة بعبدة الصليب، فحين وصل إليهم وقدم عليهم لم يبق لاحد من ملوكهم معه كلام ولا حكم، لعظمته عندهم، وقدم معه باز عظيم أبيض وهو الأشهب، هائل، فطار من يده فوقع على سور عكا فأخذه أهلها وبعثوه إلى السلطان صلاح الدين، فبذل الفرنجي فيه ألف دينار فلم يجبه إلى ذلك، وقدم بعده كيدفرير وهو من أكابر ملوكهم أيضا، ووصلت سفن ملك الانكليز، ولم يجئ ملكهم لاشتغاله بجزية قبرص وأخذها من يد صاحبها، وتواصلت ملوك الاسلام أيضا من بلدانها في أول فصل الربيع، لخدمة الملك الناصر. قال العماد: وقد كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام الفرنج فيسرقون، حتى أنهم كانوا يسرقون الرجال، فاتفق أن بعضهم أخذ صبيا رضيعا من مهده ابن ثلاثة أشهر، فوجدت عليه أمه وجدا شديدا، واشتكت إلى ملوكهم فقالوا لها: إن سلطان المسلمين رحيم القلب، وقد أذنا لك أن تذهبي إليه فتشتكي أمرك إليه، قال العماد: فجاءت إلى السلطان فأنهت إليه حالها، فرق لها رقة شديدة حتى دمعت عينه. ثم أمر بإحضار ولدها فإذا هو قد بيع في السوق، فرسم بدفع ثمنه إلى المشتري، ولم يزل واقفا حتى جئ بالغلام فأخذته أمه وأرضعته ساعة وهي تبكي من شدة فرحها وشوقها إليه، ثم أمر بحملها إلى خيمتها على فرس مكرمة رحمه الله تعالى وعفا عنه.
فصل
في كيفية أخذ العدو عكا من يدي السلطان
لما كان شهر جمادى الأولى اشتد حصار الفرنج لعنهم الله لمدينة عكا، وتمالؤا عليها من كل فج عميق، وقدم عليهم ملك الانكليز في جم غفير، وجمع كثير، في خمسة وعشرين قطعة مشحونة بالمقاتلة وابتلى أهل الثغر منهم ببلاء لا يشبه ما قبله، فعند ذلك حركت الكؤسات في البلد، وكانت علامة ما بينهم وبين السلطان، فحرك السلطان كؤساته فاقترب من البلد وتحول إلى قريب منه، ليشغلهم عن البلد، وقد أحاطوا به من كل جانب، ونصبوا عليه سبعة منجانيق، وهي تضرب في البلد ليلا ونهارا، ولا سيما على برج عين البقر، حتى أثرت به أثرا بينا، وشرعوا في ردم الخندق بما أمكنهم من دواب ميتة، ومن قتل منهم، ومن مات أيضا ردموا به، وكان أهل البلد يلقون ما ألقوه فيه إلى البحر. وتلقى ملك الانكليز بطشة عظيمة للمسلمين قد أقبلت من بيروت مشحونة بالأمتعة والأسلحة فأخذها، وكان واقفا في البحر في أربعين مركبا لا يترك شيئا يصل إلى البلد بالكلية، وكان بالبطشة ستمائة (١) من المقاتلين الصناديد الابطال، فهلكوا عن آخرهم ﵏. فإنه لما أحيط بهم
стр. 4803
وتحققوا إما الغرق أو القتل، خرقوا جوانبها كلها فغرقت، ولم يقدر الفرنج على أخذ شئ منها لا من الميرة ولا من الأسلحة، وحزن المسلمون على هذا المصاب حزنا عظيما، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولكن جبر الله سبحانه هذا البلاء بأن أحرق المسلمون في هذا اليوم دبابة كانت أربع طبقات، الأولى من الخشب، والثانية من رصاص، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، وهي مشرفة على السور والمقاتلة فيها، وقد قلق أهل البلد منها بحيث حدثتهم أنفسهم من خوفهم من شرها بأن يطلبوا الأمان من الفرنج، ويسلموا البلد، ففرج الله عن المسلمين وأمكنهم من حريقها، واتفق لهم ذلك في هذا اليوم الذي غرقت فيه البطشة المذكورة، فأرسل أهل البلد يشكون إلى السلطان شدة الحصار وقوته عليهم، منذ قام ملك الانكليز لعنه الله، ومع هذا قد مرض هو وجرح ملك الافرنسيين أيضا ولا يزيدهم ذلك إلا شدة وغلظة، وعتوا وبغيا، وفارقهم المركيس وسار إلى بلده صور خوفا منهم أن يخرجوا ملكها من يده. وبعث ملك الانكليز إلى السلطان صلاح الدين يذكر له أن عنده جوارح قد جاء بها من البحر، وهو على نية إرسالها إليه، ولكنها قد ضعفت وهو يطلب دجاجا وطيرا لتقوى به، فعرف أنه إنما يطلب ذلك لنفسه يلطفها به، فأرسل إليه شيئا كثيرا من ذلك كرما، ثم أرسل يطلب منه فاكهة وثلجا فأرسل إليه أيضا، فلم يفد معه الاحسان، بل لما عوفي عاد إلى شر مما كان، واشتد الحصار ليلا ونهارا، فأرسل أهل البلد يقولون للسلطان إما أن تعملوا معنا شيئا غدا وإلا طلبنا من الفرنج الصلح والأمان، فشق ذلك على السلطان، وذلك لأنه كان قد بعث إليها أسلحة الشام والديار المصرية وسائر السواحل، وما كان غنمه من وقعة حطين ومن القدس، فهي مشحونة بذلك، فعند ذلك عزم السلطان على الهجوم على العدو، فما أصبح ركب في جيشه فرأى الفرنج قد ركبوا من وراء خندقهم، والرجالة منهم قد ضربوا سورا حول الفرسان، وهم قطعة من حديد صماء لا ينفذ فيهم شئ، فأحجم عنهم لما يعلم من نكول جيشه عما يريده، وتحدوه عليه شجاعته ﵀.
هذا وقد اشتد الحصار على البلد ودخلت الرجالة منهم إلى الخندق وعلقوا بدنة في السور وحشوها وأحرقوها، فسقطت ودخلت الفرنج إلى البلد، فمانعهم المسلمون وقاتلوهم أشد القتال، وقتلوا من رؤوسهم ستة أنفس، فاشتد حنق الفرنج على المسلمين جدا بسبب ذلك، وجاء الليل فحال بين الفريقين، فلما أصبح الصباح خرج أمير المسلمين بالبلد أحمد (١) بن المشطوب فاجتمع بملك الافرنسيين وطلب منهم الأمان على أنفسهم، ويتسلمون منه البلد، فلم يجبهم إلى ذلك، وقال له: بعد ما سقط السور جئت تطلب الأمان؟ فأغلظ له ابن المشطوب في الكلام، ورجع إلى البلد في حالة الله بها عليم، فلما أخبر أهل البلد بما وقع خافوا خوفا شديدا، وأرسلوا إلى السلطان
стр. 4804
يعلمونه بما وقع، فأرسل إليهم أن يسرعوا الخروج من البلد في البحر ولا يتأخروا عن هذه الليلة، ولا يبقى بها مسلم، فتشاغل كثير ممن كان بها لجمع الأمتعة والأسلحة، وتأخروا عن الخروج تلك الليلة، فما أصبح الخبر إلا عند الفرنج من مملوكين صغيرين سمعا بما رسم به السلطان، فهربا إلى قومهما فأخبروهم بذلك، فاحتفظوا على البحر احتفاظا عظيما، فلم يتمكن أحد من أهل البلد أن يتحرك بحركة، ولا خرج منها شئ بالكلية، وهذا المملوكان كانا أسيرين قد أسرهما السلطان من أولاد الفرنج، وعز السلطان على كبس العدو في هذه الليلة، فلم يوافقه الجيش على ذلك، وقالوا لا نخاطر بعسكر المسلمين، فلما أصبح بعث إلى ملوك الفرنج يطلب منهم الأمان لأهل البلد على أن يطلق عدتهم من الاسرى الذين تحت يده من الفرنج، ويزيدهم صليب الصلبوت، فأبوا إلا أن يطلق لهم كل أسير تحت يده، ويطلق لهم جميع البلاد الساحلية التي أخذت منهم، وبيت المقدس، فأبى ذلك، وتردد المراسلات في ذلك، والحصار يتزايد على أسوار البلد. وقد تهدمت منه ثلم كثيرة، وأعاد المسلمون كثيرا منها، وسدوا ثغر تلك الأماكن بنحورهم ﵏، وصبروا صبرا عظيما، وصابروا العدو، ثم كان آخر الامر وصولهم إلى درجة الشهادة، وقد كتبوا إلى السلطان في آخر أمرهم يقولون له: يا مولانا لا تخضع لهؤلاء الملاعين، الذين قد أبوا عليك الإجابة إلى ما دعوتهم فينا، فإنا قد بايعنا الله على الجهاد حتى نقتل عن آخرنا، وبالله المستعان.
فلما كان وقت الظهر في اليوم السابع (١) من جمادى الآخرة من هذه السنة، ما شعر الناس إلا وأعلام الكفار قد ارتفعت، وصلبانهم ونارهم على أسوار البلد، وصاح الفرنج صيحة واحدة، فعظمت عند ذلك المصيبة على المسلمين، واشتد حزن الموحدين، وانحصر كلام الناس في إنا لله وإنا إليه راجعون، وغشى الناس بهتة عظيمة، وحيرة شديدة، ووقع في عسكر السلطان الصياح والعويل، ودخل المركيس لعنه الله وقد عاد إليهم في صور بهدايا فأهداها إلى الملوك، فدخل في هذا اليوم عكا بأربعة أعلام الملوك فنصبها في البلد، واحدا على المأذنة يوم الجمعة، وآخر على القلعة، وآخر على برج الداوية، وآخر على برج القتال، عوضا عن أعلام السلطان، وتحيز المسلمون الذين بها إلى ناحية من البلد معتقلين، محتاط بهم مضيق عليهم، وقد أسروا النساء والأبناء، وغنمت أموالهم، وقيدت الابطال وأهين الرجال، والحرب سجال، والحمد لله على كل حال (٢).
стр. 4805
فعند ذلك أمر السلطان الناس بالتأخر عن هذه المنزلة، وثبت هو مكانه لينظر ماذا يصنعون وما عليه يعولون، والفرنج في البلد مشغولون مدهوشون، ثم سار السلطان إلى العسكر وعنده من الهم ما لا يعلمه إلا الله، وجاءت الملوك الاسلامية، والامراء وكبراء الدولة يعزونه فيما وقع، ويسلونه على ذلك، ثم راسل ملوك الفرنج في خلاص من بأيديهم من الأسارى فطلبوا منه عدتهم من أسراهم ومائة ألف دينار، وصليب الصلبوت إن كان باقيا، فأرسل فأحضر المال والصليب، ولم يتهيأ له من الأسارى إلا ستمائة أسير، فطلب الفرنج منه أن يريهم الصليب من بعيد، فلما رفع سجدوا له وألقوا أنفسهم إلى الأرض، وبعثوا يطلبون منه ما أحضره من المال والأسارى، فامتنع إلا أن يرسلوا إليه الأسارى أو يبعثوا له برهائن على ذلك، فقالوا: لا ولكن أرسل لنا ذلك وارض بأمانتنا، فعرف أنهم يريدون الغدر والمكر، فلم يرسل إليهم شيئا من ذلك، وأمر برد الأسارى إلى أهليهم بدمشق، ورد الصليب إلى دمشق مهانا، وأبرزت الفرنج خيامهم إلى ظاهر البلد وأحضروا ثلاثة آلاف من المسلمين فأوقفوهم بعد العصر وحملوا عليهم حملة رجل واحد فقتلوهم عن آخرهم في صعيد واحد، ﵏ وأكرم مثواهم، ولم يستبقوا بأيديهم من المسلمين إلا أميرا أو صبيا، أو من يرونه في عملهم قويا أو امرأة. وجرى الذي كان، وقضي الامر الذي فيه تستفتيان. وكان مدة إقامة صلاح الدين على عكا صابرا مصابرا مرابطا سبعة وثلاثين شهرا، وجملة من قتل من الفرنج خمسين ألفا.
فصل فيما حدث بعد أخذ الفرنج عكا
ساروا برمتهم قاصدين عسقلان، والسلطان بجيشه يسايرهم ويعارضهم منزلة منزلة والمسلمون يتخطفونهم ويسلبونهم في كل مكان، وكل أسير أتي به إلى السلطان يأمر بقتله في مكانه، وجرت خطوب بين الجيشين، ووقعات متعددات، ثم طلب ملك الانكليز، يجتمع بالملك العادل أخي السلطان يطلب منه الصلح والأمان، على أن يعاد لأهلها بلاد السواحل، فقال له العادل: إن دون ذلك قتل كل فارس منكم وراجل، فغضب اللعين ونهض من عنده غضبان، ثم اجتمعت الفرنج على حرب السلطان عند غابة أرسوف، فكانت النصرة للمسلمين، فقتل من الفرنج عند غابة أرسوف ألوف بعد ألوف، وقتل من المسلمين خلق كثير أيضا، وقد كان الجيش فر عن السلطان في أول الوقعة، ولم يبق معه سوى سبعة عشر مقاتلا، وهو ثابت صابر، والكؤسات لا تفتر، والاعلام منشورة، ثم تراجع الناس فكانت النصرة للمسلمين، ثم تقدم السلطان بعساكره فنزل ظاهر عسقلان، فأشار ذوو الرأي على السلطان بتخريب عسقلان خشية أن يتملكها الكفار، ويجعلونها وسيلة إلى أخذ بيت المقدس، أو يجري عندها من الحرب والقتال نظير ما كان عند عكا، أو أشد، فبات السلطان ليلته مفكرا في ذلك، فلما أصبح وقد أوقع الله في قلبه أن خرابها هو المصلحة،
стр. 4806
فذكر ذلك لمن حضره، وقال لهم والله لموت جميع أولادي أهون علي من تخريب حجر واحد منها، ولكن إذا كان خرابها فيه مصلحة للمسلمين فلا بأس به، ثم طلب الولاة وأمرهم بتخريب البلد سريعا، قبل وصول العدو إليها، فشرع الناس في خرابه، وأهله ومن حضره يتباكون على حسنه وطيب مقيله، وكثرة زروعه وثماره، ونضارة أنهاره وأزهاره، وكثرة رخامه وحسن بنائه. وألقيت النار في سقوفه وأتلف ما فيه من الغلات التي لا يمكن تحويلها، ولا نقلها، ولم يزل الخراب والحريق فيه من جمادى الآخرة إلى سلخ شعبان من هذه السنة.
ثم رحل السلطان منها في ثاني رمضان وقد تركها قاعا صفصفا ليس فيها معلمة لاحد، ثم اجتاز بالرملة فخرب حصنها وخرب كنيسة لد، وزار بيت المقدس وعاد إلى المخيم سريعا، وبعث ملك الانكليز إلى السلطان إن الامر قد طال وهلك الفرنج والمسلمون، وإنما مقصودنا ثلاثة أشياء لا سواها: رد الصليب وبلاد الساحل وبيت المقدس، لا نرجع عن هذه الثلاثة ومنا عين تطرف، فأرسل إليه السلطان أشد جواب، وأسد مقال (١)، فعزمت الفرنج على قصد بيت المقدس، فتقدم السلطان بجيشه إلى القدس وسكن في دار القساقس قريبا من قمامة، في ذي القعدة، وشرع في تحصين البلد، وتعميق خنادقه، وعمل فيه بنفسه وأولاده، وعمل فيه الامراء والقضاة والعلماء والصالحون، وكان وقتا مشهودا، واليزك حول البلد من ناحية الفرنج وفي كل وقت يستظهرون على الفرنج ويقتلون ويأسرون ويغنمون، ولله الحمد والمنة. وانقضت هذه السنة والامر على ذلك. وفيها على ما ذكره العماد تولى القضاء محيي الدين محمد بن الزكي بدمشق. وفيها عدى أمير مكة داود بن عيسى بن فليتة بن هاشم بن محمد بن أبي هاشم الحسني، فأخذ أموال الكعبة حتى انتزع طوقا من فضة كان على دائرة الحجر الأسود، كان قد لم شعثه حين ضربه ذلك القرمطي بالدبوس، فلما بلغ السلطان خبره من الحجيج عزله وولى أخاه بكيرا، ونقض القلعة التي كان بناها أخوه على أبي قبيس، وأقام داود بنخلة حتى توفي بها سنة سبع وثمانين.
وفيها توفي من الأعيان …
стр. 4807
الملك المظفر
تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، كان عزيزا على عمه صلاح الدين، استنابه بمصر وغيرها من البلاد، ثم أقطعه حماه ومدنا كثيرة حولها في بلاد الجزيرة، وكان مع عمه السلطان على عكا، ثم استأذنه أن يذهب ليشرف على بلاده المجاورة للجزيرة والفرات، فلما صار إليها اشتغل بها وامتدت عينه إلى أخذ غيرها من أيدي الملوك المجاورين له، فقاتلهم فاتفق موته وهو كذلك، والسلطان عمه غضبان عليه بسبب اشتغاله بذلك عنه، وحملت جنازته حتى دفنت بحماه، وله مدرسة هناك هائلة كبيرة، وكذلك له بدمشق مدرسة مشهورة، وعليها أوقاف كثيرة، وقد أقام بالملك بعده ولده المنصور ناصر الدين محمد، فأقره صلاح الدين على ذلك بعد جهد جهيد، ووعد ووعيد، ولولا السلطان العادل أخو صلاح الدين تشفع فيه لما أقره في مكان أبيه، ولكن سلم الله، توفي يوم الجمعة تاسع عشر رمضان من هذه السنة، وكان شجاعا فاتكا.
الأمير حسام الدين محمد بن عمر بن لاشين (١)
أمه ست الشام بنت أيوب، واقفة الشاميتين بدمشق، توفي ليلة الجمعة تاسع عشر رمضان أيضا ففجع السلطان بابن أخيه وابن أخته في ليلة واحدة، وقد كانا من أكبر أعوانه، ودفن بالتربة الحسامية، وهي التي أنشأتها أمه بمحلة العونية، وهي الشامية البرانية.
الأمير علم الدين سليمان بن حيدر الحلبي
كان من أكابر الدولة الصلاحية، وفي خدمة السلطان حيث كان، وهو الذي أشار على السلطان بتخريب عسقلان، واتفق مرضه بالقدس فاستأذن في أن يمرض بدمشق، فأذن له، فسار منها فلما وصل إلى غباغب مات بها في أواخر ذي الحجة. وفي رجب منها توفي الأمير الكبير نائب دمشق:
الصفي بن الفائض (٢)
وكان من أكبر أصحاب السلطان قبل الملك، ثم استنابه على دمشق حتى توفي بها في هذه السنة. وفي ربيع الأول توفي …
стр. 4808
الطبيب الماهر أسعد بن المطران
وقد شرف بالاسلام، وشكره على طبه الخاص والعام.
الجيوشاتي الشيخ نجم الدين
الذي بنى تربة الشافعي بمصر بأمر السلطان صلاح الدين، ووقف عليها أوقافا سنية، وولاه تدريسها ونظرها، وقد كان السلطان يحترمه ويكرمه، وقد ذكرته في طبقات الشافعية، وما صنفه في المذهب من شرح الوسيط وغيره، ولما توفي الجيوشاتي طلب التدريس جماعة فشفع الملك العادل عند أخيه في شيخ الشيوخ أبي الحسن محمد بن حمويه، فولاه إياه، ثم عزله عنها بعد موته السلطان، واستمرت عليه أيدي بني السلطان واحدا بعد واحد، ثم عادت إليها الفقهاء والمدرسون بعد ذلك.
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة
استهلت والسلطان صلاح الدين مخيم بالقدس، وقد قسم السور بين أولاده وأمرائه، وهو يعمل فيه بنفسه، ويحمل الحجر بين القربوسيين وبينه، والناس يقتدون بهم، والفقهاء والقراء يعملون، والفرنج لعنهم الله حول البلد من ناحية عسقلان وما والاها، لا يتجاسرون أن يقربوا البلد من الحرس واليزك الذين حول القدس، إلا أنهم على نية محاصرة القدس مصممون، ولكيد الاسلام مجمعون، وهم والحرس تارة يغلبون وتارة يغلبون، وتارة ينهبون وتارة ينهبون. وفي ربيع الآخر وصل إلى السلطان الأمير سيف الدين المشطوب من الأسر، وكان نائبا على عكا حين أخذت، فافتدى نفسه منهم بخمسين ألف دينار، فأعطاه السلطان شيئا كثيرا منها، واستنابه على مدينة نابلس، فتوفي بها في شوال من هذه السنة. وفي ربيع الآخر قتل المركيس صاحب صور لعنه الله، أرسل إليه ملك الانكليز اثنين من الفداوية فقتلوه: أظهرا التنصر ولزما الكنيسة حتى ظفرا به فقتلاه وقتلا أيضا، فاستناب ملك الانكليز عليها ابن أخيه بلام الكندهر، وهو ابن أخت ملك الافرنسيين لأبيه، فهما خالاه، ولما صار إلى صور بنى بزوجة المركيس بعد موته بليلة واحدة، وهي حبلى أيضا، وذلك لشدة العداوة التي كانت بين الانكليز وبينه، وقد كان السلطان صلاح الدين يبغضهما، ولكن المركيس كان قد صانعه بعض الشئ فلم يهن عليه قتله.
وفي تاسع جمادى الأولى استولى الفرنج لعنهم الله على قلعة الداروم فخربوها، وقتلوا خلقا كثيرا من أهلها، وأسروا طائفة من الذرية، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ثم أقبلوا جملة نحو القدس فبرز إليهم السلطان في حزب الايمان، فلما تراءى الجمعان نكص حزب الشيطان راجعين، فرارا من القتال والنزال، وعاد السلطان إلى القدس. (وقد رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا،
стр. 4809
وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) [الأحزاب: ٢٥].
ثم إن ملك الانكليز لعنه الله - وهو أكبر ملوك الفرنج ذلك الحين - ظفر ببعض فلول المسلمين فكبسهم ليلا فقتل منهم خلقا كثيرا، وأسر منهم خمسمائة أسير، وغنم منهم شيئا كثيرا من الأموال والجمال، والخيل والبغال، وكان جملة الجمال ثلاثة آلاف بعير (١)، فتقوى الفرنج بذلك، وساء ذلك السلطان مساءة عظيمة جدا، وخاف من غائلة ذلك، واستخدم الانكليز الجمالة على الجمال، والخربندية على البغال، والسياس على الخيل، وأقبل وقد قويت نفسه جدا، وصمم على محاصرة القدس، وأرسل إلى ملوك الفرنج الذين بالساحل، فاستحضرهم ومن معهم من المقاتلة، فتعبأ السلطان لهم وتهيأ، وأكمل السور وعمر الخنادق، ونصب المنجانيق، وأمر بتغوير ما حول القدس من المياه، وأحضر السلطان أمراءه ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة: أبا الهيجاء، المبسمين (٢)، والمشطوب، والأسدية، فاستشارهم فيما قد دهمه من هذا الامر الفظيع، الموجع المؤلم، فأفاضوا في ذلك، وأشاروا كل برأيه، وأشار العماد الكاتب بأن يتحالفوا على الموت عند الصخرة، كما كان الصحابة يفعلون، فأجابوا إلى ذلك. هذا كله والسلطان ساكت واجم مفكر، فسكت القوم كأنما على رؤوسهم الطير، ثم قال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: اعلموا أنكم جند الاسلام اليوم ومنعته، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم في ذممكم معلقة، والله سائلكم يوم القيامة عنهم، وأن هذا العدو ليس له من المسلمين من يلقاه عن العباد والبلاد غيركم، فإن وليتم والعياذ بالله طوى البلاد وأهلك العباد، وأخذ الأموال والأطفال والنساء، وعبد الصليب في المساجد، وعزل القرآن منها والصلاة، وكان ذلك كله في ذممكم، فإنكم أنتم الذين تصديتهم لهذا كله، وأكلتم بيت مال المسلمين لتدفعوا عنهم عدوهم، وتنصروا ضعيفهم، فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم والسلام.
فانتدب لجوابه سيف الدين المشطوب وقال: يا مولانا نحن مماليكك وعبيدك، وأنت الذي أعطيتنا وكبرتنا وعظمتنا، وليس لنا إلا رقابنا ونحن بين يديك، والله ما يرجع أحد منا عن نصرك حتى يموت. فقال الجماعة مثل ما قال، ففرح السلطان بذلك وطاب قلبه، ومد لهم سماطا حافلا، وانصرفوا من بين يديه على ذلك. ثم بلغه بعد ذلك أن بعض الامراء قال: إنا نخاف أن يجري علينا في هذا البلد مثل ما جرى على أهل عكا، ثم يأخذون بلاد الاسلام بلدا بلدا، والمصلحة أن نلتقيهم بظاهر البلد، فإن هزمناهم أخذنا بقية بلادهم، وإن تكن الأخرى سلم العسكر ومضى بحاله، ويأخذون القدس ونحفظ بقيه بلاد الاسلام بدون القدس مدة طويلة، وبعثوا إلى السلطان يقولون
стр. 4810
له: إن كنت تريدنا نقيم بالقدس تحت حصار الفرنج، فكن أنت معنا أو بعض أهلك، حتى يكون الجيش تحت أمرك فإن الأكراد لا تطيع الترك، والترك لا تطيع الأكراد. فلما بلغه ذلك شق عليه مشقة عظيمة، وبات ليلته أجمع مهموما كئيبا يفكر فيما قالوا، ثم انجلى الامر واتفق الحال على أن يكون الملك الأمجد صاحب بعلبك مقيما عندهم نائبا عنه بالقدس، وكان ذلك نهار الجمعة، فلما حضر إلى صلاة الجمعة وأذن المؤذن للظهر قام فصلى ركعتين بين الأذانين، وسجد وابتهل إلى الله تعالى ابتهالا عظيما، وتضرع إلى ربه، وتمسكن وسأله فيما بينه وبينه كشف هذه الضائقة العظيمة.
فلما كان يوم السبت من الغد جاءت الكتب من الحرس الذين حول البلد بأن الفرنج قد اختلفوا فيما بينهم، فقال ملك الافرنسيين إنا إنما جئنا من البلاد البعيدة وأنفقنا الأموال العديدة في تخليص بين المقدس ورده إلينا، وقد بقي بيننا وبينه مرحلة، فقال الانكليز إن هذا البلد شق علينا حصاره، لأن المياه حوله قد عدمت، وإلى أن يأتينا الماء من المشقة البعية يعطل الحصار، ويتلف الجيش، ثم اتفق الحال بينهم على أن حكموا منهم عليهم ثلاثمائة منهم، فردوا أمرهم إلى أنثى عشر منهم، فردوا أمرهم إلى ثلاثة منهم، فباتوا ليلتهم ينظرون ثم أصبحوا وقد حكموا عليهم بالرحيل، فلم يمكنهم مخالفتهم فسحبوا راجعين لعنهم الله أجمعين، فساروا حتى نزلوا على الرملة وقد طالت عليهم الغربة والزملة، وذلك في بكرة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، وبرز السلطان بجيشه إلى خارج القدس، وسار نحوهم خوفا أن يسيروا إلى مصر، لكثرة ما معهم من الظهر والأموال، وكان الانكليز يلهج بذلك كثيرا، فخذلهم الله عن ذلك، وترددت الرسل من الانكليز إلى السلطان في طلب الأمان ووضع الحرب بينه وبينهم ثلاث سنين، وعلى أن يعيد لهم عسقلان ويهب له كنيسة بيت المقدس وهي القمامة، وأن يمكن النصارى من زيارتها وحجها بلا شئ، فامتنع السلطان من إعادة عسقلان وأطلق لهم قمامة، وفرض على الزوار مالا يؤخذ من كل منهم، فامتنع الانكليز إلا أن تعادلهم عسقلان، ويعمر سورها كما كانت، فصمم السلطان على عدم الإجابة. ثم ركب السلطان حتى وافى يافا فحاصرها حصارا شديدا، فافتتحها وأخذوا الأمان لكبيرها وصغيرها، فبينما هم كذلك إذ أشرفت عليهم مراكب الانكليز على وجه البحر، فقويت رؤوسهم واستعصت نفوسهم فهجم اللعين فاستعاد البلد وقتل من تأخر بها من المسلمين صبرا بين يديه، وتقهقر السلطان عن منزلة الحصار إلى ما وراءها خوفا على الجيش من معرة الفرنج، فجعل ملك الانكليز يتعجب من شدة سطوة السلطان، وكيف فتح مثل هذا البلد العظيم في يومين، وغيره لا يمكنه فتحه في عامين، ولكن ما ظننت أنه مع شهامته وصرامته يتأخر من منزلته بمجرد قدومي، وأنا ومن معي لم نخرج من البحر إلا جرائد بلا سلاح، ثم ألح في طلب الصلح وأن تكون عسقلان داخلة في صلحهم، فامتنع السلطان، ثم إن السلطان كبس في تلك الليالي الانكليز وهو في سبعة عشر مقاتلا، وحوله قليل من الرجالة فأكب بجيشه حوله وحصره حصرا لم يبق معه نجاة، لو صمم معه الجيش، ولكنهم نكلوا
стр. 4811
كلهم عن الحملة، فلا قوة إلا بالله، وجعل السلطان يحرضهم غاية التحريض، فكلهم يمتنع كما
يمتنع المريض من شرب الدواء.
هذا وملك الانكليز قد ركب في أصحابه وأخذ عدة قتاله، وأهبة نزاله، واستعرض الميمنة إلى آخر الميسرة، يعني ميمنة المسلمين وميسرتهم، فلم يتقدم إليه أحد من الفرسان، ولا نهره بطل من الشجعان، فعند ذلك كر السلطان راجعا، وقد أحزنه أنه لم ير من الجيش مطيعا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولو أن له بهم قوة لما ترك أحدا منهم يتناول من بيت المال فلسا. ثم حصل لملك الانكليز بعد ذلك مرض شديد، فبعث إلى السلطان يطلب فاكهة وثلجا فأمده بذلك من باب الكرم، ثم عوفي لعنه الله وتكررت الرسل منه يطلب من السلطان المصالحة لكثرة شوقه إلى أولاده وبلاده (١)، وطاوع السلطان على ما يقول وترك طلب عسقلان، ورضي بما رسم به السلطان، وكتب كتاب الصلح بينهما في سابع عشر شعبان، وأكدت العهود والمواثيق من كل ملك من ملوكهم، وحلف الامراء من المسلمين وكتبوا خطوطهم، واكتفى من السلطان بالقول المجرد كما جرت به عادة السلاطين، وفرح كل من الفريقين فرحا شديدا، وأظهروا سرورا كثيرا، ووقعت الهدنة على وضع الحرب ثلاث (٢) سنين وستة أشهر، وعلى أن يقرهم على ما بأيديهم من البلاد الساحلية، وللمسلمين ما يقابلها من البلاد الجبلية، وما بينهما من المعاملات تقسم على المناصفة، وأرسل السلطان مائة نقاب صحبة أمير لتخريب سور عسقلان وإخراج من بها من الفرنج.
وعاد السلطان إلى القدس فرتب أحواله ووطدها، وسدد أموره وأكدها، وزاد وقف المدرسة سوقا بدكاكينها وأرضا ببساتينها، وزاد وقف الصوفية، وعزم على الحج عامه ذلك، فكتب إلى الحجاز واليمن ومصر والشام ليعلموا بذلك، ويتأهبوا له، فكتب إليه القاضي الفاضل ينهاه عن ذلك خوفا على البلاد من استيلاء الفرنج عليها، ومن كثرة المظالم بها، وفساد الناس والعسكر وقلة نصحهم وأن النظر في أحوال المسلمين خير لك عامك هذا، والعدو مخيم بعد بالشام، وأنت تعلم أنهم يهادنون ليتقووا ويكثروا، ثم يمكروا ويغدروا، فسمع السلطان منه وشكر نصحه وترك ما عزم عليه وكتب به إلى سائر الممالك، واستمر مقيما بالقدس جميع شهر رمضان في صيام وصلاة وقرآن،
стр. 4812
وكلما وفد أحد من رؤساء الفرنج للزيارة فعل معه غاية الاكرام، تأليفا لقلوبهم، ولم يبق أحد من ملوكهم إلا جاء لزيارة القمامة متنكرا، ويحضر سماط السلطان فيمن حضر من جمهورهم، بحيث لا يرى. والسلطان لا يعلم ذلك جملة ولا تفصيلا، ولهذا كان يعاملهم بالاكرام، ويريهم صفحا جميلا، وبرأ جزيلا.
فلما كان في خامس شوال ركب السلطان في العساكر فبرز من القدس قاصدا دمشق، واستناب على القدس عز الدين جورديك، وعلى قضائها بهاء الدين بن يوسف بن رافع بن تميم الشافعي، فاجتاز على وادي الجيب وبات على بركة الداوية، ثم أصبح في نابلس فنظر في أحوالها، ثم ترحل عنها، فجعل يمر بالقلاع والحصون والبلدان فينظر في أحوالها ويكشف المظالم عنها، وفي أثناء الطريق جاء إلى خدمته بيمند صاحب أنطاكية فأكرمه وأحسن إليه، وأطلق له أموالا جزيلة وخلعا، وكان العماد الكاتب في صحبته، فأخبر عن منازله منزلة منزلة إلى أن قال: وعبر يوم الاثنين عين الحر إلى مرج بيوس، وقد زال البوس، وهناك وفد عليه أعيان دمشق وأماثلها، ونزل يوم الثلاثاء على العرادة، وجاءه هناك التحف والمتلقون على العادة، وأصبحنا يوم الأربعاء سادس عشر (١) شوال بكرة بجنة دمشق داخلين، بسلام آمنين، وكانت غيبة السلطان عنها أربع سنين، فأخرجت دمشق أثقالها، وأبرزت نساءها وأطفالها ورجالها، وكان يوم الزينة، وخرج أكثر أهل المدينة، واجتمع أولاده الكبار والصغار، وقدم عليه رسل الملوك من سائر الأمصار، وأقام بقية عامه في اقتناص الصيد وحضور دار العدل، والعمل بالاحسان والفضل. ولما كان عيد الأضحى امتدحه بعض الشعراء بقصيدة يقول فيها:
وأبيها لولا تغزل عينها … لما قلت في التغزل شعرا
ولكانت مدائح الملك الناصر … وإلى ما فيه أعمل فكرا
ملك طبق الممالك بالعدل … مثلما أوسع البرية برا
فيحل الأعياد صوما وفطرا … ويلقى الهنا برا وبحرا
يأمر بالطاعات لله إن … أضحى مليك على المناهي مصرا
نلت ما تسعى من الدين والدنيا … فتيها على الملوك وفخرا
قد جمعت المجدين أصلا وفرعا … وملكت الدارين دنيا وأخرى
ومما وقع في هذه السنة من الحوادث غزوة عظيمة بين صاحب غزنة شهاب الدين ملكها السبكتكيني وبين ملك الهند وأصحابه الذين كانوا قد كسروه في سنة ثلاث وثمانين، فأظفره الله بهم
стр. 4813
هذه السنة، فكسرهم وقتل خلقا منهم وأسر خلقا، وكان من جملة من أسره ملكهم الأعظم، وثمانية عشر فيلا، من جملتها الذي كان جرحه، ثم أحضر الملك بين يديه فأهانه ولم يكرمه، واستحوذ على حصنه وأخبر بما فيه من كل جليل وحقير، ثم قتله بعد ذلك، وعاد إلى غزنة مؤيدا منصورا، مسرورا محبورا.
وفيها اتهم أمير الحج ببغداد وهو طاشتكين، وقد كان على إمرة الحج من مدة عشرين سنة، وكان في غاية حسن السيرة، واتهم بأنه يكاتب صلاح الدين بن أيوب في أخذ بغداد، فإنه ليس بينه وبينها أحد يمانعه عنها، وقد كان مكذوبا عليه، ومع هذا أهين وحبس وصودر.
فصل
وممن توفي فيها من الأعيان القاضي شمس الدين.
محمد بن محمد بن موسى
المعروب بابن الفراش، كان قاضي العساكر بدمشق، ويرسله السلطان إلى ملوك الآفاق، ومات بملطية.
سيد الدين علي بن أحمد المشطوب
كان من أصحاب أسد الدين شيركوه، حضر معه الوقعات الثلاث بمصر، ثم صار من كبراء أمراء صلاح الدين، وهو الذي كان نائبا على عكا لما أخذوها الفرنج، فأسروه في جملة من أسروا فافتدى نفسه بخمسين ألف دينار، وجاء إلى السلطان وهو بالقدس فأعطاه أكثرها، وولاه نابلس. توفي يوم الأحد (١) ثالث وعشرين شوال بالقدس، ودفن في داره.
صاحب بلاد الروم عز الدين قلج أرسلان بن مسعود
ابن قلج أرسلان، وكان قد قسم جميع بلاده بين أولاده، طمعا في طاعتهم له، فخالفوه وتجبروا وعتوا عليه، وخفضوا قدره وارتفعوا، ولم يزل كذلك حتى توفي في عامه هذا. وفي ربيع الآخر توفي الشاعر أبو المرهف.
стр. 4814
نصر بن منصور النميري
سمع الحديث واشتغل بالأدب، أصابه جدري وهو ابن أربع عشرة سنة (١) فنقص بصره جدا، وكان لا يبصر الأشياء البعيدة، ويرى القريب منه، ولكن كان لا يحتاج إلى قائد، فارتحل إلى العراق لمداواة عينيه فآيسته الأطباء من ذلك، فاشتغل بحفظ القرآن ومصاحبة الصالحين فأفلح، وله ديوان شعر كبير حسن، وقد سئل مرة عن مذهبه واعتقاده فأنشأ يقول:
أحب عليا والبتول وولدها … ولا أجحد الشيخين فضل التقدم
وأبرأ ممن نال عثمان بالأذى … كما أتبرا من ولاء ابن ملجم
ويعجبني أهل الحديث لصدقهم … فلست إلى قوم سواهم بمنتمي
توفي ببغداد ودفن بمقابر الشهداء بباب حرب رحمه الله تعالى.
بحمد الله تعالى قد تم الجزء الثاني عشر من البداية والنهاية للعلامة ابن كثير ويليه الجزء الثالث عشر وأوله سنة تسع وثمانين وخمسمائة هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التحية
стр. 4815
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ثم دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة
فيها كانت وفاة السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله تعالى. استهلت هذه السنة وهو في غاية الصحة والسلامة، وخرج هو وأخوه العادل إلى الصيد شرقي دمشق، وقد اتفق الحال بينه وبين أخيه أنه بعد ما يفرغ من أمر الفرنج يسير هو إلى بلاد الروم، ويبعث أخاه إلى بغداد، فإذا فرغا من شأنهما سارا جميعا إلى بلاد آذربيجان، بلاد العجم، فإنه ليس دونها أحد يمانع عنها، فلما قدم الحجيج في يوم الاثنين حادي عشر صفر خرج السلطان لتلقيهم، وكان معه ابن أخيه سيف الاسلام، صاحب اليمن، فأكرمه والتزمه، وعاد إلى القلعة فدخلها من باب الجديد، فكان ذلك آخر ما ركب في هذه الدنيا، ثم إنه اعتراه حمى صفراوية ليلة السبت سادس عشر صفر، فلما أصبح دخل عليه القاضي الفاضل وابن شداد وابنه الأفضل، فأخذ يشكو إليهم كثرة قلقه البارحة، وطاب له الحديث، وطال مجلسهم عنده، ثم تزايد به المرض واستمر، وقصده الأطباء في اليوم الرابع، ثم اعتراه يبس وحصل له عرق شديد بحيث نفذ إلى الأرض، ثم قوي اليبس فأحضر الامراء الأكابر فبويع لولده الأفضل نور الدين علي، وكان نائبا على دمشق، وذلك عندما ظهرت مخايل الضعف الشديد، وغيبوبة الذهن في بعض الأوقات، وكان الذين يدخلون عليه في هذه الحال الفاضل وابن شداد وقاضي البلد ابن الزكي، ثم اشتد به الحال ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر، واستدعى الشيخ أبا جعفر إمام الكلاسة ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقنه الشهادة إذا جد به الامر، فذكر أنه كان يقرأ عنده وهو في الغمرات فقرأ (هو الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة) [الحشر: ٢٢] فقال: وهو كذلك صحيح. فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه وهو في آخر رمق، فلما قرأ القارئ (لا إله إلا هو عليه توكلت) [التوبة: ١٢٩] تبسم وتهلل وجهه وأسلم روحه إلى ربه
стр. 4816
سبحانه، ومات ﵀، وأكرم مثواه، وجعل جنات الفردوس مأواه، وكان له من العمر سبع وخمسون سنه، لأنه ولد بتكريت في شهور سنة، سنه ثنتين وثلاثين وخمسمائة، ﵀، فقد كان ردءا للاسلام وحرزا وكهفا من كيد الكفرة اللئام، وذلك بتوفيق الله له، وكان أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه، وود كل منهم لو فداه بأولاده وأحبائه وأصحابه، وقد غلقت الأسواق واحتفظ على الحواصل، ثم أخذوا في تجهيزه، وحضر جميع أولاده وأهله، وكان الذي تولى غسله خطيب البلد الفقيه الدولعي (١)، وكان الذي أحضر الكفن ومؤنة التجهيز القاضي الفاضل من صلب ماله الحلال، هذا وأولاده الكبار والصغار يتباكون وينادون، وأخذ الناس في العويل والانتحاب والدعاء له والابتهال، ثم أبرز جسمه في نعشه في تابوت بعد صلاة الظهر، وأم الناس عليه القاضي ابن الزكي ثم دفن في داره بالقلعة المنصورة، ثم شرع ابنه في بناء تربة له ومدرسة للشافعية بالقرب من مسجد القدم، لوصيته بذلك قديما، فلم يكمل بناؤها، وذلك حين قدم ولده العزيز وكان محاصرا لأخيه الأفضل كما سيأتي بيانه، في سنة تسعين وخمسمائة، ثم اشترى له الأفضل دارا شمالي الكلاسة في وزان ما زاده القاضي الفاضل في الكلاسة، فجعلها تربة، هطلت سحائب الرحمة عليها، ووصلت ألطاف الرأفة إليها. وكان نقله إليها في يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين، وصلى عليه تحت النسر قاضي القضاة محمد بن علي القرابي ابن الزكي، عن إذن الأفضل، ودخل في لحده ولده الأفضل فدفنه بنفسه، وهو يومئذ سلطان الشام، ويقال إنه دفن معه سيفه الذي كان يحضر به الجهاد، وذلك عن أمر القاضي الفاضل، وتفاءلوا بأنه يكون معه يوم القيامة يتوكأ عليه، حتى يدخل الجنة إن شاء الله. ثم عمل عزاؤه بالجامع الأموي ثلاثة أيام، يحضره الخاص والعام، والرعية والحكام، وقد عمل الشعراء فيه مراثي كثيرة من أحسنها ما عمله العماد الكاتب في آخر كتابه البرق السامي، وهي مائتا بيت واثنان، وقد سردها الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الروضتين، منها قوله:
شمل الهدى والملك عم شتاته … والدهر ساء وأقلعت حسناته
أين الذي مذ لم يزل مخشية … مرجوة رهباته وهباته؟
أين الذي كانت له طاعاتنا … مبذولة ولربه طاعاته؟
بالله أين الناصر الملك الذي … لله خالصة صفت نياته؟
أين الذي ما زال سلطانا لنا … يرجى نداه وتتقى سطواته؟
أين الذي شرف الزمان بفضله … وسمت على الفضلاء تشريفاته؟
أين الذي عنت الفرنج لبأسه … ذلا، ومنها أدركت ثاراته؟
أغلال أعناق العدا أسيافه … أطواق أجياد الورى مناته
стр. 4817
من للعلى من للذري من للهدى … يحميه؟ من للبأس من للنائل؟
طلب البقاء لملكه في آجل … إذ لم يثق ببقاء ملك عاجل
بحر أعاد البر بحرا بره … وبسيفه فتحت بلاد الساحل
من كان أهل الحق في أيامه … وبعزه يردون أهل الباطل
وفتوحه والقدس من أبكارها … أبقت له فضلا بغير مساجل
ما كنت أستسقي لقبرك وابلا … ورأيت جودك مخجلا للوابل
فسقاك رضوان الاله لأنني … لا أرتضي سقيا الغمام الهاطل
تركته وشئ من ترجمته
قال العماد وغيره: لم يترك في خزانته من الذهب سوى جرم واحد - أي دينار واحد - صوريا وستة وثلاثين درهما. وقال غيره: سبعة وأربعين درهما (١)، ولم يترك دارا ولا عقارا ولا مزرعة ولا بستانا، ولا شيئا من أنواع الأملاك. هذا وله من الأولاد سبعة عشر ذكرا وابنة واحدة، وتوفي له في حياته غيرهم، والذين تأخروا بعده ستة عشر ذكرا أكبرهم الملك الأفضل نور الدين علي، ولد بمصر سنة خمس وستين ليلة عيد الفطر، ثم العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان ولد بمصر أيضا في جمادى الأولى سنة سبع وستين، ثم الظافر مظفر الدين أبو العباس الخضر، ولد بمصر في شعبان سنة ثمان وستين، وهو شقيق الأفضل، ثم الظاهر غياث الدين أبو منصور غازي، ولد بمصر في نصف رمضان سنة ثمان وستين، ثم العزيز فتح الدين أبو يعقوب إسحاق، ولد بدمشق في ربيع الأول سنة سبعين. ثم نجم الدين أبو الفتح مسعود، ولد بدمشق سنة إحدى وسبعين وهو شقيق العزيز، ثم الأغر شرف الدين أبو يوسف يعقوب، ولد بمصر سنة ثنتين وسبعين، وهو شقيق العزيز أيضا، ثم الزاهر مجير الدين أبو سليمان داود، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين وهو شقيق الظاهر، ثم أبو الفضل قطب الدين موسى، وهو شقيق الأفضل، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين أيضا، ثم لقب بالمظفر أيضا، ثم الأشرف معز الدين أبو عبد الله محمد، ولد بالشام سنة خمس وسبعين، ثم المحسن ظهير الدين أبو العباس أحمد ولد بمصر سنة سبع وسبعين، وهو شقيق الذي قبله، ثم المعظم فخر الدين أبو منصور توران شاه ولد بمصر في ربيع الأول سنة سبع وسبعين، وتأخرت وفاته إلى سنة ثمان وخمسين وستمائة، ثم الجوال ركن الدين أبو سعيد أيوب ولد سنة ثمان وسبعين، وهو شقيق للمعز، ثم الغالب نصير الدين أبو الفتح ملك شاه، ولد في رجب سنة ثمان وسبعين وهو شقيق المعظم، ثم المنصور أبو بكر أخو المعظم لأبويه، ولد بحران بعد وفاة
стр. 4818
السلطان، ثم عماد الدين شادي لام ولد، ونصير الدين مروان لام ولد أيضا. وأما البنت فهي مؤنسة خاتون تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب رحمهم الله تعالى. وإنما لم يخلف أموالا ولا أملاكا لجوده وكرمه وإحسانه إلى أمرائه وغيرهم، حتى إلى أعدائه، وقد تقدم من ذلك ما يكفي، وقد كان متقللا في ملبسه، ومأكله ومركبه، وكان لا يلبس إلا القطن والكتان والصوف، ولا يعرف أنه تخطى إلى مكروه، ولا سيما بعد أن أنعم الله عليه بالملك، بل كان همه الأكبر ومقصده الأعظم نصرة الاسلام، وكسر أعدائه اللئام، وكان يعمل رأيه في ذلك وحده، ومع من يثق به ليلا ونهارا، وهذا مع ما لديه من الفضائل والفواضل، والفوائد الفرائد، في اللغة والأدب وأيام الناس، حتى قيل إنه كان يحفظ الحماسة بتمامها، وكان مواظبا على الصلوات في أوقاتها في الجماعة، يقال إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل، حتى ولا في مرض موته، كان يدخل الامام فيصلي به، فكان يتجشم القيام مع ضعفه، وكان يفهم ما يقال بين يديه من البحث والمناظرة، ويشارك في ذلك مشاركة قريبة حسنة، وإن لم يكن بالعبارة المصطلح عليها، وكان قد جمع له القطب النيسابوري عقيدة فكان يحفظها ويحفظها من عقل من أولاده، وكان يحب سماع القرآن والحديث والعلم، ويواظب على سماع الحديث، حتى أنه يسمع في بعض مصافه جزء وهو بين الصفين فكان يتبجح بذلك ويقول هذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثا، وكان ذلك بإشارة العماد الكاتب. وكان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث، وكان كثير التعظيم لشرائع الدين. كان قد صحب ولده الظاهر وهو بحلب شاب يقال له الشهاب السهروردي، وكان يعرف الكيميا وشيئا من الشعبذة والأبواب النيرنجيات، فافتتن به ولد السلطان الظاهر، وقربه وأحبه، وخالف فيه حملة الشرع، فكتب إليه أن يقتله لا محالة، فصلبه عن أمر والده وشهره، ويقال بل حبسه بين حيطين حتى مات كمدا، وذلك في سنة ست وثمانين وخمسمائة، وكان من أشجع الناس وأقواهم بدنا وقلبا، مع ما كان يعتري جسمه من الأمراض والاسقام، ولا سيما في حصار عكا، فإنه كان مع كثرة جموعهم وأمدادهم لا يزيده ذلك إلا قوة وشجاعة، وقد بلغت جموعهم خمسمائة ألف مقاتل، ويقال ستمائة ألف، فقتل منهم مائة ألف مقاتل.
ولما انفصل الحرب وتسلموا عكا وقتلوا من كان بها من المسلمين وساروا برمتهم إلى القدس جعل يسايرهم منزلة منزلة، وجيوشهم أضعاف أضعاف من معه، ومع هذا نصره الله وخذلهم، وسبقهم إلى القدس فصانه وحماه منهم، ولم يزل بجيشه مقيما به يرهبهم ويرعبهم ويغلبهم ويسلبهم حتى تضرعوا إليه وخضعوا لديه، ودخلوا عليه في الصلح، وأن تضع الحرب أوزارها بينهم وبينه، فأجابهم إلى ما سألوا على الوجه الذي أراده، لا على ما يريدونه، وكان ذلك من جملة الرحمة التي رحم الله بها المؤمنين، فإنه ما انقضت تلك السنون حتى ملك البلاد أخوه العادل فعز به المسلمون وذل به الكافرون، وكان سخيا جبيا ضحوك الوجه كثير البشر، لا يتضجر من خير
стр. 4819
يفعله، شديد المصابرة على الخيرات والطاعات، فرحمه الله وقد ذكر الشيخ شهاب الدين أبو شامة طرفا صالحا من سيرته وأيامه، وعدله في سريرته وعلانيته، وأحكامه.
فصل
وكان قد قسم البلاد بين أولاده، فالديار المصرية لولده العزيز عماد الدين أبي الفتح، ودمشق وما حولها لولده الأفضل نور الدين علي، وهم أكبر أولاده، والمملكة الحلبية لولده الظاهر غازي غياث الدين، ولأخيه العادل الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدان كثيرة قاطع الفرات، وحماه ومعاملة أخرى (١) معها للملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر بن أخي السلطان، وحمص والرحبة وغيرها لأسد الدين بن شيركوه بن ناصر الدين بن محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير، نجم الدين أخي أبيه نجم الدين أيوب. واليمن بمعاقله ومخاليفه جميعه في قبضة السلطان ظهير الدين سيف الاسلام طغتكين بن أيوب، أخي السلطان صلاح الدين، وبعلبك وأعمالها للأمجد بهرام شاه بن فروخ شاه، وبصرى وأعمالها للظافر بن الناصر. ثم شرعت الأمور بعد موت صلاح الدين تضطرب وتختلف في جميع هذه الممالك، حتى آل الامر واستقرت الممالك واجتمعت الكلمة على الملك العادل أبي بكر صلاح الدين، وصارت المملكة في أولاده كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى.
وفيها جدد الخليفة الناصر لدين الله خزانة كتب المدرسة النظامية ببغداد، ونقل إليها ألوفا من الكتب الحسنة المثمنة وفي المحرم منها جرت ببغداد كائنة غريبة وهي أن ابنة لرجل من التجار في الطحين عشقت غلام أبيها فلما علم أبوها بأمرها طرد الغلام من داره فواعدته البنت ذات ليلة أن يأتيها فجاء إليها مختفيا فتركته في بعض الدار، فلما جاء أبوها في أثناء الليل أمرته فنزل فقلته، وأمرته بقتل أمها وهي حبلى، وأعطته الجارية حليا بقيمة ألفي دينار، فأصبح أمره عند الشرطة فمسك وقتل قبحه الله، وقد كان سيده من خيار الناس وأكثرهم صدقة وبرا، وكان شابا وضئ الوجه ﵀. وفيها درس بالمدرسة الجديدة عند قبر معروف الكرخي الشيخ أبو علي التويابي وحضر عنده القضاة والأعيان، وعمل بها دعوة حافلة.
وممن توفي فيها من الأعيان …
السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب
ابن شاذي، وقد تقدمت وفاته مبسوطة.
стр. 4820
الأمير بكتمر صاحب خلاط
قتل في هذه السنة (١)، وكان من خيار الملوك وأشجعهم وأحسنهم سيرة ﵀.
الأتابك عز الدين مسعود
ابن مودود بن زنكي، صاحب الموصل نحوا من ثلاث عشرة سنة، من خيار الملوك، كان بنسبه نور الدين الشهيد عمه، ودفن بتربته عند مدرسة أنشأها بالموصل أثابه الله.
جعفر بن محمد بن فطيرا
أبو الحسن أحد الكتاب بالعراق، كان ينسب إلى التشيع، وهذا كثير في أهل تلك البلاد لا أكثر الله منهم، جاءه رجل ذات يوم فقال له رأيت البارحة أمير المؤمنين عليا في المنام، فقال لي: اذهب إلى ابن فطيرا فقل له يعطيك عشر دنانير، فقال له ابن فطيرا. متى رأيته؟ قال: أول الليل، فقال ابن فطيرا وأنا رأيته آخر الليل فقال لي: إذا جاءك رجل من صفته كذا وكذا فطلب منك شيئا فلا تعطه، فأدبر الرجل موليا فاستدعاه ووهبه شيئا، ومن شعره فيما أورده ابن الساعي وقد تقدم ذلك لغيره:
ولما سبرت الناس أطلب منهم … أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
وفكرت في يومي سروري وشدتي … وناديت في الاحياء هل من مساعد؟
فلم أر فيما ساءني غير شامت … ولم أر فيما سرني غير حاسد
يحيي بن سعيد بن غازي
أبو العباس البصري النجراني صاحب المقامات، كان شاعرا أديبا فاضلا بليغا، له اليد الطولى في اللغة والنظم، ومن شعره قوله:
غناء خود ينساب لطفا … بلا عناء في كل أذن
ما رده قط باب سمع … ولا أتى زائرا بإذن
السيدة زبيدة
بنت الامام المقتفي لأمر الله، أخت المستنجد وعمة المستضئ، كانت قد عمرت طويلا
стр. 4821
ولها صدقات كثيرة دارة، وقد تزوجها في وقت السلطان مسعود على صداق مائة ألف دينار، فتوفي قبل أن يدخل بها، وقد كانت كارهة لذلك، فحصل مقصودها وطلبتها.
الشيخة الصالحة فاطمة خاتون
بنت محمد بن الحسن العميد، كانت عابدة زاهدة، عمرت مائة سنة وست سنين، كان قد تزوجها في وقت أمير الجيوش مطر وهي بكر، فبقيت عنده إلى أن توفي ولم تتزوج بعده، بل اشتغلت بذكر الله والعبادة، رحمها الله.
وفيها أنفذ الخليفة الناصر العباسي إلى الشيخ أبي الفرج بن الجوزي يطلب منه أن يزيد على أبيات عدي بن زيد المشهورة ما يناسبها من الشعر، ولو بلغ ذلك عشر مجلدات، وهي هذه الأبيات:
أيها الشامت المعير بالدهر … أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من … الأيام، بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدت أم من … ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسر الملوك أبو … ساسان أم أين قبله سابور؟
وبنو الأصفر الملوك ملوك … الروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ … دجلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلسا … فللطير في ذراه وكور
لم تهبه ريب المنون فزال … الملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ … أشرف يوما وللهندي (١) تكفير
سره حاله وكثرة ما … يملك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال وما … غبطة حي إلى الممات يصير
ثم بعد النعيم والملك والنهي … والأمر وارتهم هناك قبور
ثم أضحوا كأنهم أورق (٢) جفت … فألوت بها الصبا والدبور
غير أن الأيام تختص بالمرء … وفيها لعمري العظات والتفكير
стр. 4822
ثم دخلت سنة تسعين وخمسمائة
لما استقر الملك الأفضل بن صلاح الدين مكان أبيه بدمشق، بعث بهدايا سنية إلى باب الخليفة الناصر، من ذلك سلاح أبيه وحصانه الذي كان يحضر عليه الغزوات، ومنها صليب الصلبوت الذي استلبه أبوه من الفرنج يوم حطين، وفيه من الذهب ما ينيف على عشرين رطلا مرصعا بالجواهر النفيسة، وأربع جواري من بنات ملوك الفرنج، وأنشأ له العماد الكاتب كتابا حافلا يذكر فيه التعزية بأبيه، والسؤال من الخليفة أن يكون في الملك من بعده، فأجيب إلى ذلك.
ولما كان شهر جمادى الأولى قدم العزيز صاحب مصر إلى دمشق ليأخذها من أخيه الأفضل فخيم على الكسوة يوم السبت سادس جمادى، وحاصر البلد، فمانعه أخوه ودافعه عنها، فقطع الأنهار ونهبت الثمار، واشتد الحال، ولم يزل الامر كذلك حتى قدم العادل عمهما فأصلح بينهما، ورد الامر للألفة بعد اليمين على أن يكون للعزيز القدس وما جاور فلسطين من ناحيته أيضا، وعلى أن يكون جبلة واللاذقية للظاهر صاحب حلب، وأن يكون لعمهما العادل أقطاعه الأول ببلاد مصر مضافا إلى ما بيده من الشام والجزيرة كحران والرها وجعبر وما جاور ذلك، فاتفقوا على ذلك، وتزوج العزيز بابنة عمه العادل، ومرض ثم عوفي وهو مخيم بمرج الصفر، وخرجت الملوك لتهنئته بالعافية والتزويج والصلح، ثم كر راجعا إلى مصر لطول شوقه إلى أهله وأولاده، وكان الأفضل بعد موت أبيه قد أساء التدبير فأبعد أمراء أبيه وخواصه، وقرب الأجانب وأقبل على شرب المسكر واللهو واللعب، واستحوذ عليه وزيره ضياء الدين بن الأثير الجزري، وهو الذي كان يحدوه إلى ذلك، فتلف وأتلفه، وأضل وأضله، وزالت النعمة عنهما كما سيأتي.
وفيها كانت وقعة عظيمة بين شهاب الدين ملك غزنة وبين كفار الهند، أقبلوا إليه في ألف ألف مقاتل، ومعهم سبعمائة فيل منها فيل أبيض لم ير مثله، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا لم ير مثله، فهزمهم شهاب الدين عند نهر عظيم يقال له الملاحون (١)، وقتل ملكهم واستحوذ على حواصله وحواصل بلاده وغنم فيلتهم ودخل بلد الملك الكبرى، فحمل من خزانته ذهبا وغيره على ألف وأربعمائة جمل، ثم عاد إلى بلاده سالما منصورا.
وفيها ملك السلطان خوارزم شاه تكش - يقال له ابن الاصباعي - بلاد الري وغيرها، واصطلح مع السلطان طغرلبك السلجوقي وكان قد تسلم بلاد الري وسائر مملكة أخيه سلطان شاه وخزائنه، وعظم شأنه، ثم التقى هو والسلطان طغرلبك في ربيع الأول من هذه السنة. فقتل
стр. 4823
السلطان طغرلبك، وأرسل رأسه إلى الخليفة، فعلق على باب النوبة عدة أيام، وأرسل الخليفة الخلع والتقاليد إلى السلطان خوارزم شاه، وملك همدان وغيرها من البلاد المتسعة. وفيها نقم الخليفة على الشيخ أبي الفرج بن الجوزي وغضب عليه، ونفاه إلى واسط، فمكث بها خمسة أيام لم يأكل طعاما، وأقام بها خمسة أعوام يخدم نفسه ويستقي لنفسه الماء، وكان شيخا كبيرا قد بلغ ثمانين سنة، وكان يتلو في كل يوم وليلة ختمة. قال: ولم أقرأ يوسف لوجدي على ولدي يوسف، إلى أن فرج الله كما سيأتي إن شاء الله.
وفيها توفي من الأعيان:
أحمد بن إسماعيل بن يوسف
أبو الخير القزويني الشافعي المفسر، قد بغداد ووعظ بالنظامية، وكان يذهب إلى قول الأشعري في الأصول، وجلس في يوم عاشوراء فقيل له: العن يزيد بن معاوية، فقال: ذاك إمام مجتهد، فرماه الناس بالآجر فاختفى ثم هرب إلى قزوين.
ابن الشاطبي ناظم الشاطبية
أبو [محمد] (١) القاسم بن فيرة (٢) بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي الضرير، مصنف الشاطبية في القراءات السبع، فلم يسبق إليها ولا يلحق فيها، وفيها من الرموز كنوز لا يهتدي إليها إلا كل ناقد بصير، هذا مع أنه ضرير ولد سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وبلده شاطبة - قرية شرقي الأندلس - كان فقيرا، وقد أريد إن يلي خطابة بلدة فامتنع من ذلك لأجل مبالغة الخطباء على المنابر في وصف الملوك، خرج الشاطبي إلى الحج فقدم الإسكندرية سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة، وسمع على السلفي وولاة القاضي الفاضل مشيخة الأقراء بمدرسته، وزار القدس وصام به شهر رمضان، ثم رجع إلى القاهرة، فكانت وفاته بها في جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن بالقرافة بالقرب من التربة الفاضلية، وكان دينا خاشعا ناسكا كثير الوقار، لا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان يتمثل كثيرا بهذه الأبيات، وهي لغز في النعش، وهي لغيره: (٣).
أتعرف شيئا في السماء يطير … إذا سار هاج الناس حيث يسير
فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا … وكل أمير يعتليه أسير
стр. 4824
يحث على التقوى ويكره قربه … وتنفر منه النفس وهو نذير
ولم يستزر عن رغبة في زيارة … ولكن على رغم المزور يزور
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة
فيها كانت وقعة الزلاقة ببلاد الأندلس شمالي قرطبة، بمرج الحديد، كانت وقعة عظيمة نصر الله فيها الاسلام وخذل فيها عبدة الصلبان، وذلك أن القيش (١) ملك الفرنج ببلاد الأندلس، ومقر ملكه بمدينة طليطلة، كتب إلى الأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك الغرب يستنخيه ويستدعيه ويستحثه إليه، ليكون من بعض من يخضع له في مثالبه وفي قتاله، في كلام طويل فيه تأنيب وتهديد ووعيد شديد، فكتب السلطان يعقوب بن يوسف في رأس كتابه فوق خطه: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) [النمل: ٣٧] ثم نهض من فوره في جنوده وعساكره، حتى قطع الزقاق إلى الأندلس، فالتقوا في المحل المذكور، فكانت الدائرة أولا على المسلمين، فقتل منهم عشرون ألفا، ثم كانت أخيرا على الكافرين فهزمهم الله وكسرهم وخذلهم أقبح كسرة، وشر هزيمة وأشنعها، فقتل منهم مائة ألف وثلاثة (٢) وأربعون ألفا، وأسر منهم ثلاثة عشر ألفا، وغنم المسلمون منهم شيئا كثيرا، من ذلك مائة ألف خيمة وثلاث (٣) وأربعون خيمة، ومن الخيل ستة وأربعون ألف فرس، ومن البغال مائة ألف بغل، ومن الحمر مثلها، ومن السلاح التام سبعون ألفا، ومن العدد شئ كثير، وملك عليهم من حصونهم شيئا كثيرا، وحاصر مدينتهم طليطلة مدة، ثم لم يفتحها فانفصل عنها راجعا إلى بلاده. ولما حصل للقيش (١) ما حصل حلق لحيته ورأسه ونكس صليبه وركب حمارا وحلف لا يركب فرسا ولا يتلذذ بطعام ولا ينام مع امرأة حتى تنصره النصرانية، ثم طاف على ملوك الفرنج فجمع من الجنود ما لا يعلمه إلا الله ، فاستعد له السلطان يعقوب فالتقيا فاقتتلا قتالا عظيما لم يسمع بمثله، فانهزم الفرنج أقبح من هزيمتهم الأولى، وغنموا منهم نظير ما تقدم أو أكثر، واستحوذ السلطان على كثير من معاملهم وقلاعهم، ولله الحمد والمنة، حتى قيل إنه بيع الأسير بدرهم، والحصان بخمسة دراهم، والخيمة بدرهم، والسيف بدون ذلك ثم قسم السلطان هذه الغنائم على الوجه الشرعي، فاستغنى المجاهدون إلى الأبد، ثم طلبت الفرنج من السلطان الأمان فهادنهم على وضع الحرب خمس سنين، وإنما حمله على ذلك أن رجلا يقال له علي بن إسحاق التوزي الذي يقال له المكلثم، ظهر ببلاد إفريقية فأحدث أمورا فظيعة في غيبة السلطان وأشرف به بقتال الفرنج مدة ثلاث سنين، فأحدث هذا المارق التوزي بالبادية حوادث، وعاث في الأرض
стр. 4825
فسادا، وقتل خلقا كثيرا، وتملك بلادا.
وفي هذه السنة والتي قبلها استحوذ جيش الخليفة على بلاد الري وأصبهان وهمدان وخوزستان وغيرها من البلاد، وقوي جانب الخلافة على الملوك والممالك. وفيها خرج العزيز من مصر قاصدا دمشق ليأخذها من يد أخيه الأفضل، وكان الأفضل قد تاب وأناب وأقلع عما كان فيه من الشراب واللهو واللعب، وأقبل على الصيام والصلاة، وشرع بكتابة مصحف بيده، وحسنت طريقته، غير أن وزيره الضياء الجزري يفسد عليه دولته، ويكدر عليه صفوته، فلما بلغ الأفضل إقبال أخيه نحوه سار سريعا إلى عمه العادل وهو بجعبر فاستنجده فسار معه وسبقه إلى دمشق، وراح الأفضل أيضا إلى أخيه الظاهر بحلب، فسارا جميعا نحو دمشق، فلما سمع العزيز بذلك وقد اقترب من دمشق، كر راجعا سريعا إلى مصر، وركب وراءه العادل والأفضل ليأخذا منه مصر، وقد اتفقا على أن يكون ثلث مصر للعادل وثلثاها للأفضل، ثم بدا للعادل في ذلك فأرسل للعزيز يثبته، وأقبل على الأفضل يثبطه، وأقاما على بلبيس أياما حتى خرج إليهما القاضي الفاضل من جهة العزيز، فوقع الصلح على أن يرجع القدس ومعاملتها للأفضل، ويستقر العادل مقيما بمصر على إقطاعه القديم، فأقام العادل بها طمعا فيها ورجع العادل إلى دمشق بعد ما خرج العزيز لتوديعه، وهي هدنة على قذا، وصلح على دخن.
وفيها توفي من الأعيان:
علي بن حسان بن سافر
أبو الحسن الكاتب البغدادي، كان أديبا شاعرا. من شعره قوله:
نفى رقادي ومضى … برق بسلع ومضا
لاح كما سلت يد ال … أسود عضبا أبيضا
كأنه الأشهب في … النقع إذا ما ركضا
يبدو كما تختلف الريح … على جمر الغضا
فتحسب الريح أبدا … نظرا وغمضا (١)
أو شعلة النار علا … لهيبها وانخفضا
آه له من بارق … ضاء على ذات الاضا
أذكرني عهدا مضى … على الغوير وانقضى
فقال لي قلبي أتوصي … حاجة وأعرضا
يطلب من أمرضه … فديت ذاك الممرضا
стр. 4826
يا غرض القلب لقد … غادرت قلبي غرضا
لأسهم كأنما … يرسلها صرف القضا
فبت لا أرتاب في … أن رقادي قد قضى
حتى قفا الليل وكاد … الليل أن ينقرضا
وأقبل الصبح لأطراف … الدجا مبيضا
وسل في الشرق على الغرب … ضياء وانقضى
ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وخمسمائة
في رجب منها أقبل العزيز من مصر ومعه عمه العادل في عساكر، ودخلا دمشق قهرا، وأخرجا منها الأفضل ووزيره الذي أساء تدبيره، وصلى العزيز عند تربة والده صلاح، وخطب له بدمشق، ودخل القلعة المنصورة في يوم وجلس في دار العدل للحكم والفصل، وكل هذا وأخوه الأفضل حاضر عنده في الخدمة، وأمر القاضي محيي الدين بن الزكي بتأسيس المدرسة العزيزية إلى جانب تربة أبيه وكانت دارا للأمير عز الدين شامة، ثم استناب على دمشق عمه الملك العادل ورجع إلى مصر يوم الاثنين تاسع شوال، والسكة والخطبة بدمشق له، وصولح الأفضل على صرخد، وهرب وزيره ابن الأثير الجزري إلى جزيرته، وقد أتلف نفسه وملكه، وملكه بجريرته، وانتقل الأفضل إلى صرخد بأهله وأولاده، وأخيه قطب الدين.
وفي هذه السنة هبت ريح شديدة سوداء مدلهمة بأرض العراق ومعها رمل أحمر، حتى احتاج الناس إلى السرج بالنهار. وفيها ولى قوام الدين أبو طالب يحيى بن سعد (١) بن زيادة كتاب الانشاء ببغداد، وكان بليغا، وليس هو كالفاضل. وفيها درس مجير الدين أبو القاسم محمود بن المبارك بالنظامية، وكان فاضلا مناظرا.
وفيها قتل رئيس الشافعية بأصبهان محمود بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي قتله ملك الدين سنقر الطويل، وكان ذلك سبب زوال ملك أصبهان عن الديوان.
وفيها مات الوزير وزير الخلافة:
مؤيد الدين أبو الفضل
محمد بن علي بن القصاب، وكان أبوه يبيع اللحم في بعض أسواق بغداد. فتقدم ابنه وساد أهل زمانه. توفي بهمدان وقد أعاد رساتيق كثيرة من بلاد العراق وخراسان وغيرها، إلى ديوان الخلافة، وكان ناهضا ذا همة وله صرامة وشعر جيد. وفيها توفي:
стр. 4827
الفخر محمود بن علي
التوقاني (١) الشافعي، عائدا من الحج. والشاعر:
أبو الغنائم محمد بن علي
ابن المعلم الهرثي من قرى واسط، عن إحدى وتسعين سنة، وكان شاعرا فصيحا، وكان ابن الجوزي في مجالسه يستشهد بشئ من لطائف أشعاره، وقد أورد ابن الساعي قطعة جيدة من شعره الحسن المليح. وفيها توفي:
الفقيه أبو الحسن علي بن سعيد
ابن الحسن البغدادي المعروف بابن العريف، ويلقب بالبيع الفاسد، كان حنبليا ثم اشتغل شافعيا على أبي القاسم بن فضلان، وهو الذي لقبه بذلك لكثرة تكراره على هذه المسألة بين الشافعية والحنفية، ويقال إنه صار بعد هذا كله إلى مذهب الإمامية فالله أعلم. وفيها توفي:
الشيخ أبو شجاع
محمد بن علي بن مغيث بن الدهان الفرضي الحاسب المؤرخ البغدادي، قدم دمشق وامتدح الكندي أبو اليمن زيد بن الحسن فقال:
يا زيد زادك ربي من مواهبه … نعما يقصر عن إدراكها الامل
لا بدل الله حالا قد حباك بها … ما دار بين النحاة الحال والبدل
النحو أنت أحق العالمين به … أليس باسمك فيه يضرب المثل
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
فيها ورد كتاب من القاضي الفاضل إلى ابن الزكي يخبره فيه " أن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة، وبروق خاطفة، ورياح عاصفة، فقوي الجو بها واشتد هبوبها قد أثبت لها أعنة مطلقات، وارتفعت لها صفقات، فرجفت لها الجدران واصطفقت، وتلاقت على بعدها واعتنقت، وثار السماء والأرض عجاجا، حتى قيل إن هذه على هذه قد انطبقت، ولا يحسب إلا أن جهنم قد سال منها واد، وعدا منها عاد، وزاد عصف الريح
стр. 4828
إلى أن أطفأ سرج النجوم، ومزقت أديم السماء، ومحت ما فوقه من الرقوم، فكنا كما قال تعالى (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق) [البقرة: ١٩] ويردون أيديهم على أعينهم من البوارق، لا عاصم لخطف الابصار، ولا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار. وفر الناس نساء ورجالا وأطفالا، ونفروا من دورهم خفافا وثقالا، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فاعتصموا بالمساجد الجامعة، وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة، بوجوه عانية، ونفوس عن الأهل والمال سالية، ينظرون من طرف خفي، ويتوقعون أي خطب جلي، قد انقطعت من الحياة علقهم، وعميت عن النجاة طرقهم، ووقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون، وقاموا على صلاتهم وودوا لو كانوا من الذين عليها دائمون، إلى أن أذن بالركود، وأسعف الهاجدون بالهجود، فأصبح كل مسلم على رفيقه، ويهنيه بسلامة طريقه، ويرى أنه قد بعث بعد النفخة، وأفاق بعد الصيحة والصرخة، وأن الله قد رد له الكرة، وأحياه بعد أن كان يأخذه على غرة، ووردت الاخبار بأنها قد كسرت المراكب في البحار، والأشجار في القفار، وأتلفت خلقا كثيرا من السفار، ومنهم من فر فلا ينفعه الفرار. إلى أن قال " ولا يحسب المجلس أني أرسلت القلم محرفا والعلم مجوفا، فالامر أعظم، ولكن الله سلم، ونرجو أن الله قد أيقظنا بما به وعظنا، ونبهنا بما فيه ولهنا، فما من عباده إلا من رأى القيامة عيانا، ولم يلتمس عليها من بعد ذلك برهانا، إلا أهل بلدنا فما قص الأولون مثلها في المثلات، ولا سبقت لها سابقة في المعضلات، والحمد لله الذي من فضله قد جعلنا نخبر عنها، ولا يخبر عنا، ونسأل الله أن يصرف عنا عارض الحرص والغرور، ولا يجعلنا من أهل الهلاك والثبور ".
وفيها كتب القاضي الفاضل من مصر إلى الملك العادل بدمشق يحثه على قتال الفرنج، ويشكره على ما هو بصدده من محاربتهم، وحفظ حوزة الاسلام، فمن ذلك قوله في بعض تلك الكتب " هذه الأوقات التي أنتم فيها عرائس الأعمار، وهذه النفقات التي تجري على أيديكم مهور الحور في دار القرار، وما أسعد من أودع يد الله ما في يديه، فتلك نعم الله عليه، وتوفيقه الذي ما كل من طلبه وصل إليه، وسواد العجاج في هذه المواقف بباطن ما سودته الذنوب من الصحائف، فما أسعد تلك الوقفات وما أعود بالطمأنينة تلك الرجعات ". وكتب أيضا " أدام الله ذلك الاسم تاجا على مفارق المنابر والطروس، وحياه للدنيا وما فيها من الأجساد والنفوس، وعرف المملوك من الامر الذي اقتضته المشاهدة، وجرت به العافية في سرور، ولا يزيد على سيبه الحال بقوله:
ألم تر أن المرء تدوي يمينه … فيقطعها عمدا ليسلم سائره
ولو كان فيها تدبير لكان مولانا سبق إليه، ومن قلم من الإصبع ظفرا فقد جلب إلى الجسد بفعله نفعا، ودفع عنه ضررا، وتجشم المكروه ليس بضائر إذا كان ما جلبه سببا إلى المحمود، وآخر سنوه أول كل غزوه، فلا يسأم مولانا نية الرباط وفعلها، وتجشم الكلف وحملها، فهو إذا صرف
стр. 4829
وجهه إلى وجه واحد وهو وجه الله، صرف الوجوه إليه كلها (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين الله) [العنكبوت: ٦٩].
وفي هذه السنة انقضت مدة الهدنة التي كان عقدها الملك صلاح الدين للفرنج (١) فأقبلوا بحدهم وحديدهم، فتلقاهم الملك العادل بمرج عكا فكسرهم وغنمهم، وفتح يافا عنوة ولله الحمد والمنة. وقد كانوا كتبوا إلى ملك الألمان يستنهضونه لفتح بيت المقدس فقدر الله هلاكه سريعا، وأخذت الفرنج في هذه السنة بيروت من نائبها عز الدين شامة (٢) من غير قتال ولا نزال، ولهذا قال بعض الشعراء في الأمير شامة (١):
سلم الحصن ما عليك ملامة … ما يلام الذي يروم السلامة
فتعطى الحصون من غير حرب … سنة سنها ببيروت شامة
ومات فيها ملك الفرنج كندهري، سقط من شاهق فمات، فبقيت الفرنج كالغنم بلا راع، حتى ملكوا عليهم صاحب قبرس (٣) وزوجوه بالملكة امرأة كندهري، وجرت خطوب كثيرة بينهم وبين العادل، ففي كلها يستظهر عليهم ويكسرهم، ويقتل خلقا من مقاتلتهم، ولم يزالوا كذلك معه حتى طلبوا الصلح والمهادنة، فعاقدهم على ذلك في السنة الآتية.
وفيها توفي ملك اليمن:
سيف الاسلام طغتكين
أخو السلطان صلاح الدين، وكان قد جمع أموالا جزيلة جدا، وكان يسبك الذهب مثل الطواحين ويدخره كذلك، وقام في الملك بعده ولده إسماعيل، وكان أهوج قليل التدبير، فحمله جهله على أن ادعى أنه قرشي أموي، وتلقب بالهادي، فكتب إليه عمه العادل ينهاه عن ذلك ويتهدده بسبب ذلك، فلم يقبل منه ولا التفت إليه، بل تمادى وأساء التدبير إلى الامراء والرعية، فقتل وتولى بعده مملوك من مماليك أبيه. وفيها توفي:
стр. 4830
الأمير الكبير أبو الهيجاء السمين الكردي
كان من أكابر أمراء صلاح الدين، وهو الذي كان نائبا على عكا، وخرج منها قبل أخذ الإفرنج، ثم دخلها بعد المشطوب، فأخذت منه، واستنابه صلاح الدين على القدس، ثم لما أخذها العزيز عزل عنها فطلب إلى بغداد فأكرم إكراما زائدا، وأرسله الخليفة مقدما على العساكر إلى همدان، فمات هناك. وفيها توفي:
قاضي بغداد أبو طالب علي بن علي بن هبة الله بن محمد
البخاري، سمع الحديث على أبي الوقت وغيره، وتفقه على أبي القاسم بن فضلان، وتولى نيابة الحكم ببغداد، ثم استقل بالمنصب وأضيف إليه في وقت نيابة الوزارة، ثم عزل عن القضاء ثم أعيد ومات وهو حاكم، نسأل الله العافية، وكان فاضلا بارعا من بيت فقه وعدالة وله شعر:
تنح عن القبيح ولا ترده … ومن أوليته حسنا فزده
كفا بك من عدوك كل كيد … إذا كاد العدو ولم تكده
وفيها توفي:
السيد الشريف نقيب الطالبيين ببغداد
أبو محمد الحسن بن علي بن حمزة بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي ابن يحيى بن الحسين بن زيد (١) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب العلوي الحسيني المعروف بابن الأقساسي، الكوفي مولدا ومنشأ، كان شاعرا مطبقا، امتدح الخلفاء والوزراء، وهو من بيت مشهور بالأدب والرياسة والمروءة، قدم بغداد فامتدح المقتفي والمستنجد وابنه المستضئ وابنه الناصر، فولاه النقابة كان شيخا مهيبا، جاوز الثمانين (٢)، وقد أورد له ابن الساعي قصائد كثيرة منها:
اصبر على كيد الزمان … فما يدوم على طريقة
سبق القضاء فكن به … راض ولا تطلب حقيقة
كم قد تغلب مرة … وأراك من سعة وضيقة
ما زال في أولاده … يجري على هذي الطريقة
стр. 4831
وفيها توفيت:
الست عذراء بنت شاهنشاه
ابن أيوب، ودفنت بمدرستها داخل باب النصر، والست خاتون والدة الملك العادل، ودفنت بدارها بدمشق المجاورة لدار أسد الدين شيركوه.
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وخمسمائة
فيها جمعت الفرنج جموعها وأقبلوا فحاصروا تبنين، فاستدعى العادل بني أخيه لقتالهم، فجاءه العزيز من مصر، والأفضل من صرخند (١)، فأقلعت الفرنج عن الحصن وبلغهم موت ملك الألمان فطلبوا من العادل الهدنة والأمان، فهادنهم ورجعت الملوك إلى أماكنها، وقد عظم المعظم عيسى بن العادل في هذه المرة، واستنابه أبوه على دمشق، وسار إلى ملكه بالجزيرة، فأحسن فيهم السيرة، وكان قد توفي في هذه السنة السلطان صاحب سنجار وغيرها من المدائن الكبار، وهو عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي الأتابكي، كان من خيار الملوك وأحسنهم شكلا وسيرة، وأجودهم طوية وسريرة، غير أنه كان يبخل، وكان شديد المحبة للعلماء، ولا سيما الحنفية، وقد ابتنى لهم مدرسة بسنجار، وشرط لهم طعاما يطبخ لكل واحد منهم في كل يوم، وهذا نظر حسن، والفقيه أولى بهذه الحسنة من الفقير، لاشتغال الفقيه بتكراره ومطالعته عن الفكر فيما يقيته، فعدى على أولاده ابن عمه صاحب الموصل، فأخذ الملك منهم، فاستغاث بنوه بالملك العادل، فرد فيهم الملك ودرأ عنهم الضيم، واستقرت بالمملكة لولده قطب الدين محمد، ثم سار الملك إلى ماردين فحاصرها في شهر رمضان، فاستولى على ريفها ومعاملتها، وأعجزته قلعتها، فطاف عليها ومشى، وما ظن أحد أنه تملكها، لان ذلك لم يكن مثبوتا ولا مقدارا.
وفيها ملكت الخزر مدينة بلخ وكسروا الخطأ وقهروهم، وأرسل الخليفة إليهم أن يمنعوا خوارزم شاه من دخول العراق، فإنه كان يروم أن يخطب له ببغداد. وفيها حاصر خوارزم شاه مدينة بخارى ففتحها بعد مدة، وقد كانت امتنعت عليه دهرا ونصرهم الخطأ، فقهرهم جميعا وأخذها عنوة، وعفا عن أهلها وصفح، وقد كانوا ألبسوا كلبا أعور قباء وسموه خوارزم شاه، ورموه في المنجنيق إلى الخوارزمية، وقالوا هذا مالكم، وكان خوارزم شاه أعور، فلما قدر عليهم عفا عنهم، جزاه الله خيرا.
стр. 4832
المكروه أليمة، وإذا محاسن الوجه بليت تعفى الثرى عن وجهه الحسن، وكانت مدة مرضه بعد عوده من الفيوم أسبوعين، وكانت في الساعة السابعة من ليلة الأحد والعشرين من المحرم، والمملوك في حال تسطيرها مجموع بين مرض القلب والجسد، ووجع أطراف وعلة كبد، وقد فجع بهذا المولى والعهد بوالده غير بعيد، والأسى عليه في كل يوم جديد ". ولما توفي العزيز خلف من الولد عشرة ذكور، فعمد أمراؤه فملكوا عليهم ولده محمدا، ولقبوه بالمنصور، وجمهور الامراء في الباطن مائلون إلى تمليك العادل، ولكنهم يستبعدون مكانه، فأرسلوا إلى الأفضل وهو بصرخد فأحضروه على البريد سريعا، فلما حضر عندهم منع رفدهم ووجدوا الكلمة مختلفة عليه، ولم يتم له ما صار إليه، وخامر عليه أكابر الامراء الناصرية (١)، وخرجوا من مصر فأقاموا ببيت المقدس وأرسلوا يستحثون الجيوش العادلية، فأقر ابن أخيه على السلطنة ونوه باسمه على السكة والخطبة في سائر بلاد مصر (٢)، لكن استفاد الأفضل في سفرته هذه أن أخذ جيشا كثيفا من المصريين، وأقبل بهم ليسترد دمشق في غيبة عمه. وذلك بإشارة أخيه صاحب حلب، وملك حمص أسد الدين، فلما انتهى إليها ونزل حواليها قطع أنهارها وعقر أشجارها، وأكل ثمارها، ونزل بمخيمه على مسجد القدم، وجاء إليه أخوه الظاهر وابن عمه الأسد الكاسر وجيش حماه، فكثر جيشه وقوي بأسه، وقد دخل جيشه إلى البلد، ونادوا بشعاره فلم يتابعهم من العامة أحد، وأقبل العادل من ماردين بعساكره وقد التف عليه أمراء أخيه وطائفة بني أخيه، وأمده كل مصر بأكابره، وسبق الأفضل إلى دمشق بيومين فحصنها وحفظها، وقد استناب على ماردين ولده محمدا الكامل. ولما دخل دمشق خامر إليه أكثر الامراء من المصريين وغيرهم، وضعف أمر الأفضل ويئس من برهم وخيرهم، فأقام محاصر البلد بمن معه حتى انسلخ الحول ثم انفصل الحال في أول السنة الآتية على ما سيأتي.
وفيها شرع في بناء سور بغداد بالآجر والكلس، وفرق على الامراء وكملت عمارته بعد هذه السنة، فأمنت بغداد من الغرق والحصار، ولم يكن لها سور قبل ذلك.
وفيها توفي:
السلطان أبو محمد (٣) يعقوب بن يوسف
ابن عبد المؤمن، صاحب المغرب والأندلس بمدينته (٤)، وكان قد بنى عندها مدينة مليحة
стр. 4833
رسماها المهدية، وقد كان دينا حسن السيرة صحيح السريرة، وكان مالكي المذهب، ثم صار ظاهريا حزميا ثم مال إلى مذهب الشافعي، واستقضى في بعض بلاده منهم قضاة، وكانت مدة ملكه خمس عشرة سنة، وكان كثير الجهاد ﵀، وكان يؤم الناس في الصلوات الخمس، وكان قريبا إلى المرأة والضعيف ﵀. وهو الذي كتب إليه صلاح الدين يستنجده على الفرنج فلما لم يخاطبه بأمير المؤمنين غضب من ذلك ولم يجبه إلى ما طلب منه، وقام بالملك بعده ولده محمد فسار كسيرة والده، ورجع إليه كثير من البلدان اللاتي كانت قد عصت على أبيه، ثم من بعد ذلك تفرقت بهم الأهواء وباد هذا البيت بعد الملك يعقوب.
وفيها ادعى رجل أعجمي بدمشق أنه عيسى بن مريم، فأمر الأمير صارم الدين برغش نائب القلعة، بصلبه عند حمام العماد الكاتب، خارج باب الفرج مقابل الطاحون التي بين البابين، وقد باد هذا الحمام قديما، وبعد صلبه بيومين ثارت العامة على الروافض وعمدوا إلى قبر رجل منهم بباب الصغير يقال له وثاب فنبشوه وصلبوه مع كلبين، وذلك في ربيع الآخر منها.
وفيها وقعت فتنة كبيرة ببلاد خراسان، وكان سببها أن فخر الدين محمد بن عمر الرازي وفد إلى الملك غياث الدين الغوري صاحب غزنة، فأكرمه وبنى له مدرسة بهراة، وكان أكثر الغورية كرامية فأبغضوا الرازي وأحبوا إبعاده عن الملك، فجمعوا له جماعة من الفقهاء الحنفية والكرامية، وخلقا من الشافعية، وحضر ابن القدوة (١) وكان شيخا معظما في الناس، وهو على مذهب ابن كرام وابن الهيصم فتناظر هو والرازي، وخرجا من المناظرة إلى السب والشتم، فلما كان من الغد اجتمع الناس في المسجد الجامع، وقام واعظ فتكلم فقال في خطبته: أيها الناس، إنا لا نقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله ﷺ ، وأما علم أرسطاطاليس وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي وما تلبس به الرازي فإنا لا نعلمها ولا نقول بها، وإنما هو كتاب الله وسنة رسوله، ولأي شئ يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الاسلام يذب عن دين الله وسنة رسوله، على لسان متكلم ليس معه على ما يقول دليل. قال فبكى الناس وضجوا وبكت الكرامية واستغاثوا، وأعانهم على ذلك قوم من خواص الناس، وأنهوا إلى الملك صورة ما وقع، فأمر بإخراج الرازي من بلاده، وعاد إلى هراة، فلهذا أشرب قلب الرازي بغض الكرامية، وصار يلهج بهم في كلامه في كل موطن ومكان.
وفيها رضي الخليفة عن أبي الفرج بن الجوزي شيخ الوعاظ، وقد كان أخرج من بغداد إلى واسط فأقام بها خمس سنين، فانتفع به أهلها واشتغلوا عليه واستفادوا منه، فلما عاد إلى بغداد خلع عليه الخليفة وأذن له في الوعظ على عادته عند التربة الشريفة المجاورة لقبر معروف [الكرخي]، فكثر الجمع جدا وحضر الخليفة وأنشد يومئذ فيما يخاطب به الخليفة:
стр. 4834
وفيها توفي من الأعيان:
العوام (١) بن زيادة
كاتب الانشاء بباب الخلافة، وهو أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن علي بن زيادة، انتهت إليه رياسة الرسائل والانشاء والبلاغة والفصاحة في زمانه بالعراق، وله علوم كثيرة غير ذلك من الفقه على مذهب الشافعي، أخذه عن ابن فضلان، وله معرفة جيدة بالأصلين الحساب واللغة، وله شعر جيد وقد ولي عدة مناصب كان مشكورا في جميعها، ومن مستجاد شعره قوله:
لا تحقرن عدوا تزدريه فكم … قد أتعس الدهر جد الجد باللعب
فهذه الشمس يعروها الكسوف لها … على جلالتها بالرأس والذنب
وله:
باضطراب الزمان ترتفع الأنذال … فيه حتى يعم البلاء
وكذا الماء راكد فإذا … حرك ثارت من قعره الأقذاء
وله أيضا:
قد سلوت الدنيا ولم يسلها … من علقت في آماله والأراجي
فإذا ما صرفت وجهي عنها … (قذفتني في بحرها العجاج
يستضيئون بي وأهلك وحدي … فكأني ذبالة في سراج
توفي في ذي الحجة وله ثنتان وسبعون سنة، وحضر جنازته خلق كثير، ودفن عند موسى بن جعفر.
القاضي أبو الحسن علي بن رجاء بن زهير
ابن علي البطائحي، قدم بغداد فتفقه بها وسمع الحديث وأقام برحبة مالك بن طوق مدة يشتغل على أبي عبد الله بن النبيه الفرضي، ثم ولي قضاء العراق مدة، وكان أديبا، وقد سمع من شيخه أبي عبد الله بن النبيه ينشد لنفسه معارضا للحريري في بيتيه اللذين زعم أنهم لا يعزوان ثالثا لهما، وهما قوله:
سم ممة يحمد آثارها … واشكر لمن أعطا ولو سمسمة
والمكر مهما اسطعت لا تأته … لتقتني السؤدد والمكرمة
стр. 4835
فقال ابن النبيه:
ما الأمة الوكساء بين الورى … أحسن من حر أتى ملامه
فمه إذا استجديت عن قول لا … فالحر لا يملا منها فمه
الأمير عز الدين جرديك (١)
كان من أكابر الامراء في أيام نور الدين، وكان ممن شرك في قتل شاور، وحظي عند صلاح الدين، وقد استنابه على القدس حين افتتحها، وكان يستند به للمهمات الكبار فيسدها بنفسه وشجاعته، ولما ولي الأفضل عزله عن القدس فترك بلاد الشام وانتقل إلى الموصل، فمات بها في هذه السنة.
ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمائة
فيها كانت وفاة العزيز صاحب مصر
وذلك أنه خرج إلى الصيد فكانت ليلة الأحد العشرين (٢) من المحرم، ساق خلف ذئب فكبا به فرسه فسقط عنه فمات بعد أيام، ودفن بداره، ثم حول إلى عند تربة الشافعي، وله سبع أو ثمان وعشرون سنة، ويقال: إنه كان قد عزم في هذه السنة على إخراج الحنابلة من بلده، ويكتب إلى بقية إخوته بإخراجهم من البلاد، وشاع ذلك عنه وذاع، وسمع ذلك منه وصرح به، وكل ذلك من معلميه وخلطائه وعشرائه من الجهمية، وقلة علمه بالحديث، فلما وقع منه هذا ونوى هذه النية القبيحة الفاسدة أهلكه الله ودمره سريعا، وعظم قدر الحنابلة بين الخلق بمصر والشام، عند الخاص والعام. وقيل: إن بعض صالحيهم دعا عليه، فما هو إلا أن خرج إلى الصيد فكان هلاكه سريعا، وكتب الفاضل كتاب التعزية بالعزيز لعمه العادل، وهو محاصر ماردين ومعه العساكر، وولده محمد الكامل، وهو نائبه على بلاد الجزيرة المقاربة لبلاد الحيرة، وصورة الكتاب " أدام الله سلطان مولانا الملك العادل، وبارك في عمره وأعلا أمره بأمره، وأعز نصر الاسلام بنصره، وفدت الأنفس نفسه الكريمة وأصغر الله العظائم بنعمه فيه العظيمة، وأحياه الله حياة طيبة هو والاسلام في مواقيت الفتوح الجسيمة وينقلب عنها بالأمور المسلمة والعواقب السليمة، ولا نقص له رجالا ولا أعدمه نفسا ولا ولدا، ولا قصر له ذيلا ولا يدا، ولا أسخن له عينا ولا كبدا، ولا كدر له خاطرا ولا موردا، ولما قدر الله ما قدر من موت الملك العزيز كانت حياته مكدرة عليه منغصة مهملة، فلما حضر أجله كانت بديهة المصاب عظيمة، وطالعة