واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيبا) [النساء: ١] كما قال (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. أن أكرمكم عند الله أتقاكم ان الله عليم خبير) [الحجرات: ١٣]. وقال تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) [الأعراف: ١٨٩] الآية وقال تعالى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين. قال ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. قال فاهبط منها. فما يكون لك أن تتكبر فيها فأخرج انك من الصاغرين. قال انظرني إلى يوم يبعثون. قال إنك من المنظرين. قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين. قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين. ويا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين. فدلاهما بغرور. فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخسفان عليهما من ورق الجنة. وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين. قالا ربنا ظلمنا أنفسنا. وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون) [الأعراف: ١١]. كما قال في الآية الأخرى (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) [طه: ٥٥]. وقال تعالى (ولقد خلقنا الانسان من صلصال من حمأ مسنون. والجان خلقناه من قبل من نار السموم. وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. الا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين. قال يا إبليس مالك أن لا تكون مع الساجدين. قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون. قال فأخرج منها فإنك رجيم. وان عليك اللعنة إلى يوم الدين. قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين. الا عبادك منهم المخلصين … قال هذا صراط علي مستقيم. ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين. وان جهنم لموعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم) [الحجر: ٢٦] وقال تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس. قال أأسجد لمن خلقت طينا. قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا. قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا. واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم
стр. 72
الشيطان الا غرورا. ان عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) [الكهف: ٥٠] وقال تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه. أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا) [الاسراء: ٦١]. وقال تعالى (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما. وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى. فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى. ان لك ان لا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. فوسوس إليه الشيطان. قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى. فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة. وعصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى. قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو. فأما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) [طه: ١١٥]. وقال تعالى (قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون. ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي الا أنما أنا نذير مبين. إذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين. قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين. قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. قال فأخرج منها فإنك رجيم. وان عليك لعنتي إلى يوم الدين. قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين. قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين. قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين. ان هو الا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين) [ص: ٦٨].
فهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن … وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير * ولنذكر ههنا مضمون ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات وما يتعلق بها من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله ﷺ … والله المستعان.
فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلا لهم (اني جاعل في الأرض خليفة) (١) أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضا كما قال (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) [الانعام: ١٦٥] فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته كما يخبر بالامر العظيم قبل كونه فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة لا على
стр. 73
وجه الاعتراض والتنقص لبني آدم والحسد لهم كما قد يتوهمه بعض جهلة المفسرين (١) … قالوا
(أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) (٢) قيل علموا ان ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم
من الجن والبن قاله قتادة.
وقال عبد الله بن عمر كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا الدماء فبعث الله إليهم جندا من الملائكة فطردوهم إلى جزائر البحور … وعن ابن عباس نحوه. وعن الحسن ألهموا ذلك * وقيل لما اطلعوا عليه من اللوح المحفوظ فقيل أطلعهم عليه هاروت وماروت عن ملك فوقهما يقال له الشجل. رواه بن أبي حاتم عن أبي جعفر الباقر … وقيل لأنهم علموا أن الأرض لا يخلق منها إلا من يكون بهذه المثابة غالبا (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) (٣) أي نعبدك دائما لا يعصيك منا أحد … فإن كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدوك فها نحن لا نفتر ليلا ولا نهارا (قال إني اعلم ما لا تعلمون) (٤) أي أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون أي سيوجد منهم الأنبياء والمرسلون والصديقون والشهداء ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال (وعلم آدم الأسماء كلها) (٥) … قال ابن عباس هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وجمل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها … وفي رواية علمه اسم الصحفة والقدر حتى الفسوة والفسية … وقال مجاهد علمه اسم كل دابة وكل طير وكل شئ.
стр. 74
وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وغير واحد … وقال الربيع علمه أسماء الملائكة، وقال عبد الرحمن بن زيد علمه أسماء ذريته والصحيح أنه علمه أسماء الذوات وأفعالها مكبرها ومصغرها كما أشار إليه ابن عباس ﵄ … وذكر البخاري هنا ما رواه هو ومسلم من طريق سعيد وهشام عن قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: " يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شئ " وذكر تمام الحديث … (ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) قال الحسن البصري: " لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة لا يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه فابتلوا بهذا " وذلك قوله (ان كنتم صادقين) وقيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير قالوا (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم) أي سبحانك أن يحيط أحد بشئ من علمك من غير تعليمك كما قال (ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء) (قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم اني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) أي أعلم السر كما أعلم العلانية … وقيل إن المراد بقوله واعلم ما تبدون ما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها وبقوله وما كنتم تكتمون المراد بهذا الكلام إبليس حين أسر الكبر والتخيرة على آدم ﵇ قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري واختاره ابن جرير … وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة (وما كنتم تكتمون) قولهم لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه … قوله (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر) (١) هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقه بيده ونفخ فيه من روحه كما قال (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) (٢) فهذه أربع تشريفات: خلقه له بيده الكريمة، ونفخه فيه من روحه، وأمره الملائكة بالسجود له، وتعليمه أسماء الأشياء ولهذا قال له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملأ الأعلى وتناظرا كما سيأتي (أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شئ. وهكذا يقول أهل المحشر يوم القيامة كما تقدم وكما سيأتي إن شاء الله تعالى وقال في الآية الأخرى (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين * قال ما منعك ان لا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) (٣) قال
стр. 75
الحسن البصري قاس إبليس وهو أول من قاس … وقال محمد بن سيرين أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس ولا القمر إلا بالمقاييس … رواهما ابن جرير ومعنى هذا أنه نظر نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم فرأى نفسه أشرف من آدم فامتنع من السجود له مع وجود الامر له ولسائر الملائكة بالسجود. والقياس إذا كان مقابلا بالنص كان فاسد الاعتبار … ثم هو فاسد في نفسه فإن الطين أنفع وخير من النار فإن الطين فيه الرزانة والحلم والأناة والنمو، والنار فيها الطيش والخفة والسرعة والاحراق (١) … ثم آدم شرفه الله بخلقه له بيده ونفخه فيه من روحه … ولهذا أمر الملائكة بالسجود له … كما قال (إذ قال ربك للملائكة أني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون … فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين … فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين … قال يا إبليس مالك أن لا تكون مع الساجدين … قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون … قال فأخرج منها فإنك رجيم … وان عليك اللعنة إلى يوم الدين) (٢) استحق هذا من الله تعالى لأنه استلزم تنقصه لآدم وازدراؤه به وترفعه عليه مخالفة الامر الآلهي، ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين وشرع في الاعتذار بما لا يجدي عنه شيئا - وكان اعتذاره أشد من ذنبه كما قال تعالى في سورة سبحان (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا … قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته الا قليلا … قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا * واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا … إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) (٣) وقال في سورة الكهف (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) (٤) أي خرج عن طاعة الله عمدا وعنادا واستكبارا عن امتثال أمره وما ذاك إلا لأنه خانه طبعه ومادته الخبيثة أحوج ما كان إليها فإنه مخلوق من نار كما قال وكما قدرنا في صحيح مسلم عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال: " خلق الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم.
стр. 76
قال الحسن البصري. لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط. وقال شهر بن حوشب. كان من الجن فلما أفسدوا في الأرض بعث الله إليهم جندا من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم إلى جزائر البحار وكان إبليس ممن أسر فأخذوه معهم إلى السماء فكان هناك (١). فلما أمرت الملائكة بالسجود امتنع إبليس منه. وقال ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة وسعيد بن المسيب وآخرون: كان إبليس رئيس الملائكة بالسماء الدنيا. قال ابن عباس وكان اسمه عزازيل (٢). وفي رواية عن الحارث قال النقاش وكنيته (أبو كردوس) قال ابن عباس: وكان من حي من الملائكة يقال لهم الجن وكانوا خزان الجنان وكان من أشرفهم وأكثرهم علما وعبادة وكان من أولي الأجنحة الأربعة فمسخه الله شيطانا رجيما. وقال في سورة ص - (إذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين. قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين. قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فأخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم. قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لأملئن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) (٣) وقال في سورة الأعراف (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) (٤) أي بسبب اغوائك إياي لأقعدن لهم كل مرصد ولآتينهم من كل جهة منهم فالسعيد من خالفه والشقي من اتبعه.
وقال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل (هو عبد الله بن عقيل الثقفي) حدثنا موسى بن المسيب عن سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي الفاكه قال سمعت رسول الله ﷺ : قال: " ان الشيطان يقعد لابن آدم بأطراقه " وذكر الحديث كما قدمناه في صفة إبليس.
وقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم. أهم جميع الملائكة كما دل عليه عموم الآيات وهو قول الجمهور. أو المراد بهم ملائكة الأرض. كما رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس. وفيه انقطاع. وفي السياق نكارة وان كان بعض المتأخرين قد رجحه
стр. 77
ولكن الأظهر من السياقات الأول ويدل عليه الحديث وأسجد له ملائكته وهذا عموم أيضا والله أعلم (١). وقوله تعالى لإبليس (اهبط منها) و (اخرج منها) دليل على أنه كان في السماء فأمر بالهبوط منها والخروج من المنزلة والمكانة التي كان قد نالها بعبادته وتشبهه بالملائكة في الطاعة والعبادة ثم سلب ذلك بكبره وحسده ومخالفته لربه فأهبط إلى الأرض مذؤما مدحورا. وأمر الله آدم ﵇ أن يسكن هو وزوجته الجنة فقال (وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) (٢). وقال في الأعراف (قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملئن جهنم منكم أجمعين. ويا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) (٣) وقال تعالى (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يا آدم ان هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى. ان لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) (٤) وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم الجنة لقوله (ويا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة) وهذا قد صرح به إسحاق ابن بشار وهو ظاهر هذه الآيات.
ولكن حكى السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا اخرج إبليس من الجنة واسكن آدم الجنة فكان يمشي فيها وحشي ليس له فيها زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة. خلقها الله من ضلعه. فسألها من أنت قالت: امرأة. قال: ولما خلقت؟ قالت: لتسكن إلي فقالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه (ما اسمها يا آدم) قال: حواء قالوا: ولم كانت حواء؟ قال لأنها خلقت من شئ حي. وذكر محمد بن إسحاق عن ابن عباس أنها خلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم ولام مكانه لحما ومصداق هذا في قوله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) (٥) الآية وفي قوله تعالى (هو الذي خلقكم من
стр. 78
نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به) (١) الآية وسنتكلم عليها فيما بعد أن شاء الله تعالى.
وفي الصحيحين من حديث زائدة عن ميسرة الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " استوصوا بالنساء خيرا - فان المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شئ في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا " لفظ البخاري.
وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى (ولا تقربا هذه الشجرة) فقيل هي الكرم وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي وجعدة بن هبيرة ومحمد بن قيس والسدي في رواية عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة قال وتزعم يهود أنها الحنطة. وهذا مروي عن ابن عباس والحسن البصري ووهب بن منبه وعطية العوفي وأبي مالك ومحارب بن دثار وعبد الرحمن بن أبي ليلى … قال وهب والحبة منه ألين من الزبد وأحلى من العسل … وقال الثوري عن أبي حصين عن أبي مالك ولا تقربا هذه الشجرة هي النخلة … وقال ابن جريج عن مجاهد هي التينة وبه قال قتادة وابن حريج وقال أبو العالية (٢) كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي في الجنة حدث.
وهذا الخلاف قريب … وقد أبهم الله ذكرها وتعيينها … ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها لنا كما في غيرها من المحال التي تبهم في القرآن.
وإنما الخلاف الذي ذكروه في أن هذه الجنة التي دخلها آدم هل هي في السماء أو في الأرض هو الخلاف الذي ينبغي فصله والخروج منه والجمهور على أنها هي التي في السماء وهي جنة المأوى لظاهر الآيات والأحاديث كقوله تعالى (وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة) والألف واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي وإنما تعود على معهود ذهني وهو المستقر شرعا من جنة المأوى وكقول موسى ﵇ لآدم ﵇ (علام أخرجتنا ونفسك من الجنة) الحديث كما سيأتي الكلام عليه … وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشجعي واسمه سعد بن طارق عن أبي حازم سلمة بن دينار عن أبي هريرة … وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله ﷺ : " يجمع الله الناس فيقوم المؤمن حين تزلف (٣) لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم " وذكر الحديث بطوله … وهذا فيه قوة جيدة ظاهرة
стр. 79
في الدلالة على أنها جنة المأوى وليست تخلو عن نظر.
وقال آخرون بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد لأنه كلف فيها أن لا يأكل من تلك الشجرة ولأنه نام فيها وأخرج منها ودخل عليه إبليس فيها وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى. وهذا القول محكي عن أبي بن كعب وعبد الله بن عباس ووهب بن منبه وسفيان بن عيينة واختاره ابن قتيبة في " المعارف " والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره وأفرد له مصنفا على حدة. وحكاه عن أبي حنيفة الامام وأصحابه ﵏. ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي بن خطيب الري في تفسيره عن أبي القاسم البلخي وأبي مسلم الأصبهاني (١). ونقله القرطبي في تفسيره عن المعتزلة والقدرية … وهذا القول هو نص التوراة التي بأيدي أهل الكتاب … وممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم في الملل والنحل وأبو محمد بن عطية في تفسيره وأبو عيسى الرماني في تفسيره.
وحكى عن الجمهور الأول. وأبو القاسم الراغب والقاضي الماوردي في تفسيره فقال واختلف في الجنة التي أسكناها يعني آدم وحواء على قولين … أحدهما أنها جنة الخلد … الثاني جنة أعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء. ومن قال بهذا اختلفوا على قولين … أحدهما انها في السماء لأنه أهبطهما منها وهذا قول الحسن … والثاني أنها في الأرض لأنه متحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار. وهكذا قول ابن يحيى وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم والله أعلم بالصواب من ذلك.
هذا كلامه. فقد تضمن كلامه حكاية أقوال ثلاثة واشعر كلامه أنه متوقف في المسألة. ولقد حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره في هذه المسألة أربعة أقوال هذه الثلاثة التي أوردها الماوردي. ورابعها الوقف … وحكى القول بأنها في السماء وليست جنة المأوى عن أبي علي الجبائي (٢). وقد أورد أصحاب القول الثاني سؤالا يحتاج مثله إلى جواب فقالوا لا شك أن الله طرد
стр. 80
إبليس حين امتنع من السجود عن الحضرة الإلهية وأمره بالخروج عنها والهبوط منها وهذا الامر ليس من الأوامر الشرعية بحيث يمكن مخالفته وإنما هو أمر قدري لا يخالف ولا يمانع ولهذا قال (اخرج منها مذءوما مدحورا) (١) وقال (اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها) (٢) وقال (اخرج منها فإنك رجيم) (٣) والضمير عائد إلى الجنة أو السماء أو المنزلة وأياما كان فمعلوم أنه ليس له الكون قدرا في المكان الذي طرد عنه وأبعد منه لا على سبيل الاستقرار ولا على سبيل المرور والاجتياز * قالوا ومعلوم من ظاهر سياقات القرآن أنه وسوس لآدم وخاطبه بقوله له (هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) (٤) وبقوله (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين. أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين. فدلاهما بغرور) (٥) الآية وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنتهما. وقد أجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمع بهما في الجنة على سبيل المرور فيها لا على سبيل الاستقرار بها أو أنه وسوس لهما وهو على باب الجنة أو من تحت السماء. وفي الثلاثة نظر. والله أعلم.
ومما احتج به أصحاب هذه المقالة ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في الزيادات عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن البصري عن يحيى بن ضمرة السعدي عن أبي بن كعب قال: أن آدم لما احتضر اشتهى قطفا من عنب الجنة. فانطلق بنوه ليطلبوه له. فلقيتهم الملائكة فقالوا أين تريدون يا بني آدم فقالوا إن أبانا اشتهى قطفا من عنب الجنة. فقالوا لهم (ارجعوا فقد كفيتموه) فانتهوا إليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل ومن خلفه من الملائكة ودفنوه. وقالوا. (هذه سنتكم في موتاكم) وسيأتي الحديث بسنده. وتمام لفظه عند ذكر وفاة آدم ﵇. قالوا فلولا انه كان الوصول إلى الجنة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها القطف ممكنا لما ذهبوا يطلبون ذلك فدل على أنها في الأرض لا في السماء والله تعالى أعلم.
قالوا: والاحتجاج بأن الألف واللام في قوله ويا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة لم يتقدم عهد يعود عليه فهو المعهود الذهني مسلم ولكن هو ما دل عليه سياق الكلام فإن آدم خلق من الأرض ولم ينقل أنه رفع إلى السماء وخلق ليكون في الأرض وبهذا أعلم الرب الملائكة حيث قال (اني جاعل في الأرض خليفة).
стр. 81
قالوا: وهذا كقوله تعالى (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) (١) فالألف واللام ليس للعموم ولم يتقدم معهود لفظي وإنما هي للمعهود الذهني الذي دل عليه السياق وهو البستان.
قالوا: وذكر الهبوط لا يدل على النزول من السماء قال الله تعالى: (قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك) (٢) الآية وإنما كان في السفينة حين استقر على الجودي ونضب الماء عن وجه الأرض أمر أن يهبط إليها هو ومن معه مباركا عليه وعليهم. وقال الله تعالى (اهبطوا مصرا فان لكم ما سألتم) (٣) الآية وقال تعالى (وإن منها لما يهبط من خشية الله) (٤) الآية. وفي الأحاديث واللغة من هذا كثير.
قالوا: ولا مانع بل هو الواقع أن الجنة التي أسكنها آدم كانت مرتفعة عن سائر بقاع الأرض ذات أشجار وثمار وظلال ونعيم ونضرة وسرور كما قال تعالى (إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى) (٥) أي لا يذل باطنك بالجوع ولا ظاهرك بالعرى. (وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) (٦) أي لا يمس باطنك حر الظمأ ولا ظاهرك حر الشمس. ولهذا قرن بين هذا وهذا وبين هذا وهذا لما بينهما من الملايمة. فلما كان منه ما كان من أكله من الشجرة التي نهي عنها اهبط إلى أرض الشقاء والتعب والنصب والكدر والسعي والنكد والابتلاء والاختبار والامتحان واختلاف السكان دينا وأخلاقا واعمالا وقصودا وإرادات وأقوالا وأفعالا كما قال تعالى (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) (٧) ولا يلزم من هذا أنهم كانوا في السماء كما قال تعالى (وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا) (٨) ومعلوم انه كانوا فيها لم يكونوا في السماء.
قالوا: وليس هذا القول مفرعا على قول من ينكر وجود الجنة والنار اليوم ولا تلازم بينهما فكل من حكي عنه هذا القول من السلف وأكثر الخلف ممن يثبت وجود الجنة والنار اليوم كما دلت عليه الآيات والأحاديث الصحاح كما سيأتي إيرادها في موضعها والله أعلم بالصواب.
стр. 82
وقوله تعالى (فأزلهما الشيطان عنها) أي عن (١) الجنة (فأخرجهما مما كانا فيه) أي من النعيم والنضرة والسرور إلى دار التعب والكد والنكد وذلك بما وسوس لهما وزينه في صدورهما كما قال تعالى (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما. وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) (٢) يقول ما نهاكما عن أكل هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين أي ولو أكلتما منها لصرتما كذلك (وقاسمهما) أي حلف لهما على ذلك (إني لكما لمن الناصحين) كما قال في الآية الأخرى (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) أي هل أدلك على الشجرة التي إذا أكلت منها حصل لك الخلد فيما أنت فيه من النعيم واستمررت في ملك لا يبيد ولا ينقضي وهذا من التغرير والتزوير والاخبار بخلاف الواقع.
والمقصود أن قوله شجرة الخلد التي إذا أكلت منها خلدت وقد تكون هي الشجرة التي قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن أبي الضحاك سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ : " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها شجرة الخلد " *
وكذا رواه أيضا عن غندر وحجاج عن شعبة، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة أيضا به وقال غندر قلت لشعبة هي شجرة الخلد قال ليس فيها هي.
تفرد به الإمام أحمد … وقوله (فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورقة الجنة) (٣) كما قال في " طه " (أكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) (٤) وكانت حواء أكلت من الشجرة قبل آدم وهي التي حدته على أكلها والله أعلم.
وعليه يحمل الحديث الذي رواه البخاري حدثنا بشر بن محمد حدثنا عبد الله أنبأنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه لولا بنو إسرائيل لم يخنز (٥) اللحم ولولا حواء لم تخن
стр. 83
أنثى زوجها. تفرد به من هذا الوجه وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة به ورواه أحمد ومسلم عن هارون بن معروف عن أبي وهب عن عمرو بن حارث عن أبي يونس عن أبي هريرة به … وفي كتاب التوراة التي بين أيدي أهل الكتاب أن الذي دل حواء على الاكل من الشجرة هي الحية وكانت من أحسن الاشكال وأعظمها فأكلت حواء عن قولها وأطعمت آدم ﵇ وليس فيها ذكر لإبليس فعند ذلك انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان فوصلا من ورق التين وعملا ميازر وفيها أنهما كان عريانين … وكذا قال وهب بن منبه كان لباسهما نورا على فرجه وفرجها.
وهذا الذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلط منهم وتحريف وخطأ في التعريب فإن نقل الكلام من لغة إلى لغة لا يكاد يتيسر لكل أحد ولا سيما ممن لا يعرف كلام العرب جيدا ولا يحيط علما بفهم كتابه أيضا فلهذا وقع في تعريبهم لها خطأ كثير لفظا ومعنى … وقد دل القرآن العظيم على أنه كان عليهما لباس في قوله (ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما) فهذا لا يرد لغيره من الكلام والله تعالى أعلم.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسن بن اسكاب حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب قال قال رسول الله ﷺ : " ان الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه فأول ما بدا منه عورته فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة فأخذت شعره شجرة فنازعها فناداه الرحمن يا آدم مني تفر فلما سمع كلام الرحمن قال يا رب لا ولكن استحياء … وقال الثوري عن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) وورق التين (١) … وهذا إسناد صحيح إليه وكأنه مأخوذ من أهل الكتاب وظاهر الآية يقتضي أعم من ذلك وبتقدير تسليمه فلا يضر والله تعالى أعلم.
وروى الحافظ بن عساكر من طريق محمد بن إسحاق عن الحسن بن ذكوان عن الحسن البصري عن أبي بن كعب قال قال رسول الله ﷺ : " ان أباكم آدم كان كالنخلة السحوق ستين ذراعا كثيرا لشعر مواري العورة فلما أصاب الخطيئة في الجنة بدت له سوأته فخرج من الجنة فلقيته شجرة فأخذت بناصيته فناداه ربه أفرارا مني يا آدم قال: بل حياء منك والله يا رب مما جئت به " … ثم رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن يحيى بن ضمرة عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ بنحوه. وهذا أصح فان الحسن لم يدرك أبيا … ثم أورده أيضا من طريق خيثمة بن سليمان الأطرابلسي عن محمد بن عبد الوهاب أبي قرصافة العسقلاني عن آدم بن أبي
стр. 84
أياس عن شيبان عن قتادة عن أنس مرفوعا بنحوه … (وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين … قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) (١) وهذا اعتراف ورجوع إلى الإنابة وتذلل وخضوع واستكانة وافتقار إليه تعالى في الساعة الراهنة وهذا السر ما سرى في أحد من ذريته إلا كانت عاقبته إلى خير في دنياه وأخراه (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) (٢) وهذا خطاب لآدم وحواء وإبليس قيل والحية معهم أمروا أن يهبطوا من الجنة في حال كونهم متعادين متحاربين … وقد يستشهد لذكر الحية معهما بما ثبت في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه أمر يقتل الحيات وقال ما سالمناهن منذ حاربناهن وقوله في سورة طه (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو) (٣) هو أمر لآدم وإبليس واستتبع آدم حواء وإبليس الحية … وقيل هو أمر لهم بصيغة التثنية كما في قوله تعالى (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين) (٤) والصحيح ان هذا لما كان الحاكم لا يحكم إلا بين اثنين مدع ومدعى عليه قال وكنا لحكمهم شاهدين وأما تكريره الاهباط في سورة البقرة في قوله (وقلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم. قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (٥) فقال بعض المفسرين (٦) المراد بالاهباط الأول الهبوط من الجنة إلى السماء الدنيا وبالثاني من السماء الدنيا إلى الأرض. وهذا ضعيف لقوله في الأول (قلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) فدل على أنهم أهبطوا إلى الأرض بالاهباط الأول والله أعلم.
والصحيح أنه كرره لفظا وإن كان واحدا وناط مع كل مرة حكما فناط بالأول عداوتهم فيما بينهم وبالثاني الاشتراط عليهم أن من تبع هداه الذي ينزله عليهم بعد ذلك فهو السعيد ومن خالفه
стр. 85
فهو الشقي وهذا الأسلوب في الكلام له نظائر في القرآن الحكيم.
وروى الحافظ بن عساكر عن مجاهد قال: أمر الله ملكين أن يخرجا آدم وحواء من جواره فنزع جبريل التاج عن رأسه وحل ميكائيل الإكليل عن جبينه وتعلق به غصن فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة فنكس رأسه يقول العفو العفو فقال الله فرارا مني قال بل حياء منك يا سيدي وقال الأوزاعي عن حسان هو بن عطية مكث آدم في الجنة مائة عام وفي رواية ستين عاما وبكى على الجنة سبعين عاما وعلى خطيئته سبعين عاما وعلى ولده حين قتل أربعين عاما … رواه بن عساكر.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن سعيد عن ابن عباس قال أهبط آدم ﵇ إلى أرض يقال له دحنا بين مكة والطائف … وعن الحسن قال اهبط آدم بالهند وحواء بجدة وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال وأهبطت الحية بأصبهان رواه ابن أبي حاتم أيضا … وقال السدي نزل آدم بالهند ونزل معه بالحجر الأسود وبقبضة من ورق الجنة فبثه في الهند فنبتت شجرة الطيب هناك (١) … وعن ابن عمر قال اهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة. رواه ابن أبي حاتم أيضا وقال عبد الرزاق قال معمر أخبرني عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الأشعري قال: إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علمه صنعة كل شئ وزوده من ثمار الجنة فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير … وقال الحاكم في مستدركه أنبأنا أبو بكر بن بالويه عن محمد بن أحمد بن النضر عن معاوية بن عمر عن زائدة عن عمار بن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. ثم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وفي صحيح مسلم من حديث الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها " وفي الصحيح من وجه آخر " وفيه تقوم الساعة " وقال أحمد حدثنا محمد بن مصعب حدثنا الأوزاعي عن أبي عمار عن عبد الله بن فروخ عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " خير يوم طلعت فيه الشمس
стр. 86
يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة " على شرط مسلم (١).
فأما الحديث الذي رواه ابن عساكر من طريق أبي القاسم البغوي حدثنا محمد بن جعفر الوركاني حدثنا سعيد بن ميسرة عن أنس قال قال رسول الله ﷺ : " هبط آدم وحواء عريانين جميعا عليهما ورق الجنة فأصابه الحر حتى قعد يبكي يقول لها يا حواء قد أذاني الحر قال فجاءه جبريل بقطن وأمرها أن تغزل وعلمها وأمر آدم بالحياكة وعلمه أن ينسج وقال كان آدم لم يجامع امرأته في الجنة حتى هبط منها للخطيئة التي أصابتهما بأكلهما من الشجرة قال وكان كل واحد منهما ينام على حدة ينام أحدهما في البطحاء والآخر من ناحية أخرى حتى أتاه جبريل فأمره أن يأتي أهله قال وعلمه كيف يأتيها فلما أتاها جاءه جبريل فقال كيف وجدت امرأتك قال صالحة " فإنه حديث غريب ورفعه منكر جدا … وقد يكون من كلام بعض السلف وسعيد بن ميسرة هذا هو أبو عمران البكري البصري. قال فيه البخاري منكر الحديث. وقال بن حبان يروي الموضوعات وقال بن عدي مظلم الامر وقوله (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) (٢) قيل هي قوله (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) (٣) … روي هذا عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وخالد بن معدان وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : " قال آدم ﵇ أرأيت يا رب إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة، قال: نعم " فذلك قوله. (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه) وهذا غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الكلمات (اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك بحمدك رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم) … وروى الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه … قال قال آدم يا رب ألم تخلقني بيدك. قيل له بلى. ونفخت في من روحك قيل له بلى وعطست فقلت يرحمك الله وسبقت رحمتك غضبك قيل له بلى وكتبت علي أن أعمل هذا - قيل له بلى. قال أفرأيت إن تبت هل أنت
стр. 87
راجعي إلى الجنة. قال نعم … ثم قال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه … وروى الحاكم أيضا والبيهقي وابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : " لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد أن غفرت لي فقال الله فكيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد؟ فقال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك … قال البيهقي تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه وهو ضعيف (١) والله أعلم وهذه الآية كقوله تعالى (وعصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) (٢).
احتجاج آدم وموسى ﵉
قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا أيوب بن النجار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " حاج موسى آدم (٣) ﵉ فقال له: أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم. قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني أو قدره علي قبل أن يخلقني. قال رسول الله ﷺ : فحج آدم موسى " … وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد والنسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد عن أيوب بن النجار به … قال أبو مسعود الدمشقي ولم يخرجاه عنه في الصحيحين سواه … وقد رواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة … ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به.
وقال الإمام أحمد حدثنا أبو كامل حدثنا إبراهيم حدثنا أبو شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " احتج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة فقال له آدم وأنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق … قال رسول الله ﷺ : (فحج آدم موسى فحج آدم موسى " مرتين … قلت وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه.
стр. 88
وقال الإمام أحمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة قال فقال آدم وأنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه تلومني على عمل أعمله كتبه الله علي قبل أن يخلق السماوات والأرض قال: فحج آدم موسى " … وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن يحيى بن حبيب بن عدي عن معمر بن سليمان عن أبيه عن الأعمش به … قال الترمذي وهو غريب من حديث سليمان التيمي عن الأعمش قال وقد رواه بعضهم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قلت هكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن مثنى عن معاذ بن أسد عن الفضل بن موسى عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد. ورواه البزار أيضا حدثنا عمرو بن علي الفلاس حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو أبي سعيد عن النبي ﷺ فذكر نحوه، وقال أحمد حدثنا سفيان عن عمرو سمع طاووسا سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ : " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا (١) وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم يا موسى أنت الذي اصطفاك الله بكلامه وقال مرة برسالته وخط لك بيده (٢) أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال: حج آدم موسى حج آدم موسى حج آدم موسى " وهكذا رواه البخاري عن علي بن المديني حدثنا عن سفيان قال حفظناه من عمرو عن طاووس قال سمعت أبا هريرة عن النبي ﷺ قال: " احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خببتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى فحج آدم (٣) موسى " هكذا ثلاثا.
قال سفيان حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله … وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجة من عشر طرق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه … وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن حدثنا حماد عن عمار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال لقي آدم موسى فقال أنت آدم الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك الجنة ثم فعلت. فقال أنت موسى الذي كلمك الله واصطفاك برسالته وأنزل عليك التوراة أنا أقدم أم الذكر قال لا بل الذكر فحج آدم موسى.
قال أحمد وحدثنا عفان حدثنا حماد عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وحميد
стр. 89
عن الحسن عن رجل قال حماد أظنه جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ قال: " لقي آدم موسى فذكر معناه. تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال أحمد حدثنا الحسن حدثنا جرير هو ابن حازم عن محمد هو ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " لقي آدم موسى فقال أنت آدم الذي خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته ثم صنعت ما صنعت … قال آدم يا موسى أنت الذي كلمه الله وأنزل عليه التوراة … قال: نعم … قال فهل تجده مكتوبا علي قبل أن أخلق … قال نعم … قال: (فحج آدم موسى فحج آدم موسى، وكذا رواه حماد بن زيد عن أيوب وهشام (١) عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه.
وكذا رواه علي بن عاصم عن خالد وهشام عن محمد بن سيرين … وهذا على شرطهما من هذه الوجوه … وقال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أخبرني أنس بن عياض عن الحارث بن أبي ذباب عن يزيد بن هرمز سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : " احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى. قال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك … قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شئ وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة … قال موسى بأربعين عاما … قال آدم فهل وجدت فيها (وعصى آدم ربه فغوى) (٢) قال: نعم … قال أفتلومني على أن عملت عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال: قال رسول الله ﷺ " فحج آدم موسى ".
قال الحارث وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ وقد رواه مسلم عن إسحاق بن موسى الأنصاري عن أنس بن عياض عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن يزيد بن هرمز والأعرج كلاهما عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه، وقال أحمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " احتج آدم وموسى فقال موسى لآدم يا آدم أنت الذي أدخلت ذريتك النار. فقال آدم يا موسى اصطفاك الله برسالاته وبكلامه وأنزل عليك التوراة فهل وجدت أن أهبط. قال نعم. قال فحجه آدم " وهذا على شرطهما ولم يخرجاه من هذا الوجه … وفي قوله أدخلت ذريتك النار نكارة.
فهذه طرق هذا الحديث عن أبي هريرة رواه عنه حميد بن عبد الرحمن وذكوان أبو صالح السمان وطاووس ابن كيسان وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج وعمار بن أبي عمار ومحمد بن سيرين وهمام بن منبه ويزيد بن هرمز وأبو سلمة بن عبد الرحمن.
وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي
стр. 90
الله عنه فقال: حدثنا الحارث بن مسكين المصري حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: " قال موسى ﵇ يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه آدم ﵇ … فقال أنت آدم … فقال له آدم نعم قال أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك الأسماء كلها … قال: نعم … قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة فقال له آدم: من أنت قال: أنا موسى * قال: أنت موسى نبي بني إسرائيل أنت الذي كلمك الله من وراء الحجاب فلم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه … قال: نعم … قال تلومني على أمر قد سبق من الله القضاء به قبل قال رسول الله ﷺ : " فحج آدم موسى فحج آدم موسى " ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب به. قال أبو يعلى، وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي حدثنا عمران عن الرديني عن أبي مجلز عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر قال أبو محمد أكبر ظني أنه رفعه … قال: " التقى آدم وموسى فقال موسى لآدم: أنت أبو البشر أسكنك الله جنته وأسجد لك ملائكته. قال آدم: يا موسى أما تجده علي مكتوبا … قال فحج آدم موسى فحج آدم موسى " وهذا الاسناد أيضا لا بأس به والله أعلم.
وقد تقدم رواية الفضل بن موسى لهذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد * ورواية الإمام أحمد له عن عفان عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن رجل … قال حماد أظنه جندب بن عبد الله البجلي عن النبي ﷺ : " لقي آدم موسى " فذكر معناه.
وقد اختلف مسالك الناس في هذا الحديث فرده قوم من القدرية لما تضمن من إثبات القدر السابق … واحتج به قوم من الجبرية وهو ظاهر لهم بادئ الرأي حيث قال " فحج آدم موسى " لما احتج عليه بتقديم كتابه وسيأتي الجواب عن هذا، وقال آخرون إنما حجه لأنه لامه على ذنب قد تاب منه والتائب من الذنب كمن لا ذنب له … وقيل إنما حجه لأنه أكبر منه وأقدم … وقيل لأنه أبوه … وقيل لأنهما في شريعتين متغايرتين … وقيل لأنهما في دار البرزخ وقد انقطع التكليف فيما يزعمونه.
والتحقيق أن هذا الحديث روي بألفاظ كثيرة بعضها مروي بالمعنى. وفيه نظر. ومدار معظمها في الصحيحين وغيرهما على أنه لامه على إخراجه نفسه وذريته من الجنة فقال له آدم أنا لم أخرجكم وإنما أخرجكم الذي رتب الاخراج على أكلي من الشجرة والذي رتب ذلك وقدره وكتبه قبل أن أخلق هو الله فأنت تلومني على أمر ليس له نسبة إلى أكثر ما أني نهيت عن الاكل من الشجرة فأكلت منها وكون الاخراج مترتبا على ذلك ليس من فعلي فأنا لم أخرجكم ولا نفسي من الجنة وإنما كان هذا من قدرة الله وصنعه وله الحكمة في ذلك فلهذا حج آدم موسى.
ومن كذب بهذا الحديث فمعاند لأنه متواتر عن أبي هريرة ﵁ وناهيك به عدالة
стр. 91
وحفظا وإتقانا … ثم هو مروي عن غيره من الصحابة كما ذكرنا. ومن تأوله بتلك التأويلات المذكورة آنفا فهو بعيد من اللفظ والمعنى. وما فيهم من هو أقوى مسلكا من الجبرية. وفيما قالوه نظر من وجوه … (أحدها) أن موسى ﵇ لا يلوم على أمر قد تاب منه فاعله (الثاني) أنه قد قتل نفسا لم يؤمر بقتلها وقد سأل الله في ذلك بقوله: (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له) (١) الآية (الثالث) أنه لو كان الجواب عن اللوم على الذنب بالقدر المتقدم كتابته على العبد لا نفتح هذا لكل من ليم على أمر قد فعله فيحتج بالقدر السابق فينسد باب القصاص والحدود ولو كان القدر حجة لاحتج به كل أحد على الامر الذي ارتكبه في الأمور الكبار والصغار وهذا يفضي إلى لوازم فظيعة. فلهذا قال من قال من العلماء بأن جواب آدم إنما كان احتجاجا بالقدر على المصيبة لا المعصية والله تعالى أعلم.
الأحاديث الواردة في خلق آدم
قال الإمام أحمد (٢) حدثنا يحيى [بن سعيد] ومحمد بن جعفر حدثنا عوف حدثني قسامة بن زهير عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك. والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك ".
ورواه أيضا عن هوذة عن عوف عن قسامة بن زهير سمعت الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء (٣) منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك. والسهل والحزن وبين ذلك. والخبيث والطيب وبين ذلك ". وكذا رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي عن قسامة بن زهير المازني البصري عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري عن النبي ﷺ بنحوه. وقال الترمذي حسن صحيح.
وقد ذكر السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: (فبعث الله جبريل في الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ وقال رب: إنها عاذت بك فأعذتها فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها فرجع فقال كما قال جبريل فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره فأخذ من وجه الأرض وخلطه ولم يأخذ من مكان واحد
стр. 92
وأخذ من تربة بيضاء وحمراء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فصعد به فبل التراب حتى عاد طينا لازبا) واللازب هو الذي يلزق بعضه ببعض … ثم قال للملائكة (إني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) [الحجر: ٢٨] فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار يكون له صلصلة فذلك حين يقول (من صلصال كالفخار) ويقول لأمر ما خلقت ودخل من فيه وخرج من دبره وقال للملائكة لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف لئن سلطت عليه لأهلكنه فلما بلغ الحين الذي يريد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة قل الحمد لله فقال الحمد لله فقال له الله رحمك ربك فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخلت الروح في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنة وذلك حين يقول الله تعالى (خلق الانسان من عجل) [الأنبياء: ٣٧] (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين) [الحجر: ٣٠] وذكر تمام القصة.
ولبعض هذا السياق شاهد من الأحاديث وإن كان كثير منه متلقى من الإسرائيليات فقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قال: " لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه فجعل إبليس يطيف به فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك " وقال ابن حبان في صحيحه حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " لما نفخ في آدم فبلغ الروح رأسه عطس فقال الحمد لله رب العالمين فقال له ﵎ يرحمك الله ".
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا يحيى بن محمد بن السكن حدثنا حبان بن هلال حدثنا مبارك بن فضالة عن عبيد الله عن حبيب عن حفص هو ابن عاصم بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب عن أبي هريرة رفعه قال: " لما خلق الله آدم عطس فقال الحمد لله فقال ربه رحمك ربك يا آدم " وهذا الاسناد لا بأس به ولم يخرجوه. وقال عمر بن عبد العزيز " لما أمرت الملائكة بالسجود كان أول من سجد منهم إسرافيل فآتاه الله أن كتب القرآن في جبهته " رواه ابن عساكر وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا عمرو بن محمد عن إسماعيل بن رافع عن المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله خلق آدم من تراب ثم جعله طينا ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنونا خلقه وصوره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار قال فكان إبليس يمر به فيقول لقد خلقت لأمر عظيم. ثم نفخ الله فيه من روحه فكان أول ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه فعطس فلقاه الله رحمة ربه فقال الله: يرحمك ربك. ثم قال الله يا آدم اذهب إلى هؤلاء النفر فقل
стр. 93
لهم (١) فانظر ماذا يقولون؟ فجاء فسلم عليهم فقالوا وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. فقال يا آدم هذا تحيتك وتحية ذريتك. قال يا رب وما ذريتي قال اختر يدي يا آدم قال اختار يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين وبسط كفه فإذا من هو كائن من ذريته في كف الرحمن فإذا رجال منهم أفواههم النور فإذا رجل يعجب آدم نوره قال يا رب من هذا قال ابنك داود قال يا رب فكم جعلت له من العمر قال جعلت له ستين قال يا رب فأتم له من عمري حتى يكون له من العمر مائة سنة ففعل الله ذلك وأشهد على ذلك فلما نفذ عمر آدم بعث الله ملك الموت فقال آدم أو لم يبق من عمري أربعون سنة قال له الملك: أو لم تعطها ابنك داود فجحد ذلك فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته … وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار والترمذي والنسائي في اليوم والليلة من حديث صفوان بن عيسى عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ . وقال الترمذي حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال النسائي هذا حديث منكر وقد رواه محمد بن عجلان (٢) عن سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام … وقال الترمذي حدثنا عبد بن حميد حدثنا أبو نعيم حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لما خلق آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود: قال رب وكم جعلت عمره قال ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم، جاءه ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة، قال: أو لم تعطها ابنك داود. قال فجحد فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته " ثم قال الترمذي حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وروى ابن أبي حاتم من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة مرفوعا " فذكره وفيه: " ثم عرضهم على آدم فقال يا آدم هؤلاء ذريتك وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام فقال آدم: يا رب لم فعلت هذا بذريتي قال: كي تشكر نعمتي ". ثم ذكر قصة داود. وستأتي من رواية ابن عباس أيضا … وقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا الهيثم ابن خارجة حدثنا أبو الربيع عن يونس بن ميسرة عن أبي إدريس عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: " خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الدر وضرب كتفه اليسرى فأخرج
стр. 94
ذرية سوداء كأنهم الحمم. فقال للذي في يمينه. إلى الجنة ولا أبالي. وقال للذي في كتفه اليسرى إلى النار ولا أبالي. وقال ابن أبي الدنيا حدثنا خلف بن هشام حدثنا الحكم بن سنان عن حوشب عن الحسن قال: " خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فألقوا على وجه الأرض منهم الأعمى والأصم والمبتلى … فقال آدم يا رب ألا سويت بين ولدي … قال يا آدم أني أردت أن أشكر " وهكذا روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن بنحوه … وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه فقال حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن بشار حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : " لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذن الله فقال له ربه يرحمك ربك يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملا منهم جلوس فسلم عليهم فقال السلام عليكم فقالوا وعليكم السلام ورحمة الله. ثم رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم وقال الله ويداه مقبوضتان أختر أيهما شئت فقال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطهما فإذا فيهما آدم وذريته فقال أي رب ما هؤلاء قال هؤلاء ذريتك وإذا كل إنسان منهم مكتوب عمره بين عينيه وإذا فيهم رجل أضوؤهم " أو " من أضوئهم لم يكتب له إلا أربعون سنة قال يا رب ما هذا؟ قال: هذا ابنك داود وقد كتب الله عمره أربعين سنة … قال: أي رب زد في عمره فقال ذاك الذي كتب له قال: فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذاك … أسكن الجنة. فسكن الجنة ما شاء الله ثم هبط منها وكان آدم يعد لنفسه فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت قد كتب لي ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود منها ستين سنة فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته فيومئذ أمر بالكتاب والشهود " هذا لفظه.
وقد قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال " خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا. ثم قال اذهب فسلم على أولئك من الملائكة واستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن ". وهكذا رواه البخاري في كتاب الاستئذان عن يحيى بن جعفر ومسلم عن محمد بن رافع كلاهما عن عبد الرزاق به، وقال الإمام أحمد حدثنا روح حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " كان طول آدم ستين ذراعا في سبع أذرع عرضا. انفرد به أحمد.
وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله ﷺ " إن أول من جحد آدم إن أول من
стр. 95
جحد آدم إن أول من جحد آدم ان الله لما خلق آدم ومسح ظهره فأخرج منه ما هو ذاري إلى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه فرأى فيهم رجلا يزهر قال أي رب من هذا قال هذا ابنك داود قال أي رب كم عمره قال ستون عاما قال أي رب زد في عمره قال لا إلا أن أزيده من عمرك وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاما. فكتب الله عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة فلما احتضر آدم اتته الملائكة لقبضه قال إنه قد بقي من عمري أربعون عاما. فقيل له إنك قد وهبتها لابنك داود. قال ما فعلت وأبرز الله عليه الكتاب وشهدت عليه الملائكة " وقال أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أول من جحد آدم قالها ثلاث مرات إن الله لما خلقه مسح ظهره فأخرج ذريته فعرضهم عليه فرأى فيهم رجلا يزهر فقال أي رب زد في عمره قال لا إلا أن تزيده أنت من عمرك فزاده أربعين سنة من عمره. فكتب الله تعالى عليه كتابا وأشهد عليه الملائكة فلما أراد أن يقبض روحه قال إنه بقي من أجلي أربعون سنة فقيل له: إنك قد جعلتها لابنك داود قال فجحد، قال: فأخرج الله الكتاب وأقام عليه البينة فأتمها لداود مائة سنة وأتم لآدم عمره ألف سنة … تفرد به أحمد وعلي بن زيد في حديثه نكارة … ورواه الطبراني عن علي بن عبد العزيز عن حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس وغير واحد عن الحسن قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله ﷺ : " إن أول من جحد آدم " ثلاثا; وذكره … وقال الامام مالك بن أنس في موطئه عن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) (١) الآية فقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها فقال: " ان الله خلق آدم ﵇ ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل قال رسول الله ﷺ : إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة وإذا خلق الله العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار ".
وهكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو حاتم بن حبان في صحيحه من طرق عن الامام مالك به … وقال الترمذي هذا حديث حسن * ومسلم بن يسار لم يسمع عمر … وكذا قال أبو حاتم وأبو زرعة زاد أبو حاتم وبينهما نعيم بن ربيعة * وقد رواه أبو داود عن محمد بن مصفى عن بقية عن عمر بن جثعم عن زيد بن أبي أنيسة عن
стр. 96
عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة قال كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية فذكر الحديث … قال الحافظ الدارقطني وقد تابع عمر بن جثعم أبو فروة بن يزيد بن سنان الرهاوي عن زيد بن أبي أنيسة قال وقولهما أولى بالصواب من قول مالك ﵀.
وهذه الأحاديث كلها دالة على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر وقسمتهم قسمين أهل اليمين وأهل الشمال وقال هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي. فأما الاشهاد عليهم واستنطاقهم بالاقرار بالوحدانية فلم يجئ في الأحاديث الثابتة. وتفسير الآية التي في سورة الأعراف وحملها على هذا فيه نظر كما بيناه هناك. وذكرنا الأحاديث والآثار مستقصاة بأسانيدها وألفاظ متونها. فمن أراد تحريره فليراجعه ثم والله أعلم.
فأما الحديث الذي رواه أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا جرير يعني ابن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان (١) يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنثرها بين يديه. ثم كلمهم قبلا قال: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا) إلى قوله (المبطلون) (٢) فهو بإسناد جيد قوي على شرط مسلم … رواه النسائي وابن جرير والحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد المروزي به. وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه إلا أنه اختلف فيه على كلثوم بن جبر فروي عنه مرفوعا وموقوفا. وكذا روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا. وهكذا رواه العوفي والوالبي والضحاك وأبو جمرة عن ابن عباس قوله … وهذا أكثر وأثبت والله أعلم.
وهكذا روي عن عبد الله بن عمر موقوفا ومرفوعا والموقوف أصح … واستأنس القائلون بهذا القول وهو أخذ الميثاق على الذرية وهم الجمهور بما قال الإمام أحمد حدثنا حجاج حدثني شعبة عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة لو كان لك ما على الأرض من شئ أكنت مفتديا به قال فيقول نعم. فيقول قد أردت منك ما هو
стр. 97
أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي " أخرجاه من حديث شعبة به.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) (١) الآية والتي بعدها قال فجمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فخلقهم ثم صورهم ثم استنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهد عليهم أنفسهم. (ألست بربكم قالوا بلى) الآية قال فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم ان لا تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا. اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئا وإني سأرسل إليكم رسلا ينذرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتابي - قالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك … فقال يا رب لو سويت بين عبادك فقال: إني أحببت أن أشكر. ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول الله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [الأحزاب: ٧] وهو الذي يقول (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) [الروم: ٣٠] وفي ذلك قال (هذا نذير من النذر الأولى) [النجم: ٥٦] وفي ذلك قال (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وان وجدنا أكثرهم لفاسقين) [الأعراف: ١٠٢]. رواه الأئمة عبد الله بن أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم من طريق أبي جعفر … وروي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف بسياقات توافق هذه الأحاديث وتقدم أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم امتثلوا كلهم الامر الإلهي وامتنع إبليس من السجود له حسدا وعداوة له فطرده الله وأبعده وأخرجه من الحضرة الإلهية ونفاه عنها وأهبطه إلى الأرض طريدا ملعونا شيطانا رجيما.
وقد قال الإمام أحمد حدثنا وكيع. ويعلى ومحمد ابنا عبيد قالوا حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " (إذا) قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار. ورواه مسلم من حديث وكيع وأبي معاوية عن الأعمش به. ثم لما أسكن آدم الجنة التي أسكنها سواء كانت في السماء أو في الأرض على ما تقدم من الخلاف فيه أقام بها هو وزوجته حواء ﵉ يأكلان منها رغدا حيث شاءا فلما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها سلبا ما كانا فيه من
стр. 98
اللباس وأهبطا إلى الأرض … وقد ذكرنا الاختلاف في مواضع هبوطه منها … واختلفوا في مقدار مقامه في الجنة فقيل بعض يوم من أيام الدنيا وقد قدمنا ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا وخلق آدم في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة وتقدم أيضا حديثه عنه وفيه (يعني) يوم الجمعة خلق آدم وفيه أخرج منها فإن كان اليوم الذي خلق فيه فيه أخرج وقلنا إن الأيام الستة كهذه الأيام فقد لبث بعض يوم من هذه. وفي هذا نظر وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه أو قلنا بأن تلك الأيام مقدارها ستة آلاف سنة كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدة طويلة. قال ابن جرير ومعلوم أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة والساعة منه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر فمكث مصورا طينا قبل أن ينفخ فيه الروح أربعين سنة وأقام في الجنة فبل أن يهبط ثلاثا وأربعين سنة وأربعة أشهر والله تعالى أعلم … وقد روى عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن سوار خبر عطاء بن أبي رباح أنه كان لما أهبط رجلاه في الأرض ورأسه في السماء فحطه الله إلى ستين ذراعا … وقد روى عن ابن عباس نحوه. وفي هذا نظر لما تقدم من الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن " … وهذا يقتضي أنه خلق كذلك لا أطول من ستين ذراعا وأن ذريته لم يزالوا يتناقص خلقهم حتى الآن.
وذكر ابن جرير عن ابن عباس إن الله قال يا آدم إن لي حرما بحيال عرشي فانطلق فابن لي فيه بيتا فطف به كما تطوف ملائكتي بعرشي وأرسل الله له ملكا فعرفه مكانه وعلمه المناسك. وذكر أن موضع كل خطوة خطاها آدم صارت قرية بعد ذلك.
وعنه أن أول طعام أكله آدم في الأرض أن جاءه جبريل بسبع حبات من حنطة فقال ما هذا قال هذا من الشجرة التي نهيت عنها فأكلت منها فقال وما أصنع بهذا قال ابذره في الأرض فبذره وكان كل حبة منها زنتها أزيد من مائة ألف فنبتت فحصده ثم درسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه فأكله بعد جهد عظيم وتعب ونكد وذلك قوله تعالى (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) (١). وكان أول كسوتهما من شعر الضأن جزاه ثم غزلاه فنسج آدم له جبة ولحواء درعا وخمارا.
واختلفوا هل ولد لهما بالجنة شئ من الأولاد فقيل لم يولد لهما إلا في الأرض … وقيل بل ولد لهما فيها فكان قابيل وأخته ممن ولد بها والله أعلم (٢).
وذكروا أنه كان يولد في كل بطن ذكر وأنثى وأمر أن يزوج كل ابن أخت أخيه التي ولدت
стр. 99
معه والآخر بالأخرى وهلم جرا ولم يكن تحل أخت لأخيها الذي ولدت معه.
قصة قابيل وهابيل (١)
قال الله تعالى (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين … لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين … إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين … فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين … فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين) (٢) … قد تكلمنا على هذه القصة في سورة المائدة في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد.
ولنذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف في ذلك … فذكر السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الأخرى وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل وكان أكبر من هابيل وأخت هابيل أحسن (٣) فأراد هابيل أن يستأثر بها على أخيه وأمره آدم ﵇ أن يزوجه إياها فأبى فأمرهما أن يقربا قربانا وذهب آدم ليحج إلى مكة واستحفظ السماوات على بنيه فأبين والأرضين والجبال فأبين فتقبل قابيل بحفظ ذلك. فلما ذهب قربا قربانهما فقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب غنم وقرب قابيل حزمة من زرع من ردى زرعه فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال (لأقتلنك) حتى لا تنكح أختي فقال (إنما يتقبل الله من المتقين) … وروي عن ابن عباس من وجوه أخر وعن عبد الله بن عمرو وقال عبد الله بن عمرو وأيم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إليه يده.
وذكر أبو جعفر الباقر أن آدم كان مباشرا لتقربهما القربان والتقبل من هابيل دون قابيل فقال قابيل لآدم إنما تقبل منه لأنك دعوت له ولم تدع لي وتوعد أخاه فيما بينه وبينه. فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعي فبعث آدم أخاه قابيل لينظر ما أبطأ به فلما ذهب إذا هو به فقال له تقبل منك
стр. 100
ولم يتقبل مني فقال (إنما يتقبل الله من المتقين). فغضب قابيل عندها وضربه بحديدة كانت معه فقتله (١) … وقيل إنه إنما قتله بصخرة رماها على رأسه وهو نائم فشدخته … وقيل بل خنقه خنقا شديدا وعضا كما تفعل السباع فمات والله أعلم.
وقوله له لما توعده بالقتل (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين) (٢) دل على خلق حسن وخوف من الله تعالى وخشية منه وتورع أن يقابل أخاه بالسوء الذي أراد منه أخوه مثله ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه " وقوله (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) (٣) أي أني أريد ترك مقاتلتك وإن كنت أشد منك وأقوى إذ قد عزمت على ما عزمت عليه أن تبوء بإثمي وإثمك أي تتحمل إثم قتلي مع مالك من الآثام المتقدمة قبل ذلك قاله مجاهد والسدي وابن جرير وغير واحد وليس المراد أن آثام المقتول تتحول بمجرد قتله إلى القاتل كما قد توهمه بعض قال فان ابن جرير حكى الاجماع على خلاف ذلك.
وأما الحديث الذي يورده بعض من لا يعلم عن النبي ﷺ أنه قال: " ما ترك القاتل على المقتول من ذنب " فلا أصل له ولا يعرف في شئ من كتب الحديث بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف أيضا ولكن قد يتفق في بعض الأشخاص يوم القيامة يطالب المقتول القاتل فتكون حسنات القاتل لا تفي بهذه المظلمة فتحول من سيئات المقتول إلى القاتل كما ثبت به الحديث الصحيح (٤) في سائر المظالم والقتل من أعظمها والله أعلم. وقد حررنا هذا كله في التفسير ولله الحمد.
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال عند فتنة عثمان ابن عفان أشهد أن رسول الله ﷺ قال: " أنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي " قال أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني قال: " كن كابن آدم ". ورواه بن مردويه عن حذيفة بن اليمان مرفوعا وقال كن كخير ابني آدم. وروى مسلم وأهل السنن إلا النسائي عن أبي ذر نحو هذا.
وأما الآخر فقد قال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن
стр. 101
آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل … ورواه الجماعة سوى أبي داود من حديث الأعمش به وهكذا روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص وإبراهيم النخعي أنهما قالا مثل هذا سواء … وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارة يقال لها مغارة الدم مشهورة بأنها المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل عندها وذلك مما تلقوه عن أهل الكتاب فالله أعلم بصحة ذلك (١) … وقد ذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة أحمد بن كثير وقال إنه كان من الصالحين أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وهابيل، أنه استحلف هابيل ان هذا دمه فحلف له وذكر أنه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدعاء فأجابه إلى ذلك وصدقه في ذلك رسول الله ﷺ وقال إنه وأبا بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس … وهذا منام لو صح عن أحمد بن كثير هذا لم يترتب عليه حكم شرعي والله أعلم.
وقوله تعالى (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين) (٢) ذكر بعضهم أنه لما قتله حمله على ظهره سنة وقال آخرون حمله مائة (٣) سنة ولم يزل كذلك حتى بعث الله غرابين … قال السدي باسناده عن الصحابة أخوين فتقاتلا فقتل أحدهما الاخر فلما قتله عمد إلى الأرض يحفر له فيها ثم ألقاه ودفنه وواراه فلما رآه يصنع ذلك قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ففعل مثل ما فعل الغراب فواراه ودفنه.
وذكر أهل التواريخ والسير أن آدم حزن على ابنه هابيل حزنا شديدا (٤) وأنه قال في ذلك شعرا وهو قوله فيما ذكره ابن جرير عن ابن حميد:
تغيرت البلاد ومن عليها … فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم … وقل بشاشة الوجه المليح
(فأجيب آدم)
стр. 102
أبا هابيل قد قتلا جميعا … وصار الحي كالميت الذبيح
وجاء بشرة قد كان منها … على خوف فجابها يصيح
وهذا الشعر فيه نظر وقد يكون آدم ﵇ قال كلاما يتحزن به بلغته فألفه بعضهم إلى هذا وفيه أقوال والله أعلم (١) … وقد ذكر مجاهد أن قابيل عوجل بالعقوبة يوم قتل أخاه فعلقت ساقه إلى فخذه وجعل وجهه إلى الشمس كيفما دارت تنكيلا به وتعجيلا لذنبه وبغيه وحسده لأخيه لأبويه (٢) … وقد جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ".
والذي رأيته في الكتاب الذي بأيدي أهل الكتاب الذين يزعمون أنه التوراة أن الله أجله وأنظره وأنه سكن في أرض نود في شرقي عدن وهم يسمونه قنين وأنه ولد له خنوخ ولخنوخ عندر ولعندر محوايل ولمحوايل متوشيل ولمواشيل لامك وتزوج هذا امرأتين عدا وصلا فولدت عدا ولدا اسمه إبل وهو أول من سكن القباب واقتنى المال وولدت أيضا نوبل وهو أول من أخذ في ضرب الونج والصنج وولدت صلا ولدا اسمه توبلقين وهو أول من صنع النحاس والحديد وبنتا اسمها نعمى وفيها أيضا أن آدم طاف على امرأته فولدت غلاما ودعت اسمه شيث (٣) وقالت من أجل انه قد وهب لي خلفا من هابيل الذي قتله قابيل وولد لشيث أنوش قالوا وكان عمر أدم يوم ولد له شيث مائة وثلاثين سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وكان عمر شيث يوم ولد له أنوش مائة وخمسا وستين وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وسبع سنين. وولد له بنون وبنات غير أنوش فولد
стр. 103
لأنوش قينان وله من العمر تسعون سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وخمس عشرة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان عمر قينان سبعين سنة ولد له مهلاييل وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وأربعين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لمهلاييل من العمر خمس وستون سنة ولد له يرد وعاش بعد ذلك ثمانمائة وثلاثين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان ليرد مائة سنة واثنتان وستون سنة ولد له خنوخ وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لخنوخ خمس وستون سنة ولد له متوشلح وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لمتوشلح مائة وسبع وثمانون سنة ولد له لامك وعاش بعد ذلك سبعمائة واثنين وثمانين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان للامك من العمر مائة واثنتان وثمانون سنة ولد له نوح وعاش بعد ذلك خمسمائة وخمسا وتسعين سنة. وولد له بنون وبنات فلما كان لنوح خمسمائة سنة ولد له بنون سام وحام ويافث هذا مضمون ما في كتابهم صريحا.
وفي كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزل من السماء نظر كما ذكره غير واحد من العلماء طاعنين عليهم في ذلك والظاهر أنها مقحمة فيها. ذكرها بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير. وفيها غلط كثير كما سنذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى … وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير في تاريخه عن بعضهم أن حواء ولدت لآدم أربعين ولدا في عشرين بطنا قاله ابن إسحاق وسماهم والله تعالى أعلم. وقيل مائة وعشرين بطنا في كل واحد ذكر وأنثى. أولهم قابيل وأخته قليما. واخرهم عبد المغيث وأخته أم المغيث … ثم انتشر الناس بعد ذلك وكثروا وامتدوا في الأرض ونموا كما قال الله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) [النساء: ١] الآية.
وقد ذكر أهل التاريخ أن آدم ﵇ لم يمت حتى رأى من ذريته من أولاده وأولاد أولاده أربعمائة ألف (١) نسمة والله أعلم … وقال تعالى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين إليها فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) [الأعراف: ١٨٩] الآيات فهذا تنبيه أولا بذكر آدم ثم استطرد إلى الجنس وليس المراد بهذا ذكر آدم وحواء بل لما جرى ذكر الشخص استطرد إلى الجنس كما في قوله تعالى (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) [المؤمنون: ١٢] وقال تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) [الملك: ٥] ومعلوم أن رجوم الشياطين ليست هي أعيان مصابيح السماء وإنما استطرد من شخصها إلى جنسها … فأما الحديث الذي رواه
стр. 104
الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد (١) حدثنا عمر بن إبراهيم حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة [بن جندب] عن النبي ﷺ قال: " لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره ".
وهكذا رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم عند هذه الآية وأخرجه الحاكم في مستدركه كلهم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث به … وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه … وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه فهذه علة قادحة في الحديث أنه روي موقوفا على الصحابي وهذا أشبه والظاهر أنه تلقاه من الإسرائيليات … وهكذا روي موقوفا على ابن عباس. والظاهر أن هذا متلقى عن كعب الاخبار ودونه والله أعلم … وقد فسر الحسن البصري هذه الآيات بخلاف هذا. فلو كان عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه إلى غيره والله أعلم. وأيضا فالله تعالى إنما خلق آدم وحواء ليكونا أصل البشر وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء فكيف كانت حواء لا يعيش لها ولد كما ذكر في هذا الحديث إن كان محفوظا. والمظنون بل المقطوع به ان رفعه إلى النبي ﷺ خطأ والصواب وقفه والله أعلم … وقد حررنا هذا في كتابنا التفسير ولله الحمد.
نعم قد كان آدم وحواء أتقى لله مما ذكر عنهما في هذا. فان آدم أبو البشر الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شئ وأسكنه جنته … وقد روى ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال قالت يا رسول الله كم الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. قلت يا رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير (٢). قلت يا رسول الله من كان أولهم. قال آدم. قلت يا رسول الله نبي مرسل قال: نعم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سواه قيلا ". وقال الطبراني حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا نافع بن هرمز عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ " ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل وأفضل النبيين آدم وأفضل الأيام يوم الجمعة وأفضل الشهور شهر رمضان وأفضل الليالي ليلة القدر وأفضل النساء مريم بنت عمران … وهذا إسناد ضعيف فإن نافعا أبا هرمز كذبه ابن معين وضعفه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وابن حبان وغيرهم والله أعلم.
وقال كعب الأحبار ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم. لحيته سوداء إلى سرته. وليس أحد يكنى في الجنة إلا آدم كنيته في الدنيا أبو البشر وفي الجنة أبو محمد … وقد روى ابن عدي من طريق
стр. 105
سبح (١) ابن أبي خالد عن حماد بن سلمة بن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله مرفوعا أهل الجنة يدعون بأسمائهم إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد … ورواه ابن عدي أيضا من حديث علي بن أبي طالب وهو ضعيف من كل وجه والله أعلم.
وفي حديث الاسراء الذي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما مر بآدم وهو في السماء الدنيا قال له مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح قال: وإذا عن يمينه أسودة (٢) وعن يساره اسودة. فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى. فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا آدم وهؤلاء نسم بنيه … فإذا نظر قبل أهل اليمين وهم أهل الجنة ضحك وإذا نظر قبل أهل الشمال وهم أهل النار بكى هذا معنى الحديث … وقال أبو بكر البزار حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام بن حسان عن الحسن قال كان عقل أدم مثل عقل جميع ولده.
وقال بعض العلماء في قوله ﷺ : " فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن " … قالوا معناه أنه كان على النصف من حسن آدم ﵇ … وهذا مناسب. فإن الله خلق آدم وصوره بيده الكريمة ونفخ فيه من روحه فما كان ليخلق إلا أحسن الأشباه … وقد روينا عن عبد الله بن عمر وابن عمرو أيضا موقوفا ومرفوعا إن الله تعالى لما خلق الجنة قالت الملائكة يا ربنا اجعل لنا هذه فإنك خلقت لبني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون. فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان. وقد ورد الحديث المروي في الصحيحين وغيرهما من طرق أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله خلق آدم على صورته " وقد تكلم العلماء على هذا الحديث فذكروا فيه مسالك كثيرة ليس هذا موضع بسطها والله أعلم.
وفاة آدم ووصيته إلى ابنه شيث
ومعنى شيث هبة الله وسمياه بذلك لأنهما رزقاه بعد أن قتل هابيل (٣) … قال أبو ذر في حديثه عن رسول الله ﷺ : " إن الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف ". على شيث خمسين صحيفة * قال محمد بن إسحاق ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث وعلمه ساعات الليل والنهار وعلمه عبادات تلك الساعات وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك. قال ويقال إن انتساب بني آدم اليوم كلها تنتهي إلى شيث. وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادوا والله أعلم.
стр. 106
ولما توفي آدم ﵇ وكان ذلك يوم الجمعة جاءته الملائكة بحنوط وكفن من عند الله من الجنة. وعزوا فيه ابنه ووصيه شيثا ﵇ … قال ابن إسحاق وكسفت الشمس والقمر سبعة أيام بلياليهن … وقد قال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن يحيى هو ابن ضمرة السعدي قال رأيت شيخا بالمدينة تكلم فسألت عنه فقالوا هذا أبي بن كعب. فقال إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه أي بني إني أشتهي من ثمار الجنة قال فذهبوا يطلبون له فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه ومعهم الفوس (١) والمساحي (٢) والمكاتل (٣) فقالوا لهم يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون أو ما تريدون وأين تطلبون قالوا أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة فقالوا لهم ارجعوا فقد قضى أبوكم فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم فقال إليك عني فإني إنما أتيت من قبلك فخلي بيني وبين ملائكة ربي فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له ولحدوه … وصلوا عليه. ثم أدخلوه قبره فوضعوه في قبره. ثم حثوا عليه. ثم قالوا يا بني آدم هذه سنتكم … إسناد صحيح إليه … وروى ابن عساكر من طريق شيبان بن فروخ عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " كبرت الملائكة على آدم أربعا وكبر أبو بكر على فاطمة أربعا وكبر عمر على أبي بكر أربعا وكبر صهيب على عمر أربعا " … قال ابن عساكر ورواه غيره عن ميمون فقال عن ابن عمر.
واختلفوا في موضع دفنه فالمشهور أنه دفن عند الجبل الذي أهبط منه في الهند (٤) وقيل بجيل أبي قبيس بمكة … ويقال إن نوحا ﵇ لما كان زمن الطوفان حمله هو وحواء في تابوت فدفنهما ببيت المقدس … حكى ذلك ابن جرير … وروى ابن عساكر عن بعضهم أنه قال رأسه عند مسجد إبراهيم ورجلاه عند صخرة بيت المقدس … وقد ماتت بعده حواء بسنة واحدة … واختلف في مقدار عمره ﵇. فقدمنا في الحديث عن ابن عباس وأبي هريرة مرفوعا أن عمره اكتتب في اللوح المحفوظ ألف سنة. وهذا لا يعارضه ما في التوراة من أنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة لان قولهم هذا مطعون فيه مردود إذا خالف الحق الذي بأيدينا مما هو المحفوظ عن المعصوم … وأيضا فإن قولهم هذا يمكن الجمع بينه وبين ما في الحديث فإن ما في التوراة إن كان محفوظا محمول على مدة مقامه في الأرض بعد الاهباط وذلك تسعمائة وثلاثون سنة شمسية وهي بالقمرية تسعمائة وسبع وخمسون
стр. 107
سنة ويضاف إلى ذلك ثلاث وأربعون سنة مدة مقامه في الجنة قبل الاهباط على ما ذكره ابن جرير
وغيره فيكون الجميع ألف سنة (١).
وقال عطاء الخراساني لما مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيام … رواه ابن عساكر فلما مات آدم ﵇ قام بأعباء الامر بعده ولده شيث ﵇. وكان نبيا بنص الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر مرفوعا أنه أنزل عليه خمسون صحيفة. فلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه أنوش فقام بالامر بعده ثم بعده ولده قينن. ثم من بعده ابنه مهلاييل (٢) وهو الذي يزعم الأعاجم من الفرس أنه ملك الأقاليم السبعة وأنه أول من قطع الأشجار وبنى المدائن والحصون الكبار. وأنه هو الذي بنى مدينة بابل ومدينة السوس الأقصى. وأنه قهر إبليس وجنوده وشردهم عن الأرض إلى أطرافها وشعاب جبالها وأنه قتل خلقا من مردة الجن والغيلان وكان له تاج عظيم وكان يخطب الناس ودامت دولته أربعين سنة. فلما مات قام بالامر بعده ولده يرد فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ (٣) وهو إدريس ﵇ على المشهور.
إدريس ﵇
قال الله تعالى (واذكر في الكتاب إدريس انه كان صديقا نبيا … ورفعناه مكانا عليا) (٤) فإدريس ﵇ قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية وهو خنوخ هذا وهو في عمود نسب رسول الله ﷺ على ما ذكره غير واحد من علماء النسب. وكان أول بني آدم أعطى النبوة بعد آدم وشيث ﵉ … وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين (٥). وقد قال طائفة من الناس إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله ﷺ عن الخط بالرمل فقال: " إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك " … ويزعم كثير من علماء التفسير والاحكام أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة (٦) ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء والعلماء
стр. 108
والحكماء والأولياء … وقوله تعالى (ورفعناه مكانا عليا) هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الاسراء أن رسول الله ﷺ مر به وهو في السماء الرابعة … وقد روى ابن جرير عن يونس عن عبد الأعلى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر فقال له: ما قول الله تعالى لإدريس (ورفعناه مكانا عليا) فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه اني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم (لعله من أهل زمانه) فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة فقال [له]: ان الله أوحى إلي وكذا فكلم ملك الموت حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ قال هو ذا على ظهري فقال ملك الموت فالعجب (١) بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض فقبض روحه هناك فذلك قول الله (ورفعناه مكانا عليا).
ورواه ابن أبي حاتم عند تفسيرها … وعنده فقال لذلك الملك: سل لي ملك الموت كم بقي من عمري؟ فسأله وهو معه كم بقي من عمره؟ فقال: لا أدري حتى أنظر، فنظر فقال: إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر … وهذا من الإسرائيليات وفي بعضه نكارة.
وقول ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله (ورفعناه مكانا عليا) قال إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر وإن أراد أنه رفع حيا إلى السماء ثم قبض هناك فلا ينافي ما تقدم عن كعب الأحبار والله أعلم … وقال العوفي عن ابن عباس في قوله (ورفعناه مكانا عليا) رفع إلى السماء السادسة فمات بها. وهكذا قال الضحاك. والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح وهو قول مجاهد وغير واحد … وقال الحسن البصري (ورفعناه مكانا عليا) قال إلى الجنة … وقال قائلون رفع في حياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم … وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بني إسرائيل.
قال البخاري ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس، واستأنسوا في ذلك
стр. 109
بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الاسراء: أنه لما مر به ﵇ قال له: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ولم يقل كما قال آدم وإبراهيم: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قالوا فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قال (١) له … وهذا لا يدل ولابد لأنه قد لا يكون الراوي حفظه جيدا. أو لعله قاله له على سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتصب له في مقام الأبوة كما انتصب لآدم أبي البشر، وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن وأكبر أولي العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
قصة نوح ﵇ (٢)
هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ - وهو إدريس - بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر ﵇ (٣).
كان مولده بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة فيما ذكره ابن جرير وغيره. وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة وكان بينهما عشرة قرون كما قال الحافظ أبو حاتم بن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن عمر بن يوسف حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام سمعت أبا سلام سمعت أبا أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: نعم مكلم. قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. قلت وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الاسلام … فإن كان المراد بالقرن مائة سنة - كما هو المتبادر عند كثير من الناس - فبينهما ألف سنة لا محالة لكن لا ينفي أن يكون أكثر باعتبار ما قيد به ابن عباس بالاسلام إذ قد يكون بينهما قرون أخر متأخرة لم يكونوا على الاسلام لكن حديث أبي أمامة يدل على الحصر في عشرة قرون وزادنا ابن عباس أنهم كلهم كانوا على الاسلام … وهذا يرد قول من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهل الكتاب أن قابيل وبنيه عبدوا النار والله أعلم.
وان كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى (وكم أهلكنا من القرون من بعد
стр. 110
نوح) [الاسراء: ٣٧] وقوله (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) وقال تعالى (وقرونا بين ذلك كثيرا) (١) وقال (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) [مريم: ٧٤] وكقوله ﵇ (خير القرون قرني) الحديث. فقد كانا الجيل قبل نوح يعمرون الدهر الطويلة … فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين والله أعلم.
وبالجملة فنوح ﵇ إنما بعثه الله تعالى لما عبدت الأصنام والطواغيت وشرع الناس في الضلالة والكفر فبعثه الله رحمة للعباد فكان أول رسول بعث إلى أهل الأرض كما يقول له أهل الموقف يوم القيامة … وكان قومه يقال لهم بنو راسب فيما ذكره ابن جبير وغيره.
واختلفوا في مقدار سنه يوم بعث، فقيل كان ابن خمسين سنة. وقيل ابن ثلاثمائة وخمسين سنة وقيل ابن أربعمائة وثمانين سنة. حكاها ابن جرير، وعزا الثالثة منها إلى ابن عباس.
وقد ذكر الله قصته وما كان من قومه، وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان، وكيف أنجاه وأصحاب السفينة، في غير ما موضع من كتابه العزيز … ففي الأعراف ويونس وهود والأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصفات واقتربت وأنزل فيه سورة كاملة … فقال في سورة الأعراف (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم. قال الملا من قومه انا لنراك في ضلال مبين. قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين. أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون. أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون. فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين) [الأعراف: ٥٩ - ٦٤] وقال في سورة يونس (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم ان كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون. فان توليتم فما سألتكم من أجر ان أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين. فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) (١) وقال تعالى في سورة هود (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أني لكم نذير مبين … أن لا تعبدوا الا الله أني أخاف عليكم عذاب يوم أليم … فقال الملا الذين كفروا من قومه ما نراك الا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادئ الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين … قال يا قوم أرأيتم ان كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون. ويا قوم لا أسألكم عليه مالا ان أجري الا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا انهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله أن طردتهم أفلا تذكرون … ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم