زيد بن أسلم إلا مبشر بن عبيد وهو ضعيف الحديث ولا عن عمرو بن دينار إلا إبراهيم بن يزيد وهو لين الحديث … وإنما ذكرناه على ما فيه من علة لأنا لم نحفظه إلا من هذين الوجهين (قلت) أما مبشر بن عبيد القرشي فهو أبو حفص الحمصي وأصله من الكوفة. فقد ضعفه الجميع وقال فيه الإمام أحمد والدارقطني كان يضع الحديث ويكذب وأما إبراهيم بن يزيد فهو الخوزي (١) وهو ضعيف باتفاقهم … قال فيه أحمد والنسائي متروك. وقال ابن معين ليس بثقة وليس بشئ … وقال البخاري سكتوا عنه. وقال أبو حاتم وأبو زرعة منكر الحديث ضعيف الحديث. ومثل هذا الاسناد لا يثبت به شئ بالكلية. وإذا أحسنا الظن قلنا هذا من أخبار بني إسرائيل كما تقدم من رواية ابن عمر عن كعب الأحبار. ويكون من خرافاتهم التي لا يعول عليها والله أعلم.
المجرة وقوس قزح
قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عارم أبو النعمان (٢) حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هرقل كتب إلى معاوية وقال إن كان بقي فيهم شئ من النبوة فسيخبرني عما أسألهم عنه. قال فكتب إليه يسأله عن المجرة وعن القوس وعن بقعة لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة. قال فلما أتى معاوية الكتاب والرسول قال إن هذا الشئ ما كنت آبه له أن أسأل عنه إلى يومي هذا من لهذا؟ قيل: ابن عباس فطوى معاوية كتاب هرقل فبعث به إلى ابن عباس فكتب إليه " أن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق. والمجرة باب السماء الذي تنشق منه الأرض. وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من النهار فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ﵁ … فأما الحديث الذي رواه الطبراني حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج حدثنا إبراهيم بن مخلد حدثنا الفضل بن المختار عن محمد بن مسلم الطائفي عن ابن أبي يحيى عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ " يا معاذ إني مرسلك إلى قوم أهل كتاب فإذا سئلت عن المجرة التي في السماء فقل هي لعاب حية تحت العرش " فإنه حديث منكر جدا بل الأشبه أنه موضوع وراويه الفضل بن المختار هذا أبو سهل البصري … ثم انتقل إلى مصر قال فيه أبو حاتم الرازي هو مجهول حدث بالأباطيل. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي منكر الحديث جدا. وقال ابن عدي لا يتابع على أحاديثه لا متنا ولا إسنادا
стр. 37
وقال الله تعالى (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) [الرعد: ١٢] وقال تعالى (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) [البقرة: ١٦٤] وروى الإمام أحمد عن يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن شيخ من بني غفار قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك " وروى موسى بن عبيدة بن سعد بن إبراهيم أنه قال إن نطقه الرعد وضحكه البرق. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام عن عبيد الله الرازي عن محمد بن مسلم قال بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه وجه إنسان ووجه ثور ووجه نسر ووجه أسد فإذا مصع بذنبه فذاك البرق … وقد روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي والبخاري في كتاب الأدب والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطأة حدثني ابن مطر عن سالم عن أبيه قال كان رسول الله إذا سمع الرعد والصواعق قال (اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك … وروى ابن جرير من حديث ليث عن رجل عن أبي هريرة رفعه كان إذا سمع الرعد قال: "سبحان من يسبح الرعد بحمده " وعن علي أنه كان يقول (سبحان من سبحت له) وكذا عن ابن عباس والأسود بن يزيد وطاوس وغيرهم … وروى مالك عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال سبحان ممن يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويقول (إن هذا وعيد شديد لأهل الأرض … وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " قال ربكم لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولما أسمعتهم صوت الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرا " … وكل هذا مبسوط في التفسير ولله الحمد والمنة *
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
قال الله تعالى (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون … لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون … ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين) [الأنبياء: ٢٦] وقال تعالى (تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم) [الشورى: ٥] وقال تعالى (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم … ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم) وقال تعالى (فان استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون)
стр. 38
[غافر: ٧] وقال (ومن عنده لا يستكبرون. عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [الأنبياء: ١٩] وقال تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم. وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون) [الصافات: ١٦٥] وقال تعالى: (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا) [مريم: ٦٤] وقال تعالى (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) [الانفطار: ١٢] وقال تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو) [المدثر: ٣١] وقال تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) [الرعد: ٢٣] وقال تعالى (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شئ قدير) [فاطر: ١] وقال تعالى (يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا … الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا) [الفرقان: ٢٥] وقال تعالى (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا) [الفرقان: ٢١] وقال تعالى (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فان الله عدو للكافرين) [البقرة: ٩٨] وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم: ٦] والآيات في ذكر الملائكة كثيرة جدا يصفهم تعالى بالقوة في العبادة وفي الخلق وحسن المنظر وعظمة الاشكال وقوة الشكل في الصور المتعددة كما قال تعالى: (ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب … وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات) [هود: ٧٦] الآيات فذكرنا في التفسير ما ذكره غير واحد من العلماء من أن الملائكة تبدوا لهم في صورة شباب حسان امتحانا واختبارا حتى قامت على قوم لوط الحجة وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر … وكذلك كان جبريل يأتي إلى النبي ﷺ في صفات متعددة فتارة يأتي في صورة دحية بن خليفة الكلبي (١) وتارة في صورة أعرابي وتارة في صورته التي خلق عليها. له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب كما رآه على هذه الصفة مرتين. مرة منهبطا من السماء إلى الأرض. وتارة عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى. وهو قوله تعالى (علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الاعلى. ثم دنا فتدلى) (٢) أي جبريل (٣) كما ذكرناه عن غير واحد من الصحابة … منهم ابن مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة (فكان قاب قوسين أو أدنى. فأوحى إلى عبده ما
стр. 39
أوحى) (١) أي إلى عبد الله محمد ﷺ ثم قال [تعالى]: (ولقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة ما يغشى. ما زاغ البصر وما طغى) (٢) وقد ذكرنا في أحاديث الاسراء في سورة سبحان أن سدرة المنتهى في السماء السابعة … وفي رواية في السادسة أي أصلها وفروعها في السابعة فلما غشيها من أمر الله ما غشيها … قيل غشيها نور الرب ﷻ … وقيل غشيها فراش (٣) من ذهب … وقيل غشيها ألوان متعددة كثيرة غير منحصرة … وقيل غشيها الملائكة مثل الغربان … وقيل غشيها من نور الله تعالى فلا يستطيع أحد أن ينعتها … أي من حسنها وبهائها. ولا منافاة بين هذه الأقوال إذ الجميع ممكن حصوله في حال واحدة … وذكرنا أن رسول الله ﷺ قال: " ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كالقلال … " وفي رواية " كقلال هجر وإذا ورقها كآذان الفيلة " وإذا يخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران. فأما الباطنان ففي الجنة. وأما الظاهران فالنيل والفرات … وتقدم الكلام على هذا في ذكر خلق الأرض وما فيها من البحار والأنهار … وفيه " ثم رفع لي البيت المعمور وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم " … وذكر أنه وجد إبراهيم الخليل ﵇ مستندا ظهره إلى البيت المعمور. وذكرنا وجه المناسبة في هذا أن البيت المعمور هو في السماء السابعة بمنزلة الكعبة في الأرض … وقد روى سفيان الثوري وشعبة وأبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة أن ابن الكوا سأل علي بن أبي طالب عن البيت المعمور فقال هو مسجد في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها. حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إليه أبدا … وهكذا روى علي بن ربيعة وأبو الطفيل عن علي مثله … وقال الطبراني أنبأنا الحسن بن علوية القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة حدثنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : " البيت المعمور في السماء يقال له الضراح وهو على مثل البيت الحرام بحياله لو سقط لسقط عليه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يرونه قط فإن له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة ". يعنى في الأرض وهكذا قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع بن أنس والسدي وغير واحد … وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: هل تدرون ما البيت المعمور قالوا الله ورسوله أعلم … قال قال مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم … وزعم الضحاك أنه تعمره طائفة من الملائكة يقال لهم الجن من قبيلة إبليس لعنه الله كان يقول سدنته وخدامه منهم والله أعلم *
وقال آخرون: في كل سماء بيت يعمره ملائكته بالعبادة فيه ويفدون إليه بالنوبة والبدل كما
стр. 40
يعمر أهل الأرض البيت العتيق بالحج في كل عام والاعتمار في كل وقت والطواف والصلاة في كل آن … قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في أوائل كتابه المغازي … حدثنا أبو عبيد في حديث مجاهد " أن الحرم حرم مناه (يعني قدره) من السماوات السبع والأرضين السبع وأنه رابع أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت وفي كل أرض بيت لو سقطت سقط بعضها على بعض " ثم روى مجاهد قال مناه أي مقابله وهو حرف مقصور. ثم قال حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي سليمان مؤذن الحجاج سمعت عبد الله بن عمرو يقول " إن الحرم محرم في السماوات السبع مقداره من الأرض - وإن بيت المقدس مقدس في السماوات السبع مقداره من الأرض كما قال بعض الشعراء.
إن الذي سمك السماء بنى لها … بيتا دعائمه أشد وأطول
واسم البيت الذي في السماء بيت العزة … واسم الملك الذي هو مقدم الملائكة فيها إسماعيل … فعلى هذا يكون السبعون ألفا من الملائكة الذين يدخلون في كل يوم إلى البيت المعمور ثم لا يعودون إليه. آخر ما عليهم (أي لا يحصل لهم نوبة فيه إلى آخر الدهر) يكونون من سكان السماء السابعة وحدها. ولهذا قال تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو) (١) وقال الإمام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق (٢) عن أبي ذر قال قال رسول الله ﷺ " إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد لو علمتم ما اعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله " (٣) فقال أبو ذر (والله لوددت أني شجرة تعضد) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث إسرائيل فقال الترمذي حسن غريب ويروى عن أبي ذر موقوفا … وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا حسين بن عرفة المصري حدثنا عروة بن عمران الرقي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم بن مالك عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : " ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لا نشرك بك شيئا ". فدل هذان الحديثان على أنه ما من موضع في السماوات السبع إلا وهو مشغول بالملائكة وهم في صنوف من العبادة. منهم من هو قائم أبدا. ومنهم من هو راكع أبدا ومنهم من هو ساجد أبدا ومنهم من هو في صنوف أخر والله أعلم بها. وهم دائمون في عبادتهم وتسبيحهم وأذكارهم وأعمالهم التي أمرهم الله بها، ولهم منازل عند ربهم كما قال تعالى (وما منا إلا له مقام معلوم … وإنا لنحن الصافون … وإنا لنحن
стр. 41
المسبحون) (١) وقال ﷺ : " ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها … قالوا وكيف يصفون عند ربهم قال يكملون الصف الأول ويتراصون في الصف " (٢) … وقال ﷺ : (فضلنا على الناس بثلاث … جعلت لنا الأرض مسجدا وتربتها لنا طهورا وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة) (٣). وكذلك يأتون يوم القيامة بين يدي الرب ﷻ صفوفا كما قال تعالى (وجاء ربك والملك صفا صفا) (٤) ويقفون صفوفا بين يدي ربهم يوم القيامة كما قال تعالى (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) (٥) … والمراد بالروح ههنا بنو آدم قاله ابن عباس والحسن وقتادة … وقيل ضرب من الملائكة يشبهون بني آدم في الشكل … قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش … وقيل جبرئيل … قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك * وقيل ملك يقال له الروح بقدر جميع المخلوقات … قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (يوم يقوم الروح) قال هو ملك من أعظم الملائكة خلقا (٦) … وقال ابن جرير حدثني محمد بن خلف العسقلاني حدثنا داود ابن الجراح عن أبي حمزة عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال الروح في السماء الرابعة هو أعظم السماوات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق الله من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يحيي يوم القيامة صفا وحده … وهذا غريب جدا … وقال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم المصري حدثنا ابن وهب بن رزق أبو هبيرة حدثنا بشر بن بكر حدثنا الأوزاعي حدثني عطاء عن عبد الله بن عباس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " إن لله ملكا لو قيل له التقم السماوات والأرضين بلقمة واحدة لفعل. تسبيحه سبحانك حيث كنت " وهذا أيضا حديث غريب جدا … وقد يكون موقوفا … وذكرنا في صفة حملة العرش عن جابر بن عبد الله قال رسول الله ﷺ " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام " رواه أبو داود
стр. 42
وابن أبي حاتم ولفظه مخفق الطير سبعمائة عام.
وقد ورد في صفة جبريل ﵇ أمر عظيم قال الله تعالى (علمه شديد القوى) قالوا كان من شدة قوته أنه رفع مدائن قوم لوط وكن سبعا بمن فيها من الأمم وكانوا قريبا من أربعمائة ألف وما معهم من الدواب والحيوانات وما لتلك المدن من الأراضي والمعتملات والعمارات وغير ذلك … رفع ذلك كله على طرف جناحه حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب وصياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها فهذا هو شديد القوى. وقوله (ذو مرة) أي خلق حسن وبهاء وسناء كما قال في الآية الأخرى (إنه لقول رسول كريم) [الحاقة: ٤٠] أي جبريل رسول من الله كريم أي حسن المنظر (ذي قوة) أي له قوة وبأس شديد (عند ذي العرش مكين) أي له مكانة ومنزلة عالية رفيعة عند الله (ذي العرش المجيد) مطاع ثم أي مطاع في الملأ الأعلى أمين أي ذي أمانة عظيمة ولهذا كان هو السفير بين الله وبين أنبيائه ﵈ الذي ينزل عليهم بالوحي. فيه الاخبار الصادقة والشرائع العادلة … وقد كان يأتي إلى رسول الله ﷺ وينزل عليه في صفات متعددة كما قدمنا. وقد رآه على صفته التي خلقه الله عليها مرتين … له ستمائة جناح كما روى البخاري عن طلق بن غنام عن زائدة الشيباني قال سألت زرا عن قوله (فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى) قال حدثنا عبد الله يعني ابن مسعود أن محمدا ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح.
وقال الإمام أحمد (١) حدثنا يحيى بن آدم حدثنا شريك عن جامع بن راشد عن أبي وائل عن عبد الله قال رأى رسول الله ﷺ جبرئيل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق يسقط من جناحه التهاويل من الدر والياقوت ما الله به عليم. وقال أحمد أيضا حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه الآية (ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى) (٢) قال قال رسول الله ﷺ : " رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتشر من ريشه التهاويل الدر والياقوت ". وقال أحمد (٣) حدثنا زيد بن الحباب حدثنا الحسين حدثني عاصم بن بهدلة سمعت شقيق بن سلمة يقول سمعت ابن مسعود يقول قال رسول الله ﷺ رأيت جبريل على السدرة المنتهى وله ستمائة جناح فسألت عاصما عن الأجنحة فأبى أن يخبرني قال فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق والمغرب … وهذه أسانيد جيدة قوية انفرد بها أحمد *
стр. 43
وقال أحمد حدثنا زيد بن الحباب حدثني حسين حدثني حصين حدثني شقيق سمعت ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " أتاني جبريل في خضر (١) تعلق به الدر " … إسناده صحيح * وقال ابن جرير حدثنا ابن بزيغ البغدادي قال حدثنا إسحاق بن منصور قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله (ما كذب الفؤاد ما رأى) قال رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلتا رفرف قد ملا ما بين السماء والأرض … إسناد جيد قوي … وفي الصحيحين من حديث عامر الشعبي عن مسروق قال كنت عند عائشة فقلت أليس الله يقول (ولقد رآه بالأفق المبين ولقد رآه نزلة أخرى) فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله ﷺ عنها فقال: إنما ذاك جبريل لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين رآه منهبطا من السماء إلى الأرض ساد أعظم خلقه ما بين السماء والأرض.
وقال البخاري (٢) حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن ذر (ح) وحدثني يحيى بن جعفر حدثنا وكيع عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ لجبريل: " ألا تزورنا أكثر مما تزورنا قال فنزلت (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا) (١) الآية * وروى البخاري (٣) من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة … وقال البخاري (٤) حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئا فقال له عروة أما إن جبريل قد نزل فصلى أمام رسول الله ﷺ فقال عمر أعلم ما تقول يا عروة قال سمعت بشير بن أبي مسعود يقول سمعت أبا مسعود يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: " نزل جبريل فأمني فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معهن ثم صليت معه " يحسب بأصابعه خمس صلوات.
ومن صفة إسرافيل ﵇ وهو أحد حملة العرش وهو الذي ينفخ في الصور بأمر ربه نفخات ثلاثة … أولا هن نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة البعث كما سيأتي بيانه في موضعه من كتابنا هذا بحول الله وقوته وحسن توفيقه … والصور قرن ينفخ فيه. كل دارة منه كما بين السماء والأرض. وفيه موضع أرواح العباد حين يأمره الله بالنفخ للبعث فإذا نفخ تخرج الأرواح
стр. 44
تتوهج فيقول الرب ﷻ : " وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى البدن الذي كانت تعمره في الدنيا فتدخل على الأجساد في قبورها فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ فتحيى الأجساد وتنشق عنهم الأجداث فيخرجون منها سراعا إلى مقام المحشر " كما سيأتي تفصيله في موضعه.
ولهذا قال رسول الله ﷺ " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له " … قالوا كيف نقول يا رسول الله قال: " قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ". على الله توكلنا " … رواه أحمد والترمذي من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري … وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سعد الطائي عن عطية العوفي عن أبي سعيد قال ذكر رسول الله ﷺ صاحب الصور فقال: " عن يمينه جبريل وعن يساره ميكائيل " ﵈. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن عمر أن ابن أبي ليلى (١) حدثني عن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس … قال بينا رسول الله ﷺ ومعه جبريل بناحية إذ انشق أفق السماء فأقبل إسرافيل يدنو من الأرض ويتمايل فإذا ملك قد مثل بين يدي النبي ﷺ فقال: " يا محمد إن الله يأمرك أن تختار بين نبي عبد أو ملك نبي قال: " فأشار جبريل إلي بيده (أن تواضع) فعرفت أنه لي ناصح فقلت: " عبد نبي " (٢) فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت: يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل؟ فقال هذا إسرافيل ﵇ خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لا يرفع طرفه بينه وبين الرب سبعون نورا ما منها من نور يكاد يدنو منه إلا احترق بين يديه لوح فإذا أذن الله في شئ من السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح فضرب جبهته فينظر فإن كان من عملي أمرني به وإن كان من عمل ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به … قلت " يا جبريل وعلى أي شئ أنت " قال: على الريح والجنود … قلت: " وعلى أي شئ ميكائيل " قال: على النبات والقطر قلت: " وعلى أي شئ ملك الموت " قال: على قبض الأنفس وما ظننت أنه نزل إلا لقيام الساعة وما الذي رأيت مني إلا خوفا من قيام الساعة … هذا حديث غريب من هذا الوجه … وفي صحيح مسلم (٣) عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك (٤) إنك تهدي من تشاء إلى صراط
стр. 45
مستقيم … وفي حديث الصور أن إسرافيل أول من يبعثه الله بعد الصعق لينفخ في الصور … وذكر محمد بن الحسن النقاش أن إسرافيل أول من سجد من الملائكة فجوزي بولاية اللوح المحفوظ * حكاه أبو القاسم السهيلي في كتابه (التعريف والاعلام. بما أبهم في القرآن من الاعلام) … وقال تعالى … من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) (١) عطفهما على الملائكة لشرفهما فجبريل ملك عظيم قد تقدم ذكره … وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات وهو ذو مكانة من ربه ومن أشراف الملائكة المقربين … وقد قال الإمام أحمد حدثنا أبو اليمان حدثنا ابن عباس عن عمارة بن غزنة الأنصاري أنه سمع حميد بن عبيد مولى بني المعلى يقول سمعت ثابتا البناني يحدث عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه قال لجبريل: مالي لم أر ميكائيل ضاحكا قط (٢) فقال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار … فهؤلاء الملائكة المصرح بذكرهم في القرآن وفي الصحاح (٣) هم المذكورون في الدعاء النبوي " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل … فجبريل ينزل بالهدى على الرسل لتبليغ الأمم. وميكائيل موكل بالقطر والنبات الذين يخلق منهما الأرزاق في هذه الدار … وله أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه. يصرفون الرياح والسحاب كما يشاء الرب ﷻ . وقد روينا أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يقررها في موضعها من الأرض " وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور للقيام من القبور. والحضور يوم البعث والنشور ليفوز الشكور. ويجازي الكفور. فذاك ذنبه مغفور. وسعيه مشكور … وهذا قد صار عمله كالهباء المنثور. وهو يدعو بالويل والثبور " فجبريل ﵇ يحصل بما ينزل به الهدى … وميكائيل يحصل بما هو موكل به الرزق. وإسرافيل يحصل بما هو موكل به النصر والجزاء … وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح. وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل والله أعلم.
وقد قال الله تعالى … قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون) [السجدة: ١١] وله أعوان يستخرجون روح العبد من جثته حتى تبلغ الحلقوم فيتناولها ملك الموت بيده فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه فيلقوها في أكفان تليق بها كما قد بسط عند قوله: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) [إبراهيم: ٢٧].
ثم يصعدون بها فإن كانت صالحة فتحت لها أبواب السماء وإلا غلقت دونها وألقي بها إلى الأرض قال الله تعالى (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت
стр. 46
وفته رسلنا وهم لا يفرطون … ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين * [الانعام: ٦١].
وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد أنهم قالوا إن الأرض بين يدي ملك الموت مثل الطست بتناول منها حيث يشاء وقد ذكرنا أن ملائكة الموت يأتون الانسان على حسب عمله إن كان مؤمنا اتاه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب طيبة الأرواح. وإن كان كافرا فبالضد من ذلك … عياذا بالله العظيم من ذلك … وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري حدثنا عمرو بن شمر قال سمعت جعفر بن محمد قال سمعت أبي يقول نظر رسول الله ﷺ إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي ﷺ : " يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن " فقال ملك الموت: يا محمد طب نفسا وقر عينا فإني بكل مؤمن رفيق … واعلم أن ما في الأرض بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتفحصهم في كل يوم خمس مرات حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم بأنفسهم والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها. قال جعفر بن محمد أبي هو الصادق بلغني بتفحصهم عند مواقيت الصلاة فإذا حضر عند الموت فإذا كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك ودفع عنه الشيطان ولقنه الملك (لا إله إلا الله محمد رسول الله) في تلك الحال العظيمة. هذا حديث مرسل وفيه نظر وذكرنا في حديث الصور من طريق إسماعيل بن رافع المدني القاص عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ (الحديث) بطوله. وفيه ويأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق فينفخ نفخة الصعق فيصعق أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم قد خمدوا جاء ملك الموت إلى الجبار فيقول يا رب قد مات أهل السماوات والأرض إلا من شئت * فيقول الله وهو أعلم بمن بقي (فمن بقي) فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل … فيقول ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول يا رب يموت جبريل وميكائيل فيقول: اسكت فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرسي فيموتان " ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول يا رب قد مات جبريل وميكائيل فيقول الله وهو أعلم بمن بقي فمن بقي؟ فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت حملة عرشك وبقيت أنا فيقول الله لتمت حملة عرشي. فتموت. ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يأتي ملك الموت فيقول يا رب قد مات حملة عرشك فيقول الله وهو أعلم بمن بقي (فمن بقي) فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا فيقول الله أنت خلق من خلقي خلقتك لما أردت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد … كان آخرا كما كان أولا … وذكر تمام الحديث بطوله رواه الطبراني وابن جرير والبيهقي ورواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب (الطوالات) وعنده زيادة غريبة وهي قوله فيقول الله له أنت خلق من خلقي خلقتك لما أردت فمت موتا لا تحيى بعده أبدا.
стр. 47
ومن الملائكة المنصوص على أسمائهم في القرآن هاروت وماروت في قول جماعة كثيرة من السلف … وقد ورد في قصتهما وما كان من أمرهما آثار كثيرة غالبها إسرائيليات … وروى الإمام أحمد حديثا مرفوعا عن ابن عمر وصححه ابن حبان في تقاسيمه. وفي صحته عندي نظر والأشبه أنه موقوف على عبد الله بن عمر ويكون مما تلقاه عن كعب الأحبار كما سيأتي بيانه والله أعلم … وفيه أنه تمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر … وعن علي وابن عباس وابن عمر أيضا ان الزهرة كانت امرأة وأنهما لما طلبا منها ما ذكر أبت إلا أن يعلماها الاسم الأعظم فعلماها فقالته فارتفعت إلى السماء فصارت كوكبا … وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب. وهذا اللفظ أحسن ما ورد في شأن الزهرة … ثم قيل كان أمرهما وقصتهما في زمان إدريس … وقيل في زمان سليمان بن داود كما حررنا ذلك في التفسير.
وبالجملة فهو خبر إسرائيلي مرجعه إلى كعب الأحبار كما رواه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب أحبار بالقصة … وهذا أصح إسنادا وأثبت رجالا والله أعلم.
ثم قد قيل إن المراد بقوله … وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت … (١) قبيلان من الجان قاله ابن حزم وهذا غريب وبعيد من اللفظ … ومن الناس من قرأ وما أنزل على الملكين بالكسر ويجعلهما علجين من أهل فارس. قاله الضحاك. ومن الناس من يقول هما ملكان من السماء ولكن سبق في قدر الله لهما ما ذكره من أمرهما إن صح به الخبر ويكون حكمهما كحكم إبليس إن قيل إنه من الملائكة لكن الصحيح أنه من الجن كما سيأتي تقريره. ومن الملائكة المسمين في الحديث منكر ونكير ﵉. وقد استفاض في الأحاديث ذكرهما في سؤال القبر. وقد أوردناها عند قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) (٢) وهما فتانا القبر موكلان بسؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه ويمتحنان البر والفاجر وهما أزرقان أفرقان لهما أنياب وأشكال مزعجة وأصوات مفزعة أجارنا الله من عذاب القبر وثبتنا بالقول الثابت آمين … وقال البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا ابن وهب حدثني يونس عن ابن شهاب حدثني عروة أن عائشة زوج النبي ﷺ حدثته أنها قالت للنبي ﷺ : " هل أتي عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟. قال: " لقد لقيت من قومك (٣) وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة (٤) إذا عرضت نفسي على ابن عبد
стр. 48
يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب (١) فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا به عليك وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد فقال ذلك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (٢) فقال النبي ﷺ " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا … ورواه مسلم من حديث ابن وهب به (٣).
فصل
ثم الملائكة ﵈ بالنسبة إلى ما هيأهم الله له أقسام … فمنهم حملة العرش كما تقدم ذكرهم ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش. وهم الملائكة المقربون كما قال تعالى (لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون) (٤) … ومنهم جبريل وميكائيل ﵉. وقد ذكر الله عنهم أنهم يستغفرون للمؤمنين بظهر الغيب كما قال تعالى: (ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم. ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. إنك أنت العزيز الحكيم. وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته. وذلك هو الفوز العظيم) (٥).
ولما كانت سجاياهم هذه السجية الطاهرة كانوا يحبون من اتصف بهذه الصفة فثبت في الحديث عن الصادق المصدوق أنه قال " إذا دعا العبد لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثل " (٦).
стр. 49
ومنهم سكان السماوات السبع يعمرونها عبادة دائبة ليلا ونهارا صباحا ومساء كما قال [تعالى]: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [الأنبياء: ٢٠] فمنهم الراكع دائما والقائم دائما والساجد دائما … ومنهم الذين يتعاقبون زمرة بعد زمرة إلى البيت المعمور كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم.
ومنهم الموكلون بالجنان وإعداد الكرامة لأهلها وتهيئة الضيافة لساكنيها من ملابس ومصاغ ومساكن ومآكل ومشارب وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وخازن الجنة ملك يقال له رضوان جاء مصرحا به في بعض الأحاديث.
ومنهم الموكلون بالنار وهم الزبانية … ومقدموهم تسعة عشر وخازنها مالك وهو مقدم على جميع الخزنة. وهم المذكورون في قوله تعالى (وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب) [غافر: ٤٩] الآية. وقال تعالى (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك. قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون) [الزخرف: ٧٧] وقال تعالى (عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم: ٦] وقال تعالى (عليها تسعة عشر وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم الا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أتوا الكتاب ويزداد الدين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا * كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء … وما يعلم جنود ربك إلا هو) [المدثر: ٣١]. وهم الموكلون بحفظ بني آدم كما قال تعالى (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به. ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار … له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظون من أمر الله ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال) [الرعد: ١٠].
قال الوالبي عن ابن عباس (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) وهي الملائكة وقال عكرمة عن ابن عباس يحفظونه من أمر الله … قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدر الله خلوا عنه وقال مجاهد ما من عبد إلا وملك موكل بحفظه في نومه. ويقظته من الجن والإنس والهوام. وليس شئ يأتيه يريده إلا وقال وراءك إلا شئ يأذن الله فيه فيصيبه. وقال أبو أسامة (١): ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له. وقال أبو مجلز جاء رجل إلى علي فقال: إن نفرا من مراد يريدون قتلك فقال إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه وإن الاجل جنة (٢) حصينة.
стр. 50
ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد كما قال تعالى: (عن اليمين وعن الشمال قعيد. ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [ق: ١٨] وقال تعالى: (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) [الانفطار: ١٢] قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في تفسيره حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع حدثنا سفيان ومسعر عن علقمة بن يزيد عن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : " أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجذم حائط أو بعيره أو يستره أخوه " هذا مرسل من هذا الوجه وقد وصله البزار في مسنده من طريق جعفر بن سليمان … وفيه كلام عن علقمة عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من الله والذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات الغائط والجنابة والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستر بثوبه أو بجذم حائط أو بعيره. ومعنى اكرامهم أن يستحي منهم فلا يملي عليهم الأعمال القبيحة التي يكتبونها فان الله خلقهم كراما في خلقهم وأخلاقهم … ومن كرمهم أنه قد ثبت في الحديث المروي في الصحاح والسنن والمسانيد من حديث جماعة من الصحابة عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا يدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب (١) وفي رواية عن عاصم بن ضمرة عن علي (ولا بول) وفي رواية رافع عن أبي سعيد مرفوعا لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا تمثال. وفي رواية مجاهد عن أبي هريرة مرفوعا لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو تمثال. وفي رواية ذكوان أبي صالح السماك عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب أو جرس. ورواه زرارة بن أوفى عنه لا تصحب الملائكة رفقة معهم جرس.
وقال البزار حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوس. حدثنا بيان بن حمران حدثنا سلام عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ " إن ملائكة الله يعرفون بني آدم - وأحسبه. قال - ويعرفون أعمالهم فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا أفلح الليلة فلان نجا الليلة فلان. وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه. وقالوا هلك فلان الليلة … ثم قال سلام أحسبه سلام المدائني (٢) وهو لين الحديث. وقد قال البخاري حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن
стр. 51
الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " الملائكة يتعاقبون ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر. ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم فيقول كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون. وأتيناهم وهم يصلون … هذا اللفظ في كتاب بدء الخلق بهذا السياق وهذا اللفظ تفرد به دون مسلم من هذا الوجه … وقد أخرجاه في الصحيحين في البدء من حديث مالك عن أبي الزناد به … وقال البزار حدثنا زياد بن أيوب حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي حدثنا تمام بن نجيح عن الحسن يعني البصري عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا إلا قال الله غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة … ثم قال تفرد به تمام بن نجيح وهو صالح الحديث … قلت وقد وثقه ابن معين وضعفه البحاري وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي وابن عدي ورماه ابن حبان بالوضع وقال الإمام أحمد لا أعرف حقيقة أمره والمقصود أن كل إنسان له حافظان ملكان اثنان واحد من بين يديه وآخر من خلفه يحفظانه من أمر الله بأمر الله … وملكان كاتبان عن يمينه وعن شماله وكاتب اليمين أمير على كاتب الشمال. كما ذكرنا ذلك عند قوله تعالى: (عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [ق: ١٨].
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا أسود ابن عامر … حدثنا سفيان. حدثنا منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن عبد الله هو ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ : " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير. انفرد بإخراجه مسلم من حديث منصور به فيحتمل أن هذا القرين من الملائكة غير القرين بحفظ الانسان وإنما هو موكل به ليهديه ويرشده بإذن ربه إلى سبيل الخير وطريق الرشاد كما أنه قد وكل به القرين من الشياطين لا يألوه جهدا في الخبال والاضلال. والمعصوم من عصمه الله وبالله المستعان (١)
وقال البخاري حدثنا أحمد بن يونس حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن والأغر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول فإذا جلس الامام طووا الصحف
стр. 52
وجاؤوا يسمعون الذكر وهكذا رواه منفردا به من هذا الوجه وهو في الصحيحين ومن وجه آخر * وقد قال الله تعالى (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) … وقال الإمام أحمد حدثنا أسباط حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ … وحدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) قال تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار … ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث أسباط … وقال الترمذي حسن صحيح … قلت وهو منقطع.
وقال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ … قال: " فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة. ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر " يقول أبو هريرة إقرؤا إن شئتم (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) وقال البخاري حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح " … تابعه شعبة وأبو حمزة وأبو داود وأبو معاوية عن الأعمش. وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " إذا أمن الامام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " … وفي صحيح البخاري حدثنا إسماعيل بلفظ: " إذا قال الامام آمين فإن الملائكة تقول في السماء آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " … وفي صحيح البخاري حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن سمي (١) عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا (اللهم ربنا ولك الحمد) فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ". ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من حديث مالك * وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد هو شك (يعني الأعمش) قال قال رسول الله ﷺ : " إن الله ملائكة سياحين في الأرض فضلا عن كتاب الناس فإذا وجدوا أقواما يذكرون الله فنادوا هلموا إلى بغيتكم فيجيئون بهم إلى السماء الدنيا فيقول الله أي شئ تركتم عبادي يصنعون فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك فيقول وهل رأوني فيقولون لا فيقول كيف لو رأوني فيقولون لو رأوك لكانوا أشد تحميدا وتمجيدا وذكرا … قال فيقول فأي شئ يطلبون فيقولون يطلبون الجنة فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول وكيف لو رأوها فيقولون لو رأوها لكانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا قال فيقول من أي يتعوذون، فيقولون من النار فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوها فيقولون لو رأوها كانوا أشد منها هربا وأشد منها خوفا. قال فيقول أشهدكم أني قد غفرت لهم. قال فيقول إن فيهم فلانا
стр. 53
الخطاء لم يردهم إنما جاء لحاجة فيقول هم القوم لا يشقي بهم جليسهم (١).
وهكذا رواه البخاري عن قتيبة عن جرير بن عبد الحميد عن الأعمش به. وقال رواه شعبة عن الأعمش ولم يرفعه. ورفعه سهيل عن أبيه. وقد رواه أحمد عن عفان عن وهيب عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه كما ذكره البخاري معلقا عن سهيل. ورواه مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد عن وهب به. وقد رواه الإمام أحمد أيضا عن غندر عن شعبة عن سليمان (هو الأعمش) عن أبي صالح عن أبي هريرة كما أشار إليه البخاري ﵀ … وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية. حدثنا الأعمش وابن نمير … وأخبرنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " من نفس عن مؤمن كربة عن كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة … ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده … ومن بطأ (٢) به عمله لم يسرع به نسبه " … وكذا رواه مسلم من حديث أبي معاوية … (٣) وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن أبي إسحاق عن الأغر (أبي مسلم) عن أبي هريرة وأبي سعيد عن رسول الله ﷺ . قال: " ما اجتمع قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده * وكذا رواه أيضا من حديث إسرائيل وسفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق به نحوه … ورواه مسلم من حديث شعبة والترمذي من حديث الثوري وقال حسن صحيح … ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن آدم عن عمار بن زريق عن أبي إسحاق بإسناد نحوه … وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة … وفي مسند الإمام أحمد والسنن عن أبي الدرداء مرفوعا (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع) أي تتواضع له كما قال تعالى (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) [الاسراء: ٢٤] وقال تعالى (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) [الشعراء: ٢١٥] وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال إن لله ملائكة سياحين في الأرض ليبلغوني عن أمتي لسلام … وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان الأعمش كلاهما عن عبد الله بن لسائب به … وقال الإمام أحمد. حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة
стр. 54
قالت قال رسول الله ﷺ : " خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم " وهكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع وعبدة بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق به. والأحاديث في ذكر الملائكة كثيرة جدا … وقد ذكرنا ما يسره الله تعالى وله الحمد.
فصل
وقد اختلف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على أقوال: فأكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم وأقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ بن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص أنه حضر مجلسا لعمر بن عبد العزيز وعنده جماعة فقال عمر ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم. واستدل بقوله تعالى (إن الذين آمنوا وعلموا الصالحات أولئك هم خير البرية) [البينة: ٧] ووافقه على ذلك أمية بن عمرو بن سعيد فقال عراك بن مالك ما أحد أكرم على الله من ملائكته هم خدمة داريه ورسله إلى أنبيائه. واستدل بقوله تعالى (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) [الأعراف: ٢٠] فقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظي ما تقول أنت يا أبا حمزة … فقال قد أكرم الله آدم فخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وجعل من ذريته الأنبياء والرسل ومن يزوره الملائكة … فوافق عمر بن عبد العزيز في الحكم واستدل بغير دليله … وأضعف دلالة ما صرح به من الآية وهو قوله (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) مضمونه أنها ليست بخاصة بالبشر … فإن الله قد وصف الملائكة بالايمان في قوله (ويؤمنون به) وكذلك الجان (وإنا لما سمعنا الهدى آمنا به) [الجن: ١٣] (وإنا منا المسلمون) قلت وأحسن ما يستدل به في هذه المسألة ما رواه عثمان بن سعيد الدارمي عن عبد الله بن عمرو مرفوعا وهو أصح، قال: لما خلق الله الجنة قالت الملائكة يا ربنا اجعل لنا هذه نأكل منها ونشرب فإنك خلقت الدنيا لبني آدم فقال الله، لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان.
باب خلق الجان وقصة الشيطان
قال الله تعالى (خلق الانسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار فبأي آلاء ربكما تكذبان) [الرحمن: ١٤] وقال تعالى (ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حمأ مسنون. والجان خلقناه من قبل من نار السموم) [الحجر: ٢٦ - ٢٧] وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وغير واحد (من مارج من نار) قالوا من طرف اللهب وفي رواية من خالصه وأحسنه … وقد ذكرنا آنفا من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : " خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من نار وخلق آدم مما وصف لكم رواه
стр. 55
مسلم … قال كثير من علماء التفسير خلقت الجن قبل آدم ﵇ وكان قبلهم في الأرض الحن والبن فسلط الله الجن عليهم فقتلوهم وأجلوهم عنها وأبادوهم منها وسكنوها بعدهم. وذكر السدي في تفسيره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل إبليس على ملك الدنيا وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة. وكان إبليس مع ملكه خازنا فوقع في صدره إنما أعطاني الله هذا لمزية لي على الملائكة. وذكر الضحاك عن ابن عباس أن الجن لما أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء بعث الله إليهم إبليس ومعه جند من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم عن الأرض إلى جزائر البحور.
وقال محمد بن إسحاق عن خلاد عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس كان اسم إبليس قبل أن يرتكب المعصية عزازيل. وكان من سكان الأرض ومن أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما وكان من حي يقال لهم الجن … وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عنه كان اسمه عزازيل وكان من أشرف الملائكة من أولي الأجنحة الأربعة … وقد أسند عن حجاج عن ابن جريج قال ابن عباس كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة … وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان سماء الدنيا. وكان له سلطان الأرض … وقال صالح مولى التوأمة عن ابن عباس كان يسوس ما بين السماء والأرض رواه ابن جرير وقال قتادة عن سعيد بن المسيب كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا … وقال الحسن البصري لم يكن من الملائكة طرفة عين وأنه لأصل الجن كما أن آدم أصل البشر … وقال شهر ابن حوشب وغيره كان إبليس من الجن الذين طردوهم الملائكة فأسره بعضهم وذهب به إلى السماء. رواه ابن جرير … قالوا فلما أراد الله خلق آدم ليكون في الأرض هو وذريته من بعده وصور جثته منها جعل إبليس وهو رئيس الجان وأكثرهم عبادة إذ ذاك وكان اسمه عزازيل يطيف به فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك … وقال أما لئن سلطت عليك لأهلكنك ولئن سلطت علي لأعصينك فلما أن نفخ الله في آدم من روحه كما سيأتي وأمر الملائكة بالسجود له دخل إبليس منه حسد عظيم وامتنع من السجود له وقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فخالف الامر واعترض على الرب وأخطأ في قوله وابتعد من رحمة ربه وأنزل من مرتبته التي كان قد نالها بعبادته وكان قد تشبه بالملائكة ولم يكن من جنسهم لأنه مخلوق من نار وهم من نور فخانه طبعه في أحوج ما كان إليه ورجع إلى أصله الناري (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين) [الحجر: ٣٠] وقال تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا) [الكهف: ٥٠].
فأهبط إبليس من الملأ الأعلى وحرم عليه قدر أن يسكنه فنزل إلى الأرض حقيرا ذليلا مذؤما مدحورا متوعدا بالنار هو ومن اتبعه من الجن والإنس إلا أنه مع ذلك جاهد كل الجهد على إضلال
стр. 56
بني آدم بكل طريق وبكل مرصد كما قال (أرأيتك هذا الذي كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا. قال إذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) [الاسراء: ٦٢].
وسنذكر القصة مستفاضة عند ذكر خلق آدم ﵇ … والمقصود أن الجان خلقوا من النار وهم كبني آدم يأكلون ويشربون ويتناسلون … ومنهم المؤمنون ومنهم الكافرون كما أخبر تعالى عنهم في صورة الجن في قوله تعالى (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين … قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم … يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم … ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين) [الأحقاف: ٢٩] وقال تعالى (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا. وانه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا. وانه كان يقول سفيهنا على الله شططا. وأن ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا. وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا. وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا … وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. وانا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا … وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا … وأنا ظننا ان لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا. وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا. وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون. فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا … وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا. وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه. ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا) [الجن: ١] وقد ذكرنا تفسير هذه السورة وتمام القصة في آخر سورة الأحقاف … وذكرنا الأحاديث المتعلقة بذلك هنالك … وأن هؤلاء النفر كانوا من جن (نصيبين) وفي بعض الآثار من جن (بصرى) وأنهم مروا برسول الله ﷺ وهو قائم يصلي بأصحابه ببطن نخلة من أرض مكة فوقفوا فاستمعوا لقراءته. ثم اجتمع بهم النبي ﷺ ليلة كاملة فسألوه عن أشياء أمرهم بها ونهاهم عنها وسألوه الزاد فقال لهم (كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحما وكل روثة علف لدوابكم) ونهى النبي ﷺ أن يستنجي بهما وقال: (إنهما زاد إخوانكم) [أي]: الجن. ونهى عن البول في السرب لأنها مساكن الجن. وقرأ عليهم رسول الله ﷺ سورة الرحمن فما جعل يمر فيها بآية (فبأي آلاء ربكما تكذبان) إلا قالوا ولا بشئ من الآئك ربنا نكذب فلك الحمد. وقد أثنى عليهم
стр. 57
النبي ﷺ في ذلك لما قرأ هذه السورة على الناس فسكتوا. فقال (الجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا ولا بشئ من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد) رواه الترمذي عن جبير وابن جرير والبزار عن ابن عمر.
وقد اختلف في مؤمني الجن هل يدخلون الجنة أو يكون جزاء طائعهم أن لا يعذب بالنار فقط. على قولين الصحيح أنهم يدخلون الجنة لعموم القرآن … ولعموم قوله تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان. فبأي آلاء ربكما تكذبان) [الرحمن: ٦٤] فامتن تعالى عليهم بذلك فلولا أنهم ينالونه لما ذكره وعده عليهم من النعم … وهذا وحده دليل مستقل كافي في المسألة وحده والله أعلم.
وقال البخاري حدثنا قتيبة عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه أن أبا سعيد الخدري قال له: (إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة) … قال أبو سعيد سمعته من رسول الله ﷺ … انفرد به البخاري دون مسلم.
وأما كافرو الجن فمنهم الشياطين ومقدمهم الأكبر إبليس عدو آدم أبي البشر وقد سلطه هو وذريته على آدم وذريته. وتكفل الله بعصمة من آمن به وصدق رسله واتبع شرعه منهم. كما قال (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) [الاسراء: ٦٥] وقال تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين. وما كان عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شئ حفيظ) [سبأ: ٢٠] وقال تعالى (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) [الأعراف: ٢٧]
وقال: (وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين قال يا إبليس مالك أن لا تكون من الساجدين قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون قال فأخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين. قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم. قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم. ان عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين. وإن جهنم لموعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) [الحجر: ٢١].
стр. 58
وقد ذكر تعالى هذه القصة في سورة البقرة وفي الأعراف وههنا وفي سورة سبحان وفي سورة طه وفي سورة ص … وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه في كتابنا التفسير ولله الحمد … وسنوردها في قصة آدم إن شاء الله … والمقصود أن إبليس أنظره الله إلى يوم القيامة محنة لعباده واختبارا منه لهم كما قال تعالى (وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. وربك على كل شئ حفيظ) … وقال تعالى (وقال الشيطان لما قضي الامر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم … وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها باذن ربهم تحيتهم فيها سلام) [إبراهيم: ٢٨].
فإبليس لعنه الله حي الآن منظر إلى يوم القيامة بنص القرآن … وله عرش على وجه البحر وهو جالس عليه ويبعث سراياه يلقون بين الناس الشر والفتن … وقد قال الله تعالى (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) [النساء: ٧٦] وكان اسمه قبل معصيته العظيمة عزازيل … قال النقاش وكنيته (أبو كردوس) ولهذا لما قال النبي ﷺ لابن صياد ما ترى قال أرى عرشا على الماء. فقال له النبي ﷺ : " أخسأ فلن تعدو قدرك " فعرف أن مادة مكاشفته التي كاشفه بها شيطانية مستمدة من إبليس الذي هو يشاهد عرشه على البحر … ولهذا قال له أخسأ فلن تعدو قدرك أي لن تجاوز قيمتك الدنية الخسيسة الحقيرة.
والدليل على أن عرش إبليس على البحر الذي رواه الإمام أحمد حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان حدثني معاذ التميمي (١) عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : " عرش إبليس في البحر يبعث سراياه في كل يوم يفتنون الناس فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة للناس " ورواه (٢).
وقال أحمد حدثنا روح حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول (عرش إبليس على البحر يبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة) تفرد به من هذا الوجه.
وقال أحمد حدثنا مؤمل حدثنا حماد حدثنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ لابن صائد: " ما ترى " قال أرى عرشا على الماء أو قال على البحر حوله
стр. 59
حيات "، قال ﷺ : " ذاك عرش إبليس " … هكذا رواه في مسند جابر.
وقال في مسند أبي سعيد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال لابن صائد: " ما ترى قال: أرى عرشا على البحر حوله الحيات "، فقال. رسول الله ﷺ : " صدق; ذاك عرش إبليس ".
وروى الإمام أحمد من طريق معاذ التميمي وأبي الزبير (١) عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش (٢) بينهم " … وروى الإمام مسلم من حديث الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر عن النبي ﷺ قال " إن الشيطان يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة. يجئ أحدهم فيقول ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس لا والله ما صنعت شيئا. ويجئ أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله. قال فيقربه ويدنيه ويقول نعم أنت " يروى بفتح النون بمعنى نعم أنت ذاك الذي تستحق الاكرام. وبكسرها أي نعم منك … وقد استدل به بعض النحاة على جواز كون فاعل نعم مضمرا وهو قليل … واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج الأول ورجحه ووجهه بما ذكرناه والله أعلم.
وقد أوردنا هذا الحديث عند قوله تعالى (ما يفرقون به بين المرء وزوجه) (٣) يعني أن السحر المتلقي عن الشياطين من الإنس والجن يتوصل به إلى التفرقة بين المتآلفين غاية التآلف المتوادين المتحابين ولهذا يشكر إبليس سعى من كان السبب في ذلك. فالذي ذمه الله يمدحه والذي يغضب الله يرضيه عليه لعنة الله … وقد أنزل الله سورتي المعوذتين مطردة لأنواع الشر وأسبابه وغاياته. ولا سيما سورة (قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس) (٤). وثبت في الصحيحين عن أنس. وفي صحيح البخاري عن صفية بنت حسين (٥) أن رسول الله ﷺ قال: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " (٦).
стр. 60
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا محمد بن جبير حدثنا عدي بن أبي عمارة حدثنا زياد النميري عن أنس قال قال رسول الله ﷺ " إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإن ذكر الله خنس وإن نسي التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس " … ولما كان ذكر الله مطردة للشيطان عن القلب كان فيه تذكار للناس كما قال تعالى (واذكر ربك إذا نسيت) (١) " وقال صاحب موسى (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) (٢) وقال تعالى (فأنساه الشيطان ذكر ربه) (٣) يعني الساقي لما قال له يوسف اذكرني عند ربك نسي الساقي أن يذكره لربه يعني مولاه الملك. وكان هذا النسيان من الشيطان (فلبث يوسف في السجن بضع سنين) (٤) ولهذا قال بعده (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة) (٥) أي مدة … وقرئ بعد أمة أي نسيان. وهذا الذي قلنا من أن الناسي هو الساقي هو الصواب من القولين كما قررناه في التفسير والله أعلم.
وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عاصم سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف رسول الله ﷺ قال عثر بالنبي ﷺ حماره فقلت نفس الشيطان فقال النبي ﷺ : " لا تقل نفس الشيطان فإنك إذا قلت نفس الشيطان تعاظم وقال بقوتي صرعته وإذا قلت بسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب " … تفرد به أحمد وهو إسناد جيد … وقال أحمد حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا الضحاك ابن عثمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أحدكم إذا كان في المسجد جاء الشيطان فأيس به كما يئس الرجل بدابته فإذا سكن له زنقه أو ألجمه (٦) … قال أبو هريرة وأنتم ترون ذلك. أما المزنوق فتراه مائلا كذا لا يذكر إلا الله … وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله تفرد به أحمد … وقال الإمام أحمد حدثنا ابن نمير حدثنا ثور يعني ابن يزيد عن مكحول عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " العين حق ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم " … وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن ذر بن عبد الله الهمداني عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أحدث نفسي بالشئ - لان أخر من
стр. 61
السماء أحب إلي من أن أتكلم به. فقال النبي ﷺ : " الله أكبر الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة " … ورواه أبو داود والنسائي من حديث منصور زاد النسائي والأعمش كلاهما عن أبي ذر به.
وقال البخاري حدثنا يحي بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني عروة قال قال أبو هريرة قال رسول الله ﷺ : " يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته " (١) … وهكذا رواه مسلم من حديث الليث ومن حديث الزهري وهشام بن عروة كلاهما عن عروة به … وقد قال الله تعالى (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) (٢) وقال تعالى (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون) (٣) وقال تعالى (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله انه سميع عليم) (٤) وقال تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (٥). وروى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد قال كان رسول الله ﷺ يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه. وجاء مثله من رواية جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود وأبي أسامة الباهلي (٦). وتفسيره في الحديث (فهمزه الموتة وهو الخنق الذي هو الصرع. ونفخه الكبر. ونفثه الشعر) وثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال " أعوذ بالله من الخبت والخبائث " قال كثير من العلماء استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم (٧) … وروى الإمام أحمد عن شريح عن عيسى بن يونس عن ثور عن الحسين عن ابن سعد الخير وكان من أصحاب عمر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ﷺ : " ومن أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا فليستدبره فان الشيطان
стр. 62
يلعب بمقاعد بني آدم من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " … ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث ثور بن يزيد به. وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن عدي بن ثابت قال قال سليمان بن صرد استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس فأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال النبي ﷺ : " إني لاعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد. لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ". فقالوا للرجل ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ فقال إني لست بمجنون. ورواه أيضا مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن الأعمش.
وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن عبيد حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع. عن ابن عمر أن رسول ﷺ قال: " لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشمال فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله " … وهذا على شرط الصحيحين بهذا الاسناد وهو في الصحيح من غير هذا الوجه.
وروى الإمام أحمد من حديث إسماعيل بن أبي حكيم عن عروة عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من أكل بشماله أكل معه الشيطان ومن شرب بشماله شرب معه الشيطان " … وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر أنبأنا شعبة عن أبي زياد الطحان سمعت أبا هريرة يقول عن النبي ﷺ أنه رأى رجلا يشرب قائما فقال له: " قه " قال: لم. قال: " أيسرك أن يشرب معك الهر ". قال: لا. قال: " فإنه قد شرب معك من هو شر منه الشيطان " تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال أيضا: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن رجل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لو يعلم الذي يشرب وهو قائم ما في بطنه لاستقاء " قال: وحدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثل حديث الزهري … وقال الامام حدثنا موسى حدثنا ابن لهيعة عن ابن الزبير أنه سأل جابرا سمعت النبي ﷺ قال: " إذا دخل الرجل بيته فذكر اسم الله حين يدخل وحين يطعم قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء ههنا. وان دخل ولم يذكر اسم الله عند دخوله قال أدركتم المبيت. وان لم يذكر اسم الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء "؟ قال نعم … وقال البخاري حدثنا محمد حدثنا عبدة حدثنا محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى يبرز وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى يغيب ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني الشيطان " (١) أو (الشياطين) لا أدري أي ذلك قال هشام … ورواه مسلم والنسائي من حديث هشام به … وقال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال رأيت رسول الله ﷺ يشير إلى
стр. 63
المشرق فقال " ها إن الفتنة ههنا إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان " … هكذا رواه البخاري منفردا به من هذا الوجه … وفي السنن أن رسول الله ﷺ : " نهى أن يجلس بين الشمس والظل. وقال إنه مجلس الشيطان ". وقد ذكروا في هذا معاني. من أحسنها أنه لما كان الجلوس في مثل هذا الموضع فيه تشويه بالخلقة فيما يرى كان يحبه الشيطان لان خلقته في نفسه مشوه وهذا مستقر في الأذهان. ولهذا قال تعالى: (طلعها كأنه رؤس الشياطين) (١) الصحيح أنهم الشياطين لا ضرب من الحيات كما زعمه من زعمه من المفسرين والله أعلم … فان النفوس مغروز فيها قبح الشياطين وحسن خلق الملائكة وإن لم يشاؤا. ولهذا قال تعالى (طلعها كأنه رؤس الشياطين) وقال النسوة لما شاهدن جمال يوسف (حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم) (٢). وقال البخاري حدثنا يحيى بن جعفر حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا ابن جريج أخبرني عطاء عن جابر عن النبي ﷺ قال: (إذا استجنح) أو (كان جنح الليل) فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من العشاء فحلوهم وأغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وأوك (٣) سقاءك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله ولو تعرض عليه شيئا ".
ورواه أحمد عن يحيى عن ابن جريج وعنده فإن الشيطان لا يفتح مغلقا. وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن قط (٤) عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله ﷺ : " أغلقوا أبوابكم وخمروا آنيتكم وأوكوا أسقيتكم وأطفؤا سرجكم فان الشيطان لا يفتح بابا مغلقا ولا يكشف غطاء ولا يحل وكاء وإن الفويسقة تضرم البيت على أهله يعني الفأرة. وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : " لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه ". وحدثنا الأعمش عن سالم عن كريب عن ابن عباس مثله.
ورواه أيضا عن موسى بن إسماعيل عن همام عن منصور عن سالم عن كريب عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (أما لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فرزقا ولدا لم يضره الشيطان " … وقال البخاري حدثنا إسماعيل حدثنا أخي عن سليمان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد. يضرب على كل عقدة مكانها " عليك ليل طويل فارقد " فان استيقظ فذكر الله انحلت عقدة. فإن توضأ انحلت عقدة. فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان " هكذا رواه منفردا به من
стр. 64
هذا الوجه. وقال البخاري حدثنا إبراهيم عن حمزة حدثني ابن أبي حازم عن يزيد يعني ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فاستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه) ورواه مسلم عن بشر بن الحكم عن الدراوردي. والنسائي عن محمد بن زنبور عن عبد العزيز بن أبي حازم كلاهما عن يزيد بن الهادي به. وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال " ذكر عند النبي ﷺ رجل نام ليله ثم أصبح قال ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه " أو قال (في أذنه).
ورواه مسلم عن عثمان وإسحاق كلاهما عن جرير به. وأخرجه البخاري أيضا والنسائي وابن ماجة من حديث منصور بن المعتمر به. وقال البخاري حدثنا محمد بن يوسف أنبأنا الأوزاعي عن يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ " إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط فإذا قضى أقبل فإذا ثوب بها أدبر فإذا قضى أقبل حتى يخطر بين الانسان وقلبه. فيقول أذكر كذا وكذا حتى لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا فإذا لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا سجد سجدتي السهو " هكذا رواه منفردا به من هذا الوجه. وقال أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا جعفر يعني الأحمر عن عطاء بن السائب عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ " راصوا الصفوف فإن الشيطان يقوم في الخلل " (١) وقال أحمد حدثنا أبان حدثنا قتادة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يقول: " راصوا الصفوف وقاربوا بينها وحاذوا بين الأعناق فوالذي نفس محمد بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنه الحذف " (٢) … وقال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا يونس عن حميد بن هلال عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ " إذا مر بين يدي أحدكم شئ فليمنعه فإن أبى فليمنعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان " ورواه أيضا مسلم وأبو داود من حديث سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال به … وقال الإمام أحمد حدثنا أبو أحمد حدثنا بشير بن معبد حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي فذهبت أمر بين يديه فردني … ثم قال حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه يقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال " لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين الابهام والتي تليها ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد بتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل … وروى أبو داود منه فمن استطاع إلى آخره عن أحمد بن أبي سريج عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن محمد بن الزبير به. وقال البخاري حدثنا محمود حدثنا شبابة حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ " أنه صلى صلاة فقال إن الشيطان عرض لي فسد علي لقطع الصلاة علي فأمكنني الله منه " فذكر الحديث … وقد رواه
стр. 65
مسلم والنسائي من حديث شعبة به مطولا.
ولفظ البخاري عند تفسير قوله تعالى أخبارا عن سليمان ﵇ أنه قال (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب) (١) من حديث روح وغندر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إن عفريتا (٢) من الجن تفلت علي البارحة " أو كلمة نحوها (٣) ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب) قال روح فرده خاسئا … وروى مسلم من حديث أبي إدريس عن أبي الدرداء قال قام رسول الله ﷺ يصلي فسمعناه يقول: " أعوذ بالله منك " ثم قال: " ألعنك بلعنة الله ثلاثا " وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك فقال: " إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجمله (٤) في وجهي فقلت: " أعوذ بالله منك ". ثلاث مرات. ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة ". وقال تعالى (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) (٥) يعني الشيطان وقال تعالى (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير) فالشيطان لا يألو الانسان خبالا جهده وطاقته في جميع أحواله وحركاته وسكناته كما صنف الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتابا في ذلك سماه (مصائد الشيطان). وفيه فوائد جمة.
وفي سنن أبي داود إن رسول الله ﷺ : كان يقول في دعائه. وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت. وروينا في بعض الأخبار أنه قال (يا رب وعزك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني) وقال الله تعالى (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم) (٦) فوعد الله هو الحق المصدق ووعد الشيطان هو الباطل. وقد روى الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم في تفسيره من حديث عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " إن للشيطان للمة بابن آدم وللملك لمة. فأما لمة الشيطان
стр. 66
فايعاد بالشر وتكذيب بالحق. وأما لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله. ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان " (١) ثم قرأ (والشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم).
وقد ذكرنا في فضل سورة البقرة أن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه. وذكرنا في فضل آية الكرسي أن من قرأها في ليلة لا يقربه الشيطان حتى يصبح. وقال البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا ملك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك " (٢). وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث ملك. وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال البخاري أنبأنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : " كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب ". تفرد به من هذا الوجه. وقال البخاري حدثنا عاصم بن علي حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال " التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا قال (ها) ضحك الشيطان ". ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه النسائي من حديث ابن أبي ذئب به … وفي لفظ " إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع فان الشيطان يدخل ".
وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يحب العطاس ويبغض أو يكره التثاؤب فإذا قال أحدكم هاها فإنما ذلك الشيطان يضحك من جوفه. ورواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عجلان به.
وقال البخاري حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص عن أشعث عن أبيه عن مسروق قال: قالت عائشة سألت النبي ﷺ : عن التفات الرجل في الصلاة فقال: " هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم ". وكذا رواه أبو داود والنسائي من رواية أشعث بن أبي الشعثاء سليم بن أسود المحاربي عن أبيه عن مسروق به.
وروى البخاري من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير حدثني عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره ". وقال الإمام أحمد حدثنا
стр. 67
عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزع في يده فيقع في حفرة من النار ". أخرجاه من حديث عبد الرزاق. وقال الله تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين واعتدنا لهم عذاب السعير) (١) وقال (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد. لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب. إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب) (٢) وقال تعالى (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين. وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين) (٣) وقال تعالى (وما تنزلت به الشياطين. وما ينبغي لهم وما يستطيعون انهم عن السمع لمعزولون) (٤) وقال تعالى إخبارا عن الجان (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا) (٥).
وقال البخاري: وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن أبا الأسود أخبره عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: الملائكة تحدث في العنان (والعنان الغمام) بالامر يكون في الأرض فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة فيزيدون معها مائة كلمة. هكذا رواه في صفة إبليس معلقا عن الليث به. ورواه في صفة الملائكة عن سعيد بن أبي مريم عن الليث عن عبيد الله بن أبي جعفر عن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود عن عروة عن عائشة بنحوه … تفرد بهذين الطريقين دون مسلم … وروى البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث الزهري عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: " قالت عائشة سأل ناس النبي ﷺ : عن الكهان فقال " انهم ليسوا بشئ " … فقالوا يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحيانا بشئ فيكون حقا فقال ﷺ : " تلك الكلمة من الحق (٦) يخطفها (٧) من الجني فيقرقرها (٨) في أذن وليه كقرقرة الدجاجة فيخلطون معها مائة كذبة … هذا لفظ البخاري.
стр. 68
و قال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال سمعت عكرمة يقول سمعت أبا هريرة يقول إن نبي الله ﷺ قال: " إذا قضى الله الامر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان. فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترق السمع. ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض. ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه. فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن. فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا. فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء انفرد به البخاري … وروى مسلم من حديث الزهري عن علي بن الحسين زين العابدين عن ابن عباس عن رجال من الأنصار عن النبي ﷺ نحو هذا. وقال تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين. وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) (١) وقال تعالى (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم) (٢) الآية وقال تعالى (وقال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد. قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد. ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) (٣) وقال تعالى (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) (٤).
وقد قدمنا في صفة الملائكة ما رواه أحمد ومسلم من طريق منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه واسمه رافع عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير.
وقال الإمام أحمد حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه واسمه حصين بن جندب وهو أبو ظبيان الجنبي عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : " ليس منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الشياطين قالوا وأنت يا رسول الله قال نعم ولكن الله أعانني عليه
стр. 69
فأسلم (١) … تفرد به أحمد وهو على شرط الصحيح. وقال الإمام أحمد حدثنا هارون حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني أبو صخر عن يزيد بن قسيط حدثه أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة زوج النبي ﷺ حدثته أن رسول الله ﷺ : " خرج من عندها ليلا قالت فغرت عليه قالت فجاء فرأى ما أصنع فقال: " مالك يا عائشة أغرت " قالت: فقلت ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك. فقال رسول الله ﷺ " أفأخذك شيطانك " قالت: يا رسول الله أو معي شيطان. قال: " نعم ". قلت ومع كل إنسان. قال: " نعم " قلت ومعك يا رسول الله؟ قال: " نعم ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم " … وهكذا رواه مسلم عن هارون وهو ابن سعيد الأيلي بإسناده نحوه.
وقال الإمام أحمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال " إن المؤمن لينصي شيطانه كما ينصي أحدكم بعيره في السفر " تفرد به أحمد من هذا الوجه ومعنى لينصي شيطانه ليأخذ بناصيته فيغلبه ويقهره كما يفعل بالبعير إذا شرد ثم غلبه ". وقوله تعالى إخبارا عن إبليس (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) (٢).
قال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل هو عبد الله بن عقيل الثقفي حدثنا موسى بن المسيب عن سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي فاكه قال سمعت رسول الله ﷺ قال: " إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة فقعد له بطريق الاسلام فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك. قال فعصاه وأسلم قال وقعد له بطريق الهجرة فقال أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول فعصاه وهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهد النفس والمال فقال أتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال قال فعصاه وجاهد " قال رسول الله ﷺ " فمن فعل ذلك منهم كان حقا على الله أن يدخله الجنة. وان قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة وان كان غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة وان وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة. وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري حدثني جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم سمعت عبد الله بن عمر يقول لم يكن رسول الله ﷺ يدع هذه الدعوات حين يصبح وحين يمسي " اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي
стр. 70
وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي " قال وكيع يعني الخسف ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به (١). وقال الحاكم صحيح الاسناد.
باب خلق آدم ﵇ (٢)
قال الله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. قال إني أعلم ما لا تعلمون. وعلم آدم الأسماء كلها. ثم عرضهم على الملائكة. فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون. وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس. أبى واستكبر وكان من الكافرين. وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة. وكلا منها رغدا حيث شئتما. ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه. وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو. ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. فتلقى آدم من ربه كلمات. فتاب عليه انه هو التواب الرحيم. قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكم مني هدى. فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (٣) وقال تعالى (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) (٤) وقال تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء
стр. 71
واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيبا) [النساء: ١] كما قال (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. أن أكرمكم عند الله أتقاكم ان الله عليم خبير) [الحجرات: ١٣]. وقال تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) [الأعراف: ١٨٩] الآية وقال تعالى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين. قال ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. قال فاهبط منها. فما يكون لك أن تتكبر فيها فأخرج انك من الصاغرين. قال انظرني إلى يوم يبعثون. قال إنك من المنظرين. قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين. قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين. ويا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين. فدلاهما بغرور. فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخسفان عليهما من ورق الجنة. وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين. قالا ربنا ظلمنا أنفسنا. وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون) [الأعراف: ١١]. كما قال في الآية الأخرى (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) [طه: ٥٥]. وقال تعالى (ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حمأ مسنون. والجان خلقناه من قبل من نار السموم. وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. الا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين. قال يا إبليس مالك أن لا تكون مع الساجدين. قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون. قال فأخرج منها فإنك رجيم. وان عليك اللعنة إلى يوم الدين. قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين. الا عبادك منهم المخلصين … قال هذا صراط علي مستقيم. ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين. وان جهنم لموعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) [الحجر: ٢٦] وقال تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس. قال أأسجد لمن خلقت طينا. قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا. قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا. واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم
стр. 72
الشيطان الا غرورا. ان عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) [الكهف: ٥٠] وقال تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه. أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا) [الاسراء: ٦١]. وقال تعالى (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما. وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى. فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى. ان لك ان لا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. فوسوس إليه الشيطان. قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى. فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة. وعصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى. قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو. فأما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) [طه: ١١٥]. وقال تعالى (قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون. ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي الا أنما أنا نذير مبين. إذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين. قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين. قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. قال فأخرج منها فإنك رجيم. وان عليك لعنتي إلى يوم الدين. قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين. قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين. قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين. ان هو الا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين) [ص: ٦٨].
فهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن … وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير * ولنذكر ههنا مضمون ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات وما يتعلق بها من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله ﷺ … والله المستعان.
فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلا لهم (اني جاعل في الأرض خليفة) (١) أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضا كما قال (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) [الانعام: ١٦٥] فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته كما يخبر بالامر العظيم قبل كونه فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة لا على
стр. 73
وجه الاعتراض والتنقص لبني آدم والحسد لهم كما قد يتوهمه بعض جهلة المفسرين (١) … قالوا
(أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) (٢) قيل علموا ان ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم
من الجن والبن قاله قتادة.
وقال عبد الله بن عمر كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا الدماء فبعث الله إليهم جندا من الملائكة فطردوهم إلى جزائر البحور … وعن ابن عباس نحوه. وعن الحسن ألهموا ذلك * وقيل لما اطلعوا عليه من اللوح المحفوظ فقيل أطلعهم عليه هاروت وماروت عن ملك فوقهما يقال له الشجل. رواه بن أبي حاتم عن أبي جعفر الباقر … وقيل لأنهم علموا أن الأرض لا يخلق منها إلا من يكون بهذه المثابة غالبا (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) (٣) أي نعبدك دائما لا يعصيك منا أحد … فإن كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدوك فها نحن لا نفتر ليلا ولا نهارا (قال إني اعلم ما لا تعلمون) (٤) أي أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون أي سيوجد منهم الأنبياء والمرسلون والصديقون والشهداء ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال (وعلم آدم الأسماء كلها) (٥) … قال ابن عباس هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وجمل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها … وفي رواية علمه اسم الصحفة والقدر حتى الفسوة والفسية … وقال مجاهد علمه اسم كل دابة وكل طير وكل شئ.
стр. 74
وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وغير واحد … وقال الربيع علمه أسماء الملائكة، وقال عبد الرحمن بن زيد علمه أسماء ذريته والصحيح أنه علمه أسماء الذوات وأفعالها مكبرها ومصغرها كما أشار إليه ابن عباس ﵄ … وذكر البخاري هنا ما رواه هو ومسلم من طريق سعيد وهشام عن قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: " يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شئ " وذكر تمام الحديث … (ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) قال الحسن البصري: " لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة لا يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه فابتلوا بهذا " وذلك قوله (ان كنتم صادقين) وقيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير قالوا (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم) أي سبحانك أن يحيط أحد بشئ من علمك من غير تعليمك كما قال (ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء) (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم اني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) أي أعلم السر كما أعلم العلانية … وقيل إن المراد بقوله واعلم ما تبدون ما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها وبقوله وما كنتم تكتمون المراد بهذا الكلام إبليس حين أسر الكبر والتخيرة على آدم ﵇ قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري واختاره ابن جرير … وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة (وما كنتم تكتمون) قولهم لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه … قوله (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر) (١) هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقه بيده ونفخ فيه من روحه كما قال (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) (٢) فهذه أربع تشريفات: خلقه له بيده الكريمة، ونفخه فيه من روحه، وأمره الملائكة بالسجود له، وتعليمه أسماء الأشياء ولهذا قال له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملأ الأعلى وتناظرا كما سيأتي (أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شئ. وهكذا يقول أهل المحشر يوم القيامة كما تقدم وكما سيأتي إن شاء الله تعالى وقال في الآية الأخرى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك ان لا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) (٣) قال
стр. 75
الحسن البصري قاس إبليس وهو أول من قاس … وقال محمد بن سيرين أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس ولا القمر إلا بالمقاييس … رواهما ابن جرير ومعنى هذا أنه نظر نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم فرأى نفسه أشرف من آدم فامتنع من السجود له مع وجود الامر له ولسائر الملائكة بالسجود. والقياس إذا كان مقابلا بالنص كان فاسد الاعتبار … ثم هو فاسد في نفسه فإن الطين أنفع وخير من النار فإن الطين فيه الرزانة والحلم والأناة والنمو، والنار فيها الطيش والخفة والسرعة والاحراق (١) … ثم آدم شرفه الله بخلقه له بيده ونفخه فيه من روحه … ولهذا أمر الملائكة بالسجود له … كما قال (إذ قال ربك للملائكة أني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون … فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين … فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين … قال يا إبليس مالك أن لا تكون مع الساجدين … قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون … قال فأخرج منها فإنك رجيم … وان عليك اللعنة إلى يوم الدين) (٢) استحق هذا من الله تعالى لأنه استلزم تنقصه لآدم وازدراؤه به وترفعه عليه مخالفة الامر الآلهي، ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين وشرع في الاعتذار بما لا يجدي عنه شيئا - وكان اعتذاره أشد من ذنبه كما قال تعالى في سورة سبحان (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا … قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته الا قليلا … قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا * واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا … إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) (٣) وقال في سورة الكهف (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) (٤) أي خرج عن طاعة الله عمدا وعنادا واستكبارا عن امتثال أمره وما ذاك إلا لأنه خانه طبعه ومادته الخبيثة أحوج ما كان إليها فإنه مخلوق من نار كما قال وكما قدرنا في صحيح مسلم عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال: " خلق الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم.