← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الأماكن أن يكون المكان قبليا وبابه نحو الشمال فقال: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور) وقرئ تزور: (عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال) فأخبر أن الشمس يعني في زمن الصيف وأشباهه تشرق أول طلوعها في الغار في جانبه الغربي ثم تشرع في الخروج منه قليلا قليلا وهو ازوارها (١) ذات اليمين فترتفع في جو السماء وتتقلص عن باب الغار ثم إذا تضيفت للغروب تشرع في الدخول فيه من جهته الشرقية قليلا قليلا إلى حين الغروب كما هو المشاهد بمثل هذا المكان والحكمة في دخول الشمس إليه في بعض الأحيان أن لا يفسد هواؤه (٢) (وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله) أي بقاؤهم على هذه الصفة دهرا طويلا من السنين لا يأكلون ولا يشربون ولا تتغذى أجسادهم في هذه المدة الطويلة من آيات الله وبرهان قدرته العظيمة (من يهد الله فهو المهتد ومن يظلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود) [الكهف: ١٦ - ١٨] قال بعضهم لان أعينهم مفتوحة لئلا تفسد بطول الغمض (وتقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) قيل في كل عام يتحولون مرة من جنب إلى جنب (٣) ويحتمل أكثر من ذلك فالله أعلم (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) قال شعيب الجبائي اسم كلبهم حمران، وقال غيره الوصيد اسكفة الباب. والمراد أن كلبهم، الذي كان معهم وصحبهم حال انفرادهم من قومهم، لزمهم ولم يدخل معهم في الكهف بل ربض على بابه ووضع يديه على الوصيد وهذا من جملة أدبه ومن جملة ما أكرموا به فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولما كانت التبعية مؤثرة حتى كان في كلب هؤلاء صار باقيا معهم ببقائهم لان من أحب قوما سعد بهم فإذا كان هذا في حق كلب فما ظنك بمن تبع أهل الخير وهو أهل للاكرام. وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرا طويلا أكثره متلقى من الإسرائيليات وكثير منها كذب ومما لا فائدة فيه كاختلافهم في اسمه ولونه. وأما اختلاف العلماء في محلة هذا الكهف فقال كثيرون هو بأرض أيلة. وقيل بأرض نينوى. وقيل بالبلقاء وقيل ببلاد الروم وهو أشبه. والله أعلم. ولما ذكر الله تعالى ما هو الأنفع من خبرهم والاهم من أمرهم ووصف حالهم حتى كأن السامع راء والمخبر مشاهد لصفة كهفهم وكيفيتهم في ذلك الكهف وتقلبهم من جنب إلى جنب وأن كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد. قال:

стр. 527

(لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا) أي لما عليهم من المهابة والجلالة في أمرهم الذي صاروا إليه ولعل الخطاب ههنا لجنس الانسان المخاطب لا بخصوصية الرسول ﷺ كقوله: (فلما يكذبك بعد بالدين) [التين: ٧] أي أيها الانسان وذلك لان طبيعة البشرية تفر من رؤية الأشياء المهيبة غالبا ولهذا قال: (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا) ودل على أن الخبر ليس كالمعاينة كما جاء في الحديث، لان الخبر قد حصل ولم يحصل الفرار ولا الرعب. ثم ذكر تعالى أنه بعثهم من رقدتهم بعد نومهم بثلاثمائة سنة وتسع سنين فلما استيقظوا قال بعضهم (١) لبعض: (كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) [الكهف: ١٩] أي بدراهمكم هذه يعني التي معهم إلى المدينة ويقال كان اسمها دفسوس (٢) (فلينظر أيها أزكى طعاما) أي أطيب (٣) مالا (فليأتكم برزق منه) أي بطعام تأكلونه وهذا من زهدهم وورعهم (وليتلطف) أي في دخوله إليها (ولا يشعرن بكم أحدا أنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا) أي إن عدتم في ملتهم بعد إذ أنقذكم الله منها وهذا كله لظنهم أنهم رقدوا يوما أو بعض يوم أو أكثر من ذلك ولم يحسبوا أنهم قد رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة وقد تبدلت الدول أطورا عديدة وتغيرت البلاد ومن عليها وذهب أولئك القرن الذين كانوا فيهم وجاء غيرهم وذهبوا وجاء غيرهم ولهذا لما خرج أحدهم وهو تيذوسيس (٤) فيما قيل وجاء إلى المدينة متنكرا لئلا يعرفه أحد من قومه فيما يحسبه تنكرت له البلاد واستنكره من يراه من أهلها واستغربوا شكله وصفته ودراهمه، فيقال إنهم حملوه إلى متوليهم، وخافوا من أمره أن يكون جاسوسا أو تكون له صولة يخشون من مضرتها، فيقال إنه هرب منهم، ويقال بل أخبرهم خبره ومن معه وما كان من أمرهم فانطلقوا معه ليريهم مكانهم فلما قربوا من الكهف دخل إلى إخوانه فأخبرهم حقيقة أمرهم ومقدار ما رقدوا فعلموا أن هذا أمر قدره الله فيقال إنهم استمروا راقدين ويقال بل ماتوا بعد ذلك. وأما أهل البلدة فيقال إنهم لم يهتدوا إلى موضعهم من الغار وعمى الله عليهم أمرهم، ويقال لم يستطيعوا دخوله حسا (٥) ويقال مهابة لهم.

стр. 528

واختلفوا في أمرهم فقائلون يقولون (ابنوا عليهم بنيانا) أي سدوا عليهم باب الكهف لئلا يخرجوا أو لئلا يصل إليهم ما يؤذيهم وآخرون وهم الغالبون على أمرهم قالوا: (لنتخذن عليهم مسجدا) أي معبدا يكون مباركا لمجاورته هؤلاء الصالحين. وهذا كان شائعا فيمن كان قبلنا، فأما في شرعنا فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (١) يحذر ما فعلوا وأما قوله: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها) [الكهف: ٢١] فمعنى أعثرنا أطلعنا على أمرهم الناس. قال كثير من المفسرين ليعلم الناس أن المعاد حق، وأن الساعة لا ريب فيها. إذا علموا أن هؤلاء القوم رقدوا أزيد من ثلاثمائة سنة ثم قاموا كما كانوا من غير تغير منهم، فإن من أبقاهم كما هم، قادر على إعادة الأبدان وإن أكلتها الديدان وعلى إحياء الأموات وإن صارت أجسامهم وعظامهم رفاتا وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) [يس: ٨٢]. هذا ويحتمل عود الضمير في قوله ليعلموا إلى أصحاب الكهف إذ علمهم بذلك من أنفسهم أبلغ من علم غيرهم بهم، ويحتمل أن يعود على الجميع والله أعلم. ثم قال تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) فذكر اختلاف الناس في كميتهم فحكى ثلاثة أقوال وضعف الأولين وقرر الثالث فدل على أنه الحق إذ لو قيل غير ذلك لحكاه ولو لم يكن هذا الثالث هو الصحيح لوهاه فدل على ما قلناه (٢) ولما كان النزاع في مثل هذا لا طائل تحته ولا جدوى عنده أرشد نبيه ﷺ إلى الأدب في مثل هذا الحال إذا اختلف الناس فيه أن يقول الله أعلم. ولهذا قال: (قل ربي أعلم بعدتهم) وقوله: (وما يعلمهم إلا قليل) أي من الناس (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) أي سهلا ولا تتكلف أعمال الجدال في مثل هذا الحال ولا تستفت في أمرهم أحدا من الرجال ولهذا أبهم تعالى عدتهم في أول القصة فقال: (إنهم فتية آمنوا بربهم) ولو كان في تعين عدتهم كبير فائدة لذكرها عالم الغيب والشهادة وقوله تعالى: (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) [الكهف: ٢٣ - ٢٤] أدب عظيم أرشده الله تعالى إليه وحث خلقه عليه وهو ما إذا قال أحدهم إني سأفعل في المستقبل كذا، فيشرع له أن يقول: إن شاء الله ليكون ذلك تحقيقا لعزمه، لان العبد لا يعلم ما في غد ولا

стр. 529

يدري أهذا الذي عزم عليه مقدر أم لا، وليس هذا الاستثناء تعليقا وإنما هو الحقيقي ولهذا قال ابن عباس يصح إلى سنة ولكن قد يكون في بعض المحال لهذا ولهذا كما تقدم في قصة سليمان ﵇ حين قال لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل واحدة منه غلاما يقاتل في سبيل الله فقيل له. قال: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته " (١). وقوله: (واذكر ربك إذا نسيت) وذلك لان النسيان قد يكون من الشيطان، فذكر الله يطرده عن القلب فيذكر ما كان قد نسيه. وقوله: (وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) أي إذا اشتبه أمر، وأشكل حال، والتبس أقوال الناس في شئ فارغب إلى الله ييسره لك ويسهله عليك ثم قال: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا). لما كان في الاخبار بطول مدة لبثهم فائدة عظيمة ذكرها تعالى وهذه التسع المزيدة بالقمرية وهي لتكميل ثلاثمائة شمسية فإن كل مائة قمرية تنقص عن الشمسية ثلاث سنين (قال الله أعلم بما لبثوا) أي إذا سئلت عن مثل هذا وليس عندك في ذلك نقل فرد الامر في ذلك إلى الله (له غيب السماوات والأرض) أي هو العالم بالغيب فلا يطلع عليه إلا من شاء من خلقه (أبصر به واسمع) يعني أنه يضع الأشياء في محالها لعلمه التام بخلقه وبما يستحقونه ثم قال: (ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا) أي ربك المنفرد بالملك والمنصرف وحده لا شريك له. قصة الرجلين المؤمن والكافر قال الله تعالى في سورة الكهف بعد قصة أهل الكهف: (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا. وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا - إلى قوله - هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا) [الكهف: ٣٢ - ٤٤]. قال بعض الناس هذا مثل مضروب ولا يلزم أن يكون واقعا والجمهور أنه أمر قد وقع وقوله: (واضرب لهم مثلا) يعني لكفار قريش في عدم اجتماعهم بالضعفاء والفقراء وازدرائهم بهم وافتخارهم عليهم كما قال تعالى: (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون) [يس: ١٣] كما قدمنا الكلام على قصتهم قبل قصة موسى ﵇ والمشهور أن هذين كانا رجلين مصطحبين وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا (٢) ويقال إنه كان لكل

стр. 530

منهما مال فأنفق المؤمن ماله في طاعة الله ومرضاته ابتغاء وجهه. وأما الكافر فإنه اتخذ له بساتين وهما الجنتان المذكورتان في الآية على الصفة والنعت المذكور. فيهما أعناب ونخيل تحف تلك الأعناب والزروع في ذلك والأنهار سارحة ههنا وههنا للسقي والتنزه، وقد استوثقت فيهما الثمار، واضطربت فيهما الأنهار، وابتهجت الزروع والثمار وافتخر مالكهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلا له: (أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا) أي أوسع جنانا. ومراده: أنه خير منه ومعناه: ماذا أغنى عنك إنفاقك ما كنت تملكه في الوجه الذي صرفته فيه كان الأولى بك أن تفعل كما فعلت لتكون مثلي فافتخر على صاحبه: (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه) أي وهو على غير طريقة مرضية قال: (ما أظن أن تبيد هذه أبدا) وذلك لما رأى من اتساع أرضها، وكثرة مائها، وحسن نبات أشجارها ولو قد بادت كل واحدة من هذه الأشجار لاستخلف مكانها أحسن منها وزروعها دارة لكثرة مياهها. ثم قال: (وما أظن الساعة قائمة) فوثق بزهرة الحياة الدنيا الفانية وكذب بوجود الآخرة الباقية الدائمة. ثم قال: (ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) أي ولئن كان ثم آخرة ومعاد فلأجدن هناك خيرا من هذا وذلك لأنه اغتر بدنياه، واعتقد أن الله لم يعطه ذلك فيها. إلا لحبه له: وحظوته عنده كما قال العاص بن وائل فيما قص الله من خبره وخبر خباب بن الأرت في قوله: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) وقال: (لأوتين مالا وولدا. أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا) [مريم: ٧٨] وقال تعالى إخبارا عن الانسان إذا أنعم الله عليه (ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى) [فصلت: ٥] قال الله تعالى: (فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ) [فصلت: ٥٠] وقال قارون: (إنما أوتيته على علم عندي) [القصص: ٧٨] أي لعلم الله بي أني أستحقه قال الله تعالى: (أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) [القصص: ٧٨] وقد قدمنا الكلام على قصته في أثناء قصة موسى. وقال تعالى: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) [سبأ: ٣٧]. وقال تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) [المؤمنون: ٥٥]. ولما اغتر هذا الجاهل بما خول به في الدنيا فجحد الآخرة وادعى أنها إن وجدت ليجدن عند ربه خيرا مما هو فيه، وسمعه صاحبه يقول ذلك قال له: (وهو يحاوره) أي يجادله (أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) [الكهف: ٣٧] أي أجحدت المعاد وأنت تعلم أن الله خلقك من تراب. ثم من نطفة ثم صورك أطوارا حتى صرت رجلا سويا سميعا بصيرا تعلم وتبطش وتفهم فكيف أنكرت المعاد والله قادر على البداءة (لكنا هو الله ربي) أي لكن أنا أقول بخلاف ما قلت

стр. 531

وأعتقد خلاف معتقدك (هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا) أي لا أعبد سواه. وأعتقد أنه يبعث الأجساد بعد فنائها، ويعيد الأموات، ويجمع العظام الرفات، وأعلم أن الله لا شريك له في خلقه ولا في ملكه ولا إله غيره، ثم أرشده إلى ما كان الأولى به أن يسلكه عند دخول جنته فقال: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) [الكهف: ٣٩] ولهذا يستحب لكل من أعجبه شئ من ماله أو أهله أو حاله أن يقول كذلك وقد ورد فيه حديث مرفوع في صحته نظر (١). قال أبو يعلي الموصلي: حدثنا جراح بن مخلد، حدثنا عمرو بن يوسف، حدثنا عيسى بن عون، حدثنا عبد الملك بن زرارة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله " (٢) فيرى فيه أنه دون الموت وكان يتأول هذه الآية: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) قال الحافظ أبو الفتح الأزدي عيسى بن عون: عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس لا يصح. ثم قال المؤمن للكافر: (فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك) أي في الدار الآخرة (ويرسل عليها حسبانا من السماء) قال ابن عباس والضحاك وقتادة أي عذابا من السماء. والظاهر أنه المطر المزعج الباهر الذي يقتلع زروعها وأشجارها (فتصبح صعيدا زلقا) وهو التراب الأملس الذي لا نبات فيه (أو يصبح ماؤها غورا) وهو ضد المعين السارح (فلن تستطيع له طلبا) يعني فلا تقدر على استرجاعه قال الله تعالى: (وأحيط بثمره) أي جاءه أمر أحاط بجميع حواصله وخرب جنته ودمرها (فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها) [الكهف: ٤٢] أي خربت بالكلية فلا عودة لها وذلك ضد ما كان عليه أمل حيث قال: (وما أظن أن تبيد هذه أبدا) وندم على ما كان سلف منه من القول الذي كفر بسببه بالله العظيم فهو يقول: (يا ليتني لم أشرك بربي أحدا). قال الله تعالى: (ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هناك) [الكهف: ٤٣] أي لم يكن أحد يتدارك ما فرط من أمره وما كان له قدرة في نفسه على شئ من ذلك كما قال تعالى: (فما له من قوة ولا ناصر) [الطارق: ١٠] وقوله: (الولاية لله الحق) ومنهم من يبتدئ

стр. 532

بقوله: (هنالك الولاية لله الحق) وهو حسن أيضا لقوله: (الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا) [الفرقان: ٢٦] فالحكم الذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب في تلك الحال، وفي كل حال لله الحق. ومنهم من رفع الحق جعله صفة للولاية وهما متلازمتان وقوله: (هو خير ثوابا وخير عقبا) [الكهف: ٤٤] أي معاملته خير لصاحبها ثوابا وهو الجزاء وخير عقبا وهو العاقبة في الدنيا والآخرة. وهذه القصة تضمنت أنه لا ينبغي لاحد أن يركن إلى الحياة الدنيا ولا يغتر بها ولا يثق بها بل يجعل طاعة الله والتوكل عليه في كل حال نصب عينيه. وليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه. وفيها أن من قدم شيئا على طاعة الله والانفاق في سبيله عذاب به، وربما سلب منه معاملة له بنقيض قصده. وفيها أن الواجب قبول نصيحة الأخ المشفق وأن مخالفته وبال ودمار على من رد النصيحة الصحيحة. وفيها أن الندامة لا تنفع إذا حان القدر ونفذ الامر الحتم بالله المستعان وعليه التكلان. قصة أصحاب الجنة قال الله تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين. ولا يستثنون. فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. فأصبحت كالصريم. فتنادوا مصبحين. أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين. فانطلقوا وهم يتخافتون. أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. وغدوا على حرد قادرين. فلما رأوها قالوا إنا لضالون. بل نحن محرومون. قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون. قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين. فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون. قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين. عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون. كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) [القلم: ١٧ - ٣٣]. وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش فيما أنعم به عليهم من إرسال الرسول العظيم الكريم إليهم فقابلوه بالتكذيب والمخالفة كما قال تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار. جهنم يصلونها وبئس القرار) [إبراهيم ٢٨ - ٢٩]. قال ابن عباس هم كفار قريش فضرب تعالى لهم مثلا بأصحاب الجنة المشتملة على أنواع الزروع والثمار التي قد انتهت واستحقت أن تجد وهو الصرام (١) ولهذا قال: (إذ أقسموا) فيما بينهم (ليصرمنها) أي ليجدنها وهو الاستغلال (مصبحين) أي وقت الصبح حيث لا يراهم فقير ولا محتاج فيعطوه شيئا فخلفوا على ذلك، ولم يستثنوا في يمينهم، فعجزهم الله وسلط عليها الآفة التي أحرقتها وهي السفعة (٢) التي اجتاحتها ولم تبق بها شيئا ينتفع به ولهذا قال: (فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. فأصبحت

стр. 533

كالصريم) أي كالليل الأسود المنصرم من الضياء وهذه معاملة بنقيض المقصود (فتنادوا مصبحين) أي فاستيقظوا من نومهم فنادى بعضهم بعضا قائلين: (أغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين) أي باكروا إلى بستانكم فأصرموه قبل أن يرتفع النهار ويكثر السؤال (فانطلقوا وهم يتخافتون) أي يتحدثون فيما بينهم خفية قائلين: (لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين) أي اتفقوا على هذا واشتوروا عليه (وغدوا على حرد قادرين) اي انطلقوا مجدين في ذلك قادرين عليه، مضمرين على هذه النية الفاسدة. وقال عكرمة والشعبي: (وغدوا على حرد) أي غضب على المساكين، وأبعد السدي في قوله أن اسم حرثهم حرد (فلما رأوها) أي وصلوا إليها، ونظروا ما حل بها، وما قد صارت إليه من الصفة المنكرة بعد تلك النضرة، والحسن والبهجة فانقلبت بسبب النية الفاسدة فعند ذلك (قالوا إنا لضالون) أي قد نهينا عنها، وسلكنا غير طريقها ثم قالوا: (بل نحن محرومون) أي بل عوقبنا بسب سوء قصدنا وحرمنا بركة (١) حرثنا (قال أوسطهم). قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد هو أعدلهم وخيرهم (ألم أقل لكم لولا تسبحون) قيل يستثنون، قاله مجاهد والسدي وابن جرير وقيل تقولون خيرا بدل ما قلتم من الشر (قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين. فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون. قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين). فندموا حيث لا ينفع الندم، واعترفوا بالذنب بعد العقوبة، وذلك حيث لا ينجع وقد قيل: إن هؤلاء كانوا أخوة وقد ورثوا هذه الجنة من أبيهم، وكان يتصدق منها كثيرا، فلما صار أمرها إليهم استهجنوا أمر أبيهم، وأرادوا استغلالها من غير أن يعطوا الفقراء شيئا، فعاقبهم الله أشد العقوبة ولهذا أمر الله تعالى بالصدقة من الثمار، وحث على ذلك يوم الجداد كما قال تعالى: (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) [الانعام: ١٤١] ثم قيل كانوا من أهل اليمن من قرية يقال لها ضروان (٢). وقيل من أهل الحبشة والله أعلم قال الله تعالى: (كذلك العذاب) أي هكذا نعذب من خالف أمرنا ولم يعطف على المحاويج من خلقنا (ولعذاب الآخرة أكبر) أي أعظم وأحكم من عذاب الدنيا (لو كانوا يعلمون) [القلم: ٣٣]. وقصة هؤلاء شبيه بقوله تعالى: (ضرب (٣) الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان

стр. 534

فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون) [النحل: ١١٢ - ١١٣] قيل هذا مثل مضروب لأهل مكة وقيل هم أهل مكة أنفسهم ضربهم مثلا لأنفسهم ولا ينافي ذلك والله أعلم اه. قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم قال الله تعالى في سورة الأعراف: (واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون. وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون. فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦] وقال تعالى في سورة البقرة: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين. فجعلنا نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين) [البقرة: ٦٥ - ٦٦] وقال تعالى في سورة النساء: (أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا) [النساء: ٤٧]. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم هم أهل أيلة. زاد ابن عباس بين مدين والطور. قالوا وكانوا متمسكين بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان، فكانت الحيتان قد ألفت منهم السكينة في مثل هذا اليوم، وذلك أنه كان يحرم عليهم الاصطياد فيه وكذلك جميع الصنائع، والتجارات، والمكاسب، فكانت الحيتان في مثل يوم السبت يكثر غشيانها لمحلتهم من البحر، فتأتي من ههنا وههنا ظاهرة آمنة مسترسلة، فلا يهيجونها ولا يذعرونها (ويوم لا يسبتون لا تأتيهم) وذلك لأنهم كانوا يصطادونها فيما عدا السبت قال الله تعالى: (كذلك نبلوهم) أي نختبرهم بكثرة الحيتان في يوم السبت (بما كانوا يفسقون) أي بسبب فسقهم المتقدم فلما رأوا ذلك احتالوا على اصطيادها في يوم السبت بأن نصبوا الحبال والشباك والشصوص وحفروا الحفر التي يجري معها الماء إلى مصانع قد أعدوها إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها ففعلوا ذلك في يوم الجمعة، فإذا جاءت الحيتان مسترسلة يوم السبت علقت بهذه المصايد، فإذا خرج سبتهم أخذوها فغضب الله عليهم ولعنهم لما احتالوا على خلاف أمره، وانتهكوا محارمه بالحيل التي هي ظاهرة للناظر، وهي في الباطن مخالفة محضة فلما فعل ذلك طائفة منهم افترق الذين لم يفعلوا فرقتين. فرقة أنكروا عليهم صنيعهم هذا واحتيالهم على مخالفة الله وشرعه في ذلك الزمان. وفرقة أخرى لم يفعلوا ولم ينهوا بل أنكروا على الذين نهوا وقالوا: (لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا) يقولون ما الفائدة في نهيكم هؤلاء وقد استحقوا العقوبة لا محالة فأجابتهم الطائفة المنكرة بأن قالوا: (معذرة إلى ربكم) أي فيما أمرنا به من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فنقوم به خوفا من عذابه (ولعلهم يتقون) أي لعل هؤلاء يتركون ما هم عليه من هذا الصنيع فيقيهم الله عذابه ويعفو عنهم إذا هم رجعوا

стр. 535

واستمعوا. قال الله تعالى " فلما نسوا ما ذكروا به) أي لم يلتفتوا إلى من نهاهم عن هذا الصنيع الشنيع الفظيع (أنجينا الذين ينهون عن السوء) وهم الفرقة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر (وأخذنا الذين ظلموا) وهم المرتكبون الفاحشة (بعذاب بئيس) وهو الشديد المؤلم الموجع (بما كانوا يفسقون). ثم فسر العذاب الذي أصابهم فبقوله: (فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين). وسنذكر ما ورد من الآيات في ذلك والمقصود هنا أن الله أخبر أنه أهلك الظالمين ونجى المؤمنين المنكرين وسكت عن الساكتين. وقد اختلف فيهم العلماء على قولين: فقيل إنهم من الناجين وقيل إنهم من الهالكين، والصحيح الأول عند المحققين وهو الذي رجع إليه ابن عباس إمام المفسرين وذلك عن مناظرة مولاه عكرمة فكساه من أجل ذلك حلة سنية تكرمة. قلت وإنما لم يذكروا مع الناجين لأنهم وإن كرهوا ببواطنهم تلك الفاحشة، إلا أنهم كان ينبغي لهم أن يحملوا ظواهرهم بالعمل المأمور به من الانكار القولي الذي هو أوسط المراتب الثلاث: التي أعلاها الانكار باليد ذات البنان، وبعدها الانكار القولي باللسان، وثالثها الانكار بالجنان. فلما لم يذكروا نجوا مع الناجين إذ لم يفعلوا الفاحشة بل أنكروها. وقد روى عبد الرزاق: عن ابن جريج، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس وحكى مالك: عن ابن رومان، وشيبان عن قتادة وعطاء الخراساني ما مضمونه: أن الذين ارتكبوا هذا الصنع اعتزلهم بقية أهل البلد ونهاهم من نهاهم منهم، فلم يقبلوا فكانوا يبيتون وحدهم، ويغلقون بينهم وبينهم أبوابا حاجزا لما كانوا يترقبون من هلاكهم فأصبحوا ذات يوم وأبواب ناحيتهم مغلقة لم يفتحوها وارتفع النهار واشتد الضحاء فأمر بقية أهل البلد رجلا أن يصعد على سلالم، ويشرف عليهم من فوقهم، فلما أشرف عليهم إذا هم قردة لها أذناب يتعاوون ويتعادون ففتحوا عليهم الأبواب فجعلت القردة تعرف قراباتهم ولا يعرفهم قراباتهم، فجعلوا يلوذون بهم ويقولون لهم الناهون: ألم ننهكم عن صنيعكم فتشير القردة برؤوسها أن نعم. ثم بكى عبد الله بن عباس وقال: إنا لنرى منكرات كثيرة. ولا ننكرها ولا نقول فيها شيئا. وقال العوفي عن ابن عباس: صار شباب القرية قردة وشيوخها خنازير. وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس: أنهم لم يعيشوا إلا فواقا ثم هلكوا ما كان لهم نسل وقال الضحاك عن ابن عباس أنه لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل هؤلاء ولم يشربوا ولم ينسلوا، وقد استقصينا الآثار في ذلك في تفسير سورة البقرة والأعراف. ولله الحمد والمنة. وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة وخنازير وإنما هو مثل ضربه الله (كمثل الحمار يحمل أسفارا) [الجمعة: ٥] وهذا صحيح إليه وغريب منه جدا ومخالف لظاهر القرآن ولما نص عليه غير واحد من السلف والخلف والله أعلم. قصة أصحاب القرية (إذ جاءها المرسلون) تقدم ذكرها قبل قصة موسى ﵇.

стр. 536

قصة سبأ سيأتي ذكرها في أيام العرب إن شاء الله تعالى وبه الثقة. قصة قارون وقصة بلعام تقدمتا في قصة موسى. وهكذا (قصة الخضر) و (قصة فرعون والسحرة) كلها في ضمن قصة موسى و (قصة البقرة) تقدمت في قصة موسى. وقصة (الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) في قصة حزقيل. وقصة (الملا من بني إسرائيل من بعد موسى) في قصة شمويل. وقصة (الذي مر على قرية) في قصة عزير. قصة لقمان قال تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد. وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعمها وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون. يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأتي بها الله إن الله لطيف خبير. يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور. ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختار فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) [لقمان: ١٢ - ١٩] هو لقمان بن عنقاء بن سدون (١). ويقال لقمان بن ثاران (٢) حكاه السهيلي عن ابن جرير والقتيبي. قال السهيلي وكان نوبيا من أهل أيلة. قلت وكان رجلا صالحا ذا عبادة وعبارة وحكمة عظيمة. ويقال كان قاضيا في زمن داود ﵇ فالله أعلم. وقال سفيان الثوري عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان عبدا حبشيا نجارا (٣). وقال قتادة: عن عبد الله بن الزبير: قلت لجابر بن عبد الله ما انتهى إليكم في شأن لقمان؟ قال: كان قصيرا أفطس من النوبة. وقال:

стр. 537

يحيى بن سعيد الأنصاري: عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر ذو مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة (١). وقال الأوزاعي حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان بلال ومهجع مولى عمر ولقمان الحكيم كان أسود نوبيا ذا مشافر. وقال الأعمش عن مجاهد كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين وفي رواية مصفح القدمين. وقال عمر بن قيس: كان عبدا أسود غليظ الشفتين مصفح القدمين فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني رواه ابن جرير عن ابن حميد عن الحكم عنه. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن ابن أبي يزيد بن جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم لحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال ألست عبد ابن فلان الذي كنت ترعى غنمي بالأمس؟ قال: بلى قال فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قدر الله وأداء الأمانة وصدق الحديث وترك ما لا يعنيني. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الله بن عياش الفتياني عن عمر مولى عفرة، قال: وقف رجل على لقمان الحكيم فقال: أنت لقمان أنت عبد بني النحاس؟ قال: نعم قال: فأنت راعي الغنم الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر فما الذي يعجبك من أمري قال وطئ الناس بساطك وغشيهم بابك ورضاهم بقولك قال يا ابن أخي إن صنعت ما أقول لك كنت كذلك قال: ما هو؟ قال لقمان: غضي بصري وكفي لساني، وعفة مطمعي، وحفظي فرجي، وقيامي بعدتي، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني كما ترى. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن عبدة بن رباح، عن ربيعة، عن أبي الدرداء أنه قال يوما وذكر لقمان الحكيم فقال: ما أوتي عن أهل، ولا مال، ولا حسب، ولا خصال ولكنه كان رجلا ضمضامة، سكيتا طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهارا قط، ولم يره أحد يبزق، ولا يتنحنح، ولا يبول، ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث، ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد تزوج وولد له أولاد فماتوا فلم يبك عليهم وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر فبذلك أوتي ما أوتي. ومنهم من زعم أنه عرضت عليه النبوة فخاف أن لا يقوم بأعبائها فاختار الحكمة لأنها أسهل عليه وفي هذا نظر. والله أعلم. وهذا مروي عن قتادة كما سنذكره. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير

стр. 538

من طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر الجعفي عن عكرمة أنه قال كان لقمان نبيا وهذا ضعيف لحال الجعفي. والمشهور عن الجمهور أنه كان حكيما وليا ولم يكن نبيا، وقد ذكره الله تعالى في القرآن فأثنى عليه، وحكى من كلامه فيما وعظ به ولده الذي هو أحب الخلق إليه، وهو أشفق الناس عليه فكان من أول ما وعظ به أن قال: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) [لقمان: ١٣]. فنهاه عنه وحذره منه. وقد قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله قال لما نزلت: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم) [الانعام: ٨٢] شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله ﷺ : " إنه ليس بذاك ألم تسمع إلى قول لقمان: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) رواه مسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش به. ثم اعترض تعالى بالوصية بالوالدين وبيان حقهما على الولد وتأكده، وأمر بالاحسان إليهما حتى ولو كانا مشركين، ولكن لا يطاعان على الدخول في دينهما إلى أن قال مخبرا عن لقمان فيما وعظ به ولده (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) [لقمان: ١٦] ينهاه عن ظلم الناس ولو بحبة خردل فإن الله يسأل عنها ويحضرها حوزة الحساب ويضعها في الميزان كما قال تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) وقال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) [الأنبياء: ٤٧] وأخبره أن هذا الظلم لو كان في الحقارة كالخردلة، ولو كان في جوف صخرة صماء، لا باب لها ولا كوة، أو لو كانت ساقطة في شئ من ظلمات الأرض أو السماوات في اتساعهما وامتداد أرجائهما، لعلم الله مكانها (إن الله لطيف خبير) أي علمه دقيق فلا يخفى عليه الذر مما تراءى للنواظر، أو توارى كما قال تعالى: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) [الانعام: ٥٩] وقال: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) [النمل: ٧٥] وقال: (عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) [سبأ: ٣] وقد زعم السدي في خبره عن الصحابة أن المراد بهذه الصخرة، الصخرة التي تحت الأرضين السبع وهكذا حكى عن عطية العوفي وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمر وغيرهم وفي صحة هذا القول من أصله نظر. ثم إن في هذا المراد نظر آخر فإن هذه الآية نكرة غير معرفة فلو كان المراد بها ما قالوه لقال فتكن في الصخرة وإنما المراد فتكن في صخرة كانت كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله

стр. 539

للناس كائنا ما كان " (١) ثم قال: (يا بني أقم الصلاة) أي أدها بجميع واجباتها من حدودها وأوقاتها وركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها وما شرع فيها واجتنب ما ينهى عنه فيها. ثم قال: (وامر بالمعروف وانه عن المنكر) أي بجهدك وطاقتك أي إن استطعت باليد فباليد، وإلا فبلسانك فإن لم تستطع فبقلبك ثم أمره بالصبر فقال (واصبر على ما أصابك) وذلك أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في مظنة أن يعادى وينال منه، ولكن له العاقبة، ولهذا أمره بالصبر على ذلك ومعلوم أن عاقبة الصبر الفرج وقوله: (إن ذلك من عزم الأمور) التي لا بد منها ولا محيد عنها. وقوله: (ولا تصعر خدك للناس) [لقمان: ١٨] قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك ويزيد بن الأصم وأبو الجوزاء وغير واحد معناه لا تتكبر على الناس وتميل خدك حال كلامك لهم وكلامهم لك على وجه التكبر عليهم والازدراء لهم. قال أهل اللغة وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها فتلتوي رؤوسها فشبه به الرجل المتكبر الذي يميل وجهه إذا كلم الناس أو كلموه على وجه التعظم عليهم. قال أبو طالب في شعره: وكنا قديما لا نقر ظلامة … إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها وقال عمرو بن حيي (٢) التغلبي: وكنا إذا الجبار صعر خده … أقمنا له من ميله فتقوما (٣) وقوله: (ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور) ينهاه عن التبختر في المشية على وجه العظمة والفخر على الناس كما قال تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا) [الاسراء: ٣٧]. يعني لست بسرعة مشيك تقطع البلاد في مشيتك هذه، ولست بدقك الأرض برجلك تخرق الأرض بوطئك عليها، ولست بتشامخك وتعاظمك وترفعك تبلغ الجبال طولا، فاتئد على نفسك فلست تعدو قدرك. وقد ثبت في الحديث بينما رجل يمشي في برديه يتبختر فيهما، إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلل فيها إلى يوم القيامة (٤)

стр. 540

وفي الحديث الآخر: " إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة لا يحبها الله " (١) كما قال في هذه الآية: (إن الله لا يحب كل مختال فخور) ولما نهاه عن الاختيال في المشي أمره بالقصد فيه، فإنه لا بد له أن يمشي فنهاه عن الشر وأمره بالخير، فقال: (واقصد في مشيك) أي لا تتباطأ مفرطا ولا تسرع إسراعا مفرطا ولكن بين ذلك قواما كما قال تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) [الفرقان: ٦٣] ثم قال: (واغضض من صوتك) [لقمان: ١٩] يعني إذا تكلمت لا تتكلف رفع صوتك، فإن أرفع الأصوات وأنكرها صوت الحمير. وقد ثبت في الصحيحين الامر بالاستعاذة عند سماع صوت الحمير بالليل فإنها رأت شيطانا (٢)، ولهذا نهى عن رفع الصوت حيث لا حاجة إليه، ولا سيما عند العطاس فيستحب خفض الصوت، وتخمير الوجه كما ثبت به الحديث من صنيع رسول الله ﷺ فأما رفع الصوت بالاذان، وعند الدعاء إلى الفئة للقتال، وعند الاهلاك ونحو ذلك فذلك مشروع فهذا مما قصه الله تعالى عن لقمان ﵇ في القرآن من الحكم والوصايا النافعة الجامعة للخير المانعة من الشر وقد وردت آثار كثيرة في أخباره ومواعظه وقد كان له كتاب يؤثر عنه يسمى بحكمة لقمان ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا سفيان، أخبرني نهيك ابن يجمع الضبي، عن قزعة، عن ابن عمر قال أخبرنا رسول الله ﷺ قال: " إن لقمان الحكيم كان يقول إن الله إذا استودع شيئا حفظه " (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مخيمرة أن رسول الله ﷺ قال: " قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني إياك والتقنع فإنه مخونة بالليل مذمة بالنهار ". وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عمارة، حدثنا ضمرة، حدثنا السري بن يحيى قال لقمان لابنه: " يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك " وحدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا عبد الرحمن المسعودي، عن عون بن عبد الله، قال قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيت نادي قوم فادمهم بسهم الاسلام - يعني السلام - ثم اجلس بناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله فاجل سهمك معهم، وإن

стр. 541

أفاضوا في غير ذلك فحول عنهم إلى غيرهم: وحدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا ضمرة، عن حفص بن عمر، قال وضع لقمان جرابا من خردل إلى جانبه وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة حتى نفد الخردل فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل تفطر قال فتفطر ابنه. وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، عن ابن سفيان المقدسي، عن خليفة بن سلام، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم من أهل الجنة لقمان الحكيم والنجاشي وبلال المؤذن " قال الطبراني يعني الحبشي وهذا حديث غريب منكر. وقد ذكر له الإمام أحمد في كتاب الزاهد ترجمة ذكر فيها فوائد مهمة جمة فقال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن رجل عن مجاهد (ولقد آتينا لقمان الحكمة) قال الفقه والإصابة في غير نبوة. وكذا روي عن وهب بن منبه، وحدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا. وحدثنا أسود، حدثنا حماد، عن علي بن يزيد، عن سعيد بن المسيب أن لقمان كان خياطا (١). وحدثنا سياد، حدثنا جعفر، حدثنا مالك يعني ابن دينار قال: قال لقمان لابنه: يا بني اتخذ طاعة الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة. وحدثنا يزيد، حدثنا أبو الأشهب عن محمد بن واسع، قال كان لقمان يقول لابنه: يا بني اتق الله ولا تري الناس أنك تخشى الله ليكرموك بذلك وقلبك فاجر. وحدثنا يزيد بن هارون، ووكيع قالا: حدثنا أبو الأشهب، عن خالد الربعي، قال كان لقمان عبدا حبشيا نجارا فقال له سيده: اذبح لي شاة، فذبح له شاة، فقال ائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب، فقال [له] (٢): أما كان فيها شئ أطيب من هذين. قال: لا. قال: فسكت عنه ما سكت ثم قال له اذبح لي شاة فذبح له شاة فقال له: وألق أخبثها مضغتين فرمى باللسان والقلب. فقال أمرتك أن تأتيني بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب، فقال له: إنه ليس شئ أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا (٣). وحدثنا داود بن رشيد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا معمر، عن أبي عثمان رجل من أهل البصرة يقال له الجعد أبو عثمان قال: قال لقمان لابنه: لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله، ولا تهاون بمقت الحكيم فيزهده فيك. وحدثنا داود بن أسيد، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن

стр. 542

شريح بن عبيد الحضرمي، عن عبد الله بن زيد قال: قال لقمان: ألا أن يد الله على أفواه الحكماء، لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله له. وحدثنا عبد الرزاق: سمعت ابن جريج قال: كنت أقنع رأسي بالليل، فقال لي عمر: أما علمت أن لقمان قال: القناع بالنهار مذلة معذرة أو قال معجزة بالليل فلم تقنع رأسك بالليل؟ قال: قلت له: إن لقمان لم يكن عليه دين. وحدثني حسن بن الجنيد، حدثنا سفيان قال لقمان لابنه: يا بني ما ندمت على السكوت قط، وإن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. وحدثنا عبد الصمد ووكيع قالا: حدثنا أبو الأشهب، عن قتادة أن لقمان قال لابنه: يا بني اعتزل الشر يعتز لك فإن الشر للشر خلق. وحدثنا أبو معاوية: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال مكتوب في الحكمة يا بني إياك والرغب، فإن الرغب كل الرغب يبعد القريب من القريب ويزيل الحكم كما يزيل الطرب، يا بني إياك وشدة الغضب فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم. قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد بن عمير قال قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله فاجلس معهم فإنك إن تك عالما ينفعك علمك وإن تك غبيا يعلموك وإن يطلع الله عليهم برحمة تصيبك معهم. يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله فيه، فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك، وإن تك غبيا يزيدوك غبيا وان يطلع الله إليهم بعد ذلك بسخط يصيبك معهم يا بني لا تغبطوا أمراء رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين فإن له عند الله قاتلا لا يموت. وحدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال مكتوب في الحكمة: بني لتكن كلمتك طيبة، وليكن وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء. وقال مكتوب في الحكمة أو في التوراة: " الرفق رأس الحكمة " وقال مكتوب في التوراة كما ترحمون ترحمون وقال مكتوب في الحكمة: " كما تزرعون تحصدون " وقال مكتوب في الحكمة أحب خليلك وخليل أبيك. وحدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: قيل للقمان أي الناس أصبر؟ قال: صبر لا يتبعه أذى. قيل فأي الناس أعلم؟ قال من ازداد من علم الناس إلى علمه. قيل فأي الناس خير قال الغني. قيل الغني من المال قال لا ولكن الغني الذي إذا التمس عنده خير وجد وإلا أغنى نفسه عن الناس. وحدثنا سفيان هو ابن عيينة قال قيل للقمان أي الناس شر قال الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا. وحدثنا أبو الصمد، عن مالك بن دينار قال: وجدت في بعض الحكمة يبدد الله عظام الذين يتكلمون بأهواء الناس ووجدت فيها لا خير لك في أن تعلم ما لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت فإن مثل ذلك رجل احتطب حطبا فحزم حزمة ثم ذهب يحملها فعجز عنها فضم إليه أخرى. وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا الحكم بن أبي زهير، وهو الحكم بن موسى، حدثنا الفرج بن

стр. 543

فضالة، عن أبي سعيد قال قال لقمان لابنه: يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء وشاور في أمرك العلماء. وهذا مجموع ما ذكره الإمام أحمد في هذه المواضع وقد قدمنا من الآثار كثيرا لم يروها كما أنه ذكر أشياء ليست عندنا والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة قال: خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة على النبوة. قال: فأتاه جبريل وهو نائم فذر عليه الحكمة قال فأصبح ينطق بها. قال سعد سمعت قتادة يقول: قيل للقمان كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة (١) لرجوت فيه الفوز منه (٢)، ولكنت أرجو أن أقوم بها ولكن خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إلي. وهذا فيه نظر لان سعيد بن بشير عن قتادة قد تكلموا فيه، والذي رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: (ولقد آتينا لقمان الحكمة) قال يعني الفقه والاسلام ولم يكن نبيا ولم يوح إليه. وهكذا نص على هذا غير واحد من السلف (٣) منهم مجاهد وسعيد بن المسيب وابن عباس والله أعلم. قصة أصحاب الأخدود قال الله تعالى: (والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلا أن يومئذ بالله العزيز الحميد. الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شئ شهيد إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) [البروج: ١ - ١٠]. قد تكلمنا على ذلك مستقصى في تفسيره هذه السورة ولله الحمد. وقد زعم محمد بن إسحاق: أنهم كانوا بعد مبعث المسيح، وخالفه غيره فزعموا أنهم كانوا قبله. وقد ذكر غير واحد أن هذا الصنيع مكرر في العالم مرارا في حق المؤمنين من الجبارين الكافرين ولكن هؤلاء المذكورون في القرآن قد ورد فيهم حديث مرفوع، وأثر أورده ابن إسحاق، وهما متعارضان وها نحن نوردهما لتقف عليهما. قال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال: " كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إلي غلاما فلأعلمه

стр. 544

السحر فدفع إليه غلاما فكان يعلمه السحر وكان بين الملك وبين الساحر راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه، فأعجبه نحوه وكلامه وكان إذا أتى الساحر ضربه، وقال ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر، قال فبينا هو ذات يوم إذ أتى على دابة (١) فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا فقال اليوم أعلم أمر الساحر أحب إلى الله أم أمر الراهب؟ قال: فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها، ومضى [الناس] فأخبر الراهب بذلك. فقال: أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم الله على يديه، وكان جليس للملك فعمى فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: اشفني ولك ما ههنا أجمع فقال: ما أنا اشفي أحدا، إنما يشفي الله ، فإن آمنت به ودعوت الله شفاك فآمن فدعا الله فشفاه. ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي قال: أنا. قال: لا ربي، وربك الله قال: ولك رب غيري؟ قال: نعم ربي وربك الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام [فبعث إليه] فأتي به فقال: أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء، قال: ما أشفي أنا أحدا إنما يشفي الله ، قال: أنا قال: لا قال: أو لك رب غيري؟ قال ربي وربك الله. قال: فأخذه أيضا بالعذاب، ولم يزل به حتى دل على الراهب، فأتى الراهب فقال: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه وقال للأعمى ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه [في الأرض] وقال للغلام، ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا وقال إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه [من فوقه] فذهبوا به فلما علوا الجبل قال: اللهم أكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل، فدهدهوا أجمعون. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله، فبعث به مع نفر في قرقرة (٢) فقال: إذا لججتم البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاغرقوه في البحر فلججوا به البحر فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت [فانكفأت بهم السفينة] (٣) فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله [ ] ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي قال: وما هو قال تجمع الناس في

стр. 545

صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي (١). ثم قل: بسم الله رب الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، ففعل ووضع السهم في كبد القوس، ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات (٢) فقال الناس: آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام، فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك، قد آمن الناس كلهم، فأمر بأفواه السكك فحفر فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه، وإلا فأقحموه فيها، وقال: فكانوا يتعادون فيها ويتواقعون (٣) فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: اصبري يا أماه فإنك على الحق " (٤) كذا رواه الإمام أحمد ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن سلمة زاد النسائي وحماد بن زيد كلاهما عن ثابت به. ورواه الترمذي من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن ثابت بإسناده نحوه وجرد إيراده كما بسطنا ذلك في التفسير. وقد أورد محمد بن إسحاق هذه القصة على وجه آخر فقال: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان وكان في قرية من قراها قريبا من نجران - ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد - ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر، فلما نزلها فيمون، ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه، قالوا رجل نزلها فابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر، وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث التامر ابنه عبد الله بن التامر مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم، فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الاسلام، حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يعلمه فكتمه إياه، وقال له: يا بن أخي إنك لن تحمله، أخشى ضعفك عنه، والتامر لا يظن إلا أن ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه وتخوف ضعفه فيه، عمد إلى قداح (٥) فجمعها، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح لكل اسم قدح، حتى إذا أحصاها أوقد نارا، ثم جعل يقذفها [فيها] قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا، فأخذه ثم أتى به صاحبه، فأخبره أنه قد علم

стр. 546

الاسم الأعظم الذي قد كتمه [إياه] فقال: وما هو؟ قال: كذا وكذا. قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع. قال: أي ابن أخي قد أصبته، فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل. فجعل عبد الله بن التامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال: يا عبد الله أتوحد الله وتدخل في ديني، وأدعو الله لك فيعافيك عما أنت فيه من البلاء [فيقول: نعم، فيوحد الله ويسلم، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على دينه]؟ ودعا له فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال [له] أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلن بك. قال: لا تقدر على ذلك. فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فيطرح على رأسه، فيقع إلى الأرض ما به بأس. وجعل يبعث به إلى مياه بنجران. بحور لا يلقى فيها شئ إلا هلك، فيلقى به فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه قال له عبد الله بن التامر، والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سلطت علي فقتلتني، قال: فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبد الله بن التامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله. وهلك الملك مكانه، واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن التامر وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه. ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحزاب (١) فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران. قال ابن إسحاق فهذا حديث محمد بن كعب وبعض أهل نجران عن عبد الله بن التامر فالله أعلم أي ذلك كان. قال: فسار إليهم ذو نواس بجنده [من حمير] فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بين ذلك أو القتل. فاختاروا القتل فخذوا الأخدود، وحرق بالنار وقتل بالسيف، ومثل بهم فقتل منهم قريبا من عشرين ألفا (٢). ففي ذي نواس وجنده أنزل الله على رسوله: (قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود) الآيات [البروج: ٤ - ٥]. وهذا يقتضي أن هذه القصة غير ما وقع في سياق مسلم وقد زعم بعضهم أن الأخدود وقع في العالم كثيرا كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان أنبأنا صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير قال: كانت الأخدود في اليمن زمان تبع وفي القسطنطينة زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد، واتخذ أتونا وألقى فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد وفي العراق في أرض بابل في زمان بخت نصر حين صنع الصنم، وأمر الناس فسجدوا له فامتنع دانيال وصاحباه عزريا ومشايل فأوقد لهم أتونا وألقى فيها الحطب والنار ثم ألقاهما فيه فجعلها الله عليهم بردا وسلاما وأنقذهم منها، وألقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة رهط فأكلتهم النار وقال أسباط عن السدي في قوله: (قتل أصحاب الأخدود) قال كان الأخدود

стр. 547

ثلاثة: خد بالشام وخد بالعراق وخد باليمن رواه ابن أبي حاتم. وقد استقصيت ذكر أصحاب الأخدود والكلام على تفسيرها في سورة البروج ولله الحمد والمنة. بيان للأذن في الرواية عن اخبار بني إسرائيل قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام، حدثنا زيد، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: قال " حدثوا عني ولا تكذبوا علي ومن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ". وقال أيضا: حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: قال " لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه " وقال: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج حدثوا عني ولا تكذبوا علي قال: " ومن كذب علي - قال همام أحسبه قال - متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " وهكذا رواه مسلم والنسائي من حديث همام ورواه أبو عوانة الأسفراييني عن أبي داود السجستاني عن هدبة، عن همام، عن زيد بن أسلم به. ثم قال: قال أبو داود: أخطأ فيه همام، وهو من قول أبي سعيد كذا قال: وقد رواه الترمذي عن سفيان، عن وكيع، عن سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم ببعضه مرفوعا فالله أعلم. قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، أنبأنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، حدثني أبو كبشة السلولي: أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يعني يقول: " بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". ورواه أحمد أيضا عن عبد الله بن نمير، وعبد الرزاق كلاهما عن الأوزاعي به. وهكذا رواه البخاري عن أبي عاصم النبيل عن الأوزاعي به. وكذا رواه الترمذي عن بندار عن أبي عاصم ثم رواه عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن يوسف العرياني عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية وقال حسن صحيح (١). وقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى - أبو موسى - حدثنا هشام بن معاوية، حدثنا أبي، عن قتادة، عن أبي حسان، عن عبد الله بن عمرو قال كان نبي الله ﷺ يحدثنا عامة ليلة عن بني إسرائيل حتى نصبح ما نقوم فيها إلا لمعظم صلاة ورواه أبو داود عن محمد بن مثنى، ثم قال البزار حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا عفان، حدثنا أبو هلال عن قتادة، عن أبي حسان، عن عمران بن حصين (٢)، قال كان رسول الله ﷺ " يحدثنا عامة ليلة عن بني

стр. 548

إسرائيل لا يقوم إلا لمعظم صلات " (١) قال البزار وهشام أحفظ من أبي هلال يعني أن الصواب عن عبد الله بن عمرو لا عن عمران بن حصين والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، هو القطان، عن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " (٢) إسناد صحيح ولم يخرجوه. وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة، حدثنا وكيع، حدثنا ربيع بن سعد الجعفي، عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " حدثوا عن بني إسرائيل فإنه قد كان فيهم الأعاجيب " (٣) ثم أنشأ يحدث ﷺ : قال خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين ودعونا الله فيخرج لنا رجلا قد مات نسائله يحدثنا عن الموت ففعلوا فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر من تلك القبور بين عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم إلي فقدمت منذ مائة عام فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت وهذا حديث غريب. إذا تقرر جواز الرواية عنهم فهو محمول على ما يمكن أن يكون صحيحا فأما ما يعلم أو يظن بطلانه لمخالفته الحق الذي بأيدينا عن المعصوم، فذاك متروك مردود لا يعرج عليه ثم مع هذا كله لا يلزم من جواز روايته أن تعتقد صحته لما رواه البخاري قائلا: حدثنا محمد بن يسار، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الاسلام فقال رسول الله ﷺ : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون " (٣) تفرد به البخاري من هذا الوجه. وروى الإمام أحمد من طريق الزهري عن أبي نملة الأنصاري، عن أبيه أنه كان جالسا عند رسول الله ﷺ فقال: إذا جاء رجل من اليهود فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة فقال رسول الله ﷺ : " الله أعلم " فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم فقال رسول الله ﷺ : " إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم " (٤) تفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد: حدثنا شريح بن

стр. 549

النعمان، حدثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ قال فغضب وقال: " أمتهوكون فيها يا بن الخطاب؟ والذي نفسي به لقد جئتكم به بيضاء نقية لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي به لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " (١). تفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم، فهذه الأحاديث دليل على أنهم قد بدلوا ما بأيديهم من الكتب السماوية، وحرفوها، وأولوها ووضعوها على غير مواضعها، ولا سيما ما يبدونه من المعربات التي لم يحيطوا بها علما وهي بلغتهم فكيف يعبرون عنها بغيرها، ولأجل هذا وقع في تعريبهم خطأ كبير، ووهم كثير، مع ما لهم من المقاصد الفاسدة والآراء الباردة؟ وهذا بتحققه من نظر في كتبهم التي بأيديهم، وتأمل ما فيها من سوء التعبير، وقبيح التبديل والتغيير، وبالله المستعان وهو نعم المولى ونعم النصير. وهذه التوراة التي يبدونها ويخفون منها كثيرا فيما ذكروه فيها تحريف وتبديل وتغيير وسوء تعبير يعلم من نظر فيها وتأمل ما قالوه وما أبدوه وما أخفوه وكيف يسوغون عبارة فاسدة البناء والتركيب باطلة من حيث معناها وألفاظها. وهذا كعب الأحبار من أجود من ينقل عنهم وقد أسلم في زمن عمر، وكان ينقل شيئا عن أهل الكتاب فكان عمر ﵁ يستحس بعض ما ينقله لما يصدقه من الحق وتأليفا لقلبه فتوسع كثير من الناس في أخذ ما عنده وبالغ أيضا هو في نقل تلك الأشياء التي كثير منها ما يساوي مداده. ومنها ما هو باطل لا محالة. ومنها ما هو صحيح لما يشهد له الحق الذي بأيدينا. وقد قال البخاري: وقال أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة. وذكر كعب الأحبار فقال إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب (٢). يعني من غير قصد منه. وروى البخاري من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شئ وكتابكم الذي أنزل الله على رسوله أحدث الكتب بالله تقرأونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم (٣). وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن

стр. 550

شئ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل (١) والله أعلم. قصة جريج أحد عباد بني إسرائيل قال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثني أبي سمعت محمد بن سيرين، يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى بن مريم " (٢) قال وكان في بني إسرائيل رجل عابد يقال له جريج، فابتنى صومعة وتعبد فيها، قال: فذكر بنو إسرائيل عبادة جريج فقالت بغي منهم لئن شئتم لافتتنه فقالوا: قد شئنا ذاك قال فأتته فتمرضت له فلم يلتفت إليها فأمكنت نفسها من راع كان يؤوي غنمه، إلى أصل صومعة جريج فحملت فولدت غلاما فقالوا ممن؟ قالت من جريج، فأتوه فاستنزلوه فشتموه وضربوه وهدموا صومعته فقال: ما شأنكم؟ قالوا إنك زنيت بهذه البغي فولدت غلاما فقال وأين هو؟ قالوا هو هذا. قال فقام فصلى ودعا ثم انصرف إلى الغلام فطعنه بإصبعه فقال بالله يا غلام من أبوك؟ فقال أنا ابن الراعي فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه، وقالوا: نبني صومعتك من ذهب. قال: لا حاجة لي في ذلك ابنوها من طين كما كانت. قال وبينما امرأة في حجرها ابن لها ترضعه إذ مر بها راكب ذو شارة (٣) فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا؟ قال فترك ثديها، وأقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله. قال: ثم عاد إلى ثديها فمصه. قال أبو هريرة فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي صنيع الصبي ووضع إصبعه في فيه يمصها. ثم مرت بأمة تضرب فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها قال فترك ثديها وأقبل على الأمة فقال اللهم اجعلني مثلها قال فذاك حين تراجعا الحديث (٤). فقالت: خلفي (٥) مر الراكب ذو الشارة، فقلت: اللهم اجعل ابني مثله. فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، ومررت بهذه الأمة فقلت " اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقلت اللهم اجعلني مثلها (٦) فقال يا أمتاه إن الراكب ذو الشارة جبار من الجبابرة وإن هذه الأمة يقولون: زنت ولم تزن وسرقت ولم تسرق، وهي تقول حسبي الله. وهكذا رواه البخاري في أحاديث الأنبياء وفي المظالم عن مسلم بن إبراهيم ومسلم في كتاب الأدب عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون كلاهما عن جرير بن حازم به طريق

стр. 551

أخرى وسياق آخر (١). قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " كان جريج يتعبد في صومعته قال: فأتته أمه فقالت يا جريج أنا أمك وكلمني قال وكان أبو هريرة يصف كيف كان رسول الله ﷺ وضع يده على حاجبه الأيمن قال وصادفته يصلي قال: يا رب أمي وصلاتي، فاختار صلاته فرجعت، ثم أتته فصادفته يصلي فقالت: يا جريج أنا أمك فكلمني فقال: يا رب أمي وصلاتي فاختار صلاته، فقالت: اللهم هذا جريج وإنه ابني وإني كلمته فأبى أن يكلمني اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات. ولو دعت عليه أن يفتتن لافتتن. قال: وكان راع يأوي إلى ديره فخرجت امرأة فوقع عليها الراعي فولدت غلاما فقيل ممن هذا؟ فقالت: هو من صاحب الدير فأقبلوا بفؤوسهم ومساحيهم وأقبلوا إلى الدير فنادوه فلم يكلمهم فأقبلوا يهدمون ديره، فنزل إليهم فقالوا سل هذه المرأة - قال أراه تبسم - قال: ثم مسح رأس الصبي فقال من أبوك؟ قال راعي الضأن قالوا يا جريج نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان ففعلوا ورواه مسلم في الاستيذان عن شيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة به (٢). سياق آخر قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد أنبأنا ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " كان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يتعبد في صومعته فأتته أمه ذات يوم فنادته فقالت: أي جريج، أي بني، أشرف علي أكلمك أنا أمك أشرف علي فقال: أي ربي صلاتي وأمي فأقبل على صلاته، ثم عادت فنادته مرارا فقالت: أي جريج أي بني أشرف علي فقال: أي رب صلاتي وأمي فأقبل على صلاته فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه المومسة وكانت راعية ترعى غنما لأهلها ثم تأوي إلى ظل صومعته فأصابت فاحشة فحملت فأخذت. وكان من زنى منهم قتل، فقالوا ممن؟ قالت من جريج صاحب الصومعة فجاؤوا بالفؤوس والمرور، فقالوا: أي جريج أي مرائي؟ انزل فأبى وأقبل على صلاته يصلي فأخذوا في هدم صومعته فلما رأى ذلك نزل، فجعلوا في عنقه وعنقها حبلا فجعلوا يطوفون بهما في الناس فوضع أصبعه على بطنها فقال: أي غلام من أبوك؟ فقال: أبي فلان راعي الضأن، فقبلوه وقالوا إن شئت بنينا لك صومعتك من

стр. 552

ذهب وفضة قال أعيدوها كما كانت وهذا سياق غريب وإسناده على شرط مسلم ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه (١). فهؤلاء ثلاثة تكلموا في المهد عيسى بن مريم ﵇ وقد تقدم الكلام على قصته وصاحب جريج ابن البغي من الراعي كما سمعت واسمه يابوس كما ورد مصرحا به في صحيح البخاري والثالث ابن المرأة التي كانت ترضعه فتمنت له أن يكون كصاحب الشارة الحسنة فتمنى أن يكون كتلك الأمة المتهومة بما هي بريئة منه وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل. كما تقدم في رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا. وقد رواه الإمام أحمد عن هوذة عن عوف الأعرابي عن خلاس عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بقصة هذا الغلام الرضيع وهو إسناد حسن. وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ قال: " بينما امرأة ترضع ابنها إذ مر بها راكب وهي ترضعه فقالت اللهم لا تمت ابني حتى يكون مثل هذا فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم رجع في الثدي ومر بامرأة تجر ويلعب بها، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فقال: اللهم اجعلني مثلها. فقال أما الراكب فإنه كافر. وأما المرأة فإنهم يقولون إنه تزني وتقول حسبي الله ويقولون تسرق وتقول حسبي الله. وقد ورد في من تكلم في المهد أيضا شاهد يوسف كما تقدم وابن ماشطة آل فرعون والله أعلم. قصة برصيصا وهي عكس قضية جريج فإن جريجا عصم وذلك فتن. قال ابن جرير: حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، أنبأنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية: (كمثل الشيطان إذ قال للانسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين. فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين) [الحشر: ١٦ - ١٧]. قال ابن مسعود وكانت امرأة ترعى الغنم وكان لها اخوة أربعة وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب قال: فنزل الراهب ففجر بها فحملت، فأتاه الشيطان فقال له اقتلها ثم ادفنها فإنك رجل تصدق ويسمع قولك فقتلها ثم دفنها قال فأتى الشيطان إخوتها في المنام فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا. فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك قالوا: لا بل قصها علينا قال فقصها فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك قالوا فوالله ما هذا إلا لشئ فانطلقوا فاستعدوا (٢) ملكهم على

стр. 553

ذلك الراهب فأتوه فأنزلوه. ثم انطلقوا به فأتاه الشيطان، فقال: إني أنا أوقعتك في هذا، ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه قال فسجد له فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل. وهكذا روي عن ابن عباس وطاوس ومقاتل ابن حيان نحو ذلك. وقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بسياق آخر. فقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر بن شميل، أنبأنا شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت عبد الله بن نهيك، سمعت عليا يقول: إن راهبا تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه فعمد إلى امرأة فأجنها ولها أخوة فقال لاخوتها عليكم بهذا القس فيداويها قال: فجاؤوا بها إليه فداواها وكانت عنده، فبينما هو يوما عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت فعمد إليها فقتلها فجاء إخوتها فقال الشيطان للراهب أنا صاحبك إنك أعييتني أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك اسجد لي سجدة، فسجد له قال: إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين فذلك قوله: (كمثل الشيطان إذ قال للانسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين). قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار فانطبق عليهم فتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم ففرج عنهم. قال الامام البخاري: حدثنا إسماعيل بن خليل، أخبرنا علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: " بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فآووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه فقال واحدا منهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق (١) من أرز فذهب وتركه وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقرا وأنه أتاني يطلب أجره فقلت اعمد إلى تلك البقرة فسقها فقال لي إنما لي عندك فرق من أرز فقلت له اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. فانساخت عنهم الصخرة. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عنهما ليلة فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون (٢) من الجوع وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا. فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار

стр. 554

فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها (١) قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه (٢) فقمت وتركت المائة دينار، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا، رواه مسلم عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر به وقد رواه الإمام أحمد منفردا به عن مروان بن معاوية، عن عمرو بن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن سالم، عن أبيه عن النبي ﷺ بنحوه (٣). ورواه الإمام أحمد من حديث وهب بن منبه عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ بنحو من هذا السياق وفيه زيادات ورواه البزار من طريق أبي إسحاق عن رجل من بجيلة عن النعمان بن بشير مرفوعا مثله ورواه البزار في مسنده من حديث أبي حنش عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ بنحوه. خبر الثلاثة الأعمى والأبرص والأقرع روى البخاري ومسلم من غير وجه: عن همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص (٤) وأعمى وأقرع بدا لله أن يبتليهم فبعث الله إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال له: أي شئ أحب إليك فقال لون حسن، وجلد حسن قد قذرني الناس قال: فمسحه فذهب عنه فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. فقال: أي المال أحب إليك قال الإبل أو قال البقر - هو شك في ذلك أن الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر - فأعطي ناقة عشراء (٥) فقال يبارك لك فيها. قال وأتى الأقرع فقال له: أي المال أحب إليك قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا قد قذرني الناس فمسحه فذهب وأعطي شعرا حسنا قال: فأي المال أحب إليك قال: البقر فأعطاه بقرة حاملا وقال يبارك لك فيها قال وأتى الأعمي فقال: أي شئ أحب إليك قال: يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس قال: فمسحه فرد الله إليه بصره قال: فأي المال أحب إليك قال: الغنم فأعطاه شاة والدا (٦) فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم ثم أنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري فقال له: إن الحقوق كثيرة فقال له كأني أعرفك ألم تكن أبرص

стр. 555

يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا فرد عليه مثل ما رد عليه هذا. فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته فقال رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري فقال قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري وفقيرا فقد أغناني فخذ ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشئ أخذته لله فقال أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك. هذا لفظ البخاري في أحاديث بني إسرائيل (١). حديث الذي استلف من صاحبه ألف دينار فأداها قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة عن رسول ﷺ أنه ذكر: " أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال ائتني بشهداء أشهدهم قال: كفى بالله شهيدا قال: ائتني بكفيل قال كفى بالله كفيلا قال: صدقت فدفعها إليه إلي أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها، وأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها ثم زجج (٢) موضعها ثم أتى بها البحر. ثم قال: اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت كفى بالله كفيلا فرضي بذلك، وسألني شهيدا فقلت كفى بالله شهيدا فرضي بذلك، وإني قد جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبا وإني استودعتكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبا إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا يجيئه بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فلما كسرها وجد المال والصحيفة ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار وقال والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه قال هل كنت بعثت إلي بشئ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبا قبل هذا الذي جئت فيه قال: فإن الله أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة فانصرف بألفك راشدا. هكذا رواه الإمام أحمد مسندا وقد علقه البخاري (٣) في غير موضع من صحيحه بصيغة الجزم عن الليث بن سعد وأسنده في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه، والعجب

стр. 556

من الحافظ أبي بكر البزار كيف رواه في مسنده عن الحسن بن مدرك عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عمر بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه ثم قال لا يروى إلا من هذا الوجه بهذا الاسناد. قصة أخرى شبيهة بهذه القصة في الصدق والأمانة قال البخاري: حدثنا إسحاق بن نصر أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " اشترى رجل من رجل عقارا " (١) له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك مني إنما اشتريت منك الأرض ولم ابتع منك الذهب وقال الذي له الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد قال أحدهما لي غلام، وقال الآخر لي جارية قال انكحوا الغلام الجارية وانفقوا على أنفسهما منه وتصدقا. هكذا روى البخاري هذا الحديث في أخبار بني إسرائيل وأخرجه مسلم (٢) عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به وقد روى أن هذه القصة وقعت في زمن ذي القرنين. وقد كان قبل بني إسرائيل بدهور متطاولة والله أعلم. قال إسحاق بن بشر في كتابه المبتدأ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن: أن ذا القرنين كان يتفقد أمور ملوكه وعماله بنفسه وكان لا يطلع على أحد منهم خيانة إلا أنكر ذلك عليه، وكان لا يقبل ذلك حتى يطلع هو بنفسه. قال فبينما هو يسير متنكرا في بعض المدائن، فجلس إلى قاض من قضاتهم أياما لا يختلف إليه أحد في خصومة فلما أن طال ذلك بذي القرنين ولم يطلع على شئ من أمر ذلك القاضي وهم بالانصراف إذا هو برجلين قد اختصما إليه فادعى أحدهما فقال: أيها القاضي إني اشتريت من هذا دارا عمرتها ووجدت فيها كنزا وإني دعوته إلى أخذه فأبى علي فقال له القاضي: ما تقول؟ قال: ما دفنت وما عملت به فليس هو لي ولا أقبضه منه قال المدعي: أيها القاضي مر من يقبضه فتضعه حيث أحببت فقال القاضي تفر من الشر، وتدخلني فيه ما أنصفتني وما أظن هذا في قضاء الملك فقال القاضي هل لكما أمرا نصف مما دعوتماني إليه قالا: نعم قال: للمدعي ألك أبن؟ قال نعم وقال للآخر ألك ابنة؟ قال: نعم قال: اذهبا فزوج ابنتك من ابن هذا وجهزهما من هذا المال وادفعا فضل ما بقي إليهما يعيشان به فتكونا مليا بخيره وشره فعجب ذو القرنين حين سمع ذلك ثم قال للقاضي: ما ظننت أن في الأرض أحدا يفعل مثل هذا أو قاض يقضي بمثل هذا فقال القاضي وهو لا يعرفه وهل أحد يفعل غير هذا قال

стр. 557

ذو القرنين: نعم قال القاضي فهل يمطرون في بلادهم فعجب ذو القرنين من ذلك وقال بمثل هذا قامت السماوات والأرض. قصة أخرى قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن قتادة عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: " كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ثم خرج يسأل فأتى راهبا فسأله فقال هل من توبة قال لا فقتله فجعل يسأل فقال له رجل ائت قرية كذا وكذا فأدركه الموت فناء بصدره (١) نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله إلى هذه أن تقربي وأوحى إلى هذه أن تباعدي وقال قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له هكذا رواه ههنا مختصرا وقد رواه مسلم عن بندار به ومن حديث شعبة ومن وجه آخر عن قتادة بن مطولا (٢). حديث آخر قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث فقال الناس سبحان الله بقرة تكلم فقال فإني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم (قال) وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلب حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب هذا! استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري فقال الناس سبحان الله ذئب يتكلم قال فإني أو من بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما " (٣). ثم (قال) وحدثنا علي قال حدثنا سفيان، عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله. وقد أسنده البخاري في المزارعة عن علي بن المديني ومسلم عن محمد بن عباد كلاهما عن سفيان بن عيينة وأخرجاه من طريق شعبة كلاهما عن مسعر به. وقال الترمذي حسن صحيح وأخرج مسلم الطريق الأول من حديث سفيان بن عيينة وسفيان الثوري كلاهما عن أبي الزناد. حديث آخر قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم، عن سعد، عن أبيه، عن

стр. 558

أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إنه كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب " (١) لم يخرجه مسلم من هذا الوجه وقد روى عن إبراهيم بن سعد عن أبي سلمة عن عائشة ﵂. حديث آخر قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن [بن عوف] أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج على المنبر فتناول قصة من شعر كانت في يدي حرسي فقال يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه ويقول: " إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم " (٢). وهكذا رواه مسلم وأبو داود من حديث مالك وكذا رواه معمر ويونس وسفيان بن عيينة عن الزهري بنحوه. وقال الترمذي حديث صحيح. وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عمرو بن مرة قال سمعت سعيد بن المسيب قال قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة آخر قدمة قدمها فخطبنا فأخرج من كمه كبسة (٣) شعر وقال ما كنت أرى أحدا يفعل هذا غير اليهود إن النبي ﷺ : " سماه الزور " - يعني الوصال في الشعر - تابعه غندر عن شعبة والعجب أن مسلما رواه من غير وجه عن غندر عن شعبة ومن حديث قتادة عن سعيد بن المسيب به (٤). حديث آخر قال البخاري، حدثنا سعيد بن تليد، حدثنا ابن وهب. قال: أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به ". ورواه مسلم عن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب به (٥).

стр. 559

حديث آخر قال البخاري: حدثنا عبد الله بن أسماء، حدثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، فلا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ". وكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء به (١). حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا المستمر بن الريان، حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: " كان في بني إسرائيل امرأة قصيرة فصنعت رجلين من خشب فكانت تمشي بين امرأتين قصيرتين (٢) واتخذت خاتما من ذهب وحشت تحت فصه أطيب الطيب والمسك فكانت إذا مرت بالمجلس حركته فنفح ريحه " (٣). رواه مسلم من حديث المستمر وخليد بن جعفر كلاهما عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا قريبا منه وقال الترمذي حديث صحيح. حديث آخر قال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة عن منصور سمعت ربعي بن حراش يحدث عن ابن مسعود قال: قال النبي ﷺ : " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (٤) تفرد به البخاري دون مسلم وقد رواه بعضهم عن ربعي بن حراش عن حذيفة مرفوعا وموقوفا أيضا والله أعلم. حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القسم، حدثنا عبد الحميد - يعني ابن بهرام - حدثنا شهر بن حوشب قال: قال أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شئ فجاء الرجل من سفره فدخل على امرأته جائعا قد أصابته [مسغبة]

стр. 560

شديدة، فقال لامرأته: عندك شئ قالت: نعم أبشر أتاك رزق الله فاستحثها فقال: ويحك ابتغي إن كان عندك شئ قالت: نعم هنيئة نرجو رحمة الله حتى إذا طال عليه المطال قال: ويحك قومي فابتغي إن كان عندك شئ فأتيني به فإني قد بلغت الجهد وجهدت فقالت: نعم الآن ينضج التنور فلا تعجل، فلما أن سكت عنها ساعة، وتحينت أيضا أن يقول لها قالت من عند نفسها لو قمت فنظرت إلى تنوري فقامت فوجدت تنورها ملآن من جنوب الغنم ورحاها تطحن فقامت إلى الرحى فنفضتها واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم قال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم بيده عن قول محمد ﷺ : لو أخذت ما في رحيبها ولم تنفضها لطحنت إلى يوم القيامة " (١). وقال أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو بكر، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة قال: دخل رجل على أهله فلما رأى ملبهم من الحاجة خرج إلى البرية فلما رأت امرأته ما لقي قامت إلى الرحى فوضعتها وإلى التنور فسجرته ثم قالت: اللهم ارزقنا فنظرت فإذا الجفنة قد امتلأت قال وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا قال: فرجع الزوج قال: أصبتم بعد شيئا قالت امرأته: نعم من ربنا فرفعتها إلى الرحى ثم قامت فذكر ذلك للنبي ﷺ قال: " أما أنه لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة " قال شهدت النبي ﷺ وهو يقول: " والله لان يأتي أحدكم بحزمة حطب ثم يحمله فيبيعه فيستعفف منه خير له من أن يأتي رجلا فيسأله " (٢). قصة الملكين التائبين قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا المسعودي، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: بينما رجل فيمن كان قبلكم كان في مملكته ففكر فعلم أن ذلك منقطع عنه وأن ما هو فيه قد شغله عن عبادة ربه، [فتسرب] فانساب ذات ليلة من قصره. وأصبح في مملكة غيره، وأتى ساحل البحر فكان به يضرب اللبن بالآجر، فيأكل ويتصدق بالفضل، ولم يزل كذلك حتى رقي أمره [وعبادته وفضله] إلى ملكهم فأرسل إليه فأبى أن يأتيه، فركب إليه الملك، فلما رآه ولى هاربا فركض في أثره فلم يدركه، فناداه: يا عبد الله إنه ليس عليك مني بأس، فقام حتى أدركه فقال له: من أنت رحمك الله؟ فقال: أنا فلان بن فلان صاحب مملكة كذا وكذا ففكرت في أمري فعلمت إنما أنا فيه منقطع، وأنه قد شغلني عن عبادة ربي . فتركته وجئت ههنا أعبد ربي فقال له: ما أنت بأحوج لما صنعت مني قال: فنزل عن دابته فسيبها وتبعه فكانا جميعا يعبدان الله فدعوا الله أن يميتهما جميعا فماتا ". قال عبد الله

стр. 561

فلو كنت برملية (١) مصر لأريتكم قبورهما بالنعت الذي نعت لنا رسول الله ﷺ حديث آخر قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ : " إن رجلا كان قبلكم رغسه الله مالا فقال لبنيه لما حضر: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب. قال: فإني لم أعمل خيرا قط فإذا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في يوم عاصف ففعلوا. فجمعه الله فقال: ما حملك؟ فقال: مخافتك. فتلقاه برحمته " (٢). ورواه في مواضع أخر. ومسلم من طرق عن قتادة به. ثم رواه البخاري ومسلم من حديث ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي ﷺ بنحوه. ومن حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. حديث آخر قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا. قال فلقي الله فتجاوز عنه " (٣). وقد رواه في مواضع أخر ومسلم من طريق الزهري به. حديث آخر قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني ملك، عن محمد بن المنكدر، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله ﷺ في الطاعون؟ قال أسامة قال رسول الله ﷺ : " الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه " (٤). قال أبو النضر لا يخرجكم إلا فرارا منه. ورواه مسلم من حديث مالك، ومن طرق أخر عن عامر بن سعد به: حدثنا

стр. 562

موسى بن إسماعيل، حدثنا داود بن أبي الفرات، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر عن عائشة قالت سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون أخبرني: " أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء من عباده وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد ". تفرد به البخاري عن مسلم من هذا الوجه (١). حديث اخر قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ، فكلمه أسامة. فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب ثم قال: " إنما هلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " (٢). وأخرجه بقية الجماعة من طرق عن الليث بن سعد به. حديث اخر وقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة: سمعت النزال بن سبرة الهلالي، عن ابن مسعود قال سمعت رجلا قرأ، وسمعت رسول الله ﷺ يقرأ خلافها فجئت به إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية وقال: " كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) (٣) تفرد به البخاري دون مسلم. حديث اخر قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " (٤). تفرد به دون مسلم وفي سنن أبي داود: " صلوا في

стр. 563

نعالكم خالفوا اليهود " (١). حديث اخر قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس: سمعت عمر يقول: قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها. فباعوها " (٢) رواه مسلم من حديث ابن عيينة. ومن حديث عمرو بن دينار به ثم قال البخاري تابعه جابر وأبو هريرة عن النبي ﷺ ولهذا الحديث طرق كثيرة وسيأتي في باب الحيل من كتاب الأحكام إن شاء الله وبه الثقة. حديث اخر قال البخاري: حدثنا عمران بن ميسرة، حدثنا عبد الوارث، حدثنا خالد عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: ذكروا النار والناقوس، فذكروا اليهود والنصارى: " فأمر بلال أن يشفع الاذان وأن يوتر الإقامة " (٣). وأخرجه بقية الجماعة من حديث أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي به. والمقصود من هذا مخالفة أهل الكتاب في جميع شعارهم فإن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة كان المسلمون يتحينون وقت الصلاة بغير دعوة إليها. ثم أمر من ينادي فيهم وقت الصلاة (الصلاة جامعة) ثم أرادوا أن يدعوا إليها بشئ يعرفه الناس فقال قائلون: نضرب بالناقوس وقال آخر: نوري نارا، فكرهوا ذلك لمشابهة أهل الكتاب فأري عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه الاذان فقصها على رسول الله ﷺ فأمر بلالا فنادى كما هو مبسوط في موضعه من باب الاذان في كتاب الأحكام. حديث اخر قال البخاري: حدثنا بشر بن محمد، أنبأنا عبد الله، أنبأنا معمر ويونس عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله: أن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى

стр. 564

اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " (١) يحذر ما صنعوا وهكذا رواه في غير موضع ومسلم من طرق عن الزهري به. حديث اخر قال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: " لنتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه (٢)، فقلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال النبي ﷺ : " فمن؟ " وهكذا رواه مسلم من حديث زيد بن أسلم به. والمقصود من هذا الاخبار عما يقع من الأقوال والافعال المنهى عنها شرعا، مما يشابه أهل الكتاب قبلنا أن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم وأفعالهم، حتى ولو كان قصد المؤمن خيرا لكنه تشبه ففعله في الظاهر فعلهم، وكما نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا تشابه المشركين الذين يسجدون للشمس حينئذ، وإن كان المؤمن لا يخطر بباله شئ من ذلك بالكلية وهكذا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) [البقرة: ١٠٤]. فكان الكفار يقولون للنبي ﷺ في كلامهم معه: راعنا أي انظر إلينا ببصرك، واسمع كلامنا، ويقصدون بقولهم راعنا من الرعونة فنهى المؤمنين أن يقولوا ذلك، وإن كان لا يخطر ببال أحد منهم هذا أبدا. فقد روى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: " بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم فليس للمسلم أن يتشبه بهم لا في أعيادهم ولا مواسمهم ولا في عباداتهم " (٣). لان الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة وعيسى بن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حيين لم يكن لهما شرع متبع بل لو كانا موجودين بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم أن يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة فإذا كان الله تعالى قد من علينا بأن جعلنا من أتباع محمد ﷺ فكيف يليق بنا أن نتشبه بقوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل قد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولا. ثم هو

стр. 565

بعد ذلك كله منسوخ والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلا ولا كثيرا ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم حديث اخر قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: " إنما أجلكم من أجل من خلا من قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاه العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى المغرب على قيراطين قيراطين ألا لكم الاجر مرتين، فغضب اليهود والنصارى فقالوا نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال الله تعالى: (هل ظلمتكم من حقكم شيئا فقالوا: لا قال: فإنه فضلي أوتيه من أشاء) (١) وهذا الحديث فيه دليل على أن مدة هذه الأمة قصيرة بالنسبة إلى ما مضى من مدد الأمم قبلها لقوله إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، فالماضي لا يعلمه إلا الله، كما أن الآتي لا يعلمه إلا هو، ولكنه قصير بالنسبة إلى ما سبق ولا اطلاع لاحد على تحديد ما بقي إلا الله كما قال الله تعالى: (لا يجليها لوقتها إلا هو) [الأعراف: ١٨٧] وقال: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها) [النازعات: ٤١ - ٤٣]. وما تذكره بعض الناس من الحديث المشهور عند العامة من أنه: " ﵇ لا يؤلف تحت الأرض " فليس له أصل في كتب الحديث وورد فيه حديث أن الدنيا جمعة من جمع الآخرة وفي صحته نظر (٢). والمراد من هذا التشبيه بالعمال تفاوت أجورهم وأن ذلك ليس منوطا بكثرة العمل وقلته، بل بأمور أخر معتبرة عند الله تعالى، وكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير، هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها وهؤلاء أصحاب محمد ﷺ أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذهب مثل أحد ما بلغ من أحدهم ولا نصيفه من تمر وهذا رسول الله ﷺ بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه وهو ابن ثلاث وستين على المشهور وقد برز في هذه المدة التي هي ثلاث وعشرون سنة في العلوم النافعة والأعمال الصالحة على سائر الأنبياء قبله حتى على نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويعمل بطاعة
следующие страницы →