قال محمد بن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال: " دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصري من أرض الشام " (١). وقد روي عن العرباض بن سارية وأبي أمامة عن النبي ﷺ نحو هذا وفيه: " دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى " (٢) وذلك أن إبراهيم لما بني الكعبة قال: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم الآية) [البقرة: ١٢٩] ولما انتهت النبوة في بني إسرائيل إلى عيسى قام فيهم خطيبا فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم، وأنها بعده في النبي العربي الأمي خاتم الأنبياء على الاطلاق أحمد، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵈ قال الله تعالى: (فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) [الصف: ٦] يحتمل عود الضمير إلى عيسى ﵇ ويحتمل عوده إلى محمد ﷺ ثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الاسلام وأهله ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته على إقامة الدين ونشر الدعوة فقال: (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله) أي من يساعدني في الدعوة إلى الله (قال الحواريون نحن أنصار الله) وكان ذلك في قرية يقال لها الناصرة فسموا بذلك النصارى قال الله تعالى: (فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة) يعني لما دعا عيسى بني إسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى منهم من آمن ومنهم من كفر وكان ممن آمن به أهل أنطاكية بكمالهم فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير بعث إليهم رسلا ثلاثة أحدهم شمعون الصفا فآمنوا واستجابوا وليس هؤلاء هم المذكورون في سورة يس لما تقدم تقريره في قصة أصحاب القرية وكفر آخرون من بني إسرائيل وهم جمهور اليهود فأيد الله من آمن به على من كفر فيما بعد، وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة الآية) [آل عمران: ٥٥] فكل من كان إليه أقرب كان غالبا (٣) فمن دونه ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الذي لا شك فيه من أنه عبد الله ورسوله كانوا ظاهرين على النصارى الذين غلوا فيه، واطروه، وأنزلوه فوق ما أنزله الله به، ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب إليه
стр. 492
اليهود [فيه] (١) عليهم لعائن الله كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة (٢) إلى زمن الاسلام وأهله.
ذكر خبر المائدة
قال الله تعالى: (إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين. قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) [المائدة: ١١٢ - ١١٥] قد ذكرنا في التفسير الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وغيرهم من السلف، ومضمون ذلك أن عيسى ﵇ أمر الحواريين بصيام ثلاثين يوما، فلما أتموها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها، وتطمئن بذلك قلوبهم أن الله قد تقبل صيامهم وأجابهم إلى طلبتهم، وتكون لهم عيدا يفطرون عليها يوم فطرهم، وتكون كافية لأولهم وآخرهم لغنيهم وفقيرهم: فوعظهم عيسى في ذلك وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حق شروطها فأبوا عليه إلا أن يسأل لهم ذلك من ربه . فلما لم يقلعوا عن ذلك قام إلى مصلاه ولبس مسحا من شعر وصف بين قدميه وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء وتضرع إلى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا إلى ما طلبوا فأنزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين وجعلت تدنو قليلا قليلا وكلما دنت سأل عيسى ربه أن يجعلها رحمة لا نقمة وأن يجعلها بركة وسلامة، فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى ﵇ وهي مغطاة بمنديل فقام عيسى يكشف عنها وهو يقول: (بسم الله خير الرازقين) فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة (٣). ويقال: وخل. ويقال: ورمان وثمار ولها رائحة عظيمة جدا قال الله لها كوني فكانت ثم أمرهم بالاكل منها فقالوا: لا نأكل حتى تأكل فقال: إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها فأبوا أن يأكلوا منها ابتداء فأمر الفقراء والمحاويج والمرضى والزمني وكانوا قريبا من ألف وثلاثمائة فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفة أو مرض مزمن، فندم الناس على ترك الأكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك. ثم قيل: إنها كانت تنزل كل يوم مرة فيأكل الناس منها يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل إنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف. ثم كانت تنزل يوما بعد يوم كما كانت
стр. 493
ناقة صالح يشربون لبنها يوما بعد يوم. ثم أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك، فرفعت بالكلية ومسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير.
وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا: حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر عن النبي ﷺ قال: " نزلت المائدة من السماء خبز ولحم وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا فمسخوا قردة وخنازير " (١) ثم رواه ابن جرير عن بندار عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس [بن عمرو] عن عمار موقوفا وهذا أصح وكذا رواه من طريق سماك عن رجل من بني عجل عن عمار موقوفا وهو الصواب والله أعلم. وخلاس عن عمار منقطع فلو صح هذا الحديث مرفوعا لكان فيصلا في هذه القصة فإن العلماء اختلفوا في المائدة هل نزلت أم لا فالجمهور أنها نزلت (٢) كما دلت عليه هذه الآثار كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله: (إني منزلها عليكم) كما قرره ابن جرير والله أعلم. وقد روى ابن جرير بإسناد صحيح إلى مجاهد وإلى الحسن بن أبي الحسن البصري، أنهما قالا: لم تنزل وانهم أبوا نزولها حين قال: (فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين) ولهذا قيل إن النصارى لا يعرفون خبر المائدة وليس مذكورا في كتابهم مع أن خبرها مما يتوفر الدواعي على نقله. والله أعلم. وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير (٣) فليكتب من هناك. ومن أراد مراجعته فلينظره من ثم ولله الحمد والمنة.
فصل
قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا رجل سقط اسمه، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو هلال محمد بن سليمان، عن بكر بن عبد الله المزني قال: فقد الحواريون نبيهم عيسى فقيل لهم توجه نحو البحر فانطلقوا يطلبونه فلما انتهوا إلى البحر إذا هو يمشي على الماء يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى، وعليه كساء مرتد بنصفه ومؤتزر بنصفه، حتى انتهى إليهم فقال لهم بعضهم قال أبو هلال ظننت أنه من أفاضلهم - ألا أجئ إليك يا نبي الله؟ قال: بلى، قال: فوضع إحدى
стр. 494
رجليه على الماء ثم ذهب ليضع الأخرى، فقال: أوه غرقت يا نبي الله. فقال: أرني يدك يا قصير الايمان لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء. ورواه أبو سعيد بن الأعرابي عن إبراهيم بن أبي الجحيم، عن سليمان بن حرب، عن أبي هلال عن بكر بنحوه. ثم قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، عن الفضيل بن عياض قال: قيل لعيسى بن مريم، يا عيسى بأي شئ تمشي على الماء؟ قال: بالايمان واليقين. قالوا فإنا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت قال: فامشوا إذا قال فمشوا معه في الموج فغرقوا. فقال لهم عيسى: مالكم؟ فقالوا: خفنا الموج، قال: ألا خفتم رب الموج؟ قال: فأخرجهم ثم ضرب بيده إلى الأرض، فقبض بها ثم بسطها فإذا في إحدى يديه ذهب، وفي الأخرى مدر، أو حصى فقال: أيهما أحلى في قلوبكم؟ قالوا: هذا الذهب قال: فإنهما عندي سواء. وقدمنا في قصة يحيى بن زكريا عن بعض السلف أن عيسى ﵇ كان يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال ولا يدخر شيئا لغد. قال بعضهم كان يأكل من غزل أمه صلوات الله وسلامه عليه.
وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال: كان عيسى ﵇ إذا ذكر عنده الساعة صاح ويقول: لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة ويسكت، وعن عبد الملك بن سعيد بن بحر أن عيسى كان إذا سمع الموعظة صرخ صراخ الثكلى. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، حدثنا جعفر بن بلقان: أن عيسى كان يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الامر بيد غيري وأصبحت مرتهنا بعملي، فلا فقير أفقر مني، اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تسؤ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تسلط علي من لا يرحمني. وقال الفضيل بن عياض عن يونس بن عبيد، كان عيسى يقول لا يصيب أحد حقيقة الايمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا (١). قال الفضيل: وكان عيسى يقول فكرت في الخلق فوجدت من لم يخلق أغبط عندي ممن خلق. وقال إسحاق بن بشر، عن هشام بن حسان، عن الحسن قال: إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة. قال: وإن الفرارين بذنوبهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى. قال: وبينما عيسى يوما نائم على حجر قد توسده وقد وجد لذة النوم إذ مر به إبليس فقال: يا عيسى ألست تزعم أنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا؟ فهذا الحجر من عرض الدنيا فقال: [فقام عيسى] (٢): فأخذ الحجر ورمى به إليه وقال: هذا لك مع الدنيا. وقال معتمر بن سليمان: خرج عيسى على أصحابه وعليه جبة صوف وكساء وتبان حافيا باكيا شعثا مصفر اللون من الجوع يابس الشفتين من العطش فقال: السلام عليكم يا بني إسرائيل، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها
стр. 495
بإذن الله ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله؟ قال بيتي المساجد، وطيبي الماء، وإدامي الجوع، وسراجي القمر بالليل، وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس، وريحاني بقول الأرض، ولباسي الصوف (١) وشعاري خوف رب العزة، وجلسائي الزمني والمساكين، أصبح وليس لي شئ وأمسي وليس لي شئ، وأنا طيب النفس غير مكترث فمن أغنى مني وأربح. رواه ابن عساكر. وروى في ترجمة محمد بن الوليد بن أبان بن حبان أبي الحسن العقيلي المصري، حدثنا هانئ بن المتوكل الإسكندراني، عن حياة بن شريح، حدثني الوليد بن أبي الوليد، عن شفى بن ماتع (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " أوحى الله تعالى إلى عيسى: أن يا عيسى انتقل من مكان إلى مكان لئلا تعرف فتؤذى، فوعزتي وجلالي لأزوجنك ألف حوراء ولأولمن عليك أربعمائة عام ". وهذا حديث غريب رفعه وقد يكون موقوفا من رواية شفى بن ماتع (٢) عن كعب الأحبار أو غيره من الإسرائيليين والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيينة، عن خلف بن حوشب قال: قال عيسى للحواريين: كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك فاتركوا لهم الدنيا. وقال قتادة: قال عيسى ﵇: سلوني فإني لين القلب وإني صغير عند نفسي. وقال إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال عيسى للحواريين: كلوا خبز الشعير، واشربوا الماء القراح، واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين بحق ما أقول لكم أن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وأن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق ما أقول لكم، إن شركم عالم يؤثر هواه على علمه يود أن الناس كلهم مثله. وروي نحوه عن أبي هريرة. وقال أبو مصعب عن مالك أنه بلغه أن عيسى كان يقول: يا بني إسرائيل عليكم بالماء القراح والبقل البري وخبز الشعير وإياكم وخبز البر فإنكم لن تقوموا بشكره (٣). وقال ابن وهب عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: كان عيسى يقول اعبروا الدنيا ولا تعمروها، وكان يقول حب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة. وحكى وهيب بن الورد مثله وزاد: ورب شهوة أورثت أهلها حرنا طويلا. وعن عيسى ﵇: يا بن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضيفا، واتخذ المساجد بيتا، وعلم عينك البكاء وجسدك الصبر وقلبك التفكر، ولا تهتم برزق غد فإنها خطيئة. وعنه ﵇ أنه قال: كما أنه لا يستطيع أحدكم أن يتخذ على موج البحر دارا فلا يتخذ الدنيا قرارا وفي هذا يقول سابق البربري:
стр. 496
لكم بيوت بمستن السيوف وهل … يبنى على الماء بيت أسه مدر
وقال سفيان الثوري قال عيسى بن مريم: لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء. وقال إبراهيم الحربي عن داود بن رشيد، عن أبي عبد الله الصوفي قال قال عيسى: طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله. وعن عيسى ﵇: إن الشيطان مع الدنيا ومكره مع المال (١) وتزينه مع الهوى واستمكانه عند الشهوات. وقال الأعمش عن خيثمة: كان عيسى يضع الطعام لأصحابه ويقوم عليهم ويقول: هكذا فاصنعوا بالقرى. وبه قالت امرأة لعيسى ﵇: طوبى لحجر حملك ولثدي أرضعك. فقال: طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه. وعنه طوبى لمن بكى من ذكر خطيئته وحفظ لسانه ووسعه بيته. وعنه: طوبى لعين نامت ولم تحدث نفسها بالمعصية وانتبهت إلى غير اثم. وعن مالك بن دينار قال: مر عيسى وأصحابه بجيفة فقالوا: ما أنتن ريحها فقال: ما أبيض أسنانها. لينهاهم عن الغيبة. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا الحسين بن عبد الرحمن، عن زكريا بن عدي قال: قال عيسى ابن مريم: يا معشر الحواريين ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا. قال زكريا وفي ذلك يقول الشاعر:
أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا … ولا أراهم رضوا في العيش بالدون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما … استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
وقال أبو مصعب عن مالك قال عيسى بن مريم ﵇: لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا فيها كأنكم عبيد، فإنما الناس رجلان معافى ومبتلى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية وقال الثوري: سمعت أبي يقول عن إبراهيم التيمي، قال: قال عيسى لأصحابه: بحق أقول لكم: من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير. وقال مالك بن دينار قال عيسى: إن أكل الشعير مع الرماد والنوم على المزابل مع الكلاب لقليل في طلب الفردوس. وقال عبد الله بن المبارك: أنبأنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قال عيسى: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم انظروا إلى هذا الطير تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها، فإن قلتم نحن أعظم بطونا من الطير فانظروا إلى هذه الأباقر (٢) من الوحوش والحمر فإنها تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها [اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز] (٣). وقال صفوان بن عمرو: عن شريح بن عبد الله، عن يزيد بن ميسرة، قال: قال
стр. 497
الحواريون للمسيح: يا مسيح الله انظر إلى مسجد الله ما أحسنه. قال: آمين آمين بحق ما أقول لكم لا يترك الله من هذا المسجد حجرا قائما إلى أهلكه بذنوب أهله، إن الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الأحجار التي تعجبكم شيئا إن أحب إلى الله منها القلوب الصالحة وبها يعمر الله الأرض، وبها يخرب الله الأرض إذا كانت على غير ذلك. وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه: أخبرنا أبو منصور أحمد بن محمد الصوفي، أخبرتنا عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوركانية قالت: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عمر بن عبد الله بن الهشيم املاء، حدثنا الوليد بن أبان املاء، حدثنا أحمد بن جعفر الرازي، حدثنا سهيل بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا عبد الوهاب بن عبد العزيز، عن المعتمر، عن ليث، عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " مر عيسى ﵇ على مدينة خربة، فأعجبه البنيان فقال: أي رب مر هذه المدينة أن تجيبني؟ فأوحى الله إلى المدينة أيتها المدينة الخربة جاوبي عيسى. قال: فنادت المدينة عيسى حبيبي وما تريد مني قال: ما فعل أشجارك وما فعل أنهارك وما فعل قصورك وأين سكانك؟ قالت: حبيبي جاء وعد ربك الحق فيبست أشجاري، ونشفت أنهاري وخربت قصوري ومات سكاني. قال: فأين أموالهم فقالت جمعوها من الحلال والحرام موضوعة في بطني. لله ميراث السماوات والأرض. قال فنادى عيسى ﵇: تعجبت (١) من ثلاث أناس: طالب الدنيا والموت يطلبه، وباني القصور والقبر منزله، ومن يضحك ملء فيه والنار أمامه! ابن آدم لا بالكثير تشبع ولا بالقليل تقنع تجمع مالك لمن لا يحمدك وتقدم على رب لا يعذرك إنما أنت عبد بطنك وشهوتك وإنما تملأ بطنك إذا دخلت قبرك وأنت يا بن آدم ترى حشد مالك في ميزان غيرك. هذا حديث غريب جدا وفيه موعظة حسنة فكتبناه لذلك.
وقال سفيان الثوري عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، قال: قال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء فإن قلب الرجل حيث كنزه. وقال ثور بن يزيد، عن عبد العزيز بن ظبيان قال قال عيسى بن مريم: من تعلم وعلم وعمل دعي عظيما في ملكوت السماء. وقال أبو كريب روي أن عيسى ﵇ قال: لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ويعبر بك النادي. وروى ابن عساكر بإسناد غريب عن ابن عباس مرفوعا أن عيسى قام في بني إسرائيل فقال: يا معشر الحواريين لا تحدثوا بالحكم غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم والأمور ثلاثة: أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى الله . وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن رجل عن عكرمة، قال قال عيسى: لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها فإن الحكمة خير من اللؤلؤ ومن لا يريدها شر من الخنزير. وكذا حكى وهب وغيره عنه
стр. 498
وعنه أنه قال لأصحابه: أنتم ملح الأرض فإذا فسدتم فلا دواء لكم، وإن فيكم خصلتين من الجهل: الضحك من غير عجب والصبحة من غير سهر. وعنه أنه قيل له: من أشد الناس فتنة؟ قال زلة العالم فإن العالم إذا زل يزل بزلته عالم كثير. وعنه أنه قال: يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رؤوسكم والآخرة تحت أقدامكم قولكم شفاء وعملكم داء مثلكم مثل شجرة الدفلى تعجب من رآها وتقتل من أكلها. وقال وهب قال عيسى: يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة فلا تدخلوها ولا تدعون المساكين يدخلونها، إن شر الناس عند الله عالم يطلب الدنيا بعلمه. وقال مكحول التقى يحيى وعيسى، فصافحه عيسى وهو يضحك فقال له يحيى: يا بن خالة مالي أراك ضاحكا كأنك قد أمنت؟ فقال له عيسى: مالي أراك عابسا كأنك قد يئست؟ فأوحى الله إليهما: إن أحبكما إلي أبشكما بصاحبه. وقال وهب بن منبه: وقف عيسى هو وأصحابه على قبر وصاحبه يدلى فيه، فجعلوا يذكرون القبر وضيقه فقال: قد كنتم فيما هو أضيق منه في (١) أرحام أمهاتكم فإذا أحب (٢) الله أن يوسع وسع. وقال أبو عمر الضرير: بلغني أن عيسى كان إذا ذكر الموت يقطر جلده دما. والآثار في مثل هذا كثيرة جدا. وقد أورده الحافظ ابن عساكر منها طرفا صالحا اقتصرنا منه على هذا القدر والله الموفق للصواب.
[ذكر] (٣) رفع عيسى ﵇ إلى السماء في حفظ الرب وبيان كذب اليهود والنصارى في دعوى الصلب
قال الله تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين. إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) [آل عمران: ٥٤ - ٥٥].
وقال تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا. وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما. وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (٤). وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم
стр. 499
شهيدا) [النساء: ١٥٥ - ١٥٩] فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعدما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان.
قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: كان اسمه داود بن نورا (١) فأمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار ببيت المقدس وذلك عشية الجمعة ليلة السبت، فلما حان وقت دخولهم ألقى شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من روزنة [من] (٢) ذلك البيت إلى السماء وأهل البيت ينظرون ودخل الشرط فوجدوا ذلك الشاب الذي ألقى عليه شبهه فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه إهانة له، وسلم لليهود عامة النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أمر عيسى أنه صلب وضلوا بسبب ذلك ضلالا مبينا كثيرا فاحشا بعيدا. وأخبر تعالى بقوله: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة فإنه ينزل ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الاسلام. كما بينا ذلك بما ورد فيه من الأحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء وكما سنورد ذلك مستقصى في " كتاب الفتن والملاحم " عند أخبار المسيح الدجال فنذكر ما ورد في نزول المسيح المهدي ﵇ من ذي الجلال لقتل المسيح الدجال الكذاب الداعي إلى الضلال. وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه إلى السماء: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا منهم من الحواريين، يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال [لهم]: إن منكم من يكفر بي اثني عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له: اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال [أنا: فقال عيسى] (٣) اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا. فقال: أنت هو ذاك. فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء. قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثني عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الاسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ . قال ابن عباس وذلك قوله تعالى: (فأيدنا الذين آمنوا على
стр. 500
عدوهم فأصبحوا ظاهرين) [الصف: ١٤] وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس (١) على شرط مسلم ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية به نحوه. ورواه ابن جرير عن مسلم بن جنادة عن أبي معاوية وهكذا ذكر غير واحد من السلف. وممن ذكر ذلك مطولا محمد بن إسحاق بن يسار قال: وجعل عيسى ﵇ يدعو الله أن يؤخر أجله يعني ليبلغ الرسالة ويكمل الدعوة ويكثر الناس الدخول في دين الله قيل وكان عنده من الحواريين اثني عشر رجلا: بطرس ويعقوب بن زبدا ويحنس أخو يعقوب واندراوس وفليبس وابرثلما ومتى وتوماس ويعقوب بن حلقيا وتداوس وفتاتيا ويودس كريا يوطأ وهذا هو الذي دل اليهود على عيسى. قال ابن إسحاق: وكان فيهم رجل آخر اسمه سرجس كتمته النصارى، وهو الذي ألقى شبه المسيح عليه، فصلب عنه (٢) قال: وبعض النصارى يزعم أن الذي صلب عن المسيح وألقى عليه شبهه هو يودس بن كريا يوطأ. والله أعلم.
وقال الضحاك عن ابن عباس: استخلف عيسى شمعون وقتلت اليهود يودس الذي ألقى عليه الشبه. وقال أحمد بن مروان: حدثنا محمد بن الجهم، قال: سمعت الفراء يقول في قوله: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) قال: إن عيسى غاب عن خالته زمانا فأتاهم فقام رأس الجالوت اليهودي فضرب على عيسى حتى اجتمعوا على باب داره فكسروا الباب ودخل رأس جالوت ليأخذ عيسى فطمس الله عينيه عن عيسى، ثم خرج إلى أصحابه فقال: لم أره ومعه سيف مسلول، فقالوا: أنت عيسى وألقى الله شبه عيسى عليه فأخذوه فقتلوه وصلبوه فقال جل ذكره: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحوارين في بيت فأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى فقالوا لهم: سحرتمونا لتبرزن إلينا عيسى أو لنقتلنكم جميعا فقال عيسى لأصحابه: من يشتري منكم نفسه اليوم بالجنة؟ فقال رجل: أنا فخرج إليهم فقال: أنا عيسى، وقد صوره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى فظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى ورفع الله عيسى من يومه ذلك.
قال ابن جرير (٣): وحدثنا المثنى، حدثنا إسحاق [بن الحجاج]، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول: إن عيسى بن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه فدعا الحواريين وصنع لهم طعاما فقال: احضروني
стр. 501
الليلة فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل، عشاهم وقام يخدمهم فلما فرغوا من الطعام، أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه فقال ألا من رد علي شيئا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم، وأما حاجتي التي استعنتكم عليها فتدعون الله [لي] وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول سبحان الله أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها؟ فقالوا: والله ما ندري مالنا والله لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال: يذهب بالراعي وتتفرق الغنم، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه. ثم قال الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني، فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا: هذا من أصحابه فجحد، وقال: ما أنا بصاحبه فتركوه. ثم أخذه آخرون فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه. فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه، ويقولون: أنت كنت تحيي الموتى، وتنتهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا. ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب، فجاءهما عيسى فقال على م تبكيان قالتا: عليك. فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، ون هذا شئ شبه لهم فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر وفقد الذي كان باعه ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه فقالوا: إنه ندم على ما صنع فاختنق؟ وقتل نفسه فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام [كان] (١) يتبعهم يقال له يحيى فقال: هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم. وهذا إسناد غريب عجيب وهو أصح مما ذكره النصارى من أن المسيح جاء إلى مريم وهي جالسة تبكي عند جذعه فأراها مكان المسامير من جسده وأخبرها أن روحه رفعت وأن جسده صلب وهذا بهت وكذب واختلاق وتحريف وتبديل وزيادة باطلة في الإنجيل على خلاف الحق ومقتضى الدليل (٢).
стр. 502
وحكى الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن حبيب، فيما بلغه، أن مريم سألت من بيت الملك بعد ما صلب المصلوب بسبعة أيام وهي تحسب أنه ابنها، أن ينزل جسده، فأجابهم إلى ذلك ودفن هنالك فقالت مريم لام يحيى: ألا تذهبين بنا نزور قبر المسيح؟ فذهبتا فلما دنتا من القبر قالت مريم لام يحيى: ألا تستترين فقالت: وممن أستتر؟ فقالت من هذا الرجل الذي هو عند القبر. فقالت أم يحيى: إني لا أرى أحدا فرجت مريم أن يكون جبريل، وكانت قد بعد عهدها به، فاستوقفت أم يحيى وذهبت نحو القبر فلما دنت من القبر قال لها جبريل، وعرفته: يا مريم أين تريدين؟ فقالت أزور قبر المسيح فأسلم عليه وأحدث عهدا به. فقال: يا مريم إن هذا ليس المسيح إن الله قد رفع المسيح وطهره من الذين كفروا. ولكن هذا الفتى الذي ألقى شبهه عليه وصلب وقتل مكانه. وعلامة ذلك أن أهله قد فقدوه فلا يدرون ما فعل به فهم يبكون عليه فإذا كان يوم كذا وكذا فأت غيضة كذا وكذا فإنك تلقين المسيح. قال: فرجعت إلى أختها وصعد جبريل فأخبرتها عن جبريل وما قال لها من أمر الغيضة. فلما كان ذلك اليوم ذهبت فوجدت عيسى في الغيضة فلما رآها أسرع إليها وأكب عليها فقبل رأسها وجعل يدعو لها كما كان يفعل، وقال يا أمه إن القوم لم يقتلوني ولكن الله رفعني إليه وأذن لي في لقائك والموت يأتيك قريبا فاصبري واذكري الله كثيرا ثم صعد عيسى فلم تلقه إلا تلك المرة حتى ماتت. قال: وبلغني أن مريم بقيت بعد عيسى خمس سنين وماتت ولها ثلاث وخمسون سنة (١) ﵂ وأرضاها.
وقال الحسن البصري كان عمر عيسى ﵇ يوم رفع أربعا وثلاثين سنة وفي الحديث: " إن أهل الجنة يدخلونها جردا مردا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين " (٢). وفي الحديث الآخر: " على ميلاد عيسى وحسن يوسف " وكذا قال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
فأما الحديث الذي رواه الحاكم في " مستدركه " ويعقوب بن سفيان الفسوي في " تاريخه " عن سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن يزيد، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أن أمه فاطمة بنت الحسين حدثته: أن عائشة كانت تقول أخبرتني فاطمة أن رسول الله ﷺ أخبرها: أنه لم يكن نبي كان بعده نبي إلا عاش الذي بعده نصف عمر الذي كان قبله وأنه أخبرني أن عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة فلا أراني إلا ذاهب على رأس ستين.
стр. 503
هذا لفظ الفسوي فهو حديث غريب.
قال الحافظ ابن عساكر: والصحيح أن عيسى لم يبلغ هذا العمر، وإنما أراد به مدة مقامه في أمته، كما روى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة، قال: قالت فاطمة قال لي رسول الله ﷺ : أن عيسى بن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة وهذا منقطع. وقال جرير والثوري عن الأعمش إن إبراهيم مكث عيسى في قومه أربعين عاما ويروى عن أمير المؤمنين علي أن عيسى ﵇ رفع ليلة الثاني والعشرين من رمضان وتلك الليلة في مثلها توفي علي بعد طعنه بخمسة أيام. وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن عيسى لما رفع إلى السماء جاءته سحابة فدنت منه حتى جلس عليها وجاءته مريم فودعته وبكت ثم رفع وهي تنظر، وألقى إليها عيسى بردا له وقال هذا علامة ما بيني وبينك يوم القيامة، وألقى عمامته على شمعون، وجعلت أمه تودعه بإصبعها تشير بها إليه حتى غاب عنها، وكانت تحبه حبا شديدا لأنه توفر عليها حبه من جهتي الوالدين إذ لا أب له وكانت لا تفارقه سفرا ولا حضرا. قال بعض الشعراء:
وكنت أرى كالموت من بين ساعة … فكيف ببين كان موعده الحشر
وذكر إسحاق بن بشر، عن مجاهد بن جبير: أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل الذي شبه لهم وهم يحسبونه المسيح وسلم لهم أكثر النصارى بجهلهم ذلك، تسلطوا على أصحاب بالقتل والضرب والحبس فبلغ أمرهم إلى صاحب الروم وهو ملك دمشق في ذلك الزمان فقيل له إن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله وكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويفعل العجائب فعدوا عليه فقتلوه وأهانوا أصحابه وحبسوهم فبعث فجئ بهم وفيهم يحيى بن زكريا وشمعون وجماعة فسألهم عن أمر المسيح فأخبروه عنه فبايعهم في دينهم وأعلى كلمتهم وظهر الحق على اليهود وعلت كلمة النصارى عليهم وبعث إلى المصلوب (١) فوضع عن جذعه وجئ بالجذع الذي صلب عليه ذلك الرجل فعظمه فمن ثم عظمت النصارى الصليب ومن هاهنا دخل دين النصرانية في الروم وفي هذا نظر من وجوه: أحدها: أن يحيى بن زكريا نبي لا يقر على أن المصلوب عيسى فإنه معصوم يعلم ما وقع على جهة الحق. الثاني أن الروم لم يدخلوا في دين المسيح إلا بعد ثلاثمائة سنة وذلك في زمان قسطنطين بن قسطن باني المدينة المنسوبة إليه على ما سنذكره. الثالث أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل ثم ألقوه بخشبته جعلوا مكانه مطرحا للقمامة والنجاسة وجيف الميتات والقاذورات فلم يزل كذلك حتى كان في زمان قسطنطين المذكور فعمدت أمه هيلانة الحرانية الفندقانية فاستخرجته من هنالك معتقدة أنه المسيح ووجدوا الخشبة التي صلب عليها المصلوب فذكروا أنه ما مسها ذو عاهة إلا عوفي. فالله أعلم أكان هذا أم لا؟ وهل كان
стр. 504
هذا لان ذلك الرجل الذي بذل نفسه كان رجلا صالحا أو كان هذا محنة وفتنة لامة النصارى في ذلك اليوم حتى عظموا تلك الخشبة، وغشوها بالذهب واللآلئ، ومن ثم اتخذوا الصلبانات وتبركوا بشكلها وقبلوها. وأمرت أم الملك هيلانة فأزيلت تلك القمامة وبني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة فهي هذه المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس التي يقال لها القمامة باعتبار ما كان عندها، ويسمونها القيامة، يعنون التي يقوم جسد المسيح منها. ثم أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود فلم يزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس فكنس عنها القمامة بردائه وطهرها من الأخباث والأنجاس، ولم يضع المسجد وراءها ولكن أمامها حيث صلى رسول الله ﷺ ليلة الاسراء بالأنبياء وهو [المسجد] (١) الأقصى.
[ذكر] (٢) صفة عيسى ﵇ وشمائله وفضائله قال الله تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسول وأمه صديقة)
[المائدة: ٧٥] قيل سمي المسيح لمسحه الأرض وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان لشدة تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمه ﵉. وقيل لأنه كان ممسوح القدمين. وقال تعالى: (وقفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور) [الحديد: ٢٧] وقال تعالى: (وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) [البقرة: ٨٧] والآيات في ذلك كثيرة جدا وقد تقدم ما ثبت في الصحيحين: " ما من مولود إلا والشيطان يطعن في خاصرته حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها ذهب يطعن فطعن في الحجاب " (٣) وتقدم حديث عمير بن هانئ، عن جنادة، عن عبادة عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم (٤).
وروى البخاري ومسلم من حديث الشعبي، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : " إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران وإذا آمن بعيسى بن مريم ثم آمن بي فله أجران، والعبد إذا اتقى ربه وأطاع مواليه
стр. 505
فله أجران " (١) هذا لفظ البخاري. وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام، عن معمر (ح) وحدثني محمود حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : " ليلة أسري بي لقيت موسى قال فنعته فإذا رجل حسبته قال مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنؤة. قال ولقيت عيسى فنعته النبي ﷺ فقال: " ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس، يعني الحمام، ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به. الحديث " (٢) وقد تقدم في قصتي إبراهيم وموسى ثم قال: حدثنا محمد بن كثير، أنبأنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : " رأيت عيسى وموسى وإبراهيم. فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر. وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط " (٣). تفرد به البخاري. وحدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا أبو ضمرة، حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع، قال قال عبد الله بن عمر: ذكر النبي ﷺ يوما بين ظهراني الناس المسيح الدجال فقال: إن الله ليس بأعور إلا أن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية، وأراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من آدم الرجال تضرب لمته بين منكبيه رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعا يديه على منكبي رجلين، وهو يطوف بالبيت فقلت من هذا؟ فقالوا المسيح بن مريم. ثم رأيت رجلا وراءه جعد قطط أعور عين اليمنى كأشبه من رأيت بابن قطن. واضعا يده على منكبي رجل يطوف بالبيت فقلت من هذا؟ فقالوا المسيح الدجال. ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة. ثم قال البخاري: تابعه عبد الله بن نافع ثم ساقه من طريق الزهري، عن سالم بن عمر قال الزهري: وابن قطن رجل من خزاعة هلك في الجاهلية. فبين صلوات الله وسلامه عليه صفة المسيحين: مسيح المهدي، ومسيح الضلالة، ليعرف هذا إذا نزل فيؤمن به المؤمنون، ويعرف الآخر فيحذره الموحدون. وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " رأى عيسى بن مريم رجلا يسرق فقال له أسرقت قال كلا والذي لا إله إلا هو فقال عيسى آمنت بالله وكذبت عيني " وكذا رواه [مسلم عن] (٤) محمد بن رافع عن عبد الرزاق (٥). وقال أحمد: حدثنا عفان،
стр. 506
حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن الحسن وغيره، عن أبي هريرة قال: ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: " رأى عيسى رجلا يسرق فقال يا فلان أسرقت فقال لا والله ما سرقت فقال آمنت بالله وكذبت بصري " (١). وهذا يدل على سجية طاهرة حيث قدم حلف ذلك الرجل فظن أن أحدا لا يحلف بعظمة الله كاذبا على ما شاهده منه عيانا فقيل عذره ورجع على نفسه فقال آمنت بالله أي صدقتك وكذبت بصري لأجل حلفك. وقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " تحشرون حفاة عراة غرلا ". ثم قرأ: (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين) [الأنبياء: ١٠٤] فأول الخلق يكسى إبراهيم ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي فيقال: إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك. وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) [المائدة: ١١٧ - ١١٨) " (٢) تفرد به دون مسلم من هذا الوجه. وقال أيضا: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا سفيان، سمعت الزهري يقول: أخبرني عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس سمع عمر يقول على المنبر سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله " (٣).
وقال البخاري: حدثنا إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج يصلي إذ جاءته أمه فدعته فقال أجيبها أو أصلي فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات وكان جريج في صومعة فعرضت له امرأة وكلمته فأبى فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما فقيل لها ممن قالت من جريج فأتوه وكسروا صومعته فأنزلوه وسبوه فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام قال فلان الراعي قالوا أنبني صومعتك من ذهب قال: لا إلا
стр. 507
من طين. وكانت امرأة ترضع ابنا لها في بني إسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت اللهم اجعل ابني مثله فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله. ثم أقبل على ثديها يمصه. قال أبو هريرة كأني أنظر إلى النبي ﷺ يمص أصبعه ثم مر بأمه فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك ثديها فقال: اللهم اجعلني مثلها فقالت: لم ذلك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة وهذه الأمة يقولون سرقت وزنت ولم تفعل " (١). وقال البخاري حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني أبو سلمة أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أنا أولى الناس بابن مريم والأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي " (٢) تفرد به البخاري من هذا الوجه. ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي داود الحفري، عن الثوري، عن أبي الزناد، عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان هو الثوري، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا أولى الناس بعيسى ﵇ والأنبياء أخوة أولاد علات وليس بيني وبين عيسى نبي " (٣). وهذا إسناد صحيح على شرطهما ولم يخرجوه من هذا الوجه وأخرجه أحمد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. وأخرجه ابن حبان من حديث عبد الرزاق نحوه. وقال أحمد: حدثنا يحيى، عن ابن أبي عروبة، حدثنا قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " الأنبياء أخوة لعلات. ودينهم واحد وأمهاتهم شتى. وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة، والبياض سبط كان رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل بين مخصرتين فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويعطل الملل، حتى يهلك في زمانه كلها غير الاسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب وتقع الامنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأسد جميعا، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان والغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا، فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه " (٤). ثم رواه أحمد عن عفان، عن همام، عن قتادة، عن عبد الرحمن عن أبي هريرة فذكر نحوه وقال: " فيمكث أربعين سنة. ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون " (٥). ورواه أبو داود عن هدبة بن خالد، عن همام بن يحيى به نحوه. وروى هشام بن عروة عن صالح مولى أبي هريرة عنه، أن رسول الله ﷺ قال: " فيمكث في الأرض أربعين سنة. وسيأتي بيان
стр. 508
نزوله ﵇ في آخر الزمان في " كتاب الملاحم " كما بسطنا ذلك أيضا في التفسير عند قوله تعالى في سورة النساء: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) [النساء: ١٥٩] وقوله: (وإنه لعلم للساعة) الآية [الزخرف: ٦١] وأنه ينزل على المنارة البيضاء بدمشق (١) وقد أقيمت صلاة الصبح فيقول له إمام المسلمين. تقدم يا روح الله فصل فيقول: لا بعضكم على بعض أمراء مكرمة الله هذه الأمة. وفي رواية فيقول له عيسى: إنما أقيمت الصلاة لك فيصلي خلفه. ثم يركب ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال فيلحقه عند باب لد فيقتله بيده الكريمة. وذكرنا أنه قوي الرجاء حين بنيت هذه المنارة الشرقية بدمشق التي هي من حجارة بيض وقد بنيت أيضا من أموال النصارى حين حرقوا التي هدمت وما حولها فينزل عليها عيسى بن مريم ﵇ فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل من أحد إلا الاسلام، وأنه يحج من فج الروحاء حاجا أو معتمرا أو لثنتيهما، ويقيم أربعين سنة، ثم يموت فيدفن فيما قيل في الحجرة النبوية عند رسول الله ﷺ وصاحبيه (٢). وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح ﵇ في كتابه عن عائشة مرفوعا أنه يدفن مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر في الحجرة النبوية ولكن لا يصح إسناده وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا زيد بن أخزم الطائي، حدثنا أبو قتيبة مسلم بن قتيبة، حدثني أبو مودود المدني، حدثنا عثمان بن الضحاك، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه عن جده، قال: مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى بن مريم ﵈ يدفن معه (٣). قال أبو مودود: وقد بقي من البيت موضع قبر. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن كذا قال. والصواب الضحاك بن عثمان المدني. وقال البخاري هذا الحديث لا يصح عندي ولا يتابع عليه. وروى البخاري عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان قال: الفترة ما بين عيسى ومحمد ﷺ ستمائة سنة وعن قتادة خمسمائة وستون سنة. وقيل خمسمائة وأربعون سنة وعن الضحاك أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. والمشهور ستمائة سنة (٤). ومنهم من يقول ستمائة وعشرون سنة بالقمرية لتكون ستمائة بالشمسية والله أعلم.
وقال ابن حبان في صحيحه: " ذكر المدة التي بقيت فيها أمة عيسى على هديه ": حدثنا أبو
стр. 509
يعلى، حدثنا أبو همام، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الهيثم بن حميد، عن الوضين بن عطاء، عن نصر بن علقمة، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " لقد قبض الله داود من بين أصحابه فما فتنوا ولا بدلوا ولقد مكث أصحاب المسيح على سنته وهديه مائتي سنة " (١). وهذا حديث غريب جدا وإن صححه ابن حبان. وذكر ابن جرير (٢) عن محمد بن إسحاق: أن عيسى ﵇ قبل أن يرفع وصى الحواريين بأن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له وعين كل واحد منهم إلى طائفة من الناس في إقليم من الأقاليم من الشام والمشرق وبلاد المغرب، فذكروا أنه أصبح كل إنسان منهم يتكلم بلغة الذين أرسله المسيح إليهم. وذكر غير واحد أن الإنجيل نقله عنه أربعة لوقا ومتى ومرقس ويوحنا، وبين هذه الأناجيل الأربعة تفاوت كثير بالنسبة إلى كل نسخة ونسخة وزيادات كثيرة ونقص بالنسبة إلى الأخرى وهؤلاء الأربعة منهم اثنان ممن أدرك المسيح ورآه وهما متى ويوحنا ومنهم اثنين من أصحاب أصحابه وهما مرقس ولوقا. وكان ممن آمن بالمسيح وصدقه من أهل دمشق رجل يقال له ضينا وكان مختفيا في مغارة داخل الباب الشرقي قريبا من الكنيسة المصلبة خوفا من بولس اليهودي وكان ظالما غاشما مبغضا للمسيح، ولما جاء به. وكان قد حلق رأس ابن أخيه حين آمن بالمسيح وطاف به في البلد. ثم رجمه حتى مات ﵀. ولما سمع بولص أن المسيح ﵇ قد توجه نحو دمشق جهز بغاله وخرج ليقتله فتلقاه عند كوكبا، فلما واجه أصحاب المسيح، جاء إليه ملك فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه. فلما رأى ذلك وقع في نفسه تصديق المسيح، فجاء إليه واعتذر مما صنع وآمن به فقبل منه وسأله أن يمسح عينيه ليرد الله عليه بصره، فقال إذهب إلى ضينا عندك بدمشق في طرف السوق المستطيل من المشرق فهو يدعو لك، فجاء إليه فدعا فرد عليه بصره وحسن إيمان بولص بالمسيح ﵇ أنه عبد الله ورسوله وبنيت له كنيسة باسمه فهي كنيسة بولص المشهورة بدمشق من زمن فتحها الصحابة ﵃ حتى خربت.
فصل
اختلف أصحاب المسيح ﵇ بعد رفعه إلى السماء على أقوال، كما قاله ابن عباس وغيره من أئمة السلف كما أوردناه عند قوله: (فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين) [الصف: ١٤] قال ابن عباس وغيره: قال قائلون منهم: كان فينا عبد الله ورسوله فرفع إلى
стр. 510
السماء وقال آخرون هو الله. وقال آخرون هو ابن الله (١). فالأول هو الحق والقولان الآخران كفر عظيم كما قال: (فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) [مريم: ٣٧] وقد اختلفوا في نقل الأناجيل على أربعة أقاويل ما بين زيادة ونقصان وتحريف وتبديل. ثم بعد المسيح بثلاثمائة سنة حدثت فيه الطامة العظمى والبلية الكبرى. اختلف البتاركة الأربعة وجميع الأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين في المسيح على أقوال متعددة لا تنحصر ولا تنضبط. واجتمعوا وتحاكموا إلى الملك قسطنطين باني القسطنطينة وهم المجمع الأول (٢). فصار الملك إلى قول أكثر فرقة اتفقت على قول من تلك المقالات، فسموا الملكية (٣) ودحض من عداهم وأبعدهم وتفردت الفرقة التابعة لعبد الله بن إديوس الذي ثبت على أن عيسى عبد من عباد الله ورسول من رسله فسكنوا البراري والبوادي وبنوا الصوامع والديارات والقلايات وقنعوا بالعيش الزهيد ولم يخالطوا أولئك الملل والنحل وبنت الملكية الكنائس الهائلة عمدوا إلى ما كان من بناء اليونان فحولوا محاربيها إلى الشرق وقد كانت إلى الشمال إلى الحدي.
بيان بناء بيت لحم والقمامة
وبنى الملك قسطنطين بيت لحم على محل مولد المسيح وبنت أمه هيلانة القمامة يعني على قبر
стр. 511
لمصلوب (١) وهم يسلمون لليهود أنه المسيح. وقد كفرت هؤلاء وهؤلاء ووضعوا القوانين والاحكام. ومنها مخالف للعتيقة التي هي التوراة وأحلوا أشياء هي حرام بنص التوراة، ومن ذلك الخنزير وصلوا إلى الشرق، ولم يكن المسيح صلى إلا إلى صخرة بيت المقدس وكذلك جميع الأنبياء بعد موسى. ومحمد خاتم النبيين صلى إليها بعد هجرته إلى المدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ثم حول إلى الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل. وصوروا الكنائس ولم تكن مصورة قبل ذلك ووضعوا العقيدة التي يحفظها أطفالهم ونساؤهم ورجالهم التي يسمونها بالأمانة وهي في الحقيقة أكبر الكفر والخيانة وجميع الملكية والنسطورية أصحاب نسطورس أهل المجمع الثاني (٢) واليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعي أصحاب المجمع الثالث (٣) يعتقدون هذه العقيدة ويختلفون في تفسيرها وها أنا أحكيها وحاكي الكفر ليس بكافر لابث على ما فيها ركة الألفاظ وكثرة الكفر والخبال المفضى بصاحبه إلى النار ذات الشواظ فيقولون نؤمن بإله واحد ضابط الكل خالق السماوات والأرض كل ما يرى وكل ما لا يرى وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل الدهور نور من نور إله حق من إله حق مولود غير مخلوق مساو للأب في الجوهر الذي كان به كل شئ من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء وتانس وصلب على عهد ملاطس النبطي وتألم وقبر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب. وأيضا فسيأتي بجسده ليدبر الاحياء والأموات الذي لا فناء لملكه وروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب مع الأب والابن مسجود له وبمجد الناطق في الأنبياء كنسبة واحدة جامعة مقدسة يهولية واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا وأنه حي قيامة الموتى وحياة الدهر العتيد كونه آمين.
كتاب أخبار الماضين
من بني إسرائيل وغيرهم إلى آخر زمن الفترة سوى أيام العرب وجاهليتهم فإنا سنورد ذلك بعد فراغنا من هذا الفصل إن شاء الله تعالى قال الله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا) [طه ٩٩] وقال: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [يوسف: ٣].
стр. 512
خبر ذي القرنين
قال الله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا. إنا مكنا له في الأرض وآتينا من كل شئ سببا فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما. قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا. قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا. وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا. ثم أتبع سببا. حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا. كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا. ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا. قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا. فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا. قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا) [الكهف: ٨٣ - ٩٨]. ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا وأثنى عليه بالعدل، وأنه بلغ المشارق والمغارب، وملك الأقاليم وقهر أهلها، وسار فيهم بالمعدلة التامة والسلطان المؤيد المظفر المنصور القاهر المقسط. والصحيح: أنه كان ملكا من الملوك العادلين وقيل كان نبيا. وقيل رسولا. وأغرب من قال ملكا من الملائكة. وقد حكي هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: فإنه سمع رجلا يقول لآخر يا ذا القرنين فقال: مه ما كفاكم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة ذكره السهيلي. وقد روى وكيع عن إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال كان ذو القرنين نبيا. وروى الحافظ ابن عساكر من حديث أبي محمد بن أبي نصر، عن أبي إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن أبي ذؤيب، حدثنا محمد بن حماد، أنبأنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذؤيب، عن المقبري (١) عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " لا أدري أتبع كان لعينا أم لا ولا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا ولا أدري ذو القرنين كان نبيا أم لا " (٢). وهذا غريب من هذا الوجه، وقال إسحاق بن بشر عن عثمان بن الساج، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان ذو القرنين ملكا صالحا رضي الله عمله وأثنى عليه في كتابه وكان منصورا، وكان الخضر وزيره. وذكر أن الخضر ﵇ كان على مقدمة جيشه وكان عنده بمنزلة المشاور، الذي هو من الملك بمنزلة الوزير في إصلاح الناس اليوم، وقد
стр. 513
ذكر الأزرقي (١) وغيره أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل ﵇ وروى عن عبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما أن ذا القرنين حج ماشيا وأن إبراهيم لما سمع بقدومه تلقاه ودعا له ورضاه وأن الله سخر لذي القرنين السحاب (٢) يحمله حيث أراد والله أعلم.
واختلفوا في السبب الذي سمي به ذا القرنين فقيل: لأنه كان له في رأسه شبه القرنين. قال وهب بن منبه: كان له قرنان من نحاس في رأسه وهذا ضعيف. وقال بعض أهل الكتاب لأنه ملك فارس والروم. وقيل: لأنه بلغ قرني الشمس غربا وشرقا. وملك ما بينهما من الأرض وهذا أشبه من غيره وهو قول الزهري وقال الحسن البصري: كانت له غديرتان من شعر يطافهما فسمي ذا القرنين. وقال إسحاق بن بشر: عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه قال دعا ملكا جبارا إلى الله فضربه على قرنه فكسره ورضه. ثم دعاه فدق قرنه الثاني فكسره فسمي ذا القرنين. وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذي القرنين فقال: كان عبدا ناصح الله فناصحه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الآخر فمات فسمي ذا القرنين. وهكذا رواه شعبة القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل عن علي به (٣). وفي بعض الروايات عن أبي الطفيل عن علي قال لم يكن نبيا ولا رسولا ولا ملكا ولكن كان عبدا صالحا.
وقد اختلف في اسمه فروى الزبير بن بكار عن ابن عباس: كان اسمه عبد الله بن الضحاك ابن معد وقيل مصعب بن عبد الله بن قنان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن عون (٤) بن نبت بن
стр. 514
مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان.
وقد جاء في حديث أنه كان من حمير (١) وأمه رومية وأنه كان يقال له ابن الفيلسوف لعقله.
وقد أنشد بعض الحميريين (٢) في ذلك شعرا يفتخر بكونه أحد أجداده فقال:
قد كان ذو القرنين جدي مسلما … ملكا تدين له الملوك وتحشد (٣)
بلغ المشارق والمغارب يبتغي … أسباب أمر من حكيم مرشد (٤)
فرأى مغيب الشمس عند غروبها … في عين ذي خلب وثأط حرمد (٥)
من بعده بلقيس كانت عمتي … ملكتهم حتى أتاها الهدهد
قال السهيلي وقيل كان اسمه مرزبان بن مرزبة. ذكره ابن هشام (٦) وذكر في موضع (٧) آخر أن اسمه الصعب بن ذي مرائد وهو أول التبابعة وهو الذي حكم لإبراهيم في بئر السبع (٨). وقيل إنه أفريدون بن أسفيان الذي قتل الضحاك وفي خطبة قس: يا معشر إياد بن الصعب ذو القرنين، ملك الخافقين، وأذل الثقلين، وعمر ألفين. ثم كان ذلك كلحظة عين. ثم أنشد ابن هشام للأعشى:
والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا … بالجنو في جدث أشم مقيما
وذكر الدارقطني وابن ماكولا أن اسمه هرمس ويقال هرويس بن قيطون بن رومي بن لنطى
стр. 515
ابن كشلوخين بن يونان بن يافث بن نوح فالله أعلم. وقال إسحاق بن بشر عن سعيد بن بشير عن قتادة قال إسكندر هو ذو القرنين وأبوه أول القياصرة وكان من ولد سام بن نوح ﵇. فأما ذو القرنين الثاني فهو إسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن مطيون بن رومي بن لنطي بن يونان بن يافث بن يونة بن شرخون بن رومة بن شرفط بن توفيل بن رومي بن الأصفر بن يقز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في تاريخه (١). المقدوني اليوناني المصري باني إسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم، وكان متأخرا عن الأول بدهر طويل كان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة وكان أرطاطاليس الفيلسوف وزيره وهو الذي قتل دارا بن دارا وأذل ملوك الفرس وأوطأ أرضهم. وإنما نبهنا عليه لان كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرطاطاليس وزيره فيقع بسبب ذلك خطأ كبير وفساد عريض طويل كثير (٢)، فإن الأول كان عبدا مؤمنا صالح وملكا عادلا وكان وزيره الخضر، وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا (٣). وأما الثاني فكان مشركا وكان وزيره فيلسوفا وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة. فأين هذا من هذا لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأمور. فقوله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين) كان سببه أن قريشا سألوا اليهود عن شئ يمتحنون به علم رسول الله ﷺ فقالوا لهم سلوه عن رجل طواف في الأرض وعن فتية خرجوا لا يدري ما فعلوا فأنزل الله تعالى قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين. ولهذا قال: (قل سأتلوا عليكم منه ذكرا) أي من خبره وشأنه (ذكرا) أي خبرا نافعا كافيا في تعريف أمره، وشرح حاله فقال: (إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شئ سببا) أي وسعنا مملكته في البلاد، وأعطيناه من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمات العظيمة، والمقاصد الجسيمة. قال قتيبة، عن أبي عوانة، عن سماك، عن حبيب بن حماد قال: كنت عند علي بن أبي طالب وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب فقال له: سخر له السحاب ومدت له الأسباب
стр. 516
وبسط له في النور [فكان الليل والنهار عليه سواء] (١) وقال أزيدك فسكت الرجل وسكت علي ﵁. وعن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن عبد الله الوادعي سمعت معاوية يقول: ملك الأرض أربعة. سليمان بن داود النبي ﵉. وذو القرنين ورجل من أهل حلوان. ورجل آخر. فقيل له الخضر قال: لا. وقال الزبير بن بكار: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن الضحاك، عن أبيه، عن سفيان الثوري قال: بلغني أنه ملك الأرض كلها أربعة: مؤمنان وكافران سليمان النبي وذو القرنين ونمرود وبخت نصر. وهكذا قال سعيد بن بشير: سواء. وقال إسحاق بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن الحسن قال: كان ذو القرنين ملك بعد النمرود وكان من قصته أنه كان رجلا مسلما صالحا أتى المشرق والمغرب مد الله له في الاجل ونصره حتى قهر البلاد، واحتوى على الأموال، وفتح المدائن، وقتل الرجال، وجال في البلاد والقلاع فسار حتى أتى المشرق والمغرب فذلك قول الله: (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا) أي خبرا (إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شئ سببا) أي علما بطلب أسباب المنازل.
قال إسحاق، وزعم مقاتل أنه كان يفتح المدائن ويجمع الكنوز فمن اتبعه على دينه وتابعه عليه وإلا قتله. وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعبيد بن يعلى والسدي وقتادة والضحاك (وآتيناه من كل شئ سببا) يعني علما وقال قتادة ومطر الوراق معالم الأرض ومنازلها وأعلامها وآثارها وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعني: تعليم الألسنة كان لا يغزو قوما إلا حدثهم بلغتهم والصحيح أنه يعم كل سبب يتوصل به إلى نيل مقصوده في المملكة وغيرها فإنه كان يأخذ من كل أقليم من الأمتعة والمطاعم والزاد ما يكفيه ويعينه على أهل الإقليم الآخر.
وذكر بعض أهل الكتاب أنه مكث ألفا وستمائة سنة يجوب الأرض ويدعو أهلها إلى عبادة الله وحده لا شريك له وفي كل هذه المدة نظر. والله أعلم. وقد روى البيهقي وابن عساكر حديثا متعلقا بقوله: (وآتيناه من كل شئ سببا) مطولا جدا وهو منكر جدا. وفي إسناده محمد بن يونس الكديمي وهو متهم فلهذا لم نكتبه لسقوطه عندنا والله أعلم وقوله: (فاتبع سببا) أي طريقا (حتى إذا بلغ مغرب الشمس) يعني من الأرض انتهى إلى حيث لا يمكن أحدا أن يجاوزه ووقف على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له أوقيانوس الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هي مبدأ الأطوال على أحد قولي أرباب الهيئة، والثاني من ساحل هذا البحر كما قدمنا. وعنده شاهد مغيب الشمس فيما رآه بالنسبة إلى مشاهدته (تغرب في عين حمئة) والمراد بها البحر في نظره فإن من كان في البحر أو على ساحله، يرى الشمس كأنها تطلع من البحر وتغرب فيه ولهذا قال: (وجدها) أي في نظره ولم يقل: فإذا هي تغرب في عين حمئة أي ذات حمأة. قال كعب
стр. 517
الأحبار: وهو الطين الأسود. وقرأه بعضهم حامية. فقيل يرجع إلى الأول. وقيل من الحرارة وذلك من شدة المقابلة لوهج ضوء الشمس وشعاعها. وقد روى الإمام أحمد: عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو عن عبد الله. قال نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: " في نار الله الحامية لولا ما يزعها (١) من أمر الله لأحرقت ما على الأرض " (٢) فيه غرابة وفيه رجل منهم لم يسم ورفعه فيه نظر وقد يكون موقوفا من كلام عبد الله بن عمرو، فإنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب المتقدمين فكان يحدث منها والله أعلم.
ومن زعم من القصاص أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس وصار يمشي بجيوشه في ظلمات مددا طويلة فقد أخطأوا بعد النجعة وقال ما يخالف العقل والنقل.
بيان طلب ذي القرنين عين الحياة
وقد ذكر ابن عساكر: من طريق وكيع، عن أبيه، عن معتمر بن سليمان، عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه، زين العابدين خبرا مطولا جدا فيه: أن ذا القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له رناقيل (٣) فسأله ذو القرنين هل تعلم في الأرض عينا يقال لها عين الحياة فذكر له صفة مكانها فذهب ذو القرنين في طلبها، وجعل الخضر على مقدمته فانتهى الخضر إليها في واد في أرض الظلمات فشرب منها، ولم يهتد ذو القرنين إليها. وذكر اجتماع ذي القرنين ببعض الملائكة في قصر هناك وأنه أعطاه حجرا فلما رجع إلى جيشه سأل العلماء عنه فوضعوه في كفة ميزان وجعلوا في مقابلته ألف حجر مثله فوزنها حتى سأل الخضر فوضع قباله حجرا وجعل عليه حفنة من تراب فرجح به. وقال هذا مثل ابن آدم لا يشبع حتى يوارى بالتراب فسجد له العلماء تكريما له وإعظاما والله أعلم (٤). ثم ذكر تعالى أنه حكم في أهل تلك الناحية (قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا. قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا)
стр. 518
[الكهف: ٨٧ - ٨٨] أي فيجتمع عليه عذاب الدنيا والآخرة وبدأ بعذاب الدنيا لأنه أزجر عند الكافر (وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا) [الكهف: ٨٩] فبدأ بالأهم وهو ثواب الآخرة وعطف عليه الاحسان منه إليه وهذا هو العدل والعلم والايمان قال الله تعالى: (ثم اتبع سببا) أي سلك طريقا راجعا من المغرب إلى المشرق فيقال إنه رجع في ثنتي عشرة سنة (حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا) أي ليس لهم بيوت ولا أكنان يستترون بها من حر الشمس. قال كثير من العلماء ولكن كانوا يأوون إذا اشتد عليهم الحر إلى أسراب قد اتخذوها في الأرض شبه القبور (١) قال الله تعالى: (كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا) أي ونحن نعلم ما هو عليه ونحفظه ونكلؤه بحراستنا في مسيره ذلك كله من مغارب الأرض إلى مشارقها.
وقد روي عن عبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما من السلف: أن ذا القرنين حج ماشيا فلما سمع إبراهيم الخليل بقدومه تلقاه فلما اجتمعا دعا له الخليل ووصاه بوصايا ويقال إنه جئ بفرس ليركبها فقال: لا أركب في بلد فيه الخليل (٢) فسخر الله له السحاب وبشره إبراهيم بذلك فكانت تحمله إذا أراد. وقوله تعالى: (ثم اتبع سببا. حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا) [الكهف: ٩٢ - ٩٣] يعني غشما. يقال إنهم هم الترك أبناء عم يأجوج ومأجوج فذكروا له أن هاتين القبيلتين قد تعدوا عليهم وأفسدوا في بلادهم وقطعوا السبل عليهم، وبذلوا له حملا، وهو الخراج، على أن يقيم بينهم وبينهم حاجزا يمنعهم من الوصول إليهم فامتنع من أخذ الخراج اكتفاءا بما أعطاه الله من الأموال الجزيلة (قال ما مكني فيه ربي خير) ثم طلب منهم أن يجمعوا له رجالا وآلات ليبني بينهم وبينهم سدا وهو الردم بين الجبلين وكانوا لا يستطيعون الخروج إليهم إلا من بينهما وبقية ذلك بحار مغرقة وجبال شاهقة فبناه كما قال تعالى من الحديد والقطر وهو النحاس المذاب. وقيل الرصاص والصحيح الأول فجعل بدل اللبن حديدا وبدل الطين نحاسا ولهذا قال تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه) أي يعلوا عليه بسلالم (٣) ولا غيرها (وما استطاعوا له نقبا) أي بمعاول ولا فؤوس ولا غيرها فقابل الأسهل بالأسهل والأشد بالأشد (قال هذا رحمة من ربي) أي قدر الله وجوده ليكون رحمة منه بعباده أن يمنع بسببه عدوان هؤلاء القوم على من جاورهم في تلك المحلة (فإذا جاء وعد ربي) أي الوقت الذي قدر
стр. 519
خروجهم على الناس في آخر الزمان (جعله دكاء) أي مساويا للأرض ولا بد من كون هذا ولهذا قال: (وكان وعد ربي حقا) [الكهف: ٩٨] كما قال تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. واقترب الوعد الحق) الآية [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧] ولذا قال ههنا: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض) [الكهف: ٩٩] يعني يوم فتح السد على الصحيح (ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا) وقد أوردنا الأحاديث المروية في خروج يأجوج ومأجوج في التفسير وسنوردها إن شاء الله في " كتاب الفتن والملاحم " من كتابنا هذا إذا انتهينا إليه بحول الله وقوته وحسن توفيقه ومعونته وهدايته.
قال أبو داود الطيالسي: عن الثوري: بلغنا أن أول من صافح ذو القرنين. وروي عن كعب الأحبار أنه قال لمعاوية: إن ذا القرنين لما حضرته الوفاة أوصى أمه إذا هو مات أن تصنع طعاما وتجمع نساء أهل المدينة وتضعه بين أيديهن، وتأذن له فيه إلا من كانت ثكلى فلا تأكل منه شيئا، فلما فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدها فيه فقالت لهن سبحان الله كلكن ثكلى؟ فقلن أي والله ما منا إلا من أثكلت فكان ذلك تسلية لامه. وذكر إسحاق بن بشر عن عبد الله بن زياد عن بعض أهل الكتاب وصية ذي القرنين وموعظة أمه موعظة بليغة طويلة فيها حكم وأمور نافعة وأنه مات وعمره ثلاثة آلاف سنة وهذا غريب.
قال ابن عساكر وبلغني من وجه آخر أنه عاش ستا وثلاثين سنة. وقيل كان عمره ثنتين وثلاثين سنة. وكان بعد داود بسبعمائة سنة وأربعين سنة. وكان بعد آدم بخمسة آلاف ومائة وإحدى وثمانين سنة. وكان ملكه ست عشرة سنة (١). وهذا الذي ذكره إنما ينطبق على إسكندر الثاني لا الأول وقد خلط في أول الترجمة وآخرها بينهما والصواب التفرقة كما ذكرنا اقتداء بجماعة من الحفاظ والله أعلم. وممن جعلهما واحدا الامام عبد الملك بن هشام راوي السيرة وقد أنكر ذلك عليه الحافظ أبو القاسم السهيلي ﵀ إنكارا بليغا ورد قوله ردا شنيعا وفرق بينهما تفريقا جيدا كما قدمنا قال ولعل جماعة من الملوك المتقدمين تسموا بذي القرنين تشبها بالأول. والله أعلم.
ذكر أمتي يأجوج ومأجوج وصفاتهم وما ورد من أخبارهم وصفة السد
هم من ذرية آدم بلا خلاف نعلمه ثم الدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين: من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " يقول الله تعالى يوم القيامة يا آدم [! فيقول: لبيك وسعديك، والخبر في يديك]: قم فابعث بعث النار من ذريتك فيقول: يا رب وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة.
стр. 520
فحينئذ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ". [قال: فاشتد ذلك عليهم] قالوا يا رسول الله أينا ذلك الواحد؟ فقال رسول الله ﷺ : " أبشروا فإن منكم واحدا ومن يأجوج ومأجوج ألفا " (١) وفي رواية فقال: " أبشروا فإن فيكم أمتين ما كانتا في شئ إلا كثرتاه ". أي غلبتاه كثرة وهذا يدل على كثرتهم وإنهم أضعاف الناس مرارا عديدة. ثم هم من ذرية نوح لان الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الأرض بقوله: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) وقال تعالى: (فأنجيناه وأصحاب السفينة) وقال: (وجعلنا ذريته هم الباقين) وتقدم في الحديث المروي (٢) في المسند والسنن أن نوحا ولد له ثلاثة وهم سام وحام ويافث فسام أبو العرب وحام أبو السودان ويافث أبو الترك فيأجوج ومأجوج طائفة من الترك وهم مغل المغول وهم أشد بأسا وأكثر فسادا من هؤلاء ونسبتهم إليهم كنسبة هؤلاء إلى غيرهم. وقد قيل إن الترك إنما سموا بذلك حين بنى ذو القرنين السد وألجأ يأجوج ومأجوج إلى ما وراءه فبقيت منهم طائفة لم يكن عندهم كفسادهم فتركوا من ورائه. فلهذا قيل لهم الترك.
ومن زعم (٣) أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم فاختلطت بتراب فخلقوا من ذلك وأنهم ليسوا من حواء فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوي في شرح مسلم وغيره وضعفوه. وهو جدير بذلك إذ لا دليل عليه بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن. وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدا. فمنهم من هو كالنخلة السحوق. ومنهم من هو غاية في القصر. ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى فكل هذه أقوال بلا دليل ورجم بالغيب بغير برهان. والصحيح أنهم من بني آدم وعلى أشكالهم وصفاتهم. وقد قال النبي ﷺ : " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا " (٤) ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن. وهذا فيصل في هذا الباب وغيره. وما قيل من أن أحدهم لا يموت حتى يرى من ذريته ألفا (٥) فإن صح في خبر قلنا به وإلا فلا نرده إذ يحتمله العقل والنقل أيضا قد يرشد إليه
стр. 521
والله أعلم. بل قد ورد حديث مصرح بذلك إن صح قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصبهاني، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة، عن مسلم، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: " إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معائشهم ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا. وإن من ورائهم ثلاث أمم (تأويل وتاريس ومنسك) " (١). وهو حديث غريب جدا وإسناده ضعيف. وفيه نكارة شديدة. وأما الحديث الذي ذكره ابن جرير في تاريخه أن رسول الله ﷺ ذهب إليهم ليلة الاسراء فدعاهم إلى الله فامتنعوا من إجابته ومتابعته وأنه دعا تلك الأمم التي هناك (تاريس وتأويل ومنسك) فأجابوه فهو حديث موضوع اختلقه أبو نعيم عمرو بن الصبح أحد الكذابين الكبار الذين اعترفوا بوضع الحديث والله أعلم.
فإن قيل فكيف دل الحديث المتفق عليه أنهم فداء المؤمنين يوم القيامة أنهم في النار ولم يبعث إليهم رسل. وقد قال الله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فالجواب أنهم لا يعذبون إلا بعد قيام الحجة عليهم والاعذار إليهم كما قال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [الاسراء: ١٥] فإن كانوا في زمن الذي قبل بعث محمد ﷺ قد أتتهم رسل منهم فقد قامت على أولئك الحجة وإن لم يكن قد بعث الله إليهم رسلا فهم في حكم أهل الفترة. ومن لم تبلغه الدعوة وقد دل الحديث المروي من طرق (٢) عن جماعة من الصحابة عن رسول الله ﷺ : " إن من كان كذلك يمتحن في عرصات القيامة فمن أجاب الداعي دخل الجنة ومن أبى دخل النار " وقد أوردنا الحديث بطرقه وألفاظه وكلام الأئمة عليه عند قوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وقد حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري إجماعا عن أهل السنة والجماعة، وامتحانهم لا يقتضي نجاتهم، ولا ينافي الاخبار عنهم بأنهم من أهل النار لان الله يطلع رسوله ﷺ على ما يشاء من أمر الغيب وقد اطلعه على أن هؤلاء من أهل الشقاء وأن سجاياهم تأبى قبول الحق والانقياد له فهم لا يجيبون الداعي إلى يوم القيامة فيعلم من هذا أنهم كانوا أشد تكذيبا للحق في الدنيا لو بلغهم فيها لان في عرصات القيامة ينقاد خلق ممن كان مكذبا في الدنيا فإيقاع الايمان هناك لما يشاهد من الأهوال أولى وأحرى منه في الدنيا والله أعلم. كما قال تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا فعمل صالحا إنا موقنون) [السجدة: ١٢] وقال تعالى: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) [مريم: ٣٨]. وأما الحديث الذي فيه أن رسول الله ﷺ : " دعاهم ليلة الاسراء فلم يجيبوا " فإنه حديث منكر بل موضوع وضعه عمرو بن الصبح.
стр. 522
وأما السد فقد تقدم أن ذا القرنين بناه من الحديد والنحاس وساوى به الجبال الصم الشامخات الطوال فلا يعرف على وجه الأرض بناء أجل منه ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم. قال البخاري: وقال رجل للنبي ﷺ رأيت السد قال: " وكيف رأيته؟ " قال مثل البرد المحبر (١) فقال: " رأيته هكذا ". ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم ولم أره مسندا من وجه متصل أرتضيه غير أن ابن جرير رواه في تفسيره مرسلا فقال: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال ذكر لنا أن رجلا قال: يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال: " انعته لي " قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء قال: " قد رأيته ".
وقد ذكر أن الخليفة الواثق بعث رسلا من جهته وكتب لهم كتبا إلى الملوك يوصلونهم من بلاد إلى بلاد حتى ينهوا إلى السد فيكشفوا عن خبره وينظروا كيف بناه ذو القرنين على أي صفة؟ فلما رجعوا أخبروا عن صفته وأن فيه بابا عظيما وعليه أقفال وأنه بناء محكم شاهق منيف جدا وأن بقية اللبن الحديد والآلات في برج هناك وذكروا أنه لا يزال هناك حرس لتلك الملوك المتاخمة لتلك البلاد ومحلته في شرقي الأرض في جهة الشمال في زاوية الأرض الشرقية الشمالية، ويقال: إن بلادهم متسعة جدا وإنهم يقتاتون بأصناف من المعايش من حراثة وزراعة واصطياد من البر ومن البحر، وهم أمم وخلق لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم. فإن قيل فما الجمع بين قوله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا) [الكهف: ٩٧] وبين الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂ قالت استيقظ رسول الله ﷺ من نوم محمرا وجهه وهو يقول: " لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " (٢) وحلق تسعين قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث (٣). وأخرجاه في الصحيحين: من حديث وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وعقد تسعين " (٤). فالجواب أما على قول من ذهب إلى أن هذا إشارة إلى فتح أبواب الشر والفتن وإن هذا استعارة محضة وضرب مثل فلا إشكال. وأما على قول من جعل ذلك إخبارا عن أمر محسوس كما هو الظاهر المتبادر فلا إشكال أيضا لان قوله: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له
стр. 523
نقبا) أي في ذلك الزمان لأن هذه صيغة خبر ماض، فلا ينفي وقوعه فيما يستقبل بإذن الله لهم في ذلك قردا وتسليطهم عليه بالتدريج قليلا قليلا حتى يتم الاجل، وينقضي الامر المقدور فيخرجون كما قال الله تعالى: (وهم من كل حدب ينسلون) [الأنبياء: ٩٦] ولكن الحديث الآخر أشكل من هذا وهو ما رواه الإمام أحمد في مسنده قائلا: حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، حدثنا أبو رافع، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: " إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرون غدا إن شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئة يوم تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فيستقون (١) المياه، وتتحصن الناس في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا (٢) في أقفائهم فيقتلهم بها " (٣). قال رسول الله ﷺ : " والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم " ورواه أحمد أيضا عن حسن بن موسى عن سفيان عن قتادة به، وهكذا رواه ابن ماجة من حديث سعيد عن قتادة إلا أنه قال حديث أبو رافع. ورواه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة به. ثم قال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. فقد أخبر في هذا الحديث أنهم كل يوم يلحسونه حتى يكادوا ينذرون شعاع الشمس من ورائه لرقته فإن لم يكن رفع هذا الحديث محفوظا وإنما هو مأخوذ عن كعب الأحبار كما قاله بعضهم فقد استرحنا من المؤنة وإن كان محفوظا فيكون محمولا على أن صنيعهم (٤) هذا يكون في آخر الزمان عند اقتراب خروجهم كما هو المروي عن كعب الأحبار أو يكون المراد بقوله: (وما استطاعوا له نقبا) أي نافذا منه فلا ينفى أن يلحسوه ولا ينفذوه والله أعلم. وعلى هذا فيمكن الجمع بين هذا وبين ما في الصحيحين عن أبي هريرة فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد تسعين أي فتح فتحا نافذا فيه والله أعلم.
قصة أصحاب الكهف
قال الله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهئ لنا من أمرنا رشدا فضربنا على آذانهم في
стр. 524
الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا. نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا. هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا. وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهئ لكم من أمركم مرفقا. وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا. وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم. قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا. إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا. وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا. سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب. ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم. قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا. ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا. ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا. قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به واسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا) [الكهف: ٩ - ٢٦].
كان سبب نزول قصة أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة وغيره أن قريشا بعثوا إلى اليهود يسألونهم عن أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ ويسألونه عنها ليختبروا ما يجيب به فيها فقالوا: سلوه عن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدري ما صنعوا، وعن رجل طواف في الأرض وعن الروح (١)، فأنزل الله تعالى: (ويسألونك عن الروح) [الاسراء: ٨٥] (ويسألونك عن ذي القرنين) [الكهف: ٨٣] وقال ههنا: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) أي ليسوا بعجب عظيم بالنسبة إلى ما أطلعناك عليه من الاخبار العظيمة والآيات الباهرة والعجائب الغريبة. والكهف: هو الغار في الجبل (٢). قال شعيب
стр. 525
الجبائي واسم كهفهم حيزم، وأما الرقيم فعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما المراد به. وقيل هو الكتاب المرقوم فيه أسماؤهم وما جرى لهم كتب من بعدهم اختاره ابن جرير وغيره. وقيل هو اسم الجبل الذي فيه كهفهم. قال ابن عباس وشعيب الجبائي واسمه بناجلوس. وقيل هو اسم واد عند كهفهم وقيل اسم قرية هنالك والله أعلم.
قال شعيب الجبائي: واسم كلبهم حمران (١) واعتناء اليهود بأمرهم ومعرفة خبرهم، يدل على أن زمانهم متقدم على ما ذكره بعض المفسرين أنهم كانوا بعد المسيح، وأنهم كانوا نصارى. والظاهر من السياق أن قومهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام. قال كثير من المفسرين والمؤرخين وغيرهم: كانوا في زمن ملك يقال له دقيانوس وكانوا من أبناء الأكابر. وقيل من أبناء الملوك واتفق اجتماعهم في يوم عيد لقومهم فرأوا ما يتعاطاه قومهم من السجود للأصنام والتعظيم للأوثان فنظروا بعين البصيرة وكشف الله عن قلوبهم حجاب الغفلة، وألهمهم رشدهم فعلموا أن قومهم ليسوا على شئ، فخرجوا عن دينهم وانتموا إلى عبادة الله وحده لا شريك له. ويقال إن كل واحد منهم لما أوقع الله في نفسه ما هداه إليه من التوحيد انحاز عن الناس واتفق اجتماع هؤلاء الفتية في مكان واحد كما صح في البخاري: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " فكل منهم سأل الآخر عن أمره، وعن شأنه، فأخبره ما هو عليه واتفقوا على الانحياز عن قومهم والتبري منهم والخروج من بين أظهرهم والفرار بدينهم منهم وهو المشروع حال الفتن وظهور الشرور. قال الله تعالى: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين) [الكهف: ١٣ - ١٥] أي بدليل ظاهر على ما ذهبوا إليه وصاروا من الامر عليه (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله) [الكهف: ١٥ - ١٦] أي وإذ فارقتموهم في دينهم، وتبرأتم مما يعبدون من دون الله، وذلك لأنهم كانوا يشركون مع الله كما قال الخليل: (إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) [الزخرف: ٢٧] وهكذا هؤلاء الفتية قال بعضهم إذ قد فارقتم قومكم في دينهم، فاعتزلوهم بأبدانكم لتسلموا منهم أن يوصلوا إليكم شرا (فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهئ لكم من أمركم مرفقا) أي يسبل عليكم ستره وتكونوا تحت حفظه وكنفه ويجعل عاقبة أمركم إلى خير كما جاء في الحديث: " اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة " (٢) ثم ذكر تعالى صفة الغار الذي آووا إليه وأن بابه موجه إلى نحو الشمال وأعماقه إلى جهة القبلة وذلك أنفع
стр. 526
الأماكن أن يكون المكان قبليا وبابه نحو الشمال فقال: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور) وقرئ تزور: (عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال) فأخبر أن الشمس يعني في زمن الصيف وأشباهه تشرق أول طلوعها في الغار في جانبه الغربي ثم تشرع في الخروج منه قليلا قليلا وهو ازوارها (١) ذات اليمين فترتفع في جو السماء وتتقلص عن باب الغار ثم إذا تضيفت للغروب تشرع في الدخول فيه من جهته الشرقية قليلا قليلا إلى حين الغروب كما هو المشاهد بمثل هذا المكان والحكمة في دخول الشمس إليه في بعض الأحيان أن لا يفسد هواؤه (٢) (وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله) أي بقاؤهم على هذه الصفة دهرا طويلا من السنين لا يأكلون ولا يشربون ولا تتغذى أجسادهم في هذه المدة الطويلة من آيات الله وبرهان قدرته العظيمة (من يهد الله فهو المهتد ومن يظلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود) [الكهف: ١٦ - ١٨] قال بعضهم لان أعينهم مفتوحة لئلا تفسد بطول الغمض (وتقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) قيل في كل عام يتحولون مرة من جنب إلى جنب (٣) ويحتمل أكثر من ذلك فالله أعلم (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) قال شعيب الجبائي اسم كلبهم حمران، وقال غيره الوصيد اسكفة الباب. والمراد أن كلبهم، الذي كان معهم وصحبهم حال انفرادهم من قومهم، لزمهم ولم يدخل معهم في الكهف بل ربض على بابه ووضع يديه على الوصيد وهذا من جملة أدبه ومن جملة ما أكرموا به فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولما كانت التبعية مؤثرة حتى كان في كلب هؤلاء صار باقيا معهم ببقائهم لان من أحب قوما سعد بهم فإذا كان هذا في حق كلب فما ظنك بمن تبع أهل الخير وهو أهل للاكرام. وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرا طويلا أكثره متلقى من الإسرائيليات وكثير منها كذب ومما لا فائدة فيه كاختلافهم في اسمه ولونه.
وأما اختلاف العلماء في محلة هذا الكهف فقال كثيرون هو بأرض أيلة. وقيل بأرض نينوى. وقيل بالبلقاء وقيل ببلاد الروم وهو أشبه. والله أعلم. ولما ذكر الله تعالى ما هو الأنفع من خبرهم والاهم من أمرهم ووصف حالهم حتى كأن السامع راء والمخبر مشاهد لصفة كهفهم وكيفيتهم في ذلك الكهف وتقلبهم من جنب إلى جنب وأن كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. قال:
стр. 527
(لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا) أي لما عليهم من المهابة والجلالة في أمرهم الذي صاروا إليه ولعل الخطاب ههنا لجنس الانسان المخاطب لا بخصوصية الرسول ﷺ كقوله: (فلما يكذبك بعد بالدين) [التين: ٧] أي أيها الانسان وذلك لان طبيعة البشرية تفر من رؤية الأشياء المهيبة غالبا ولهذا قال: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا) ودل على أن الخبر ليس كالمعاينة كما جاء في الحديث، لان الخبر قد حصل ولم يحصل الفرار ولا الرعب. ثم ذكر تعالى أنه بعثهم من رقدتهم بعد نومهم بثلاثمائة سنة وتسع سنين فلما استيقظوا قال بعضهم (١) لبعض: (كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) [الكهف: ١٩] أي بدراهمكم هذه يعني التي معهم إلى المدينة ويقال كان اسمها دفسوس (٢) (فلينظر أيها أزكى طعاما) أي أطيب (٣) مالا (فليأتكم برزق منه) أي بطعام تأكلونه وهذا من زهدهم وورعهم (وليتلطف) أي في دخوله إليها (ولا يشعرن بكم أحدا أنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا) أي إن عدتم في ملتهم بعد إذ أنقذكم الله منها وهذا كله لظنهم أنهم رقدوا يوما أو بعض يوم أو أكثر من ذلك ولم يحسبوا أنهم قد رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة وقد تبدلت الدول أطورا عديدة وتغيرت البلاد ومن عليها وذهب أولئك القرن الذين كانوا فيهم وجاء غيرهم وذهبوا وجاء غيرهم ولهذا لما خرج أحدهم وهو تيذوسيس (٤) فيما قيل وجاء إلى المدينة متنكرا لئلا يعرفه أحد من قومه فيما يحسبه تنكرت له البلاد واستنكره من يراه من أهلها واستغربوا شكله وصفته ودراهمه، فيقال إنهم حملوه إلى متوليهم، وخافوا من أمره أن يكون جاسوسا أو تكون له صولة يخشون من مضرتها، فيقال إنه هرب منهم، ويقال بل أخبرهم خبره ومن معه وما كان من أمرهم فانطلقوا معه ليريهم مكانهم فلما قربوا من الكهف دخل إلى إخوانه فأخبرهم حقيقة أمرهم ومقدار ما رقدوا فعلموا أن هذا أمر قدره الله فيقال إنهم استمروا راقدين ويقال بل ماتوا بعد ذلك.
وأما أهل البلدة فيقال إنهم لم يهتدوا إلى موضعهم من الغار وعمى الله عليهم أمرهم، ويقال لم يستطيعوا دخوله حسا (٥) ويقال مهابة لهم.
стр. 528
واختلفوا في أمرهم فقائلون يقولون (ابنوا عليهم بنيانا) أي سدوا عليهم باب الكهف لئلا يخرجوا أو لئلا يصل إليهم ما يؤذيهم وآخرون وهم الغالبون على أمرهم قالوا: (لنتخذن عليهم مسجدا) أي معبدا يكون مباركا لمجاورته هؤلاء الصالحين. وهذا كان شائعا فيمن كان قبلنا، فأما في شرعنا فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (١) يحذر ما فعلوا وأما قوله: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها) [الكهف: ٢١] فمعنى أعثرنا أطلعنا على أمرهم الناس. قال كثير من المفسرين ليعلم الناس أن المعاد حق، وأن الساعة لا ريب فيها. إذا علموا أن هؤلاء القوم رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة ثم قاموا كما كانوا من غير تغير منهم، فإن من أبقاهم كما هم، قادر على إعادة الأبدان وإن أكلتها الديدان وعلى إحياء الأموات وإن صارت أجسامهم وعظامهم رفاتا وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) [يس: ٨٢]. هذا ويحتمل عود الضمير في قوله ليعلموا إلى أصحاب الكهف إذ علمهم بذلك من أنفسهم أبلغ من علم غيرهم بهم، ويحتمل أن يعود على الجميع والله أعلم. ثم قال تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) فذكر اختلاف الناس في كميتهم فحكى ثلاثة أقوال وضعف الأولين وقرر الثالث فدل على أنه الحق إذ لو قيل غير ذلك لحكاه ولو لم يكن هذا الثالث هو الصحيح لوهاه فدل على ما قلناه (٢) ولما كان النزاع في مثل هذا لا طائل تحته ولا جدوى عنده أرشد نبيه ﷺ إلى الأدب في مثل هذا الحال إذا اختلف الناس فيه أن يقول الله أعلم. ولهذا قال: (قل ربي أعلم بعدتهم) وقوله: (وما يعلمهم إلا قليل) أي من الناس (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) أي سهلا ولا تتكلف أعمال الجدال في مثل هذا الحال ولا تستفت في أمرهم أحدا من الرجال ولهذا أبهم تعالى عدتهم في أول القصة فقال: (إنهم فتية آمنوا بربهم) ولو كان في تعين عدتهم كبير فائدة لذكرها عالم الغيب والشهادة وقوله تعالى: (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) [الكهف: ٢٣ - ٢٤] أدب عظيم أرشده الله تعالى إليه وحث خلقه عليه وهو ما إذا قال أحدهم إني سأفعل في المستقبل كذا، فيشرع له أن يقول: إن شاء الله ليكون ذلك تحقيقا لعزمه، لان العبد لا يعلم ما في غد ولا
стр. 529
يدري أهذا الذي عزم عليه مقدر أم لا، وليس هذا الاستثناء تعليقا وإنما هو الحقيقي ولهذا قال ابن عباس يصح إلى سنة ولكن قد يكون في بعض المحال لهذا ولهذا كما تقدم في قصة سليمان ﵇ حين قال لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل واحدة منه غلاما يقاتل في سبيل الله فقيل له. قال: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته " (١). وقوله: (واذكر ربك إذا نسيت) وذلك لان النسيان قد يكون من الشيطان، فذكر الله يطرده عن القلب فيذكر ما كان قد نسيه. وقوله: (وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) أي إذا اشتبه أمر، وأشكل حال، والتبس أقوال الناس في شئ فارغب إلى الله ييسره لك ويسهله عليك ثم قال: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا). لما كان في الاخبار بطول مدة لبثهم فائدة عظيمة ذكرها تعالى وهذه التسع المزيدة بالقمرية وهي لتكميل ثلاثمائة شمسية فإن كل مائة قمرية تنقص عن الشمسية ثلاث سنين (قال الله أعلم بما لبثوا) أي إذا سئلت عن مثل هذا وليس عندك في ذلك نقل فرد الامر في ذلك إلى الله (له غيب السماوات والأرض) أي هو العالم بالغيب فلا يطلع عليه إلا من شاء من خلقه (أبصر به واسمع) يعني أنه يضع الأشياء في محالها لعلمه التام بخلقه وبما يستحقونه ثم قال: (ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا) أي ربك المنفرد بالملك والمنصرف وحده لا شريك له.
قصة الرجلين المؤمن والكافر
قال الله تعالى في سورة الكهف بعد قصة أهل الكهف: (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا. وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا - إلى قوله - هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا) [الكهف: ٣٢ - ٤٤]. قال بعض الناس هذا مثل مضروب ولا يلزم أن يكون واقعا والجمهور أنه أمر قد وقع وقوله: (واضرب لهم مثلا) يعني لكفار قريش في عدم اجتماعهم بالضعفاء والفقراء وازدرائهم بهم وافتخارهم عليهم كما قال تعالى: (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون) [يس: ١٣] كما قدمنا الكلام على قصتهم قبل قصة موسى ﵇ والمشهور أن هذين كانا رجلين مصطحبين وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا (٢) ويقال إنه كان لكل
стр. 530
منهما مال فأنفق المؤمن ماله في طاعة الله ومرضاته ابتغاء وجهه. وأما الكافر فإنه اتخذ له بساتين وهما الجنتان المذكورتان في الآية على الصفة والنعت المذكور. فيهما أعناب ونخيل تحف تلك الأعناب والزروع في ذلك والأنهار سارحة ههنا وههنا للسقي والتنزه، وقد استوثقت فيهما الثمار، واضطربت فيهما الأنهار، وابتهجت الزروع والثمار وافتخر مالكهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلا له: (أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا) أي أوسع جنانا. ومراده: أنه خير منه ومعناه: ماذا أغنى عنك إنفاقك ما كنت تملكه في الوجه الذي صرفته فيه كان الأولى بك أن تفعل كما فعلت لتكون مثلي فافتخر على صاحبه: (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه) أي وهو على غير طريقة مرضية قال: (ما أظن أن تبيد هذه أبدا) وذلك لما رأى من اتساع أرضها، وكثرة مائها، وحسن نبات أشجارها ولو قد بادت كل واحدة من هذه الأشجار لاستخلف مكانها أحسن منها وزروعها دارة لكثرة مياهها. ثم قال: (وما أظن الساعة قائمة) فوثق بزهرة الحياة الدنيا الفانية وكذب بوجود الآخرة الباقية الدائمة. ثم قال: (ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) أي ولئن كان ثم آخرة ومعاد فلأجدن هناك خيرا من هذا وذلك لأنه اغتر بدنياه، واعتقد أن الله لم يعطه ذلك فيها. إلا لحبه له: وحظوته عنده كما قال العاص بن وائل فيما قص الله من خبره وخبر خباب بن الأرت في قوله: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) وقال: (لأوتين مالا وولدا. أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا) [مريم: ٧٨] وقال تعالى إخبارا عن الانسان إذا أنعم الله عليه (ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى) [فصلت: ٥] قال الله تعالى: (فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ) [فصلت: ٥٠] وقال قارون: (إنما أوتيته على علم عندي) [القصص: ٧٨] أي لعلم الله بي أني أستحقه قال الله تعالى: (أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) [القصص: ٧٨] وقد قدمنا الكلام على قصته في أثناء قصة موسى. وقال تعالى: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) [سبأ: ٣٧]. وقال تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) [المؤمنون: ٥٥]. ولما اغتر هذا الجاهل بما خول به في الدنيا فجحد الآخرة وادعى أنها إن وجدت ليجدن عند ربه خيرا مما هو فيه، وسمعه صاحبه يقول ذلك قال له: (وهو يحاوره) أي يجادله (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) [الكهف: ٣٧] أي أجحدت المعاد وأنت تعلم أن الله خلقك من تراب. ثم من نطفة ثم صورك أطوارا حتى صرت رجلا سويا سميعا بصيرا تعلم وتبطش وتفهم فكيف أنكرت المعاد والله قادر على البداءة (لكنا هو الله ربي) أي لكن أنا أقول بخلاف ما قلت