بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الأول والآخر، الباطن الظاهر، الذي هو بكل شئ عليم، الأول فليس قبله شئ، الآخر فليس بعده شئ، الظاهر فليس فوقه شئ الباطن، فليس دونه شئ، الأزلي القديم الذي لم يزل موجودا بصفات الكمال، ولا يزال دائما مستمرا باقيا سرمديا بلا انقضاء ولا انفصال ولا زوال. يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وعدد الرمال. وهو العلي الكبير المتعال، العلي العظيم الذي خلق كل شئ فقدره تقديرا.
ورفع السماوات بغير عمد، وزينها بالكواكب الزاهرات، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وسوى فوقهن سريرا، شرجعا عاليا منيفا متسعا مقبيا مستديرا. وهو العرش العظيم - له قوائم عظام، تحمله الملائكة الكرام، وتحفه الكروبيون عليهم الصلاة والسلام، ولهم زجل بالتقديس والتعظيم. وكذا أرجاء السماوات مشحونة بالملائكة، ويفد منهم في كل يوم سبعون ألفا إلى البيت المعمور بالسماء الرابعة لا يعودون إليه، آخر ما عليهم في تهليل وتحميد وتكبير وصلاة وتسليم.
ووضع الأرض للأنام على تيار الماء. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام قبل خلق السماء، وأنبت فيها من كل زوجين اثنين، دلالة للألباء من جميع ما يحتاج العباد إليه في شتائهم وصيفهم، ولكل ما يحتاجون إليه ويملكونه من حيوان بهيم.
وبدأ خلق الانسان من طين، وجعل نسله من سلالة من ماء مهين، في قرار مكين. فجعله سميعا بصيرا، بعد أن لم يكن شيئا مذكورا. وشرفه بالعلم والتعليم. خلق بيده الكريمة آدم أبا البشر، وصور جثته ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وخلق منه زوجه حواء أم البشر فآنس بها وحدته، وأسكنهما جنته، وأسبغ عليهما نعمته. ثم أهبطهما إلى الأرض لما سبق في ذلك من حكمة الحكيم. وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، وقسمهم بقدرة العظيم ملوكا ورعاة، وفقراء وأغنياء، وأحرارا وعبيدا، وحرائر وإماء. وأسكنهم أرجاء الأرض، طولها والعرض، وجعلهم
стр. 2
خلائف فيها يخلف البعض منهم البعض، إلى يوم الحساب والعرض على العليم الحكيم. وسخر لهم الأنهار من سائر الأقطار، تشق الأقاليم إلى الأمصار، ما بين صغار وكبار، على مقدار الحاجات والأوطار، وأنبع لهم العيون والآبار. وأرسل عليهم السحائب بالأمطار، فأنبت لهم سائر صنوف الزرع والثمار. وآتاهم من كل ما سألوه بلسان حالهم وقالهم: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار): فسبحان الكريم العظيم الحليم … وكان من أعظم نعمه عليهم. وإحسانه إليهم، بعد أن خلقهم ورزقهم ويسر لهم السبيل وأنطقهم، أن أرسل رسله إليهم، وأنزل كتبه عليهم: مبينة حلاله وحرامه، وأخباره وأحكامه، وتفصيل كل شئ في المبدأ والمعاد إلى يوم القيامة.
فالسعيد من قابل الاخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد والنواهي بالتعظيم. ففاز بالنعيم المقيم، وزحزح عن مقام المكذبين في الجحيم ذات الزقوم والحميم، والعذاب الأليم * أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه يملا أرجاء السماوات والأرضين، دائما أبد الآبدين، ودهر الداهرين، إلى يوم الدين، في كل ساعة وآن ووقت وحين، كما ينبغي لجلاله العظيم، وسلطانه القديم ووجهه الكريم … وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ولد له ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا نظير ولا وزير له ولا مشير له، ولا عديد ولا نديد ولا قسيم.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، المصطفى من خلاصة العرب العرباء من الصميم، خاتم الأنبياء، وصاحب الحوض الأكبر الرواء، صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة، وحامل اللواء الذي يبعثه الله المقام المحمود الذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم حتى الخليل إبراهيم ﷺ وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين، وسلم وشرف وكرم أزكى صلاة وتسليم، وأعلى تشريف وتكريم. ورضي الله عن جميع أصحابه الغر الكرام، السادة النجباء الاعلام، خلاصة العالم بعد الأنبياء. ما اختلط الظلام بالضياء، وأعلن الداعي بالنداء وما نسخ النهار ظلام الليل البهيم.
(أما بعد) فهذا كتاب أذكر فيه بعون الله وحسن توفيقه ما يسره الله تعالى بحوله وقوته من ذكر مبدأ المخلوقات: من خلق العرش والكرسي والسماوات، والأرضين وما فيهن وما بينهن من الملائكة والجان والشياطين، وكيفية خلق آدم ﵇، وقصص النبيين، وما جرى مجرى ذلك إلى أيام بني إسرائيل وأيام الجاهلية حتى تنتهي النبوة إلى أيام نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه. فنذكر سيرته كما ينبغي فتشفي الصدور والغليل، وتزيح الداء عن العليل.
ثم نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، ونذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة. ثم البعث والنشور وأهوال القيامة، ثم صفة ذلك وما في ذلك اليوم، وما يقع فيه من الأمور الهائلة. ثم صفة النار، ثم صفة الجنان وما فيها من الخيرات الحسان، وغير ذلك وما يتعلق به، وما ورد في
стр. 3
ذلك من الكتاب والسنة والآثار والاخبار المنقولة المقبولة عند العلماء وورثة الأنبياء، الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.
ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب، مما فيه بسط لمختصر عندنا، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه. وإنما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ما صح نقله أو حسن وما كان فيه ضعف نبينه. وبالله المستعان وعليه التكلان. ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم العلي العظيم.
فقد قال الله تعالى في كتابه (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا) وقد قص الله على نبيه ﷺ خبر ما مضى من خلق المخلوقات، وذكر الأمم الماضين، وكيف فعل بأوليائه، وماذا أحل بأعدائه. وبين ذلك رسول الله ﷺ لامته بيانا شافيا، سنورد عند كل فصل ما وصل إلينا عنه، صلوات الله وسلامه عليه. من ذلك تلو الآيات الواردات (١) في ذلك فأخبرنا بما نحتاج إليه من ذلك، وترك ما لا فائدة فيه مما قد يتزاحم على علمه ويتراجم في فهمه طوائف من علماء أهل الكتاب مما لا فائدة فيه لكثير من الناس إليه. وقد يستوعب نقله طائفة من علمائنا ولسنا نحذو حذوهم ولا ننحو نحوهم ولا نذكر منها إلا القليل على سبيل الاختصار. ونبين ما فيه حق مما وافق ما عندنا، وما خالفه فوقع فيه الانكار.
فأما الحديث الذي رواه البخاري ﵀ في صحيحه عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال " بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني ولا تكذبوا علي ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " فهو محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا. فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها، فيجوز روايتها للاعتبار. وهذا هو الذي نستعمله في كتابنا هذا … فأما ما شهد له شرعنا بالصدق فلا حاجة بنا إليه استغناء بما عندنا. وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته، إلا على سبيل الانكار والابطال.
فإذا كان الله، سبحانه وله الحمد، قد أغنانا برسولنا محمد، ﷺ ، عن سائر الشرائع، وبكتابه عن سائر الكتب، فلسنا نترامى على ما بأيديهم مما وقع فيه خبط وخلط، وكذب ووضع، وتحريف وتبديل، وبعد ذلك كله نسخ وتغيير.
فالمحتاج إليه قد بينه لنا رسولنا، وشرحه وأوضحه. عرفه من عرفه، وجهله من جهله.
كما قال علي بن أبي طالب " كتاب الله فيه خير ما قبلكم ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم وهو الفضل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله " وقال أبو ذر، ﵁: " لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يطير بجناحيه إلا أذكرنا منه علما "
стр. 4
وقال البخاري في كتاب بدء الخلق، وروي عن عيسى بن موسى غنجار عن رقية عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال " سمعت عمر بن الخطاب يقول قام فينا رسول الله ﷺ مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم. وأهل النار منازلهم " حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه " قال أبو مسعود الدمشقي في أطرافه هكذا قال البخاري، وإنما رواه عيسى غنجار عن أبي حمزة عن رقية، وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ في مسنده: حدثنا أبو عاصم حدثنا عزرة بن ثابت، حدثنا علباء بن أحمر اليشكري: حدثنا أبو زيد الأنصاري، قال قال: صلى بنا رسول الله ﷺ " صلاة الصبح، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى الظهر. ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غابت الشمس فحدثنا بما كان، وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا " انفرد باخراجه مسلم فرواه في كتاب الفتن من صحيحه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي وحجاج بن الشاعر، جميعا عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن عزرة عن علباء عن أبي زيد عمرو بن أخطب بن رفاعة الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه.
فصل
قال الله تعالى في كتابه العزيز (الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل) [الزمر: ٦٢] فكل ما سواه تعالى فهو مخلوق له، مربوب ومدبر، مكون بعد أن لم يكن محدث بعد عدمه. فالعرش الذي هو سقف المخلوقات إلى ما تحت الثرى، وما بين ذلك من جامد وناطق الجميع خلقه، وملكه وعبيده وتحت قهره وقدرته، وتحت تصريفه ومشيئته (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام. ثم استوى على العرش. يعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير) [الحديد: ٤].
وقد أجمع العلماء قاطبة لا يشك في ذلك مسلم أن الله خلق السماوات والأرض، وما بينهما في ستة أيام كما دل عليه القرآن الكريم. فاختلفوا في هذه الأيام أهي كأيامنا هذه أو كل يوم كألف سنة مما تعدون؟ على قولين كما بينا ذلك في التفسير، وسنتعرض لإيراده في موضعه. واختلفوا هل كان قبل خلق السماوات والأرض شئ مخلوق قبلهما. فذهب طوائف من المتكلمين إلى أنه لم يكن قبلهما شئ وأنهما خلقتا من العدم المحض. وقال آخرون بل كان قبل السماوات والأرض مخلوقات أخر لقوله [تعالى] (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) [يونس: ٣] الآية. وفي حديث عمران بن حصين كما سيأتي " كان الله ولم يكن قبله شئ وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ ثم خلق السماوات والأرض " وقال الإمام أحمد بن
стр. 5
حنبل حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو يعلى (١) بن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي أنه قال " يا رسول الله أين كان (٢) ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء (٣) ثم خلق عرشه على الماء " ورواه عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة به. ولفظه أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ وباقيه سواء وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح ثلاثتهم عن يزيد بن هارون، وقال الترمذي حسن. واختلف هؤلاء في أيها خلق أولا؟ فقال قائلون خلق القلم قبل هذه الأشياء كلها، وهذا هو اختيار ابن جرير، وابن الجوزي، وغيرهما قال ابن جرير، وبعد القلم السحاب الرقيق. واحتجوا بالحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت ﵁: قال قال رسول الله ﷺ " إن أول ما خلق الله القلم. ثم قال له أكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة " لفظ أحمد (٤). وقال الترمذي حسن صحيح غريب. والذي عليه الجمهور فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره (أن العرش مخلوق قبل ذلك) وهذا هو الذي رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس كما دل على ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (٥). حيث قال: حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو [بن عبد الله بن عمرو] بن السرح حدثنا ابن وهب أخبرني أبو هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الجيلي (٦) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " كتب الله مقادير الخلائق (٧) قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء قالوا فهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقادير. وقد دل هذا الحديث أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير. وقد دل هذا الحديث أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجماهير. ويحمل حديث
стр. 6
القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم. ويؤيد هذا ما رواه البخاري عن عمران بن حصين: قال قال أهل اليمن لرسول الله ﷺ " جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الامر فقال كان الله ولم يكن شئ قبله … وفي رواية معه، وفي رواية غيره " وكان عرشه على الماء. وكتب في الذكر كل شئ وخلق السماوات والأرض " وفي لفظ: ثم خلق السماوات والأرض. فسألوه عن ابتداء خلق السماوات والأرض. ولهذا قالوا جئناك نسألك عن أول هذا الامر فأجابهم عما سألوا فقط. ولهذا لم يخبرهم بخلق العرش كما أخبر به في حديث أبي رزين المتقدم. قال ابن جرير وقال آخرون " بل خلق الله الماء قبل العرش " رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : قالوا " ان الله كان عرشه على الماء (١)، ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء " وحكى ابن جرير عن محمد بن إسحاق أنه قال " أول ما خلق الله النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما، وجعل النور نهارا مضيئا مبصرا " قال ابن جرير وقد قيل: " إن الذي خلق ربنا بعد القلم الكرسي. ثم خلق بعد الكرسي العرش، ثم خلق بعد ذلك الهواء والظلمة. ثم خلق الماء فوضع عرشه على الماء " والله أعلم.
فصل
فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي. قال الله تعالى (رفيع الدرجات ذو العرش) [غافر: ١٥] وقال تعالى (فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) [المؤمنون: ١١٦] وقال الله (لا إله إلا هو رب العرش العظيم) [المؤمنون: ٨٦] وقال (وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد) [البروج: ١٤]. وقال تعالى (الرحمن على العرش استوى) [طه: ٥] وقال (استوى على العرش) [الرعد: ٢] في غير ما آية من القرآن، وقال تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما) [غافر: ٧] وقال تعالى (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) [الحاقة: ١٧] وقال تعالى (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) [الزمر: ٧٥] وفي الدعاء المروي في الصحيح في دعاء الكرب " لا إله إلا الله العظيم الحليم. لا إله إلا الله رب العرش الكريم. لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم ". وقال الإمام أحمد (٢) حدثنا عبد الرزاق حدثنا يحيى بن العلاء عن عمه شعيب بن
стр. 7
خالد حدثني سماك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن عباس بن عبد المطلب قال: كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ بالبطحاء فمرت سحابة فقال رسول الله ﷺ (أتدرون ما هذا قال قلنا السحاب قال والمزن قال قلنا والمزن قال والعنان قال فسكتنا فقال هل تدرون كم بين السماء والأرض قال قلنا الله ورسوله أعلم. قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكشف كل سماء (١) مسيرة خمسمائة سنة وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم على ظهورهم (٢) العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله فوق ذلك وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شئ ". هذا لفظ الإمام أحمد. ورواه أبو داود وابن ماجة والترمذي من حديث سماك باسناده نحوه. وقال الترمذي هذا حديث حسن، وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك ووقفه ولفظ أبي داود " وهل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا لا ندري " قال " بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتين أو ثلاثة وسبعون سنة " والباقي نحوه. وقال أبو داود حدثنا عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار، وأحمد بن سعيد الرباطي قالوا حدثنا وهب بن جرير. قال أحمد كتبناه من نسخته وهذا لفظه. قال حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عقبة عن جبير بن محمد بن جبير ابن مطعم عن أبيه عن جده قال أتى رسول الله ﷺ اعرابي فقال يا رسول الله جهدت الأنفس وجاعت العيال (٣) ونهكت الأموال وهلكت الانعام. فاستسق الله لنا فانا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك " قال رسول الله ﷺ " ويحك أتدري ما تقول " وسبح رسول الله ﷺ فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال " ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن عرشه على سماواته لهكذا " وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به أطيط الزحل بالراكب. قال ابن بشار في حديثه " ان الله فوق عرشه وعرشه فوق سماواته " وساق الحديث. وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار عن يعقوب بن عقبة وجبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده، قال أبو داود والحديث بإسناد أحمد بن سعيد وهو الصحيح. وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن معين وعلي بن المديني ورواه جماعة منهم عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضا، وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار في نسخة واحدة فيما بلغني. تفرد بإخراجها أبو داود، وقد صنف الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي جزءا في الرد على هذا الحديث. سماه (ببيان الوهم والتخليط الواقع في حديث الأطيط) واستفرغ وسعه في الطعن على محمد بن إسحاق بن بشار راويه. وذكر كلام الناس فيه، ولكن قد روى هذا اللفظ من طريق أخرى عن غير محمد بن
стр. 8
إسحاق، فرواه عبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما، وابن أبي عاصم والطبراني في كتابي السنة لهما، والبزار في مسنده والحافظ الضياء المقدسي في مختارته من طريق أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله بن خليفة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال " أتت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت ادع الله أن يدخلني الجنة قال فعظم الرب ﵎ وقال " إن كرسيه وسع السماوات والأرض وإن له أطيطا كأطيط الزحل الجديد من ثقله. عبد الله بن خليفة هذا ليس بذاك المشهور. وفي سماعه من عمر نظر. ثم منهم من يرويه موقوفا ومرسلا، ومنهم من يزيد فيه زيادة غريبة والله أعلم *
وثبت في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال " إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقه عرش الرحمن ". يروى وفوقه بالفتح على الظرفية، وبالضم. قال شيخنا الحافظ المزي وهو أحسن، أي وأعلاها عرش الرحمن. وقد جاء في بعض الآثار (أن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش وهو تسبيحه وتعظيمه) وما ذاك إلا لقربهم منه. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال " لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ (١). وذكر الحافظ ابن الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب صفة العرش عن بعض السلف " أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة " وذكرنا عند قوله تعالى (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) [المعارج: ٤] أنه بعد ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة واتساعه خمسون ألف سنة. وقد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة ولذا سموه الفلك التاسع والفلك الأطلس والأثير. وهذا ليس بجيد لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، والفلك لا يكون له قوائم ولا يحمل، وأيضا فإنه فوق الجنة والجنة فوق السماوات وفيها مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فالبعد الذي بينه وبين الكرسي ليس هو نسبة فلك إلى فلك. وأيضا فإن العرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك كما قال تعالى (ولها عرش عظيم) [النمل: ٢٣]. وليس هو فلكا ولا تفهم منه العرب ذلك. والقرآن إنما نزل بلغة العرب فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات. قال الله تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا) [غافر: ٧] وقد تقدم في حديث الأوعال أنهم ثمانية، وفوق ظهورهن العرش، وقال تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) [الحاقة: ١٧] وقال شهر بن حوشب " حملة العرش ثمانية أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد
стр. 9
علمك " وأربعة يقولون " سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك " فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا عبد الله بن محمد هو أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عقبة (١) عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صدق أمية يعني ابن أبي الصلت في بيتين من شعره فقال:
رجل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد (٢)
فقال رسول الله ﷺ صدق. فقال:
والشمس تطلع كل آخر ليلة … حمراء مطلع لونها متورد (٣)
تأبى فلا تبدو لنا في رسلها … إلا معذبة وإلا تجلد
فقال رسول الله ﷺ " صدق " فإنه حديث صحيح الاسناد رجاله ثقات. وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فيعارضه حديث الأوعال. اللهم إلا أن يقال إن اثبات هؤلاء الأربعة على هذه الصفات لا ينفي ما عداهم. والله أعلم. ومن شعر أمية بن أبي الصلت في العرش قوله:
مجدوا الله فهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء العالي الذي بهر الناس … وسوى فوق السماء سريرا
شرجعا لا يناله بصر العين … ترى حوله الملائك صورا
صور جمع أصور وهو المائل العنق لنظره إلى العلو (٤) والشرجع هو العالي المنيف. والسرير هو العرش في اللغة. ومن شعر عبد الله بن رواحة ﵁ الذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته.
شهدت بأن وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة كرام … ملائكة الآله مسومينا
стр. 10
ذكره ابن عبد البر وغير واحد من الأئمة … وقال أبو داود حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام. ورواه ابن أبي عاصم ولفظه محقق الطير (١) مسيرة سبعمائة عام.
وأما الكرسي
فروى ابن جرير من طريق جويبر (٢) وهو ضعيف - عن الحسن البصري أنه كان يقول لكرسي هو العرش وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما قالا في قوله تعالى (وسع كرسيه السماوات والأرض) (٣) أي علمه والمحفوظ عن ابن عباس كما رواه الحاكم في مستدركه. وقال إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه من طريق سفيان الثوري عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله . وقد رواه شجاع بن مخلد الفلاس في تفسيره عن أبي عاصم النبيل عن الثوري فجعله مرفوعا والصواب انه موقوف على ابن عباس وحكاه ابن جرير عن أبي موسى الأشعري والضحاك بن مزاحم وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير ومسلم البطين وقال السدي عن أبي مالك " الكرسي تحت العرش. وقال السدي السماوات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش " وروى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه قال: " لو أن السماوات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة " وقال ابن جرير حدثني يونس حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس " قال وقال أبو ذر سمعت رسول الله ﷺ يقول " ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض " أول الحديث مرسل. وعن أبي ذر منقطع. وقد روي عنه من طريق أخرى موصولا فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني أنبأنا عبد الله بن وهيب المغربي أنبأنا محمد بن أبي سري العسقلاني أنبأنا محمد بن عبد الله التميمي عن القاسم بن محمد الثقفي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري أنه سأل رسول الله ﷺ عن
стр. 11
الكرسي فقال رسول الله ﷺ " والذي نفسي بيده ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة … وقال ابن جرير في تاريخه حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قوله وكان عرشه على الماء على أي شئ كان الماء؟ قال: على متن الريح قال: والسماوات والأرضون وكل ما فيهن من شئ تحيط بها البحار ويحيط بذلك كله الهيكل ويحيط بالهيكل فيما قيل الكرسي. وروى (١) عن وهب ابن منبه نحوه. وفسر وهب الهيكل فقال شئ من أطراف السماوات يحدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط * وقد زعم بعض من ينتسب إلى علم الهيئة أن الكرسي عبارة عن الفلك الثامن الذي يسمونه فلك الكواكب الثوابت. وفيما زعموه نظر لأنه قد ثبت أنه أعظم من السماوات السبع بشئ كثير ورد الحديث المتقدم بأن نسبتها إليه كنسبة حلقة ملقاة بأرض فلاة وهذا ليس نسبة فلك إلى فلك. فإن قال قائلهم فنحن نعترف بذلك ونسميه مع ذلك فلكا فنقول الكرسي ليس في اللغة عبارة عن الفلك وإنما هو كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه. ومثل هذا لا يكون فلكا. وزعم أن الكواكب الثوابت مرصعة فيه لا دليل لهم عليه. هذا مع اختلافهم في ذلك أيضا كما هو مقرر في كتبهم والله أعلم.
ذكر اللوح المحفوظ
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس أن نبي الله ﷺ قال " ان الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيى ويعز ويذل ويفعل ما يشاء " وقال إسحاق بن بشر أخبرني مقاتل وابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال " إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده دينه الاسلام ومحمد عبده ورسوله. فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة " قال " واللوح المحفوظ لوح من درة بيضاء: طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب. وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك " وقال أنس بن مالك، وغيره من السلف " اللوح المحفوظ في جبهة إسرافيل " وقال مقاتل هو عن يمين العرش.
ما ورد في خلق السماوات والأرض وما بينهما
قال الله تعالى (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم
стр. 12
الذين كفروا بربهم يعدلون) [الانعام: ١] وقال تعالى (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) [هود: ٧] في غير ما آية من القرآن وقد اختلف المفسرون في مقدار هذه الستة الأيام على قولين. فالجمهور على أنها كأيامنا هذه. وعن ابن عباس، ومجاهد والضحاك، وكعب الأحبار: أن كل يوم منها كألف سنة مما تعدون. رواهن ابن جرير، وابن أبي حاتم، واختار هذا القول الإمام أحمد بن حنبل في كتابه الذي رد فيه على الجهمية، وابن جرير وطائفة من المتأخرين والله أعلم. وسيأتي ما يدل على هذا القول. وروى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم، وغيره أن أسماء الأيام الستة " أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت " وحكى ابن جرير في أول الأيام ثلاثة أقوال، فروى عن محمد بن إسحاق أنه قال " يقول أهل التوراة ابتدأ الله الخلق يوم الأحد، ويقول أهل الإنجيل: ابتدأ الله الخلق يوم الاثنين، ونقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا عن رسول الله ﷺ ابتدأ الله الخلق يوم السبت " وهذا القول الذي حكاه ابن إسحاق عن المسلمين مال إليه طائفة من الفقهاء من الشافعية، وغيرهم. وسيأتي فيه حديث أبي هريرة (خلق الله التربة يوم السبت) والقول بأنه الأحد رواه ابن جرير عن السدي عن أبي مالك، وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن جماعة من الصحابة ورواه أيضا عن عبد الله بن سلام، واختاره ابن جرير. وهو نص التوراة، ومال إليه طائفة آخرون من الفقهاء. وهو أشبه بلفظ الأحد ولهذا كمل الخلق في ستة أيام فكان آخرهن الجمعة فاتخذه المسلمون عيدهم في الأسبوع وهو اليوم الذي أضل الله عنه أهل الكتاب قبلنا كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وقال تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم) [البقرة: ٢٩] وقال تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح، وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم) [فصلت: ٩] فهذا يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء لأنها كالأساس للبناء كما قال تعالى: (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) [غافر: ٦٤] قال تعالى (ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا إلى أن قال وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا) [المرسلات: ٢٥] وقال [تعالى] (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون) [الأنبياء: ٣٠] أي فصلنا ما بين السماء والأرض حتى هبت الرياح ونزلت الأمطار وجرت العيون، والأنهار وانتعش الحيوان. ثم قال (وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون) [الأنبياء: ٣٢] أي عما خلق فيها من الكواكب الثوابت، والسيارات والنجوم
стр. 13
الزاهرات والأجرام النيرات، وما في ذلك من الدلالات على حكمة خالق الأرض والسماوات كما قال تعالى … (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) … [يوسف: ١٠٥] فأما قوله تعالى (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم) [النازعات: ٢٨] فقد تمسك بعض الناس بهذه الآية على تقدم خلق السماء على خلق الأرض. فخالفوا صريح الآيتين المتقدمين ولم يفهموا هذه الآية الكريمة فان مقتضى هذه الآية أن دحي الأرض وإخراج الماء والمرعى منها بالفعل بعد خلق السماء. وقد كان ذلك مقدرا فيها بالقوة كما قال تعالى (وبارك فيها وقدر فيها أقواتها) [فصلت: ١٠] أي هيأ أماكن الزرع ومواضع العيون والأنهار ثم لما أكمل خلق صورة العالم السفلي والعلوي دحى الأرض أخرج منها ما كان مودعا فيها فخرجت العيون وجرت الأنهار، ونبت الزرع والثمار ولهذا فسر الدحي بإخراج الماء والمرعى منها وإرسال الجبال فقال (والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها) وقوله (والجبال أرساها) [المرسلات: ٣٠ - ٣٢] أي قررها في أماكنها التي وضعها فيها وثبتها وأكدها وأطدها وقوله (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون، والأرض فرشناها فنعم الماهدون، ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) [الذاريات: ٣٧] بأيد أي بقوة. وأنا لموسعون، وذلك أن كل ما علا اتسع فكل سماء أعلى من التي تحتها فهي أوسع منها. ولهذا كان الكرسي أعلى من السماوات. وهو أوسع منهن كلهن. والعرش أعظم من ذلك كله بكثير. وقوله بعد هذا (والأرض فرشناها) أي بسطناها وجعلناها مهدا أي قارة ساكنة غير مضطربة ولا مائدة بكم. ولهذا قال (فنعم الماهدون) والواو لا تقتضي الترتيب في الوقوع. وإنما يقتضي الاخبار المطلق في اللغة والله أعلم *
وقال البخاري حدثنا عمر بن جعفر بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا جامع بن شداد عن صفوان بن محرز أنه حدثه عن عمران بن حصين قال " دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم " قالوا قد بشرتنا فاعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من اليمن فقال " اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إن لم يقبلها بنو تميم " قالوا قد قبلنا يا رسول الله قالوا جئناك نسألك عن هذا الامر. قال " كان الله ولم يكن شئ غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ وخلق السماوات والأرض " فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي تقطع دونها السراب فوالله لوددت اني كنت تركتها " هكذا رواه هاهنا وقد رواه في كتاب المغازي وكتاب التوحيد وفى بعض ألفاظه (ثم خلق السماوات والأرض) وهو لفظ النسائي أيضا. وقال الإمام أحمد بن حنبل (١) حدثنا حجاج حدثني ابن جريج أخبرني إسماعيل بن
стр. 14
مية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال " أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال [فيها] يوم الأحد وخلق لشجر [فيها] يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاث (١) وخلق النور يوم الأربعاء وبث [فيها] لدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر خلق خلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل " وهكذا رواه مسلم عن سريج بن يونس وهارون بن عبد الله والنسائي عن هارون ويوسف بن سعيد ثلاثتهم عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور عن ابن جريج به مثله سواء. وقد رواه النسائي في التفسير عن إبراهيم ين يعقوب الجوزجاني عن محمد ابن الصباح عن أبي عبيدة الجداد عن الأخضر بن عجلان عن ابن جريح عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة " إن رسول الله ﷺ أخذ بيدي فقال يا أبا هريرة " إن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت " وذكر تمامه بنحوه فقد اختلف فيه على ابن جريج وقد تكلم في هذا الحديث على ابن المديني والبخاري والبيهقي وغيرهم من الحفاظ قال البخاري في التأريخ، وقال بعضهم عن كعب وهو أصح يعني أن هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة وتلقاه من كعب الأحبار فإنهما كانا يصطحبان ويتجالسان للحديث، فهذا يحدثه عن صحفه، وهذا يحدثه بما يصدقه عن النبي ﷺ ، فكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه، فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعا إلى النبي ﷺ ، وأكد رفعه بقوله " أخذ رسول الله ﷺ بيدي " ثم في متنه غرابة شديدة. فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السماوات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام. وهذا خلاف القرآن لان الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السماوات في يومين من دخان. وهو بخار الماء الذي ارتفع حين اضطرب الماء العظيم الذي خلق من ربذة الأرض بالقدرة العظيمة البالغة كما قال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى (٢) السماء فسواهن سبع سماوات " قال إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء … ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين (الأحد والاثنين) وخلق الأرض على حوت وهو النون قال الله تعالى (نون والقلم وما يسطرون) (٣) والحوت
стр. 15
في الماء والماء على صفات والصفات على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح. وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الأرض فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرت. وخلق الله يوم الثلاثاء الجبال وما فيهن من المنافع. وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب وفتق السماء وكانت رتقا فجعلها سبع سماوات في يومين الخميس والجمعة. وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض وأوحى في كل سماء أمرها. ثم قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والبحار وجبال البرد وما لا يعلمه غيره. ثم زين السماء بالكواكب فجعلها زينة وحفظا يحفظ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش. هذا الاسناد يذكر به السدي أشياء كثيرة فيها غرابة وكان كثير منها متلقى من الإسرائيليات. فإن كعب الأحبار لما أسلم في زمن عمر كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب ﵁ بأشياء من علوم أهل الكتاب فيستمع له عمر تأليفا له، وتعجبا مما عنده مما يوافق كثير منه الحق الذي ورد به الشرع المطهر فاستجاز كثير من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا، ولما جاء من الاذن في التحديث عن بني إسرائيل لكن كثيرا ما يقع مما يرويه غلط كبير وخطأ كثير * وقد روى البخاري في صحيحه (١) عن معاوية أنه كان يقول في كعب الأحبار (وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب) أي فيما ينقله لا أنه يتعمد ذلك والله أعلم. ونحن نورد ما نورده من الذي يسوقه كثير من كبار الأئمة المتقدمين عنهم. ثم نتبع ذلك من الأحاديث بما يشهد له بالصحة أو يكذبه ويبقى الباقي مما لا يصدق ولا يكذب وبه المستعان وعليه التكلان. قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبي زناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي " وكذا رواه مسلم (٢) والنسائي عن قتيبة به. ثم قال البخاري: (٣)
стр. 16
ما جاء في سبع أرضين
وقوله تعالى (والله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير; وان الله قد أحاط بكل شئ علما) (١) ثم قال حدثنا علي بن عبد الله أخبرنا ابن علية عن علي بن المبارك حدثنا يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وكانت بينه وبين ناس خصومة في أرض فدخل على عائشة فذكر لها ذلك. فقالت: يا أبا سلمة اجتنب الأرض فان رسول الله ﷺ قال " من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين " ورواه أيضا في كتاب المظالم ومسلم من طرق عن يحيى بن كثير به … ورواه أحمد من حديث محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة به، ورواه أيضا عن يونس عن إبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة بمثله. ثم قال البخاري حدثنا بشر بن محمد قال أخبرنا عبد الله عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال قال النبي ﷺ " من أخذ شيئا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين " ورواه في المظالم أيضا عن مسلم بن إبراهيم عن عبد الله هو ابن المبارك عن موسى بن عقبة به وهو من أفراده. وذكر البخاري هاهنا حديث محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، قال قال رسول الله ﷺ " الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثني عشر شهرا " الحديث ومراده والله أعلم تقرير قوله تعالى (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن) أي في العدد كما أن عدة الشهور الآن اثني عشر مطابقة لعدة الشهور عند الله في كتابه الأول فهذه مطابقة في الزمن كما أن تلك مطابقة في المكان. ثم قال البخاري حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه خاصمته أروى (٢) في حق زعمت أنه انتقصه لها إلى مروان فقال سعيد ﵁ أنا انتقص من حقها شيئا؟ أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول " من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين " ورواه (٣).
وقال الإمام أحمد حدثنا حسن وأبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا عبد الله ابن لهيعة حدثنا عبد الله (٤) بن أبي جعفر عن أبي عبد الرحمن عن ابن مسعود قال " قلت يا رسول الله أي الظلم أعظم؟ قال: ذراع من الأرض ينتقصه المرء المسلم من حق أخيه فليس حصاة من الأرض يأخذها
стр. 17
أحد إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض، ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها " تفرد به أحمد. وهذا إسناد لا بأس به. وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال " من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين " تفرد به من هذا الوجه وهو على شرط مسلم. وقال أحمد حدثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني أبي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال " من اقتطع شبرا من الأرض بغير حقه طوقه إلى سبع أرضين " تفرد به أيضا وهو على شرط مسلم. وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال " من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه طوقه من سبع أرضين " تفرد به أيضا وقد رواه الطبراني من حديث معاوية بن قرة عن ابن عباس مرفوعا مثله * فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى والتي تحتها في وسطها عند أهل الهيئة حتى ينتهي الامر إلى السابعة وهي صماء لا جوف لها، وفي وسطها المركز وهي نقطة مقدرة متوهمة. وهو محط الأثقال، إليه ينتهي ما يهبط من كل جانب إذا لم يعاوقه مانع. واختلفوا هل هن متراكمات بلا تفاصل أو بين كل واحدة والتي تليها خلاء على قولين وهذا الخلاف جار في الأفلاك أيضا. والظاهر أن بين كل واحدة والتي تليها خلاء على قولين. وهذا الخلاف جار في الأفلاك أيضا. والظاهر أن بين كل واحدة منهن وبين الأخرى مسافة لظاهر قوله تعالى (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن) الآية وقال الإمام أحمد حدثنا شريح حدثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة قال " بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ مرت سحابة فقال " أتدرون ما هذه قلنا الله ورسوله أعلم قال العنان وزوايا الأرض تسوقه إلى من لا يشكرونه من عباده ولا يدعونه أتدرون ما هذه فوقكم: قلنا الله ورسوله أعلم قال الرفيع موج مكفوف وسقف محفوظ أتدرون كم بينكم وبينها قلنا الله ورسوله أعلم. قال مسيرة خمسمائة سنة. ثم قال أتدرون ما الذي فوقها قلنا الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سماوات … ثم قال أتدرون ما فوق ذلك قلنا الله ورسوله أعلم قال العرش أتدرون كم بينه وبين السماء السابعة قلنا الله ورسوله أعلم. قال مسيرة خمسمائة عام. ثم قال أتدرون ما هذه تحتكم قلنا الله ورسوله أعلم قال أرض أتدرون ما تحتها قلنا الله ورسوله أعلم قال أرض أخرى أتدرون كم بينهما قلنا الله ورسوله أعلم. قال مسيرة سبعمائة عام حتى عد سبع أرضين ثم قال وأيم الله لو دليتم أحدكم إلى الأرض السفلى السابعة لهبط. ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، وغير واحد عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة، قال حدث الحسن عن أبي هريرة وذكره إلا أنه ذكر أن بعد ما بين كل أرضين خمسمائة عام وذكر في آخره كلمة (١) ذكرناها عند تفسير هذه الآية من
стр. 18
سورة الحديد ثم قال الترمذي هذا حديث غريب من هذا الوجه قال ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد أنهم قالوا لم يسمع الحسن من أبي هريرة … ورواه أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي جعفر الرازي عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة فذكر مثل لفظ الترمذي سواء بدون زيادة في آخره ورواه ابن جرير في تفسيره عن بشر عن يزيد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا وقد يكون هذا أشبه والله أعلم. ورواه الحافظ أبو بكر البزار والبيهقي من حديث أبي ذر الغفاري عن النبي ﷺ ولكن لا يصح إسناده والله أعلم (١) *
وقد تقدم عند صفة العرش من حديث الأوعال ما يخالف هذا في ارتفاع العرش عن السماء السابعة وما يشهد له. وفيه وبعد ما بين كل سماءين خمسمائة عام، وكثفها أي سمكها خمسمائة عام … وأما ما ذهب إليه بعض المتكلمين على حديث (طوقه من سبع أرضين) أنها سبعة أقاليم. فهو قول يخالف ظاهر الآية والحديث الصحيح وصريح كثير من ألفاظه مما يعتمد من الحديث الذي أوردناه من طريق الحسن عن أبي هريرة. ثم إنه حمل الحديث والآية على خلاف ظاهرهما بلا مستند ولا دليل والله أعلم. وهكذا ما يذكره كثير من أهل الكتاب وتلقاه عنهم طائفة من علمائنا من أن هذه الأرض من تراب والتي تحتها من حديد والأخرى من حجارة من كبريت والأخرى من كذا فكل هذا إذا لم يخبر به ويصح سنده إلى معصوم فهو مردود على قائله. وهكذا الأثر المروي عن ابن عباس أنه قال: في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه حتى آدم كآدمكم وإبراهيم كإبراهيمكم فهذا ذكره ابن جرير مختصرا واستقصاه البيهقي في الأسماء والصفات وهو محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس ﵁ عن الإسرائيليات والله أعلم *
وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا رب هل من خلقك شئ أشد من الجبال قال نعم الحديد. قالت يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الحديد قال نعم النار. قالت يا رب فهل من خلقك شئ أشد من النار قال نعم الريح. قالت يا رب فهل من خلقك شئ أشد من الريح قال نعم ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها من شماله تفرد به أحمد *
وقد ذكر أصحاب الهيئة إعداد جبال الأرض في سائر بقاعها شرقا وغربا، وذكروا طولها وبعد امتدادها وارتفاعها وأوسعوا القول في ذلك بما يطول شرحه هنا. وقد قال الله تعالى (ومن
стр. 19
الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود) (١) قال ابن عباس وغير واحد الجدد الطرائق وقال عكرمة وغيره الغرابيب الجبال الطوال السود. وهذا هو الشاهد من الجبال في سائر الأرض تختلف باختلاف بقاعها وألوانها. وقد ذكر الله تعالى في كتابه الجودي على التعيين وهو جبل عظيم شرقي جزيرة ابن عمر إلى دجلة. عند الموصل امتداده من الجنوب إلى الشمال مسيرة ثلاثة أيام وارتفاعه مسيرة نصف يوم وهو أخضر لان فيه شجرا من البلوط وإلى جانبه قرية يقال لها قرية الثمانين لسكني الذين نجوا في السفينة مع نوح ﵇ في موضعها فيما ذكره غير واحد من المفسرين والله أعلم.
فصل في البحار والأنهار
قال الله تعالى (وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون. أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) [النحل: ١٤ - ١٥] وقال تعالى (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) [فاطر: ١٢] وقال تعالى (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا) [الفرقان: ٥٣] وقال تعالى: (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان) [الرحمن: ١٩ - ٢٠] فالمراد بالبحرين البحر الملح المر وهو الأجاج والبحر العذب هو هذه الأنهار السارحة بين أقطار والأمصار لمصالح العباد قاله ابن جريج وغير واحد من الأئمة. وقال تعالى: (ومن آياته الجوار في البحر كالاعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير) [الشورى: ٣٣] وقال تعالى (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختال كفور) [لقمان: ٣١] وقال تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) [الحج: ٦٥] فامتن تعالى
стр. 20
على عباده بما خلق لهم من البحار والأنهار فالبحر المحيط بسائر أرجاء الأرض وما ينبت منه في جوانبها الجميع مالح الطعم مر وفي هذا حكمة عظيمة لصحة الهواء إذ لو كان حلوا لأنتن الجو وفسد الهواء بسبب ما يموت فيه من الحيوانات فكان يؤدي إلى تفاني بني آدم ولكن اقتضت الحكمة البالغة أن يكون على هذه الصفة لهذه المصلحة. ولهذا لما سئل رسول الله ﷺ عن البحر قال: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " (١).
وأما الأنهار فماؤها حلو عذب فرات سائغ شرابها لمن أراد ذلك. وجعلها جارية سارحة ينبعها تعالى في أرض ويسوقها إلى أخرى رزقا للعباد. ومنها كبار ومنها صغار بحسب الحاجة والمصلحة. وقد تكلم أصحاب علم الهيئة والتفسير على تعداد البحار والأنهار الكبار وأصول منابعها وإلى أين ينتهي سيرها بكلام فيه حكم ودلالات على قدرة الخالق تعالى، وأنه فاعل بالاختيار والحكمة - قوله تعالى (والبحر المسجور) [الطور: ٦] (٢) فيه قولان أحدهما أن المراد به البحر الذي تحت العرش المذكور في حديث الأوعال. وأنه فوق السماوات السبع بين أسفله وأعلاه كما بين سماء إلى سماء، وهو الذي ينزل منه المطر قبل البعث فتحيا منه الأجساد من قبورها. وهذا القول هو اختيار الربيع بن أنس. والثاني آن البحر اسم جنس يعم سائر البحار التي في الأرض وهو قول الجمهور *
واختلفوا في معنى البحر المسجور فقيل المملوء وقيل يصير يوم القيامة نارا تؤجج فيحيط بأهل الموقف كما ذكرناه في التفسير عن علي وابن عباس وسعيد بن جبير وابن مجاهد وغيرهم. وقيل المراد به الممنوع المكفوف المحروس عن أن يطغى فيغمر الأرض ومن عليها فيغرقوا. رواه الوالبي عن ابن عباس وهو قول السدي وغيره ويؤيده الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا العوام حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال " لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال " ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات [على الأرض] يستأذن الله أن يتفصح عليهم فيكفه الله " ورواه إسحاق بن راهويه
стр. 21
عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب حدثني شيخ مرابط قال " خرجت ليلة المحرس لم يخرج أحد من المحرس غيري فأتيت الميناء فصعدت فجعل يخيل إلي أن البحر يشرف يحاذي برؤوس الجبال فعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ فلقيت أبا صالح فقال حدثنا عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال " ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات يستأذن الله أن يتفصح عليهم فيكفه الله في إسناده رجل مبهم والله أعلم.
وهذا من نعمه تعالى على عباده أن كف شر البحر عن أن يطغى عليهم وسخره لهم يحمل مراكبهم ليبلغوا عليها إلى الأقاليم النائية بالتجارات وغيرها وهداهم فيه بما خلقه في السماء والأرض من النجوم والجبال التي جعلها لهم علامات يهتدون بها في سيرهم وبما خلق لهم فيه من الآلئ والجواهر النفيسة العزيزة الحسنة الثمينة التي لا توجد إلا فيه وبما خلق فيه من الدواب الغريبة وأحلها لهم حتى ميتتها كما قال تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه) وقال النبي ﷺ " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وفي الحديث الآخر " أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال " رواه أحمد وابن ماجة وفي إسناده نظر *
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده " وجدت في كتاب عن محمد بن معاوية البغدادي حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه قال " كلم الله هذا البحر الغربي وكلم البحر الشرقي فقال للغربي إني حامل فيك عبادا من عبادي فكيف أنت صانع بهم قال أغرقهم. قال بأسك في نواحيك وحرمه الحلية والصيد، وكلم هذا البحر الشرقي فقال إني حامل فيك عبادا من عبادي فما أنت صانع بهم قال أحملهم على يدي، وأكون لهم كالوالدة لولدها فأثابه الحلية والصيد … ثم قال لا تعلم أحدا. ما رواه عن سهيل إلا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر وهو منكر الحديث. قال وقد رواه سهيل عن عبد الرحمن بن أبي عياش عن عبد الله بن عمرو موقوفا. قلت الموقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص أشبه فإنه قد كان وجد يوم اليرموك ذاملتين مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات منها المعروف والمشهور والمنكور والمردود. فأما المعروف فترد به عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو القاسم المدني قاضيها. قال فيه الإمام أحمد ليس بشئ وقد سمعته منه … ثم مزقت حديثه كان كذابا وأحاديثه مناكير … وكذا ضعفه بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والجوزجاني والبخاري وأبو داود والنسائي وقال ابن عدي عامة أحاديثه مناكير وأفظعها حديث البحر *
قال علماء التفسير المتكلمون على العروض والأطوال والبحار والأنهار والجبال والمساحات وما في الأرض من المدن والخراب والعمارات والأقاليم السبعة الحقيقة في اصطلاحهم والأقاليم المتعددة العرفية وما في البلدان والأقاليم من الخواص والنباتات وما يوجد في كل قطر من صنوف
стр. 22
المعادن والتجارات قالوا الأرض مغمورة بالماء العظيم إلا مقدار الربع منها وهو تسعون درجة والعناية الإلهية اقتضت انحسار الماء عن هذا القدر منها لتعيش الحيوانات عليها وتنبت الزرع والثمار منها كما قال تعالى (والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان) [الرحمن: ١٠ - ١٣] قالوا المعمور من هذا البادي منها قريب الثلثين منه أو أكثر قليلا. هو خمس وتسعون درجة. قالوا فالبحر المحيط الغربي ويقال له أوقيانوس وهو الذي يتاخم بلاد المغرب وفيه الجزائر الخالدات وبينها وبين ساحله عشر درج مسافة شهر تقريبا وهو بحر لا يمكن سلوكه ولا ركوبه لكثرة موجه واختلاف ما فيه من الرياح والأمواج وليس فيه صيد ولا يستخرج منه شئ ولا يسافر فيه لمتجر ولا لغيره وهو آخذ في ناحية الجنوب حتى يسامت الجبال القمر ويقال جبال القمر التي منها أصل منبع نيل مصر ويتجاوز خط الاستواء … ثم يمتد شرقا ويصير جنوبي الأرض. وفيه هناك جزائر الزابج وعلى سواحله خراب كثير … ثم يمتد شرقا وشمالا حتى يتصل ببحر الصين والهند … ثم يمتد شرقا حتى يسامت (١) نهاية الأرض الشرقية المكشوفة. وهناك بلاد الصين. ثم ينعطف في شرق الصين إلى جهة الشمال حتى يجاوز بلاد الصين ويسامت سد يأجوج ومأجوج. ثم ينعطف ويستدير على أراضي غير معلومة الأحوال … ثم يمتد مغربا في شمال الأرض ويسامت بلاد الروس ويتجاوزها ويعطف مغربا وجنوبا ويستدير على الأرض ويعود إلى جهة الغرب وينبثق من الغربي إلى متن الأرض الزقاق الذي ينتهي أقصاه إلى أطراف الشام من الغرب … ثم يأخذ في بلاد الروم حتى يتصل بالقسطنطينية وغيرها من بلادهم.
وينبعث من المحيط الشرقي بحار أخر فيها جزائر كثيرة، حتى إنه يقال: إن في بحر الهند ألف جزيرة وسبعمائة جزيرة فيها مدن وعمارات سوى الجزائر العاطلة ويقال لها البحر الأخضر فشرقيه بحر الصين وغربيه بحر اليمن وشماله بحر الهند وجنوبية غير معلوم *
وذكروا أن بين بحر الهند وبحر اليمن جبالا فاصلة بينهما وفيها فجاج يسلك المراكب بينها يسيرها لهم الذي خلقها كما جعل مثلها في البر أيضا قال الله تعالى (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلكم تهتدون) … وقد ذكر بطليموس أحد ملوك الهند في كتابه المسمى بالمجسطي الذي عرب في زمان المأمون، وهو أصل هذه العلوم أن البحار المتفجرة من المحيط الغربي والشرقي والجنوبي والشمالي كثيرة جدا. فمنها ما هو واحد، ولكن يسمى بحسب البلاد المتاخمة له. فمن ذلك بحر القلزم. والقلزم قرية على ساحله قريب من أيلة. وبحر فارس وبحر الخزر وبحر ورنك وبحر الروم وبحر بنطش وبحر الأزرق، مدينة على ساحله وهو بحر القرم أيضا ويتضايق حتى يصب في بحر الروم عند جنوبي القسطنطينية وهو خليج القسطنطينية،
стр. 23
ولهذا تسرع المراكب في سيرها من القرم إلى بحر الروم وتبطئ إذا جاءت من الإسكندرية إلى القرم لاستقبالها جريان الماء. وهذا من العجائب في الدنيا فإن كل ماء جار فهو حلو إلا هذا وكل بحر راكد فهو ملح أجاج إلا ما يذكر عن بحر الخزر وهو بحر جرجان وبحر طبرستان أن فيه قطعة كبيرة ماء حلوا فراتا على ما أخبر به المسافرون عنه.
قال أهل الهيئة وهو بحر مستدير الشكل إلى الطول ما هو … وقيل إنه مثلث كالقلع وليس هو متصلا بشئ من البحر المحيط بل منفرد وحده، وطوله ثمانمائة ميل وعرضه ستمائة وقيل أكثر من ذلك والله أعلم.
ومن ذلك البحر الذي يخرج منه المد والجزر عند البصرة وفي بلاد المغرب نظيره أيضا يتزايد الماء من أول الشهر ولا يزال في زيادة إلى تمام الليلة الرابعة عشر منه وهو المد … ثم يشرع في النقص وهو الجزر إلى آخر الشهر … وقد ذكروا تحديد هذه البحار ومبتدأها ومنتهاها وذكروا ما في الأرض من البحيرات المجتمعة من الأنهار وغيرها من السيول وهي البطائح *
وذكروا ما في الأرض من الأنهار المشهورة الكبار، وذكروا ابتداءها وانتهاءها ولسنا بصدد بسط ذلك والتطويل فيه وإنما نتكلم على ما يتعلق بالأنهار الوارد ذكرها في الحديث. وقد قال الله تعالى: (الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار) ففي الصحيحين من طريق قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن رسول الله ﷺ لما ذكر سدرة المنتهى قال فإذا يخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران.
فأما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات … وفي لفظ في البخاري وعنصرهما أي مادتهما أو شكلهما وعلى صفتهما ونعتهما وليس في الدنيا مما في الجنة الاسماوية وفي صحيح مسلم من حديث عبيد الله بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال " سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة ".
وقال الإمام أحمد حدثنا ابن نمير ويزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ " فجرت أربعة أنهار من الجنة الفرات والنيل وسيحان وجيحان " وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وكأن المراد والله أعلم من هذا أن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة في صفائها وعذوبتها وجريانها ومن جنس تلك في هذه الصفات ونحوها كما قال في الحديث الآخر الذي رواه الترمذي وصححه من طريق سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال " العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم " أي تشبه ثمر الجنة لا أنها مجتناة من الجنة، فان الحس يشهد بخلاف ذلك فتعين أن المراد غيره وكذا قوله ﷺ " الحمى من فيح جهنم
стр. 24
فأبردوها بالماء " وكذا قوله " إذا اشتد الحمى فأبردوها بالماء فإن شدة الحر من فيح جهنم " * وهكذا هذه الأنهار أصل منبعها مشاهد من الأرض *
أما النيل. وهو النهر الذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته ولطافته وبعد مسراه فيما بين مبتداه إلى منتهاه فمبتداه من الجبال القمر أي البيض ومنهم من يقول جبال القمر بالإضافة إلى الكوكب وهي في غربي الأرض وراء خط الاستواء إلى الجانب الجنوبي. ويقال إنها حمر ينبع من بينها عيون … ثم يجتمع من عشر مسيلات متباعدة. ثم يجتمع كل خمسة منها في بحر. ثم يخرج منها أنهار ستة. ثم يجتمع كلها في بحيرة أخرى. ثم يخرج منها نهر واحد هو النيل فيمر على بلاد السودان الحبشة ثم على النوبة ومدينتها العظمى دمقلة ثم على أسوان ثم يفد على ديار مصر (١). وقد تحمل إليها من بلاد الحبشة زيادات أمطارها واجترف من ترابها وهي محتاجة إليهما معا لان مطرها قليل لا يكفي زروعها وأشجارها. وتربتها رمال لا تنبت شيئا حتى يجئ النيل بزيادته وطينه فينبت فيه ما يحتاجون إليه وهي من أحق الأراضي بدخولها في قوله تعالى (أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون) ثم يجاوز النيل مصر قليلا فيفترق شطرين عند قرية على شاطئه يقال لها شطنوف فيمر الغربي على رشيد ويصب في البحر المالح … وأما الشرق فتفترق أيضا عند جوجر فرقتين تمر الغربية منهما على دمياط من غربيها ويصب في البحر والشرقية منهما تمر على أشمون طناح فيصب هناك في بحيرة شرقي دمياط. يقال لها بحيرة تنيس وبحيرة دمياط … وهذا بعد عظيم فيما بين مبتداه إلى منتهاه. ولهذا كان ألطف المياه … قال ابن سينا له خصوصيات دون مياه سائر الأرض … فمنها انه أبعدها مسافة من مجراه إلى أقصاه. ومنها أنه يجري على صخور ورمال (١) ليس فيه خز ولا طحلب ولا أوحال ومنها أنه لا يخضر فيه حجر ولا حصاة وما ذاك إلا لصحة مزاجه وحلاوته ولطافته. ومنها إن زيادته في أيام نقصان سائر الأنهار. ونقصانه في أيام زيادتها وكثرتها وأما ما يذكره بعضهم من أن أصل منبع النيل من مكان مرتفع أطلع عليه بعض الناس فرأى هناك هولا عظيما وجواري حسانا وأشياء غريبة وأن الذي أطلع على ذلك لا يمكنه الكلام بعد هذا فهو من خرافات المؤرخين وهذيانات الأفاكين *
وقد قال عبد الله بن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال " لما فتح عمرو بن عاص مصر أتى أهلها إليه حين دخل شهر بؤنة من أشهر العجم (القبطية) فقالوا: (أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها فقال لهم وما ذاك قالوا إذا كان لثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الجلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو إن هذا لا يكون في الاسلام وأن الاسلام يهدم ما قبله فأقاموا بؤنة والنيل لا يجرى لا قليلا ولا كثيرا … وفي رواية فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى وهو لا يجري حتى هموا بالجلاء. فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب إليه عمر إنك قد أصبت بالذي فعلت وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي هذا فألقها في النيل فلما قدم كتابه أخذ عمرو
стр. 25
البطاقة ففتحها فإذا فيها " من عند الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر (أما بعد) فان كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك فألقى عمرو البطاقة في النيل فأصبح يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم *
وأما الفرات فأصلها من شمالي أررن الروم فتمر إلى قرب ملطية ثم تمر على شميشاط. ثم على البيرة قبليها ثم تشرق إلى بالس وقلعة جعبر ثم الرقة ثم إلى الرحبة شماليها ثم إلى عانة، ثم إلى هيت ثم إلى الكوفة ثم تخرج إلى فضاء العراق ويصب في بطائح كبار أي بحيرات وترد إليها ويخرج منها أنهار كبار معروفة.
وأما سيحان ويقال له سيحون أيضا فأوله من بلاد الروم ويجري من الشمال والغرب إلى الجنوب والشرق وهو غربي مجرى جيحان ودونه في القدر وهو ببلاد الأرض التي تعرف اليوم ببلاد سيس وقد كانت في أول الدولة الاسلامية في أيدي المسلمين … فلما تغلب الفاطميون على الديار المصرية وملكوا الشام وأعمالها عجزوا عن صونها عن الأعداء فتغلب تقفور الأرمني على هذه البلاد أعني بلاد سيس في حدود الثلاثمائة وإلى يومنا هذا. والله المسؤول عودها إلينا بحوله وقوته. ثم يجتمع سيحان وجيحان عند اذنه فيصيران نهرا واحدا. ثم يصبان في بحر الروم بين أياس وطرسوس *
وأما جيحان ويقال له جيحون أيضا وتسميه العامة جاهان. وأصله في بلاد الروم ويسير في بلاد سيس من الشمال إلى الجنوب وهو يقارب الفرات في القدر … ثم يجتمع هو وسيحان عند أذنة فيصيران نهرا واحدا. ثم يصبان في البحر عن إياس وطرسوس والله أعلم *
فصل
قال الله تعالى (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الامر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون * وهو الذي مد الأرض فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون … وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لايات لقوم يعقلون) وقال تعالى (أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون) وقال تعالى (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه
стр. 26
تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) [النحل ١٠]
فذكر تعالى ما خلق في الأرض من الجبال والأشجار والثمار والسهول والأوعار وما خلق من صنوف المخلوقات من الجمادات والحيوانات في البراري والقفار والبر والبحار ما يدل على عظمته وقدرته وحكمته ورحمته بخلقه وما سهل لكل دابة من الرزق الذي هي محتاجة إليه في ليلها ونهارها وصيفها وشتائها وصباحها ومائلها كما قال تعالى (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) [هود: ٦] وقد روى الحافظ أبو يعلى عن محمد بن المثنى عن عبيد بن واقد عن محمد بن عيسى بن كيسان عن محمد بن المنكدر عن جابر عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول خلق الله ألف أمة منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر. وأول شئ يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه.
(عبيد بن واقد) أبو عباد البصري ضعفه أبو حاتم وقال بن عدي عامة ما يرويه لا يتابع عليه وشيخه أضعف منه. قال الفلاس والبخاري منكر الحديث، وقال أبو زرعة لا ينبغي أن يحدث عنه. وضعفه ابن حبان والدارقطني وأنكر عليه ابن عدي هذا الحديث بعينه وغيره والله أعلم *
وقال تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون) [الانعام: ٣٨].
ذكر ما يتعلق بخلق السماوات وما فيهن من الآيات
قد قدمنا أن خلق الأرض قبل خلق السماء كما قال تعالى (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم) [البقرة: ٢٩] وقال تعالى (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين … فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم) [فصلت: ٩] وقال تعالى (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها) (١) فان الدحي غير الخلق، وهو بعد
стр. 27
خلق السماء وقال تعالى (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور … الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير … ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير) [الملك: ٥] وقال تعالى (وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا) [النبأ: ١٢] وقال تعالى (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا) [نوح: ١٥] وقال تعالى (الله الذي خلق سبع سماوات والأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما) [الطلاق: ١٢] وقال تعالى (تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا. وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) [الفرقان: ٦١] وقال تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب. إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب) [الصافات: ٦] وقال تعالى (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين) [الحجر: ١٦] وقال تعالى (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) [الأنبياء: ٣٢] وقال تعالى (وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) [يس: ٣٧] وقال تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) [الانعام: ٩٦] وقال تعالى (فالق الاصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) [الأعراف: ٥٤] وقال تعالى (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين) [الذاريات: ٧] والآيات في هذا كثيرة جدا وقد تكلمنا على كل منها في التفسير *
والمقصود أنه تعالى يخبر عن خلق السماوات وعظمة اتساعها وارتفاعها وأنها في غاية الحسن والبهاء والكمال والسناء كما قال تعالى (والسماء ذات الحبك) أي الخلق الحسن وقال تعالى
стр. 28
(فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) [الملك: ٣] (١) أي خاسئا عن أن يرى فيها نقصا أو خللا وهو حسير أي كليل ضعيف ولو نظر حتى يعي ويكل ويضعف لما اطلع على نقص فيها ولا عيب لأنه تعالى قد أحكم خلقها وزين بالكواكب أفقها كما قال (والسماء ذات البروج) [البروج: ١] (٢) أي النجوم … وقيل محال الحرس التي يرمي منها بالشهب لمسترق السمع ولا منافاة بين القولين وقال تعالى (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم) [الحجر: ١٦] فذكر أنه زين منظرها بالكواكب الثوابت والسيارات (الشمس والقمر والنجوم الزاهرات) وأنه صان حوزتها عن حلول الشياطين بها وهذا زينة معنى … فقال وحفظناها من كل شيطان رجيم كما قال (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملأ الأعلى) [الصافات: ٦].
قال البخاري في كتاب بدء الخلق وقال قتادة (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) [فصلت: ١٢] خلق هذه النجوم الثلاث جعلها زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها فمن تأول بغير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به. وهذا الذي قاله قتادة مصرح به في قوله تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) وقال تعالى (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) [الانعام: ٩٧] فمن تكلف غير هذه الثلاث أي من علم أحكام ما تدل عليه حركاتها ومقارناتها في سيرها وأن ذلك يدل على حوادث أرضية فقد أخطأ. وذلك أن أكثر كلامهم في هذا الباب ليس فيه إلا حدس وظنون كاذبة ودعاوى باطلة. وذكر تعالى أنه خلق سبع سماوات طباقا أي واحدة فوق واحدة … واختلف أصحاب الهيئة هل هن متراكمات أو متفاصلات بينهن خلاء على قولين. والصحيح الثاني لما قدمنا من حديث عبد الله بن عميرة عن الأحنف عن العباس في حديث الأوعال أن رسول الله ﷺ قال أتدرون كم بين السماء والأرض قلنا الله ورسوله أعلم، قال بينهما مسيرة خمسمائة عام. ومن كل سماء إلى سماء خمسمائة سنة وكثف كل سماء خمسمائة سنة … الحديث بتمامه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وحسنه … وفي الصحيحين من حديث أنس في حديث الاسراء قال فيه (ووجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبرئيل هذا أبوك آدم فسلم عليه فرد عليه ¬ السلام. وقال
стр. 29
مرحبا وأهلا بابني نعم الابن أنت - إلى أن قال - ثم عرج إلى السماء الثانية … وكذا ذكر في الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة) فدل على التفاصل بينها لقوله ثم عرج بنا حتى أتينا السماء الثانية فاستفتح فقيل من هذا (الحديث) … وهذا يدل على ما قلناه والله أعلم.
وقد حكى ابن حزم وابن المنير وأبو الفرج ابن الجوزي وغير واحد من العلماء الاجماع على أن السماوات كرة مستديرة … واستدل على ذلك بقوله كل في فلك يسبحون. قال الحسن يدورون، وقال ابن عباس في فلكة مثل فلكة المغزل. قالوا ويدل على ذلك أن الشمس تغرب كل ليلة من المغرب ثم تطلع في آخرها من المشرق كما قال أمية ابن أبي الصلت.
والشمس تطلع كل آخر ليلة … حمراء مطلع لونها متورد *
تأبى فلا تبدو لنا في رسلها … إلا معذبة وإلا تجلد فأما الحديث الذي رواه البخاري حيث قال حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس تدرى أين تذهب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها. يقال لها إرجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) [يس: ٣٨].
هذا لفظه في بدء الخلق ورواه في التفسير … وفي التوحيد من حديث الأعمش أيضا ورواه مسلم في الايمان من طريق الأعمش ومن طريق يونس بن عبيد وأبو داود من طريق الحكم بن عتبة كلهم عن إبراهيم بن يزيد بن شريك عن أبيه عن أبي ذر به نحوه. وقال الترمذي حسن صحيح … إذا علم هذا فإنه حديث لا يعارض ما ذكرناه من استدارة الأفلاك التي هي السماوات على أشهر القولين ولا يدل على كرية العرش كما زعمه زاعمون. قد أبطلنا قولهم فيما سلف ولا يدل على أنها تصعد إلى فوق السماوات من جهتنا حتى تسجد تحت العرش بل هي تغرب عن أعيننا وهي مستمرة في فلكها الذي هي فيه وهو الرابع فيما قاله غير واحد من علماء التفسير. وليس في الشرع ما ينفيه بل في الحس وهو الكسوفات ما يدل عليه ويقتضيه فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه وهو وقت نصف الليل مثلا في اعتدال الزمان بحيث يكون بين القطبين الجنوبي والشمالي فإنها تكون أبعد ما يكون من العرش لأنه مقبب من جهة وجه العالم وهذا محل سجودها كما يناسبها كما أنها أقرب ما تكون من العرش وقت الزوال من جهتنا فإذا كانت في محل سجودها استأذنت الرب ﷻ في طلوعها من الشرق فيؤذن لها فتبدو من جهة الشرق وهي مع ذلك كارهة لعصاة بني آدم أن تطلع عليهم ولهذا قال أمية.
تأبى فلا تبدو لنا في رسلها … إلا معذبة وإلا تجلد
فإذا كان الوقت الذي يريد الله طلوعها من جهة مغربها تسجد على عادتها وتستأذن في
стр. 30
الطلوع من عادتها فلا يؤذن لها فجاء أنها تسجد أيضا ثم تستأذن فلا يؤذن لها ثم يسجد فلا يؤذن لها وتطول تلك الليلة كما ذكرنا في التفسير، فتقول يا رب إن الفجر قد اقترب وأن المدى بعيد فيقال لها إرجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا جميعا. وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، وفسروا بذلك قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها) قيل لوقتها الذي تؤمر فيه تطلع من مغربها … وقيل مستقرها موضعها الذي تسجد فيه تحت العرش. وقيل منتهى سيرها وهو آخر الدنيا. وعن ابن عباس أنه قرأ والشمس تجري لا مستقر لها أي ليست تستقر فعلى هذا تسجد وهي سائرة. ولهذا قال تعالى (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) أي لا تدرك الشمس القمر فتطلع في سلطانه ودولته ولا هو أيضا ولا الليل سابق النهار أي ليس سابقه بمسافة يتأخر ذاك عنه فيها بل إذا ذهب النهار جاء الليل في أثره متعقبا له كما قال في الآية الأخرى (يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمين)
وقال تعالى (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا) [الفرقان: ٦٢] أي يخلف هذا لهذا وهذا لهذا كما قال رسول الله ﷺ " إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم " فالزمان المحقق ينقسم إلى ليل ونهار وليس بينهما غيرهما … ولهذا قال تعالى (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) [لقمان: ٢٩] فيولج من هذا في هذا، أي يأخذ من طول هذا في قصر هذا فيعتدلان كما في أول فصل الربيع يكون الليل قبل ذلك طويلا والنهار قصيرا فلا يزال الليل ينقص والنهار يتزايد حتى يعتدلا وهو أول الربيع … ثم يشرع النهار يطول ويتزايد والليل يتناقص حتى يعتدلا أيضا في أول فصل الخريف … ثم يشرع الليل يطول ويقصر النهار إلى آخر فصل الخريف … ثم يترجح النهار قليلا قليلا ويتناقص الليل شيئا فشيئا حتى يعتدلا في أول فصل الربيع كما قدمنا، وهكذا في كل عام. ولهذا قال تعالى (وله اختلاف الليل والنهار) [المؤمنون: ٨٠] أي هو المتصرف في ذلك كله الحاكم الذي لا يخالف ولا يمانع ولهذا يقول في ثلاث آيات (١) عند ذكر السماوات والنجوم والليل والنهار (ذلك تقدير العزيز العليم) أي العزيز الذي قد قهر كل شئ ودان له كل شئ فلا يمانع ولا يغالب العليم بكل شئ فقدر كل شئ تقديرا على نظام لا يختلف ولا يضطرب. وقد ثبت في الصحيحين (٢) من حديث سفيان بن عيينة عن
стр. 31
الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " قال الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الامر أقلب الليل والنهار " وفي رواية فأنا الدهر أقلب ليله ونهاره * قال العلماء كالشافعي وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهما يسب الدهر أي يقول فعل بنا الدهر كذا يا خيبة الدهر، أيتم الأولاد، أرمل النساء. قال الله تعالى (وأنا الدهر) أي أنا الدهر الذي يعنيه فإنه فاعل ذلك الذي أسنده إلى الدهر والدهر مخلوق، وإنما فعل هذا هو الله فهو يسب فاعل ذلك ويعتقده الدهر. والله هو الفاعل لذلك الخالق لكل شئ المتصرف في كل شئ كما قال وأنا الدهر بيدي الامر أقلب ليله ونهاره وكما قال تعالى (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير * تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب) [آل عمران: ٢٧] وقال تعالى (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب. ما خلق الله ذلك إلا بالحق. يفصل الآيات لقوم يعلمون إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون) [يونس: ٥. ٦] أي فاوت بين الشمس والقمر في نورهما وفي شكلهما وفي وقتهما وفي سيرهما فجعل هذا ضياء وهو شعاع الشمس برهان ساطع وضوء باهر والقمر نورا أي أضعف من برهان الشمس وجعله مستفادا من ضوئها وقدره منازل أي يطلع أول ليلة من الشهر صغيرا ضئيلا قليل النور لقربه من الشمس وقلة مقابلته لها فبقدر مقابلته لها يكون نوره ولهذا في الليلة الثانية يكون أبعد منها بضعف ما كان في الليلة الأولى فيكون نوره بضعف النور أول ليلة … ثم كلما بعد ازداد نوره حتى يتكامل إبداره ليلة مقابلته إياها من المشرق وذلك ليلة أربع عشرة من الشهر … ثم يشرع في النقص لاقترابه إليها من الجهة الأخرى إلى آخر الشهر فيستتر حتى يعود كما بدأ في أول الشهر الثاني. فبه تعرف الشهور وبالشمس تعرف الليالي والأيام وبذلك تعرف السنين والأعوام ولهذا قال تعالى (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) وقال تعالى (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلناه تفصيلا) [الاسراء: ١٢] وقال تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) [البقرة: ١٨٩].
وقد بسطنا القول على هذا كله في التفسير. فالكواكب التي في السماء منها سيارات وهي المتخيرة في اصطلاح علماء التفسير وهو علم غالبه صحيح بخلاف علم الاحكام فإن غالبه باطل
стр. 32
ودعوى ما لا دليل عليه وهي سبعة. القمر في سماء الدنيا وعطارد في الثانية والزهرة في الثالثة والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والمشتري في السادسة وزحل في السابعة. وبقية الكواكب يسمونها الثوابت وهي عندهم في الفلك الثامن وهو الكرسي في اصطلاح كثير من المتأخرين. وقال آخرون بل الكواكب كلها في السماء الدنيا ولا مانع من كون بعضها فوق بعض … وقد يستدل على هذا بقوله تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) (١) وبقوله [تعالى]: (فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم) [فصلت: ١٢] فخص سماء الدنيا من بينهن بزينة الكواكب فإن دل هذا على كونها مرصعة فيها فذاك وإلا فلا مانع مما قاله الآخرون والله أعلم. وعندهم أن الأفلاك السبعة بل الثمانية تدور بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات تدور على خلاف فلكه من المغرب إلى المشرق. فالقمر يقطع فلكه في شهر والشمس تقطع فلكها وهو الرابع في سنة. فإذا كان السيران ليس بينهما تفاوت وحركاتهما متقاربة كان قدر السماء الرابعة بقدر السماء الدنيا ثنتي عشرة مرة وزحل يقطع فلكه وهو السابع في ثلاثين سنة فعلى هذا يكون بقدر السماء الدنيا ثلاثمائة وستين مرة *
وقد تكلموا على مقادير أجرام هذه الكواكب وسيرها وحركاتها وتوسعوا في هذه الأشياء حتى تعدوا إلى علم الاحكام وما يترتب على ذلك من الحوادث الأرضية ومما لا علم لكثير منهم به. وقد كان اليونانيون الذين كانوا يسكنون الشام قبل زمن المسيح ﵇ بدهور لهم في هذا كلام كثير يطول بسطه، وهم الذين بنوا مدينة دمشق وجعلوا لها أبوابا سبعة وجعلوا على رأس كل باب هيكلا على صفة الكواكب السبعة، يعبدون كل واحد في هيكله، ويدعونه بدعاء يأثره عنهم غير واحد من أهل التواريخ وغيرهم. وذكره صاحب السر المكتوم في مخاطبة الشمس والقمر والنجوم وغيره من علماء الحرنانيين (٢) (فلاسفة حران في قديم الزمان). وقد كانوا مشركين يعبدون الكواكب السبعة وهم طائفة من الصابئين … ولهذا قال الله تعالى (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) [فصلت: ٣٧] وقال تعالى إخبارا عن الهدهد أنه قال لسليمان ﵇ مخبرا عن بلقيس وجنودها ملكة سبأ في اليمن وما والاها (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون. أن لا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون. الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) [النمل: ٢٣] وقال تعالى
стр. 33
(ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء) [الحج: ١٨] وقال تعالى (أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون … ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) [النحل: ٤٨] وقال تعالى (والله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال) [الرعد: ١٥] وقال تعالى (تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا) [الاسراء: ٤٤] والآيات في هذا كثيرة جدا.
ولما كان أشرف الأجرام المشاهدة في السماوات والأرض هي الكواكب وأشرفهن منظرا وأشرفهن معتبرا الشمس والقمر استدل الخليل على بطلان آلهية شئ منهن. وذلك في قوله تعالى (فلما جن الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين) [الانعام: ٧٦] أي الغائبين (فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين)
[الانعام: ٧٧] فبين بطريق البرهان القطعي أن هذه الأجرام المشاهدات من الكواكب والقمر والشمس لا يصلح شئ منها للإلهية لأنها كلها مخلوقة مربوبة مدبرة مسخرة في سيرها لا تحيد عما خلقت له ولا تزيغ عنه إلا بتقدير متقن محرر لا تضطرب ولا تختلف … وذلك دليل على كونها مربوبة مصنوعة مسخرة مقهورة ولهذا قال تعالى (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) (١) وثبت في الصحيحين في صلاة الكسوف من حديث ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذ: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته " (٢).
وقال البخاري في بدء الخلق حدثنا مسدد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله الداناج
стр. 34
حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " الشمس والقمر مكوران يوم القيامة " انفرد به البخاري … وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار بأبسط من هذا السياق. فقال: حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال " إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة فقال الحسن وما دينهما فقال أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول وما دينهما ثم قال البزار لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه ولم يرو عبد الله الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث * وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي من طريق يزيد الرقاشي وهو ضعيف عن أنس قال قال رسول الله ﷺ : " الشمس والقمر ثوران عقيران في النار ". وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج وعمر بن عبد الله الأزدي حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس (إذا الشمس كورت). قال يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ريحا دبورا فتضرمها نارا. فدلت هذه الآثار على أن الشمس والقمر من مخلوقات الله خلقها الله لما أراد … ثم يفعل فيها ما يشاء، وله الحجة الدافعة والحكمة البالغة فلا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته وقدرته ومشيئته النافذة وحكمه الذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب … وما أحسن ما أورده الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في أول كتاب السيرة من الشعر لزيد بن عمرو بن نفيل في خلق السماء والأرض والشمس والقمر وغير ذلك … قال ابن هشام هي لامية ابن أبي الصلت.
إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا … وقولا رضيا لا يني الدهر باقيا (١)
إلى الملك الاعلى الذي ليس فوقه … إله ولا رب يكون مدانيا
ألا أيها الانسان إياك والردى … فإنك لا تخفي من الله خافيا (٢)
وإياك لا تجعل مع الله غيره … فإن سبيل الرشد أصبح باديا
حنانيك إن الجن كانت رجاءهم … وأنت إلهي ربنا ورجائيا (٣)
رضيت بك اللهم ربا فلن أرى … أدين إلها غيرك الله ثانيا (٤)
وأنت الذي من فضل من ورحمة … بعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقلت له إذهب وهارون فادعوا … إلى الله فرعون الذي كان طاغيا
стр. 35
وقولا له آأنت سويت هذه … بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا (١)
وقولا له آأنت رفعت هذه … بلا عمد ارفق إذا بك بانيا (٢)
وقولا له آأنت سويت وسطها … منيرا إذا ما جنه الليل هاديا
وقولا له من يرسل الشمس غدوة … فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له من ينبت الحب في الثرى … فيصبح منه البقل يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رؤسه … وفي ذاك آيات لمن كان واعيا
وأنت بفضل منك نجيت يونسا … وقد بات في أضعاف حوت لياليا
وإني [و] لو سبحت باسمك ربنا … لأكثر إلا ما غفرت خطائيا (٣)
فرب العباد ألق سيبا ورحمة … علي وبارك في بني وماليا
فإذا علم هذا فالكواكب التي في السماء من الثوابت والسيارات الجميع مخلوقة خلقها الله تعالى كما قال [تعالى]: (وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم) (٤) وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت من أن الزهرة كانت امرأة فراوداها على نفسها فأبت إلا أن يعلماها الاسم الأعظم فعلماها فقالته فرفعت كوكبا إلى السماء فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار وتلقاه عنه طائفة من السلف فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل. وقد روى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه في ذلك حديثا رواه أحمد عن يحيى بن بكير عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وذكر القصة بطولها … وفيه: " فمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءتهما فسألاها نفسها " وذكر القصة. وقد رواه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن كعب الأحبار به. وهذا أصح وأثبت. وقد روى الحاكم في مستدركه وابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس فذكره وقال فيه وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب وذكر تمامه … وهذا أحسن لفظ روي في هذه القصة والله أعلم.
وهكذا الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن عبد الملك الواسطي حدثنا يزيد بن هارون حدثنا مبشر بن عبيد عن يزيد بن أسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ . وحدثنا عمرو بن عيسى حدثنا عبد الأعلى حدثنا إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ذكر سهيلا فقال: " كان عشارا ظلوما فمسخه الله شهابا " ثم قال لم يروه عن
стр. 36
زيد بن أسلم إلا مبشر بن عبيد وهو ضعيف الحديث ولا عن عمرو بن دينار إلا إبراهيم بن يزيد وهو لين الحديث … وإنما ذكرناه على ما فيه من علة لأنا لم نحفظه إلا من هذين الوجهين (قلت) أما مبشر بن عبيد القرشي فهو أبو حفص الحمصي وأصله من الكوفة. فقد ضعفه الجميع وقال فيه الإمام أحمد والدارقطني كان يضع الحديث ويكذب وأما إبراهيم بن يزيد فهو الخوزي (١) وهو ضعيف باتفاقهم … قال فيه أحمد والنسائي متروك. وقال ابن معين ليس بثقة وليس بشئ … وقال البخاري سكتوا عنه. وقال أبو حاتم وأبو زرعة منكر الحديث ضعيف الحديث. ومثل هذا الاسناد لا يثبت به شئ بالكلية. وإذا أحسنا الظن قلنا هذا من أخبار بني إسرائيل كما تقدم من رواية ابن عمر عن كعب الأحبار. ويكون من خرافاتهم التي لا يعول عليها والله أعلم.
المجرة وقوس قزح
قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عارم أبو النعمان (٢) حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هرقل كتب إلى معاوية وقال إن كان بقي فيهم شئ من النبوة فسيخبرني عما أسألهم عنه. قال فكتب إليه يسأله عن المجرة وعن القوس وعن بقعة لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة. قال فلما أتى معاوية الكتاب والرسول قال إن هذا الشئ ما كنت آبه له أن أسأل عنه إلى يومي هذا من لهذا؟ قيل: ابن عباس فطوى معاوية كتاب هرقل فبعث به إلى ابن عباس فكتب إليه " أن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق. والمجرة باب السماء الذي تنشق منه الأرض. وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من النهار فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ﵁ … فأما الحديث الذي رواه الطبراني حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج حدثنا إبراهيم بن مخلد حدثنا الفضل بن المختار عن محمد بن مسلم الطائفي عن ابن أبي يحيى عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ " يا معاذ إني مرسلك إلى قوم أهل كتاب فإذا سئلت عن المجرة التي في السماء فقل هي لعاب حية تحت العرش " فإنه حديث منكر جدا بل الأشبه أنه موضوع وراويه الفضل بن المختار هذا أبو سهل البصري … ثم انتقل إلى مصر قال فيه أبو حاتم الرازي هو مجهول حدث بالأباطيل. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي منكر الحديث جدا. وقال ابن عدي لا يتابع على أحاديثه لا متنا ولا إسنادا
стр. 37
وقال الله تعالى (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) [الرعد: ١٢] وقال تعالى (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) [البقرة: ١٦٤] وروى الإمام أحمد عن يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن شيخ من بني غفار قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك " وروى موسى بن عبيدة بن سعد بن إبراهيم أنه قال إن نطقه الرعد وضحكه البرق. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام عن عبيد الله الرازي عن محمد بن مسلم قال بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه وجه إنسان ووجه ثور ووجه نسر ووجه أسد فإذا مصع بذنبه فذاك البرق … وقد روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي والبخاري في كتاب الأدب والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطأة حدثني ابن مطر عن سالم عن أبيه قال كان رسول الله إذا سمع الرعد والصواعق قال (اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك … وروى ابن جرير من حديث ليث عن رجل عن أبي هريرة رفعه كان إذا سمع الرعد قال: "سبحان من يسبح الرعد بحمده " وعن علي أنه كان يقول (سبحان من سبحت له) وكذا عن ابن عباس والأسود بن يزيد وطاوس وغيرهم … وروى مالك عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال سبحان ممن يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويقول (إن هذا وعيد شديد لأهل الأرض … وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " قال ربكم لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولما أسمعتهم صوت الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرا " … وكل هذا مبسوط في التفسير ولله الحمد والمنة *
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
قال الله تعالى (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون … لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون … ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين) [الأنبياء: ٢٦] وقال تعالى (تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم) [الشورى: ٥] وقال تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم … ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم) وقال تعالى (فان استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون)
стр. 38
[غافر: ٧] وقال (ومن عنده لا يستكبرون. عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [الأنبياء: ١٩] وقال تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم. وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون) [الصافات: ١٦٥] وقال تعالى: (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا) [مريم: ٦٤] وقال تعالى (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) [الانفطار: ١٢] وقال تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو) [المدثر: ٣١] وقال تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) [الرعد: ٢٣] وقال تعالى (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شئ قدير) [فاطر: ١] وقال تعالى (يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا … الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا) [الفرقان: ٢٥] وقال تعالى (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا) [الفرقان: ٢١] وقال تعالى (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين) [البقرة: ٩٨] وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم: ٦] والآيات في ذكر الملائكة كثيرة جدا يصفهم تعالى بالقوة في العبادة وفي الخلق وحسن المنظر وعظمة الاشكال وقوة الشكل في الصور المتعددة كما قال تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب … وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات) [هود: ٧٦] الآيات فذكرنا في التفسير ما ذكره غير واحد من العلماء من أن الملائكة تبدوا لهم في صورة شباب حسان امتحانا واختبارا حتى قامت على قوم لوط الحجة وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر … وكذلك كان جبريل يأتي إلى النبي ﷺ في صفات متعددة فتارة يأتي في صورة دحية بن خليفة الكلبي (١) وتارة في صورة أعرابي وتارة في صورته التي خلق عليها. له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب كما رآه على هذه الصفة مرتين. مرة منهبطا من السماء إلى الأرض. وتارة عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى. وهو قوله تعالى (علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الاعلى. ثم دنا فتدلى) (٢) أي جبريل (٣) كما ذكرناه عن غير واحد من الصحابة … منهم ابن مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة (فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما
стр. 39
أوحى) (١) أي إلى عبد الله محمد ﷺ ثم قال [تعالى]: (ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى) (٢) وقد ذكرنا في أحاديث الاسراء في سورة سبحان أن سدرة المنتهى في السماء السابعة … وفي رواية في السادسة أي أصلها وفروعها في السابعة فلما غشيها من أمر الله ما غشيها … قيل غشيها نور الرب ﷻ … وقيل غشيها فراش (٣) من ذهب … وقيل غشيها ألوان متعددة كثيرة غير منحصرة … وقيل غشيها الملائكة مثل الغربان … وقيل غشيها من نور الله تعالى فلا يستطيع أحد أن ينعتها … أي من حسنها وبهائها. ولا منافاة بين هذه الأقوال إذ الجميع ممكن حصوله في حال واحدة … وذكرنا أن رسول الله ﷺ قال: " ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كالقلال … " وفي رواية " كقلال هجر وإذا ورقها كآذان الفيلة " وإذا يخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران. فأما الباطنان ففي الجنة. وأما الظاهران فالنيل والفرات … وتقدم الكلام على هذا في ذكر خلق الأرض وما فيها من البحار والأنهار … وفيه " ثم رفع لي البيت المعمور وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم " … وذكر أنه وجد إبراهيم الخليل ﵇ مستندا ظهره إلى البيت المعمور. وذكرنا وجه المناسبة في هذا أن البيت المعمور هو في السماء السابعة بمنزلة الكعبة في الأرض … وقد روى سفيان الثوري وشعبة وأبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة أن ابن الكوا سأل علي بن أبي طالب عن البيت المعمور فقال هو مسجد في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها. حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إليه أبدا … وهكذا روى علي بن ربيعة وأبو الطفيل عن علي مثله … وقال الطبراني أنبأنا الحسن بن علوية القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة حدثنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : " البيت المعمور في السماء يقال له الضراح وهو على مثل البيت الحرام بحياله لو سقط لسقط عليه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يرونه قط فإن له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة ". يعنى في الأرض وهكذا قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع بن أنس والسدي وغير واحد … وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: هل تدرون ما البيت المعمور قالوا الله ورسوله أعلم … قال قال مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم … وزعم الضحاك أنه تعمره طائفة من الملائكة يقال لهم الجن من قبيلة إبليس لعنه الله كان يقول سدنته وخدامه منهم والله أعلم *
وقال آخرون: في كل سماء بيت يعمره ملائكته بالعبادة فيه ويفدون إليه بالنوبة والبدل كما
стр. 40
يعمر أهل الأرض البيت العتيق بالحج في كل عام والاعتمار في كل وقت والطواف والصلاة في كل آن … قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في أوائل كتابه المغازي … حدثنا أبو عبيد في حديث مجاهد " أن الحرم حرم مناه (يعني قدره) من السماوات السبع والأرضين السبع وأنه رابع أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت وفي كل أرض بيت لو سقطت سقط بعضها على بعض " ثم روى مجاهد قال مناه أي مقابله وهو حرف مقصور. ثم قال حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي سليمان مؤذن الحجاج سمعت عبد الله بن عمرو يقول " إن الحرم محرم في السماوات السبع مقداره من الأرض - وإن بيت المقدس مقدس في السماوات السبع مقداره من الأرض كما قال بعض الشعراء.
إن الذي سمك السماء بنى لها … بيتا دعائمه أشد وأطول
واسم البيت الذي في السماء بيت العزة … واسم الملك الذي هو مقدم الملائكة فيها إسماعيل … فعلى هذا يكون السبعون ألفا من الملائكة الذين يدخلون في كل يوم إلى البيت المعمور ثم لا يعودون إليه. آخر ما عليهم (أي لا يحصل لهم نوبة فيه إلى آخر الدهر) يكونون من سكان السماء السابعة وحدها. ولهذا قال تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو) (١) وقال الإمام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق (٢) عن أبي ذر قال قال رسول الله ﷺ " إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد لو علمتم ما اعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله " (٣) فقال أبو ذر (والله لوددت أني شجرة تعضد) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث إسرائيل فقال الترمذي حسن غريب ويروى عن أبي ذر موقوفا … وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا حسين بن عرفة المصري حدثنا عروة بن عمران الرقي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم بن مالك عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : " ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لا نشرك بك شيئا ". فدل هذان الحديثان على أنه ما من موضع في السماوات السبع إلا وهو مشغول بالملائكة وهم في صنوف من العبادة. منهم من هو قائم أبدا. ومنهم من هو راكع أبدا ومنهم من هو ساجد أبدا ومنهم من هو في صنوف أخر والله أعلم بها. وهم دائمون في عبادتهم وتسبيحهم وأذكارهم وأعمالهم التي أمرهم الله بها، ولهم منازل عند ربهم كما قال تعالى (وما منا إلا له مقام معلوم … وإنا لنحن الصافون … وإنا لنحن