← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8378

أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل

زين الدين الرازي

Полный текст (604 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فإن قيل هذه الآية (تدل) على أن غير الشرك من الذنوب لا يقطع بانتفاء مغفرته، بل يرجى مغفرته ، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) . يدل على القطع بإنتفاء المغفرة في الكفر والظلم، وهما غير الشرك فكيف الجمع بينهما؟ قلنا: المراد بالظلم هنا الشرك قاله مقاتل، والشرك يسمى ظلماً، قال الله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) . فكأنه قال إن الذين أشركوا. الثانى: أن قوله تعالى: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) . وليس قطعاً بالمغفرة لغير المشرك، بل هو تعليق للمغفرة بالمشيئة، ثم بين في الآية الأخرى أن الكافر ليس داخلاً فيمن يشاء المغفرة له، فتعين دخوله فيمن لا يغفر له، لأنه لا واسطة بينهما. الثالث: أنه عام خص بالآية الثانية كما خص قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) . بالآية الأولى ويؤيد هذا إجماع الأمة على أن الكافر والمشرك سواء في عدم المغفرة والتخليد في النار، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا) .

стр. 72

فإن قيل: كيف قال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) . ذمهم على ذلك وقال أيضاً: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) . وقد زكى النبى ﵊ نفسه فقال: "والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض " ويوسف ﵊ قال: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) ؟ قلنا: إنما قال ذلك حين قال المنافقون اعدل في القسمة، تكذيب لهم حيث وصفوه بخلاف ما كان عليه من العدل والأمانة، وأما يوسف ﵊ فإنما قال ذلك ليتوصل به إلى ما هو وظيفة الأنبياء، وهو إقامة العدل وبسط الحق، وامضاء أحكام الله تعالى، ولأنه علم أنه لا أحد في ذلك الوقت أقوم منه بذلك العمل، فكان متعيناً عليه، فلذلك طلبه وأثنى على نفسه، ومع ذلك كله فإنه روى عن النبى ﷺ أنه قال: " رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة ". * * * فإن قيل: كيف قال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) . إلى أن قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) . حصر لعنته فيهم لأن هذا الكلام للحصر، وليست

стр. 73

لعنة الله منحصرة فيهم، بل هى شاملة لجميع الكفار؟ قلنا: قوله (أولئك) إشارة إلى القائلين: (لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) . وهذا القول موجود من جميع ألكفار فكانت اللعنة شاملة للجميع. * * * فإن قيل: كيف قال: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) . أخبر أنه يعذب جلوداً لم تعص مكان الجلود العاصية وتعذيب البريء ظلم ؟ قلنا: الجلود المجددة، وإن عذبت فالألم بتعذيبها إنما يحصل للقلوب، وهى غير مجددة، بل هى العاصية باعتقاد الشرك ونحوه. والثانى: أن المراد تبديلها إعادة النضيج على نضيج والجلود هى الجلود بعينها، كما قال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) وأراد تبديل الصفات لا تبديل الذات كما قال الشاعر: وما الناس بالناس الذين عهدتهم وما الدار بالدار التى كنت أعهد. * * * فإن قيل: كيف قال: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) . وليس في الجنة شمس ليكون فيها حر يحتاج بسببه إلى ظل ظليل؟ قلنا: هو مجاز عن المستقر والمستلذ المستطاب لأن بلاد الحجاز شديدة الحر، فأطيب ما عندهم موضع الظل، فخاطبهم بما يعقلون

стр. 74

ويفقهون، كما قال: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) . وليس في الجنة طلوع شمس ولا غروبها ليكون فيها بكرة وعشياً، لكن لما كان في عرفهم تمام النعمة والغذاء وكمال وظيفته أن يكون حاضرا مهيأ في طرفى النهار عبر عن حضوره وتهيئته بذلك. * * * فإن قيل: كيف قال: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) . وهذا مدح لمن يطع الله والرسول وعادة العرب في صفات المدح الترقى من الأدنى إلى الأعلى، وهذا عكسه لأنه نزل من الوصف الأعلى إلى الأدنى؟ قلنا: هذا ليس من الباب الذي ذكرتموه، بل هذا كلام مقصود منه الإخبار عن كون المطيعين لله ورسوله يكونون يوم القيامة مع الأشراف والخواص، ثم كأن سائلا سأل من الأشراف والخواص، ففصلوا له زيادة في الفائدة بعد تمام المعنى المقصود بالذكر بقوله : " فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ " وبدأ في تفضيلهم بذكر الأشرف فالأشرف والأخص فالأخص إذ هو الغالب في تقدير الأشراف والخواص، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) .

стр. 75

وقوله: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ... الآية) . والدليل على أن المراد من الآية الإخبار جملة لا تفصيلا إنه لما علم عباده أن يسألوه هذا المعنى أرشدهم إلى طلبه مجملا بقوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) . * * * فإن قيل: كيف قال: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) . وقال فى حق النساء: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) . ومعلوم أن كيد الشيطان أعظم من كيد النسوان ؟ قلنا: المراد أن كيد الشيطان ضعيف في جنب نصرة الله تعالى وحفظه لأوليائه والمخلصين من عباده، كما قال: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) . وقال حكاية عن إبليس: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) . والمراد بالآية الأخرى إن كيد النسوان عظيم بالنسبة إلى الرجال، الثانى: أن القائل إن كيدكن عظيم هو عزيز مصر لا الله تعالى فلا تناقض ولا معارضة. * * * فإن قيل: كيف عاب على المشركين والمنافقين قولهم: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) .

стр. 76

ورد عليهم ذلك بقوله: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) . ثم قال بعد ذلك: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) . أخبره بعين قولهم المردود عليهم؟ قلنا: قيل إن الثانى حكاية قولهم أيضاً وفيه إضمار تقديره: "فما لهؤلآء القوم لا يكادون يفقهون حديثا " فيقولون " ما أصابك ... الآية " وقيل معناه ما أصابك أيها الإنسان من حسنة أي رجاء ونعمة فمن فضل الله، وما أصابك من سيئة أي (قحط) وشدة فبشؤم فعلك ومصيبتك لا بشؤم محمد كما زعم المشركون ويؤيده قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) . * * * فإن قيل: كيف يقال إن الشر والمعصية بإرادة الله تعالى والله تعالى يقول: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ؟ قلنا: ليس المراد بالحسنة والسيئة الطاعة والمعصية بل القحط والرخاء والنصر والهزيمة على ما أختلف فيه العلماء الاترا أنه قال: (ما أصابك) ولم يقل: ما عملت من حسنة وما عملت من سيئة. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) .

стр. 77

السؤال فيه من وجهين أحدهما: أنه يدل من حيث المفهوم على أن في القرآن اختلافاً قليلاً، وإلا لما كان للتقييد بوصف الكثرة فائدة، الثانى: أنه (إنما) يدل عدم الاختلاف الكثير في القرآن على أنه من عند الله إن لو كإن كل كتاب من عند غير الله فيه اختلاف كثير، وليس الواقع كذلك، لأن المراد بالاختلاف إما الكذب أو التناقض أو التفاوت بين بعضه وبعضه في الجزالة والبلاغة والحكمة وكثرة الفائدة؟ قلنا: الجواب عن السؤال الأول إن التقييد بوصف الكثرة للمبالغة في إثبات الملازمة فكأنه قال: لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فضلا عن القليل، وليس فيه اختلاف كثير ولا قليل فكيف يكون من عند غير الله فهذا هو المقصود من التقييد بوصف الكثرة لا أن القرآن اشتمل على اختلاف قليل، وعن السؤال الثانى: إن كل كتابا في فن من العلوم إذا كان من عند غير الله يوجد فيه اختلاف ما بأحد التفاسير المذكورة لا محالة يعرف ذلك بالاستقراء، والقرآن جامع (لفنون) من علوم شتى فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه بالنسبة إلى كل فن اختلاف ما، فيصير

стр. 78

مجموع الاختلاف اختلافا كثيرا. * * * فإن قيل: كيف قال: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) . استثني القليل على تقدير انتفاء الفضل والرحمة، مع أنه لولا فضله بالهداية والعصمة ورحمته لاتبع الكل الشيطان من غير استثناء ؟ قلنا: الاسثناء راجع إلى ما تقدم تقديره أَذَاعُوا بِهِ إلا قليلا، وقيل: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا، وقيل: معناه: ولولا فضل الله عليكم بإرسال الرسول لأتبعتم الشيطان في الكفر والضلال إلا قليلا منكم كانوا يهتدون بعقولهم إلى معرفة الله تعالى وتوحيده. كما فعل قيس بن ساعدة ونحوه قبل بعث النبي ﷺ . * * * فإن قيل: على الجواب الأخير إذ كان المراد أن من لوازم نفى الفضل والرحمة بالطريق الخاص، وهو الرسول اتباع الشيطان، ونفى الفضل والرحمة بالطريق الخاص معلوم في حق الرسول لأنه لم يرسل إليه رسول ومع هذا لم يتبع الشيطان؟ قلنا: لا نسلم أنه لم يرسل إليه رسول بل أرسل إليه الملك، وأنه رسول، الثانى: أن التقدير في الفضل والرحمة بتعيين الطريق يكون في حق الأمة، أما في حق الرسل ومن آمن بغير رسول يكون اللفظ باقياً على ظاهره.

стр. 79

فإن قيل: هذه الآية تقتضى وجود فضله ورحمته المانع من إتباع أكثر الناس الشيطان، مع أن الواقع خلافه، فإن أكثر الناس كفره، ويؤيده قوله ﵊ " الإسلام في الكفر كالشعرة البيضاء فى الثور الأسود "؟ قلنا: الخطاب في هذه الآية للمؤمنين لا لكل الناس. * * * فإن قيل: إذا كان الخطاب خاصاً للمؤمنين فما معني الاستثناء، فإنه إن كان المراد به اتباعه فيما يدعو إليه ويوسوس من المعاصى فأكثر المؤمنين متبوعون له في ذلك ولو في العمر مرة واحدة في بعض الكبائر، وإن كان المراد به اتباعه في دعائه إلى الكفر فأحد من المؤمنين لم يتبعه في الكفر؟ قلنا: معناه ولولا فضل الله عليكم إيها المؤ منون ورحمته بالهداية بالرسول لاتبعتم الشيطان في الكفر وعبادة الأصنام وغير ذلك إلا قليلا منكم كقيس بن ساعدة وورقة بن نوفل ونحوهما، فأنهم لولا الفضل والرحمة بالرسول لما اتبعوا الشيطان لفضل ورحمة خصهم الله تعالى بها غير إرسال الرسول وهو زيادة الهداية ونور البصيرة. * * * فإن قيل: كيف قال: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) . مع أنه لاتفاوت بين صدق وصدق في كونه صدقاً كما في القول والعلم لا يقال هذا القول أقول، ولا هذا العلم أعلم ولا هذا الصدق أصدق لأن الصدق عبارة عن الإخبار المطابق للواقع، ومتى ثبت أنه مطابق للواقع لا يحتمل الزيادة والنقصان؟ قلنا: أصدق هنا صفة للقائل لا صفة للقول، والقائلان متفاوتان

стр. 80

فى الصدق في نفس الأمر وإن يتساويا في قضية واحدة أخبرا بها، وكان كل واحد منهما صادقا فيها، وحاصله أن هذا الاستفهام معناه النفى كما في قوله تعالى: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) . أى لا أحد يغفرها إلا الله، فمعناه هنا: لا أحد أصدق في حديثه من الله. فيكون ترجيحاً للمحدث على المحدث في الصدق، لا ترجيحاً لأحد الصدقين على الآخر، ولا شك أنه لا أحد أصدق في حديثه من الله. لأن غيره يجوز عليه غير الصدق عقلا، ويقع منه أيضاً ولو نادراً والله تعالى منزه عن الأمرين جميعا. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا) . وأركسه أي رده فيصير معناه كلما ردوا إلى الفتنة ردوا فيها، وهو تكرار ؟ قلنا: جوابه أن الفاعل مختلف فانتفى التكرار، وصار المعنى: كلما دعاهم قومهم إلى الشرك ردهم الله إليه وقلبهم بشؤم نفاقهم، فالرد الأول بمعنى الدعاء والركس بمعنى الرد، والنكس. * * * فإن قيل: كيف قال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) . مع أنه ليس له أن يقتله خطأ؟ قلنا: إلا بمعنى ولا، كما في قوله تعالى: (لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) . وقوله تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)

стр. 81

الثانى: معناه أنه ليس له أن يقتله مع تيقن إيمانه، بل له أن يقتله إذا غلب على ظنه أنه ليس بمؤمن، وهو في صف المشركين وإن كان في نفس الأمر مؤمناً. * * * فإن قيل: كيف يقال: إن أهل الكبائر من المؤمنين لا يخلدون فى النار والله تعالى يقول: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) ؟ قلنا: معناه متعمداً قتله بسبب إيمانه، والذى يفعل ذلك يكون كافرا. الثانى: أن المراد بالخلود طول المكث، لأن الخلود إذا لم يؤكد بالأبد يطلق على طول المكث، كما يقول خلد السلطان فلانا في الحبس إذا اطال حبسه. * * * فإن قيل: كيف قال: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) . ثم قال: (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ) ؟ قلنا: المراد بالأول التفضيل على القاعدين عن الغزاة بعذر، فإن لهم فضلا لكونهم مع الغزاة بالهمة والعزيمة والقصد الصالح، ولهذا قال: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) . يعنى الجنة أي كلا من

стр. 82

المجاهدين والقاعدين بعذر، والمراد بالثانى: التفضيل على القاعدين عن الغزاة بغير عذر، وأولئك لا فضل لهم بل هم مقصرون مسيؤون فظهر فضل الغزاة عليهم بدرجات لانتفاء الفضل لهم. * * * فإن قيل: كيف صح قولهم: (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) جواباً لقول الملآئكة: "فيم كنتم " والجواب المطابق أن يقولوا كنا في كذا أو لم نكن في شيء ؟ قلنا: معنى "فيم كنتم " التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فصار قولهم " فيم كنتم " مجازاً عن قولهم (لم) تركتم الهجرة؟ فقالوا كنا مستضعفين في الأرض اعتذاراً عما وبخوا به تعللا، فردت عليهم الملآئكة ذلك بقولهم: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) .يعني أنكم إن كنتم عاجزين عن الهجرة إلى المدينة لبعدها عنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد القريبة منكم، التى تقدرون فيها على إظهار دين الإسلام. * * * فإن قيل: كيف قال: (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) . أى وجب، والعبد لا يستحق على مولاه أجراً، لأنه ليس بأجير له إنما هو عبد قن؟

стр. 83

قلنا: معناه وجب من جهة أنه وعد عبده أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا والخلف في وعده محال، فالواجب من هذه الجهة، مع أن كل ذلك الوعد ابتداء فضل منه. * * * فإن قيل: كيف شرط في إباحة القصر للمسافر خوف العدو بقوله: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ... الآية) والقصر جائز مع أمن المسافر ؟ قلنا: خرج ذلك مخرج الغالب لا مخرج الشرط، وغالب أسفار رسول الله ﷺ وأصحابه لم يخل من خوف العدو، فصار نظير قوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) . الثانى: أن الكلام قد تم عند قوله: (أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) . وقوله: (إِنْ خِفْتُمْ) كلام مستأنف، وجوابه محذوف تقديره: فاحتاطوا وتأهبوا، الثالث: أن المراد به القصر من شروطها وأركانها حالة اشتداد الخوف بترك الركوع والسجود والنزول عن الدابة واستقبال القبلة ونحو ذلك، لا من عدد الركعات وذلك القصر مشروط بالخوف. * * * فإن قيل. كيف قال: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) . وكان لفظ دال على المضي، والصلاة في الحال وإلى يوم القيامة أيضاً على المؤمنين فرض مؤقت؟

стр. 84

قلنا: (كان) في القرآن العزيز على خمسة أوجه: كان بمعنى الأزل والأبد، كما في قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) وكان بمعنى المضى المنقطع كما في قوله تعالى: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ) . وهو الأصل في معانى كان كما تقول: كان زيد صالحا أو فقيراً أو مريضاً ونحو ذلك، وكان بمعنى الحال كما في قوله تعالى: (كنتم خير أمة) . وقوله: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) . وكان بمعني الاستقبال كما في قوله تعالى: (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) . وكان بمعني صار كما في قوله تعالى: (وكان من الكافرين) . * * * فإن قيل: كيف قال: (وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ) والكافرون أيضاً يرجون الثواب في محاربة المؤمنين، لأنهم يعتقدون أن دينهم حق، وأنهم ينصرون دين الله ويذبون عنه ويقاتلون أعداءه، كما يعتقدون المؤمنون فالرجاء مشترك ؟ قلنا: قيل أن الرجاء هنا بمعنى الخوف كما في قوله تعالى: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) . وقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) .

стр. 85

وقول الشاعر: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها............ وعلى قول من قال: أنه بمعنى الأمل تقول: قد بشر الله المؤمنين فى القرآن، ووعدهم بإظهار دينهم على الدين كله، ومثل هذه البشارة والوعد لم يوجد في سائر الكتب فافترقا، وقيل: أن الرجاء ما يكون مستندا إلى سبب صحيح ومقدمات حقة، والطمع ما يكون مستنداً إلى خلاف ذلك، فالرجاء للمؤمنين، وأما الكافرون فلهم طمع لا رجاء * * * فإن قيل: ما فائدة قوله: (أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) بعد قوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا) وظلم النفس من عمل السوء، فهلا اقتصر علي الأول لأن الثانى داخل فيه ؟ قلنا: (أو) بمعنى الواو فمعناه ويظلم نفسه بذلك السوء، حيث دساها بالمعصية، وقيل: المراد بعمل السوء ما دون الشرك، وبظلم النفس الشرك، وقيل: المراد بعمل السوء الذنب المتعدى ضرره إلى الغير، وبظلم النفس الذنب المقتصر ضرره على فاعله. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) . ظاهره ينفى وجود الهم منهم باضلالة، والمنقول في التفاسير أنهم هموا بإضلاله وزادوا علي الهم الذى هو القصد القول المضل أيضاً، يعرف ذلك من تفسير أول القصة وهو قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) .

стр. 86

قلنا: قوله (لهمت) ليس جواب لولا بل هو كلام مقدم على لولا، وجوبها في التقدير مقول على طريق القسم، وجواب لولا محذوف تقديره لقد همت طائفة منهم أن يضلوك ولولا فضل الله عليك ورحمته لأضلوك. * * * فإن قيل: النجوى فعل ومن اسم فكيف صح استثناء الاسم من الفعل في قوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) قلنا: فيها إضمار تقديره: إلا نجوى من أمر بصدقة، فيكون إستثناء الفعل من الفعل ونظيره قوله تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) . تقديره بر من آمن بالله. * * * فإن قيل: كيف قال: (إلا من أمر) ثم قال: (ومن يفعل ذلك) ؟ قلنا: ذكر الأمر بالخير ليدل به على خيرية الفاعل له بالطريق الأولى ثم ذكرالفاعل ووعده الأجر العظيم إظهاراً لفضل الفاعل المؤتمر على الأمر، الثانى: أنه أراد ومن أمر بذلك، فعبر عن الأمربالفعل كما يعبر به عن سائر أنواع الفعل وإذا كان الأمر موعوداً

стр. 87

بالأجر العضيم كان الفاعل موعودا به بالطريق الأولى. * * * فإن قيل: كيف قال: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) . أى مايعبدون من دون الله إلا اللات والعزى ومناة ونحوها، وهى من مؤنثة. ثم قال: (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) أي ما يعبدون إلا الشيطان؟ قلنا: معناه أن عبادتهم للأصنام هى في الحقيقة عبادة للشيطان، أما لأنهم أطاعوا الشيطان فيما سول لهم وزين من عبادة الأصنام (بالاغواء والاضلال أو لأن الشيطان موكل بالأصنام) ، يدعوا الكفار إلى عبادتها شفاها، ويتزيا للسدنة فيكلمهم ليضلهم. * * * فإن قيل: كيف يقال: أن العبد يحكم بكونه من أهل الجنة بمجرد الإيمان، والله شرط لذلك العمل الصالح بظاهر قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) . وقوله (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) . وإلا لما كان للتقييد فائدة؟ قلنا: إن المراد بالعمل الصالح الاخلاص في الايمان، وقيل الثبات عليه إلى الموت، وكلاها شرط في كون الإيمان سببأ لدخول الجنة. * * * فإن قيل: كيف قال: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) . والتائب المقبول التوبة غير مجزى بعمله، وكذلك من عمل سيئة ثم أتبعها حسنة،

стр. 88

لأنها مذهبة لها وماحية بنص القرآن؟ قلنا: المراد من يعمل سوءا ويموت مصرا (عليه) ، الثانى أن المؤمن يجازى في الدنيا بما يصيبه فيها من المرض وأنواع المصائب والمحن كما جاء في الحديث، والكافر يجازى في الآخرة. * * * فإن قيل: كيف خص المؤمنين الصالحين بأنهم لا يظلمون بقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ ... الآية) مع أن غيرهم لا يظلم أيضاً ؟ قلنا: قوله: (وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) . راجع إلى الفريقين عمال السوء وعمال الصالحات لسبق ذكر الفريقين، الثانى: أن يكون من باب الإيجاز والاختصار فاكتفى بذكره عقيب الجملة الأخيرة عند ذكر أحد الفربيين لدلالته على إضماره عقيب ذكر الفريق الآخر فلا يظلم المؤمنون بنقصان ثواب طاعاتهم، ولا الكافرون بزيادة عقاب معاصيهم. الثالث: أن المراد بالظلم المنفى نقصان ثواب الطاعات، وهو مخصوص بالمؤمنين لأن الكافرين ليس لهم على اعمالهم ثواب ينقص منه. * * * فإن قيل: طلب الإيمان من المؤمنين تحصيل الحاصل فكيف قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية) ؟

стр. 89

قلنا: يا أيها الذين أمنوا بعيسى آمنوا بالله ورسوله محمد، وقيل: معناه يا أيها الذين آمنو يوم الميثاق آمنوا الأن، وقيل: معناه يا أيها الذين آمنوا علانية آمنوا سراً. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) وإن كان للكافرين لم سمى ظفر المسلمين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً ؟ قلنا: تعظيماً لشأن المسلمين وتحقيراً لحظ الكافرين، لأن ظفر المسلمين أمر عظيم، لأنه متضمن نصرة دين الله، وعزة أهله. وتفتح له أبواب السماء حتى ينزل على أولياء الله، وظفر الكافرين. ليس إلا حظا دنيا وعرضاً من متاع الدنيا يصيبونه، وليس بمتضمن شيئاً مما ذكرناه. * * * فإن قيل: كيف قال: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) وقد نصر الكافرين على المؤمنين في يوم أحد وفى غيره أيضاً إلى يومنا هذا؟ قلنا: المراد بالسبيل الحجة والبرهان والمؤمنون غالبون بالحجة دائماً. * * * فإن قيل: كيف كان المنافق أشد عذاباً من الكافرين حتى قال الله تعالى في حقه: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) . مع أن المنافق أحسن حالا من الكافر، بدليل: أنه معصوم الدم وغير محكوم عليه بالكفر. ولهذا قال الله تعالى في حقهم:

стр. 90

(مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ) . فلم يجعلهم مؤمنين ولا كافرين؟ قلنا: المنافق وإن كان في الظاهر أحسن حالًا من الكافر إلا أنه عند الله تعالى وفى الآخرة أسوأ حالا منه، لأنه شاركه الكفر، وزاد عليه الاستهزاء بالإسلام وأهله، والمخادعة لله وللمؤمنين. * * * فإن قيل: الجهر بالسوء غير محبوب لله تعالى أصلا، بل المحبوب عنده العفو والصفح والتجاوز. فكيف قال: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) . أى إلا جهر من ظلم ؟ قلنا: معناه ولا جهر من ظلم، فإلا بمعنى ولا، وقد سبق نظيره وشاهده في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) . * * * فإن قيل: كيف جاز دخول بين على أحد في قوله تعالى: (وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) . وبين تقتضى أثنين فصاعداً، يقال: فرقت بين زيد وعمرو أو بين القوم، ولا يقال فرقت بين زيد؟ قلنا: قد سبق هذا السؤال وجوابه في قوله تعالى: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) . وفى آخر سورة البقرة أيضاً.

стр. 91

فإذ قيل: ما فائدة إعادة الكفر في الآية الثانية بقوله تعالى: (وَكُفْرِهِمْ) . بعد قوله: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ. . الآية) ؟ قلنا: لأنه تكرر الكفر منهم فإنهم كفروا بموسى وعيسى ثم بمحمد، فعطف بعض كفرهم على بعض. * * * فإن قيل: اليهود كانوا كافرين بعيسى يسمونه الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة، فكيف أقروا أنه رسول الله بقولهم: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) ؟ قلنا: قالوه على طريق الاستهزاء، كما قال فرعرن: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) . * * * فإن قيل: كيف وصفهم بالشك بقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) . ثم وصفهم بالظن بقوله: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) . والشك تساوى الطرفين، والظن مرجحاً أحدهما. فكيف يكونون شاكين ظانين، وكيف استثنى الظن من العلم، وليس الظن فرداً من أفراد العلم بل هو قسيمه؟ قلنا: استعمل الظن بمعنى الشك مجازاً لما بينهما من المشابهة في انتقاء الجزم، وأما استثناء الظن من العلم فهو استثناء من غير

стр. 92

الجنس، كما في قوله تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا) . وما أشبهه. * * * فإن قيل: كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل، وهم محجوجون بما نصبه لهم من الأدلة العقلية الموصلة إلى معرفته حتى قال: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) ؟ قلنا: الرسل والكتب منبهة من الغفلة، وباعثة على النظر في أدلة العقل، ومفصلة لمجمل الدين وأحوال التكليف، التى لا يستقل العقل بمعرفتها، فكان إرسالهم إزاحة للعلة، وتتميماً لالزام الحجة لئلا يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولا فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا لما وجب الانتباه له. * * * فإن قيل: كيف قال: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) ولم يقل أنزله بقدرته أو بعلمه وقدرته مع أن الله تعالى لا يفعل إلا عن علم وقدرة؟ قلنا: معناه أنزله وفيه علمه، أي معلومة أو معلمة من الشرائع والأحكام، وقيل: معناه أنزله عليك بعلم منه أنك أولى بانزاله عليك من سائر خلقه.

стр. 93

فإن قيل: كلام الله تعالى صفة قديمة (قائمة) بذاته وعيسى ﵊ مخلوق حادث، فكيف صح إطلاق الكلمة عليه في قوله تعالى: (رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ) ؟ قلنا: معناه أن وجوده في بطن أمه كان بكلمة الله تعالى، وهى قوله: (كن) من غير واسطة، بخلاف غيره من البشر، وقيل المراد بالكلمة الحجة. * * * فإن قيل: على الوجه الأول لو كان صحة إطلاق الكلمة على عسيى ﵊ لهذا المعنى يصح إطلاقها على آدم ﵊، لأن هذا المعنى فيه أتم وأكمل، لأنه وجد بهذه الكلمة من غير واسطة أب ولا أم أيضاً؟ قلنا: لا نسلم أنه لا يصح إطلاقها عليه بهذا المعنى بل يصح. * * * فإن قيل: لو صح إطلاقها عليه لجاء به القرآن كما جاء في حق عيسى ﵊؟ قلنا: إنما جاء به، لأن المجيء به في حق عيسى ﵊ إنما كان للرد على من افترى عليه، وعلى أمه ونسبه إلى أب، ولم يوجد هذا المعنى في حق آدم عليه الصلاة والسلإم، لاتفاق الناس كلهم على أنه غير مضاف إلى أب ولا إلى أم.

стр. 94

سورة المائدة * * * فإن قيل: كيف وجه الارتباط والمناسبة بين قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وقوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) ؟ قلنا: المراد بالعقود عهود الله تعالى عليهم في تحليل حلاله وتحريم حرامه، فبدأ بالمجمل ثم أتبعه بالمفصل من قوله: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ) وقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ. . الآية) وقوله بعده: (حرمت عليكم الميته ... الأية) . * * * فإن قيل: ما أكله السبع عدم، وتعذر أكله فكيف يحسن فيه التحريم حتى قال: (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ) ؟ قلنا: معناه وما أكل منه السبع يعنى الباقى بعد أكله. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) يدل من حيث المفهوم عرفاً على إنه لم يرض لهم بالإسلام ديناً قبل ذلك اليوم وليس كذلك، فإن الإسلام لم يزل ديناً مرضياً للنبى ﷺ وأصحابه عند الله تعالى منذ أرسله ﵊؟ قلنا: قوله "اليوم" ظرف للجملتين الأوليين لا للجملة الثالثة، لأن

стр. 95

الواو الأولى للعطف، والثانية للإبتداء، فالجملة الثالثة مطلقة غير مؤقتة. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) كيف صلح جوابا لسؤالهم، والطيبات غير معلومة. ولا متفق عليها لأنها تختلف باختلاف الطباع والبقاع؟ قلنا: المراد بالطيبات هنا الذبائح والعرب تسمى الذبيحة طيباً. وتسمى الميتة خبيثاً، فصار المراد معلوما، لكنه عام مخصوص كغيره من العمومات. * * * فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (مكلبين) بعد قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ) والمكلب هو المعلم من كلاب الصيد ؟ قلنا: قد جاء في تفسير المكلب آيضاً أنه المسرى للجارح والمغرى له، فعلى هذا لا يكون تكراراً، وعلى القول الأول إنما عمم ثم خص فقال: (مُكَلِّبِينَ) . بعد قوله: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ) . لأن غالب صيدهم كان بالكلاب، فأخرجه مخرج الغالب الواقع منهم. * * * فإن قيل: ظاهر قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) تقتضى إباحة الجوارح المعلمة وهى حرام؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: وصيد ما علمتم من الجوارح، ويؤيده ما في تام الكلام من قوله: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ)

стр. 96

فإن قيل: المؤمن به هو الله تعالى لقوله: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ) فالمكفور به يكون هو الله أيضا، ويؤيده قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) وإذا ثبت هذا فكيف قال: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ) مع أنه لا يصح أن يقال: آمن بالإيمان فكذل ك ضده؟ قلنا: المراد به ومن يرتد عن الإيمان، يقال كفر فلان بالإسلام إذا ارتد عنه، فكفر بمعنى ارتد، لأن الردة نوع من الكفر، والباء بمعنى عن كما في قوله تعالى: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) وقوله تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) وقيل: المراد هنا بالإيمان المؤمن به تسمية للمفعول بالمصدر، كما في قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) أى مصيده، وقولهم ضرب الأمير ونسج اليمن. * * * فإن قيل: كيف قال: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) ولم يقل وعملوا السيئات، مع أن الغفران يكون لفاعل السيئات لا لفاعل الحسنات؟ قلنا: كل أحد لا يخلوا عن سيئة صغيرة أو كبيرة، وإن كان ممن يعمل الصالحات، وهى الطاعات فالمعنى أن من آمن وعمل الحسنات غفرت له سيئاته، كما قال: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) .

стр. 97

فإن قيل: كيف قال في آخر قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ... الآية) . (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (مع أن الذين كفروا قبل ذلك أيضاً فقد ضلوا سواء السبيل) ؟ قلنا: نعم ولكن الضلال بعد ما ذكر من النعم أقبح، لأن قبح الكفر بقدر عظم النعمة المكفورة، فلذلك خصة بالذكر. * * * فإن قيل: كيف قال: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) ولم يقل ومن النصارى؟ قلنا: لأن هؤلاء كانوا كاذبين في دعواهم أنهم نصارى، وذلك أنهم إنما سموا أنفسهم نصارى ادعاء لنصرة الله تعالى، وهم الذين قالوا لعيسى نحن أنصار الله، ثم اختلفوا بعده نسطوريه ويعقوبية وملكانية أنصارا للشيطان، فقال ذلك توبيخاً لهم. * * * فإن قيل: كيف قال: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) يعنى يتجاوز عن كثير مما كتمتموه من الكتاب فلا يظهره، ولا يبين كتمانكم إياه، فكيف يجوز للنبى ﷺ أن يمسك عن إظهار حق كتموه مما في كتابهم؟

стр. 98

قلنا: إنما لم يبين البعض لأنه كان يتبع الأمر، ولا يفعل شيئا من الأمور الدينية من تلقاء نفسه بل اتباعاً للوحى، فما أمر ببيانه بينه، وما لم يؤمر ببيانه أمسك عنه إلى وقت أمره ببيانه، وعلى هذا الجواب يكون لفظ العفو مجازاً عن الترك، فيكون قد أعلمه الله تعالى به، وأطلعه عليه ولم يأمره ببيانه لهم فترك بيانه لهم. الثانى: أن ما كان في بيانه إظهار حكم شرعى كصفته ونعته والبشارة به وآية الرجم ونحوها بينه، وما لم يكن في بيانه حكم شرعى، ولكن فيه افتضاحهم وهتك استارهم فإنه عفا عنه. الثالث: أن عقد الذمة اقتضى تقديرهم على ما بدلوا وغيروا من دينهم إلا ما كان في إظهار معجزة له وتصديق لنبوته من صفته ونعته، أو ما اختلفوا فيه فيما بينهم وتحاكموا إليه فيه كحكم الزنا ونحوه. * * * فإن قيل: كيف قال: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ) مع أن العبد ما لم يهده الله أولاً لا يتبع رضوانه فيلزم الدور ؟ قلنا: فيه إضمار تقديره: يهدى به الله من علم أنه يتبع رضوانه أو ليهدى به الله من يريد أن يتبع رضوانه كما قال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) أى والذين أرادوا سبل المجاهدة فينا لنهدينهم سبل مجاهدتنا. * * * فإن قيل: لم نر ولم نسمع أن قوماً من اليهود والنصارى قالوا نحن

стр. 99

أبناء الله، فكيف أخبر الله تعالى عنهم يذلك؟ قلنا: المرادبقولهم أبناء الله خاصة الله، كما يقال أبناء الدنيا وأبناء الآخرة، وقيل: فيه إضمار تقديره أبناء أنبياء الله. * * * فإن قيل: كيف يصح الاحتجاج عليهم بقوله تعالى: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) مع أنهم ينكرون تعذيبهم بذنوبهم، ويدعون أن ما يذنبون بالنهار يغفر بالليل، وما يذنبون بالليل يغفر بالنهار ؟ قلنا: هم كانوا مقرين أنه يعذبهم أربعين يوماً، وهى مدة عبادتهم العجل في غيبة موسى ﵊ لميقات ربه، ولذلك:) َقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) وقيل: أراد به العذاب الذي أوقعه ببعضهم في الدنيا من مسخهم قردة، كما فعل بأصحاب السبت وخسف الأرض بهم كما فعل بقارون، وهذا لا ينكرونه، وعلى هذا الوجه يكون المضارع بمعنى الماضي في قوله: (فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ) والإضافة إليهم بمعنى الإضافة إلى آبائهم، كأنه قال: فلم عذب آباءكم. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) إن أريد به يغفر لمن يشاء منكم أيها اليهود والنصارى، ويعذب من يشاء، يلزم جواز المغفرة لهم، وأنه غير جائز لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) وإن أريد

стр. 100

به يغفر لمن يشاء من المؤمنين، ويعذب من يشاء، لا يصلح جواباً لقولهم؟ قلنا: المراد به يغفر لمن يشاء منهم إذا تاب من الكفر، وقيل: يغفر لمن يشاء ممن خلق وهم المؤمنون، ويعذب من يشاء وهم المشركون. * * * فإن قيل: كيف قال: (يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا) ولم يكن قوم موسي ﵊ ملوكاً ؟ قلنا: المراد جعل فيكم ملوكاً، وهم ملوك بنى اسرائيل، اثنا عشر ملكاً لاثنى عشر سبط، لكل سبط ملك. وقيل: المراد به أنه رزقهم الصحة والكفاية والزوجة الموافقة والخادم والبيت فسماهم ملوكاً لذلك. * * * فإن قيل: من أين علم الرجلان أنهم غالبون حي قالا: (فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ) ؟ قلنا: من جهة وثوقهم باخبار موسي ﵊ بذلك بقوله: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) وقيل: علما ذلك بغلبة الظن، وما عهداه من صنع الله تعالى بموسى ﵊ في قهر أعدائه. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)

стр. 101

يدل على أن من لم يتوكل على الله لا يكون مؤمناً، وإلا لضاع التعليق وليس كذلك؟ قلنا: (إن) هنا بمعنى إذ فتكون بمعنى التعليل كما في قوله تعالى: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) . * * * فإن قيل: كيف التوفيق بين قوله تعالى: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) وبين قوله: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ) ؟ قلنا: معناه كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا أهلها، فلما أبوا الجهاد قيل: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ) الثانى: أن كل واحد منهما عام أريد به الخاص فالكتابة للبعض وهم المطيعون، والتحريم على البعض وهم العاصون الثالث: أن التحريم مؤقت بأربعين سنة، والكتابة غير مؤقتة فيكون المعنى أن بعد مضى الأربعين تكون لهم، وهذا الجواب تام على قول من نصب الأربعين بمحرمة وجعلها ظرفاً لها، فأما من جعل الأربعين ظرفاً لقوله: (يتيهون) مقدماً عليه، فإنه جعل التحريم مؤبدا فلا يتأتى على قوله هذا الجواب، لأن التقدير عنده فإنها محرمة عليهم أبدا يتيهون في الأرض أربعين سنة، وهو موضع قد اختلف فيه المفسرون، والفراء من جملة من جوز نصب الأربعين بمحرمة ويتيهون، والزجاج من جملة من منع جواز نصبة بمحرمة. ونقل أن التحريم كان مؤبداً، وأنهم لم يدخلوها بعد الأربعين، ونقل

стр. 102

غيره أنه دخلها بعد الأربعين من بقى منهم، وذرية من مات منهم، ويعضد الوجه الأول كون الغالب في الاستعمال تقدم الفعل على الظرف الذي هو عدد لا تأخره عنه، يقال: سافر زيد أربعين يوما، وأقام أربعين يوما وما أشبه ذلك وقلما يقال على العكس. * * * فإن قيل: كيف قال: (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا) ولم يقل قربانين، والذى قرباه كان قربانين، لأن كل واحد منهما قرب قربانا ؟ قلنا: أراد به الجنس فعبر عنه بلفظ الفرد كقوله تعالى: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا) الثانى: أن العرب تطلق الواحد وتريد الاثنين وعليه جاء قوله تعالى: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) . وقال الشاعر (ضبائى بن الحارث البرجمى فمن يك أمسى بالمدينة رحلة فإنى وقيار بها لغريب. * * * فإن قيل: كيف صلح قوله: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) جواباً لقوله: (لَأَقْتُلَنَّكَ) قلنا: لما (كان) الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له ذلك كناية عن حقيقة الجواب تعريضاً معناه إنما أتيت من قبل نفسك لأنسلاخها من لباس التقوى لا من

стр. 103

قبل فلم تقتلنى؟ * * * فإن قيل: كيف قال هابيل لقابيل: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) أى تتصرف بهما، مع أن إرادة السوء والوقوع في المعصية للأجنبي حرام فكيفه للأخ ؟ قلنا: فيه إضمار حرف النفى تقديره: أنى أريد أن لاتبوء بإثمى وإثمك، كما في قوله تعالى: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) . أى أن لا تميد، وقوله تعالى: (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ) يعنى لا يزال تذكر يوسف، وقال امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعداً ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى) الثانى: أن فيه حذف المضاف تقديره: أنى أريد انتفاء أن تبوء بإثمى وإثمك، كما في قوله تعالى: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْل) أي حب العجل. الثالث: أن معناه أنى أريد ذلك إن قتلنى لا مطلقاً. الرابع: إنه كان ظالماً وجزاء الظالم تحسن ارادته من الله تعالى فتحسن من العبد أيضاً. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) يدل على أن قابيل كان تائبا لقوله ﵊: "الندم التوبة " فلا

стр. 104

يستحق النار؟ قلنا: لم يكن ندمه على قتله أخيه، بل على حمله على عنقه سنة أو على عدم اهتدائه إلى الدفن الذي تعلمه من الغراب، أو على فقد أخيه لا على المعصية، ولو سلمنا أن ندمه كان على قتل أخيه، ولكن يجوز أن الندم لم يكن توبة في شريعته بل في شريعتنا أو نقول التوبة تؤثر في حقوق الله تعالى لا في حقوق العباد والدم من حقوق العباد، فلا تؤثر فيه التوبة. * * * فإن قيل: كيف يكون قتل الواحد كقتل الكل، واحياء الواحد كإحياء الكل، والدليل يأباه من وجهين: أحدهما: أن الجناية كلما تعددت وكثرت كانت أقبح، فتناسب زيادة الإثم والعقوبة هذا هو مقتضى العقل والحكمه، الثانى: أن المراد بهذا التشبيه إما أن يكون تساوى قتل الواحد والكل في الإثم والعقوبة أو تقاربهما، وأياً ما كان يلزم منه أنه إذا قتل الثانى أو الثالث وهلم جرا لا يكون عليه إثم آخر، ولا يستحق عقوبة أخرى لأنه أثم إثم قتل الكل واستحق عقوبة قتل الكل بمجرد قتل الأول أو الأول والثانى، لأن قتل الواحد إذا كان يساوى قتل الكل أو يقاربه، فقتل الاثنين يجعل عليه إثم قتل الكل وعقوبة قتل الكل، فكيف يزداد بعد ذلك بقتل الثالث والرابع وهلم جرا، ولو قتل الكل لما ازداد على إثم قتل الكل وعقوبه قتل الكل. ولا يجوز أن يستحق بقتل الواحد أو الاثنين إثم قتل الكل، وبقتل الكل إثم قتل الكل؟ قلنا: أقرب ما قيل فيه أن المراد أن من قتل نفساً واحدة بغير حق كان جميع الناس خصومه في الدنيا إن لم يكن له ولى، وفى الآخرة

стр. 105

مطلقاً لأنهم من أب وأم واحدة، وقيل: معناه من قتل نفساً نبياً أو إماماً عادلاً فهو كمن قتل الناس جميعاً من حيث ابطال المنفعة على الكل لأن منفعتهما عامة للكل، وقيل: المراد بمن قتل هو قابيل فإن عليه من الإثم بمنزلة إثم قتل الكل لأنه أول من سن القتل، فكل قتل يوجد بعده يلحقه شىء من وزره، بعلة التسبب لقوله ﵊: "من سن سنة حسنة ... الحديث " وهذا حسن فى المعنى، ولكن اللفظ لا يساعد عليه وهو قوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) لأن هذا المعنى إن أريد به قابيل لا تختص كتابته ببنى إسرائيل. * * * فإن قيل: كيف وجه قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... الآية) وحقيقة المحاربة بين العبد والرب ممتنعة ؟ قلنا: فيه إضمار تقديره يحاربون أولياء الله، وقيل: أراد بالمحاربة المخالفة. * * * فإن قيل: كيف قال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ) ولم يقل بهما والمذكور شيئان؟ قلنا: قد سبق جواب مثله قبيل هذا في قوله تعالي: (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا) . وهنا جواب آخر وهو أن يكون وضع الضمير موضع

стр. 106

اسم الاشارة كأنه قال: ليفتدوا بذلك، وذلك يشار به إلى الواحد والاثنين والجمع. * * * فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) وحال النبي ﵊ مع أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه لايخلوا من هذين القسمين، لأنه إما أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم ؟ قلنا: فائدته تخيير النبى ﵊ بين الحكم بينهم وعدمه، ليعلم أنه لا يجب عليه أن يحكم بينهم، كما يجب عليه ذلك بين المسلمين إذا تحاكموا إليه، وقيل: إن هذا التخيير منسوخ بقوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) يعنى بما أنزل الله عليك وهو القرآن، يدل عليه أول الآية (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) . فى الحكم بالتوراة. * * * فإن قيل: لما أنزل الله تعالى القرآن صار الانجيل منسوخاً به، فكيف قال: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) ؟ قلنا: معناه ولما أنزلنا الانجيل، قلناء وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه، وقيل: معناه وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه من صدة نبوة محمد ﵊ بعلاماته المذكورة فى

стр. 107

الانجيل وذلك غير منسوخ. * * * فإن قيل: كيف قال: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ) مع أن الكفار معاقبون بكل ذنوبهم ؟ قلنا: أراد (به) عقوبتهم في الدنيا، وهو ما عجله من اجلاء بنى النضير، وقيل بنى قريظة، وذلك جزاء بعض ذنوبهم، لأنه جزاء منقطع، وأما جزاءهم (على شركهم فهو الخلود في النار وذلك جزاء) دائم لا يتصور وجوده في الدنيا، وقيل: أراد بذلك البعض، ذنب التولى عن الرضا بحكم القرآن، وإنما أبهمه تفخيماً له وتعظيماً. * * * فإن قيل: حسن حكم الله تعالى وصحته أمر سابت على العموم بالنسبة إلى الموقنين وغير الموقنين، فكيف قال: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) . قلنا: لما كان الموقنون أكثر انتفاعاً به من غيرهم، بل هم المنتفعون به في الحقيقة لا غير كانوا أخص به فأضيف إليهم لذلك، ونظيره قوله تعالى: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) . * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) يقتضى

стр. 108

أن يكون من واد أهل الكتاب، وصادقهم كافراً، وليس كذلك لقوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ... الآية) ؟ قلنا: المراد بقوله تعالى: "ومن يتولهم منكم " المنافقون، لأنها نزلت فى شأنهم وهم كانوا من الكفار في الدنيا ضميراً واعتقاداً، أو معناه أنه منهم في الآخرة (جزاء) وعقاباً بل أشد. * * * فإن قيل: كيف قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وكم من ظالم هداه الله تعالى، فتاب وأقلع عن ظلمه؟ قلنا: معناه لا يهديهم ما داموا مقيين على ظلمهم، الثانى: إن معناه لا يهدى من قضى في سابق علمه أنه يموت ضالا، الثالث: إن معناه لا يهدى الظالمين يوم القيامة إلى طريق الجنة أي المشركين. * * * فإن قيل: كيف قال: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ولم يقل أذلة للمؤمنين، وإنما يقال ذل له، لا ذل عليه ؟ قلنا: لأنه ضمن الذل بمعنى الحنو والعطف، فعداه تعديته، كأنه قال حانين على المؤمنين عاطفين عليهم. * * * فإن قيل: كيف قال: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) وكم مرة غلب حزب الله تعالى فى

стр. 109

زمن النبى ﵊، وبعده إلى يومنا هذا؟ قلنا: المراد به الغلبة بالحجة والبرهان لا بالدولة والصولة، وحزب الله هم المؤمنون غالبون بالحجة أبدا. * * * فإن قيل: المثوبة مختصة بالاحسان فكيف قال: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ... الآية) ؟ قلنا: لا نسلم أن الثواب والمثوبة مختص بالاحسان، بل هو الجزاء مطلقاً بدليل قوله تعالى: (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) أى هل جوزوا، وقوله تعالى: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) وهو كلفظ البشارة لا اختصاص له لغة بالخبر السار بل هو عام شامل، قال الله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) . * * * فإن قيل: ما فائدة إرسأل الكتاب والرسول إلى أولئك الكثيرين الذين قال في حقهم: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) ؟ قلنا: فائدته إلزام الحجة عليهم، الثانى: تبجيل الكتاب والرسول. فإن الخطاب بالكتاب إذا كان عاماً، والرسول إذا كان مرسلا إلى الخلق كلهم، كان ذلك أفخم وأعظم للرسول والمرسل. * * * فإن قيل: قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ... الآية)

стр. 110

يقتضى تعلق الرخاء وسعة الرزق بالإيمان بالكتاب والعمل بما فيه وليس كذلك، فإن كثيرا من المؤمنين بالكتب الأربعة العاملين بما فيها مما لم ينسخ عيشهم في الدنيا مكدر ورزقهم مضيق؟ قلنا: هذا التعليق خاص في حق أهل الكتاب، لأنهم اشتكوا من ضيق الرزق حتى قالوا: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) فأخبرهم الله تعالى إن ذلك التضييق عقوبة لهم بشؤم معاصيهم وكفرهم والله تعالى يجعل ضيق الرزق وتقتيره نعمة في حق بعض عباده، ونقمة في حق بعضهم، وكذلك الرخاء والسعة فيعاقب بهما على المعصية ويثيب بهما على الطاعة، ويختلف ذلك باختلاف أحوال الأشخاص فلا يلزم من توسع الرزق الإكرام ولا من تضييقه الاهانة، ولا يلزم عكسه أيضأ، ولهذا رد الله تعالى ذلك بقوله: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ) إلى قوله: (كَلَّا) . أي ليس الأمر كما ظن الإنسان وزعم من أن توسيع الرزق دليل الكرامة، وتضييقه دليل الاهانة، بل دليل الكرامة هو الهداية والتوفيق للطاعات، ودليل الاهانة هو الإضلال والخذلان وحرمان التوفيق. * * * فإن قيل: ما فائدة قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) .
следующие страницы →