Полный текст (604 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
القاطع والاعتقاد الجازم لا مجرد حديث النفس والوسوسة ولأنه أخبر عن المحاسبة لا عن المعاقبة، فهو يوم القيامة يخبر العباد بما
أبدوا وأخفوا ليعلموا إحاطة علمه بجميع ذلك ثم قال: يغفر لمن يشأ فضلا ويعذب من يشأ عدلا كما أخبر في الآية.
* * *
فإن قيل: أي شرف للرسول ﵊ في مدحه بالإيمان، مع أنه في مرتبة الرسالة، ودرجتها وهى أعلى من درجة الإيمان فما
فائدة قوله: (آمَنَ الرَّسُولُ) ؟
قلنا: فائدته أن يبين للمؤمنين زيادة شرف الإيمان، حيث مدح به خواصه ورسله، ونظيره في سورة الصافات قوله تعالى في خاتمة
ذكر كل نبي: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) .
* * *
فإن قيل: روى عن ابن عباس أنه قرأ: (وملآئكته وكتابه) .
فسئل عن ذلك فقال كتاب أكثر من كتب
فما وجهه؟
قلنا: قيل: فيه أنه أراد أن الكتاب جنس والكتب جمع، والجنس أكثر من الجمع، لأنه حقيقة في الكل على ما ذهب إليه بعضهم.
ويرد على هذا أن يقال: الكلام في الجمع المضاف والمفرد المضاف والجمع المضاف للاستغراق عرفاً وشرعاً، كقوله لعبده: أكرم أصدقائى
وأهن أعدائى، وقوله: زوجاتى طوالق وعبيدى أحرار بخلاف قوله صديقى وعدوى وأمرأتى، فظهر أن الجمع المضاف أكثر.
стр. 37
فإن قيل: بين لا يضاف إلا إلى اثنتين فصاعدا فكيف قال: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) ؟
قلنا: أحد هنا بمعنى الجمع الذي هو آحاد كقوله تعالى: (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) .
فإنه ثم بمعنى الجمع بدليل قوله: (حَاجِزِينَ) .
فكأنه قال لا نفرق بين آحاد من رسله كقوله: المال بين آحاد الناس ولأن أحداً يصلح للمفرد المذكر والمؤنث وتثنيتها وجمعهما نفياً وإثباتاً، نقول: ما رأيت أحدا إلا بنى فلان أو إلا بنات فلان
سواء، وتقول إن جاءك أحداً بكتابى فأعطه وديعتى يستوى فيه الكل، فالمعنى لا نفرق بين أثنين منهم أو بين جماعة منهم ومنه
قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) .
* * *
فإن قيل: من أين دل قوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) على أن الأول في الخير والثانى في الشر؟
قلنا: قيل هو من كسبت واكتسبت، فإن الأول للخير والثانى للشر؟
وليس لقوله تعالى: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا) .
وقوله: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) .
وقوله: (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا) .
стр. 38
وقوله: (ومن يقترف حسنة) .
والاقراف والإكتساب بمعنى واحد، وقيل: هو (من) اللام وعلى وليس بسديد أيضاً لقوله تعالى: (الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) .
وقوله تعالى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) وقوله: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) .
اللهم إلا أن يدعى أن اللام وعلى عند الإطلاق تقتضيان ذلك كما في هذه الآية: (لا مقرونتين) بذكر الحسنة والسيئة أو الحسن
والقبيح ويدل عليه قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا) . أطلقه وأراد به الشر بدليل ما بعده، وقولهم: الدهر يومان يوم لك ويوم عليك " وقولهم ": فلان يشهد لك وفلان يشهد عليك " ويقول الرجل لصاحبه هذا الكلام حجة عليك لا لك، وقال
الشاعر:
على أننى راض بأن أحمل الهوى
وأخلص منه لا على ولا ليا.
أما قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) . وإن كان مقيداً لأن فيه دلالة أيضاً من جهة اللام وعلى لأن القيد شامل لطرفيه، والله أعلم.
стр. 39
سورة آل عمران
* * *
فإن قيل: كيف قال تعالى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) .
ثم قال تعالى: (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) ؟
قلنا: لأن القرآن نزل منجماً، والتوراة والانجيل نزلا جملة واحدة
كذا أجاب الزمخشري وغيره، ويرد عليه قوله تعالى بعد ذلك: (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) . فإن الزمخشري قال: أراد به جنس الكتب السماوية لا الثلاثة المذكورة جصوصاً، أو أراد به الزبور أو
أراد به القرآن، وكرر ذلك تعظيماً، ويرد عليه بعد ذلك: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) .
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) .
وقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) .
والذى وقع لي فيه -والله أعلم -أن التضعيف في نزل، والهمزة في أنزل كلاهما للتعدية، لأن نزل فعل لازم في نفسه وإذا كانا للتعدية لا يكونان لمعنى آخر وهو التكثير أو نحوه لأنه لا نظير له، فإنما جمع بينهما والمعنى واحد، وهو التعدية جرياً على
عادة العرب في افتتانهم في الكلام وتصرفهم فيه على وجوه شتى.
ويؤيد هذا قوله تعالى: (لولا نزل عليه آية من ربه) . وقال
стр. 40
فى موضع آخر: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) . ومن للتبعيض.
وقال في موضع آخر: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ) وهذا يقتضى كون جميع آياته محكمة ؟
قلنا: المراد بقوله: "منه آيات محكمات " أي ناسخات وآخر متشابهات " أي منسوخات، وقيل: المحكمات العقليات والمتشابهات الشرعيات، وقيل: المحكمات ما ظهر معناها والمتشابهات ما كان فى
معناها غموض ودقة، والمراد بقوله تعالى "كتاب أحكمت آياته ".
أن جميع القرآن صحيح ثابت مصون عن الخلل والزلل فلا تنافى.
* * *
فإن قيل: كيف قال هنا: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) .
جعل بعضه متشابهاً، وقال في موضع آخر: (كِتَابًا مُتَشَابِهًا) . وصفه كله بكونه متشابهاً.
قلنا: المراد بقوله: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) .
ما سبق ذكره، والمراد بقوله: (كِتَابًا مُتَشَابِهًا) .
أنه يشبه بعضه بعضاً في الصحة وعدم
التناقض وتأييد بعضه البعض فلا تنافى.
* * *
فإن قيل: ما فائدة إنزال المتشابه بالمعنى الأخير، والمقصود من إنزال القرآن إنما هو البيان والهدى، والغموض والدقة في المعانى ينافى هذا المقصود
أو يبعده؟
стр. 41
قلنا: لما كان كلام العرب ينقسم إلى ما يمفهم معناه سريعاً ولا يحتمل غير ظاهره، وإلى ما هو مجاز وكناية وإشارة وتلويح والمعانى فيه متعارضة متزاحمة، وهذا القسم هو المستحسن عندهم والمستبدع
فى كلامهم نزل القرآن بالنوعين تحقيقاً لمعنى الاعجاز، كأنه قال عارضوه بأى النوعين شئتم فإنه جامع لهما، وأنزله الله محكماً ومتشابهاً ليختبر من يؤمن بكله ويرد علم ما تشابه منه إلى الله، فيثيبه، ومن يرتاب فيه ويشك وهو المنافق فيعاقبه، كما ابتلى عباده
بنهر طالوت وغيره أو أراد أن يشتغل العلماء برد المتشابه إلى المحكم بالنظر والاستدلال والبحث والاجتهاد فيثابون على هذه العبادة، ولو كان كله ظاهراً جلياً لاستوى فيه العلماء والجهال
ولماتت الخواطر لعدم البحث والاستنباط، فإن زناد الفكر إنما يقدح بزيادة المشكلات، ولهذا قال بعض الحكماء: عيب الغنى أنه يورث البلادة ويميت الخاطر، وفضيلة الفقر أنه يبعث على إعمال الفكر واستنباط الحيل في الكسب.
فإذ قيل: قول تعالى: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) . أي ترى الفئة الكافرة الفئة المسلمة مثلى عدد نفسها أو بالعكس على إختلاف القولين وكيفما كان فهو مناف لقوله تعالى في سورة الأنفال: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) .
لأن يدل على أن الفئتين تساوتا في استقلال كل واحدة منهما للأخرى؟
стр. 42
قلنا: التقليل والتكثير في حالين مختلفين قلل الله المشركين في نظر المؤمنين أولا، والمؤمنين في نظر المشركين حتى اجترأت كل فئة على قتال صاحبتها، فلما التقتا كثر الله المؤمنين في نظر
المشركين حتى جبنوا وفشلوا فغلبوا أو كثر الله المشركين في نظر المؤمنين، وأراهم إياهم على ما هم عليه وكانوا في الحقيقة أكثر من المؤمنين، ليعلموا صدق ما وعدهم الله تعالى بقوله: (فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) .
فإن المؤمنين غلبوهم في هذه الغزوة وهى غزوة بدر مع أنهم كانوا أضعاف عدد المؤمنين.
وقيل: أرى الله المسلمين المشركين مثلى عدد المسلمين، وكانوا ثلاثة أمثالهم لكنه قللهم في أعين المسلمين وأراهم إياهم بقدر ما أعلمهم أنهم يفلبونهم، لتقوى قلوبهم بما سبق من الوعد إن المائة من المؤمنين
تغلب المائتين منهم.
* * *
فإن قيل: ما فائدة تكرار قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) في قوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ؟
قلنا: الأول قول الله تعالى والثانى حكاية قول الملآئكة وأولى العلم.
وقال جعفر الصادق رضى الله عنه: الأول وصف والثانى تعليم أي قوله وأشهدوا كما شهدوا.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وهم معرضون) في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ) .
стр. 43
والتولى والإعراض واحد كما سبق مرة؟
قلنا: معناه يتولون عن الداعى ويعرضون عما دعاهم إليه وهو كتاب الله أو يتولون بأبدانهم ويعرضون عن الحق بقلوبهم أو كان الذين تولوا علماؤهم والذين أعرضوا أتباعهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (بيدك الخير) . خص الخير بالذكر وبيده تعالى الخير والشر والنفع والضر ؟
قلنا: لأن الكلام إنما ورد رداً على المشركين فيما أنكروه، مما وعد الله به نبيه على لسان جبريل عليهما الصلاة والسلام من فتح بلاد الروم وفارس، ووعد النبى ﵊ الصحابة بذلك، فلما
كان الكلام في الخير خصه بالذكر باعتبار الحال، أو أراد الخير والشر فاكتفى بأحدهما لدلالته على الآخر كقوله: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) . وإنما خص الخير بالذكر لأنه المرغوب فيه المطلوب
للعباد من الله تعالى.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) .
وإيلاج الشيء في الشيء يقتضى اجتماع حقيقتهما بعد الإيلاج كإيلاج الخيط في الإبرة والأصبع في الخاتم ونحوهما.
وحقيقة الليل والنهار لا تجتمعان؟
قلنا: الإيلاج قد يكون كما ذكرتم، وقد يكون مع تبدل صفة أحدهما
стр. 44
بغلبة صفة الآخر عليه مع بقاء ذاته فيه كإيلاج يسير من خبز في لبن كثير أو بالعكس فإن الحقيقتين مجتمعتان وزناً، وصفة أحدهما غالبة على الأخرى، كذلك الليل والنهار إذا كان الليل أربع عشرة ساعة بالنسبة إلى زمن الاعتدال ففيه من النهار ساعتان قطعاً.
وكذا على العكس، أو معناه يولج زمن الليل في زمن النهار وبالعكس، أو يوج الليل في النهار وبالعكس باعتبار أن ليل قوم هو نهار آخرين وبالعكس، أو معناه أنه خلق ليلًا صرفاً خالصاً. ونهاراً
صرفاً خالصاً وخلق ما هو ممتزج منهما وهو ما قبيل طلوع الشمس وقبيل غروبها، والجواب الثالث والرابع يعمان جيع السنة.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) . وهو معلوم من غير ذكر ؟
قلنا: هى ظنت أن ما في بطنها ذكر، ولهذا نذرت أن تجعله خادماً لبيت المقدس، وكان من شريعتهم صحة هذا النذر في الذكور خاصه، فلما وضعت أنثى استحيت حيث خاب ظنها، ولم يتقبل نذرها.
فقالت ذلك معتذرة تعنى ليست الأنثى بصالحة لما يصلح له الذكر من خدمة المسجد، لا أنها أرادت
(أن) الأنثى ليست
стр. 45
كالذكر صورة أو قوة أو نحو ذلك، فلما قالت ذلك منكسرة خجلة من الله عليها بتخصيص مريم بقبولها في النذر دون غيرها من الأناث، وقال: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ) .
* * *
فإن قيل: المستعمل في مثله إدخال حرف النفى على القاصر، وحرف التشبيه على الكامل كقولهم: ليس الفضة كالذهب، وليس العبد كالحر، فوزانه ليست الأنثى كالذكر ؟
قلنا: لما كان جعل الأصل فرعاً والفرع أصلا في التشبيه في حالة الاثبات، يقتضى المبالغة في المشابهة كقولهم: القمر كوجه زيد، والبحو ككفه، كان يجعل الأصل فرعاً والفرع أصلا في حالة النفى
يقتضى نفى المبالغة في المتشابهة لا نفى المشابهة، وذلك هو المقصود هنا، لأن المشابهة واقعة بين الذكر والأنثى في أعم الأوصاف، وأغلبها، ولهذا يقاد أحدهما بالآخر، وإنما أرادت أم مريم نفي المشابهة بينهما في صحة النذرية خادماً لبيت المقدس لا غير.
فلذلك عكست الثانى: إن ذلك قول الله تعالى، والمعنى ليس الذكر الذي طلبت أن يكون خادماً للكنيسة كالأنثى التى وهبت لما علم الله
تعالى من جعلها وابنها آية للعالمين، وهو تفسير للتعظيم والتفخيم
المجمل في قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) .
وهى لا تعرف مقدار شرفه واللام في الذكر والأنثى للعهد، وهذا كله قول الزمخشري وتمامه في الكشاف، وقال الفقيه أبو الليث: قال بعضهم: هذا قول الله تعالى لمحمد ﷺ أي وليس الذكر
стр. 46
كالأنثى يا محمد، وقال بعضهم: هو من كلام أم مريم.
* * *
فإن قيل: كيف نادت الملآئكة زكريا وهو قائم يصلى في المحراب وأجابها وهو في الصلاة كما قال تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ) ؟
قلنا: المراد بقوله يصلى أي يدعو لقوله تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ) . أي بدعائك
* * *
فإن قيل: ما فائدة تخصيص يحيى ﵊ وقوله: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) .
وكل واحد من المؤمنين مصدق بجميع كلمات الله تعالى ؟
قلنا: معناه مصدقاً بعيسى الذي كان وجوده بكلمة من الله، وهى كن من غير واسطة أب، وكان تصديق يحيى بعيسى أسبق من تصديق كل أحد في الوجود أو في المرتبة.
* * *
فإن قيل: زكريا سأل الله الولد بقوله: (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) . والله تعالى بشره بيحيى على لسان الملآئكة، فكيف أنكر (بعد) هذا كله قدرة الله على إعطائه الولد حتى قال: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) ؟
قلنا إنما قاله على سبيل الإستفهام والتعجب من عظيم قدرة الله
стр. 47
تعالى، لا عن طريق الإنكار والاستبعاد، أو اشتبه عليه هل يعطى الولد وهو شيخ وأمرأته عاقر أو تزول عنهما هاتان الصفتان، فسأل لكشف الحال
فتقديره " أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ " ولقائل أن يقول آخرالآية لا يناسب هذا الجواب.
* * *
فإن قيل: ما فائدة تكرار ذكر الاصطفاء في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ) ؟
قلنا: الاصطفاء الأول للعبادة التى هى خدمة البيت المقدس، وتخصيصها بقبولها في النذر مع كونها أنثى، والاصطفاء الثانى لولادة عيسى ﵊ أو أعيد ذكر الاصطفاء ليقيد
بقوله "على نساء العالمين" فيندفع وهم أنها مصطفاة على الرجال.
* * *
فإن قيل: كيف نفى حضور النبى ﵊ في زمن مريم بقوله: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ) . . .الآية، وذلك
معلوم عندهم ولا شك فيه، وترك نفى استماعه ذلك الخبر من حافظه، وهو الذي كانوا يتوهمونه؟
قلنا: كان معلوماً أيضاً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل القراءة والرواية، وكانوا منكرين للوحى فلم يبق إلا المشاهدة والحضور، وهى في غاية الاستحالة فنفيت على طريق التهكم بالمنكرين للوحى مع علمهم أنه لا قراءة له ولا رواية، ونظيره قوله تعالى:
стр. 48
(وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ) . (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال: (اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) .
والخطاب مع مريم وهى تعلم أن الولد الذي بشرت به ابنها؟
قلنا: لأن الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه.
* * *
فإن قيل: أي معجزة لعيسى ﵊ في تكليم الناس كهلاً وأى خصوصية له في هذا حتي قال: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) ؟
قلنا: معناه يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التى يستحكم فيها العقل، وينبأ فيها الأنبياء، فكأنه قال: ويكلم الناس في المهد كما يكلمهم كهلاً.
وقال الزجاج: هذا خرج مخرج البشارة لمريم أنه عليه
الصلاة والسلام يبقى إلى زمن الكهولة، فهو بشارة لها بطول عمره.
وقيل: المقصود منه أن الزمان يؤثر فيه كما يؤثر في غيره، وينقله من حال إلى حال ولو كان إلهاً لم يجز عليه التغيير.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) .
والله تعالى رفعه ولم يتوفه؟
стр. 49
قلنا: لما هدده اليهود بالقتل بشره بأنه إنما يقبض روحه بالوفاة لا بالقتل. والواو لا تفيد الترتيب ليلزم من الآية موته قبل رفعه.
الثانى: أن فيه تقديماً وتأخيراً تقديره أنى رافعك ومتوفيك.
الثالث: أن معناه قابضك من الأرض تاماً وافياً في أعضائك وجسدك لم ينالوا منك شيئاً، من قولهم: توفيت حقى على فلان إذا استوفيته تاماً. وافياً.
الرابع: أن معناه أنى متوفيك نفسك بالنوم من قوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) .
ورافعك إلى وأنت نائم حى لا تخاف، بل تستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) .
وآدم (خلق من التراب، وعيس من الهواء) ، وآدم خلق من غير أب وأم، وعيسى خلق من أم ؟
قلنا: المراد به التشبيه في وجوده بغير واسطة، والتشبيه لا يقتضى المماثلة من جميع الوجوه بل من بعضها.
* * *
فإن قيل: كيف خص أهل الكتاب بأن منهم أميناً وخائناً بقوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) . .الآية
والمسلمون وغيرهم من أهل الملل كذلك منهم الأمين والخائن؟
قلنا: إنما خصهم باعتبار واقعة الحال، فإن سبب نزول الآية أن عبد الله بن سلام أودع ألفاً ومائتى أوقية من الذهب فأدى الأمانة فيها،
стр. 50
وفنحاص بن عازوراء أودع دينارا فخانه، ولأن خيانة أهل الكتاب المسلمين يكون على استحلال بدليل آخر الآية، بخلاف خيانة المسلم المسلم فلذلك خصهم بالذكر.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) .
وأكثر الجن والأنس كفرة؟
قلنا: المراد بهذا الاستسلام والانقياد، لما قضاه عليهم وقدره من الحياة والموت والمرض والصحة والشقاء والسعادة ونحو ذلك.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) . ومعلوم أن المرتد كيفما ازداد كفراً فإنه مقبول التوبة ؟
قلنا: الآية نزلت في قوم ارتدوا ثم أظهروا التوبة بالقول لستر أحوالهم والكفر في ضمائرهم، قاله ابن عباس وقيل: نزلت في قوم تابوا من ذنوبهم غير الشرك، وقيل: معناه لن تقبل توبتهم وقت حضور
الموت.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) .
وكم من بيت بنى قبل الكعبة من زمن آدم إلى زمن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام؟
قلنا: معناه أنه أول بيت وضع قبلة للناس ومكان عبادة لهم، أو وضع مباركاً للناس، ولأن ابن عباس قال: أول من بناه آدم ﵊ لما أهبط من السماء أوحي الله إليه: أبن لي بيتاً فى
стр. 51
الأرض وأصنع حوله نحو ما رأيت الملآئكة تصنع حول عرشى، فبناه وجعل يطوف حوله.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) . ولم يقل أنتم خير أمة؟
قلنا: معناه كنتم في سابق علم الله، أو كنتم يوم أخذ الميثاق على الذرية فأراد الإعلام بكون ذلك صفة أصلية فيهم لا عارضة متجددة
أو معناه خلقتم ووجدتم فهى كان التامة، وخير أمة نصب على الحال وتمام الكلام في كان ذكرناه في قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا) .
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) .
ولا يصح أن يقال هذا خير من ذلك إلا إذ كان في كل واحد منهما خير ؟
قلنا: معناه إيمانهم بمحمد ﵊، مع إيمانهم بموسى ﵊، مع إيمانهم بعيسى ﵊ خير من إيمانهم بموسى وعيسى فقط.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ) ... الآية) والمقصود تشبيه نفقة الكفار أموالهم في تحصيل المفاخر وطلب الصيت والسمعة أو ما ينفقونه في الطاعات مع وجود الكفر
أو ما ينفقونه في عداوة رسول الله صلى
стр. 52
الله عليه وسلم بالزرع الذي أصابته ريح شديدة البرد فأهلكته فضاع ولم ينتفح به، فالتشبيه في الحقيقة بالزرع، وفى لفظ الآية بالريح؟
قلنا: فيه إضمار تقديره مثل اهلاك ما ينفقون كمثل اهلاك ريح فيها صر، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح، ونظيره قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ) . ... الآية) .
وقوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ) ... الاية) .
وقال ثعلب: فيه تقديم وتأخير تقديره كمثل
حرث قوم ظلموا أنفسهم أصابتهم ريح فيها صر فأهلكته.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا) . فوصف الحسنة بالمس والسيئة بالاصابة ؟
قلنا: المس مستعار بمعنى الاصابة، فكان المعنى واحد ألا ترى إلى قوله تعالى: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ
وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ) .
وقوله تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) .
وقوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) .
стр. 53
فإن قيل: كيف قال: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) .
والنبى ﷺ يقول: العجلة من الشيطان والتأنى من الرحمن؟
قلنا: قد استثنى النبى ﵊ خسمة مواضع فقال: إلا في التوبة من الذنب، وقضاء الدين الحال، وتزويج البكر البالغة.
ودفن الميت، وإكرام الضيف إذا نزل، والمسارعة المأمور بها في الآية هى المسارعة إلى التوبة وما في معناها من أسباب المغفرة.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) . عطفه عليهم بكلمة أو فعل الفاحشة داخل في ظلم النفس وهو (من) أبلغ أنواع ظلم النفس ؟
قلنا: أريد بالفاحشة نوع من أنواع ظلم النفس، وهو الزنا أو كل كبيرة فخص بهذا الإثم تنبيهاً على زيادة قبحه، وأريد بظلم النفس ما وراء ذلك من الذنوب.
* * *
فإن قيل: كيف قال هنا: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) .
وقال في موضع آخر: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) .
قلنا: معناه ومن يستر الذنوب من جميع الوجوه إلا الله، ومثل هذا الغفران لا يوجد إلا من الله تعالى.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ) وهنا اقتصر على
стр. 54
قوله " أفإن مات "، وكان القتل يدخل فيه، فإنه موت؟
قلنا: القتل وإن كان موتاً، ولكن إذا أطلق الميت في العرف لا يفهم منه المقتول فلذلك عطف أحدهما على الآخر.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
وقال في موضع آخر: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ؟
قلنا: معناه يأتى به مكتوباً في ديوانه أو يأتى حاملا لإثمه، ومعنى فرادى منفردين عن الأموال والأهل أو عن الشركاء في الغى أو عن الألهة المعبودة من دون الله، وتمام الآية يشهد للكل.
* * *
فإن قيل: جاء في الصحيحين عن النبى ﷺ : " أن الغال يأتى يوم القيامة حاملا عين ما غله على عنقه صامتاً كان أو ناطقاً " هذا معنى الحديث، فاندفع الجواب؟
قلنا: على هذا يكون المراد بالآية الأخرى فرادى عن مال وأهل تعتزون بهما وتستنصرون، ويشهد بصحته تمام الآية.
فإذ قيل: كيف قال: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) .
(والعبيد ليسوا نفس الدرجات؟
قلنا: فيه إضمار تقدير هم درجات، أو أهل درجات فحذف المضاف لعدم الالتباس.
وقيل: المراد: بالدرجات الطبقات فلا يكون.
стр. 55
فيه إضمار، بل معناه أنهم طبقات عند الله تعالى يتفاوتون كتفاوت الدرجات.
* * *
فإن قيل: كيف جعل لكلا الفريقين درجات، وأحد الفريقين لهم دركات لا درجات ؟
قلنا: الدرجات تستعمل في الفريقين بدليل قوله تعالى في سورة الأحقاف بعد ذكر الفريقين: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) .
وتحقيقه أن بعض أهل النار أخف عذاباً فمكانه فيها أعلى. وبعضهم أشد عذاباً فمكانه فيها أقل ولو سلم اختصاص الدرجات بأهل الجنة لقوله:
(هم درجات) فيكون راجعاً إليهم خاصة بتقديره. أفمن اتبع رضوان الله وهم درجات عند الله كمن باء بسخط من الله وهم دركات؟
إلا أنه حذف البعض لدلالة المذكور عليه.
* * *
فإن قيل: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) .
كانوا في زمن النبى ﷺ ، قالوا ذلك لما سمعوا قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) .
فكيف قال: (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ) . أي ونكتب قتلهم الأنبياء وهم لم يقتلوا أنبياء قط؟
قلنا: لما رضوا بقتل أسلافهم الأنبياء كان كأنهم باشروا ذلك فأضيف
стр. 56
إليهم، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن كثيراً.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) .
وظلام صيغة مبالغة من الظلم، ولا يلزم منه نفى الظالم، وعلى العكس يلزم فهلا قال: ليس بظالم ليكون أبلغ في نفى الظلم عن ذاته المقدسة ؟
قلنا: صيغة المبالغة جىء بها لكثرة العبيد لا كثرة الظلم كما قال تعالى: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) .
وقال: (عالم الغيب) و (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) .
لما أفرد المفعول لم يأت بصيفة المبالغة.
ولما جمعه أتى بصيغة المبالغة، ونظيره قولهم: زيد ظالم لعبده، وعمرو ظلام لعبيده فهما في الظلم سيان، وكذا قال تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ) فشدد لكثرة الفاعلين لا لتكرار الفعل.
والثانى: أن العذاب من العظيم القدير الكثير العدل لولا سبق الجناية يكون أفحش وأقبح من الظلم ممن ليس عظيم القدر (كثير) العدل فيطلق
عليه اسم الظلام باعتبار زيادة قبح الفعل منه لا باعتبار تكرره، فحاصله أن صيغة المبالغة (تارة) تكون باعتبار زيادة ذات الفعل
стр. 57
وتارة باعتبار صفته ففعل الظلم لو وجد من الله تعالى وتقدس لكان أعظم من ألف ظلم يوجد من عبيده باعتبار زيادة وصف القبح ونظيره قوله تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) .
على ما يأتى بيانه في موضعه إن شاء الله.
* * *
فإن قيل: في قوله تعالى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) . من حق الجزاء أن يتعقب الشرط، وهنا سابق له؟
قلنا: معناه وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل قبلك، وضعاً وهو تكذيبهم موضع المسبب وهو التأسى بهم.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (وَلَا تَكْتُمُونَهُ) في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) .
والأول مغن عن الثانى ؟
قلنا: معناه ليبيننه في الحال ويدومون على ذلك البيان فلا يكتمونه في المستقبل.
الثانى: أن الضمير الأول للكتاب، والثانى: لنعت النبى ﷺ وذكر هـ، فإنه قد سبق ذكر النبى ﵊ قبيل هذا.
* * *
فإن قيل: متى بينوا الكتاب لزم بيانه بيان صفة النبي ﷺ وذكره.
لأنه من جملة الكتاب الذي هو التوراة والانجيل فقوله
بعد ذلك (لا تكتمونه) . تكرار؟
قلنا: على هذا يكون تأكيداً.
стр. 58
فإن قيل: كيف قال: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)
وقال في موضع آخر: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) .
ويلزم من هذا أن لا يدخل المؤمنون النار كما قالت المعتزلة والخوارج ؟
قلنا: أخزيته بمعنى أذللته وأهنته من الخزى، وهو الذل والهوان.
وقوله: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) .
من الخزاية وهى النكال والفضيحة فكل من يدخل النار يذل، وليس كل من دخلها ينكل به ويفضح
أو المراد بالآية الأولى ادخال الإقامة والخلود، لا ادخال تحلة القسم المدلول عليها بقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) .
أو ادخال التطهير الذي يكون لبعض المؤمنين بقدر ذنوبهم، وقيل: أن قوله تعالى: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ) .
كلام تام وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) . كلام مبتدأ غير معطوف على ما قبله.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (سَمِعْنَا مُنَادِيًا) . والمسوع نداء المنادى وقوله، لا نفس المنادى؟
قلنا: لما قال منادياً ينادى صار تقديره نداء مناد كما يقال سمعت زيداً يقول كذا أي سعت قول زيدا.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قوله: (رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) .
стр. 59
وتكفير السيئات داخل في غفران الذنوب؟
قلنا: الغفران مجرد فضل، والتكفير محو السيئات بالحسنات.
* * *
فإن قيل: ما فائدة قولهم: (وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) . (مع أنهم لا ينفعهم توفيهم مع الأبرار) . بل النافع لهم كونهم مع الأبرار سواء توفاهم معهم أو قبلهم أو بعدهم ؟
قلنا: معناه وتوفنا مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم، كما يقال: أعطانى الأمير مع أصحاب الخلع والجوائز أي جعلنى من جملتهم، وإن تقدم إعطاؤه عنهم أو تأخر.
* * *
فإن قيل: كيف قالوا: (وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ) . أي على لسان رسلك دعوة بانجاز الوعد مع علمهم وقولهم أيضا: (إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) ؟
قلنا: الوعد من الله تعالى على ألسنة الرسل للمؤمنين عام يحتمل أن يراد به الخصوص، كما في أكثر عمومات القرآن، فسألوا الله تعالى أن يجعلهم من الداخلين في حكم الوعد الثانى: سألوا تعجيل النصر
الذى وعدوا، فإنه تعالى وعدهم النصر على أعدائهم غير مؤقت بوقت خاص.
* * *
فإن قيل: كيف يجوز أن يغتر الرسول بنعمة الذي كفروا حتى نهى
стр. 60
عنه بقوله: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ) .
أى تصرفهم فيها بالتجارات متنعمين؟
قلنا: معناه لا يغرنكم أيها المؤمنون، فإن رئيس القوم ومقدمهم يخاطب بشىء والمراد به أتباعه وجماعته، الثانى: أنه ﵊ كان غير مغتر بحالهم فقيل له ذلك تأكيداً لما كان عليه وتثبيتاً على الدوام عليه.
كما قيل له: (فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) .
(وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) .
* * *
فإن قيل: كيف نهى عن التقلب وهو ليس مما ينهى ؟
قلنا: معناه لا تغتر بتقلبهم فيكون تقلبهم قد غرك، وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب لأن تقلبهم لو غره لأغتر به، فمنع السبب وهو غرور تقلبهم اياه، فيمتنع المسبب وهو اغتراره بتقلبهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ) .
ولم يقل: "لا يغرنك نعمهم وأموالهم " والذى يحتمل أن يغر الرسول والمؤمنين النعم والأموال لا التقلب في البلاد؟
قلنا: المراد بتقلبهم تصرفهم في التجارات والتنعم والتلذذ بالأموال، والفقير إنما يتألم وينكسر قلبه إذا رأى الغنى يتقلب في النعمة
стр. 61
ويتمتع بها، فلذك ذكر التقلب، وقيل: معناه لا يغرنك تقلبهم في المعاصى غير مأخوذين بذنوبهم.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) . وقوله لهم " أجرهم عند ربهم " موضع البشارة بالثواب وسرعة الحساب، إنما تذكر في موضع التهديد والعقاب ؟
قلنا: معناه (لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) . خوفاً من حسابه، فإنه سريع الحساب، فهو راجع إلى ما قبله.
стр. 62
سورة النساء
* * *
فإن قيل: في قوله تعالى: (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) .
إذ كانت حواء مخلوقة من آدم، ونحن مخلوقون منه أيضاً، تكون حواء إلى آدم نسبة الولد لأنها متفرعة منه، فتكون أختاً لنا لا أماً ؟
قلنا: قال بعض المفسرين (من) لبيان الجنس لا للتبعيض، فمعناه وخلق من جنسها زوجها، كما في قوله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) .
الثانى: وهو الذي عليه الجمهور أنها للتبعيض.
ولكن خلق حواء من آدم لم يكن بطريق التوليد كخلق الأولاد من الآباء، فلا يلزم منه ثبوت حكم البنتية والأختية فيها.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) . واليتيم لا يعطى ماله حتى يبلغ اتفاقاً؟
قلنا: المراد به إذا بلغوا وإنما سموا يتامى لقرب عهدهم بالبلوغ باعتبار ما كان، كما تسمى الناقة عشراء بعد الوضع، وقد يسمى البالغ يتيماً باعتبار ما كان، كما يسمى الحى ميتاً والعنب خمراً باعتبار ما يكون. قال الله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) .
وقال: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً) .
ومنه قولهم للنبى ﷺ بعد ما نبأه الله تعالى "يتيم أبى طالب ".
* * *
فإن قيل: أكل مال اليتيم (حرام وحده) ومع أموال الأوصياء،
стр. 63
فلم ورد النهى مخصوصاً عن أكله معها بقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) . أي معها؟
قلنا: لأن أكل مال اليتيم مع الاستغناء عنه أقبح، فلذلك خص بالنهى، ولأنهم كانوا يأكلونه مع الاستغناء عنه، فجاء النهى على ما
وقع بينهم.
* * *
فإن قيل: لما قال: (مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) . دخل فيه القليل والكثير فما فائدة قوله: (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) ؟
قلنا: إنما قال ذلك على وجهة التأكيد والإعلام أن كل تركة يجب قسمتها، لئلا يتهاون بالقليل من التركات ويحتقر، فلا يقسم وينفرد به بعض الورثة.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) . مع أنه لو كان الولد بنتاً فللأب الثلث ؟
قلنا: الآية وردت لبيان الفرض دون التعصيب، وليس للأب مع البنت بالفرض إلا السدس.
* * *
فإن قيل: كيف قطع على العاصى بالخلود في النار بقوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا) ؟
قلنا: أراد به من يعصى الله برد أحكامه وجحودها وذلك كفر،
стр. 64
والكافر يستحق الخلود في النار.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) .
والتوفى والموت بمعنى واحد فصار كأنه قال:
حتى يميتهن الموت؟
قلنا: معناه حتى يتوفاهن ملآئكة الموت، الثانى معناه حتى يأخذهن الموت ويستوفى أرواحهن.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) .
ولم يقل إنما التوبة على العبد، مع أن التوبة واجبة على العبد ؟
قلنا: معناه إنما قبول التوبة على الله بحذف المضاف، الثانى: أن معنى التوبة من الله رجوعه على العبد بالمغفرة والرحمة، لأن التوبة في اللغة الرجوع.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (بِجَهَالَةٍ) ولو عمله بغير جهالة ثم تاب قبلت توبته؟
قلنا: معناه بجهالة بقدر قبح المعصية وسوء عاقبتها، لا بكونها معصية وذنباً، وكل عاص جاهل بذلك حال مباشرة المعصية، معناه أنه مسلوب كمال العلم به بسبب غلبة الهوى وتزيين الشيطان.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) .
مع أنهم لو تابوا بعد الذنب من بعيد قبلت توبتهم؟
قلنا: معناه قبل معاينة سلطان الموت، كذا قاله ابن عباس رضى الله عنه
стр. 65
فإن قيل: كيف قال: (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ... الآية) . مع أن حرية الأخذ ثابتة وإن لم يكن قد أعطاها المهر، بل كان في زمته أو في يده؟
قلنا: المراد بالإيتاء الضمان والالتزام كما في قوله تعالى: (إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ) .
أى ما ضمنتم والتزمتم.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا) وأخذ مهر المرأة ظلم وليس ببهتان، لأن البهتان الكذب ؟
قلنا: قال ابن عباس وابن قتيبة: المراد بالبهتان الظلم، وقال الزجاج: المراد به الباطل، والمشهور في كتب اللغة أن البهتان أن يقول الإنسان على غيره مالم يفعله، قالوا فالمراد به أن الرجل ربما رمى
أمرأته بتهمة ليتوصل بذلك إلى أن يأخذ منها مهرها ويفارقها.
وقيل: المراد به إنكاره أن لها مهرا في ذمته.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) .
نهى عن الفعل في المستقبل و" إلا ما قد سلف "
ماض فكيف يصبح استثناء الماضي من المستقبل؟
قلنا: قيل إن " إلا " هنا بمعنى بعد كما في قوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) .
وقيل: هو استثناء من محذوف تقديره فأنكم تعذبون به إلا ما قد سلف، وقيل: فيه تقديم
стр. 66
وتأخير تقديره "إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ... الآية) . إلا ما قد سلف.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) . بلفظ الماضي مع أن نكاح منكوحة الأب فاحشة في الحال وفى المستقبل إلى يوم القيامة ؟
قلنا: (كان) تارة تستعمل للماضى المنقطع كقولك: كان زيد غنياً، وكان الخزف طيناً، وتارة تستعمل للماضي المستمر المتصل ويقال للحال
(كقول أبى جندب الهذلى) :
وكنت إذا جارى دعا لمضوفة أشمر حتى ينصف الساق ميزرى.
أى وإنى الآن، لأنه إنما يمتدح بصفة ثابتة له في الحال لا بصفة زائلة ذاهبة، والمضوفة بالفاء الأمر الذي يشفق منه، والقاف تصحيف، ومنه قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) . (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) .
وما أشبه ذلك وما نحن فيه من هذا القبيل، وسيأتى تمام الكلام في كان بعد هذا إن شاء الله تعالى في قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) .
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) .
قيد التحريم بكون الربيبة في حجر زوج أمها، والحرمة ثابتة مطلقاً
стр. 67
وإن لم تكن في حجره؟
قلنا: أخرج ذلك مخرج العادة والغالب لا مخرج القيد والشرط، ولهذا اكتفى في موضع الإحلال بنفى الدخول فتأمل.
* * *
فإن قيل: لما قال: (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) . ثم قال في آخر الآية. (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) .
علم من مجوع ذلك أن الربيبة لا تحرم إذ لم يدخل بأمها، فما فائدة قوله: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) ؟
قلنا: فائدته أن لا يتوهم أن قيد الدخول خرج مخرج العادة والغالب لا مخرج الشرط كما في قيد الحجر.
* * *
فإن قيل: كيف قال في نكاح الإماء: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) .
والمهر ملك المولى، وإنما يجب تسليمه إلى المولى لا إلى الأمة ؟
قلنا: لما كانت الأمة وما في يدها ملك المولى كان أداؤه إليها كأدائه إلى المولى.
الثانى: أن معناه وأتو مواليهن أجورهن بطريق حذف المضاف
* * *
فإن قيل: كيف قال: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) .
وجواز نكاح الأمة ثابت من غير خوف العنت عند بعض العلماء؟
قلنا: فيه إضمار وتقديره: ذلك أصوب وأصلح لمن خشى العنت منكم، فيكون شرطاً لما هو الأرشد والأصلح، كما في قوله تعالى:
стр. 68
(فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) .
* * *
فإن قيل: كيف قال: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ)
والإرادة إنما تقرن بأن، يقال: أريد أن تفعل وقال الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) ؟
قلنا: قد ورد في الكتاب العزيز اللام بمعنى (أن) كثيراً، قال الله تعالى: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) .
وقال: (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) .
وقال: (يُرِيدُونَ ليُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) .
وقل في موضع آخر: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا) .
كذلك هذا.
* * *
فإن قيل: كيف خص التجارة بالذكر في قوله تعال:
(إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) .
مع أن الهبة والصدقة والوصية والضيافة وغيرها تقتضى الحل أيضاً كالتجارة؟
قلنا: إنما خصها بالذكر لأن معظم تصرف الخلق في الأموال إنما هو بالتجارة، أو لأن أسباب الرزق أكثرها متعلقة بها.
* * *
فإن قيل: قوله تعالى: (لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ)
قالوا معناه أنهم يتمنون يوم القيامة أن يجعلوا تراباً كما جاء في آخر سورة النبأ
стр. 69
وظاهر اللفظ يعطى أنهم يتمنون أن نجعل الأرض مثلهم ناساً كما تقول سويت زيدا بعمرو، ومعناه جعلت زيدا وهو المسوى مثل عمرو وهو المسوى به؟
قلنا: سويت هذا بهذا له معنيان أحدهما: إجراء حكم الثانى على الأول كقولك: سويت زيداً بعمرو كما تقول ساويت
والثانى: أن يكون المسوى (مفعولا والمسوى به) آلة كقولك سويت القلم بالسكين، والثوب بالمقراض بمعنى أصلحته به، فقوله: " لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ" يحتمل الوجهين أن يكون بمعنى ساويت، ويكون من
المقلوب أي لو يسوون بالأرض، يجعلهم تراباً كقوله تعالى: (لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ) . وقوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) في قول من لم يجعل الباء زائدة، وقولهم: أدخلت الخاتم في أصبعى ونحوه، وإن
يكون بمعنى الآلة ودوا لو تمهد بهم الأرض وتوطد بأن يجعلوا تراباً، ويبثوا في وهادها وحضيضها لتساوى بقاعها وأكامها وقوله تعالى: (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) . أي لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً، وإن كان يدل على أن الأرض يوم القيامة متساوية السطح
فجعلها متساوية السطوح إن كان قبل البعث، فإذا بعث الموتي من قبورهم خلت منهم قبورهم وحفرهم، فحصل في الأرض تفاوت.
وإن كان بعد البعث فيجوز أن يكون هذا التمنى سابقاً على جعلها متساوية السطوح.
стр. 70
فإن قيل: قولنا هذا خير من ذلك يقتضى أن يكون في كل واحد منهما خير حتى يصح تفضيل أحدهما على الآخر، لأن خيرا في الأصل (من) أفعل التفضيل، فكيف قال: (لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ) . بعد ما سبق من قولهم في أول الآية؟
قلنا: المراد بالخير هنا الخير الذي هو ضد الشر لا الذي هو أفعل التفضيل كما تقول: في فلان خير.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) . والمفعول مخلوق وأمر الله تعالى وقوله غير مخلوق ؟
قلنا: ليس المراد بهذا الأمر ما هو ضد النهى، بل المراد به ما يحدثه من الحوادث، فإن الحادثة تسمى أيضاً أمراً.
ومنه قوله تعالى: (لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) وقوله: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا) .
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) .
مع أن شرك الساهي والمكره والتائب مغفور؟
قلنا: المراد به شرك غير هؤلآء المخصوصين من عموم الآية بأدلة من خارج أو نقول قيد المشيئة متعلق بالفعلين المنفى والمثبت، كأنه قال: "إن الله لا يغفر الشرك لمن يشاء ويغفر ما دونه لمن يشاء ".
стр. 71
فإن قيل هذه الآية (تدل) على أن غير الشرك من الذنوب لا يقطع بانتفاء مغفرته، بل يرجى مغفرته ، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) .
يدل على القطع بإنتفاء المغفرة في الكفر والظلم، وهما غير الشرك فكيف الجمع بينهما؟
قلنا: المراد بالظلم هنا الشرك قاله مقاتل، والشرك يسمى ظلماً، قال الله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) . فكأنه قال إن الذين أشركوا.
الثانى: أن قوله تعالى: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) . وليس قطعاً بالمغفرة لغير المشرك، بل هو تعليق للمغفرة بالمشيئة، ثم بين في الآية الأخرى أن الكافر ليس داخلاً فيمن يشاء المغفرة له، فتعين دخوله فيمن لا يغفر له، لأنه لا واسطة بينهما.
الثالث: أنه عام خص بالآية الثانية كما خص قوله
تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) . بالآية الأولى ويؤيد هذا إجماع الأمة على أن الكافر والمشرك سواء في عدم المغفرة والتخليد في النار، وقوله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) .
стр. 72
فإن قيل: كيف قال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) .
ذمهم على ذلك وقال أيضاً: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) .
وقد زكى النبى ﵊ نفسه فقال: "والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض "
ويوسف ﵊ قال: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) ؟
قلنا: إنما قال ذلك حين قال المنافقون اعدل في القسمة، تكذيب لهم حيث وصفوه بخلاف ما كان عليه من العدل والأمانة، وأما يوسف ﵊ فإنما قال ذلك ليتوصل به إلى ما هو وظيفة
الأنبياء، وهو إقامة العدل وبسط الحق، وامضاء أحكام الله تعالى، ولأنه علم أنه لا أحد في ذلك الوقت أقوم منه بذلك العمل، فكان متعيناً عليه، فلذلك طلبه وأثنى على نفسه، ومع ذلك كله فإنه روى عن النبى ﷺ أنه قال: " رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة ".
* * *
فإن قيل: كيف قال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) . إلى أن قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) .
حصر لعنته فيهم لأن هذا الكلام للحصر، وليست
стр. 73
لعنة الله منحصرة فيهم، بل هى شاملة لجميع الكفار؟
قلنا: قوله (أولئك) إشارة إلى القائلين: (لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) . وهذا القول موجود من جميع ألكفار فكانت اللعنة شاملة للجميع.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) .
أخبر أنه يعذب جلوداً لم تعص مكان الجلود العاصية وتعذيب البريء ظلم ؟
قلنا: الجلود المجددة، وإن عذبت فالألم بتعذيبها إنما يحصل للقلوب، وهى غير مجددة، بل هى العاصية باعتقاد الشرك ونحوه.
والثانى: أن المراد تبديلها إعادة النضيج على نضيج والجلود هى الجلود بعينها، كما قال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) وأراد تبديل الصفات لا تبديل الذات كما قال الشاعر:
وما الناس بالناس الذين عهدتهم وما الدار بالدار التى كنت أعهد.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) .
وليس في الجنة شمس ليكون فيها حر يحتاج بسببه إلى ظل ظليل؟
قلنا: هو مجاز عن المستقر والمستلذ المستطاب لأن بلاد الحجاز شديدة الحر، فأطيب ما عندهم موضع الظل، فخاطبهم بما يعقلون
стр. 74
ويفقهون، كما قال: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) .
وليس في الجنة طلوع شمس ولا غروبها ليكون فيها بكرة وعشياً، لكن لما كان في عرفهم تمام النعمة والغذاء وكمال وظيفته أن يكون حاضرا مهيأ في طرفى النهار عبر عن حضوره وتهيئته بذلك.
* * *
فإن قيل: كيف قال: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) .
وهذا مدح لمن يطع الله والرسول وعادة العرب في صفات المدح الترقى من الأدنى إلى الأعلى، وهذا عكسه لأنه نزل من الوصف الأعلى إلى الأدنى؟
قلنا: هذا ليس من الباب الذي ذكرتموه، بل هذا كلام مقصود منه الإخبار عن كون المطيعين لله ورسوله يكونون يوم القيامة مع الأشراف والخواص، ثم كأن سائلا سأل من الأشراف والخواص، ففصلوا له زيادة في الفائدة بعد تمام المعنى المقصود بالذكر بقوله
: " فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ " وبدأ في تفضيلهم بذكر الأشرف فالأشرف والأخص فالأخص إذ هو الغالب في تقدير الأشراف
والخواص، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) .
стр. 75
وقوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ... الآية) .
والدليل على أن المراد من الآية الإخبار
جملة لا تفصيلا إنه لما علم عباده أن يسألوه هذا المعنى أرشدهم إلى
طلبه مجملا بقوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) .
* * *
فإن قيل: كيف قال: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) .
وقال فى حق النساء: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) .
ومعلوم أن كيد الشيطان أعظم من كيد النسوان ؟
قلنا: المراد أن كيد الشيطان ضعيف في جنب نصرة الله تعالى
وحفظه لأوليائه والمخلصين من عباده، كما قال: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) .
وقال حكاية عن إبليس: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) .
والمراد بالآية الأخرى إن كيد النسوان عظيم
بالنسبة إلى الرجال، الثانى: أن القائل إن كيدكن عظيم هو
عزيز مصر لا الله تعالى فلا تناقض ولا معارضة.
* * *
فإن قيل: كيف عاب على المشركين والمنافقين قولهم: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) .
следующие страницы →