. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر يلعن من سأل عما لم يكن، وفي الحديث أنه ﵊ نهى عن الأغلوطات، فسره الأوزاعي فقال: يعنى صعاب المسائل وذكرت المسائل عند معاوية فقال أما تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن عضل المسائل، وعن عبدة بن أبي لبابة قال وددت أن حظي من أهل هذا الزمان أن لا أسألهم عن شيء ولا يسألوني يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثرون أهل الدراهم بالدراهم وورد في الحديث إياكم وكثرة السؤال وسئل مالك عن حديث نهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال قال أما كثرة السؤال فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل فقد كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها وقال الله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فلا أدري أهو هذا أم السؤال في الاستعطاء.
وعن عمر بن الخطاب أنه قال على المنبر أحرج بالله على كل امرئ سأل عن شيء لم يكن فإن الله بين ما هو كائن وقال ابن وهب قال لي مالك وهو ينكر كثرة الجواب للمسائل يا عبد الله ما علمته فقل به ودل عليه وما لم تعلم فاسكت عنه وإياك أن تتقلد للناس قلادة سوء وقال الأوزاعي إذا أراد الله أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه الأغاليط وعن الحسن قال إن شرار عباد الله الذين يجيئون بشرار المسائل يعنتون بها عباد الله وقال الشعبي والله لقد بغض هؤلاء القوم إلي المسجد حتى لهو أبغض إلي من كناسة داري قلت من هم يا أبا عمر قال الأرأيتيون وقال ما كلمة أبغض إلي من أرأيت وقال أيضا لداود ألا احفظ عني ثلاثا إذا سئلت عن مسألة فأجبت فيها فلا تتبع مسألتك أرأيت فإن الله قال في كتابه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] حتى فرغ من الآية والثانية إذا سئلت عن مسألة فلا تقس شيئا بشيء فربما حرمت حلالا أو حللت حراما والثالثة إذا سئلت عما لا تعلم فقل لا أعلم وأنا شريكك وقال يحيى بن أيوب بلغني أن أهل العلم كانوا يقولون إذا أراد الله أن لا يعلم عبده أشغله بالأغاليط والآثار كثيرة. والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية مذموم وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ قد وعظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه وكانوا يحبون أن يجئ الأعراب فيسألون حتى يسمعوا كلامه ويحفظوا منه العلم ألا ترى ما
стр. 1157
٢٩٢٦ - وَمِنْهُ غَيْرُ نَافِعٍ فِي الدِّينِ … كَقِصَّةِ الْهِلَالِ بِالتَّعْيِينِ
في الصحيح عن أنس قال نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع ولقد أمسكوا عن السؤال حتى جاء جبريل فجلس إلى النبي ﷺ فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأمارتها ثم أخبرهم ﵊ أنه جبريل وقال أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا وهكذا كان مالك بن أنس لا يقدم عليه في السؤال كثيرا وكان أصحابه يهابون ذلك قال أسد بن الفرات وقد قدم علي مالك وكان ابن القاسم وغيره من أصحابه يجعلونني أسأله عن المسألة فإذا أجاب يقولون قل له فإن كان كذا فأقول له فضاق علي يوما فقال لي هذه سليسلة بنت سليسلة إن أردت هذا فعليك بالعراق وإنما كان مالك يكره فقه العراقيين وأحوالهم لا يغالهم في المسائل وكثرة تفريعهم في الرأي وقد جاء عن عائشة أن امرأة سألتها عن قضاء الحائض الصوم دون الصلاة فقالت لها أحرورية أنت إنكارا عليها السؤال عن مثل هذا وقضى النبي ﷺ في الجنين بغرة فقال الذي قضى عليه كيف أغرم ما لا شرب ولا أكل ولا شهق ولا استهل ومثل ذلك بطل فقال ﵊ إنما هذا من إخوان الكهان وقال ربيعة لسعيد في مسألة عقل الأصابع حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها فقال سعيد أعراقي أنت فقلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم فقال هي السنة يا ابن أخي وهذا كاف في كراهية كثرة السؤال في الجملة (١).
فصل: في بيان أن لكراهية السؤال مواضع نذكر بعضا من ذلك وهو عشرة مواضع.
"ومنه" السؤال الذي هو "غير نافع في الدين" بحيث لا يثمر علما نافعا، ولا عملا مطلوبا شرعا، وذلك "كـ" السؤال الوارد في "قصة الهلال" وهو أنه ﵊ سئل ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط، ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا، ثم ينقص إلى أن يصير كما كان هذا ما سألوا عنه "بالتعيين" وبالذات، فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] الآية فأجيبوا بما ينفعهم، وما يفهمون وترك الجواب عما سئل عنه بالذات والتعيين لأنه غير نافع لهم.
стр. 1158
٢٩٢٧ - وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ لَهُ فِي الْوَقْتِ … وَمَا لَهُ تَعَمُّقٌ ذُو مَقْتِ
٢٩٢٨ - وَمَا يُرَى مِنْ بَعْدِ عِلْمِ مَا كَفَا … أَوْ مَا لَهُ تَشَابُهٌ قَدْ عُرِفَا
٢٩٢٩ - وَمَا يُرَى صَعْبًا مِنَ الْمَسَائِلِ … وَهْيَ شِرَارُهَا بِقَصْدِ السَّائِلِ
" و" منه السؤال الذي هو "غير محتاج إليه في الوقت" الذي أورد فيه.
قال الشاطبي: "وكان هذا - والله أعلم - خاصا بما لم ينزل فيه حكم وعليه يدل قوله: "ذروني ما تركتكم" وقوله: "وسكت عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها" (١).
"و"منه السؤال عن "ما له تعمق" نظري لا حاجة إليه شرعا، وهذا الضرب من الأسئلة أمر "ذو مقت" يمقته الله - تعالى - ويبغضه ولا يرضاه لعباده ذلك ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦] ولما سأل الرجل يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع قال عمر بن الخطاب يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا.
"و" منه السؤال الحاصل الذي "ما يرى" أي يوجد "من بعد" معرفة و"علم ما" قد "كفا" من العلم والمعرفة في شأن ما، وذلك كمثل سؤال الرجل عن الحج هل يجب فعله في كل عام؟ مع أن قوله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قاض بظاهره أنه للأبد، لإطلاقه، ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله - تعالى -: ﴿اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧].
ومنه سؤال عما يخفى مراده عن مدارك الخلق "أو ماله تشابه قد عرفا" - الألف للإطلاق - وعلم وعلى ذلك يدل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ﴾ [آل عمران: ٧] الآية وعن عمر بن عبد العزيز من جعل دينه عرضا للخصومات أسرع التنقل ومن ذلك سؤال من سأل مالكا عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة. "و" منه "ما يرى" أي يقع سؤالا عما يعد "صعبا من المسائل، وهي شرارها" ويكون ذلك منتقى "بقصد السائل" وعزم منه عليه، وهذا منهي
стр. 1159
٢٩٣٠ - وَكُلُّ مَا شَجَرَ بَيْنَ السَّلَفِ … فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِالإِمْسَاكِ حَفِي
٢٩٣١ - وَكُلُّ مَا يُقْصَدُ لِلإِفْحَامِ … أَوْ طَلَبِ الظُّهُورِ فِي الْخِصَامِ
٢٩٣٢ - وَعِلَّةُ الْحُكْمِ الذِي لَا يُعْقَلُ … مَعْنَاهُ لِلْقَاصِرِ عَنْهُ يَسْأَلُ
٢٩٣٣ - وَمَا يُرَى الرَّأْيُ بِهِ قَدْ نَابَا … مُعَارِضًا سُنَّةً أَوْكِتَابَا
كما في النهي عن الأغلوطات السؤال عن "وكل ما شجر" أي وقع من الاختلاف "بين السلف" الصالح حتى تشاجروا "فإنه أمر" حري "بالإمساك" عن الخوض فيه "حفي" أي جدير وحقيق فقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين فقال تلك دماء كف الله عنها يدي فلا أحب أن يلطخ بها لساني.
"و" منه السؤال عن "كل ما يقصد" ويراد "للإفحام" والإسكات للخصم "أو طلب للظهور" والانتصار "في الخصام" والنزاع فقط، ففي القرآن في ذم نحو هذا قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤]. وقوله - سبحانه -: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٨]. وفي الحديث "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم".
"و" منه السؤال "عن علة الحكم الذي لا يعقل معناه" وعلته كالأمور التعبدية وكذلك الأمر بالنسبة للعاجز عن إدراك معنى الحكم و "للقاصر عنه" إذا كان "يسأل" عنه، وإن لم يكن مجهول المعنى. كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة.
"و" منه السؤال عن كل "ما يرى" أي يوجد "الرأي به" أي فيه "قد نابا" - بالنون - أي نزل ووقع "معارضا سنة" نبوية ثابتة "أو كتابا" أي نصا منه. فقد قيل لمالك بن أنس الرجل يكون عالما بالسنة فإن قبلت منه، وإلا سكت. هذه الجملة من المواضع التي يكره السؤال فيها يقاس عليها ما سواها وليس النهي فيها واحدا بل فيها ما تشتد كراهيته ومنها ما يخف ومنها ما يحرم ومنها ما يكون محل اجتهاد وعلى جملة منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما جاء إن المراء في القرآن كفر وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] الآية وأشباه ذلك من الآيات أو الأحاديث فالسؤال في مثل ذلك منهي عنه والجواب بحسبه" (١).
стр. 1160
" المسألة الثالثة "
٢٩٣٤ - الْكُبَرَاءُ تَرْكُ الاعْتِرَاضِ … عَلَيْهِمُ يُحْمَدُ فِي الأغْرَاضِ
٢٩٣٥ - كَانَ الذِي يَصْدُرُ عَنْهُمْ يُفْهَمُ … مَعْنَاهُ أَوْ يَكُونُ لَيْسَ يُعْلَمُ
٢٩٣٦ - دَلِيلُهُ قِصَّةُ مُوسَى وَالْخَضِرْ … وَغَيْرِهَا مِمَّا بِذَا الْمَعْنَى اعْتُبِرْ
" المسألة الثالثة"
في أن "الكبراء" من أهل العلم والنظر "ترك الاعتراض عليهم" مسلك ممدوح وأمر "يحمد في" الذي يحمد من "الأغراض" والمقاصد والأهداف، لأنه دال على حسن الخلق وجمال الطبع وحسن الإدراك، سواء "كان الذي يصدر عنهم" من أمر مما "يفهم معناه" ويدرك المراد به "أو يكون" يعني أو كان مما "ليس يعلم" معناه على ما قاله الشاطبي.
وهذا "دليله" أمور: أحدها ما ورد في "قصة موسى والخضر" ﵉ وما اشترطه عليه من أن لا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكرا، فكان ما قصه الله - تعالى - من قوله - تعالى -: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] وقول محمد ﷺ : "يرحم الله موسى لو صبر حتى يقص علينا من أخبارهما" وموسى وإن كان تكلم بلسان العلم، فإن الخروج عن الشرط يوجب الخروج عن المشروط "وغيرها" أي هذه القصة "مما" قد "بدا" وظهر بذا "المعنى" ودل عليه، فاعتد به و"اعتبر" مقتضاه في هذا الشأن فقد روي في الأخبار أن الملائكة لما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] رد الله عليهم بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] وأرسل عليهم نارا فأحرقتهم وجاء في أشد من هذا اعتراض إبليس بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] فهو الذي كتب له به الشقاء إلى يوم الدين لاعتراضه على الحكيم الخبير وهو دليل في مسألتنا وقصة أصحاب البقرة من هذا القبيل أيضا حين تعنتوا في السؤال فشدد الله عليهم والثاني ما جاء في الأخبار كحديث تعالوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده فاعترض في ذلك بعض الصحابة حتى أمرهم ﵊ بالخروج ولم يكتب لهم شيئا وقصة أم إسماعيل حين نبع لها ماء زمزم فحوضته ومنعت الماء من السيلان فقال ﵊: لو تركت لكانت زمزم عينا معينا
стр. 1161
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي الحديث أنه طبخ لرسول الله ﷺ قدر فيها لحم فقال ناولني ذراعا قال الراوي فناولته ذراعا فقال ناولني ذراعا فناولته ذراعا فقال ناولني ذراعا فقلت يا رسول الله كم للشاة من ذراع فقال: والذي نفسي بيده لو سكت لأعطيت ذراعا ما دعوت وحديث علي قال دخل علي رسول الله ﷺ وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة قال فجلست وأنا أعرك عيني وأقول إنا والله ما نصلي إلا ما كتب الله لنا إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثها بعثها فولى رسول الله ﷺ وهو يقول: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" وحديث "يا أيها الناس اتهموا الرأي فإنا كنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نرد أمر رسول الله ﷺ لرددناه" ولما وفد على رسول الله ﷺ حزن جد سعيد بن المسيب فقال له ما اسمك قال حزن قال بل أنت سهل قال لا أغير اسما سماني به أبي قال سعيد فما زالت الحزونة حتى اليوم والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
والثالث ما عهد بالتجربة من أن الاعتراض على الكبراء قاض بامتناع الفائدة مبعد بين الشيخ والتلميذ ولا سيما عند الصوفية فإنه عندهم الداء الأكبر حتى زعم القشيري عنهم أن التوبة منه لا تقبل والزلة لا تقال ومن ذلك حكاية الشاب الخديم لأبي يزيد البسطامي إذ كان صائما فقال له أبو تراب النخشبي وشقيق البلخي: "كل معنا يا فتى فقال أنا صائم فقال أبو تراب كل ولك أجر شهر فأبى فقال شقيق كل ولك أجر صوم سنة فأبى فقال أبو يزيد دعوا من سقط من عين الله" فأخذ ذلك الشاب في السرقة وقطعت يده وقد قال مالك بن أنس لأسد حين تابع سؤاله هذه سليسلة بنت سليسلة إن أردت هذا فعليك بالعراق فهدده بحرمان الفائدة منه بسبب اعتراضه في جوابه ومثله أيضا كثير لمن بحث عنه فالذي تلخص من هذا أن العالم المعلوم بالأمانة والصدق والجري على سنن أهل الفضل والدين والورع إذا سئل عن نازلة فأجاب أو عرضت له حالة يبعد العهد بمثلها أو لا تقع من فهم السامع موقعها أن لا يواجه بالاعتراض والنقد فإن عرض إشكال فالتوقف أولى بالنجاح وأحرى بإدراك البغية إن شاء الله تعالى (١).
стр. 1162
" المسألة الرابعة "
٢٩٣٧ - الاعْتِرَاضَاتُ عَلَى الظَّوَاهِرِ … غَيْرُ صَحِيحَةٍ لأَمْرٍ ظَاهِرِ
٢٩٣٨ - وَذَاكَ أَنَّ النَّصَّ مِمَّا يَنْذُرُ … وُجُودُهُ أَوْ شَأْنُهُ التَّعَذُّرُ
٢٩٣٩ - لِلاحْتِمَالَاتِ التِي لَا يَسْلَمُ … مِنْهَا اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ الْمُفْهِمُ
٢٩٤٠ - وَالْمُجْمَلُ الشَّأْنُ بِهِ التَّوَقُّفُ … عَلَى مُبَيِّنٍ لَهُ يُعَرِّفُ
٢٩٤١ - وَعِنْدَ ذَا لَمْ يَبْقَ غَيْرُ الظَّاهِرِ … فَيُقْتَفَى فِي كُلِّ مَعْنىً صَادِرِ
٢٩٤٢ - وَالاعْتِرَاضُ فِيهِ لِلْتَكَلُّفِ … مُنْتَسِبُ الْحُكْمِ وَللتَّعَسُّفِ
" المسألة الرابعة"
في أن "الاعتراضات على" دلالة الألفاظ على الأحكام والمعاني بمقتضى "الظواهر" أي ظواهرها التي مفادها المعاني والأحكام الظنية اعتراضات "غير صحيحة" وذلك "لأمر ظاهر" بين "وذاك" الأمر هو: أولا: أن لسان العرب هو المترجم عن مقاصد الشرع و"أن النص" الذي دلالتة قطعية والذي لا يحتمل إلا معنى واحد "مما ينذر وجوده" ويقل وروده في هذا الكلام "أو" يعني بل "شأنه" هو "التعذر" أي تعذر وجوده على وجه تام كامل فيه وذلك لـ "لاحتمالات" العشرة المتقدم ذكرها في المسألة التاسعة من كتاب المقاصد و"التي لا يسلم منها اللسان العربي المفهم" لمراد المتكلم وقصده، فإذا ورد دليل منصوص وهو بلسان العرب، فالاحتمالات دائرة به، وما فيه احتمالات لا يكون نصا على اصطلاح المتأخرين، فلم يبق إلا الظاهر "والمجمل" الذي انبهم معناه "الشأن" والحكم الجاري "به" أي فيه هو "التوقف" فيه أو البحث "على" دليل "مبين له يعرف" المعنى المراد به.
"وعند ذا" تعلم أنه "لم يبق غير الظاهر" معتمدا في بيان المعاني، وأخذها، وبذلك "فـ" إنه الذي "يقتفى" مقتضاه "في كل معنى صادر" من المتكلم.
"و" مورد "الاعتراض" على حجيته والقدح "فيه" باعتبار أنه ليس قطعي الدلالة، أمر "للتكلف" والتعمق "منتسب الحكم" يعني هو أمر منسوب في هذا الشأن للتكلف والتعمق "وللتعسف" وهو الذهاب في الأمر على عماية، وتخبط.
стр. 1163
٢٩٤٣ - وَمُقْتَضَى تَطْرِيقِ الاحْتِمَالِ … يُوقِعُ فِي الرَّفْعِ وَفي الإِشْكَالِ
" ومقتضى" بناء هذا الاعتراض على مجرد "تطريق" يعني تطرق "الاحتمال" إلى معاني الظواهر باعتبار أنها ليست قطعية الدلالة أمر "يوقع في الرفع" لشريعة "وفي الإشكال" إذ لن يبقى لها دليل يعتمد لورود الاحتمالات وإن ضعفت على كل لفظ ذي دلالة ظاهرة، والاعتراض المسموع المقبول مثله يضعف الدليل فيودى إلى القول بضعف جميع أدلة الشرع أو أكثرها، كذلك باتفاق.
ووجه ثالث: لو اعتبر مجرد الاحتمال في القول لم يكن لإنزال الكتب ولا لإرسال النبي ﷺ بذلك فائدة. إذ يلزم أن لا تقوم الحجة على الخلق بالأوامر والنواهي والإخبارات، إذ ليست في الأكثر نصوصا لا تحتمل غير ما قصد بها لكن ذلك باطل بالإجماع والمعقول فما يلزم عنه كذلك.
ووجه رابع: وهو أن مجرد الاحتمال إذا اعتبر أدى إلى انخرام العادات والثقة بها وفتح باب السفسطة وجحد العلوم ويبين هذا المعنى في الجملة ما ذكره الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال" بل ما ذكره السوفسطائية في جحد العلوم منه يتبين لك أن منشأها تطريق الاحتمال في الحقائق العادية أو العقلية فما بالك بالأمور الوضعية؟ ولأجل اعتبار الاحتمال المجرد شدد على أصحاب البقرة إذ تعمقوا في السؤال عما لم يكن لهم إليه حاجة مع ظهور المعنى. وكذلك ما جاء في الحديث في قوله: "أحجنا هذا لعامنا أو للأبد" وأشباه ذلك. بل هو أصل في الميل عن الصراط المستقيم، ألا ترى أن المتبعين لما تشابه من الكتاب إنما اتبعوا فيها مجرد الاحتمال، فاعتبروه وقالوا فيه وقطعوا فيه على الغيب بغير دليل، فذموا بذلك وأمر النبي ﵊ بالحذر منهم.
ووجه خامس: وهو أن القرآن قد احتج على الكفار بالعمومات العقلية والعمومات المتفق عليها كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥]، إلى قوله: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] فاحتج عليهم بإقرارهم بأن ذلك لله على العموم، وجعلهم إذ أقروا بالربوبية لله في الكل ثم دعواهم الخصوص مسحورين لا عقلاء وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ [العنكبوت: ٦١] يعني كيف يصرفون عن الإقرار بأن الرب هو الله بعد ما أقروا، فيدعون لله شريكا، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥] إلى قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦] وأشباه ذلك. مما ألزموا أنفسهم فيه الإقرار بعمومه
стр. 1164
٢٩٤٤ - وَقَبْلُ مَرَّ أَنَّ مُجْرَى الْعَادَهْ … تَخَاطُبًا مُعْتَمَدُ الإِفَادَهْ
٢٩٤٥ - كمَا مَضَى كَيْفَ اقْتِنَاصُ الْقَطْعِ … مِمَّا لِظَنِّ فِي الدَّلِيلِ الشَّرْعِي
٢٩٤٦ - وَهْوَ خُصُوصِيَّةُ ذَا الْكِتَابِ … وَحُكْمُهُ يَعُمُّ فِي الأَبْوَابِ
وجعل خلاف ظاهره على خلاف المعقول. ولو لم يكن عند العرب الظاهر حجة غير معترض عليها لم يكن في إقرارهم بمقتضى العموم حجة عليهم، لكن الأمر على خلاف ذلك فدل على أنه ليس مما يعترض عليه، وإلى هذا فأنت ترى ما ينشأ بين الخصوم وأرباب المذاهب من تشعب الاستدلالات وإيراد الإشكالات عليها بتطريق الاحتمالات حتى لا تجد عندهم بسبب ذلك دليلا يعتمد لا قرآنيا ولا سنيا بل انجر هذا الأمر إلى المسائل الاعتقادية فاطرحوا فيها الأدلة القرآنية والسنية لبناء كثير منها على أمور عادية، كقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ﴾ [الروم: ٢٨] الآية وقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] وأشباه ذلك واعتمدوا على مقدمات عقلية غير بديهة ولا قريبة من البديهة هربا من احتمال يتطرق في العقل للأمور العادية فدخلوا في أشد مما منه فروا ونشأت مباحث لا عهد للعرب بها وهم المخاطبون أولا بالشريعة فخالطوا الفلاسفة في أنظارهم وباحثوهم في مطالبهم التي لا يعود الجهل بها على الدين بفساد ولا يزيد البحث فيها إلا خبالا وأصل ذلك كله الإعراض عن مجاري العادات في العبارات ومعانيها الجارية في الوجود (١).
"و" قد مضى "قبل" فيما تقدم و "مر أن مجرى العادات تخاطبا" أي في شأن التخاطب "معتمد الإفادة" - فيه إضافة الصفة للموصوف أي إفادته معتمدة - بل هو قطعي في الجملة وإن طرق العقل إليه احتمالات، فكذلك العبارات لأنها في الوضع الخطابي تماثل مجاري العادات، أو تقاربها. "كما مضى" أيضا ذكر "كيف" يحصل "اقتناص" واستخراج إفادة "القطع" والجزم "مما" من الدلالة ينسب لإفادة "لظن في الدليل الشرعي" وذلك الكيف هو الاستقراء لأحوال الأدلة ومقتضياتها الظنية وضم بعضها إلى بعض حتى يحصل القطع بمدلولاتها وهذا مفصل في تضاعيف ما تقدم بيان سبيل هذا القنص وكيفيته "هو خصوصية ذا الكتاب" وما انفرد فيه بالسبق يدرك هذا منه من تأمله ومقتضى هذا السبيل "وحكمه يعم" كل الأدلة الظنية الشرعية ويجري أمره "في" جميع "الأبواب" كما مر ذكر ذلك في المقدمة الثالثة.
стр. 1165
" المسألة الخامسة "
٢٩٤٧ - وَإِنَّ فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّهْ … قَوَاعِد أَصْلِيَّةً كُلِّيَّهْ
٢٩٤٨ - ثُمَّ عَنِ الْقَوَاعِدِ الأَصْلِيَّهْ … تَنْشَأُ جُزْئِيَّاتِهَا الْفَرْعِيَّهْ
٢٩٤٩ - وَنَاظِرٌ فِي ذَاكَ إِمَّا مُجْتَهِدْ … لِنَفْسِهِ فِيمَا عَلَيْهِ يَعْتَمِدْ
٢٩٥٠ - إِمَّا مُنَاظِرٌ فَأَمَّا الأَوَّلُ … فَالْحُكْمُ لاجْتِهَادِهِ مُوَكَّلُ
٢٩٥١ - فَمَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ عِلْمُهُ … يَلْزَمُهُ فِي كُلِّ حَالٍ حُكْمُهُ
٢٩٥٢ - لَاكِنَّمَا الْقَوَاعِدُ الأَصْلِيَّهْ … تَثْبُتُ عَنْ أَدِلَّةٍ قَطْعِيَّهْ
٢٩٥٣ - ضَرُورَةً أَوْ نَظَرًا مِنْ عَقْلِ … أَوْ مِنْ دَلِيلٍ رَاجِعٍ لِلنَّقْلِ
" المسألة الخامسة"
في أن الناظر في المسائل الشرعية إما أن يكون مجتهدا أو مناظرا، ثم إنه إما أن يكون ناظرا في قواعدها الأصلية، وإما أن يكون في جزئياتها الفرعية، وأن هذا ناظر كيفما كان تتعلق به أحكام في هذا الشأن "و" بيان ذلك "إن في المسائل الشرعية" كما هو معلوم ومقرر "قواعد أصلية كلية" تقدم بيانه بالتفصيل "ثم عن" هذه "القواعد الأصلية تنشأ" وتتفرع "جزئياتها الفرعية" كما هو معلوم.
ومن هو "ناظر في ذاك" سواء كان أصولا أو فروعا "إما مجتهد" يجتهد وينظر لاستخراج الحكم "لنفسه" ومعرفة الصواب "فيما عليه يعتمد"ـه من رأي أو قول في ذلك. و"إما مناظر" لغيره مناقش له في سبيل معرفة الصواب والحق في الموضوع ذلك التنافس والتناظر. "فأما الأول" وهو الناظر المجتهد، فإن ما يثمره نظره هو المعتبر "فالحكم لاجتهاده موكل" ومسند "فما يؤديه" ويوصله "إليه علمه" المدرك بذلك الاجتياد فإنه "يلزمه في كل حال" سواء كان مصيبا، أو مخطئا وسواء كان ذلك في الأصول أو الفروع "حكمه" ومقتضاه "لا كنما" الفرق حاصل بين القواعد الأصولية والفروع، إذ "القواعد الأصلية تثبت" ويحصل وجودها "عن أدلة قطعية" سواء كان ذلك ثابتا لها "ضرورة" بحيث يكون القطع والجزم بها ضروريا، "أو" كان مأخذه "نظرا من عقل" وسيلته التأمل والتفكر، "أو" كان ذلك مأخوذا "من دليل راجع للنقل" كما تقدم
стр. 1166
٢٩٥٤ - ثُمَّ الْفُرُوعُ الظَّنُّ فِيهَا كافِ … بِشَرْطِهِ الْمُقَرَّرِ الأَوْصَافِ
٢٩٥٥ - وَالْحُكْمُ مَا أَدَّى لَهُ الدَّلِيلُ … فِي حَقِّهِ وَهْوَ لَهُ السَّبِيلُ
٢٩٥٦ - دُونَ افْتِقَارٍ مِنْهُ لِلْمُنَاظَرَهْ … لِعَدَمِ الْجَدْوَى بِمَنْ قَدْ نَاظَرَهْ
بيان ذلك في المقدمة الثالثة في صدر هذا الكتاب.
"ثم" إن ثبوت أدلة "الفروع الظن فيها كاف" ومغن لكن "بشرطه المقرر الأوصاف" التي منها أن يكون عن دليل وبرهان يثمره، وأن لا يكون مخالفا لدليل قطعي، كما هو مبين في صدر كتاب الأدلة هذا. "و" أما "الحكم" في ذلك فهو - أيضا - "ما أدى له الدليل" وأوصل إليه، وهو الذي يثبت "في حقه" واجبا "وهو له السبيل" الذي يحق عليه اتباعه على استغناء أي "دون افتقار" وحاجة "منه للمناظرة" ومباحثة أهل العلم في هذا الشأن، وذلك "لعدم الجدوى" والفائدة "بمن قد ناظره " يعني يناظره، لأن نظره في مطلبه إما نظر في جزئي وهو ثان عن نظره في الكلي الذي ينبني عليه وإما نظر في كلي ابتداء والنظر في الكليات ثان عن الاستقراء وهو محتاج إلى تأمل واستبصار وفسحة زمان يسع ذلك وهكذا إن كان عقليا ففرض المناظرة هنا لا يفيد لأن المجتهد قبل الوصول متطلب من الأدلة الحاضرة عنده فلا يحتاج إلى غيره فيها وبعد الوصول هو على بينة من مطلبه في نفسه فالمناظرة عليه بعد ذلك زيادة وأيضا فالمجتهد أمين على نفسه فإذا كان مقبول القول قبله المقلد ووكله المجتهد الآخر إلى أمانته إذ هو عنده مجتهد مقبول الاتول فلا يفتقر إذا اتضح له مسلك المسألة إلى مناظرة وهنا أمثلة كثيرة كمشاورة رسول الله ﷺ السعدين في مصالحة الأحزاب على نصف تمر المدينة فلما تبين له من أمرهما عزيمة المصابرة والقتال لم يبغ به بدلا ولم يستشر غيرهما وهكذا مشاورته وعرضه الأمر في شأن عائشة فلما أنزل الله الحكم لم يلق على أحد بعد وضوح القضية ولما منعت العرب الزكاة عزم أبو بكر على قتالهم فكلمه عمر في ذلك فلم يلتفت إلى وجه المصلحة في ترك القتال إذ وجد النص الشرعي المقتضي لخلافه وسألوه في رد أسامة ليستعين به وبمن معه على قتال أهل الردة فأبى لصحة الدليل عنده بمنع رد ما أنفذه رسول الله ﷺ وإذا تقرر وجود هذا في الشريعة وأهلها لم يحتج بعد ذلك إلى مناظرة ولا إلى مراجعة إلا من باب الاحتياط (١).
стр. 1167
٢٩٥٧ - وَحَيْثُمَا احْتِيَاطٌ أَوْ تَرَدُّدُ … أَحَدُ أَمْرَيْنِ بِهِ يُعْتَمَدُ
٢٩٥٨ - إِمَّا السُّكونُ لِبَيَانٍ يَلْحَقُ … إِمَّا اسْتِعَانَةٌ بِمَنْ يَسْتَوْثِقُ
٢٩٥٩ - وَهْوَ الْمُنَاظِرُ وَلَا كِنْ يُفْتَقَرْ … فِيهِ لِتَفْصِيلٍ أَكِيدٍ يُعْتَبَرْ
٢٩٦٠ - فَحَيْثُ مَا وَافَقَ فِي كُلِّيِّ … مُنَاظَرٍ فِيهِ مِنَ الْجُزْئِيِّ
٢٩٦١ - صَحَّ لَهُ فِيهِ بِهِ اسْتِعَانَهْ … وَحَيْثُ لَا فَالْعَكْسُ ذُو اسْتِبَانَهْ
٢٩٦٢ - كَمَالِكِيٍّ آخِذٍ مَعْ ظَاهِرِي … فِي رِبَوِيٍّ دُونَ نَصٍّ صَادِرِ
" وحيثما" فرض "احتياط" وطلب المصير إليه "أو" فرض وقوع "تردد" فيما هو ناظر فيه فإنه يأتي "أحد أمرين" فيأخذ به ويعمله في هذا الموضوع، وهو الذي "به" أي فيه "يعتمد"ـه ويجري مقتضاه فيه، وهذان الأمران هما "إما السكون" عن الحكم انتظار "لبيان" ينقدح له في هذا الذي أشكل عليه فتردد فيه فيدركه و"يلحقـ" ـه، إذ لا تكليف عليه قبل بيان الطريق الذي ينبغي له سلوكه. و"إما استعانة" أي طلب إعانة يكون منه "بمن يستوثق" يعني يثق به من أهل العلم "وهو المناظر" المستعاب به "ولاكن" الاستعانة به - أي بهذا المناظر - أمر "يفتقر" ويحتاج "فيه لتفصيل أكيد" ذكره وواجب العمل به إذ هو أمر "يعتبر" في ذلك ويعتد به، وذلك أن هذا المناظر لا يخلو أن يكون موافقا لهذا المستعين به في الكليات التي يرجع إليها ما تناظرا فيه، أولا. "فحيثما وافق" المناظر هذا المستعين به "في كلي" ما هو "مناظر فيه من الجزئي" فإنه "صح له" أي المستعين "فيه" أي في ذلك الجزئي "به" أي بذلك المناظر "استعانة" وثبت له العمل بها على وجه تام صحيح "و" أما "حيث لا" اتفاق بينهما في كلي الجزئي المناظر فيه "فالعكس" وهو عدم صحة الاستعانة به هو الحكم الجاري اقتضاؤه حينئذ وهذا أمر بين "ذو استبانة" أي ظهور، اقتضاه أنه لا سبيل إلى أن ينتفع به المستعين في ذلك، إذما من جزئي في مسألته إلا وهو مبني على كلي، وإذا خالف في الكلي ففي الجزئي المبنى عليه أولى، فتقع مخالفته في الجزئي من جهتين: جهة حكمها، وجهة أصلها، وبذلك لا يمكن رجوعها، إلى معنى متفق عليه، فالاستعانة المطلوبة إذن مفقودة بين من اختلفا في كلي ذلك الجزئي.
"كمالكي آخذ" بالتناظر "مع" فقيه "ظاهري" من أهل المذهب الظاهري "في" مناقشة "ربوي" سعى المالكي إلى إثبات الربا فيه "دون نص صادر" وارد من الشارع، وذلك كالدخن والذرة والأرز - مثلا - ففي هذا لا يمكن الاستعانة - كما تقدم ذكره - بالظاهري
стр. 1168
٢٩٦٣ - وَحَيْثُ الاتِّفَاقُ فِي الْكُلِّيِّ … يَبْقَى لَهُ التَّحْقِيقُ فِي الْجُزْئِيِّ
٢٩٦٤ - مَنَاطَ حُكْمِهِ فَإِنْ يَتَّفِقَا … فَذَا وَإِلَّا فَالْخِلَافُ مُتَّقَا
٢٩٦٥ - إِذْ هُوَ رَاجِعٌ لِأَمْرٍ ظَنِّي … مُجْتَهَدٍ فِيهِ بِحُكْمِ الظَّنِّ
٢٩٦٦ - وَأَنَّ هَذَا الأَصْلَ فِيهِ أَمْثِلَهْ … كثِيرَةٌ تَدْخُلُ فِيهَا أَسْئِلَهْ
٢٩٦٧ - كَانَتْ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ … فِي بَعْضِ مَا أَشْكَلَ مِنْ أَحْكَامِ
النافي للقياس لأنه بان على نفي القياس جملة وكذلك كل مسألة قياسية لا يمكن أن يناظر فيها مناظرة المستعين إذ هو مخالف في الأصل الذي يرجعان إليه وكذلك مسألة الحلبة والذرة أو غيرهما بالنسبة إلى المالكي إذا استعان بالشافعي أو الحنفي وإن قالوا بصحة القياس لبنائهما المسألة على خلاف ما يبني عليه المالكي وهذا القسم شائع في سائر الأبواب فإن المنكر للإجماع لا يمكن الاستعانة به في مسألة تنبني على صحة الإجماع والمنكر لإجماع أهل المدينة لا يمكن أن يستعان به في مسألة تنبني عليه من حيث هو منكر والقائل بأن صيغة الأمر للندب أو للإباحة أو بالوقف لا يمكن الاستعانة بهم لمن كان قائلا بأنها للوجوب البتة" (١).
"و" أما "حيث" حصول "الاتفاق في الكلي" بين المستعين والمناظر على الوجه المذكور فإنه تصح الاستعانة - كما سبق ذكره - إذ إنما "يبقى له التحقيق في" ذلك "الجزئي" لـ "مناط" ومتعلق "حكمه" والأمر سهل في حكم ذلك "فإن يتفقا" بعد ذلك في حكم ذلك الجزئي "فذا" واضح "وإلا" يتفقا فيه، فذاك لا حرج فيه "فـ" هذا "الخلاف" بالخلاف "متقا" ومجتنبا "إذ هو راجع" في حقيقة الأمر "لأمر ظني مجتهد فيه بحكم الظن" ومقتضاه. هذا "وأن هذا الأصل" الذي فيه كلامنا هذا وردت "فيه أمثلة كثيرة تدخل فيها أسئلة كانت" صادرة "من الصحابة الكرام" ﵃، وهي "في بعض ما أشكل" عليهم "من أحكام" كما في سؤالهم عند نزول قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] وعند نزول قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآية وسؤال ابن أم مكتوم حين نزل ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية حتى نزل ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] وسؤال عائشة عند قوله
стр. 1169
٢٩٦٨ - وَلَا عَلَيْكَ بَعْدُ فِي الْمُنَاظِرِ … فَهْوَ اصْطِلَاحٌ مَا لَهُ مِنْ حَاجِرِ
٢٩٦٩ - وَمَا بِهِ الْمُحْتَجُّ فِي الْمَسَائِلِ … مُنَزِّلٌ لِنَفْسِهِ كَالسَّائِلِ
٢٩٧٠ - الْمُسْتَفِيدِ قَاطِعًا لِلْخَصْمِ … بِأَقْرَبِ الطُّرْقِ لِذَاكَ الْحُكْمِ
٢٩٧١ - وَجَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ … مَا فِيهِ رُشْدٌ لأُوِلى الأَلْبَابِ
﵊: "من نوقش الحساب عذب" واستشكالها مع الحديث قول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] وأشباه ذلك وإنما قلنا إن هذا الجنس من السؤالات داخل في قسم المناظر المستعين لأنهم إنما سألوا بعد ما نظروا في الأدلة فلما نظروا أشكل عليهم الأمر بخلاف السائل عن الحكم ابتداء فإن هذا من قبيل المتعلمين فلا يحتاج إلى غير تقرير الحكم (١). "ولا عليك بعد" أن عرفت المعنى المقصود هنا بالمناظرة أن تبحث في شأن إطلاق لفظ "المناظر" هنا على هذا الذي ذكر، وكونه يصح إطلاق هذا اللفظ عليه أولا "فـ" إن هذا ما "هو "إلا "اصطلاح" استعماله لا مشاحة فيه، والتصرف فيه في المراد به هنا أمر سائغ "ماله من حاجر" يحجر عنه أو مانع يمنع منه، لأنه ينبني عليه حكم. "و" كما يدخل هذا الذي ذكر تحت لفظ المناظرة كذلك يدخل تحته "ما به" أي فيه "المحتج في المسائل" والقضاء "منزل لنفسه كالسائل المستفيد" أي الطالب للفائدة، وهو يريد بذلك أن يكون "قاطعا للخصم" مفحما له "بأقرب الطرق لذاك الحكم" الذي فيه النزاع والخلاف بين الطرفين. "وجاء من ذلك" الذي ذكر في هذا المقام من صنف هذه المناظرة، "في الكتاب" العزيز "ما فيه" بيان له و"رشد لأولي الألباب" والعقول في شأنه، ومن ذلك محاجة إبراهيم ﵇ قومه بالكوكب والقمر والشمس فإنه فرض نفسه بحضرتهم مسترشدا حتى يبين لهم من نفسه البرهان أنها ليست بآلهة وكذلك قوله في الآية الأخرى ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾ [الشعراء: ٧٠، ٧١] فلما سأل عن المعبود سأل عن المعنى الخاص بالمعبود بقوله ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾ [الشعراء: ٧٢، ٧٣] فحادوا عن الجواب إلى الإقرار بمجرد الاتباع للآباء ومثله قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، الآية وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ
стр. 1170
٢٩٧٢ - وَحَيْثُ مَا الْقَصْدُ مِنَ الْمُنَاظِرِ … فِي رَدِّ خَصْمِهِ لأمْرٍ ظَاهِرِ
٢٩٧٣ - فَذَا لَهُ أَصْلٌ إِلَيْهِ يَرْجِعُ … تَقْرِيرُهُ بِإِثْرِ هَذَا يَقَعُ
" المسألة السادسة "
٢٩٧٤ - لَا بُدَّ فِي الدَّلِيلِ مِنْ مُقَدِّمَهْ … تَكُونُ فِي الْحُكْمِ بِهَا مُسَلَّمَهْ
مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥] الآية وقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]، إلى آخرها فهذه الآية وما أشبهها إشارات إلى التنزل منزلة الاستفادة والاستعانة في النظر وإن كان مقتضى الحقيقة فيها تبكيت الخصم إذ كان مجيئا بالبرهان في معرض الاستشارة في صحته فكان أبلغ في المقصود من المواجهة بالتبكيت ولما اخترموا من التشريعات أمورا كثيرة أدهاها الشرك طولبوا بالدليل كقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩] ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] الآية وهو من جملة المجادلة بالتي هي أحسن" (١).
فصل: "وحيث ما" يكون "القصد من المناظر" محصورا "في رد خصمه" وصرفه "لأمر" ورأي ما "ظاهر" له. "فذا" شأن تكلف العلماء به، و"له أصل إليه يرجع" فعلى مقتضى هذا الأصل يسار فيه، وقد مر التنبيه عليه في المسألة السادسة في أول كتاب الأدلة عند قوله: "كل دليل شرعي فمبني على مقدمتين".
وأما بيان هذا الأصل على التمام و"تقريره" فإنه "بأثر هذا" الموضع "يقع" ويرد، متضمنا في المسألة الموالية:
"المسألة السادسة"
وهي في بيان هذا الأصل على التمام - كما تقدم ذكره -. ونص ذلك أنه "لا بد في" بناء "الدليل" وحصول ماهيته "من مقدمة" ثانية - بعد مقدمة تحقق المناط - حاكمة "تكون في الحكم بها" وإجراء مقتضاها "مسلمة" وإن كان ذلك على سبيل الفرض.
стр. 1171
٢٩٧٥ - وَعِنْدَ هَذَا الشَّأْنِ تُلْفَى قَاضِيَهْ … فِيمَا لتحْقِيقِ الْمَنَاطِ آتِيَهْ
٢٩٧٦ - وَمَا نِزَاعٌ فِيهِ أَوْ جَدَالُ … فَلَا يَصِحُّ بِهِ الاسْتِدْلَالُ
٢٩٧٧ - وَإنَّمَا يَحْصُلُ قَطْعُ الْحُكْمِ … فِيمَا لَهُ التَّسْلِيمُ عِنْدَ الْخَصْمِ
" وعند" حصول "هذا الشأن" لهذه المقدمة "تلفى" وتوجد "قاضية" وحاكمة "فيما" من المواضع هي فيه مسوقة "لتحقيق المناط" فيه و"آتية" له.
وربما وقع الشك في هذه الدعوى، فقد يقال: إن النزاع قد يقع في المقدمة الثانية وذلك أنك إذا قلت هذا مسكر وكل خمر أو وكل مسكر حرام فقد يوافق الخصم على أن هذا مسكر وهي مقدمة تحقيق المناط كما أنه قد يخالف فيها أيضا وإذا خالف فيها فلا نكير على الجملة لأنها محل الاختلاف وقد يخالف في أن كل مسكر خمر فإن الخمر إنما يطلق على النيئ من عصير العنب فلا يكون هذا المشار إليه خمرا وإن أسكر وإذ ذاك لا يسلم أن كل مسكر خمر ويخالف أيضا في أن كل مسكر حرام فإن الكلية لهذه المقدمة لا تثبت لأنها مخصوصة أخرج منها النبيذ بدليل دل عليه وإذا لم تصح كليتها لم يكن فيها دليل فإذا صارت منازعا فيها فكيف يقال بانحصار النزاع في إحدى المقدمتين دون الأخرى بل كل واحدة منهما قابلة للنزاع وهو خلاف ما تأصل والجواب أن ما تقدم صحيح وهذا الإشكال غير وارد وبيانه أن الخصمين إما أن يتفقا على أصل يرجعان إليه أم لا فإن لم يتفقا على شيء لم يقع بمناظرتهما فائدة بحال وقد مر هذا وإذا كانت الدعوى لا بد لها من دليل وكان الدليل عند الخصم متنازعا فيه فليس عنده بدليل فصار الإتيان به عبثا لا يفيد فائدة ولا يحصل مقصودا" (١).
"و" بناء على هذا يقرر أن كل "ما" وقع "نزاع فيه" بين المتناظرين "أو جدال" وعدم اتفاق "فـ" إنه "لا يصح به الاستدلال" في مجرى التناظر بينهما، إذ المقصود من المناظرة هو رد الخصم إلى الصواب، وهذا لا يحصل بشيء لا يعرفه ثم إنه من باب تكليف ما لا يطاق "وإنما يحصل قطع الحكم" في ذلك باعتماد المقدمة المعدودة "فيما" ثبت "له التسليم عند الخصم" المعترض وكذلك عند خصمه المستدل على سواء.
стр. 1172
٢٩٧٨ - وَأَصْلُ ذَاكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ … فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ يُرَى بَيَانَهُ
٢٩٧٩ - وَمَا أَتَى مِنْ ذَاكَ فِي الْقُرْآنِ … وَفِي الْحَدِيثِ وَاضِحُ الْبُرْهَانِ
" وأصل ذلك" ودليله "قوله سبحانه": ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فإنه في قوله هذا "يرى" أي يوجد حكم هذا الأصل و"بيانه" الكافي "وما أتى من" النصوص في مقام الاحتجاج على الكفار فإنه مبني على "ذاك في القرآن" الكريم "و" كذلك "في الحديث" النجوي وهذا أمر "واضح البرهان" والحجة، ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤)﴾ [المؤمنون: ٨٤] إلى قوله: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ فقررهم بما به أقروا واحتج بما عرفوا حتى قيل لهم: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أي فكيف تخدعون عن الحق بعد ما أقررتم به فادعيتم مع الله إلها غيره وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم: ٤٢] وهذا من المعروف عندهم إذ كانوا ينحتون بأيديهم ما يعبدون وفي موضع آخر ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] وقال تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] قال له ذلك بعد ما ذكر له قوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فوجد الخصم مدفعا فانتقل إلى ما لا يمكنه فيه المدفع بالمجاز ولا بالحقيقة وهو من أوضح الأدلة فيما نحن فيه وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] الآية فأراهم البرهان بما لم يختلفوا فيه هو آدم وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ٦٥] وهذا قاطع في دعواهم أن إبراهيم يهودي أو نصراني وعلى هذا النحو تجد احتجاجات القرآن فلا يؤتى فيه إلا بدليل يقر الخصم بصحته شاء أو أبى وعلى هذا النحو جاء الرد على من قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]، الآية فحصل إفحامه بما هو به عالم، وتأمل حديث صلح الحديبية ففيه إشارة إلى هذا المعنى فإنه لما أمر عليا أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم قالوا ما نعرف بسم الله الرحمن الرحيم ولكن اكتب ما نعرف، باسمك اللهم فقال اكتب من محمد رسول الله قالوا لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك فعذرهم رسول الله ﷺ وإن كان هذا من حمية الجاهلية وكتب على ما قالوا ولم يحتشم من ذلك
стр. 1173
٢٩٨٠ - وَالْقَصْدُ بِالْمُقَدِّمَاتِ هَاهُنَا … مَا حَصَّلَ الْمَطْلُوبَ مِنْ غَيْرِ عَنَا
٢٩٨١ - فِي عَادَةِ الْعُرْبِ بِأَهْدَى الطُّرُقِ … لَيْسَ الْمُرَادُ مَا لِأَهْلِ الْمَنْطِقِ
حين أظهروا النصفة من عدم العلم وأنهم إنما يعرفون كذا وإذا ثبت هذا فالأصل المرجوع إليه هو الدليل الدال على صحة الدعوى وهو ما تقرر في المقدمة الحاكمة فلزم أن تكون مسلمة عند الخصم من حيث جعلت حاكمة في المسألة لأنها إن لم تكن مسلمة لم يفد الإتيان بها وليس فائدة التحاكم إلى الدليل إلا قطع النزاع ورفع الشغب وإذا كان كذلك فقول القائل هذا مسكر وكل مسكر خمر إن فرض تسليم الخصم فيه للمقدمة الثانية صح الاستدلال من حيث أتى بدليل مسلم وإن فرض نزاع الخصم فيها لم يصح الاستدلال بها البتة بل تكون مقدمة تحقيق المناط في قياس آخر وهي الحي لا يقع النزاع إلا فيها فيبين أن كل مسكر خمر بدليل استقراء أو نص أو غيرهما فإذا بين ذلك حكم عليه بأنه حرام مثلا إن كان مسلما أيضا عند الخصم كما جاء في النص أن كل خمر حرام وإن نازع في أن كل خمر حرام صارت مقدمة تحقيق المناط ولا بد إذ ذاك من مقدمة أخرى تحكم عليها وفي كل مرتبة من هذه المراتب لا بد من مخالفة الدعوى للدعوى الأخرى التي في المرتبة الأخرى فإن سؤال السائل هل كل خمر حرام مخالف لسؤاله إذا سأل هل كل مسكر خمر وهكذا سائر مراتب الكلام في هذا النمط فمن هنا لا ينبغي أن يؤتى بالدليل على حكم المناط منازعا فيه ولا مظنة للنزاع فيه إذ يلزم فيه الانتقال من مسألة إلى أخرى لأنا إن فعلنا ذلك لم تتخلص لنا مسألة وبطلت فائدة المناظرة" (١).
فصل: "و" هو في بيان أن "القصد" والمراد "بالمقدمات هاهنا" في هذا الموضع "ما حصل المطلوب" وبلغ المراد الذي قد يكون تبليغ أمر ما، أو إدراكه من الكلام وأخذه منه، ويكون ذلك "من غير عناء" أو نصب، إذ يبنى الكلام "في" ذلك على ما جرت عليه "عادة العرب" في التخاطب، ويطلب أن يكون ذلك "بأهدى الطرق" وأقربها إلى الفهم والإدراك على سنن البيان العربي، وأساليبه، وبذلك يعلم أن المراد بالمقدمات هنا ما ذكر و"ليس المراد" بها "ما لأهل المنطق" الذين رسموا ما يطلقون
стр. 1174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه المقدمات على وفق الأشكال المعروفة ولا على اعتبار التناقض والعكس وغير ذلك وإن جرى الأمر على وفقها في الحقيقة فلا يستتب جريانه على ذلك الاصطلاح لأن المراد تقريب الطريق الموصل إلى المطلوب على أقرب ما يكون وعلى وفق ما جاء في الشريعة، وأقرب الأشكال إلى هذا التقرير ما كان بديهيا في الإنتاج أو ما أشبهه من اقتراني أو استثنائي إلا أن المتحري فيه إجراؤه على عادة العرب في مخاطباتها ومعهود كلامها إذ هو أقرب إلى حصول المطلوب على أقرب ما يكون ولأن التزام الاصطلاحات المنطقية والطرائق المستعملة فيها مبعد عن الوصول إلى المطلوب في الأكثر لأن الشريعة لم توضع إلا على شرط الأمية ومراعاة علم المنطق في القضايا الشرعية مناف لذلك فإطلاق لفظ المقدمتين لا يستلزم ذلك الاصطلاح ومن هنا يعلم معنى ما قاله المازري في قوله ﵊ "كل مسكر خمر وكل خمر حرام"، قال: فنتيجة هاتين المقدمتين أن كل مسكر حرام، قال: وقد أراد بعض أهل الأصول أن يمزج هذا بشيء من علم أصحاب المنطق فيقول أن أهل المنطق يقولون لا يكون القياس ولا تصح النتيجة إلا بمقدمتين فقوله كل مسكر خمر مقدمة لا تنتج بانفرادها شيئا وهذا وإن اتفق لهذا الأصولي ههنا وفي موضع أو موضعين في الشريعة فإنه لا يستمر في سائر أقيستها ومعظم طرق الأقيسة الفقهية لا يسلك فيها هذا المسلك ولا يعرف من هذه الجهة وذلك أنا لو عللنا تحريمه ﵊ التفاضل في البر بأنه مطعوم كما قال الشافعي لم نقدر أن نعرف هذه العلة إلا ببحث وتقسيم فإذا عرفناها فللشافعي أن يقول حينئذ: كل سفرجل مطعوم وكل مطعوم ربوي ....
فتكون النتيجة السفرجل ربوي قال: ولكن هذا لا يفيد الشافعي فائدة لأنه إنما عرف هذا وصحة هذه النتيجة بطريقة أخرى فلما عرفها من تلك الطريقة أراد أن يضع عبارة يعبر بها عن مذهبه فجاء بها على هذه الصيغة قال ولو جاء بها على أي صيغة أراد مما يؤدي منه مراده لم يكن لهذه الصيغة مزية عليها قال وإنما نبهنا على ذلك لما ألفينا بعض المتأخرين صنف كتابا أراد أن يرد فيها أصول الفقه لأصول علم المنطق هذا ما قاله المازري وهو صحيح في الجملة وفيه من التنبيه ما ذكرناه من عدم التزام طريقة أهل المنطق في تقرير القضايا الشرعية وفيه أيضا إشارة إلى ما تقدم من أن المقدمة الحاكمة على المناط إن لم تكن متفقا عليها مسلمة عند الخصم فلا يفيد وضعها دليلا ولما كان
стр. 1175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله ﵊ "وكل خمر حرام" مسلما لأنه نص النبي ﷺ لم يعترض فيه المخالف بل قابله بالتسليم واعترض القاعدة بعدم الاطراد وذلك مما يدل على أنه من كلامه ﵊ أمر اتفاقي لا أنه قصد قصد المنطقيين وهكذا يقال في القياس الشرطي في نحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ لأن لو لما سيقع لوقوع غيره فلا استثناء لها في كلام العرب قصدا وهو معنى تفسير سيبويه ونظيرها. إن لأنها تفيد ارتباط الثاني بالأول في التسبب والاستثناء لا تعلق له بها في صريح كلام العرب فلا احتياج إلى ضوابط المنطق في تحصيل المراد في المطالب الشرعية وإلى هذا المعنى والله أعلم أشار الباجي في أحكام الفصول حين رد على الفلاسفة في زعمهم أن لا نتيجة إلا من مقدمتين ورأى أن المقدمة الواحدة قد تنتج وهو كلام مشكل الظاهر إلا إذا طولع به هذا الموضع فربما استقام في النظر" (١).
стр. 1176
" خاتمة "
٢٩٨٢ - وَمُقْتَضَى السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ … بِهِ انْتَهَتْ مَسَائِلُ الْكِتَابِ
٢٩٨٣ - وَإِذْ قَضَى الْبُغْيَةَ مِمَّا أَصَّلَهْ … مُنْتَقِيًا لِللُّبِّ مِمَّا حَصَّلَهْ
٢٩٨٤ - وَأَكْمَلَ الْقَصْدَ الذِي قَدْ أَمَّ لَهْ … رَجَاءَ مَا مِنَ الثَّوَابِ أَمَّلَهْ
٢٩٨٥ - قَالَ هُنَا وَبَقِيَّةُ مَسَائِلُ … أَضْرَبْتُ عَنْهَا حِينَ قَلَّ السَّائِلُ
٢٩٨٦ - خَشِية أَنْ يَكُونَ فِي إيرَادِهَا … مَا يَرْفَعُ التَّأْنِيسَ عَنْ وُرَّادِهَا
٢٩٨٧ - أَوْ تُخْرِجَ النُّفُوسَ عَنْ مَأْلُوفِهَا … فَتُسْرعُ النُّكْرَ إِلَى مَعْرُوفِهَا
٢٩٨٨ - وَمَعَ ذَا فَالْوَقْتُ قَلَّ الْمُنْصِفُ … فِيهِ وَعَزَّ مُسْعِدٌ وَمُسْعِفُ
" خاتمة"
"ومقتضى السوال والجواب" هو الذي "به انتهت مسائل" هذا "الكتاب".
"وإذ قضى" وأدرك المصنف - الشاطبي ﵀ "البغية" - بضم الباء وكسرها - أي الطلبة "مما أصله" في هذا الكتاب، "منتقيا" أي مختارا ومصطفى "لللب" والخالص "مما حصله" من العلوم والمعارف، "وأكمل القصد" يعني الأمر المقصود له "الذي قد أم" أي قصد "له" في وضع هذا الكتاب "رجاء" إدراك وتحصيل "ما من الثواب" والجزاء الحسن "أمله" ورغب فيه فضلا من الله ونعمة "قال" - رحمه الله تعالى - "هنا: وبقيت مسائل أضربت عنها" أي أعرضت عن ذكرها، "حين قل" وندر "السائل" الباحث عنها ولم يسع إيرادها "خشية أن يكون في إيرادها" وذكرها "ما يرفع التأنيس" وراحة النفوس واطمئنانها "عن ورادها" المستقين من معينها.
"أو" بمعنى الواو يعني وخشية أن "تخرج النفوس عن" عادتها في الفهم و"مألوفها" في الإدراك لأمور القلوب والنفوس والمدارك المعرفية "فتسرع" بحكم ذلك إلى "النكر" - بضم النون - تسدد سهام القدح "إلى معروفها" وما هو الحق والصواب فيها.
"ومع ذا" كله "فالوقت" - اللام للحضور - يعني فهذا الوقت الذي نحن فيه "قل المنصف" المقسط في حكمه، وقوله: "فيه وعز" أي قل فيه كذلك من هو "مسعد" أي معين "ومسعف" يسعف ويعين على الحق.
стр. 1177
٢٩٨٩ - لِذَا ثَنَيْتُ دُونَهَا عِنَانِي … إِرَاحَةً لِمُمْتَطِى الْبَيَانِ
٢٩٩٠ - قُلْتُ وَمَا اعْتَنَى بِرَسْمِهِ … يَشْهَدُ بِاطِّلَاعِهِ وَعِلْمِهِ
٢٩٩١ - وَفِي الذِي أَوْرَدَهُ كفَايَهْ … مَا بَعْدَهُ لِلطَّالِبِينَ غَايَهْ
٢٩٩٢ - وَقَدْ بَذَلْتُ الْجُهْدَ فِي تَقْرِيبِهِ … لِلْحِفْظِ بِالنَّظْمِ عَلَى تَرْتِيبِهِ
٢٩٩٣ - وَاللهُ جَلَّ وَعَلَا يُوتينَا … عِلْمًا يَزِيدُنَا بِهِ يَقِينًا
" لـ" أجل "ذا ثنيت" أي عطفت "دونها عناني" عن ذكر تلك المسائل، وصرفت لساني عن الحديث فيها "إراحة لـ" القلم الذي هو "ممتطى" ومركوب "البيان"، وإنما وصف بذلك لكونه وسيلة موصلة إلى إبراز مكنونات الصدور والنفوس من المعاني وإظهارها. "على أن في أثناء الكتاب رموزا مشيرة وأشعة توضح من شمسها المنيرة فمن تهدى إليها رجا بحول الله الوصول ومن لا فلا عليه إذا اقتصر التحصيل على المحصول ففيه إن شاء الله مع تحقيق علم الأصول علم يذهب به مذاهب السلف ويقفه على الواضحة إذا اضطرب النظر واختلف فنسأل الله الذي بيده ملكوت كل شيء أن يعيننا على القيام بحقه وأن يعاملنا بفضله ورفقه إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير والحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى" (١).
"قلت" القول للعلامة ابن عاصم - رحمه الله تعالى -: "وما اعتنى" الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى - "برسمه" وبيانه في هذا الكتاب "يشهد" جازما "باطلاعه" الواسع العميق "وعلمه" الغزير المتدفق. "وفي الذي أورده" وأتى به مسطور في هذا السفر غنية و"كفاية" في موضوعه "ما بعده للطالبين" فيه "غاية" يتشوفون إليها وهذا الكلام من الناظم على سبيل الحقيقة، إذ العلوم لا تنحصر في كتاب، ولا يحيط بها مخلوق، والغايات في العلوم لا يستطيع بها أحد "وقد بذلت" وأعطيت "الجهد" أي الطاقة - يعني جهده وطاقته - "في تقريبه" وتسهيله "للحفظ بالنظم" يعني بنظمه - فاللام نائبة عن الضمير - جاريا في ذلك "على" نسج المصنف للكتاب و"ترتيبه" له، إلا في مواطن جزئية اقتضى البيان لها تغيير ما هي عليه من ترتيب في الأصل. "والله جل وعلا" الولي الحميد نسأله أن "يوتينا" ويمنحنا بمحض فضله "علما" نافعا "يزيدنا به يقينا" وثباتا على الحق،
стр. 1178
٢٩٩٤ - وَأَنْ يُثِيبَهُ بِمَا اسْتُفِيدَا … مِنْ عِلْمِهِ مُبْدِئًا أَوْ مُعِيدَا
٢٩٩٥ - وَيَنْفَعَ الْجَمِيعَ بِاقْتِفَاءِ … مَا سَنَّهُ صَفْوَةُ الأَنْبِيَاءِ
٢٩٩٦ - صَلَّى عَلَيْهِ أكْمَلَ الصَّلَاةِ … مَنْ خَصَّهُ بِآخِرِ الصِّلَاتِ
٢٩٩٧ - كمَا أَقَرَّ مِنْ رِضَاهُ عَيْنَا … لآلِهِ وَصَحْبِهِ الأَعْلِينَا
ويرشدنا به إلى الصراط المستقيم، مثل ما نسأله أن يجزي المؤلف الجزاء الأوفى. "وأن يثيبه بما استفيدا" - الألف للإطلاق - "من علمه" وما انتفع به منه "مبدئا" سبحانه خلقه "أو معيدا" له.
"و" نسأله سبحانه كذلك أن "ينفع الجميع" أي جميع المسلمين "باقتفاء" واتباع "ما سنه" محمد رسول الله "صفوة الأنبياء" وإمام المرسلين "صلى عليه أكمل الصلاة" وأتمها الله - تعالى - الذي هو "من خصه" وحده "بآخر الصلات" النبوة "كما أقر من رضاه عينا لآله" الطيبين الأطهار "وصحبه" الأبرار "الأعلينا" في منازلهم ومراتبهم العلمية والعملية وبهذا انتهى هذا الشرح الذي نسأل الله - تعالى - رب العرش العظيم أن يجعله عملا متقبلا عنده، منتفعا به، وصدقة جارية دائمة النفع تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها بفضله وكرمه. كما نسأله - سبحانه - أن يتوفانا مسلمين وأن يلحقنا بالصالحين، اللهم اجعلنا في الدنيا مستورين برداء عافيتك وفي الآخرة مرحومين، بمنك وكرمك يا رب العالمين.