← История

История · id 8376

البداية والنهاية - ت شيري

ابن كثير

Полный текст (5 594 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ونار جميع الفرس بأخت وأظلمت … وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب وصدت عن الكهان بالغيب جنها … فلا مخبر عنهم بحق ولا كذب فيا لقصي ارجعوا عن ضلالكم … وهبوا إلى الاسلام والمنزل الرحب قال فلما سمعوا ذلك خلصوا نجيا (١) فقال بعضهم لبعض تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقالوا أجل، فقال لهم ورقة بن نوفل تعلمون والله ما قومكم على دين ولقد أخطئوا الحجة وتركوا دين إبراهيم ما حجر تطيفون به لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين [فإنكم والله ما أنتم على شئ]. قال فخرجوا عند ذلك يضربون في الأرض ويسألون عن الحنيفية دين إبراهيم ﵇ فأما ورقة بن نوفل فتنصر وقرأ الكتب حتى علم علما، وأما عثمان بن الحويرث فسار إلى قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده. وأما زيد بن عمرو بن نفيل فأراد الخروج فحبس (٢) ثم إنه خرج بعد ذلك فضرب في الأرض حتى بلغ الرقة (٣) من أرض الجزيرة فلقي (٤) بها راهبا عالما فأخبره بالذي يطلب فقال له الراهب إنك لتطلب دينا ما تجد من يحملك عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلدك يبعث بدين الحنيفية فلما قال له ذلك رجع يريد مكة فغارت عليه لخم فقتلوه، وأما عبد الله بن جحش فأقام بمكة حتى بعث النبي ﷺ ثم خرج مع من خرج إلى أرض الحبشة، فلما صار بها تنصر وفارق الاسلام فكان بها حتى هلك هنالك نصرانيا. تقدم في ترجمة زيد بن عمر بن نفيل له شاهد (٥). وقد قال الخرائطي: حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح أبو بكر الوراق، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثني أبي حدثنا عبد الله بن عبد العزيز (٦) حدثني محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أنس السلمي، عن العباس بن مرداس أنه كان يعر (٧) في لقاح له نصف النهار إذ طلعت عليه نعامة بيضاء عليها راكب عليه ثياب بياض مثل اللبن فقال: يا عباس بن مرداس ألم تر أن السماء قد كفت أحراسها، وأن الحرب تجرعت أنفاسها، وأن الخيل وضعت أحلاسها، وأن الذي نزل بالبر والتقوى، يوم الاثنين ليلة الثلاثاء، صاحب الناقة القصوى. قال: فرجعت

стр. 807

مرعوبا قد راعني ما رأيت وسمعت حتى جئت وثنا لنا يدعى الضماد (١) وكنا نعبده ونكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به وقبلته فإذا صائح من جوفه يقول: قل للقبائل من سليم كلها … هلك الضماد وفاز أهل المسجد (٢) هلك الضماد وكان يعبد مرة … قبل الصلاة مع النبي محمد (٣) إن الذي ورث النبوة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتد قال فخرجت مرعوبا حتى أتيت قومي فقصصت عليهم القصة وأخبرتهم الخبر وخرجت في ثلاثمائة من قومي بني حارثة إلى رسول الله ﷺ وهو بالمدينة فدخلنا المسجد فلما رآني رسول الله ﷺ قال لي: " يا عباس كيف كان إسلامك؟ " فقصصت عليه القصة. قال فسر بذلك وأسلمت أنا وقومي (٤). ورواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل (٥) من حديث أبي بكر بن أبي عاصم عن عمرو بن عثمان به. ثم رواه أيضا من طريق الأصمعي حدثني الوصافي (٦) عن منصور بن المعتمر عن قبيصة بن عمرو بن إسحاق الخزاعي عن العباس بن مرداس السلمي. قال: أول إسلامي أن مرداسا أبي لما حضرته الوفاة أوصاني بصنم له يقال [له] ضماذ فجعلته في بيت وجعلت آتيه كل يوم مرة فلما ظهر النبي ﷺ سمعت صوتا مرسلا في جوف الليل راعني فوثبت إلى ضماد مستغيثا وإذا بالصوت من جوفه وهو يقول: قل للقبيلة من سليم كلها … هلك الأنيس وعاش أهل المسجد أودى ضماد وكان يعبد مرة … قبل الكتاب إلى النبي محمد إن الذي ورث النبوة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتد قال فكتمته الناس فلما رجع الناس من الأحزاب بينا أنا في إبلي بطرف العقيق من ذات عرق راقدا سمعت صوتا وإذا برجل على جناح نعامة وهو يقول: النور الذي وقع ليلة الثلاثاء مع

стр. 808

صاحب الناقة العضباء (١) في ديار إخوان بني العنقاء، فأجابه هاتف من شماله وهو يقول: بشر الجن وابلاسها … أن وضعت المطي أحلاسها وكلات السماء أحراسها قال فوثبت مذعورا وعلمت أن محمدا مرسل، فركبت فرسي واحتثثت (٢) السير حتى انتهيت إليه فبايعته ثم انصرفت إلى ضماد فأحرقته بالنار ثم رجعت إلى رسول الله ﷺ فأنشدته شعرا أقول فيه: لعمرك إني يوم أجعل جاهلا … ضمادا لرب العالمين مشاركا وتركي رسول الله والأوس حوله … أولئك أنصار له ما أولئكا كتارك سهل الأرض والحزن يبتغي … ليسلك في وعث الأمور المسالكا (٣) فآمنت بالله الذي أنا عبده … وخالفت من أمسى يريد المهالكا (٤) ووجهت وجهي نحو مكة قاصدا … أبايع نبي الأكرمين المباركا نبي أتانا بعد عيسى بناطق … من الحق فيه الفصل فيه كذلكا أمين على القرآن أول شافع … وأول مبعوث يجيب الملائكا تلافى عرى الاسلام بعد انتقاضها … فأحكمها حتى أقام المناسكا عنيتك يا خير البرية كلها … توسطت في الفرعين والمجد مالكا وأنت المصفى من قريش إذا سمت … على ضمرها تبقى القرون المباركا إذا انتسب الحيان كعب ومالك … وجدناك محضا والنساء العواركا (٥) قال الخرائطي: وحدثنا عبد الله بن محمد البلوي بمصر، حدثنا عمارة بن زيد، حدثنا إسحاق بن بشر، وسلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من الأنصار يقال له:

стр. 809

عبد الله بن محمود من آل محمد بن مسلمة قال بلغني أن رجالا من خثعم كانوا يقولون: إن مما دعانا إلى الاسلام أنا كنا قوما نعبد الأوثان فبينا نحن ذات يوم عند وثن لنا إذ أقبل نفر يتقاضون إليه يرجون الفرج من عنده لشئ شجر بينهم إذ هتف بهم هاتف يقول: يا أيها الناس ذوو الأجسام … من بين أشياخ إلى غلام ما أنتم وطائش الأحلام … ومسند الحكم إلى الأصنام أكلكم في حيرة نيام … أم لا ترون ما الذي أمامي من ساطع يجلو دجى الظلام … قد لاح للناظر من تهام ذاك نبي سيد الأنام … قد جاء بعد الكفر بالاسلام أكرمه الرحمن من امام … ومن رسول صادق الكلام أعدل ذي حكم من الاحكام … يأمر بالصلاة والصيام والبر والصلات للأرحام … ويزجر الناس عن الآثام والرجس والأوثان والحرام … من هاشم في ذروة السنام مستعلنا في البلد الحرام قال فلما سمعنا ذلك تفرقنا عنه وآتينا النبي ﷺ فأسلمنا (١). وقال الخرائطي: حدثنا عبد الله البلوي، حدثنا عمارة، حدثني عبيد الله بن العلاء، حدثنا محمد بن عكبر، عن سعيد بن جبير، أن رجلا من بني تميم يقال له رافع بن عمير - وكان أهدى الناس للطريق وأسراهم بليل، وأهجمهم على هول، وكانت العرب تسميه لذلك دعموص العرب لهدايته وجراوته على السير - فذكر عن بدء إسلامه قال: إني لأسير برمل عالج (٢) ذات ليلة إذ غلبني النوم، فنزلت عن راحلتي ونختها وتوسدت ذراعها، ونمت وقد تعوذت قبل نومي فقلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي (٣) من الجن من أن أوذى أو أهاج فرأيت في منامي رجلا شابا يرصد ناقتي وبيده حربة يريد أن يضعها في نحرها، فانتبهت لذلك فزعا فنظرت يمينا وشمالا فلم أر شيئا، فقلت هذا حلم ثم عدت فغفوت فرأيت في منامي مثل رؤياي الأولى فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئا وإذا ناقتي ترعد، ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب والتفت فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيت في المنام بيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يرده عنها وهو يقول: يا مالك بن مهلل بن دثار … مهلا فدى لك مئزري وإزاري

стр. 810

عن ناقة الانسي لا تعرض لها … واختر بها ما شئت من أثواري ولقد بدا لي منك ما لم أحتسب … ألا رعيت قرابتي وذماري (١) تسمو إليه بحربة مسمومة … تبا لفعلك يا أبا الغفار لولا الحياء وأن أهلك جيرة … لعلمت ما كشفت من أخباري قال فأجابه الشاب وهو يقول: أأردت أن تعلو وتخفض ذكرنا … في غير مزرية أبا العيزار ما كان فيهم سيد فيما مضى … إن الخيار همو بنو الأخيار فاقصد لقصدك يا معكبر أنما … كان المجير مهلهل بن دثار قال فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أنوار من الوحش فقال الشيخ للفتى قم يا ابن أخت فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الانسي، فقام الفتي فأخذ منها ثورا وانصرف. ثم التفت إلى الشيخ فقال يا هذا إذا نزلت واديا من الأودية فخفت هوله فقل أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها، قال فقلت له: ومن محمد هذا؟ قال نبي عربي، لا شرقي ولا غربي بعث يوم الاثنين. قلت وأين مسكنه؟ قال: يثرب ذات النخل. قال: فركبت راحلتي حين برق لي الصبح، وجددت السير حتى تقحمت المدينة فرآني رسول الله ﷺ فحدثني بحديثي قبل أن أذكر له منه شيئا ودعاني إلى الاسلام فأسلمت. قال سعيد بن جبير وكنا نرى أنه هو الذي أنزل الله فيه: (وإنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) [الجن: ٦] وروى الخرائطي من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، عن داود بن الحسين، عن عكرمة، عن ابن عباس عن علي; قال: إذا كنت بواد تخاف السبع فقل: أعوذ بدانيال والجب، من شر الأسد. وروى البلوي عن عمارة بن زيد، عن إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، عن ابن عباس قصة قتال علي الجن بالبئر ذات العلم التي بالجحفة حين بعثه رسول الله ﷺ يستقي لهم الماء فأرادوا منعه وقطعوا الدلو فنزل إليهم، وهي قصة مطولة منكرة جدا. والله أعلم. وقال الخرائطي: حدثني أبو الحارث: محمد بن مصعب الدمشقي وغيره، حدثنا سليمان بن بنت شرحبيل الدمشقي، حدثنا عبد القدوس بن الحجاج، حدثنا خالد بن سعيد، عن الشعبي، عن رجل قال: كنت في مجلس عمر بن الخطاب وعنده جماعة من أصحاب النبي ﷺ يتذاكرون فضائل القرآن فقال بعضهم خواتيم سورة النحل، وقال بعضهم سورة يس، وقال علي فأين أنتم عن فضيلة آية الكرسي أما إنها سبعون كلمة في كل كلمة بركة. قال وفي القوم عمرو بن معدي كرب لا يحير جوابا، فقال أين أنتم عن بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال عمر

стр. 811

حدثنا يا أبا ثور. قال بينا أنا في الجاهلية إذ جهدني الجوع فأقحمت فرسي في البرية فما أصبت الأبيض النعام، فبينا أنا أسير إذا أنا بشيخ عربي في خيمة، وإلى جانبه جارية كأنها شمس طالعة ومعه غنيمات له، فقلت له استأسر ثكلتك أمك. فرفع رأسه إلي وقال: يا فتى إن أردت قرى فأنزل؟ وإن أردت معونة أعناك؟ فقلت له استأسر فقال: عرضنا عليك النزل منا تكرما … فلم ترعوي جهلا كفعل الأشائم (١) وجئت ببهتان وزور ودون ما … تمنيته بالبيض حز الغلاصم (٢) قال ووثب إلي وثبة وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. فكأني مثلت تحته. ثم قال أقتلك أم أخلي عنك؟ قلت بل خل عني قال فخلي عني. ثم إن نفسي جاذبتني بالمعاودة. فقلت استأسر ثكلتك أمك فقال: ببسم الله والرحمن فزنا … هنالك والرحيم به قهرنا وما تغني جلادة ذي حفاظ … إذا يوما لمعركة برزنا ثم وثب لي وثبة كأني مثلت تحته. فقال أقتلك أم أخلي عنك؟ قال: قلت: بل خل عني. فخلى عني فانطلقت غير بعيد. ثم قلت في نفسي يا عمرو أيقهرك هذا الشيخ. والله للموت خير لك من الحياة، فرجعت إليه فقلت له استأسر ثكلتك أمك. فوثب إلي وثبة وهو يقول بسم الله الرحمن الرحيم، فكأني مثلت تحته، فقال أقتلك أم أخلي عنك؟ قلت بل خل عني فقال: هيهات، يا جارية إئتيني بالمدية فأتته بالمدية فجز ناصيتي، وكانت العرب إذا ظفرت برجل فجزت ناصيته استعبدته، فكنت معه أخدمه مدة. ثم إنه قال يا عمرو أريد أن تركب معي البرية وليس بي منك وجل، فإني ببسم الله الرحمن الرحيم لواثق، قال: فسرنا حتى أتينا واديا أشبا مهولا مغولا. فنادى بأعلى صوته: بسم الله الرحمن الرحيم. فلم يبق طير في وكره إلا طار. ثم أعاد القول فلم يبق سبع في مربضه إلا هرب، ثم أعاد الصوت فإذا نحن بحبشي قد خرج علينا من الوادي كالنخلة السحوق، فقال لي: يا عمرو إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم. قال فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي باللات والعزى فلم يصنع الشيخ شيئا، فرجع إلي وقال: قد علمت أنك قد خالفت قولي. قلت أجل ولست بعائد، فقال إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي: ببسم الله الرحمن الرحيم، فقلت أجل فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم، فاتكأ عليه الشيخ فبعجه بسيفه فاشتق بطنه فاستخرج منه شيئا كهيئة القنديل الأسود ثم قال يا عمرو هذا غشه وغله (٣). ثم قال أتدري من

стр. 812

تلك الجارية؟ قلت لا، قال تلك الفارعة بنت السليل الجرهمي من خيار الجن. وهؤلاء أهلها بنو عمها يغزونني منهم كل عام رجل ينصرني الله عليه ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال قد رأيت ما كان مني إلى الحبشي. وقد غلب علي الجوع فائتني بشئ آكله، فأقحمت فرسي البرية فما أصبت الأبيض النعام، فأتيته به فوجدته نائما، وإذا تحت رأسه شئ كهيئة الحشبة، فاستللته فإذا هو سيف عرضه شبر في سبعة أشبار، فضربت ساقيه ضربة أبنت الساقين مع القدمين، فاستوى على قفا ظهره وهو يقول قاتلك الله ما أغدرك يا غدار. قال عمر: ثم ماذا صنعت؟ قلت فلم أزل أضربه بسيفي حتى قطعته إربا إربا. قال فوجم لذلك ثم أنشأ يقول: بالغدر نلت أخا الاسلام عن كثب … ما إن سمعت كذا بي سالف العرب والعجم تأنف مما جئته كرما … تبا لما جئته في السيد الإرب (١) إني لأعجب أني نلت قتلته … أم كيف جازاك عند الذنب لم تنب؟ قرم عفا عنك مرات وقد علقت … بالجسم منك يداه موضع العطب لو كنت آخذ في الاسلام ما فعلوا … في الجاهلية أهل الشرك والصلب إذ لنالتك من عدلي مشطبة … تدعو لذائقها بالويل والحرب (٢) قال ثم ما كان من حال الجارية؟ قلت ثم إني أتيت الجارية. فلما رأتني قالت: ما فعل الشيخ؟ قلت: قتله الحبشي، فقالت كذبت بل قتلته أنت بغدرك ثم أنشأت تقول: يا عين جودي للفارس المغوار … ثم جودي بواكفات غزار (٣) لا تملي البكاء إذ خانك الدهر … بواف حقيقة صبار وتقي وذي وقار وحلم … وعديل الفخار يوم الفخار لهف نفسي على بقائك عمرو … أسلمتك الأعمار للأقدار ولعمري لو لم ترمه بغدر … رمت ليثا كصارم بتار (٤) قال فأحفظني قولها فاستللت سيفي ودخلت الخيمة لأقتلها فلم أر في الخيمة أحدا فاستقت الماشية وجئت إلى أهلي. وهذا أثر عجيب. والظاهر أن الشيخ كان من الجان وكان ممن أسلم وتعلم القرآن، وفيما تعلمه بسم الله الرحمن الرحيم. وكان يتعوذ بها.

стр. 813

وقال الخرائطي: حدثنا عبد الله بن محمد البلوي حدثنا عمارة بن زيد، قال: حدثني عبد الله بن العلاء عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: كان زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل يذكران انهما أتيا النجاشي بعد رجوع أبرهة من مكة، قالا فلما دخلنا عليه قال لنا أصدقائي أيها القرشيان هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه فضرب عليه بالقداح فسلم ونحرت عنه إبل كثيرة؟ قلنا نعم. قال فهل لكما علم به ما فعل؟ قلنا تزوج امرأة يقال لها آمنة بنت وهب تركها حاملا وخرج، قال فهل تعلمان ولد أم لا؟ قال ورقة بن نوفل أخبرك أيها الملك أني ليلة قد بث عند وثن لنا كنا نطيف به، ونعبده إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول: ولد النبي فدلت الأملاك … ونأى الضلال وأدبر الاشراك ثم انتكس الصنم على وجهه. فقال زيد بن عمرو بن نفيل عندي كخبره أيها الملك. قال هات قال أتا في مثل هذه الليلة التي ذكر فيها حديثه خرجت من عند أهلي وهم يذكرون حمل آمنة حتى أتيت جبل أبي قيس أريد الخلو فيه لأمر رابني إذ رأيت رجلا نزل من السماء له جناحان أخضران، فوقف على أبي قبيس ثم أشرف على مكة فقال: ذل الشيطان وبطلت الأوثان ولد الأمين. ثم نشر ثوبا معه وأهوى به نحو المشرق والمغرب فرأيته قد جلل ما تحت السماء وسطع نور كاد أن يختطف بصري وهالني ما رأيت. وخفق الهاتف بجناحيه حتى سقط على الكعبة. فسطع له نور أشرقت له تهامة. وقال: ذكت الأرض وأدت ربيعها. وأومأ إلى الأصنام التي كانت على الكعبة فسقطت كلها. قال النجاشي ويحكما أخبر كما عما أصابني، إني لنائم في الليلة التي ذكرتما في قبة وقت خلوتي، إذ خرج على من الأرض عنق ورأس، وهو يقول حل الويل بأصحاب الفيل، رمتهم طير أبابيل، بحجارة من سجيل هلك الأشرم المعتدي المجرم، وولد النبي الأمي، المكي الحرمي، من أجابه سعد، ومن أباه عتد. ثم دخل الأرض فغاب فذهبت أصيح فلم أطق الكلام، ورمت القيام فلم أطق القيام، فصرعت القبة بيدي؟ فسمع بذلك أهلي فجاؤوني فقلت احجبوا عني الحبشة فحجبوهم عني ثم أطلق عن لساني ورجلي. وسيأتي (١) إن شاء الله تعالى في قصة المورد رؤيا كسرى في سقوط أربع عشرة شرافة من إيوانه، وخمود نيرانه ورؤياه مومذانة، وتفسيره سطيح لذلك على يدي عبد المسيح. وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه في ترجمة الحارث بن هانئ بن المدلج بن المقداد بن زمل بن عمرو العذري عن أبيه عن جده عن أبيه عن زمل بن عمرو العذري قال: كان لبني عذرة صنم يقال له حمام وكانوا يعظمونه وكان في بني هند بن حرام بن ضبة بن عبد بن كثير (٢) بن عذرة وكان سادنه

стр. 814

رجلا يقال له طارق وكانوا يعترون عنده. فلما ظهر رسول الله ﷺ سمعنا صوتا يقول يا بني هند بن حرام. ظهر الحق وأودى صمام ودفع الشرك الاسلام. قال ففزعنا لذلك وهالنا فمكثنا أياما. ثم سمعنا صوتا وهو يقول: يا طارق يا طارق. بعث النبي الصادق، يوحى ناطق، صدع صادع بأرض تهامة، لناصريه السلامة، ولخاذليه الندامة، هذا الوداع مني إلى يوم القيامة. قال زمل فوقع الصنم لوجهه. قال فابتعت راحلة ورحلت حتى أتيت النبي ﷺ مع نفر من قومي وأنشدته شعرا قلته: إليك رسول الله أعملت نصها … وكلفتها حزنا وغورا من الرمل لأنصر خير الناس نصرا مؤزرا … وأعقد حبلا من حبالك في حبلي وأشهد أن الله لا شئ غيره … أدين به ما أثقلت قدمي نعلي قال فأسلمت وبايعته. وأخبرناه بما سمعنا فقال: " ذاك من كلام الجن ". ثم قال: " يا معشر العرب إني رسول الله إليكم وإلى الأنام كافة، أدعوهم إلى عبادة الله وحده، وإني رسوله وعبده، وأن تحجوا البيت وتصوموا شهرا من اثني عشر شهرا وهو شهر رمضان، فمن أجابني فله الجنة نزلا، ومن عصاني كانت النار له منقلبا ". قال فأسلمنا وعقد لنا لواء. وكتب لنا كتابا نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله لزمل بن عمرو ومن أسلم معه خاصة إني بعثته إلى قومه عامدا (١) فمن أسلم ففي حزب الله ورسوله. ومن أبى فله أمان شهرين. شهد علي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة الأنصاري " (٢) ثم قال ابن عساكر: غريب جدا. وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه: حدثني محمد بن سعيد - يعني عمه -. قال قال محمد بن المنكدر إنه ذكر لي عن ابن عباس قال هتف هاتف من الجن على أبي قبيس فقال: قبح الله رأيكم آل فهر … ما أدق العقول والأفهام (٣) حين تعصى لمن يعيب عليها … دين آبائها الحماة الكرام حالف الجن جن بصرى عليكم … ورجال النخيل والآطام (٤) توشك الخيل أن تردها تهادى … تقتل القوم في حرام بهام (٥)

стр. 815

هل كريم منكم له نفس حر … ماجد الوالدين والأعمام ضارب ضربة تكون نكالا … ورواحا من كربة واغتمام قال ابن عباس فأصبح هذا الشعر حديثا لأهل مكة يتناشدونه بينهم. فقال رسول الله ﷺ : " هذا شيطان يكلم الناس في الأوثان يقال له مسعر، والله مخزيه " فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف يهتف على الجبل يقول: نحن قتلنا في ثلاث مسعرا … إذ سفه الجن وسن المنكرا قنعته سيفا حساما مشهرا … بشتمه نبينا المطهرا (١) فقال رسول الله ﷺ : " هذا عفريت من الجن اسمه سمج (٢) آمن بي سميته عبد الله أخبرني أنه في طلبه ثلاثة أيام " فقال علي جزاه الله خيرا يا رسول الله. وقد روى الحافظ أبو نعيم في الدلائل قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن بن موسى بن أبي حرب الصفار. حدثنا عباس بن الفرج الرياشي، حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت، عن أبيه، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب عن ابن عباس عن سعد بن عبادة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى حضرموت في حاجة قبل الهجرة، حتى إذا كنت في بعض الطريق ساعة من الليل فسمعت هاتفا يقول: أبا عمرو تناوبني (٣) السهود … وراح النوم وامتنع الهجود لذكر عصابة سلفوا وبادوا … وكل الخلق قصرهم يبيد تولوا واردين إلى المنايا … حياضا ليس منهلها الورود مضوا لسبيلهم وبقيت خلفا … وحيدا ليس يسعفني وحيد سدى لا أستطيع علاج أمر … إذا ما عالج الطفل الوليد فلأيا ما بقيت إلى أناس … وقد باتت بمهلكها ثمود وعاد والقرون بذي شعوب … سواء كلهم إرم حصيد قال ثم صاح به آخر: يا خرعب ذهب بك العجب إن العجب كل العجب بين زهرة

стр. 816

ويثرب. قال وما ذاك يا شاحب؟ قال نبي السلام، بعث بخير الكلام إلى جميع الأنام، فأخرج من البلد الحرام إلى نخيل وآطام. قال ما هذا النبي المرسل والكتاب المنزل، والأمي المفضل؟ قال رجل من ولد لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. قال هيهات فات عن هذا سني، وذهب عنه زمني لقد رأيتني والنضر بن كنانة نرمي غرضا واحدا، ونشرب حلبا باردا، ولقد خرجت به من دوحة في غداة شبمة (١) وطلع مع الشمس وغرب معها، يروى ما يسمع ويثبت ما يبصر. ولئن كان هذا من ولده لقد سل السيف وذهب الخوف، ودحض الزنا، وهلك الربا. قال فأخبرني ما يكون؟ قال ذهبت الضراء والبؤس والمجاعة، والشدة والشجاعة، إلا بقية في خزاعة. وذهبت الضراء والبؤس، والخلق المنفوس إلا بقية من الخزرج والأوس. وذهبت الخيلاء والفخر، والنميمة والغدر، إلا بقية في بني بكر. يعني ابن هوازن. وذهب الفعل المندم والعمل المؤثم، إلا بقية في خثعم. قال أخبرني ما يكون؟ قال إذا غلبت البرة، وكظمت الحرة، فأخرج من بلاد الهجرة، وإذا كف السلام، وقطعت الأرحام فأخرج من البلد الحرام. قال أخبرني ما يكون؟ قال لولا أذن تسمع، وعين تلمع لأخبرتك بما تفزع. ثم قال: لا منام هدأته بنعيم … يا ابن غوط ولا صباح أتانا قال ثم صرصر صرصرة كأنها صرصرة حبلى، فذهب الفجر فذهبت لأنظر فإذا عظاية (٢) وثعبان ميتان. قال فما علمت أن رسول الله ﷺ هاجر إلى المدينة إلا بهذا الحديث. ثم رواه عن محمد بن جعفر عن إبراهيم بن علي عن النضر بن سلمة عن حسان بن عبادة بن موسى عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر عن ابن عباس عن سعد بن عبادة. قال: لما بايعنا رسول الله ﷺ ليلة العقبة خرجت إلى حضرموت لبعض الحاج، قال فقضيت حاجتي ثم أقبلت حتى إذا كنت ببعض الطريق نمت، ففزعت من الليل بصائح يقول: أبا عمرو تناوبني السهود … وراح النوم وانقطع الهجود وذكر مثله بطوله. وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن علي حدثنا النضر بن سلمة حدثنا أبو غزية محمد بن موسى عن العطاف بن خالد الوصابي عن خالد بن سعيد عن أبيه قال سمعت تميما الداري يقول: كنت بالشام حين بعث النبي ﷺ ، فخرجت لبعض حاجتي فأدركني الليل. فقلت أنا في جواز عظيم هذا الوادي الليلة. قال فلما أخذت مضجعي إذا أنا بمناد ينادي - لا أراه - عذبا لله فإن الجن لا تجير أحدا على الله فقلت أيم الله تقول؟ فقال قد خرج رسول الأميين رسول الله وصلينا خلفه بالحجون (٣). فأسلمنا واتبعناه وذهب كيد الجن ورميت بالشهب. فانطلق

стр. 817

إلى محمد رسول رب العالمين فأسلم. قال تميم فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب (١) فسألت راهبا وأخبرته الخبر. فقال الراهب: قد صدقوك يخرج من الحرم مهاجره الحرم وهو خير الأنبياء فلا تسبق إليه. قال تميم فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول الله ﷺ فأسلمت. وقال حاتم بن إسماعيل عن عبد الله بن يزيد الهذلي عن عبد الله بن ساعدة الهذلي، عن أبيه قال: كنا عند صنمنا سواع، وقد جلبنا إليه غنما لنا مائتي شاة قد أصابها حرب، فأدنيناها منه لنطلب بركته فسمعت مناديا من جوف الصنم ينادي قد ذهب كيد الجن، ورمينا بالشهب لنبي اسمه أحمد. قال فقلت غويت والله. فصدقت وجه غنمي منجدا إلى أهلي فرأيت رجلا. فخبرني بظهور النبي ﷺ . ذكره أبو نعيم هكذا معلقا ثم قال: حدثنا عمر بن محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن السندي حدثنا النضر بن سلمة حدثنا محمد بن مسلمة المخزومي حدثنا يحيى بن سليمان عن حكيم بن عطاء الظفري - من بني سليم من ولد راشد بن عبد ربه - عن أبيه عن جده عن راشد بن عبد ربه قال كان الصنم الذي يقال له سواع بالمعلاة من رهط تدين له هذيل وبنو ظفر بن سليم فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية من سليم إلى سواع قال راشد فألقيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، فإذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب من خروج نبي من بني عبد المطلب، يحرم الزنا والربا والذبح للأصنام. وحرست السماء ورمينا بالشهب العجب كل العجب. ثم هتف صنم آخر من جوفه ترك الضمار وكان يعبد، خرج النبي أحمد، يصلى الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام، والبر والصلات للأرحام. ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف يقول: إن الذي ورث النبوة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتد نبي أتى يخبر بما سبق … وبما يكون اليوم حقا أو غد (٢) قال راشد: فألفيت سواعا مع الفجر وثعلبان يلحسان ما حوله، ويأكلان ما يهدي له، ثم يعوجان عليه ببولهما، فعند ذلك يقول راشد بن عبد ربه: أرب يبول الثعلبان برأسه … لقد ذل من بالت عليه الثعالب وذلك عند مخرج النبي ﷺ ومهاجره إلى المدينة وتسامع الناس به فخرج راشد حتى أتى النبي ﷺ المدينة ومعه كلب له، واسم راشد يومئذ ظالم، واسم كلبه راشد فقال النبي ﷺ : " ما اسمك " قال ظالم. قال: " فما اسم كلبك؟ " قال راشد، قال: " اسمك راشد، واسم

стр. 818

كلبك ظالم " وضحك النبي ﷺ . وبايع النبي ﷺ وأقام بمكة معه ثم طلب من رسول الله ﷺ . قطيعة برهاط - ووصفها له - فاقطعه رسول الله ﷺ بالمعلاة (١) من رهاط (٢) شأو الفرس، ورميته ثلاث مرات بحجر، وأعطاه إداوة مملوءة من ماء وتفل فيها وقال له " فرغها في أعلا القطيعة ولا تمنع الناس فضلها " ففعل فجعل الماء معينا يجري إلى اليوم فغرس عليها النخل. ويقال إن رهاط كلها تشرب منه فسماها الناس ماء الرسول ﷺ . وأهل رهاط يغتسلون بها وبلغت رمية راشد الركب الذي يقال له ركب الحجر، وغدا راشد على سواع فكسره. وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا علي بن إبراهيم الخزاعي الأهوازي حدثنا أبو محمد عبد الله بن داود بن دلهاث بن إسماعيل بن مسرع بن ياسر بن سويد صاحب رسول الله ﷺ حدثنا أبي عن أبيه دلهاث عن أبيه إسماعيل أن أباه عبد الله حدثه عن أبيه مسرع بن ياسر أن أباه ياسر حدثه عن عمرو بن مرة الجهني أنه كان يحدث قال: خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية. فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى أضاء في جبل يثرب وأشعر (٣) جهينة. فسمعت صوتا في النور وهو يقول: انقشعت الظلماء، وسطح الضياء، وبعث خاتم الأنبياء ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن. فسمعت صوتا في النور وهو يقول: ظهر الاسلام وكسرت الأصنام، ووصلت الأرحام فانتبهت فزعا، فقلت لقومي والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث، وأخبرتهم بما رأيت. فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا رجل فأخبرنا أن رجلا يقال له أحمد قد بعث فأتيته فأخبرته بما رأيت فقال " يا عمرو بن مرة إني (٤) المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الاسلام، وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام، وعبادة الله [وحده] ورفض الأصنام، وحج البيت. وصيام شهر من اثني عشر شهرا وهو شهر رمضان، فمن أجاب فله الجنة. ومن عصى فله النار، فآمن يا عمرو بن مرة يؤمنك من نار (٥) جهنم " فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. آمنت بكل ما جئت

стр. 819

به من حلال وحرام، وإن أرغم ذلك كثيرا من الأقوام، ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به وكان لنا صنم وكان أبي سادنا له فقمت إليه فكسرته ثم لحقت النبي ﷺ وأنا أقول: شهدت بأن الله حق وأنني … لآلهة الأحجار أول تارك فشمرت عن ساقي إزار مهاجر … إليك أدب الغور بعد الدكادك (١) لأصحب خير الناس نفسا ووالدا … رسول مليك الناس فوق الحبائك (٢) فقال النبي ﷺ : " مرحبا بك يا عمرو بن مرة ". فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ابعث بي إلى قومي، لعل الله أن يمن بي عليهم كما من بك علي، فبعثني إليهم وقال: " عليك بالقول السديد ولا تكن فظا ولا متكبرا ولا حسودا " فأتيت قومي فقلت لهم: يا بني رفاعة ثم يا بني جهينة إني رسول من رسول الله إليكم أدعوكم إلى الجنة، وأحذركم النار، وآمركم بحقن الدماء، وصلة الأرحام، وعبادة الله، ورفض الأصنام، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، شهر من اثني عشر شهرا. فمن أجاب فله الجنة. ومن عصى فله النار. يا معشر جهينة إن الله - وله الحمد - جعلكم خيار من أنتم منه (٣) وبغض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم من الرفث، لأنهم كانوا يجمعون بين الأختين، ويخلف الرجل [منهم] على امرأة أبيه، والترات (٤) في الشهر الحرام. فأجيبوا هذا النبي المرسل ﷺ من بني لؤي بن غالب. تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة، سارعوا سارعوا في ذلك يكون لكم فضيلة عند الله. فأجابوا إلا رجلا منهم قام فقال: يا عمرو بن مرة أمر الله عليك عيشك، أتأمرنا أن نرفض آلهتنا ونفرق جماعتنا بمخالفة دين آبائنا إلى ما يدعو هذا القرشي من أهل تهامة؟ لا ولا مرحبا ولا كرامة، ثم أنشأ [الخبيث] يقول: إن ابن مرة قد أتى بمقالة … ليست مقالة من يريد صلاحا إني لأحسب قوله وفعاله … يوما وإن طال الزمان رياحا أتسفه الأشياخ ممن قد مضى … من رام ذلك لا أصاب فلاحا فقال عمرو بن مرة: الكاذب مني ومنك أمر الله عيشه، وأبكم لسانه، وأكمه بصره. قال عمرو بن مرة والله ما مات حتى سقط فوه وكان لا يجد طعم الطعام، وعمي وخرس. وخرج عمرو بن مرة ومن أسلم من قومه حتى أتوا النبي ﷺ ، فرحب بهم وحباهم وكتب لهم كتابا هذه نسخته:

стр. 820

" بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله على لسان رسول الله بكتاب صادق، وحق ناطق، مع عمرو بن مرة الجهني لجهينة بن زيد إن لكم بطون الأرض وسهولها، وتلاع الأودية وظهورها، ترعون نباته وتشربون صافيه. على أن تقروا بالخمس، وتصلوا الصلوات الخمس، وفي التبعة والصريمة شاتان إن اجتمعتا، وإن تفرقتا فشاة شاة. ليس على أهل الميرة صدقة، ليس الوردة اللبقة " (١). وشهد من حضرنا من المسلمين بكتاب، قيس بن شماس ﵃. وذلك حين يقول عمرو بن مرة: ألم تر أن الله أظهر دينه … وبين برهان القرآن لعامر (٢) كتاب من الرحمن نور لجمعنا … وإحلافنا في كل باد وحاضر (٣)

стр. 821

إلى خير من يمشي على الأرض كلها … وأفضلها عن اعتكار الصرائر (١) أطعنا رسول الله لما تقطعت … بطون الأعادي بالظبي والخواطر (٢) فنحن قبيل قد بني المجد حولنا … إذا اجتلبت في الحرب هام الأكابر بنو الحرب نفريها بأيد طويلة … وبيض تلألأ في أكف المغاور ترى حوله الأنصار تحمي أميرهم … بسمر العوالي والصفاح البواتر (٣) إذا الحرب دارت عند كل عظيمة … ودارت رحاها بالليوث الهواصر تبلج منه اللون وازداد وجهه … كمثل ضياء البدر بين الزواهر (٤) وقال أبو عثمان سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثنا عبد الله حدثنا أبو عبد الله حدثنا المجالد بن سعيد والأجلح عن الشعبي، حدثني شيخ من جهينة قال: مرض منا رجل مرضا شديدا فنقل حتى حفرنا له قبره وهيأنا أمره فأغمي عليه ثم فتح عينيه وأفاق فقال أحفرتم لي؟ قالوا نعم، قال فما فعل الفصل - وهو ابن عم له - قلنا صالح مر آنفا يسأل عنك، قال أما إنه يوشك أن يجعل في حفرتي إنه أتاني آت حين أغمي علي فقال ابك هبل؟ أما ترى حفرتك تنتثل، وأمك قد كادت تثكل؟ أرأيتك أن حولناها عنك بالمحول، ثم ملأناها بالجندل، وقذفنا فيها الفصل، الذي مضى فأجزأك، وظن أن لن يفعل. أتشكر لربك، تصل وتدع دين من أشرك وضل؟ قال قلت نعم. قال قم قد برئت. قال فبرئ الرجل. ومات الفصل فجعل في حفرته. قال الجهيني: فرأيت الجهيني بعد ذلك يصلي ويسب الأوثان ويقع فيها. وقال الأموي: حدثنا عبد الله قال بينما عمر بن الخطاب ﵁ في مجلس يتحدثون عن الجن، فقال خريم بن فاتك الأسدي [لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين]: ألا أحدثك كيف كان اسلامي؟ قال بلى، قال إني يوما في طلب ذود (٥) لي أنا منها على أثر تنصب وتصعد، حتى إذا كنت بأبرق العراق (٦) أنخت راحلتي وقلت أعوذ بعظيم (٧) هذه البلدة أعوذ برئيس هذا

стр. 822

الوادي [من سفهاء قومه]، فإذا بهاتف يهتف بي: ويحك، عذ بالله ذي الجلال … والمجد والعلياء والافضال (١) ثم أتل آيات من الأنفال … ووحد الله ولا تبالي (٢) قال فذعرت ذعرا شديدا ثم رجعت إلى نفسي فقلت: يا أيها الهاتف ما تقول … أرشد عندك أم تضليل؟ (٣) • بين هداك الله ما الحويل * قال: فقال: هذا رسول الله ذو الخيرات … بيثرب يدعو إلى النجاة يأمر بالبر وبالصلاة … ويزع الناس عن الهنات (٤) قال: قلت له: والله لا أبرح حتى آتيه. وأومن به، فنصبت رجلي في غرز راحلتي وقلت: أرشدني أرشدني هديتا (٥) … لا جعت ما عشت ولا عريتا ولا برحت سيدا مقيتا … لا تؤثر الخير الذي أتيتا (٦)

стр. 823

* على جميع الجن ما بقيتا * فقال (١): صاحبك الله وأدى رحلكا … وعظم الاجر وعافا نفسكا آمن به أفلج ربي حقكا … وانصره نصرا عزيزا نصركا قال قلت من أنت عافاك الله، حتى أخبره إذا قدمت عليه؟ فقال أنا ملك بن ملك (٢)، وأنا نقيبه على جن نصيبين. وكفيت إبلك حتى أضمها إلى أهلك إن شاء الله. قال فخرجت حتى أتيت المدينة يوم الجمعة والناس أرسال إلى المسجد والنبي ﷺ على المنبر كأنه البدر يخطب الناس، فقلت أنيخ على باب المسجد حتى يصلى وأدخل عليه فأسلم وأخبره عن إسلامي، فلما أنخت خرج إلي أبو ذر فقال مرحبا وأهلا وسهلا قد بلغنا إسلامك، فادخل فصل، ففعلت ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرني باسلامي قلت: الحمد لله. قال: " أما إن صاحبك قد وفى لك وهو أهل ذلك، وأدى إبلك إلى أهلك " (٣). وقد رواه الطبراني في ترجمة خريم بن فاتك من معجمة الكبير قائلا حدثنا الحسين بن إسحاق اليسيري، حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي، حدثنا عبد الله بن موسى الإسكندري، حدثنا محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال خريم بن فاتك لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين ألا أخبرك كيف كان بدء إسلامي، قال بلى! فذكره غير أنه قال فخرج إلي أبو بكر الصديق فقال أدخل، فقد بلغنا إسلامك، فقلت لا أحسن الطهور، فعلمني فدخلت المسجد فرأيت رسول الله ﷺ كأنه البدر وهو يقول: " ما من مسلم توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى صلاة يحفظها ويعقلها إلا دخل الجنة " فقال لي عمر لتأتيني على هذا ببينة أو لأنكلن بك، فشهد لي شيخ قريش عثمان بن عفان فأجاز شهادته. ثم رواه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن

стр. 824

تيم عن محمد بن خليفة عن محمد بن الحسن عن أبيه قال عمر بن الخطاب بن فاتك حدثني بحديث يعجبني فذكر مثل السياق الأول سواء. وقال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن الديلمي، قال أتى رجل ابن عباس فقال بلغنا أنك تذكر سطيحا تزعم أن الله خلقه، لم يخلق من بني آدم شيئا يشبهه؟ قال: قال: نعم إن الله خلق سطيحا الغساني لحما على وضم (١) ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة، والكفان. وكان يطوي من رجليه إلى ترقوته كما يطوى الثوب، ولم يكن فيه شئ يتحرك إلا لسانه. فلما أراد الخروج إلى مكة حمل على وضمة فأتي به مكة، فخرج إليه أربعة من قريش عبد شمس، وهاشم ابنا عبد مناف بن قصي، والأحوص بن فهر، وعقيل بن أبي وقاص فانتموا إلى غير نسبهم وقالوا نحن أناس من جمح أتيناك بلغنا قدومك، فرأينا أن إتياننا إياك حق لك واجب علينا وأهدى إليه عقيل صفيحة هندية، وصعدة ردينية، فوضعت على باب البيت الحرام لينظروا، أهل يراها سطيح أم لا. فقال: يا عقيل ناولني يدك فناوله يده فقال: يا عقيل والعالم الخفية، والغافر الخطية، والذمة الوفية، والكعبة المبنية، إنك للجائي بالهدية، الصفيحة الهندية، والصعدة الردينية. قالوا صدقت يا سطيح، فقال والآتي بالفرح، وقوس قزح، وسائر الفرح، واللطيم المنبطح، والنخل والرطب والبلح، إن الغراب حيث مر سنح، فأخبر أن القوم ليسوا من جمح، وإن نسبهم من قريش ذي البطح. قالوا صدقت يا سطيح نحن أهل البيت الحرام، أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك. فأخبرنا عما يكون في زماننا هذا وما يكون بعده فلعل أن يكون عندك في ذلك علم قال: الآن صدقتم، خذوا مني ومن إلهام الله إياي، أنتم يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء بصائركم وبصائر العجم، لا علم عندكم ولا فهم، وينشو من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم، فيكسرون الصنم، ويبلغون الروم، ويقتلون العجم، يطلبون الغنم، قالوا يا سطيح فمن يكون أولئك؟ فقال لهم: والبيت ذي الأركان، والامن والسكان لينشؤون من عقبكم ولدان يكسرون الأوثان، وينكرون عبادة الشيطان، ويوحدون الرحمن، وينشرون دين الديان، يشرفون البنيان، ويستفتون الفتيان، قالوا يا سطيح من نسل من يكون أولئك؟ قال: وأشرف الاشراف، والمفضي للأشراف، والمزعزع الأحقاف، والمضعف الأضعاف، لينشؤون الآلاف من عبد شمس وعبد مناف، نشوءا يكون فيه اختلاف. قالوا يا سوأتاه يا سطيح مما تخبرنا من العلم بأمرهم ومن أي بلد يخرج أولئك؟ فقال والباقي الأبد، والبالغ الأمد، ليخرجن من ذا البلد، فتى يهدي إلى الرشد، يرفض يغوث والفند، يبرأ من عبادة الضدد، يعبد ربا انفرد، ثم

стр. 825

يتوفاه الله محمودا، من الأرض مفقودا، وفي السماء مشهودا. ثم يلي أمره الصديق إذا قضي صدق، في رد الحقوق لا خرق ولا نزق ثم يلي أمره الحنيف، مجرب غطريف، ويترك قول العنيف. قد ضاف المضيف. وأحكم التحنيف. ثم يلي أمره داعيا لامره مجربا، فتجتمع له جموعا وعصبا، فيقتلونه نقمة عليه وغضبا، فيؤخذ الشيخ فيذبح أربا فيقوم به رجال خطبا. ثم يلي أمره الناصر، يخلط الرأي برأي المناكر، يظهر في الأرض العساكر، ثم يلي بعده ابنه يأخذ جمعه ويقل حمده. ويأخذ المال ويأكل وحده، ويكثر المال بعقبه من بعده، ثم يلي من بعده عدة ملوك، لا شك الدم فيهم مسفوك، ثم بعدهم الصعلوك يطويهم كطي الدرنوك (١). ثم يلي من بعده عظهور (٢) يقضي الحق ويدني مصر، يفتتح الأرض افتتاحا منكرا، ثم يلي قصير القامة، بظهره علامة يموت موتا وسلامة. ثم يلي قليلا باكر، يترك الملك بائر يلي أخوه بسنته سابر (٣)، يختص بالأموال والمنابر ثم يلي من بعده أهوج، صاحب دنيا ونعيم مخلج، يتشاوره معاشره وذووه، ينهضون إليه يخلعونه بأخذ الملك ويقتلونه، ثم يلي أمره من بعده السابع، يترك الملك محلا ضائع، بنوه في ملكه كالمشوه جامع، عند ذلك يطمع في الملك كل عريان، ويلي أمره اللهفان. يرضى نزارا جمع قحطان، إذا التقيا بدمشق جمعان بين بنيان ولبنان، يصنف اليمن يومئذ صنفان. صنف المشورة، وصنف المخذول. لا ترى الأحباء محلول. وأسيرا مغلول. بين القراب والخيول. عند ذلك تخرب المنازل وتسلب الأرامل، وتسقط الحوامل وتظهر الزلازل، وتطلب الخلافة وائل، فتغضب نزار فتدني العبيد والأشرار، وتقصي الأمثال والأخيار. وتغلو الأسعار في صفر الأصفار يقتل كل حيا منه، ثم يسيرون إلى خنادق وإنها ذات أشعار وأشجار تصد له الأنهار ويهزمهم أول النهار، تظهر الأخيار فلا ينفعهم نوم ولا قرار. حتى يدخل مصرا من الأمصار، فيدركه القضاء والاقدار. ثم يجئ الرماة تلف مشاة، لقتل الكماة، وأسر الحماة. وتهلك الغواة هنالك يدرك في أعلى المياه. ثم يبور الدين، وتقلب الأمور، وتكفر الزبور، وتقطع الجسور، فلا يفلت إلا من كان في جزائر البحور، ثم تبور الحبوب، وتظهر الأعاريب ليس فيهم معيب على أهل الفسوق والريب في زمان عصيب، لو كان للقوم حيا، وما تغني المنى. قالوا ثم ماذا يا سطيح؟ قال ثم يظهر رجل من أهل اليمن كالشطن (٤)، يذهب الله على رأسه الفتن. وهذا أثر غريب كتباه لغرابته وما تضمن من الفتن والملاحم. وقد تقدم قصة شق وسطيح مع ربيعة بن نصر ملك اليمن، وكيف بشر بوجود رسول الله ﷺ وكذلك تقدم قصة سطيح مع ابن

стр. 826

أخته عبد المسيح حين أرسله ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان. وذلك ليلة مولد الذي نسخ بشريعته سائر الأديان. تم الجزء الثاني من البداية والنهاية ويليه الجزء الثالث وأوله (باب كيفية بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ

стр. 827

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وذكر أول شئ أنزل عليه من القرآن العظيم كان ذلك وله صلى الله عليه وآله من العمر أربعون سنة. وحكى ابن جرير (١) عن ابن عباس وسعيد بن المسيب: أنه كان عمره إذ ذاك ثلاثا وأربعين سنة. قال البخاري (٢): حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂. أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله من الوحي الرؤيا الصالحة (٣) في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث (٤) فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني. فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني. فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني فقال: (اقرأ بسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم) [أول سورة العلق] فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وآله يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد. فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر - لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدا. إنك

стр. 828

لتصل الرحم وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق (١)، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة. وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب. وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما أري. فقال له ورقة: هذا الناموس (٢) الذي كان ينزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا (٣)، ليتني أكون حيا، إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : " أو مخرجي هم؟ " فقال: نعم. لم يأت رجل (٤) بمثل ما جئت به إلا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي (٥) فترة. حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه. فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا كمثل ذلك. قال فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له: مثل ذلك. هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري. قال ابن شهاب (٦): وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال - وهو يحدث عن فترة الوحي - فقال في حديثه: " بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض. فرعبت منه. فرجعت فقلت: زملوني، زملوني فأنزل الله: (يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر) [سورة المدثر: ١] فحمي الوحي وتتابع " ثم قال البخاري تابعه عبد الله بن يوسف، وأبو صالح، يعني عن الليث، وتابعه هلال بن رداد (٧) عن الزهري. وقال يونس ومعمر: بوادره (٨). وهذا الحديث قد رواه الامام البخاري ﵀ في كتابه في مواضع

стр. 829

منه، وتكلمنا عليه مطولا في أول شرح البخاري في كتاب بدء الوحي اسنادا ومتنا ولله الحمد والمنة. وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به، ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما (١)، وقد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم ورواياته ولله الحمد وانتهى سياقه إلى قول ورقة: أنصرك نصرا مؤزرا. فقول أم المؤمنين عائشة. أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن عبيد بن عمر الليثي أن النبي ﷺ قال: " فجاءني جبريل، وأنا نائم، بنمط (٢) من ديباج فيه كتاب (٣). فقال: اقرأ، فقلت ما اقرأ؟ فغتني (٤)، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني " وذكر نحو حديث عائشة سواء، فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرحا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة. وقد قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: في كتابه دلائل النبوة حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا جناب بن الحارث حدثنا عبد الله بن الأجلح عن إبراهيم عن علقمة بن قيس. قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد، وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ويؤيده ما بعده. عمره ﷺ وقت بعثته وتاريخها قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي أن رسول الله ﷺ نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشئ، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة عشرا بمكة وعشرا بالمدينة. فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة. فهذا إسناد

стр. 830

صحيح إلى الشعبي وهو يقتضي أن إسرافيل قرن معه بعد الأربعين ثلاث سنين ثم جاءه جبريل (١) وأما الشيخ شهاب الدين أبو شامة فإنه قد قال: وحديث عائشة لا ينافي هذا فإنه يجوز أن يكون أول أمره الرؤيا. ثم وكل به إسرافيل في تلك المدة التي كان يخلو فيها بحراء فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة ولا يقيم معه تدريجا له وتمرينا إلى أن جاءه جبريل. فعلمه بعدما غطه ثلاث مرات، فحكت عائشة ما جرى له مع جبريل ولم تحك ما جرى له مع إسرافيل اختصارا للحديث، أو لم تكن وقفت على قصة إسرافيل. وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن هشام عن عكرمة عن ابن عباس أنزل على النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكة عشرا وبالمدينة عشرا. ومات وهو ابن ثلاث وستين، وهكذا روى يحيى بن سعيد وسعيد بن المسيب (٢) ثم روى أحمد عن غندر ويزيد بن هارون كلاهما عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ وأنزل عليه القرآن، وهو ابن أربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين. ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، قال: أقام النبي ﷺ بمكة خمس عشرة سنة سبع سنين يرى الضوء ويسمع الصوت وثماني سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشر سنين. قال أبو شامة: وقد كان رسول الله ﷺ يرى عجائب قبل بعثته فمن ذلك ما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن " (٣) انتهى كلامه. وإنما كان رسول الله ﷺ يحب الخلاء والانفراد عن قومه، لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الأوثان والسجود للأصنام، وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء الله إليه صلوات الله

стр. 831

وسلامه عليه. وقد ذكر محمد بن إسحاق عن عبد الملك بن عبد الله (١) بن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة (٢) - قال: وكان واعية (٣) - عن بعض أهل العلم قال: وكان رسول الله ﷺ يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه. وكان من نسك قريش في الجاهلية، يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته [وقضائه] (٤) لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة. وهكذا روى عن وهب بن كيسان أنه سمع عبيد بن عمير يحدث عبد الله بن الزبير مثل ذلك، وهذا يدل على أن هذا كان من عادة المتعبدين في قريش أنهم يجاورون في حراء للعبادة ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة: وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه … وراق ليرقى في حراء ونازل هكذا صوبه على رواية هذا في البيت كما ذكره السهيلي وأبو شامة وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي ﵏، وقد تصحف على بعض الرواة فقال فيه: وراق ليرقى في حر ونازل - وهذا ركيك ومخالف للصواب والله أعلم. وحراء يقصر ويمد ويصرف ويمنع، وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى، له قلة مشرفة على الكعبة منحنية والغار في تلك الحنية وما أحسن ما قال رؤبة بن العجاج: فلا ورب الآمنات القطن … ورب ركن من حراء منحني وقوله في الحديث: والتحنث التعبد، تفسير بالمعنى، وإلا فحقيقة التحنث من حيث البنية (٥) فيما قاله السهيلي الدخول في الحنث ولكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها الخروج من ذلك الشئ كحنث أي خرج من الحنث وتحوب وتحرج وتأنم وتهجد هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة وتنجس وتقذر أوردها أبو شامة. وقد سئل ابن الأعرابي عن قوله يتحنث أي يتعبد. فقال: لا أعرف هذا إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم ﵇. قال ابن هشام: والعرب تقول التحنث والتحنف يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا جدف وجذف كما قال رؤبة [بن العجاج]:

стр. 832

* لو كان أحجاري مع الاحذاف (١) * يريد الأجداث. قال [ابن هشام]: وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول فم في موضع ثم. قلت: ومن ذلك قول بعض المفسرين وفومها أن المراد ثومها. وقد اختلف العلماء في تعبده ﵇ قبل البعثة هل كان على شرع أم لا؟ وما ذلك الشرع فقيل شرع نوح وقيل شرع إبراهيم. وهو الأشبه الأقوى. وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به، ولبسط هذه الأقوال ومنا سباتها مواضع أخر في أصول الفقه والله أعلم. وقوله حتى فجئه الحق وهو بغار حراء أي جاء بغتة على غير موعد كما قال تعالى: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك) [النمل: ٨٦] الآية. وقد كان نزول صدر هذه السورة الكريمة وهي: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم) (٢) وهي أول ما نزل من القرآن كما قررنا ذلك في التفسير وكما سيأتي أيضا في يوم الاثنين كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ : سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: " ذاك يوم ولدت فيه، ويوم أنزل علي فيه " (٣) وقال ابن عباس: ولد نبيكم محمد ﷺ يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين (٤). وهكذا قال عبيد بن عمير وأبو جعفر الباقر وغير واحد من العلماء: إنه ﵊ أوحى إليه يوم الاثنين، وهذا ما لا خلاف فيه بينهم.

стр. 833

ثم قيل: كان ذلك في شهر ربيع الأول، كما تقدم عن ابن عباس وجابر أنه ولد ﵇، وفي الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء، والمشهور أنه بعث ﵊ في شهر رمضان، كما نص على ذلك عبيد بن عمير، ومحمد بن إسحاق وغيرهما. قال ابن إسحاق مستدلا على ذلك بما قال الله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس) [البقرة: ١٨٥] فقيل في عشره. وروى الواقدي بسنده عن أبي جعفر الباقر أنه قال: كان ابتداء الوحي إلى رسول الله ﷺ يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وقيل في الرابع والعشرين منه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران، أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال: " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان " (١) وروى ابن مردويه في تفسيره عن جابر بن عبد الله مرفوعا نحوه، ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين. وأما قول جبريل (اقرأ) فقال: " ما أنا بقارئ " فالصحيح أن قوله " ما أنا بقارئ " نفي أي لست ممن يحسن القراءة. وممن رجحه النووي وقبله الشيخ أبو شامة. ومن قال إنها استفهامية فقوله بعيد لان الباء لا تزاد في الاثبات (٢). ويؤيد الأول رواية أبي نعيم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه: فقال رسول الله ﷺ وهو خائف يرعد - " ما قرأت كتابا قط ولا أحسنه وما أكتب وما أقرأ " فأخذه جبريل فغته غتا شديدا. ثم تركه فقال له: اقرأ. فقال محمد ﷺ : " ما أرى شيئا أقرأه، وما أقرأ، وما أكتب " يروى فغطني كما في الصحيحين وغتني ويروى قد غتني أي خنقني " حتى بلغ مني الجهد " يروى بضم الجيم وفتحها وبالنصب وبالرفع. وفعل به ذلك ثلاثا. قال أبو سليمان الخطابي: وإنما فعل ذلك به ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم وتأخذه الرحضاء أي البهر والعرق. وقال غيره: إنما فعل ذلك لأمور: منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى إليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس. كما قال تعالى: (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) [سورة المزمل: ٥] ولهذا

стр. 834

كان ﵊ إذا جاءه الوحي يحمر وجهه ويغط كما يغط البكر من الإبل ويتفصد جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد. وقوله فرجع بها رسول الله ﷺ إلى خديجة يرجف فؤاده. وفي رواية: بوادره، جمع بادرة قال أبو عبيدة: وهي لحمة بين المنكب والعنق. وقال غيره: هو عروق تضطرب عند الفزع وفي بعض الروايات ترجف بآدله واحدتها بأدلة. وقيل بادل، وهو ما بين العنق والترقوة وقيل أصل الثدي. وقيل لحم الثديين وقيل غير ذلك. فقال: " زملوني زملوني " فلما ذهب عنه الروع قال لخديجة: " مالي؟ أي شئ عرض لي؟ " وأخبرها ما كان من الامر. ثم قال: " لقد خشيت على نفسي " (١) وذلك لأنه شاهد أمرا لم يهده قبل ذلك، ولا كان في خلده. ولهذا قالت خديجة: ابشر، كلا والله لا يخزيك الله أبدا. قيل من الخزي، وقيل من الحزن، وهذا لعلمها بما أجرى الله به جميل العوائد في خلقه أن من كان متصفا بصفات الخير لا يخزى في الدنيا ولا في الآخرة ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة. فقالت: إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث - وقد كان مشهورا بذلك صلوات الله وسلامه عليه عند الموافق والمفارق - وتحمل الكل. أي عن غيرك تعطي صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤنة عياله - وتكسب المعدوم أي تسبق إلى فعل الخير فتبادر إلى إعطاء الفقير فتكسب حسنته قبل غيرك. ويسمى الفقير معدوما لان حياته ناقصة. فوجوده وعدمه سواء كما قال بعضهم: ليس من مات فاستراح بميت … إنما الميت ميت الاحياء وقال أبو الحسن التهامي، فيما نقله عنه القاضي عياض في شرح مسلم: عد ذا الفقر ميتا وكساه … كفنا باليا ومأواه قبرا وقال الخطابي: الصواب (وتكسب المعدم) أي تبذل إليه أو يكون تكسب المعدم بعطيته (٢)

стр. 835

مالا يعيش به (١). واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بالمعدوم ههنا المال المعطى، أي يعطى المال لمن هو عادمه. ومن قال إن المراد أنك تكسب باتجارك المال المعدوم، أو النفيس القليل النظير، فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما ليس له به علم، فإن مثل هذا لا يمدح به غالبا، وقد ضعف هذا القول عياض والنووي وغيرهما والله أعلم. وتقري الضيف - أي تكرمه في تقديم قراه، وإحسان مأواه. وتعين على نوائب الحق ويروى الخير، أي إذا وقعت نائبة لاحد في خير أعنت فيها، وقمت مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش، وقوله: ثم أخذته فانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل. وكان شيخا كبيرا قد عمي. وقد قدمنا طرفا من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نفيل ﵀. وأنه كان ممن تنصر في الجاهلية ففارقهم وارتحل إلى الشام، هو وزيد بن عمرو وعثمان بن الحويرث، وعبيد الله بن جحش فتنصروا كلهم، لأنهم وجدوه أقرب الأديان إذ ذاك إلى الحق، إلا زيد بن عمرو بن نفيل فإنه رأى فيه دخلا وتخبيطا وتبديلا وتحريفا وتأويلا. فأبت فطرته الدخول فيه أيضا، وبشروه الأحبار والرهبان بوجود نبي قد أزف زمانه واقترب أوانه، فرجع يتطلب ذلك، واستمر على فطرته وتوحيده. لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية (٢). وأدركها ورقة بن نوفل وكان يتوسمها في رسول الله ﷺ كما قدمنا بما كانت خديجة تنعته له وتصفه له، وما هو منطو عليه من الصفات الطاهرة الجميلة وما ظهر عليه من الدلائل والآيات، ولهذا لما وقع ما وقع أخذت بيد رسول الله ﷺ وجاءت به إليه فوقفت به عليه. وقالت: ابن عم اسمع من ابن أخيك، فلما قص عليه رسول الله ﷺ خبر ما رأى قال ورقة: سبوح سبوح (٣)، هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ولم يذكر عيسى وإن كان متأخرا بعد موسى، لأنه كانت شريعته متممة ومكملة لشريعة موسى ﵉، ونسخت بعضها على الصحيح من قول العلماء. كما قال: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) [آل عمران: ٥٠]. وقول ورقة هذا كما قالت الجن: (يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق إلى طريق مستقيم) [الأحقاف: ٣٠]. ثم قال ورقة: يا ليتني فيها جذعا. أي يا ليتني أكون اليوم شابا متمكنا من الايمان والعلم النافع والعمل الصالح، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك يعني حتى أخرج معك وأنصرك؟ فعندها قال رسول الله ﷺ : " أو مخرجي هم؟ " قال السهيلي وإنما قال ذلك، لان فراق الوطن شديد على النفوس، فقال: نعم! إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي،

стр. 836

وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا أي أنصرك نصرا عزيزا أبدا. وقوله: " ثم لم ينشب ورقة أن توفي " أي توفي بعد هذه القصة بقليل (١) ﵀ ورضي عنه، فإن مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وجد وإيمان بما حصل من الوحي ونية صالحة للمستقبل. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، عن ابن لهيعة، حدثني أبو الأسود عن عروة عن عائشة. أن خديجة سألت رسول الله ﷺ عن ورقة بن نوفل فقال: " قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض ". وهذا إسناد حسن لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلا فالله أعلم وروى الحافظ أبو يعلى عن شريح بن يونس عن إسماعيل عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ سئل عن ورقة بن نوفل فقال: " قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس ". وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال: " يبعث يوم القيامة أمة وحده ". وسئل عن أبي طالب فقال: " أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها " وسئل عن خديجة لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن فقال: " أبصرتها على نهر في الجنة في بيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب " (٢) إسناد حسن ولبعضه شواهد في الصحيح والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة. قالت قال رسول الله ﷺ : " لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين " (٣) وكذا رواه ابن عساكر من حديث أبي سعيد الأشج عن أبي معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة وهذا إسناد جيد. وروي مرسلا وهو أشبه. وروى الحافظان البيهقي وأبو نعيم في كتابيهما دلائل النبوة من حديث يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: " إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر ". قالت: معاذ الله ما كان ليفعل ذلك بك فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر وليس

стр. 837

رسول الله ﷺ ثم ذكرت له خديجة [حديثه له] فقالت: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة فلما دخل رسول الله ﷺ أخذ بيده أبو بكر. فقال: انطلق بنا إلى ورقة قال: " ومن أخبرك؟ " قال خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه. فقال رسول الله ﷺ : " إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الأرض ". فقال له لا تفعل. إذا أتاك فأثبت، حتى تسمع ما يقول لك ثم ائتني فأخبرني. فلما خلا ناداه يا محمد قل: (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين) حتى بلغ: " ولا الضالين) قل لا إله إلا الله. فأتى ورقة فذكر له ذلك، فقال له ورقة: ابشر ثم ابشر. فأنا أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم، وأنك على مثل؟ موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا. ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك. فلما توفي [ورقة]. قال رسول الله ﷺ : " لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير، لأنه آمن بي وصدقني " يعني ورقة. هذا لفظ البيهقي (١) وهو مرسل وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل وقد قدمنا من شعره ما يدل على إضماره الايمان وعقده عليه وتأكده عنده، وذلك حين أخبرته خديجة ما كان من أمره مع غلامها ميسرة وكيف كانت الغمامة تظلله في هجير القيظ. فقال ورقة في ذلك أشعارا قدمناها قبل هذا، منها قوله: لججت وكنت في الذكرى لجوجا … لأمر طالما بعث النشيجا (٢) ووصف من خديجة بعد وصف … فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي … حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس … من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود قوما … ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور … يقيم به البرية أن تعوجا (٣) فيلقى من يحاربه خسارا … ويلقى من يسالمه فلوجا فيا ليتي إذا ما كان ذاكم … شهدت وكنت أولهم ولوجا ولو كان الذي كرهت قريش … ولو عجت بمكتها عجيجا (٤) أرجي بالذي كرهوا جميعا … إلى ذي العرش إذ سفلوا عروجا فإن يبقوا وأبق تكن أمور … يضج الكافرون لها ضجيجا (٥)

стр. 838

وقال أيضا في قصيدته الأخرى: وأخبار صدق خبرت عن محمد … يخبرها عنه إذا غاب ناصح (١) بأن ابن عبد الله أحمد مرسل … إلى كل من ضمت عليه الأباطح وظني به أن سوف يبعث صادقا … كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له … بهاء ومنشور من الحق واضح (٢) ويتبعه حيا لؤي بن غالب … شبابهم والأشيبون الجحاجح (٣) فإن ابق حتى يدرك الناس دهره … فاني به مستبشر الود فارح وإلا فاني يا خديجة فاعلمي … عن أرضك في الأرض العريضة سائح وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال ورقة: فان بك حقا يا خديجة فاعلمي … حديثك إيانا فأحمد مرسل وجبريل يأتيه وميكال معهما … من الله وحي يشرح الصدر منزل يفوز به من فاز فيها بتوبة … ويشقى به العاني الغرير المضلل (٤) فريقان منهم فرقة في جنانه … وأخرى بأحواز الجحيم تعلل (٥) إذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت … مقامع في هاماتهم ثم تشعل (٦) فسبحان من يهوي الرياح بأمره … ومن هو في الأيام ما شاء يفعل ومن عرشه فوق السماوات كلها … واقضاؤه في خلقه لا تبدل

стр. 839

وقال ورقة أيضا: يا للرجال وصرف الدهر والقدر … وما لشئ قضاه الله من غير حتى خديجة تدعوني لأخبرها … أمرا أراه سيأتي الناس من أخر (١) وخبرتني بأمر قد سمعت به … فيما مضى من قديم الدهر والعصر بأن أحمد يأتيه فيخبره … جبريل انك مبعوث إلى البشر فقلت عل الذي ترجين ينجزه … لك الاله فرجي الخير وانتظري وأرسليه إلينا كي نسائله … عن أمره ما يرى في النوم والسهر فقال حين أتانا منطقا عجبا … يقف منه أعالي الجلد والشعر إني رأيت أمين الله واجهني … في صورة أكملت من أعظم الصور (٢) ثم استمر فكاد الخوف يذعرني … مما يسلم من حولي من الشجر فقلت ظني وما أدري أيصدقني … ان سوف يبعث يتلو منزل السور وسوف يبليك إن أعلنت دعوتهم … من الجهاد بلا من ولا كدر هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي من الدلائل وعندي في صحتها عن ورقة نظر والله أعلم (٣). وقال ابن إسحاق حدثني عبد الملك بن عبيد الله (٤) بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي - وكان واعية (٥) - عن بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجة أبعد حتى تحسر عنه البيوت (٦) ويفضي إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله (٧). قال فيلتفت حوله عن

стр. 840

يمينه وعن شماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة. فمكث [رسول الله ﷺ ] كذلك يرى ويسمع، ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل ﵇ بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء في [شهر] رمضان قال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد، كيف كان بدو ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من النبوة، حين جاءه جبريل قال: فقال عبيد وأنا حاضر - يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس -: كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء في كل سنة شهرا بتحنث قال وكان ذلك مما يحبب به قريش في الجاهلية. والتحنث التبرز. فكان رسول الله ﷺ يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به، إذا انصرف من جواره، الكعبة، قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله [تعالى] به فيه ما أراد من كرامته، من السنة التي بعثه فيها وذلك الشهر [شهر] رمضان، خرج [رسول الله ﷺ ] إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته، ورحم العباد به، جاءه جبريل بأمر الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ : " فجاءني [جبريل] وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب. فقال اقرأ؟ قلت ما أقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، [قال]: قلت ما أقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال اقرأ، قلت ما أقرأ؟ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني. فقال اقرأ قلت: ماذا اقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتدا منه أن يعود لي بمثل ما صنع (١) بي فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم). قال فقرأتها ثم انتهى وانصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتابا (٢). قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فما أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا [أعلى] مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني. وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة

стр. 841

فجلست إلى فخذها مضيفا (١) إليها، فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي. ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت أبشر يا ابن العم وأثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ورقة: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وأنه لنبي هذه الأمة، وقولي له: فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال: يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت فأخبره، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه. ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله " (٢). وهذا الذي ذكره عبيد بن عمير كما ذكرناه كالتوطئة لما جاء بعده من اليقظة كما تقدم من قول عائشة ﵂ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ويحتمل أن هذا المنام كان بعد ما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئذ ويحتمل أنه كان بعده بمدة والله أعلم. وقال موسى بن عقبة: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: وكان فيما بلغنا أول ما رأى - يعني رسول الله ﷺ أن الله تعالى أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه فذكرها لامرأته خديجة فعصمها الله عن التكذيب، وشرح صدرها للتصديق، فقالت: أبشر فإن الله لم يصنع بك إلا خيرا، ثم إنه خرج من عندها ثم رجع إليها فأخبرها أنه رأى بطنه شق ثم غسل وطهر، ثم أعيد كما كان، قالت: هذا والله خير فأبشر، ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة فأجلسه على مجلس كريم معجب كان النبي ﷺ يقول أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك (٣) فيه الياقوت واللؤلؤ فبشره برسالة الله حتى اطمأن رسول الله ﷺ فقال له جبريل اقرأ فقال كيف اقرأ فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم). قال: ويزعم ناس أن " يا أيها المدثر " أول سورة نزلت عليه والله أعلم. قال فقبل رسول الله ﷺ رسالة ربه واتبع ما جاءه به جبريل من عند الله فلما انصرف منقلبا إلى بيته جعل لا يمر على شجر ولا حجر إلا سلم عليه فرجع إلى أهله مسرورا موقنا أنه قد رأى أمرا

стр. 842

عظيما فلما دخل على خديجة قال أرأيتك التي (١) كنت حدثتك أني رأيته في المنام فإنه جبريل استعلن إلي، أرسله إلي ربي وأخبرها بالذي جاءه من الله وما سمع منه، فقالت: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا، وأقبل الذي جاءك من أمر الله فإنه حق وأبشر فإنك رسول الله حقا. ثم انطلقت من مكانها فأتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال له عداس، فقالت له: يا عداس أذكرك بالله إلا ما أخبرتني هل عندك علم من جبريل فقال: قدوس قدوس، ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان. فقالت: أخبرني بعلمك فيه. قال فإنه أمين الله بينه وبين النبيين وهو صاحب موسى وعيسى ﵉. فرجعت خديجة من عنده فجاءت ورقة بن نوفل فذكرت له ما كان من أمر النبي ﷺ وما ألقاه إليه جبريل. فقال لها ورقة: يا بنية أخي (٢) ما أدري لعل صاحبك النبي الذي ينتظر أهل الكتاب الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، وأقسم بالله لان كان إياه ثم أظهر دعواه وأنا حي لا بلين الله في طاعة رسوله وحسن مؤازرته للصبر والنصر. فمات ورقة ﵀. قال الزهري فكانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله ﷺ . قال الحافظ البيهقي (٣) بعد إيراده ما ذكرناه والذي ذكر فيه من شق بطنه، يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه، يعني شق بطنه عند حليمة، ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى ثم ثالثة حين عرج به إلى السماء والله أعلم. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة ورقة بإسناده إلى سليمان بن طرخان التيمي. قال: بلغنا أن الله تعالى بعث محمدا رسولا على رأس خمسين سنة من بناء الكعبة وكان أول شئ اختصه به من النبوة والكرامة رؤيا كان يراها فقص ذلك على زوجته خديجة بنت خويلد فقالت له: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا فبينما هو ذات يوم في حراء وكان يفر إليه من قومه إذ نزل عليه جبريل فدنا منه فخافه رسول الله ﷺ مخافة شديدة فوضع جبريل يده على صدره ومن خلفه بين كتفيه. فقال: اللهم احطط وزره، واشرح صدره، وطهر قلبه، يا محمد أبشر! فإنك نبي هذه الأمة. اقرأ فقال له نبي الله: وهو خائف يرعد - ما قرأت كتابا قط، ولا أحسنه وما أكتب وما أقرأ فأخذه جبريل فغته غتا شديدا ثم تركه، ثم قال له اقرأ فأعاد عليه مثله فأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك فرأى فيه من صفائه وحسنه كهيئة اللؤلؤ والياقوت وقال له: (إقرأ باسم ربك الذي خلق) الآيات ثم قال له لا تخف يا محمد إنك رسول الله ثم انصرف وأقبل على رسول الله ﷺ همه فقال كيف أصنع وكيف أقول لقومي ثم قام رسول الله ﷺ وهو خائف فأتاه

стр. 843

جبريل من أمامه وهو في صعرته (١) فرأى رسول الله ﷺ أمرا عظيما ملا صدره فقال له جبريل لا تخف يا محمد: جبريل رسول الله جبريل رسول الله إلى أنبيائه ورسله فأيقن بكرامة الله فإنك رسول الله فرجع رسول الله ﷺ لا يمر على شجر ولا حجر إلا هو ساجد يقول السلام عليك يا رسول الله. فاطمأنت نفسه وعرف كرامة الله إياه فلما انتهى إلى زوجته خديجة أبصرت ما بوجهه من تغير لونه فأفزعها ذلك، فقامت إليه فلما دنت منه جعلت تمسح عن وجهه وتقول لعلك لبعض ما كنت ترى وتسمع قبل اليوم، فقال يا خديجة: أرأيت الذي كنت أرى في المنام، والصوت الذي كنت أسمع في اليقظة وأهال منه فإنه جبريل قد استعلن لي وكلمني وأقرأني كلاما فزعت منه ثم عاد إلي فأخبرني أني نبي هذه الأمة، فأقبلت راجعا فأقبلت على شجر وحجارة فقلن السلام عليك يا رسول الله. فقالت خديجة: أبشر فوالله لقد كنت أعلم أن الله لن يفعل بك إلا خيرا وأشهد أنك نبي هذه الأمة الذي تنتظره اليهود، قد أخبرني به ناصح غلامي وبحيرى الراهب، وأمرني أن أتزوجك منذ أكثر من عشرين سنة. فلم تزل برسول الله ﷺ حتى طعم وشرب وضحك ثم خرجت إلى الراهب وكان قريبا من مكة فلما دنت منه وعرفها. قال: مالك يا سيدة نساء قريش؟ فقالت: أقبلت إليك لتخبرني عن جبريل؟ فقال: سبحان الله ربنا القدوس ما بال جبريل يذكر في هذه البلاد التي يعبد أهلها الأوثان جبريل أمين الله ورسوله إلى أنبيائه ورسله وهو صاحب موسى وعيسى، فعرفت كرامة الله لمحمد ثم أتت عبدا لعتبة بن ربيعة يقال له عداس فسألته فأخبرها بمثل ما أخبرها به الراهب وأزيد. قال: جبريل كان مع موسى حين أغرق الله فرعون وقومه، وكان معه حين كلمه الله على الطور، وهو صاحب عيسى بن مريم الذي أيده الله به. ثم قامت من عنده فاتت ورقة بن نوفل فسألته عن جبريل فقال لها مثل ذلك ثم سألها ما الخبر فأحلفته أن يكتم ما تقول له فحلف لها فقالت له إن ابن عبد الله ذكر لي وهو صادق أحلف بالله ما كذب، ولا كذب أنه نزل عليه جبريل بحراء، وأنه أخبره أنه نبي هذه الأمة، وأقرأه آيات أرسل بها. قال: فذعر ورقة لذلك وقال لئن كان جبريل قد استقرت قدماه على الأرض لقد نزل على خير أهل الأرض، وما نزل إلا على نبي وهو صاحب الأنبياء والرسل، يرسله الله إليهم وقد صدقتك عنه، فأرسلي إلي ابن عبد الله أسأله وأسمع من قوله وأحدثه فإني أخاف أن يكون غير جبريل فإن بعض الشياطين يتشبه به ليضل به بعض بني آدم ويفسدهم حتى يصير الرجل بعد العقل الرضي مدلها مجنونا. فقامت من عنده وهي واثقة بالله أن لا يفعل بصاحبها إلا خيرا فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بما قال ورقة فأنزل الله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون) الآيات. فقال لها: كلا والله إنه لجبريل فقالت له أحب أن تأتيه فتخبره لعل الله أن يهديه فجاءه رسول الله ﷺ فقال له ورقة هذا الذي جاءك جاءك في نور أو ظلمة؟ فأخبره رسول الله ﷺ عن صفة جبريل وما رآه من عظمته وما أوحاه إليه. فقال ورقة:

стр. 844

أشهد أن هذا جبريل وأن هذا كلام الله فقد أمرك بشئ تبلغه قومك وإنه لأمر نبوة فإن أدرك زمانك أتبعك ثم قال أبشر ابن عبد المطلب بما بشرك الله به. قال: وذاع قول ورقة وتصديقه لرسول الله ﷺ فشق ذلك على الملأ من قومه قال وفتر الوحي. فقالوا: لو كان من عند الله لتتابع ولكن الله قلاه فأنزل الله والضحى وألم نشرح بكمالهما. وقال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس عن ابن إسحاق [قال]: حدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدثه عن خديجة بنت خويلد أنها قالت لرسول الله ﷺ فيما بينه (١) مما أكرمه الله به من نبوته: يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك. فقال نعم! فقالت: إذا جاءك فأخبرني. فبينا رسول الله ﷺ عندها إذ جاء جبريل فرآه رسول الله ﷺ . فقال: يا خديجة! هذا جبريل فقالت: أتراه الآن؟ قال: نعم! قالت: فاجلس إلى شقي الأيمن، فتحول فجلس، فقالت أتراه الآن؟ قال: نعم! قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول [رسول الله ﷺ ] فجلس في حجرها فقالت هل تراه الآن؟ قال: نعم! فتحسرت رأسها فشالت (٢) خمارها ورسول الله ﷺ جالس في حجرها فقالت هل تراه الآن؟ قال: لا. قالت ما هذا بشيطان إن هذا لملك يا ابن عم فأثبت وأبشر، ثم آمنت به وشهدت أن ما جاء به هو الحق. قال ابن إسحاق: فحدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث، فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها تقول أدخلت رسول الله ﷺ بينها وبين درعها فذهب عندك ذلك جبريل ﵇. قال البيهقي: وهذا شئ كان من خديجة تصنعه (٣) تستثبت به الامر احتياطا لدينها وتصديقا. فأما النبي ﷺ فقد كان [قد] وثق بما قال له جبريل وأراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى، وما كان من تسليم الشجر والحجر عليه ﷺ (٤) تسليما. وقد قال مسلم في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن بكير حدثنا إبراهيم بن طهمان حدثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة ﵁. أن رسول الله ﷺ قال: " إني

стр. 845

لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن " (١). وقال أبو داود الطيالسي حدثنا سليمان بن معاذ عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: " إن بمكة لحجرا كان يسلم علي ليالي بعثت. إني لأعرفه إذا مررت عليه " (٢). وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن عباد بن عبد الله، عن علي بن أبي طالب ﵁. قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله (٣). وفي رواية لقد رأيتني أدخل معه [يعني النبي ﷺ ] الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليكم يا رسول الله. وأنا أسمعه. فصل قال البخاري في روايته المتقدمة ثم فتر الوحي حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك. وفي الصحيحين (٤) من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: سمعت أبا سلمة عبد الرحمن، يحدث عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي قال: فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء [والأرض] فجثيت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت زملوني زملوني فأنزل الله: (يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر) [المدثر: ١ - ٥] قال ثم حمي الوحي وتتابع فهذا كان أول ما نزل من القرآن بعد فترة
следующие страницы →