يا أبة مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال أي بني، ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قال قلت: كلا والله إنه لخير من ديننا. قال فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته، قال وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم. قال: فقدم عليهم ركب من الشام فجاؤوني (١) النصارى فأخبروني بهم. فقلت [لهم] إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني. قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم. فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين علما؟ قالوا الأسقف في الكنيسة. قال فجئته فقلت له: إني رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك وأخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، فأصلي معك. قال ادخل، فدخلت معه فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا له شيئا كنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، قال وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع. ثم مات واجتمعت له النصارى ليدفنوه. فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه، ولم يعط المساكين منها شيئا. قال فقالوا لي: وما علمك بذلك؟ قال فقلت لهم أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا [عليه]. قال فأريتهم موضعه، فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلما رأوها قالوا: لا ندفنه أبدا قال فصلبوه ورجموه بالحجارة. وجاؤوا برجل آخر فوضعوه مكانه. قال سلمان فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس، أرى أنه أفضل منه [و] أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا [منه]. قال فأحببته حبا لم أحب شيئا قبله مثله. قال فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة فقلت له إني قد كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني به؟ قال أي بني، والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه. لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه فالحق به. قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل. فقلت [له]: يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره، فقال لي أقم عندي. فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له يا فلان إن فلانا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بي وبم تأمرني؟ قال يا بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين (٢) وهو فلان فالحق به، فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته
стр. 772
خبري وما أمرني به صاحباي. فقال أقم عندي فأقمت عنده. فوجدته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له: يا فلان إن فلانا كان أوصي بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصي بي فلان إليك فإلى من توصي بي وبم تأمرني؟ قال يا بني والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجل بعمورية (١) من أرض الروم فإنه على مثل ما نحن عليه. فإن أحببت فائته فإنه على أمرنا. فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري; فقال أقم عندي فأقمت عند خير رجل على هدي أصحابه وأمرهم. قال واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة، قال ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان. ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وبم تأمرني؟ قال أي بني، والله ما أعلم أصبح [اليوم] أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظل زمان نبي، مبعوث بدين إبراهيم يحرج بأرض العرب مهاجره إلى الأرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. قال ثم مات وغيب ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث. ثم مربي نفر من كلب تجار، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه قالوا نعم فأعطيتموها وحملوني معهم، حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي عبدا، فكنت عنده ورأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحق في نفسي. فبينا أنا عنده إلى قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة، فابتاعني فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي لها، فأقمت بها وبعث رسول الله ﷺ فأقام بمكة ما أقام ولا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل. وسيدي جالس تحتي، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل الله بني قيلة (٢). والله إنهم لمجتمعون الآن بقباء (٣) على رجل قدم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي. قال سلمان فلما سمعتها أخذتني الرعدة حتى ظننت أني ساقط على سيدي فنزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة. ثم قال مالك ولهذا؟ أقبل على عملك، قال فقلت لا شئ إنما أردت أن استثبته عما قال. قال وقد كان عندي شئ قد جمعته فلما أمسيت أخذته. ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء - فدخلت عليه فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شئ كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم. قال فقربته إليه فقال رسول الله ﷺ لأصحابه " كلوا " وأمسك يده
стр. 773
فلم يأكل، فقلت في نفسي هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة. ثم جئته فقلت له إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها. قال فأكل رسول الله ﷺ منها وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال فقلت في نفسي هاتان ثنتان. قال ثم جئت رسول الله ﷺ وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه وعليه شملتان (١) وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه. ثم استدبرته أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته عرف أني استثبت في شئ وصف لي. فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكي فقال لي رسول الله ﷺ : " تحول " فتحولت بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا بن عباس. فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذاك أصحابه. ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد. قال سلمان. ثم قال لي رسول الله ﷺ : " كاتب يا سلمان " فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير (٢) وأربعين أوقية. فقال رسول الله ﷺ ، " لأصحابه " أعينوا أخاكم " فأعانوني في النخل: الرجل بثلاثين ودية، والرجل بعشرين ودية، والرجل بخمس عشرة ودية والرجل بعشرة (٣). يعين الرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية. فقال لي رسول الله ﷺ : " اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فائتني أكن أنا أضعها بيدي ". قال: ففقرت، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت جئته فأخبرته. فخرج رسول الله ﷺ معي إليها. فجعلنا نقرب إليه الودي، ويضعه رسول الله ﷺ بيده حتى إذا فرغنا فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة (٤). فأديت النخل وبقي علي المال. فأتى رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن. فقال " ما فعل الفارسي المكاتب؟ " قال فدعيت له قال " خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان " قال قلت: وأين تقع هذه مما على يا رسول الله؟ قال: " خذها فإن الله سيؤدي بها عنك " قال فأخذتها فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمان بيده - أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم وعتق سلمان. فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق حرا ثم لم يفتني معه مشهد (٥).
стр. 774
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حسب عن رجل من عبد القيس عن سلمان أنه قال لما قلت وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله؟ أخذها رسول الله ﷺ فقلبها على لسانه، ثم قال: " خذها فأوفهم منها " فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم كله أربعين أوقية.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبد العزيز بن مروان قال حدثت عن سلمان أنه قال لرسول الله ﷺ حين أخبره أن صاحب عمورية قال له: إيت كذا وكذا وكذا من أرض الشام، فإن بها رجلان بين غيضتين (١) يخرج كل سنة من هذه الغيضة مستجيزا يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لاحد منهم إلا شفي، فاسأله عن هذا الدين الذي تبتغي فهو يخبرك عنه قال سلمان فخرجت حتى جئت حيث وصف لي فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك، حتى يخرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى. فغشيه الناس بمرضاهم، لا يدعو لمريض إلا شفي، وغلبوني عليه، فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخل إلا منكبه. قال فتناولته فقال: من هذا؟ والتفت إلي قال قلت يرحمك الله أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم، قال إنك لتسأل عن شئ ما يسأل عنه الناس اليوم، قد أظلك زمان نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فأته فهو يحملك عليه. ثم دخل. فقال رسول الله ﷺ لسلمان: " لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم " هكذا وقع في هذه الرواية. وفيها رجل مبهم وهو شيخ عاصم بن عمر بن قتادة. وقد قيل إنه الحسن بن عمارة ثم هو منقطع بل معضل بين عمر بن عبد العزيز وسلمان ﵁. قوله لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم غريب جدا بل منكر. فإن الفترة أقل ما قيل فيها انها أربعمائة سنة، وقيل ستمائة سنة بالشمسية، وسلمان أكثر ما قيل إنه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة. وحكى العباس ابن يزيد البحراني إجماع مشايخه على أنه عاش مائتين وخمسين سنة. واختلفوا فيما زاد إلى ثلاثمائة وخمسين سنة والله أعلم. والظاهر أنه قال لقد لقيت وصي عيسى بن مريم فهذا ممكن بالصواب.
وقال السهيلي: الرجل المبهم هو الحسن بن عمارة وهو ضعيف وإن صح لم يكن فيه نكارة. لان ابن جرير ذكر أن المسيح نزل من السماء بعدما رفع فوجد أمه وامرأة أخرى يبكيان عند جذع المصلوب فأخبرهما أنه لم يقتل وبعث الحواريين بعد ذلك. قال وإذا جاز نزوله مرة جاز نزوله مرارا ثم يكون نزوله الظاهر حين يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويتزوج حينئذ امرأة من بني جذام وإذا مات دفن في حجرة روضة رسول الله ﷺ .
وقد روى البيهقي (٢) في كتاب دلائل النبوة قصة سلمان هذه من طريق يونس بن بكير عن
стр. 775
محمد بن إسحاق كما تقدم ورواها أيضا عن الحاكم عن الأصم عن يحيى بن أبي طالب. حدثنا علي بن عاصم حدثنا حاتم بن أبي صفرة (١) عن سماك بن حرب عن يزيد (٢) بن صوحان أنه سمع سلمان يحدث كيف كان أول إسلامه. فذكر قصة طويلة وذكر أنه كان من رامهرمز وكان له أخ أكبر منه غني وكان سلمان فقيرا في كنف أخيه، وأن ابن دهقانها كان صاحبا له وكان يختلف معه إلى معلم لهم وأنه كان يختلف ذلك الغلام إلى عباد من النصارى في كهف لهم فسأله سلمان أن يذهب به معه إليهم فقال له إنك غلام وأخشى أن تنم عليهم فيقتلهم أبي، فالتزم له أن لا يكون منه شئ يكرهه فذهب به معه فإذا هم ستة - أو سبعة - كأن الروح قد خرجت منهم من العبادة يصومون النهار ويقومون الليل يأكلون الشجر وما وجدوا فذكر عنهم أنهم يؤمنون بالرسل المتقدمين وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته أيده بالمعجزات. وقالوا له يا غلام إن لك ربا وإن لك معادا وإن بين يديك جنة ونارا وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دينه. ثم جعل يتردد مع ذلك الغلام إليهم ثم لزمهم سلمان بالكلية ثم أجلاهم ملك تلك البلاد وهو أبو ذلك الغلام الذي صحبه سلمان إليهم عن أرضه واحتبس الملك ابنه عنده وعرض سلمان دينهم وعلى أخيه الذي هو أكبر منه فقال إني مشتغل بنفسي في طلب المعيشة فارتحل معهم سلمان حتى دخلوا كنيسة الموصل فسلم عليهم أهلها ثم أرادوا أن يتركوني عندهم فأبيت إلا صحبتهم فخرجوا حتى أتوا واديا بين جبال فتحدر إليهم رهبان تلك الناحية يسلمون عليهم واجتمعوا إليهم وجعلوا يسألونهم عن غيبتهم عنهم ويسألونهم عني فيثنون علي خيرا، وجاء رجل معظم فيهم فخطبهم فأثنى على الله بما هو أهله وذكر الرسل وما أيدوا به وذكر عيسى بن مريم وأنه كان عبد الله ورسوله وأمرهم بالخير ونهاهم عن الشر، ثم لما أرادوا الانصراف تبعه سلمان ولزمه قال فكان يصوم النهار ويقوم الليل من الأحد إلى الأحد فيخرج إليهم ويعظهم ويأمرهم وينهاهم فمكث على ذلك مدة طويلة، ثم أراد أن يزور بيت المقدس فصحبه سلمان إليه قال فكان فيما يمشي يلتفت إلي ويقبل علي فيعظني ويخبرني أن لي ربا وأن بين يدي جنة ونارا وحسابا ويعلمني ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الأحد قال فيما يقول لي: يا سلمان إن الله سوف يبعث رسولا اسمه أحمد يخرج من تهامة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم [النبوة] وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسبني أدركه فإن أدركته أنت فصدقه واتبعه، قلت له وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه؟ قال وإن أمرك فإن الحق فيما يجئ به ورضي الرحمن فيما قال. ثم ذكر قدومهما إلى بيت المقدس وأن صاحبه صلى فيه هاهنا وهاهنا ثم نام وقد أوصاه أنه إذا بلغ الظل مكان كذا أن يوقظه فتركه سلمان حينا آخر أزيد مما قال ليستريح، فلما استيقظ ذكر
стр. 776
الله ولام سلمان على ترك ما أمره من ذلك ثم خرجا من بيت المقدس فسأله مقعد فقال يا عبد الله سألتك حين وصلت فلم تعطني شيئا وها أنا أسألك فنظر فلم يجد أحدا فأخذ بيده وقال قم بسم الله فقام وليس به بأس ولا قلبة كأنما نشط من عقال. فقال لي يا عبد الله احمل علي متاعي حتى أذهب إلى أهلي فأبشرهم، فاشتغلت به ثم أدركت الرجل فلم ألحقه ولم أدر أين ذهب وكلما سألت عنه قوما قالوا أمامك حتى لقيني ركب من العرب من بني كلب فسألتهم فلما سمعوا لغتي أناخ رجل منهم بعيره فحملني خلفه حتى أتوا بي بلادهم. فباعوني فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها وقدم رسول الله ﷺ ; ثم ذكر ذهابه إليه بالصدقة والهدية ليستعلم ما قال صاحبه، ثم تطلب النظر إلى خاتم النبوة فلما رآه آمن من ساعته. وأخبر رسول الله ﷺ خبره الذي جرى له. قال فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق فاشتراه من سيدته فأعتقه، قال ثم سألته يوما عن دين النصارى فقال: لا خير فيهم. قال فوقع في نفسي من أولئك الذين صحبتهم ومن ذلك الرجل الصالح الذي كان معي ببيت المقدس فدخلني من ذلك أمر عظيم حتى أنزل الله على رسول الله ﷺ : (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) [المائدة: ٨٢] فدعاني رسول الله ﷺ فجئت وأنا خائف فجلست بين يديه فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) الآيات. ثم قال: " يا سلمان أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى كانوا مسلمين " فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لهو أمرني باتباعك. فقلت له: فإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه؟ قال: نعم، فاتركه فإن الحق وما يرضى الله فيما يأمرك. وفي هذا السياق غرابة كثيرة وفيه بعض المخالفة لسياق محمد بن إسحاق وطريق محمد بن إسحاق أقوى إسنادا وأحسن اقتصاصا وأقرب إلى ما رواه البخاري في صحيحه من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي عن أبيه عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي أنه تداوله بضعة عشر، من رب إلى رب، أي من معلم إلى معلم ومرب إلى مثله والله أعلم.
قال السهيلي: تداوله ثلاثون سيدا من سيد إلى سيد، فالله أعلم. وكذلك استقصى قصة إسلامه الحافظ أبو نعيم في الدلائل وأورد لها أسانيد وألفاظا كثيرة، وفي بعضها أن اسم سيدته التي كاتبته حلبسة فالله أعلم.
ذكر أخبار غريبة في ذلك.
قال أبو نعيم في الدلائل: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكريا الغلابي (١) حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي السوية المنقري حدثنا عباد بن كسيب عن أبيه عن أبي
стр. 777
عتوارة الخزاعي عن سعير بن سوادة العامري قال كنت عشيقا لعقيلة من عقائل الحي، أركب لها الصعب والذلول لا أبقى من البلاد مسرحا أرجوا ربحا في متجر إلا أتيته، فانصرفت من الشام بحرث وإناث أريد به كبة (١) الموسم ودهماء العرب، فدخلت مكة بليل مسدف فأقمت حتى تعرى عني قميص الليل فرفعت رأسي فإذا قباب مسامتة شعف الجبال، مضروبة بأنطاع الطائف وإذا جزر تنحر وأخرى تساق، وإذا أكلة وحثثة على الطهاة يقولون: ألا عجلوا ألا عجلوا، وإذا رجل يجهر على نشز من الأرض، ينادي يا وفد الله ميلوا إلى الغداء. وأنيسان على مدرجة يقول: يا وفد الله من طعم فليرح إلى العشاء، فجهرني (٢) ما رأيت فأقبلت أريد عميد القوم، فعرف رجل الذي بي، فقال أمامك، وإذا شيخ كأن في خديه الأساريع (٣)، وكأن الشعرى توقد من جبينه، قد لاث على رأسه عمامة سوداء قد أبرز من ملائها جمة فينانة كأنها سماسم. قال في بعض الروايات تحته كرسي سماسم (٤) ومن دونها نمرقة بيده قضيب متخصر به حوله شمايخ جلس نواكس الأذقان ما منهم أحد يفيض بكلمة. وقد كان نمي إلي خبر من أخبار الشام أن النبي الأمي هذا أوان نجومه، فلما رأيته ظننته ذلك. فقلت السلام عليك يا رسول الله. فقال: مه مه، كلا وكأن قد وليتني إياه فقلت من هذا الشيخ؟ فقالوا هذا أبو نضلة (٥)، هذا هاشم بن عبد مناف، فوليت وأنا أقول هذا والله المجد لا مجد آل جفنة - يعني ملوك عرب الشام من غسان كان يقال لهم آل جفنة -. وهذه الوظيفة التي حكاها عن هاشم هي الرفادة يعني إطعام الحجيج زمن الموسم.
وقال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا محمد بن أحمد بن أبي يحيى حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا علي بن قتيبة الخراساني حدثنا خالد بن الياس عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم عن أبيه عن جده. قال سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب قال. بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعا شديدا، فأتيت كاهنة قريش وعلي مطرف خز وجمتي تضرب منكبي فلما نظرت إلي عرفت في وجهي التغيير وأنا يومئذ سيد قومي فقالت: ما بال سيدنا قد أتانا متغير اللون؟ هل رابه من حدثان الدهر شئ؟ فقلت لها بلى! وكان لا يكلمها أحد من الناس حتى يقبل يدها اليمني، ثم يضع يده على أم رأسها ثم يذكر حاجته ولم أفعل لأني [كنت]
стр. 778
كبير قومي. فجلست فقلت إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر كأن شجرة تنبت (١) قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا. ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وهي تزداد كل ساعة عظما ونورا وارتفاعا ساعة تخفى وساعة تزهر، ورأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها. فإذا دنوا منها أخرهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها ولا أطيب منه ريحا فيكسر أظهرهم، ويقلع أعينهم. فرفعت يدي لا تناول منها نصيبا، فمنعني الشاب فقلت لمن النصيب؟ فقال النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها وسبقوك إليها. فانتبهت مذعورا فزعا فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب ويدين له الناس ثم قال - يعني عبد المطلب - لأبي طالب، لعلك تكون هذا المولود قال فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث بعدما ولد رسول الله ﷺ وبعدما بعث. ثم قال كانت الشجرة والله أعلم أبا القاسم الأمين، فيقال لأبي طالب ألا تؤمن؟ فيقول السبة والعار.
وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكرياء الغلابي حدثنا العباس بن بكار الضبي حدثنا أبو بكر الذهلي عن عكرمة عن ابن عباس. قال قال العباس: خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب - منهم أبو سفيان بن حرب، فقدمت اليمن فكنت أصنع يوما طعاما وانصرف بأبي سفيان وبالنفر ويصنع أبو سفيان يوما، ويفعل مثل ذلك، فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه، هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي وترسل إلي غداءك؟ فقلت نعم. فانصرفت أنا والنفر إلى بيته وأرسلت إلى الغداء فلما تغدى القوم قاموا واحتبسني فقال هل علمت يا أبا الفضل أن ابن أخيك يزعم أنه رسول الله فقلت أي بني أخي؟ فقال أبو سفيان إياي تكتم؟ وأي بني أخيك ينبغي أن يقول هذا إلا رجل واحد؟ قلت وأيهم على ذلك؟ قال: هو محمد بن عبد الله، فقلت قد فعل؟ قال بلى قد فعل. وأخرج كتابا باسمه من ابنه حنظلة بن أبي سفيان فيه: أخبرك أن محمدا قام بالأبطح فقال: " أنا رسول أدعوكم إلى الله " فقال العباس قلت: جده يا أبا حنظلة صادق. فقال مهلا يا أبا الفضل فوالله ما أحب أن يقول مثل هذا، إني لا أخشى أن يكون على ضير من هذا الحديث يا بني عبد المطلب، إنه والله ما برحت قريش تزعم أن لكم هنة وهنة، كل واحدة منهما غاية. لنشدتك يا أبا الفضل هل سمعت ذلك؟ قلت نعم قد سمعت. قال فهذه والله شؤمتكم. قلت فلعلها يمنتنا، قال فما كان بعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد الله بن حذافة بالخبر وهو مؤمن، ففشا ذلك في مجالس اليمن، وكان أبو سفيان يجلس مجلسا باليمن يتحدث فيه حبر من أحبار اليهود، فقال له اليهودي ما هذا الخبر؟ بلغني أن فيكم عم هذا الرجل الذي قال ما قال؟ قال أبو سفيان صدقوا وأنا عمه، فقال اليهودي أخو أبيه؟ قال نعم! قال
стр. 779
فحدثني عنه قال لا تسألني ما أحب أن يدعى هذا الامر أبدا، وما أحب أن أعيبه وغيره خير منه، فرأى اليهودي أنه لا يغمس عليه ولا يحب أن يعيبه. فقال اليهودي ليس به بأس على اليهود، وتوراة موسى. قال العباس فناداني الحبر، فجئت فخرجت حتى جلست ذلك المجلس من الغد، وفيه أبو سفيان بن حرب والحبر، فقلت للحبر بلغني أنك سألت ابن عمي عن رجل منا زعم أنه رسول الله ﷺ وأخبرك أنه عمه، وليس بعمه. ولكن ابن عمه وأنا عمه وأخو أبيه. قال أخو أبيه؟ قلت أخو أبيه، فأقبل على أبي سفيان فقال صدق؟ قال نعم صدق، فقلت: سلني فإن كذبت فليرد علي، فأقبل علي فقال نشدتك هل كان لابن أخيك صبوة أو سفهة؟ قلت لا وإله عبد المطلب ولا كذب ولا خان، وإنه كان اسمه عند قريش الأمين. قال فهل كتب بيده؟ قال العباس فظننت أنه خير له أن يكتب بيده فأردت أن أقولها ثم ذكرت مكان أبي سفيان يكذبني ويرد علي فقلت لا يكتب فوثب الحبر ونزل رداؤه وقال ذبحت يهود، وقتلت يهود. قال العباس فلما رجعنا إلى منزلنا، قال أبو سفيان يا أبا الفضل إن اليهود تفزع من ابن أخيك، قلت قد رأيت ما رأيت، فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به، فإن كان حقا كنت قد سبقت وإن كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك؟ قال لا أؤمن به حتى أرى الخيل في كداء (١)، قلت ما تقول؟ قال كلمة جاءت على فمي إلا أني أعلم أن الله لا يترك خيلا تطلع من كداء. قال العباس فلما استفتح رسول الله ﷺ مكة ونظرنا إلى الخيل وقد طلعت من كداء، قلت يا أبا سفيان تذكر الكلمة؟ قال: إي والله إني لذاكرها فالحمد لله الذي هداني للاسلام. وهذا سياق حسن عليه البهاء والنور وضياء الصدق وان كان في رجاله من هو متكلم فيه والله أعلم.
وقد تقدم ما ذكرناه في قصة أبي سفيان مع أمية بن أبي الصلت، وهو شبيه بهذا الباب وهو من أغرب الاخبار وأحسن السياقات وعليه النور. وسيأتي أيضا قصة أبي سفيان مع هرقل ملك الروم حين سأله عن صفات رسول الله ﷺ وأحواله، واستدلاله بذلك على صدقه ونبوته ورسالته. وقال له: كنت أعلم أنه خارج، ولكن لم أكن أظن أنه فيكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقيه. ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ولئن كان ما تقول حقا ليملكن موضع قدمي هاتين. وكذلك وقع ولله الحمد والمنة.
وقد أكثر الحافظ أبو نعيم من إيراد الآثار والاخبار عن الرهبان والأحبار العرب. فأكثر وأطنب وأحسن وأطيب ﵀ ورضي عنه.
قصة عمرو بن مرة الجهني
قال الطبراني: حدثنا علي بن إبراهيم الخزاعي الأهوازي حدثنا عبد الله بن داود بن دلهاث
стр. 780
ابن إسماعيل بن عبد الله بن شريح بن ياسر بن سويد صاحب رسول الله ﷺ حدثنا أبي عن أبيه دلهاث عن أبيه إسماعيل أن أباه عبد الله حدثه عن أبيه أن أباه ياسر بن سويد حدثه عن عمرو بن مرة الجهني قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية، فرأيت في نومي وأنا بمكة، نورا ساطعا من الكعبة حتى وصل إلى جبل يثرب. وأشعر جهينة. فسمعت صوتا بين النور وهو يقول: انقشعت الظلماء، وسطع الضياء، وبعث خاتم الأنبياء (١). ثم أضاء إضاءة أخرى، حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن (٢)، وسمعت صوتا من النور وهو يقول: ظهر الاسلام، وكسرت الأصنام، ووصلت الأرحام، فانتبهت فزعا فقلت لقومي: والله ليحدثن لهذا الحي من قريش حدث - وأخبرتهم بما رأيت فلما انتهينا إلى بلادنا جاءني [الخبر أن رجلا] (٣) يقال له أحمد قد بعث فأتيته فأخبرته (٤) بما رأيت. فقال [لي]: " يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة. أدعوهم إلى الاسلام، وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام، وعبادة الله ورفض الأصنام، وحج البيت وصيام شهر رمضان من اثني عشر شهرا. فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار. فآمن يا عمرو يؤمنك الله من هول جهنم " فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله آمنت بما جئت من حلال وحرام، وإن رغم ذلك كثيرا من الأقوام، ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به. وكان لنا صنم. وكان أبي سادنا له فقمت إليه فكسرته. ثم لحقت بالنبي ﷺ وأنا أقول:
شهدت بأن الله حق وإنني … لآلهة الأحجار أول تارك
وشمرت عن ساق الإزار مهاجرا … إليك أجوب القفر بعد الدكادك (٥)
لأصحب خير الناس نفسا ووالدا … رسول مليك الناس فوق الحبائك
فقال النبي ﷺ : " مرحبا بك يا عمرو بن مرة " فقلت يا رسول الله ابعثني إلى قومي. لعل الله يمن عليهم بي كما من علي بك، فبعثني إليهم. وقال: " عليك بالرفق والقول السديد. ولا
стр. 781
تكن فظا. ولا متكبرا ولا حسودا " فذكر أنه أتى قومه، فدعاهم إلى ما دعاه إليه رسول الله ﷺ فأسلموا كلهم. إلا رجلا واحدا منهم (١)، وإنه وفد بهم إلى رسول الله ﷺ . فرحب بهم وحياهم. وكتب لهم كتابا هذه نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من الله [العزيز] على لسان رسول الله ﷺ ، بكتاب صادق، وحق ناطق مع عمرو بن مرة الجهني لجهينة بن زيد: إن لكم بطون الأرض وسهولها، وتلاع الأودية وظهورها، تزرعون نباته وتشربون صافيه، على أن تقروا بالخمس، وتصلوا صلاة الخمس وفي التبيعة والصريمة ان اجتمعتا وان تفرقتا شاة شاة، ليس على أهل الميرة صدقة، ليس الوردة اللبقة وشهد على نبينا ﷺ من حضر من المسلمين بكتاب قيس بن شماس " (٢). وذكر شعرا قاله عمرو بن مرة في ذلك كما هو مبسوط في المسند الكبير وبالله الثقة وعليه التكلان.
وقال الله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) [الأحزاب: ٧] قال كثيرون من السلف: لما أخذ الله ميثاق بني آدم يوم (ألست بربكم؟) أخذ من النبيين ميثاقا خاصا; وأكد مع هؤلاء الخمسة أولي
стр. 782
العزم أصحاب الشرائع الكبار الذين أولهم نوح وآخرهم محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقد روى الحافظ أبو نعيم في كتاب " دلائل النبوة " من طرق عن الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة: سئل النبي ﷺ متى وجبت لك النبوة؟ قال: " بين خلق آدم ونفخ الروح فيه " وهكذا رواه الترمذي من طريق الوليد بن مسلم. وقال حسن غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا يعقوب بن إسحاق بن الزبير الحلبي حدثنا أبو جعفر النفيلي حدثنا عمرو بن واقد عن عروة بن رويم عن الصنابحي (١). قال قال عمر: يا رسول الله، متى جعلت نبيا؟ قال: " وآدم منجدل في الطين " ثم رواه من حديث نصر بن مزاحم عن قيس بن الربيع عن جابر الجعفي عن الشعبي عن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد " وفي الحديث الذي أوردناه في قصة آدم حين استخرج الله من صلبه ذريته خص الأنبياء بنور بين أعينهم. والظاهر - والله أعلم - أنه كان على قدر منازلهم ورتبهم عند الله. وإذا كان الامر كذلك فنور محمد ﷺ كان أظهر وأكبر وأعظم منهم كلهم. وهذا تنويه عظيم وتنبيه ظاهر على شرفه وعلو قدره. وفي هذا المعنى الحديث الذي قال الإمام أحمد. حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض بن سارية. قال قال رسول الله ﷺ : " إني عند (٢) الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت. وكذلك أمهات المؤمنين يرين " ورواه الليث وابن وهب عن عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح وزاد " إنه أمه رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام " وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن حدثنا منصور بن سعيد عن بديل عن عبد الله بن شقيق عن ميسرة الفجر قال قلت يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد "، إسناده جيد أيضا وهكذا رواه إبراهيم بن طهمان وحماد بن زيد وخالد الحذاء عن بديل بن ميسرة به. ورواه أبو نعيم عن محمد بن عمر بن أسلم عن محمد بن بكر بن عمرو الباهلي عن شيبان عن الحسن بن دينار عن عبد الله بن سفيان عن ميسرة الفجر قال: قلت يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال: " وآدم بين الروح والجسد ".
стр. 783
وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة (١): حدثنا أبو عمرو بن حمدان حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن خليد بن دعلج وسعيد عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، في قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) قال: " كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث " ثم رواه من طريق هشام بن عمار عن بقيع عن سعيد بن نسير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعا مثله. وقد رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة وشيبان عن قتادة قال ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال مثله. وهذا أثبت وأصح والله أعلم. وهذا إخبار عن التنويه يذكره في الملأ الأعلى وأنه معروف بذلك بينهم بأنه خاتم النبيين وآده لم ينفخ فيه الروح، لان علم الله تعالى بذلك سابق قبل خلق السماوات والأرض لا محالة فلم يبق إلا هذا الذي ذكرناه من الاعلام به في الملأ الأعلى والله أعلم.
وقد أورد أبو نعيم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة الحديث المتفق عليه " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم " وزاد أبو نعيم في آخره: فكان ﷺ آخرهم في البعث وبه ختمت النبوة. وهو السابق يوم القيامة. لأنه أول مكتوب في النبوة والعهد. ثم قال: ففي هذا الحديث الفضيلة لرسول الله ﷺ لما أوجب الله له النبوة قبل تمام خلق آدم. ويحتمل أن يكون هذا الايجاب هو ما أعلم الله ملائكته ما سبق في علمه وقضائه من بعثته له في آخر الزمان وهذا الكلام يوافق ما ذكرناه ولله الحمد.
وروى الحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - وفيه كلام - عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : " لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمد ولم أخلقه بعد؟ فقال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله. فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي وإذ قد سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك " قال البيهقي: تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف والله أعلم (٢). وقد قال الله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم
стр. 784
رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري؟ قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) [آل عمران: ٨١ - ٨٢] قال علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ﵄: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه وهذا تنويه وتنبيه على شرفه وعظمته في سائر الملل وعلى ألسنة الأنبياء وإعلام لهم ومنهم برسالته في آخر الزمان. وإنه أكرم المرسلين وخاتم النبيين. وقد أوضح أمره وكشف خبره وبين سره، وجلى مجده ومولده وبلده إبراهيم الخليل في قوله ﵇ حين فرغ من بناء البيت (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) [البقرة: ١٢٩] فكان أول بيان أمره على الجلية والوضوح بين أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل أكرم الأنبياء على الله بعد محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهما وعلى سائر الأنبياء. ولهذا قال الإمام أحمد حدثنا أبو النضر حدثنا الفرج - يعني ابن فضالة - حدثنا لقمان بن عامر سمعت أبا أمامة قال قلت يا نبي الله ما كان بدء أمرك؟ قال: " دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام " (١) تفرد به الإمام أحمد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. وروى الحافظ أبو بكبر بن أبي عاصم في كتاب المولد من طريق بقية عن صفوان بن عمرو عن حجر بن حجر عن أبي مريق أن إعرابيا قال يا رسول الله أي شئ كان أول أمر نبوتك؟ فقال: " أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم. ورأت أم رسول الله ﷺ في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام ". وقال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: " دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى. ورأت أمي حين حبلت كأنه خرج منها نور أضاءت له بصرى من أرض الشام " (٢) إسناده جيد أيضا. وفيه بشارة لأهل محلتنا أرض بصرى وإنها أول بقعة من أرض الشام خلص إليها نور النبوة، ولله الحمد والمنة ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام وكان فتحها صلحا في خلافة أبي بكر ﵁، كما سيأتي بيانه. وقد قدمها رسول الله ﷺ مرتين في صحبة عمه أبي طالب وهو ابن اثنتي عشرة سنة وكانت عندها قصة بحيرى الراهب كما بيناه. والثانية ومعه ميسرة مولى خديجة في تجارة لها. وبها مبرك الناقة التي يقال لها ناقة
стр. 785
رسول الله ﷺ بركت عليه فأثر ذلك فيها فيما يذكر. ثم نقل وبنى عليه مسجد مشهور اليوم. وهي المدينة التي أضاءت أعناق الإبل عندها من نور النار التي خرجت من أرض الحجاز سنة أربع وخمسين وستمائة وفق ما أخبر به رسول الله ﷺ في قوله: " تخرج نار من أرض الحجاز تضئ لها أعناق الإبل ببصرى " وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان. وقال الله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم. فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) [الأعراف: ١٥٧] الآية. قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل عن الجريري، عن أبي صخر العقيلي، حدثني رجل من الاعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله ﷺ . فلما فرغت من بيعي قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه. قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرأها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجملهم. فقال رسول الله ﷺ : " أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي؟ " فقال برأسه هكذا - أي لا - فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وأشهد أن لا إله إلا الله، وإنك رسول الله. فقال: " أقيموا اليهودي عن أخيكم " ثم ولى كفنه والصلاة عليه. هذا إسناد جيد وله شواهد في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ (١). وقال أبو القاسم البغوي حدثنا عبد الواحد بن غياث - أبو بحر - حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا عصام بن كليب عن أبيه عن الصلتان بن عاصم وذكر أن خاله قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ إذ شخص بصره إلى رجل فإذا يهودي عليه قميص وسراويل ونعلان. قال فجعل النبي ﷺ يكلمه وهو يقول: يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : " أتشهد أني رسول الله؟ " قال لا. قال رسول الله ﷺ : " أتقرأ التوراة؟ " قال نعم قال: " أتقرأ الإنجيل؟ " قال نعم. قال: " والقرآن؟ " قال لا. ولو تشاء قرأته. فقال النبي ﷺ : " فبم تقرأ التوراة والإنجيل، أتجدني نبيا؟ " قال إنا نجد نعتك ومخرجك. فلما خرجت رجونا أن تكون فينا. فلما رأيناك عرفناك أنك لست به. قال رسول الله ﷺ : " ولم يا يهودي؟ " قال: إنا نجده مكتوبا، يدخل من أمته الجنة سبعون ألفا بغير حساب، ولا نرى معك إلا نفرا يسيرا. فقال رسول الله ﷺ : " إن أمتي لأكثر من سبعين ألفا وسبعين ألفا ". هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه. وقال محمد بن إسحاق عن سالم مولى عبد الله بن مطيع عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله ﷺ يهود فقال: " أخرجوا أعلمكم " فقالوا عبد الله بن صوريا، فخلا به رسول الله ﷺ ، فناشده بدينه، وما أنعم الله به عليهم، وأطعمهم من المن
стр. 786
والسلوى، وظللهم به من الغمام " أتعلمني رسول الله؟ قال اللهم نعم. وان القوم ليعرفون ما أعرف، وأن صفتك ونعتك لمبين في التوراة. ولكنهم حسدوك. قال: " فما يمنعك أنت؟ " قال أكره خلاف قومي. وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم (١). وقال سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول كتب رسول الله ﷺ إلى يهود خيبر:
"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله صاحب موسى، وأخيه، والمصدق بما جاء به موسى، ألا إن الله قال لكم يا معشر يهود وأهل التوراة، إنكم تجدن ذلك في كتابكم: إن محمدا: (رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود. ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار. وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما). وإني أنشدكم بالله وبالذي أنزل عليكم، وأنشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسلافكم وأسباطكم المن والسلوى، وأنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاكم من فرعون وعمله إلا أخبرتمونا هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟ فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم، قد تبين الرشد من الغي. وأدعوكم إلى الله وإلى نبيه ﷺ " (٢).
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب " المبتدأ " عن سعيد بن بشير عن قتادة عن كعب الأحبار، وروى غيره عن وهب بن منبه أن بختنصر بعد أن خرب بيت المقدس واستذل بني إسرائيل بسبع سنين، رأى في المنام رؤيا عظيمة هالته فجمع الكهنة والحزار، وسألهم عن رؤياه تلك. فقالوا ليقصها الملك حتى نخبره بتأويلها. فقال: إني نسيتها، وإن لم تخبروني بها إلى ثلاثة أيام قتلتكم عن آخركم. فذهبوا خائفين وجلين من وعيده. فسمع بذلك دانيال ﵇ وهو في سجنه. فقال للسجان: اذهب إليه فقل له إن هاهنا رجلا عنده علم رؤياك وتأويلها. فذهب إليه فأعلمه فطلبه، فلما دخل عليه لم يسجد له. فقال له ما منعك من السجود لي؟ فقال: إن الله آتاني علما وعلمني وأمرني أن لا أسجد لغيره. فقال له بختنصر إني أحب الذين يوفون لأربابهم بالعهود. فأخبرني عن رؤياي. قال له دانيال: رأيت صنما عظيما رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، أعلاه من ذهب ووسطه من فضة، وأسفله من نحاس، وساقاه من حديد، ورجلاه من
стр. 787
فخار، فبينا أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه وإحكام صنعته قذفه الله بحجر من السماء. فوقع على قمة رأسه حتى طحنه واختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره حتى تخيل لك أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك. ونظرت إلى الحجر الذي قذف به يربو ويعظم وينتشر حتى ملا الأرض كلها فصرت لا ترى إلا الحجر والسماء. فقال له بختنصر صدقت هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها؟ فقال دانيال أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان وفي وسطه وفي آخره; وأما الحجر الذي قذف به الصنم فدين يقذف الله به هذه الأمم في آخر الزمان فيظهره عليها فيبعث الله نبيا أميا من العرب فيدوخ به الأمم والأديان كما رأيت الحجر دوخ أصناف الصنم ويظهر على الأديان والأمم كما رأيت الحجر ظهر على الأرض كلها، فيمحص الله به الحق ويزهق به الباطل ويهدي به أهل الضلالة ويعلم به الأمين ويقوى به الضعفة ويعز به الأذلة وينصر به المستضعفين. وذكر تمام القصة في اطلاق بختنصر بني إسرائيل على يدي دانيال ﵇، وذكر الواقدي بأسانيده عن المغيرة بن شعبة في قصة وفوده على المقوقس ملك الإسكندرية وسؤاله له عن صفات رسول الله ﷺ قريبا من سؤال هرقل لأبي سفيان صخر بن حرب وذكر أنه سأل أساقفة النصارى في الكنائس عن صفة رسول الله ﷺ وأخبروه عن ذلك وهي قصة طويلة ذكرها الحافظ أبو نعيم في الدلائل. وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ مر بمدارس (١) اليهود فقال لهم: " يا معشر اليهود أسلموا فوالذي نفسي بيده إنكم لتجدون صفتي في كتبكم " الحديث. وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود حدثنا فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت أخبرني عن صفات رسول الله ﷺ في التوراة فقال أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيموا الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا. ورواه البخاري عن محمد بن سنان العوفي (٢) عن فليح به. ورواه أيضا عن عبد الله - قيل ابن رجاء، وقيل ابن صالح (٣) - عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال بن علوية ولفظه قريب من هذا وفيه زيادة. ورواه ابن جرير من حديث فليح عن هلال عن عطاء وزاد قال عطاء. فلقيت كعبا فسألته عن
стр. 788
ذلك فما اختلف حرفا، وقال (١) في " البيوع ": وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرناه أبو الحسين بن المفضل (٢) القطان حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن ابن سلام (٣) أنه كان يقول: إنا لنجد صفة رسول الله ﷺ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزئ السيئة بمثلها ولكن يعفو [ويغفر] ويتجاوز ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله يفتح به أعينا عميا وأذانا صما وقلوبا غلفا. وقال عطاء بن يسار: وأخبرني الليثي (٤) أنه سمع كعب الأحبار يقول مثل ما قال ابن سلام.
قلت: وهذا عن عبد الله بن سلام أشبه ولكن الرواية عن عبد الله بن عمرو أكثر، مع أنه كان قد وجد يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب وكان يحدث عنهما كثيرا، وليعلم أن كثيرا من السلف كانوا يطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب فهي عندهم أعم من التي أنزلها الله على موسى وقد ثبت شاهد ذلك من الحديث. وقال يونس عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل عن ابن أبي أوفى عن أم الدرداء قالت قلت لكعب الأحبار كيف تجدون صفة رسول الله ﷺ في التوراة قال نجده محمد رسول الله اسمه المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب (٥) في الأسواق وأعطي المفاتيح فيبصر الله به أعينا عورا ويسمع آذانا وقرأ ويقيم به ألسنا معوجة حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله واحد لا شريك له يعين به المظلوم ويمنعه. وقد روي عن كعب من غير هذا الوجه (٦). وروى البيهقي (٧) عن الحاكم عن أبي الوليد الفقيه عن الحسن بن
стр. 789
سفيان حدثنا عتبة (١) بن مكرم حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم حدثنا حمزة بن الزيات عن سليمان الأعمش عن علي بن مدرك عن أبي زرعة عن أبي هريرة (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا) قال: نودوا: يا أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني. وذكر وهب بن منبه أن الله تعالى أوحى إلى داود في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقا سيدا لا أغضب عليه أبدا، ولا يغضبني أبدا وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وفرضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء. إلى أن قال: يا داود إني فضلت محمدا وأمته على الأمم كلها (٢). والعلم بأنه موجود في كتب أهل الكتاب معلوم من الدين ضرورة وقد دل على ذلك آيات كثيرة في الكتاب العزيز تكلمنا عليها في مواضعها ولله الحمد. فمن ذلك قوله [تعالى]: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم فقالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) (٣) وقال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) (٤) وقال تعالى: (إن الذين أتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا) (٥) أي أن كان وعدنا ربنا بوجود محمد وإرساله لكائن لا محالة فسبحان القدير على ما يشاء لا يعجزه شئ. وقال تعالى إخبارا عن القسيسين والرهبان (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين) (٦) وفي قصة النجاشي وسلمان وعبد الله بن سلام وغيرهم كما سيأتي شواهد كثيرة لهذا المعنى ولله الحمد والمنة.
وذكرنا في تضاعيف قصص الأنبياء ما تقدم الإشارة إليه من وصفهم لبعثة رسول الله ﷺ ونعته وبلد مولده ودار مهاجره ونعت أمته في قصة موسى وشعيا وأرمياء ودانيال وغيرهم وقد أخبر الله تعالى عن آخر أنبياء بني إسرائيل وخاتمهم عيسى بن مريم أنه قام في بني إسرائيل خطيبا قائلا لهم: (إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه
стр. 790
أحمد) (١). وفي الإنجيل البشارة بالفارقليط والمراد محمد ﷺ . وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم (٢) عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن العيزار بن حرب (٣) عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " مكتوب في الإنجيل لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها بل يعفو ويصفح " وقال يعقوب بن سفيان حدثنا فيض البجلي حدثنا سلام بن مسكين عن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله إلى عيسى بن مريم جد في أمري واسمع وأطع يا بن الطاهرة البكر البتول - أنا خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين فإياي فاعبد [وعلي فتوكل] فبين لأهل سوران بالسريانية، وبلغ من بين يديك: إني أنا الحق القائم (٤) الذي لا أزول صدقوا بالنبي الأمي العربي صاحب الجمل والمدرعة والعمامة - وهي التاج - والنعلين والهراوة - وهي القضيب - الجعد الرأس الصلت (٥) الجبين المقرون الحاجبين الأنجل العينين الأهدب الأشفار الأدعج العينين الأقنى الانف الواضح الخدين الكث اللحية عرقه في وجهه كاللؤلؤ ريح المسك ينضح منه كأن عنقه إبريق فضة وكأن الذهب يجري في تراقيه له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب ليس في بطنه شعر غيره (٦) شثن (٧) الكف والقدم إذا جاء مع الناس غمرهم وإذا مشى كأنما ينقلع (٨) من الصخر ويتحدر من صبب ذو النسل القليل - وكأنه أراد الذكور من صلبه - هكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان. وروى البيهقي عن عثمان (٩) بن الحكم بن رافع بن سنان حدثني بعض عمومتي وآبائي أنهم كانت عندهم ورقة يتوارثونها في الجاهلية حتى جاء الله بالاسلام وبقيت عندهم فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة ذكر وهاله وأتوه بها مكتوب فيها: بسم الله وقوله الحق وقول الظالمين في تباب. هذا الذكر لامة تأتي في آخر الزمان ليبلون (١٠) أطرافهم ويوترون على أوساطهم ويخوضون البحور إلى أعدائهم فيهم صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان، وفي عاد ما أهلكوا بالريح، وفي ثمود ما
стр. 791
أهلكوا بالصيحة: بسم الله وقوله الحق وقول الظالمين في تباب. ثم ذكر قصة أخرى. قال فعجب رسول الله ﷺ لما قرأت عليه فيها.
وذكرنا عند قوله تعالى في سورة الأعراف: (الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) قصة هشام بن العاص الأموي حين بعثه الصديق في سرية إلى هرقل يدعوه إلى الله . فذكر أنه أخرج لهم صور الأنبياء في رقعة من آدم إلى محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهم أجمعين على النعت والشكل الذي كانوا عليه. ثم ذكر أنه لما أخرج صورة رسول الله ﷺ قام قائما إكراما له. ثم جلس وجعل ينظر إليها ويتأملها. قال فقلنا له من أين لك هذه الصورة؟ فقال: إن آدم سأل ربه أن يريه جميع الأنبياء من ذلك (١)، فأنزل عليه صورهم، فكان في خزانة ادم ﵇ عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين، فدفعها إلى دانيال. ثم قال: أما والله إن نفسي قد طابت بالخروج من ملكي وأني كنت عبدا لأشركم ملكة حتى أموت (٢). ثم أجازتا فأحسن جائزتنا وسرحنا. فلما أتينا أبا بكر الصديق فحدثناه بما رأينا وما أجازنا وما قال لنا، قال فبكى وقال: مسكين لو أراد الله به خيرا لفعل، ثم قال أخبرنا رسول الله ﷺ أنهم واليهود يجدون نعت محمد عندهم. رواه الحاكم بطوله فليكتب هاهنا من التفسير. ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٣).
وقال الأموي: حدثنا عبد الله بن زياد عن ابن إسحاق. قال وحدثني يعقوب بن عبد الله بن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده عمرو بن أمية قال: قدمت برقيق من عند النجاشي أعطانيهم فقالوا لي يا عمرو لو رأينا رسول الله لعرفناه من غير أن تخبرنا، فمر أبو بكر فقلت أهو هذا؟ قالوا لا، فمر عمر فقلت أهو هذا؟ قالوا لا فدخلنا الدار فمر رسول الله ﷺ فنادوني يا عمرو هذا رسول الله ﷺ فنظرت فإذا هو هو من غير أن يخبرهم به أحد، عرفوه بما كانوا يجدونه مكتوبا عندهم.
وقد تقدم إنذار سبأ لقومه وبشارته لهم بوجود رسول الله ﷺ في شعر أسلفناه في ترجمته فأغنى عن إعادته، وتقدم قول الحبرين من اليهود لتبع اليماني حين حاصر أهل المدينة إنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان فرجع عنها ونظم شعرا يتضمن السلام على النبي ﷺ .
قصة سيف بن ذي يزن وبشارته بالنبي
وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرئطي في كتابه " هواتف الجان ": حدثنا علي بن حرب حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم حدثنا عمرو بن بكر - هو ابن بكار القعنبي - عن
стр. 792
أحمد بن القاسم عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن عبد الله بن عباس. قال: لما ظهر سيف بن ذي يزن قال ابن المنذر - واسمه النعمان بن قيس - على الحبشة وذلك بعد مولد رسول الله ﷺ بسنتين أتته وفود العرب وشعراؤها تهنئه وتمدحه وتذكر ما كان من حسن بلائه، وأتاه فيمن أتاه وفود قريش فيهم عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس أبي عبد الله (١) وعبد الله بن جدعان، وخويلد بن أسد في أناس من وجوه قريش فقدموا عليه صنعاء، فإذا هو في رأس غمدان الذي ذكره أمية أبي الصلت:
واشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا … في رأس غمدان دارا منك محلالا
فدخل عليه الآذن، فأخبره بمكانهم فأذن لهم، فدنا عبد المطلب فاستأذنه في الكلام فقال له: إن كنت ممن يتكلم بين يدي [الملوك] فقد أذنا لك، فقال له عبد المطلب: إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا، شامخا باذخا، وأنبتك منبتا طابت أرومته، وعذيت جرثومته، وثبت أصله، ويسق فرعه في أكرم موطن وأطيب معدن (٢). فأنت - أبيت اللعن - ملك العرب وربيعها الذي تخصب به البلاد، ورأس العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد. وسلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف. فلن يخمد من هم سلفه ولن يهلك من أنت خلفه، ونحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجك من كشف الكرب الذي قد فدحنا، وفد التهنئة لا وفد المرزئة. قال [له الملك]: وأيهم أنت أيها المتكلم؟ قال أنا عبد المطلب بن هاشم. قال ابن أختنا؟ قال نعم، قال ادن فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبا وأهلا وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا (٣) يعطي عطاء جزلا. قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم، ثم نهضوا إلى دار الكرامة والوفود، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه ولا يأذن لهم بالانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلسه وأخلاه ثم قال: يا عبد المطلب إني مفض إليك من سر علمي ما لو يكون غيرك لم أبح به. ولكني رأيتك معدنه فأطلعتك طليعه فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه، فإن الله بالغ أمره، إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه لأنفسنا واجتجناه (٤) دون
стр. 793
غيرنا خبرا عظيما، وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة. فقال عبد المطلب: أيها الملك مثلك سر وبر، فما هو فداؤك أهل الوبر زمرا بعد زمر؟ قال إذا ولد بتهامة، غلام به علامة، بين كتفيه شامة كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة. قال عبد المطلب - أبيت اللعن - لقد أبت بخير ما آب به وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله واعظامه لسألته من بشارته إياي ما ازداد به سرورا. قال ابن ذي يزن هذا حينه الذي يولد فيه أوقد ولد، واسمه محمد يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه. ولدناه مرارا والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم [أهل] الأرض، يكسر الأوثان ويخمد النيران، يعبد الرحمن ويدحر الشيطان، قوله فصل وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهي عن المنكر ويبطله. فقال عبد المطلب أيها الملك - عز جدك وعلا كعبك، ودام ملكك، وطال عمرك. فهذا نجارى فهل الملك سار لي (١) بافصاح فقد أوضح لي بعض الايضاح. فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب والعلامات على النقب إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب، فخر عبد المطلب ساجدا فقال: ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا أمرك فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك. فقال أيها الملك: كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا فزوجته كريمة من كرائم قومه آمنة بنت وهب فجاءت بغلام سميته محمدا فمات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه. قال ابن ذي يزن إن الذي قلت لك كما قلت فاحتفظ بابنك واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن تدخل لهم النفاسة من أن تكون لكم الرياسة فيطلبون له الغوائل وينصبون له الحبائل فهم فاعلون أو أبناؤهم ولولا أني اعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مملكته فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن بيثرب استحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره ولولا أني أقيه الآفات واحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه أمره، ولأوطأت أسنان العرب عقبه، ولكني صارف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك. قال ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد وعشرة إماء وبمائة من الإبل وحلتين من البرود وبخمسة أرطال من الذهب وعشرة أرطال فضة وكرش مملوء عنبرا وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال له: إذا حال الحول فأتني. فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول، فكان عبد المطلب كثيرا ما يقول: [يا معشر قريش] لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك [وإن كثر] (٢) فإنه إلى نفاد ولكن ليغبطني بما يبقى لي ولعقبي من بعدي ذكره وفخره وشرفه، فإذا قيل له متى ذلك قال سيعلم ولو بعد حين قال وفي ذلك يقول أمية بن عبد شمس:
جلبنا النصح تحقبه المطايا … على أكوار أجمال ونوق
стр. 794
مقلفة مراتعها تعالى … إلى صنعاء من فج عميق
تؤم بنا ابن ذي يزن وتغري … بذات بطونها ذم الطريق
وترعى من مخائله بروقا … مواصلة الوميض إلى بروق
فلما واصلت صنعاء حلت … بدار الملك والحسب العريق
وهكذا رواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل من طريق عمرو بن بكير بن بكار القعنبي. ثم قال أبو نعيم (١) أخبرت عن أبي الحسن علي بن إبراهيم بن عبد ربه بن محمد بن عبد العزيز بن عفير بن عبد العزيز بن السفر بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن حدثني أبي أبو يزن إبراهيم حدثنا عمي أحمد بن محمد أبو رجاء به حدثنا عمي محمد بن عبد العزيز حدثني عبد العزيز بن عفير عن أبيه عن زرعة بن سيف بن ذي يزن الحميري قال لما ظهر جدي سيف بن ذي يزن على الحبشة. وذكره بطوله.
وقال أبو بكر الخرائطي حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق القلوسي حدثنا العلاء بن الفضل بن أبي سوية أخبرني أبي عن أبيه عبد الملك بن أبي سوية عن جده أبي سوية عن أبيه خليفة قال سألت محمد بن عثمان بن ربيعة بن سواة بن خثعم بن سعد فقلت كيف سماك أبوك محمدا؟ فقال سألت أبي عما سألتني عنه، فقال خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا منهم، وسفيان بن مجاشع بن دارم، وأسامة بن مالك بن جندب بن العقيد، ويزيد بن ربيعة بن كنانة بن حربوص بن مازن، ونحن نريد ابن جفنة ملك غسان فلما شارفنا الشام نزلنا على غدير عليه شجرات فتحدثنا فسمع كلامنا راهب، فأشرف علينا فقال إن هذه لغة ما هي بلغة هذه البلاد فقلنا نعم نحن قوم من مضر، قال من أي المضرين؟ قلنا من خندف قال أما إنه سيبعث وشيكا نبي خاتم النبيين، فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا. فقلنا له ما اسمه؟ قال: اسمه محمد. قال فرجعنا من عند ابن جفنة فولد لكل واحد منا ابن فسماه محمدا. يعني أن كل واحد منهم طمع في أن يكون هذا النبي المبشر به ولده.
وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي: حدثنا عبد الله بن أبي سعد حدثنا حازم بن عقال بن الزهر بن حبيب بن المنذر بن أبي الحصين بن السموأل بن عاديا حدثني جابر بن جدان بن جميع بن عثمان بن سماك بن الحصين بن السموأل بن عاديا. قال لما حضرت الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاة اجتمع إليه قومه من غسان فقالوا إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى وكنا نأمرك بالتزوج في شبابك فتأبى وهذا أخوك الخزرج له خمسة بنين، وليس لك ولد غير مالك
стр. 795
فقال: لن يهلك هالك ترك مثل مالك إن الذي يخرج النار من الوثيمة (١) قادر أن يجعل لمالك نسلا ورجالا بسلا وكل إلى الموت ثم أقبل على مالك وقال: أي بني المنية ولا الدنية، العقاب ولا العتاب، التجلد ولا التلدد القبر خير من الفقر، إنه من قل ذل، ومن كر فر، من كرم الكريم الدفع عن الحريم. والدهر يومان فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصطبر، وكلاهما سينحسر، ليس يثبت منهما الملك المتوج، ولا اللئيم المعلهج (٢)، سلم ليومك حياك ربك، ثم أنشأ يقول:
شهدت السبايا يوم آل محرق … وأدرك أمري صيحة الله في الحجر (٣)
فلم أر ذا ملك من الناس واحدا … ولا سوقة إلا إلى الموت والقبر
فعل الذي أردى ثمودا وجرهما … سيعقب لي نسلا على آخر الدهر
تقربهم من آل عمرو بن عامر … عيون لدى الداعي إلى طلب الوتر
فإن لم تك الأيام أبلين جدتي … وشيبن رأسي والمشيب مع العمر
فإن لنا ربا علا فوق عرشه … عليما بما يأتي من الخير والشر
ألم يأت قومي أن لله دعوة … يفوز بها أهل السعادة والبر
إذا بعث المبعوث من آل غالب … بمكة فيما بين مكة والحجر
هنالك فابغوا نصره ببلادكم … بني عامر إن السعادة في النصر
قال ثم قضى من ساعته.
باب في هواتف الجان
وقد تقدم كلام شق وسطيح لربيعة بن نصر ملك اليمن في البشارة بوجود رسول الله ﷺ ، رسول ذكي يأتي إليه الوحي من قبل العلي. وسيأتي في المولد قول سطيح لعبد المسيح: إذا كثرت التلاوة وغاضت بحيرة ساوة وجاء صاحب الهراوة يعني بذلك رسول الله ﷺ كما سيأتي بيانه مفصلا.
وقال البخاري (٤) حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي حدثني ابن وهب حدثني عمرو - هو محمد بن زيد - أن سالما حدثه عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر يقول لشئ قط إني لأظنه إلا كان كما يظن. بينما عمر بن الخطاب جالس إذ مر به رجل جميل، فقال لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم، علي الرجل، فدعي به فقال له ذلك فقال: ما
стр. 796
رأيت كاليوم استقبل به رجلا مسلما. قال فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال كنت كاهنهم في الجاهلية، قال فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال بينما أنا في السوق يوما جاءتني أعرف فيها الفزع. فقالت:
ألم تر الجن وإبلاسها … ويلسها من بعد أنكاسها؟
ولحوقها بالقلاص وأحلاسها
قال عمر صدق بينا أنا نائم عند آلهتهم جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول: يا جليح أمر نجيح، رجل فصيح، يقول لا إله إلا الله فوثب القوم، فقلت لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى يا جليح أمر نجيح، رجل فصيح يقول لا إله إلا الله، فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبي. تفرد به البخاري (١).
وهذا الرجل هو سواد بن قارب الأزدي. ويقال السدوسي من أهل السراة من جبال البلقاء له صحبة ووفادة. قال أبو حاتم وابن منده روى عنه سعيد بن جبير، وأبو جعفر محمد بن علي، وقال البخاري له صحبة. وهكذا ذكره في أسماء الصحابة أحمد بن روح البرذعي الحافظ، والدارقطني، وغيرهما وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري سواد بن قارب بالتخفيف. وقال عثمان الوقاصي عن محمد بن كعب القرظي كان من أشراف أهل اليمن ذكره أبو نعيم في الدلائل (١)، وقد روى حديثه من وجوه أخر مطولة بالبسط من رواية البخاري.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن عفان أنه حدث: أن عمر بن الخطاب ﵁ بينما هو جالس في الناس في مسجد رسول الله ﷺ إذ أقبل رجل من العرب داخل المسجد يريد عمر بن الخطاب. فلما نظر إليه عمر قال أن الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد، أو لقد كان كاهنا في الجاهلية فسلم عليه الرجل ثم جلس، فقال له عمر: هل أسلمت؟ قال نعم يا أمير المؤمنين. قال: فهل كنت كاهنا في الجاهلية؟ فقال الرجل سبحان الله يا أمير المؤمنين، لقد خلت في واستقبلتني بأمر ما أراك قلته لاحد من رعيتك منذ وليت ما وليت. فقال عمر: اللهم غفرا قد كنا في الجاهلية على شر من هذا نعبد الأصنام ونعتنق الأوثان حتى أكرمنا الله برسوله وبالاسلام. قال: نعم، والله يا أمير المؤمنين لقد كنت كاهنا في الجاهلية قال فأخبرني ما جاء به صاحبك. قال جاءني قبل الاسلام بشهر أو شيعه (٢) فقال: ألم تر إلى الجن
стр. 797
وابلاسها، واياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها.
قال ابن إسحاق (١): هذا الكلام سجع ليس بشعر. قال عبد الله بن كعب:
فقال عمر عند ذلك يحدث الناس: والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلا، فنحن ننتظر قسمه أن يقسم لنا منه، إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أشد منه، وذلك قبل الاسلام بشهر أو شيعه يقول: يا ذريح أمر نجيح رجل يصيح يقول لا إله إلا الله. قال ابن هشام ويقال رجل يصيح بلسان فصيح يقول لا إله إلا الله قال وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر:
عجبت للجن وابلاسها … وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة، تبغي الهدى … ما مؤمنو الجن كأنجاسها
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا يحيى بن حجر بن النعمان الشامي حدثنا علي بن منصور الأنباري عن محمد (٢) بن عبد الرحمن الوقاصي عن محمد بن كعب القرظي. قال بينما عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم جالس إذ مر به رجل. فقيل يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المار؟ قال ومن هذا؟ قالوا هذا سواد بن قارب الذي أتاه رئيه بظهور رسول الله ﷺ قال فأرسل إليه عمر. فقال له أنت سواد بن قارب قال نعم. قال فأنت على ما كنت عليه من كهانتك؟ قال فغضب. وقال ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت يا أمير المؤمنين، فقال عمر يا سبحان الله ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك، فأخبرني ما أنبأك رئيك بظهور رسول الله ﷺ ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين بينما أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتاني رئيي فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب، واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما صادق الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشم … ليس قدامها كأذنابها
قال قلت دعني أنام فإني أمسيت ناعسا. قال فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب واسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، إنه بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول:
стр. 798
عجبت للجن وتحيارها (١) … وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنو الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم … بين روابيها وأحجارها
قال قلت دعني أنام، فإني أمسيت ناعسا، فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله.
وقال: قم يا سواد بن قارب، فاسمع مقالتي، واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتحساسها … وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما خير الجن كأنجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى رأسها
قال فقمت وقلت: قد امتحن الله قلبي،، فرحلت ناقتي ثم أتيت المدينة - يعني مكة - فإذا رسول الله ﷺ في أصحابه فدنوت فقلت: اسمع مقالتي يا رسول الله. قال هات فأنشأت أقول:
أتاني نجيي بعد هدء ورقدة … ولم يك فيما قد تلوث بكاذب (٢)
ثلاث ليال قوله كل ليلة … أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت عن ذيلي الإزار ووسطت … بي الدعلب الوجناء غبر السباسب (٣)
فأشهد أن الله لا شئ غيره … وأنك مأمون على كل غالب (٤)
وأنك أدني المرسلين وسيلة … إلى الله يا بن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى … وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة … سواك بمغن عن سواد بن قارب (٥)
قال ففرح رسول الله ﷺ وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا، حتى رئي الفرح في وجوههم. قال فوثب إليه عمر بن الخطاب فالتزمه وقال قد كنت أشتهي أن أسمع هذا الحديث منك فهل يأتيك رئيك اليوم؟ قال أما منذ قرأت القرآن فلا، ونعم العوض كتاب الله من الجن. ثم قال
стр. 799
عمر: كنا يوما في حي من قريش يقال لهم آل ذريح وقد ذبحوا عجلا لهم والجزار يعالجه، إذ سمعنا صوتا من جوف العجل - ولا نرى شيئا - قال يا آل ذريح، أمر نجيح (١) صائح يصيح بلسان فصيح يشهد أن لا إله إلا الله، وهذا منقطع من هذا الوجه ويشهد له رواية البخاري. وقد تساعدوا على أن السامع الصوت من العجل هو عمر بن الخطاب والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه الذي جمعه في هواتف الجان: حدثنا أبو موسى عمران بن موسى المؤدب حدثنا محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثنا سعيد بن عبيد الله الوصابي، عن أبيه، عن أبي جعفر محمد بن علي. قال: دخل سواد بن قارب السدوسي على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: نشدتك بالله يا سواد بن قارب، هل تحسن اليوم من كهانتك شيئا؟ فقال: سبحان الله يا أمير المؤمنين، ما استقبلت أحدا من جلسائك بمثل ما استقبلتني به قال سبحان الله يا سواد ما كنا عليه من شركنا أعظم مما كنت عليه من كهانتك، والله يا سواد لقد بلغني عنك حديث إنه لعجيب من العجب، قال إي والله يا أمير المؤمنين إنه لعجب من العجب. قال فحدثنيه قال: كنت كاهنا في الجاهلية، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ أتاني نجيي فضربني برجله. ثم قال يا سواد اسمع أقل لك، قلت هات. قال:
عجبت للجن وأنجاسها (٢) … ورحلها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنوها مثل أرجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم … واسم بعينيك إلى رأسها
قال فنمت ولم أحفل بقوله شيئا، فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله ثم قال لي قم يا سواد بن قارب اسمع أقل لك، قلت هات قال:
عجبت للجن وتطلابها … وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما صادق الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشم … ليس المقاديم كأذنابها
قال فحرك قوله مني شيئا ونمت فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله ثم قال يا سواد بن قارب أتعقل أم لا تعقل؟ قلت وما ذاك؟ قال ظهر بمكة نبي يدعو إلى عبادة ربه فالحق به، اسمع أقل لك. قلت هات قال:
عجبت للجن وتنفارها … ورحلها العيس بأكوارها
стр. 800
تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنو الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم … بين روابيها وأحجارها
قال فعلت أن الله قد أراد بي خير. فقمت إلى بردة لي ففتقتها ولبستها ووضعت رجلي في غرز ركاب الناقة. وأقبلت حتى انتهيت إلى النبي ﷺ فعرض علي الاسلام فأسلمت، وأخبرته الخبر فقال " إذا اجتمع المسلمون فأخبرهم " فلما اجتمع المسلمون قمت فقلت:
أتاني نجيي بعد هدء ورقدة … ولم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة … أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت عن ذيلي الإزار ووسطت … بي الذعلب الوجناء غبر السباسب (١)
وأعلم أن الله لا رب غيره … وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة … إلى الله يا بن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل … وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
قال فسر المسلمون بذلك، فقال عمر هل نحس اليوم منها بشئ؟ قال أما إذ علمني الله القرآن فلا وقد رواه محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن عمر بن حفص. قال لما ورد سواد بن قارب على عمر قال: يا سواد بن قارب ما بقي من كهانتك؟ فغضب وقال: ما أظنك يا أمير المؤمنين استقبلت أحدا من العرب بمثل هذا، فلما رأى ما في وجهه من الغضب، قال: انظر سواد للذي كنا عليه قبل اليوم من الشرك أعظم. ثم قال يا سواد حدثني حديثا كنت أشتهي أسمعه منك، قال نعم، بين أنا في إبل لي بالسراة (٢) ليلا وأنا نائم وكان لي نجي من الجن أتاني فضربني برجله فقال لي قم يا سواد بن قارب فقد ظهر بتهامة نبي يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فذكر القصة كما تقدم وزاد في آخر الشعر:
وكن لي شفيعا يوم لا ذو قرابة … سواك بمغن عن سواد بن قارب (٣)
فقال رسول الله ﷺ : " سر في قومك وقل هذا الشعر فيهم ".
ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق سليمان بن عبد الرحمن عن الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي عن عباد بن عبد المصد عن سعيد بن جبير قال أخبرني سواد بن قارب الأزدي. قال: كنت نائما على جبل من جبال السراة (٤) فأتاني آت فضربني برجله - وذكر القصة أيضا.
стр. 801
ورواه أيضا من طريق محمد بن البراء (١) عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء. قال قال سواد بن قارب: كنت نازلا بالهند فجاءني رئيي ذات ليلة فذكر القصة. وقال بعد انشاد الشعر الأخير فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: " أفلحت يا سواد ".
وقال أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا عبد الرحمن بن الحسن (٢) حدثنا علي بن حرب حدثنا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن عبد الله العماني. قال كان منا رجل يقال له مازن بن العضوب (٣) يسدن صنما بقرية يقال لها سمايا (٤)، من عمان، وكانت تعظمه بنو الصامت وبنو حطامة ومهرة وهم أخوال مازن. أمه زينب بنت عبد الله بن ربيعة بن خويص أحد بني نمران قال مازن: فعترنا يوما عند الصنم عتيرة - وهي الذبيحة (٥) - فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن اسمع تسر، ظهر خير وبطن شر، بعث نبي من مضر، بدين الله الأكبر، فدع نحيتا من حجر. تسلم من حر سقر. ففزعت لذلك فزعا شديدا. ثم عترنا بعد أيام عتيرة أخرى، فسمعت صوتا من الصنم يقول: أقبل إلي أقبل، تسمع مالا تجهل، هذا نبي مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كي تعدل عن حر نار تشعل وقودها الجندل. قال مازن: فقلت إن هذا لعجب وإن هذا لخير يراد بي وقدم علينا رجل من الحجاز فقلت ما الخبر وراءك؟ فقال ظهر رجل يقال له أحمد، يقول لمن أتاه أجيبوا داعي الله، فقلت هذا نبأ ما سمعت، فثرت إلى الصنم فكسرته جذاذا وركبت راحلتي حتى قدمت على رسول الله ﷺ فشرح الله صدري للاسلام فأسلمت، وقلت:
كسرت باجر أجذاذا وكان لنا … ربا نطيف به ضلا بتضلال
فالهاشمي هدانا من ضلالتنا … ولم يكن دينه مني على بال
يا راكبا بلغن عمرا وإخوتها … إني لمن قال ربي باجر قالي (٦)
стр. 802
يعني يعمرو الصامت وأخوتها حطامة (١). فقلت يا رسول الله إني امرؤ مولع بالطرب وبالهلوك من النساء وشرب الخمر. وألحت علينا السنون فأذهبن الأموال وأهزلن السراري (٢) وليس لي ولد، فأدعو الله أن يذهب عني ما أجد ويأتينا بالحيا، ويهب لي ولدا فقال النبي ﷺ : " اللهم أبدله بالطرف قراءة القرآن، وبالحرام الحلال وبالإثم وبالعهر عفة وآته بالحيا وهب له ولدا " قال فاذهب الله عني ما أجد واخصبت عمان وتزوجت أربع حرائر وحفظت شطر القرآن، ووهب لي حيان بن مازن وأنشأ يقول:
إليك رسول الله خبت مطيتي … تجوب الفيافي من عمان إلى العرج
لتشفع لي يا خير من وطئ الحصى … فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج
إلى معشر خالفت في الله دينهم … فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي
وكنت امرءا بالخمر والعهر مولعا … شبابي حتى آذن الجسم بالنهج
فبدلني بالخمر خوفا وخشية … وبالعهر إحصانا فحصن لي فرجي
فأصبحت همي في الجهاد ونيتي (٣) … فلله ما صومي ولله ما حجي
قال فلما أتيت قومي أنبوني وشتموني، وأمروا شاعرا لهم فهجاني، فقلت إن رددت عليه فإنما أهجو نفسي. فرحلت عنهم فأتتني منهم زلفة عظيمة وكنت القيم بأمورهم فقالوا يا بن عم: عبنا عليك أمرا وكرهنا ذلك فإن أبيت ذلك فارجع وقم بأمورنا وشأنك وما تدين به. فرجعت معهم وقلت:
لبغضكم عندنا مر مذاقته … وبغضنا عندكم يا قومنا لبن
لا يفطن الدهر إن بثت معائبكم … وكلكم حين يثني عيبنا فطن
شاعرنا مفحم عنكم وشاعركم … في حدبنا مبلغ في شتمنا لسن
ما في القلوب عليكم فاعلموا وغر … وفي قلوبكم البغضاء والإحن (٤)
قال مازن: فهداهم الله بعد إلى الاسلام جميعا.
وروى الحافظ أبو نعيم (٥) من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال إن أول خبر كان بالمدينة بمبعث رسول الله ﷺ أن امرأة بالمدينة كان لها تابع من الجن، فجاء في صورة طائر أبيض فوقع على حائط لهم، فقالت له لم لا تنزل إلينا فتحدثنا ونحدثك، وتخبرنا
стр. 803
ونخبرك؟ فقال لها إنه قد بعث نبي بمكة حرم الزنا ومنع منا القرار (١).
وقال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري عن علي بن الحسين. قال: إن أول خبر قدم المدينة عن رسول الله ﷺ أن امرأة تدعى فاطمة كان لها تابع، فجاءها ذات يوم، فقام على الجدار فقالت ألا تنزل؟ فقال: لا إنه قد بعث الرسول الذي حرم الزنا.
وأرسله بعض التابعين أيضا وسماه بابن لوذان وذكر أنه كان قد غاب عنها مدة، ثم لما قدم عاتبته فقال إني جئت الرسول فسمعته يحرم الزنا فعليك السلام.
وقال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة. قال قال عثمان بن عفان: خرجنا في عير إلى الشام - قبل أن يبعث رسول الله ﷺ فلما كنا بأفواه الشام - وبها كاهنة - فتعرضتنا، فقالت أتاني صاحبي فوقف على بابي، فقلت ألا تدخل فقال لا سبيل إلى ذلك، خرج أحمد وجاء أمر لا يطاق، ثم انصرفت فرجعت إلى مكة فوجدت رسول الله ﷺ قد خرج بمكة يدعو إلى الله (٢).
وقال الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله الزهري. قال: كان الوحي يسمع فلما كان الاسلام منعوا وكانت امرأة من بني أسد يقال لها سعيرة لها تابع من الجن، فلما رأى الوحي لا يستطاع أتاها فدخل في صدرها فضج في صدرها فذهب عقلها فجعل يقول من صدرها: وضع العناق ومنع الرفاق وجاء أمر لا يطاق وأحمد حرم الزنا.
وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي: حدثنا عبد الله بن محمد البلوي (٣) - بمصر - حدثنا عمارة بن زيد حدثنا عيسى بن يزيد عن صالح بن كيسان عمن حدثه عن مرداس بن قيس السدوسي قال حضرت النبي ﷺ وقد ذكرت عنده الكهانة وما كان من تغييرها عند مخرجه - فقلت يا رسول الله قد كان عندنا في ذلك شئ أخبرك أن جارية منا يقال لها الخلصة لم يعلم عليها إلا خيرا، إذ جاءتنا فقالت يا معشر دوس العجب العجب لما أصابني، هل علمتم إلا خيرا؟ قلنا وما ذاك؟ قالت إني لفي غنمي إذ غشيتني ظلمة ووجدت كحس الرجل مع المرأة فقد خشيت أن أكون قد حبلت. حتى إذا دنت ولادتها وضعت غلاما أغضف (٤) له أذنان كأذني الكلب فمكث فينا حتى إنه ليلعب مع الغلمان إذ وثب وثبة وألقى إزاره وصاح بأعلى صوته وجعل يقول: يا ويلة يا ويلة، يا عولة يا عولة، يا ويل غنم، يا ويل فهم، من قابس النار. الخيل والله وراء العقبة، فيهن فتيان حسان نجبة. قال فركبنا وأخذنا للأداة وقلنا يا ويلك ما ترى فقال هل من جارية
стр. 804
طامث فقلنا ومن لنا بها؟ فقال شيخ منا هي والله عندي عفيفة الام فقلنا فعجلها فأتى بالجارية وطلع الجبل وقال للجارية اطرحي ثوبك واخرجي في وجوههم، وقال للقوم اتبعوا أثرها، وقال لرجل منا يقال له أحمد بن حابس يا أحمد بن حابس عليك أول فارس. فحمل أحمد فطعن أول فارس فصرعه وانهزموا فغنمناهم. قال فابتنينا عليهم بيتا وسميناه ذا الخلصة، وكان لا يقول لنا شيئا إلا كان كما يقول حتى إذا كان مبعثك يا رسول الله قال لنا يوما يا معشر دوس نزلت بنوا الحارث بن كعب فركبنا فقال لنا أكدسوا الخيل كدسا، أحشوا القوم رمسا، أنفوهم غدية واشربوا الخمر عشية. قال فلقيناهم فهزمونا وغلبونا فرجعنا إليه فقلنا ما حالك وما الذي صنعت بنا فنظرنا إليه وقد احمرت عيناه وانتصبت أذناه وانبرم غضبانا حتى كاد أن ينفطر وقام فركبنا واغتفرنا هذه له ومكثنا بعد ذلك حينا ثم دعانا فقال هل لكم في غزوة تهب لكم عزا وتجعل لكم حرزا ويكون في أيديكم كنزا؟ فقلنا ما أحوجنا إلى ذلك فقال اركبوا فركبنا فقلنا ما نقول فقال بنو الحارث بن مسلمة، ثم قال قفوا فوقفنا ثم قال عليكم بفهم، ثم قال ليس لكم فيهم دم، عليكم بمضرهم أرباب خيل ونعم ثم قال لا، رهط دريد بن الصمة قليل العدد وفي الذمة ثم قال لا، ولكن عليكم بكعب بن ربيعة وأسكنوها ضيعة عامر بن صعصعة فليكن بهم الوقيعة قال فلقيناهم فهزمونا وفضحونا فرجعنا وقلنا ويلك ماذا تصنع بنا قال: ما أدري كذبني الذي كان يصدقني. أسجنوني في بيتي ثلاثا ثم ائتوني ففعلنا به ذلك ثم أتيناه بعد ثالثة ففتحنا عنه فإذا هو كأنه حجرة نار، فقال يا معشر دوس حرست السماء وخرج خير الأنبياء قلنا أين؟ قال بمكة وأنا ميت فادفنوني في رأس جبل فإني سوف أضطرم نارا، وإن تركتموني كنت عليكم عارا فإذا رأيتم اضطرامي وتلهبي فاقذفوني بثلاثة أحجار ثم قولوا مع كل حجر بسمك اللهم فإني أهدي وأطفي. قال وإنه مات فاشتعل نارا ففعلنا به ما أمر وقد قذفناه بثلاثة أحجار نقول مع كل حجر بسمك اللهم فخمد وطفى وأقمنا حتى قدم علينا الحاج فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله، غريب جدا.
وروى الواقدي، عن أبيه، عن ابن أبي ذئب، عن مسلم بن جندب، عن النضر بن سفيان الهذلي، عن أبيه. قال: خرجنا في عير لنا إلى الشام فلما كنا بين الزرقا ومعان قد (١) عرسنا من الليل فإذا بفارس يقول وهو بين السماء والأرض: أيها النيام هبوا فليس هذا بحين رقاد قد خرج أحمد فطردت (٢) الجن كل مطرد ففزعنا ونحن رفقة حزورة (٣) كلهم قد سمع بهذا فرجعنا إلى أهلنا فإذا هم يذكرون اختلافا بمكة بين قريش في نبي قد خرج فيهم من بني عبد المطلب اسمه أحمد. ذكره أبو نعيم.
стр. 805
وقال الخرائطي: حدثنا عبد الله بن محمد البلوي - بمصر - حدثنا عمارة بن زيد حدثني عبد الله بن العلاء حدثني يحيى بن عروة عن أبيه أن نفرا من قريش منهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي (١)، وزيد بن عمرو بن نفيل (٢) وعبد الله (٣) بن جحش بن رئاب وعثمان بن الحويرث (٤) كانوا عند صنم لهم يجتمعون إليه، قد اتخذوا ذلك اليوم من كل سنة عيدا كانوا يعظمونه وينحرون له الجزور، ثم يأكلون ويشربون الخمر، ويعكفون عليه فدخلوا عليه في الليل فرأوه مكبوبا على وجهه، فأنكروا ذلك فأخذوه فردوه إلى حاله، فلم يلبث أن انقلب انقلابا عنيفا، فأخذوه فردوه إلى حاله فانقلب الثالثة فلما رأوا ذلك اغتموا له وأعظموا ذلك. فقال عثمان بن الحويرث ماله قد أكثر التنكس إن هذا الامر قد حدث وذلك في الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ فجعل عثمان يقول:
أبا صنم العيد الذي صف حوله … صناديد وفد من بعيد ومن قرب
تنكست مغلوبا فما ذاك قل لنا … أذاك سفيه أم تنكست للعتب
فإن كان من ذنب أتينا فإننا … نبوء بإقرار ونلوي عن الذنب
وإن كنت مغلوبا ونكست صاغرا … فما أنت في الأوثان بالسيد الرب
قال فأخذوا الصنم فردوه إلى حاله فلما استوى هتف بهم هاتف من الصنم بصوت جهير وهو يقول:
تردى لمولود أنارت بنوره … جميع فجاج الأرض في الشرق والغرب
وخرت له الأوثان طرا وأرعدت … قلوب ملوك الأرض طرا من الرعب
стр. 806
ونار جميع الفرس بأخت وأظلمت … وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب
وصدت عن الكهان بالغيب جنها … فلا مخبر عنهم بحق ولا كذب
فيا لقصي ارجعوا عن ضلالكم … وهبوا إلى الاسلام والمنزل الرحب
قال فلما سمعوا ذلك خلصوا نجيا (١) فقال بعضهم لبعض تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقالوا أجل، فقال لهم ورقة بن نوفل تعلمون والله ما قومكم على دين ولقد أخطئوا الحجة وتركوا دين إبراهيم ما حجر تطيفون به لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين [فإنكم والله ما أنتم على شئ]. قال فخرجوا عند ذلك يضربون في الأرض ويسألون عن الحنيفية دين إبراهيم ﵇ فأما ورقة بن نوفل فتنصر وقرأ الكتب حتى علم علما، وأما عثمان بن الحويرث فسار إلى قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده. وأما زيد بن عمرو بن نفيل فأراد الخروج فحبس (٢) ثم إنه خرج بعد ذلك فضرب في الأرض حتى بلغ الرقة (٣) من أرض الجزيرة فلقي (٤) بها راهبا عالما فأخبره بالذي يطلب فقال له الراهب إنك لتطلب دينا ما تجد من يحملك عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلدك يبعث بدين الحنيفية فلما قال له ذلك رجع يريد مكة فغارت عليه لخم فقتلوه، وأما عبد الله بن جحش فأقام بمكة حتى بعث النبي ﷺ ثم خرج مع من خرج إلى أرض الحبشة، فلما صار بها تنصر وفارق الاسلام فكان بها حتى هلك هنالك نصرانيا. تقدم في ترجمة زيد بن عمر بن نفيل له شاهد (٥).
وقد قال الخرائطي: حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح أبو بكر الوراق، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثني أبي حدثنا عبد الله بن عبد العزيز (٦) حدثني محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أنس السلمي، عن العباس بن مرداس أنه كان يعر (٧) في لقاح له نصف النهار إذ طلعت عليه نعامة بيضاء عليها راكب عليه ثياب بياض مثل اللبن فقال: يا عباس بن مرداس ألم تر أن السماء قد كفت أحراسها، وأن الحرب تجرعت أنفاسها، وأن الخيل وضعت أحلاسها، وأن الذي نزل بالبر والتقوى، يوم الاثنين ليلة الثلاثاء، صاحب الناقة القصوى. قال: فرجعت
стр. 807
مرعوبا قد راعني ما رأيت وسمعت حتى جئت وثنا لنا يدعى الضماد (١) وكنا نعبده ونكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به وقبلته فإذا صائح من جوفه يقول:
قل للقبائل من سليم كلها … هلك الضماد وفاز أهل المسجد (٢)
هلك الضماد وكان يعبد مرة … قبل الصلاة مع النبي محمد (٣)
إن الذي ورث النبوة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتد
قال فخرجت مرعوبا حتى أتيت قومي فقصصت عليهم القصة وأخبرتهم الخبر وخرجت في ثلاثمائة من قومي بني حارثة إلى رسول الله ﷺ وهو بالمدينة فدخلنا المسجد فلما رآني رسول الله ﷺ قال لي: " يا عباس كيف كان إسلامك؟ " فقصصت عليه القصة. قال فسر بذلك وأسلمت أنا وقومي (٤).
ورواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل (٥) من حديث أبي بكر بن أبي عاصم عن عمرو بن عثمان به. ثم رواه أيضا من طريق الأصمعي حدثني الوصافي (٦) عن منصور بن المعتمر عن قبيصة بن عمرو بن إسحاق الخزاعي عن العباس بن مرداس السلمي. قال: أول إسلامي أن مرداسا أبي لما حضرته الوفاة أوصاني بصنم له يقال [له] ضماذ فجعلته في بيت وجعلت آتيه كل يوم مرة فلما ظهر النبي ﷺ سمعت صوتا مرسلا في جوف الليل راعني فوثبت إلى ضماد مستغيثا وإذا بالصوت من جوفه وهو يقول:
قل للقبيلة من سليم كلها … هلك الأنيس وعاش أهل المسجد
أودى ضماد وكان يعبد مرة … قبل الكتاب إلى النبي محمد
إن الذي ورث النبوة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتد
قال فكتمته الناس فلما رجع الناس من الأحزاب بينا أنا في إبلي بطرف العقيق من ذات عرق راقدا سمعت صوتا وإذا برجل على جناح نعامة وهو يقول: النور الذي وقع ليلة الثلاثاء مع
стр. 808
صاحب الناقة العضباء (١) في ديار إخوان بني العنقاء، فأجابه هاتف من شماله وهو يقول:
بشر الجن وابلاسها … أن وضعت المطي أحلاسها
وكلات السماء أحراسها
قال فوثبت مذعورا وعلمت أن محمدا مرسل، فركبت فرسي واحتثثت (٢) السير حتى انتهيت إليه فبايعته ثم انصرفت إلى ضماد فأحرقته بالنار ثم رجعت إلى رسول الله ﷺ فأنشدته شعرا أقول فيه:
لعمرك إني يوم أجعل جاهلا … ضمادا لرب العالمين مشاركا
وتركي رسول الله والأوس حوله … أولئك أنصار له ما أولئكا
كتارك سهل الأرض والحزن يبتغي … ليسلك في وعث الأمور المسالكا (٣)
فآمنت بالله الذي أنا عبده … وخالفت من أمسى يريد المهالكا (٤)
ووجهت وجهي نحو مكة قاصدا … أبايع نبي الأكرمين المباركا
نبي أتانا بعد عيسى بناطق … من الحق فيه الفصل فيه كذلكا
أمين على القرآن أول شافع … وأول مبعوث يجيب الملائكا
تلافى عرى الاسلام بعد انتقاضها … فأحكمها حتى أقام المناسكا
عنيتك يا خير البرية كلها … توسطت في الفرعين والمجد مالكا
وأنت المصفى من قريش إذا سمت … على ضمرها تبقى القرون المباركا
إذا انتسب الحيان كعب ومالك … وجدناك محضا والنساء العواركا (٥)
قال الخرائطي: وحدثنا عبد الله بن محمد البلوي بمصر، حدثنا عمارة بن زيد، حدثنا إسحاق بن بشر، وسلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من الأنصار يقال له:
стр. 809
عبد الله بن محمود من آل محمد بن مسلمة قال بلغني أن رجالا من خثعم كانوا يقولون: إن مما دعانا إلى الاسلام أنا كنا قوما نعبد الأوثان فبينا نحن ذات يوم عند وثن لنا إذ أقبل نفر يتقاضون إليه يرجون الفرج من عنده لشئ شجر بينهم إذ هتف بهم هاتف يقول:
يا أيها الناس ذوو الأجسام … من بين أشياخ إلى غلام
ما أنتم وطائش الأحلام … ومسند الحكم إلى الأصنام
أكلكم في حيرة نيام … أم لا ترون ما الذي أمامي
من ساطع يجلو دجى الظلام … قد لاح للناظر من تهام
ذاك نبي سيد الأنام … قد جاء بعد الكفر بالاسلام
أكرمه الرحمن من امام … ومن رسول صادق الكلام
أعدل ذي حكم من الاحكام … يأمر بالصلاة والصيام
والبر والصلات للأرحام … ويزجر الناس عن الآثام
والرجس والأوثان والحرام … من هاشم في ذروة السنام
مستعلنا في البلد الحرام
قال فلما سمعنا ذلك تفرقنا عنه وآتينا النبي ﷺ فأسلمنا (١).
وقال الخرائطي: حدثنا عبد الله البلوي، حدثنا عمارة، حدثني عبيد الله بن العلاء، حدثنا محمد بن عكبر، عن سعيد بن جبير، أن رجلا من بني تميم يقال له رافع بن عمير - وكان أهدى الناس للطريق وأسراهم بليل، وأهجمهم على هول، وكانت العرب تسميه لذلك دعموص العرب لهدايته وجراوته على السير - فذكر عن بدء إسلامه قال: إني لأسير برمل عالج (٢) ذات ليلة إذ غلبني النوم، فنزلت عن راحلتي ونختها وتوسدت ذراعها، ونمت وقد تعوذت قبل نومي فقلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي (٣) من الجن من أن أوذى أو أهاج فرأيت في منامي رجلا شابا يرصد ناقتي وبيده حربة يريد أن يضعها في نحرها، فانتبهت لذلك فزعا فنظرت يمينا وشمالا فلم أر شيئا، فقلت هذا حلم ثم عدت فغفوت فرأيت في منامي مثل رؤياي الأولى فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئا وإذا ناقتي ترعد، ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب والتفت فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيت في المنام بيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يرده عنها وهو يقول:
يا مالك بن مهلل بن دثار … مهلا فدى لك مئزري وإزاري
стр. 810
عن ناقة الانسي لا تعرض لها … واختر بها ما شئت من أثواري
ولقد بدا لي منك ما لم أحتسب … ألا رعيت قرابتي وذماري (١)
تسمو إليه بحربة مسمومة … تبا لفعلك يا أبا الغفار
لولا الحياء وأن أهلك جيرة … لعلمت ما كشفت من أخباري
قال فأجابه الشاب وهو يقول:
أأردت أن تعلو وتخفض ذكرنا … في غير مزرية أبا العيزار
ما كان فيهم سيد فيما مضى … إن الخيار همو بنو الأخيار
فاقصد لقصدك يا معكبر أنما … كان المجير مهلهل بن دثار
قال فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أنوار من الوحش فقال الشيخ للفتى قم يا ابن أخت فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الانسي، فقام الفتي فأخذ منها ثورا وانصرف. ثم التفت إلى الشيخ فقال يا هذا إذا نزلت واديا من الأودية فخفت هوله فقل أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها، قال فقلت له: ومن محمد هذا؟ قال نبي عربي، لا شرقي ولا غربي بعث يوم الاثنين. قلت وأين مسكنه؟ قال: يثرب ذات النخل. قال: فركبت راحلتي حين برق لي الصبح، وجددت السير حتى تقحمت المدينة فرآني رسول الله ﷺ فحدثني بحديثي قبل أن أذكر له منه شيئا ودعاني إلى الاسلام فأسلمت. قال سعيد بن جبير وكنا نرى أنه هو الذي أنزل الله فيه: (وإنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) [الجن: ٦] وروى الخرائطي من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، عن داود بن الحسين، عن عكرمة، عن ابن عباس عن علي; قال: إذا كنت بواد تخاف السبع فقل: أعوذ بدانيال والجب، من شر الأسد. وروى البلوي عن عمارة بن زيد، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، عن ابن عباس قصة قتال علي الجن بالبئر ذات العلم التي بالجحفة حين بعثه رسول الله ﷺ يستقي لهم الماء فأرادوا منعه وقطعوا الدلو فنزل إليهم، وهي قصة مطولة منكرة جدا. والله أعلم.
وقال الخرائطي: حدثني أبو الحارث: محمد بن مصعب الدمشقي وغيره، حدثنا سليمان بن بنت شرحبيل الدمشقي، حدثنا عبد القدوس بن الحجاج، حدثنا خالد بن سعيد، عن الشعبي، عن رجل قال: كنت في مجلس عمر بن الخطاب وعنده جماعة من أصحاب النبي ﷺ يتذاكرون فضائل القرآن فقال بعضهم خواتيم سورة النحل، وقال بعضهم سورة يس، وقال علي فأين أنتم عن فضيلة آية الكرسي أما إنها سبعون كلمة في كل كلمة بركة. قال وفي القوم عمرو بن معدي كرب لا يحير جوابا، فقال أين أنتم عن بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال عمر