← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

٢٧٩٣ - فَمِثْلُ هَذَا الْقِسْمِ لَا إِشْكَالِ فِي … صِحَّةِ الاقْتِدَاء لِلْمُكَلَّفِ ٢٧٩٤ - أَوْ مُتَعَيِّنٌ لَهُ التَّعَبُّدُ … مِنْ حَالِهِ فِي مَا إِلَيْهِ يَقْصِدُ ٢٧٩٥ - فَالاحْتِمَالُ فِيهِ قَدْ يُوَازِي … فِي مُقْتَضٍ لِلْمَنْعِ وَالْجَوَازِ ٢٧٩٦ - فَالْمَنْعُ مِنْ تَطَرُّقِ النِّسْيَانِ … إِلَيْهِ وَالْخَطَإِ وَالْعِصْيَانِ ٢٧٩٧ - وَقَدْ يُقَالُ الظَّنُّ فِيهِ غَالِبُ … وَللْجَوَازِ حُكْمُهُ يُنَاسِبُ وموجباتها - بفتح الجيم - من أخذ، وعطاء، ورد، وإمضاء، ونحو ذلك "فمثل هذا القسم لا إشكال في "جوازه و"صحة الاقتداء" به "للمكلف"، إذ لا فرق بين تصريحه القولي بالانتصاب للناس، وتصريحه بحكم ذلك الفعل المفعول أو المتروك، هذا إذا كان الفعل وفاعله على هذه الصورة، وأما إذا كان الفعل من القسم الذي، قرر فيه أنه واجب "أو متعين له" - يعني فيه حصول "التعبد" - آخذا "من" قرآئن "حاله في" كل "ما" العالم يأتي "إليه" فيه من فعل أو ترك و"يقصد" منه. "فـ" إنه "الاحتمال" بين كونه مما يصح "فيه" الاقتداء، وما ليس كذلك "قد يوازي" ويساوي فيتعارض "في" مضمونه هذا والذي هو "مقتض" وموجب من "للمنع" من وجه ومقتض وموجب "والجواز" من وجه آخر"فـ " أما وجه "المنع" فإنه من جهة ما يحتمله ذلك الفعل أو الترك "من تطرق النسيان إليه والخطأ والعصيان" من جهة الفاعل لأنه غير معصوم، وإذا لم يتعين وجه فعله، فكيف يصح الاقتداء به فيه قصدا في العبادات أو في العادات ولذلك حكي عن بعض السلف أنه قال: أضعف العلم الرؤية يعني أن يقول رأيت فلانا يعمل كذا ولعله فعله ساهيا وعن إياس بن معاوية لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك وقد ذم الله تعالى الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] الآية وفي الحديث من قول المرتاب سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فالاقتداء بمثل هذا المفروض كالاقتداء بسائر الناس أو هو قريب منه (١). "و" لكن "قد يقال" في مجرى الاحتجاج لتجويز الاقتداء بما هذا شأنه إن "الظن" في هذا الذي نحن "فيه" ظن "غالب" على خلافه، "و" الظن العمل به في الأحكام "للجواز حكمه" ينتمي، إذ هو الذي "يناسبه" نظرا، وشرعا فإذا تعين بالقرائن فصده

стр. 1122

٢٧٩٨ - أَوْ مَنْ لَهُ فِعْلٌ وَلَا قَرِينَهْ … لِلْقَصْدِ فِيهِ تَقْتَضِي تَعْيِينَهْ ٢٧٩٩ - فَهَاهُنَا الْمَنْعُ لِلاقْتِدَاءِ … إِلَّا مَعَ الْبَحْثِ وَالاسْتِبْرَاءِ إلى الفعل أو الترك - ولا سيما في العبادات ومع التكرار أيضا، وهو من الاقتداء بقوله، فالاقتداء بفعله كذلك وقد قال مالك في إفراد يوم الجمعة بالصوم إنه جائز واستدل على ذلك بأنه رأى بعض أهل العلم يصومه، قال: وأراه كان يتحراه. فقد استند إلى فعل بعض الناس عند ظنه أنه كان يتحراه، وضم إليه أنه لم يسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيامه، وجعل ذلك عمدة مسقطة لحكم الحديث الصحيح من نهيه ﵊ عن إفراد يوم الجمعة بالصوم. فقد يلوح من هنا أن مالكا يعتمد هذا العمل الذي يفهم من صاحبه القصد إليه إذا كان من أهل العلم والدين، وغلب على الظن أنه لا يفعله جهلا ولا سهوا ولا غفلة، فإن كونه من أهل العلم المقتدى بهم يقتضي عمله به، وتحريه إياه دليل على عدم السهو والغفلة. وعلى هذا يجري ما اعتمد عليه من أفعال السلف، إذا تأملتها وجدتها قد انضمت إليها قرائن عينت قصد المقتدى به وجهة فعله فصح الاقتداء (١). وأما القسم الثالث فهو من تجرد فعله عما يبين حاله "أو من له فعل" صادر عنه "ولا قرينة" مبينة "للقصد فيه" والمراد فيه، "تقتضي تعيينه"، بحيث يبين كونه قصدا دنيويا، أو قصدا أخرويا. فإن قلنا: في القسم الماضي ذكره - القسم الثاني - يعدم صحة الاقتداء "فهاهنا" في هذا القسم جريان "المنع للاقتداء" فيه أولى، وذلك أنه إن قلنا بصحة الاقتداء فيه فقد ينقدح فيه احتمال، فإن قرائن التحري للفعل موجودة، فهي دليل يتمسك به في الصحة، وأما هاهنا فقد فقدت قوى احتمال الخطأ والغفلة وغيرهما، هذا مع الاقتران بالاحتياط في الدين، فالصواب - والحالة هذه - منع الاقتداء هنا "إلا مع البحث" عن حقيقة هذا الفعل "والاستبراء" مما قد يكون محتملا له، وذلك يحصل بالسؤال عن حكم النازلة المقلد فيها، فقد قيل: "لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن سله يصدقك" والله - تعالى - أعلم بالصواب.

стр. 1123

" المسألة السادسة " ٢٨٠٠ - لِطَالِبِ الْعِلْمِ كَمَا مَرَّ رُتَبْ … فَمَنْ لَهُ التَّقْلِيدُ حُكْمُهُ وَجَبْ ٢٨٠١ - فَإِنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِفِعْلِهِ … كمِثْلِ مَا لَا يُقْتَدَى بِقَوْلهِ ٢٨٠٢ - وَمَنْ بِالاجْتِهَادِ قَدْ تَحَقَّقَا … فَهْوَ لِلإِسْتِفْتَاءِ أَهْلٌ مُطْلَقًا ٢٨٠٣ - وَفِعْلُهُ فِي الاقْتِدَاءِ يُجْرَا … عَلَى الذِي مِنْ قَبْلِ ذَا اسْتَقَرَّا " المسألة السادسة" في أن اتباع طالب العلم والاقتداء به وعدمه أمر فيه تفصيل وبيان ذلك أن "لطالب العلم" في طلبه - "كما مر" ذكره - "رتب" ثلاث وقد مر بيانها وبسط المقال فيها، فلينقل ذلك إلى هذا الموضع ويجرى عليه التفصيل الآتي في شأن الاتباع وعدمه، "فـ" أما "من" ثبت "له التقليد" لغيره، وتقرر في حقه "حكمه" الذي "وجب" عليه "فإنه لا" يسوغ ولا يصح أن "يقتدى بفعله" على الإطلاق "كمثل ما لا" يسوغ ولا يصح أن "يقتدى بقوله" لأنه لم يبلغ درجة الاجتهاد بعد، فإن كان اجتهاده غير معتبر فالاقتداء به كذلك لأن أعماله إن كانت باجتهاد منه فهي ساقطة وإن كانت بتقليد فالواجب الرجوع في الاقتداء إلى مقلده أو إلى مجتهد آخر. ولأنه عرضة لدخول العوارض عليه من حيث لا يعلم بها، فيصير عمله مخالفا فلا يوثق بأن عمله صحيح فلا يمكن الاعتماد عليه (١). "و" أما "من" كان "بالاجتهاد قد" اتصف و"تحققا" - الأف للإطلاق - "فهو "جدير بالاتباع، لأنه "للاستفتاء" يعني لاستفتاء الناس له "أهل مطلقا" فتؤخذ منه الفتوى من جهة الفعل كما تؤخذ منه من جهة القول. "و" ذلك لكون "فعله في الاقتداء" به "يجرى على" السبيل "الذي من قبل ذا" الموضع في المسألة السابقة قد "استقرا" ذكره، فيجري في حقه ما جرى من التفصيل المذكور في حق من يقتدى بهم.

стр. 1124

٢٨٠٤ - وَرُتْبَةُ الثَّانِي الذِي فِيهِ نَظَرْ … بِحَالِهِ فِي الاجْتِهَادِ يُعْتَبَرْ ٢٨٠٥ - فَحَيْثُ جَازَ جَازَ الاقْتِدَاءُ … عَلَى الذِي مَرَّ وَالاسْتِفْتَاءُ ٢٨٠٦ - مَا لَمْ يَكُنْ فِي فِعْلِهِ ذَا حَالِ … وَهْوَ بِالاستِفْتَاءِ ذُو اسْتِقْلَالِ ٢٨٠٧ - فَيَقْتَدِي بِهِ أُولُوا الأحْوَالِ … حَيْثُ يَصِحُّ ذَاكَ فِي الأَفْعَالِ " و" أما شأن "رتبة" الحال "الثاني" ومقتضاه فإنه "الذي فيه النظر" والبحث لأنه موضع إشكال سواء بالنسبة إلى صلاحيته للاستفتاء، أو بالنسبة إلى الاقتداء به، إذ كل ذلك "بحاله في "أمر" الاجتهاد" وشأنه "يعتبر" ويعرف به حكمه، "فحيث" تقرر أنه قد صح اجتهاده و"جاز"، فإنه كذلك صح اتباعه و"جاز الاقتداء" به، وذلك لناء "على الذي مر" تقريره في المسألة السابقة، "و" كذلك شأن "الاستفتاء" أي استفتاءه، والأخذ بفتواه فمدار صحة ذلك على ثبوت كونه مجتهدا. وذلك كله ماض حكمه في شأنه "ما لم يكن في" علمه و "فعله ذا حال" خاصة فإن كان صاحب حال في ذلك "وهو بـ" أمر "للاستفتاء ذو" قيام و"استقلال" وتحمل، فهل يصح الاقتداء به بناء على التفصيل المذكور في المسألة السابقة أم لا؟ وهل يصح في استفتاءه في كل شيء أم لا؟ كل هذا مما ينظر فيه، والظاهر هو أن المجرى عليه في حكم ذلك هو التفصيل، أما الاقتداء بتصرفاته "فـ" إنه "يقتدي به" فيها "أولوا الأحوال" ممن هم مثله، إذ هم "حيث يصح" منهم "ذاك" ويليق بهم، فيشتركون معه "في" الصلاحية والأهلية للإتيان بتلك "الأفعال" وبيان ذلك أن أرباب الأحوال عاملون في أحوالهم على إسقاط الخطوط، بالغوا غاية الجهد في أداء الحقوق، إما لسائق الخوف، أو لحادي الرجاء، أو لحامل المحبة. فحظوظهم العاجلة قد سقطت من أيديهم بأمر شاغل عن غير ما هم فيه، فليس لهم عن الأعمال فترة، ولا عن جد السير راحة. فمن كان بهذا الوصف فكيف يقدر على الاقتداء به من هو طالب لحظوظه مشاح في استقصاء مباحاته؟ وأيضا فإن الله تعالى سهل عليهم ما عسر على غيرهم، وأيدهم بقوة منه على ما تحملوه من القيام بخدمته حتى صار الشاق على الناس غير شاق عليهم، والثقيل على غيرهم خفيفا عليهم، فكيف يقدر على الاقتداء بهم ضعيف المنة عن حمل تلك الأعباء، أو مريض العزم في قطع مسافات النفس، أو خامد الطلب لتلك المراتب العلية، أو راض بالأوائل، عن الغايات، فكل هؤلاء لا طاقة لهم باتباع أرباب الأحوال وإن تطوقوا ذلك زمانا فعما قريب ينقطعون، والمطلوب الدوام. ولذلك قال النبي ﵊: "خذوا من العمل ما تطيقون،

стр. 1125

٢٨٠٨ - وَمَا بِهِ اسْتُفْتِى وَهْوَ حَالُهُ … كَانَ كَمِثْلِ فِعْلِهِ مَقَالُهُ ٢٨٠٩ - وَحَيْثُ مَا اسْتُفْتِيَ فِي سِوَاهُ … فَإِنَّهُ سَائِغَةٌ فُتْوَاهُ " المسألة السابعة " ٢٨١٠ - نَذْكُرُ مَا يَشْهَدُ لِلْمُقَلِّدِ … بِصِحَّةِ الْفُتْيَا مِنَ الْمُقَلَّدِ فإن الله لن يمل حتى تملوا" وقال: "أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل" وأمر بالقصد في العمل وأنه مبلغ، وقال: "إن الله يحب الرفق في الأمر كله" وكره العنف والتعمق والتكلف والتشديد خوفا من الانقطاع وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] ورفع عنا الإصر الذي كان على الذين من قبلنا. فإذا كان الاقتداء بأرباب الأحوال آيلا إلى مثل هذا الحال لم يلق أن ينتصبوا منصب الاقتداء وهم كذلك، ولا أن يتخذهم غيرهم أئمة فيه اللهم إلا أن يكون صاحب حال مثلهم وغير مخوف عليه الانقطاع. فإذ ذاك يسوغ الاقتداء بهم على ما ذكر من التفصيل. وهذا المقام قد عرفه أهله، وظهر لهم برهانه على أتم وجوهه (١). هكذا شأن أفعاله وحكمها، "و" أما "ما به" أي فيه "استفتى" وسئل، فأجاب فيه بقوله، فإن ذلك لا يخلوا من حالين: أحدهما: أن يستفتى في شيء "وهو حاله" فما كان على هذا الحال "كان" فيه "كمثل فعله مقاله" وفتواه، لأن نطقه في أحواله من جملة أعماله، والغالب فيه أنه يفتي بما يقتضيه حاله، لا بما يقتضيه حال السائل. "و" الثاني الحال الذي يتجلى "حيث مما استفتى في سواه" أي سوى هذا الذي هو حاله، "فـ" هذا قد تقرر فيه "أنه سائغة" فيه "فتواه" والاقتداء بها لأنه إذ ذاك إنما يتكلم من أصل العلم لا من رأس الحال، إذ ليس مأخوذا فيه. "المسألة السابعة" في إن للمقلد - بفتح اللام - أوصافا ترشد إلى صحة أتباعه، واستفتائه وفي هذا الشأن "نذكر" بعضا من هذه الأوصاف التي قلنا أنها من "ما يشهد للمقلد" - بكسر اللام - العامي "بصحة الفتيا" التي يأخذها "من المقلد" - بفتح اللام - المتصف بهذه

стр. 1126

٢٨١١ - مِنْ ذَاكَ الاعْتِنَاءُ بِالْمَسَائِلِ … وَكَثْرَةُ الْفِكْرَةِ فِي النَّوَازِلِ ٢٨١٢ - وَعَدَمُ الْبِدَارِ لِلْجَوَابِ … حَتَّى يَرَى النَّهْجَ إِلَى الصَّوَابِ الأوصاف، وبصحة اتباعه له. "من ذاك" الذي هو من هذه الأوصاف "الاعتناء" والاهتمام "بالمسائل" الفقهية المعروضة على النظر "وكثرة" التفكر وترديد "الفكرة في" كل ما يريد من "النوازل" ويقع، قال مالك بن أنس: ربما وردت علي المسألة تمنعني من الطعام والشراب والنوم، فقيل له: يا أبا عبد الله والله ما كلامك عند الناس إلا نقر في حجر، ما تقول شيئا إلا تلقوه منك، قال فمن أحق أن يكون هكذا إلا من كان هكذا، قال الراوي: فرأيت في النوم قائلا يقول: مالك معصوم "و" من ذلك - أيضا - "عدم" الإسراع و"البدار للجواب" لأن المطلوب من المفتي هو إمعانه النظر في المسألة المسؤول عنها والتريث في الحكم فيها "حتى يرى" ما هو "النهج إلى الصواب" في ذلك، فإن لم يظهر له ما هو الصواب في ذلك توقف. قال مالك - رحمه الله تعالى -: إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن، وقال: ربما وردت علي المسألة فأفكر فيها ليالي وكان إذا سئل عن المسألة قال للسائل انصرف حتى أنظر فيها. فينصرف ويردد فيها، فقيل له في ذلك، فبكى، وقال: إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأي يوم. وكان إذا جلس نكس رأسه وحرك شفتيه يذكر الله، ولم يلتفت يمينا ولا شمالا. فإذا سئل عن مسألة تغير لونه - وكان أحمر - فيصفر وينكس رأسه ويحرك شفتيه، ثم يقول ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله؟ فربما سئل عن خمسين مسألة فلا يجيب منها في واحدة. وكان يقول: من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض نفسه قبل أن يجيب على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب. وقال بعضهم: لكأنما مالك والله إذا سئل عن مسألة والله واقف بين الجنة والنار. وقال: ما شيء أشد علي من أن أسأل عن مسألة من الحلال والحرام، لأن هذا هو القطع في حكم الله، ولقد أدركت أهل العلم والفقه ببلدنا وإن أحدهم إذا سئل عن مسألة كان الموت أشرف عليه. ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون الكلام فيه والفتيا، ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدا لقللوا من هذا، وإن عمر بن الخطاب وعليا وعامة خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل وهم خير القرن الذي بعث فيهم النبي ﷺ وكانوا يجمعون أصحاب النبي ﷺ ويسألون، ثم حينئذ

стр. 1127

٢٨١٣ - وَقَوْلُ لَا أَدْرِي إِذَا لَمْ يَدْرِ … وَهْوَ مِلَاكُ الْعِلْمِ فِي التَّحَرِّي ٢٨١٤ - وَخَوْفُهُ للهِ مِنْ أَنْ يَسْأَلَهْ … عَنْ كُلِّ مَا حَرَّمَهُ أَوْ حَلَّلَهْ يفتون فيها. وأهل زماننا هذا قد صار فخرهم الفتيا فبقدر ذلك يفتح لهم من العلم. قال: ولم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا الذين يقتضى بهم ومعول الإسلام عليهم أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقول أنا أكره كذا وأرى كذا. وأما (حلال وحرام) فهذا الافتراء على الله أما سمعت قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ [يونس: ٥٩] الآية لأن الحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرماه (١). "و" من ذلك - أيضا - أن يتمسك بكلمة و"قول لا أدري إذا" كان "لم يدر" حكم ما سئل عنه "و" ذلك أن قول: لا أدري في هذا المقام "هو ملاك" - بكسر الميم - أي قوام وصلاح "العلم في" شأن "التحري" والقصد إلى الحق. "و" كذلك "خوفه لله" تعالى "من أن يسأله عن كل ما حرمه" بفتواه "أو حلله" به، قال موسى بن داود: ما رأيت أحدا من العلماء أكثر أن يقول: (لا أحسن) من مالك، وربما سمعته يقول: ليس نبتلى بهذا الأمر، ليس هذا ببلدنا. وكان يقول للرجل يسأله، اذهب حتى أنظر في أمرك. قال الراوي فقلت إن الفقه من باله وما رفعه الله إلا بالتقوى. وسأل رجل مالكا عن مسألة - وذكر أنه أرسل فيها من مسيرة ستة أشهر من المغرب - فقال له: أخبر الذي أرسلك أنه لا علم لي بها. قال: ومن يعلمها؟ قال: من علمه الله. وسأله رجل عن مسألة استودعه إياها أهل المغرب، فقال: ما أدري ما ابتلينا بهذه المسألة ببلدنا، ولا سمعنا أحدا من أشياخنا تكلم فيها ولكن تعود. فلما كان من الغد جاء وقد حمل ثقله على بغله يقوده، فقال: مسألتي، فقال: ما أدري ما هي؟ فقال: الرجل يا أبا عبد الله تركت خلفي من يقول ليس على وجه الأرض أعلم منك، فقال مالك غير مستوحش: إذا رجعت فأخبرهم أني لا أحسن. وسأله آخر فلم يجبه، فقال له يا أبا عبد الله أجبني، فقال ويحك تريد أن تجعلني حجة بينك وبين الله فأحتاج أنا أولا أن أنظر كيف خلاصي ثم أخلصك. وسئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري. وسئل من العراق عن أربعين مسألة فما أجاب منها إلا في خمس. وقال: قال ابن عجلان إذا أخطأ العالم (لا

стр. 1128

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أدري) أصيبت مقاتله. ويروى هذا الكلام عن ابن عباس وقال سمعت ابن هرمز يقول ينبغي أن يورث العالم جلساءه قول (لا أدري) وكان يقول في أكثر ما يسأل عنه: لا أدري. قال عمر بن يزيد فقلت لمالك في ذلك، فقال يرجع أهل الشام إلى شامهم، وأهل العراق إلى عراقهم، وأهل مصر إلى مصرهم، ثم لعلي أرجع عما أرجع أفتيهم به قال فأخبرت الليث بذلك، فبكى وقال: مالك والله أقوى من الليث. أو نحو هذا. وسئل مرة عن نيف وعشرين مسألة فما أجاب منها إلا في واحدة. وربما سئل عن مائة مسألة فيجيب منها في خمس أو عشر، ويقول في الباقي: لا أدري. قال أبو مصعب قال لنا المغيرة: تعالوا نجمع كل ما بقي علينا ما نريد أن نسأل عنه مالكا. فمكثنا نجمع ذلك، وكتبناه في قنداق ووجه به المغيرة إليه، وسأله الجواب، فأجابه في بعضه وكتب في الكثير منه: لا أدري. فقال المغيرة يا قوم لا والله ما رفع الله هذا الرجل إلا بالتقوى. من كان منكم يسأل عن هذا فيرضى أن يقول لا أدري. والروايات عنه في (لا أدري) و (لا أحسن) كثيرة حتى قيل لو شاء رجل أن يملأ صحيفته من قول مالك (لا أدري) لفعل قبل أن يجيب في مسألة وقيل له: إذا قلت أنت يا أبا عبد الله لا أدري فمن يدري، قال ويحك أعرفتني ومن أنا، وإيش منزلتي حتى أدري ما لا تدرون ثم أخذ يحتج بحديث ابن عمر، وقال هذا ابن عمر يقول: (لا أدري) فمن أنا؟ وإنما أهلك الناس العجب وطلب الرياسة وهذا يضمحل عن قليل. وقال مرة أخرى: قد ابتلي عمر بن الخطاب بهذه الأشياء فلم يجب فيها. وقال ابن الزبير لا أدري وابن عمر لا أدري وسئل مالك عن مسألة فقال: لا أدري. فقال له السائل: إنها مسألة خفيفة سهلة، وإنما أردت أن أعلم بها الأمير. وكان السائل ذا قدر، فغضب مالك وقال: مسألة خفيفة سهلة. ليس في العلم شيء خفيف. أما سمعت قول الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] فالعلم كله ثقيل، وبخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة. قال بعضهم ما سمعت قط أكثر قولا من مالك: (لا حول ولا قوة إلا بالله) ولو نشاء أن ننصرف بألواحنا مملوءة بقوله: لا أدري ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] لفعلنا. وقال له ابن القاسم: ليس بعد أهل المدينة أعلم بالبيوع من أهل مصر. فقال مالك: ومن أين علموها؟ قال منك. فقال مالك: ما أعلمها فكيف يعلمونها بي وقال ابن وهب قال مالك: سمعت من ابن شهاب أحاديت كثيرة ما حدثت بها قط ولا أحدث بها. قال الفروي: فقلت له؟ لم؟ قال: ليس عليها العمل. وقال رجل لمالك: إن الثوري حدثنا عنك

стр. 1129

٢٨١٥ - وَسُرْعَةُ الرُّجُوعِ لِلْحَقِّ إِذَا … صَحَّ وَتَرْكُ مَا يَرَاهُ مَأْخَذَا ٢٨١٦ - وَقِلَّةُ الْكَلَامِ وَالإِقْرَارُ … بِخَطَإٍ إِنْ كَانَ لَا الإِصْرَارُ في كذا. فقال: إني لأحدث في كذا، وكذا حديثا ما أظهرتها بالمدينة، وقيل له عند ابن عيينة أحاديث ليست عندك فقال أنا أحدث الناس بكل ما سمعت؟ إني إذا أحمق. وفي رواية: إني أريد أن أضلهم إذا. ولقد خرجت مني أحاديث لوددت أني ضربت بكل حديث منها سوطا ولم أحدث بها، وإن كنت أجزع الناس من السياط، ولما مات وجد في تركته حديث كثير جدا لم يحدث بشيء منه في حياته وكان إذا قيل له: "ليس هذا الحديث عند غيرك" تركه. وإن قيل له: "هذا ما يحتج به أهل البدع" تركه وقيل له: إن فلانا يحدث بغرائب. فقال: من الغريب نفر. وكان إذا شك في الحديث طرحه كله وقال إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق ذلك فاتركوه. وقال ليس كل ما قال الرجل وإن كان فاضلا يتبع ويجعل سنة ويذهب به إلى الأمصار قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل﴾ [الزُّمَر: ١٧ - ١٨] (١). "و" كذلك من تلك الأوصاف "سرعة الرجوع للحق" والصواب "إذا" ظهر له و"صح" عنده بما يقتضيه "وترك ما يراه مأخذا" ودليلا على ما قال به أول الأمر. "و" منها - أيضا -: "قلة الكلام والإقرار" أي الاعتراف "بـ" كل "خطإ" في الأقوال والأفعال، "إن كان" قد صدر عنه فـ "لا" يستمر على "الإصرار" عليه. فقد سئل مالك مسألة أجاب فيها، ثم قال مكانه: "لا أدري" إنما هو الرأي، وأنا أخطئ، وأرجع، وكل ما أقول يكتب. قال ابن وهب سمعته يعيب كثرة الجواب من العالم حين يسأل. وقال: وسمعته عند ما يكثر عليه السؤال يكف، ويقول: حسبكم، من أكثر أخطأ، وكان يعيب كثرة ذلك. وقال يتكلم كأنه جمل مغتلم يقول هو كذا هو كذا يهدر في كل شيء، وسأله رجل عراقي عن رجل وطئ دجاجة ميتة فخرجت منها بيضة فأفقست البيضة عنده عن فرخ، أيأكله؟ فقال مالك: سل عما يكون، ودع ما لا يكون. وسأله آخر عن نحو هذا فلم يجبه فقال له: لم لا تجيبني يا أبا عبد الله؟ فقال: لو سألت عما تنتفع به أجبتك، وقيل له: إن قريشا تقول إنك لا تذكر في مجلسك آباءها وفضائلهم، فقال إنما نتكلم فيما نرجو بركته.

стр. 1130

٢٨١٧ - إِلَى سِوَى ذَاكَ مِنَ الأَوْصَافِ … كَالنُّصْحِ وَالإِجْمَالِ وَالأِنْصَافِ ٢٨١٨ - وَكَانَ مَالِكٌ أَشَدَّ الْخَلْقِ … تَحَرِّيًا لِمِثْلِ هَذَا الْخُلْقِ " المسألة الثامنة " ٢٨١٩ - وَيَسْقُطُ التَّكْلِيفُ عَنْ مُسْتَفْتِي … بِالْفِعْلِ حَيْثُ فَقْدُهُ لِلْمُفْتِي قال ابن القاسم: كان مالك لا يكاد يجيب، وكان أصحابه يحتالون أن يجئ رجل بالمسألة التي يحبون أن يعلموها كأنها مسألة بلوى فيجيب فيها، وقال لابن وهب: اتق هذا الإكثار وهذا السماع الذي لا يستقيم أن يحدث به، فقال: إنما أسمعه لأعرفه، لا لأحدث به، فقال له: ما يسمع إنسان شيئا إلا يحدث به، وعلى ذلك لقد سمعت من ابن شهاب أشياء ما تحدثت بها وأرجو أن لا أفعل ما عشت، ولقد ندمت أن لا أكون طرحت من الحديث أكثر مما طرحت، قال أشهب: رأيت في النوم قائلا يقول لقد لزم مالك كلمة عند فتواه لو وردت على الجبال لقلعتها، وذلك قوله: ما شاء الله لا قوة إلا بالله (١). "إلى سوى ذاك" الذي ذكره "من الأوصاف" التي إذا قامت بالعالم صيرته جديرا بالاتباع والاقتداء به وذلك "كالنصح" لكل ما ومن يطلب النصح له شرعا "والإجمال" في الأمور، وهو الأخذ فيها بالتؤدة والاعتدال "والإنصاف" وهو الأخذ والعطاء بالحق، والعدل. "وكان مالك" بن أنس - رحمه الله تعالى - كما ذكرنا - من "أشد الخلق" من الفقهاء "تحريا" وطلبا للصواب "لمثل" يعني بمثل "هذا الخلق" الشامل لهذه الأوصاف. وبعد فهذه جملة من الأوصاف تدل الإنسان المقلد على من يكون من العلماء أولى بالفتيا والتقليد له، ويتبين بالتفاوت في هذه الأوصاف الراجح من المرجوح، ولم آت بها على ترجيح تقليد مالك وإن كان أرجح بسبب شدة اتصافه بها، ولكن لتتخذ قانونا في سائر العلماء؛ فإنها موجودة في سائر هداة الإسلام، غير أن بعضهم أشد اتصافا بها من بعض (٢). "المسألة الثامنة" "و" هي في بيان أنه "يسقط التكليف عن" الـ "مستفتي" أي المحتاج للفتوى ويزول عنه "بالفعل" وذلك "حيث" يثبت ويحصل "فقده للمفتي".

стр. 1131

٢٨٢٠ - مَعْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ مِنْ مُقْتَضَى … تَقْلِيدًا أَوْ مِنِ اجْتِهَادٍ مُرْتَضَى ٢٨٢١ - لأنَّهُ يَرْجِعُ لِلتَّكْلِيفِ … بِغَيْرِ مَا يُطَاقُ فِي التَّعْرِيفِ ٢٨٢٢ - وَهْوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ فَقْدُ الْعِلْمِ … بِالأَصْلِ فَهْوَ كَانْتِفَاءِ الْحُكْمِ ٢٨٢٣ - أَوْ فَقْدُ عِلْمِ الْوَصْفِ دُونَ الأَصْلِ … مِثْلَ التَّفَاصِيلِ التِي لِلْفِعْلِ وعدمه "مع" حصول "عدم العلم به" بذلك الفعل والعلم بكونه مطلوبا شرعا من جهة "مقتضى" وحكم يكون مأخذه "تقليد" لمفت ما، "أو من "جهة "اجتهاد" صحيح "مرتضى" شرعا، ونظرا. وإنما كان التكليف ساقطا في هذه الحالة "لـ" أمور: أحدها: "أنه" أي التكليف في هذه الحالة "يرجع" يؤول "للتكليف بغير ما يطاق" ويدخل "في التعريف" الموضوع له، فالمكلف به مكلف بما لا يعلم، ولا سبيل له إلى الوصول إليه، فلو كلف به لكلف بما لا يقدر على الامتثال فيه، وهو عين المحال إما عقلا، وإما شرعا. ثانيهما: أنه إذا كان المجتهد يسقط عنه التكليف عند تعارض الأدلة عليه الصحيح - حسبما تبين في موضعه من الأصول -. ثالثها: أن حقيقة هذه المسألة راجعة إلى العمل قبل تعلق الخطاب، والأصل في الأعمال قبل ورود الشرائع سقوط التكليف، إذ لا حكم عليه قبل العلم بالحكم، إذ شرط التكليف عند الأصوليين العلم بالمكلف به، وهذا غير عالم بالفرض، فلا ينتهض سببه على حال. "و" هذا الفعل ما يتجلى فيه حاله ويتصور "هو على ضربين": أحدهما: "فقد العلم بـ" حقيقة وما هو عليه في "الأصل" وواقع الأمر، ومن كان حاله هكذا مع ذلك الفعل "فهو كـ" مثل من وقع "انتفاء الحكم" الشرعي عليه في ذلك. ثانيهما: عدم "أو فقد العلم" بـ "الوصف" الشرعي للفعل "دون" فقد معرفة "الأصل" يعني أصله، وذلك "مثل" فقد معرفة "التفاصيل" والصور "التي للفعل" المكلف به. فإن المرء قد يكون عالما بالطهارة أو الصلاة أو الزكاة على الجملة، لكنه لا يعلم كثيرا من تفاصيلها وتقيداتها وأحكام العوارض فيها، كالسهو، وشبهه.

стр. 1132

٢٨٢٤ - وَكُلُّ مَا يُمْكِنُ فِي التَّفْرِيعِ … مَحَلُّهُ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ " المسألة التاسعة " ٢٨٢٥ - وَمُقْتَضَى الْفُتْيَا لِمَنْ يُقَلِّدُ … مِثْلُ الدَّلِيلِ لِلذِي يَجْتَهِدُ ٢٨٢٦ - لِكَوْنِ مَنْ قَلَّدَ غَيْرَ عَالِمِ … فَوَاجِبٌ سِؤَالُهُ لِلْعَالِمِ وكلا الوجهين يتعلق به أحكام بحسب الوقائع لا يمكن استيفاء الكلام فيها "و" لذلك فإن "كل ما يمكن" وروده "في"شأنهما من "التفريع" الفقهي "محله" الذي يطلب منه "في" حقيقة الأمر هو "كتب الفروع" الفقهية. "المسألة التاسعة" "و" هي في بيان أن "مقتضى" وموجب "الفتيا" بالنسبة "لمن يقلد" غيره "مثل الدليل" الشرعي بالنسبة "للذي يجتهد" وذلك "لكون من قلد" وكان "غير عالم" لا يقدر على النظر في الأدلة الشرعية، فوجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء "فـ " كان إلى"واجب" عليه "سؤاله العالم" بالأحكام الشرعية القادر على الاستنباط من تلك الأدلة، قال - تعالى -: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النّحل: ٤٣]، والمقلد غير عالم، فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر، وإليهم مرجعه في أحكام الدين على الإطلاق، فهم إذا القائمون له مقام الشارع، وأقوالهم قائمة مقام أقوال الشارع. وأيضا فإنه إذا كان فقد المفتي يسقط التكليف، فذلك مساو لعدم الدليل، إذ لا تكليف إلا بدليل، فإذا لم يوجد دليل على العمل سقط التكليف به، فكذلك إذا لم يوجد مفت في العمل فهو غير مكلف به. فثبت أن قول المجتهد دليل العامي. والله أعلم (١).

стр. 1133

كتاب لواحق الاجتهاد ويتعلق بكتاب الاجتهاد نظران ٢٨٢٧ - فَأَوَّلٌ فِي عَارِضِ الأَدِلَّةِ … تَرْجِيحًا أَوْ تَعَارُضًا فِي الْجُمْلَةِ ٢٨٢٨ - وَالثَّانِ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ … وَاخْتَصَّ كُلُّ مِنْهُمَا بِبَابِ " النظر الأول" في التعارض والترجيح وفيه مقدمة ومسائل " مقدمة" ٢٨٢٩ - مَنْ بِأُصُولِ الشَّرْعِ قَدْ تَحَقَّقَا … وَقَامَ بِالْعِلْمِ عَلَيْهِ مُطْلَقَا كتاب لواحق الاجتهاد "ويتعلق بكتاب" لواحق "الاجتهاد" هذا "نظران" اثنان: "فـ" أما الذي هو "أول" منهما فإنه النظر "في عارض الأدلة" الشرعية الذي يوجب لبعضها "ترجيحا" على بعض، والذي يقتضي - كذلك - تخالفا "أو تعارضا" بينها "في الجملة" لا في جميع الجهات ولا في حقيقة الأمر. "والثان" منهما النظر "في"أحوال "السؤال والجواب" من حيث من صدرا عنه، "و" في سبيل بيان هذين النظرين "اختص كل" واحد "منهما بـ" الكلام عليه في "باب" كما سيأتي. "النطر الأول" هذان النظران "في" شأن أحوال "التعارض" بين الأدلة "والترجيح" بينها، "و" هذا الشأن متضمنه "فيه مقدمة" ممهدة "ومسائل" ثلاث. "مقدمة" في الإعلام بأن "من" كان "بـ "معرفة "أصول الشرع قد تحققا" أي اتصف بذلك على الحقيقة "وقام بـ" بث "العلم" ونشره مشيا على ذلك التحقيق ومضيا "عليه مطلقا"

стр. 1134

٢٨٣٠ - يَكَادُ لَا تَعَارَضُ الأَدِلَّهْ … لَدَيْهِ بَلْ تَكُونُ مُسْتَقِلَّهْ ٢٨٣١ - وَالْعِلْمُ بِالْمَنَاطِ فِي الْمَسَائِلِ … يَنْفِي اشْتِبَاهَ الأَمْرِ فِي النَّوَازِلِ ٢٨٣٢ - لِذَاكَ لَا يُوجَدُ فِي الأَدِلَّةِ … تَعَارُضٌ أُجْمِعَ لِلأَئِمَّةِ ٢٨٣٣ - عَلَيْهِ حَتَّى وَجَبَ التَّوَقُّفُ … هَذَا لَدَى الْمَشْرُوعِ مَا لَا يُعْرَفُ " المسألة الأولى " ٢٨٣٤ - تَعَارُضُ الدَّلِيلِ لَيْسَ يُمْكِنُ … مِنْ حَيْثُ نَفْسُ الأَمْرِ وَهْوَ بَيِّنُ في سائر المسائل "يكاد لا تعارض" - أصله تتعارض، بتاءين، فحذفت إحداهما تخفيفا - "الأدلة" الشرعية "لديه" أي عنده، وفي فهمه ونظره "بل تكون" عنده "مستقلة" بما يدل عليه وتفيده من حكم، "و" من المعلوم المقرر أن "العلم بالمناط" الذي تعلقت به الأحكام "في المسائل" الفقهية يزيل و"ينفي اشتباه الأمر" والحال "في" شأن الأحكام الفقهية المجراة في "النوازل" والمسائل فكل من حقق مناط المسائل فإنه لا يكاد يقف في متشابه - متعارض الجهات ومقتضياتها - لأن الشريعة لا تعارض فيها البتة فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض. و "لذاك" لا تعارض بين الأدلة الشرعية في واقع الأمر "لا يوجد في "هذه "الأدلة تعارض أجمع للأئمة عليه" يعني تعارض للأئمة - أي عند الأئمة - أجمع عليه، واتفق على جريانه ووقوعه "حتى" لزم ذلك و"وجب" عليهم كلهم "التوقف" من غير بوح بالحكم أو الرأي في شانه؛ "هذا لدى" أي في "المشروع" أي الشريعة "ما" من الأدلة "لا يعرف" على الإطلاق. لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم. "المسألة الأولى" في أن تعارض الدليل الشرعي بعضه مع بعض إما أن يعتبر من جهة ما في نفس الأمر وواقع الحال، وإما أن يعتبر من جهة نظر المجتهد. أما "تعارض الدليل" الشرعي بعضه مع بعض فإنه "ليس يمكن من حيث نفس الأمر" وواقع الحال على الإطلاق، "وهو" أمر "بين" واضح كما تقدم ذكره في كتاب الاجتهاد

стр. 1135

٢٨٣٥ - مِنْ مَرْجِعِ الشَّرْعِ لِقَوْلِ وَاحِدِ … حَسْبَمَا صُحِّحَ بِالشَّوَاهِدِ ٢٨٣٦ - لَاكِنَّمَا اعْتِبَارُهُ حَيْثُ وُجِدْ … بِنِسْبَةٍ لِنَاظِرٍ وَمُجْتَهِدْ ٢٨٣٧ - وَمِنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ أَنْ يُجْمَعَا … بَيْنَهُمَا وَعَكْسُهُ قَدْ وَقَعَا " المسألة الثانية " ٢٨٣٨ - فَحَيْثُ لَا يُمْكِنُ فِي التَّنَافِي … رَدُّ الدَّلِيلَيْنِ إِلَى ائْتِلَافِ " من" جهة أن "مرجع الشرع" كله إنما هو "لقول واحد" وحكم واحد في كل جزئية "حسبما صحح بالشواهد" وبين بالأدلة القاضية بذلك، - وهو أنه لا تعارض البتة على الإطلاق بين الأدلة الشرعية - "لاكنما" التعارض يرد فيصح "اعتباره حيث" وقع و"وجد بالنسبة لـ" من حصل ذلك من "ناظر" في الأدلة الشرعية "ومجتهد" فإن ذلك أمر قد يحصل وهو معتبر ومنظور فيه بلا خلاف، إذا ورد في موضعه "ومنه" ما ورد فيه التعارض بين دليلين وهو "غير ممكن أن يجمعا" - الألف للإطلاق - "بينهما" فيه بوجه من وجوه الجمع كتعدد الأحوال، واختلاف المواطن الجاري فيها مقتضى الدليلين وهذا اعتبار والنظر فيه صواب، فإن أمكن الجمع ألغي فيهما اعتبار التعارض وتصوره، كالعام مع الخاص، والمطلق مع المقيد، وأشباه ذلك. "و" منه كذلك "عكسه" وهو ما يمكن فيه الجمع فإنه "قد وقعا" - الألف للإطلاق - النظر فيه كذلك، لكنا نتكلم - هنا - بحول الله - تعالى - فيما لم يذكروه من الضرب الذي لا يمكن فيه الجمع، ونستجر من الضرب الممكن فيه الجمع أنواعا مهمة. وبمجموع النظر في الضربين يسهل إن شاء الله على المجتهد في هذا الباب ما عسر على كثير ممن زاول الاجتهاد. وبالله التوفيق (١). "المسألة الثانية" في أن المسلك الذي يسلك في شأن الأدلة التي لا سبيل إلى الجمع بينها، هو التوقف في شأنها أو الترجيح بينها، وبذلك "فحيث لا يمكن" ولا يتأتى "في" شأن "التنافي" والتخالف بين الأدلة الشرعية "رد الدليلين" المتنافيين المخالفين "إلى ائتلاف"

стр. 1136

٢٨٣٩ - صِيرَ إِلَى التَّرْجِيحِ أَوْ تَوَقُّفِ … وَذَاكَ فِيمَا كَالأَدِلَّةِ اقْتُفِي ٢٨٤٠ - مِنَ الْعَلَامَاتِ أَوِ الأَسْبَابِ … كَذَا الشُّرُوطُ حُكْمُهَا فِي الْبَابِ ٢٨٤١ - لَا كِنَّمَا التَّرْجِيحُ لَيْسَتْ تَتَّحِدْ … وُجُوهُهُ فَوُكِلَتْ لِلْمُجْتَهِدْ وتوافق بينهما بوجه ما "صير إلى الترجيح" بين هذين الدليلين إن أمكن، "أو" إلى الـ "توقف" في شأنهما إن لم يظهر وجه للترجيح بينهما تطمئن إليه النفس، وبذلك أمرهما من المتشابهات الإضافة. كما تقدم بيانه في كتاب الاجتهاد. "وذاك" التعارض الذي يجري حصوله في الأدلة ويرد فيها، يرد كذلك ويجري "فيما" هو "كالأدلة" الشرعية من حيث إنه وضع دال على الأحكام، وبذلك "اقتفي" واتبع أمره في سبيل إدراك هذه الأحكام والدلالة عليها، وذلك كقول مجتهدين إذا وقع تعارضهما على المقلد لأن نسبتهما إليه نسبة الدليلين إلى المجتهد، وما أشبه ذلك "من" نحو تعارض "العلامات" الدالة على الأحكام المختلفة، كما إذا انتهب نوع من المتاع يندر وجود مثله من غير الانتهاب، فيرى في يد رجل ورع، فيدل صلاح ذي اليد على أنه حلال، ويدل ندور مثله من غير النهب على أنه حرام، فيتعارضان. ومنه تعارض الأشباه الجارة إلى الأحكام المختلفة، كالعبد، فإنه آدمي، فيجري مجرى الأحرار في الملك، ومال فيجري مجري سائر الأموال في سلب الملك. ومنه كذلك تنافي "أو" تعارض "الأسباب" من حيث مقتضياتها وأحكامها، وذلك كاختلاط الميتة بالمذكاة، والزوجة بالأجنبية، إذ كل واحدة منهما يطرق إليها احتمال وجود السبب المحلل والمحرم. "كذا" تعارض "الشروط" من حيث "حكمها" فإنه كذلك جار أمره "في" هذا "الباب" بلا فرق بينه وبين ما تقدم، وذلك كتعارض البينتين إذا قلنا إن الشهادة شرط في إنفاذ الحكم، فإحداهما تقتضي إثبات أمره، والأخرى تقتضي نفيه. فهذه المواضع كلها يجري فيها إن أمكن "لاكنما الترجيح" في هذا الضرب، بل وفي الترجيح بين الأدلة - أيضا - "ليست تتحد" أو تنحصر "وجوهه فوكلت" بذلك "للمجتهد"، وذلك إن الوقائع الجزئية النوعية أو الشخصية لا تنحصر، ومجاري العادات تقضي بعدم الاتفاق بين الجزئيات بحيث يحكم على كل جزئي بحكم جزئي واحد، بل لا بد من ضمائم تحتف، وقرائن تقترن، مما يمكن تأثيره في الحكم المقرر، فيمتنع إجراؤه في جميع الجزئيات. وهذا أمر مشاهد معلوم، وإذا كان كذلك فوجوه

стр. 1137

" المسألة الثالثة " ٢٨٤٢ - وَالْمُمْكِنُ الْجَمْعِ يُرَى لَهُ صُوَرْ … عِنْدَ تَعَارُضٍ هُنَاكَ قَدْ ظَهَرْ ٢٨٤٣ - تَعَارُضُ الْجُزْئِيِّ مَعْ كُلِّيَهْ … تَدْخُلُ حَتْمًا تَحْتَهَا الْجُزْئِيَّهْ ٢٨٤٤ - كَالْقَتْلِ فِي الْقِصَاصِ أَوْ مِثْلِ الْكَذِبْ … فِي مَوْضِعٍ ذَاكَ بِهِ مِمَّا يَجِبْ ٢٨٤٥ - وَقَدْ يَكُونُ مَحْمَلُ الْجُزْئِيِّ … فِيهِ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي الْكُلِّي الترجيح جارية مجرى الأدلة الواردة على محل التعارض، فلا يمكن في هذه الحالة إلا الإحالة على نظر المجتهد فيه. وحقيقة النظر الالتفات إلى كل طرف من الطرفين أيهما أسعد وأغلب وأقرب بالنسبة إلى تلك الواسطة، فيبنى على ذلك إلحاقها به من غير مراعاة للطرف الآخر، أو مع مراعاته، كما في مسألة ملك العبد في مذهب مالك، وفي مذهب من خالفه، وأشباهها. هذا وجه النظر في هذا الضرب الأول على ظاهر كلام الأصوليين. وإذا تأملنا المعنى فيه وجدناه راجعا إلى الضرب الثاني، وإن الترجيح راجع إلى وجه من الجمع وإبطال أحد المتعارضين على ما ذكره الشاطبي. "المسألة الثالثة" "و" هي في بيان المتنافي المتعارض من الأدلة "الممكن" إجراء "الجمع" في شأنه "يرى" بالياء أي يوجد، ويصح راجحا "ترى" أي توجد "له" في واقع الحال "صور" مختلفة تظهر "عند" ما يكون "تعارض هناك" بين الأدلة "قد ظهر" وحصل إحدى هذه الصور "تعارض" حكم الطرف "الجزئي مع" حكم جهة "كلية" شاملة "تدخل حتما" ووجوبا "تحتها" بمقتضى الأدلة الشرعية والنظرية تلك الجهة "الجزئية" المعبر عنها فيما سبق بالطرف الجزئي، وذلك "كالقتل" للمسلم المباح "في"إيقاع "القصاص" عليه أو قتله بالزنى المتعارض مع حرمة قتل المسلم "أو مثل الكذب في موضع" يكون "ذاك" الكذب "به" يعني فيه "مما يجب" شرعا أو يباح كالكذب للإصلاح بين الزوجين فهو جزئي مع الكذب المحرم الذي مقتضاه كلية "وقد يكون محمل الجزئي فيه على" أنه "الرخصة" المسثتناة "في الكلي" أي منه.

стр. 1138

٢٨٤٦ - أَوْ غَيْرُ ذَا فَحُكْمُهُ يُلْتَمَسُ … مِن مَا مَضَى مِنْ قَبْلِ ذَا يُقْتَبَسُ ٢٨٤٧ - ثَانِيَةٌ تَعَارُضُ الْجُزْئِيِّ مَعْ … مِثْلٍ وَفِي كُلِّيَةٍ مَعْهُ اجْتَمَعْ ٢٨٤٨ - مِثْلَ حَدِيثَيْنِ فَذَا وَجْهُ النَّظَرْ … فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ حَيْثُمَا صَدَرْ ٢٨٤٩ - إِمَّا بِأَنْ يُحْكَمَ بِالإِهْمَالِ … لِجِهَةٍ وَالأَخْذِ بِالإِعْمَالِ ٢٨٥٠ - لِلْجِهَةِ الأُخْرِى وَهَذَا لَا يَصِحْ … إِلَّا بِإِبْطَالٍ بِأَمْرٍ يَتَّضِحْ ٢٨٥١ - مِنْ نَسْخٍ أَوْ تَطْرِيقِ وَهْمٍ أَوْ غَلَطْ … وَغَيْرِهَا مِنْ مُنْتَمٍ لِذَا النَّمَطْ " أو غير ذا" يعني وقد يكون محمله غير ذا المحمل المذكور، فإن كان محمله هو الأول فهو بين، وإلا يكنه "فـ" إن "الحكم" الجاري فيه أمره "يلتمس" ويطلب "من" اتباع مقتضى "ما مضى" ذكره من المسلك في شأن التعارض والترجيح "من قبل ذا" الموضع فمنه يوخذ و"يقتبس" على التفصيل الماضي إيراده هناك - في كتاب الأدلة ومن قبل في كتاب الأحكام -. "ثانية" تلك الصور صور "تعارض" مدلول الدليل "الجزئي مع" مدلول ما هو "مثل" له في كونه جزئيا "و" كل واحد منهما مندرج "في" الـ "كلية" التي اندرج فيه الآخر، فكلاهما "معه" أي مع الجزئي الآخر قد "اجتمع" في تلك الكلية وذلك "مثل" تعارض مقتضى "حديثين" أو قياسين أو علامتين في شأن حكم جزئية معينة، وكثيرا ما يذكر الأصوليون هذه الصورة في الضرب الأول الذي لا يمكن فيه الجمع، والصواب في شأنه هو التفصيل "فـ" يقال إن "ذا" قد اقتضى "وجه النظر فيه" أن يكون حكمه الجاري فيه "على وجهين حيثما صدر" أي وقع وحصل، فهو "إما بأن يحكم بالإهمال" والإلغاء "لجهة" من الجهتين المتعارضتين "والأخذ بالإعمال للجهة الأخرى، وهذا" الوجه "لا يصح إلا بإبطال" وإلغاء لهذه الجهة - الدليل - "بأمر" اقتضاؤه ذلك "يتضح" منه بموجب حاله، فلا إلغاء لها إلا بموجب لذلك "من نسخ" لها "أو تطريق" يعني وقوع "وهم" أي تخيل "أو غلط" في السند أو في المتن إن كان خبر آحاد، أو كونه مظنونا يعارض مقطوعا به، وما جرى مجرى ذلك كالقوادح في صحة الأقيسة والاعتداد بالعلامات المصوبة للدلالة على الأحكام "وغيرها من" كل ما هو "منتم" ومنتسب "لذا النمط" أي الضرب من القوادح في صحة الأدلة، والموجبات لإسقاط حجيتها. هذا هو الوجه الأول.

стр. 1139

٢٨٥٢ - إِمَّا بِأَنْ يُحْكَمَ بِالإِعْمَاِل … لِلْجِهَتَيْنِ حُكْمَ الاسْتِقْلَالِ ٢٨٥٣ - وَعِنْدَ ذَا يَلْزَمُ أَنْ لَّا يَرِدَا … مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ إِنْ وَرَدَا ٢٨٥٤ - ثَالِثَةٌ تَعَارُضُ الْجُزْئِيَّهْ … مَعْ مِثْلِهَا بِحَيْثُ لَا كُلِّيَّهْ ٢٨٥٥ - شَامِلَةٌ وَلَا تَكُونُ الْوَاحِدَهْ .. فِي طَيِّ الأُخْرَى عِنْدَ ذَاكَ وَارِدَهْ ٢٨٥٦ - فَالأَصْلُ أَنَّ حَالَةَ الْجُزْئِيِّ … رَاجِعَةُ لأَصْلِهِ الْكُلِّيِّ و"أما بأن يحكم بالإعمال للجهتين" - يعني الدليلين - معا "حكم الاستقلال" والانفراد، بحيث يعمل بكل واحد منهما على حدة في موضوعين منفصلين متباينين. "وعند" حصول "ذا" الأمر "يلزم" منه "أن لا يردا" أي هذان الدليلان "من" يعني على "جهة واحدة" ومحل واحد "إن وردا" - هذا تتميم للكلام فقط، والاستغناء عنه بين - وذلك لأن أعمالهما على هذا الوجه لا يتأتى إلا إذا لم يردا على موضوع واحد، وهذا بين، وإذا أعملا على هذا الوجه ارتفع التعارض البتة، إلا إن هذا الإعمال تارة يرد على محل التعارض، كما في مسألة العبد عند مالك، فإنه أعمل حكم الملك له من وجه، وأهمل ذلك من وجه. وتارة يخص أحد الدليلين فلا يتواردان على محل التعارض معا، بل يعمل في غيره ويهمل بالنسبة إليه لمعنى اقتضى ذلك. ويدخل تحت هذا الوجه كل ما يستثنيه المجتهد صاحب النظر في تحقيق المناط الخاص المذكور في أول كتاب الاجتهاد، وكذلك في فرض الكفاية المذكور في كتاب الأحكام (١). "ثالثة" هذه الصور صورة "تعارض" مقتضى الجهة "الجزئية مع" مقتضى جزئية "مثلها" وكل واحدة منهما منفصلة على الأخرى "بحيث لا كلية شاملة" لهما تجمعهما عكس الصورة السابقة "و" بحيث "لا تكون الواحدة" منهما "في طي الأخرى" وتحت حكمها "عند" حصول "ذاك" الانفصال "واردة" أو مندرجة، وما كان هكذا "فـ" الحكم فيه يقرر على ما يقتضيه "الأصل" الذي يعمل به هنا وهو "أن حالة الجزئي راجعة" من حيث تقويمها "لأصله الكلي" سواء كان ضروريا، أو حاجيا، أو تحسينيا.

стр. 1140

٢٨٥٧ - فَكُلُّ كُلِّيٍّ لَهُ التَّرْجِيحُ … جُزْئِيُّهُ لَهُ بِهِ تُصْحِيحُ ٢٨٥٨ - كَأَمْرِ الاسْتِقْبَالِ وَالصَّلَاةِ … عِنْدَ وُقُوعِ الْجَهْلِ بِالْجِهَاتِ ٢٨٥٩ - وَانْجَرَّ فِي كُلِّيِّ هَاذِي الصُّورَهْ … مَا يُفْهَمُ الْحُكْمُ بِهِ ضَرُورَهْ ٢٨٦٠ - رَابِعَةٌ تَعَارُضُ الْكُلِّيِّ … مَعْ مِثْلِهِ فِي نَوْعِهِ الأَصْلِيِّ " فكل كلي له ترجيح" شرعي على الكلي المعارض له في موضوع ما، فإن "جزئيه" - أيضا - له ترجيح تبعا لكليه الذي "له" أي لهذا الجزئي "به" أي لكليه ذاك "تصحيح" ورجحان. فكل جزئي تابع لكليه راجحا كان أو مرجوحا، وذلك "كأمر" وشأن "الاستقبال" الوارد الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ١٤٤] مع معارضه "و" هو الأمر بإقام "الصلاة" الوارد في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وذلك "عند وقوع" وحصول "الجهل بالجهات" والتباس أمرها فإن الصلاة راجعة إلى كلية من الضرورية واستقبال القبلة راجع إلى كلية من التحسينيات على قول من قال بذلك. وكذلك يجري على هذا السبيل أمر المكلف الذي لا يجد ماء ولا متيمما، إذ هو بين أن يترك مقتضى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ لمقتضى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المَائدة: ٦] إلى آخرها؛ أو يعكس، وتقرير الكلام في ذلك على نسق ووزان ما تقدم. وإنما ترجح الجزئي برجحان كليه، لأن الجزئي خادم لكليه، وليس الكلي بموجود في الخارج إلا في الجزئي، فهو الحامل له، حتى إذا انخرم، انخرم الكلي، فهو إذا متضمن له، فلو رجح غيره من الجزئيات غير الداخلة معه في كلية للزم ترجيح ذلك الغير على الكلي، وقد فرضنا أن الكلي المفروض هو المقدم على الآخر، فلابد من تقديم جزئيه. "و"هكذا - كما ترى - قد "انجر" في هذا الموضع ورود الكلام "في كلي هاذي الصورة" وإن كان الموضوع فيه هو تعارض الجزئيتين، وذلك لأن إيراد هذا الكلام على هذا الكلي هو "ما يفهم" أساس "الحكم به" الجاري هنا ووجهه "ضرورة" فلا يتوصل إلى فهمه والعلم به إلا بذلك، كما يتضح ذلك من الأمثلة، وما تقرر به الحكم فيها. "رابعة" هذه الصور "تعارض الكلي مع" كلي "مثله" وكلاهما يجتمع مع الآخر "في نوعه الأصلي" فهما من نوع واحد.

стр. 1141

٢٨٦١ - وَذا وَإِنْ كَانَ شَنِيعَ الظَّاهِرِ … فَهْوَ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ الصَّادِرِ ٢٨٦٢ - مِنْ حَيْثُ الإِمْكَانِ بِهِ أَنْ يُجْمَعَا … بَيْنَهُمَا عَلَى اعْتِبَارَيْنِ مَعَا ٢٨٦٣ - وَذَاكَ كَالدُّنْيَا لَهَا وَصْفَانِ … فِي ظَاهِرِ الأَمْرِ هُمَا ضِدَّانِ ٢٨٦٤ - وَصْفٌ أَتَى فِي ذَمِّهَا تَحْقِيرَا … لِشَأْنِهَا مُقْتَضِيًا تَنْفِيرَا ٢٨٦٥ - وَالتَّرْكَ لِلْمَيْلِ وَالالْتِفَاتِ … لَهَا وَالاجْتِنَابَ فِي الْحَالَاتِ " وذا" الحال الذي عليه هذه الصورة "وإن كان شنيع" أي فضيع وقبيح "الظاهر" وذلك لما ذكر فيه من تعارض الكلية الشرعية وهي لا تتعارض لأنها قطعيات ولا مدخل فيها للظن، وتعارض القطعيات محال في حقيقة الأمر، "و" لكن ذلك قد يقع في هذا الموضع بوجه ما "فهو" أي التعارض "صحيح باعتبار الصادر" أي الواقع وذلك "من حيث" جريان "الإمكان به" يعني فيه "أن يجمعا" - الألف للإطلاق - "بينهما" أي الكليين القطعيين "على اعتبارين معا" وبذلك لا يكون بينهما تعارض في حقيقة الأمر، فكل موضوع له اعتباران قد يقع فيه هذا الضرب من التعارض "وذاك كالدنيا" فإنها "لها وصفان" ورد في النصوص الشرعية وصفها بهما، "في ظاهر الأمر هما ضدان" متعارض مقتضاهما أحدهما "وصف أتى" لها في النصوص الشرعية وهو "في ذمها تحقيرا لشأنها" ولكل ما فيها، فكان لذلك "مقتضيا تنفيرا" منها. "و" موجبا "الترك للميل والالتفات لها و" قاضيا بوجوب "الاجتناب" لها "في" كل "الحالات" التي قد تعرض فيها باعتبار أحوال المكلف، إذ لا جدوى فيها على كل حال. وهذا هو الوجه الأول من هذا الوصف الشرعي لها: ومما ورد فيه وصف الدنيا على هذا الوجه قوله - تعالى -: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٠] الآية؛ فأخبر أنها لعب ولهو، مما لا نفع فيه إلا مجرد الحركات والسكنات التي لا طائل تحتها ولا فائدة وراءها. وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فحصر فائدتها في الغرور المذموم العاقبة وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ﴾ [العنكبوت: ٦٤] وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤] وقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] إلى غير ذلك من الآيات. وكذلك الأحاديث في هذا المعنى، كقوله: "لو كانت الدنيا تزن عند

стр. 1142

٢٨٦٦ - وَجَاءَ فِيهَا مَعْهُ وَصْفٌ ثَانِ … فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالامْتِنَانِ ٢٨٦٧ - وَذَاكَ بَاعِثٌ عَلَى الْتِفَاتِهَا … وَنَيْلِ مَا قَدْ بُثَّ مِنْ خَيْرَاتِهَا ٢٨٦٨ - لِأَنَّهُ مِنْحَةُ رَبٍّ مُنْعِمِ … فَوَاجِبٌ قَبُولُ تِلْكَ النِّعَمِ الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء" وهي كثيرة جدا. وعلى هذا المنوال نسج الزهاد ما نقل عنهم من ذم الدنيا وأنها لا شيء. والثاني: أنها كالظل الزائل والحلم المنقطع. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] وقوله: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ [غافر: ٣٩] وقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٦، ١٩٧] الآية؛ وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥] وغير ذلك من الآيات المفهم معنى الانقطاع والزوال، وبذلك تصير. كأن لم تكن. والأحاديث في هذا أيضا كثيرة، كقوله ﵊: "ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب تحت شجرة ثم راح وتركها وهو حادي الزهاد إلى الدار الباقية" (١). هذا شأن ما ورد فيها من الذم. "وجاء" عن الشارع "فيها" أي في الدنيا - أيضا - "وصف ثان" وهو "في معرض" ومساق "المدح" لها "والامتنان" بها وبما تشتمل عليه من نعم وخيرات "وذاك" أمر "باعث على التفاتها" يعني على الالتفات إليها - من باب الحذف والإيصال - والاشتغال بطلبها "ونيل" أي إدراك وأخذ "ما قد بث" ونشر فيها "من خيراتها" التي احتوت عليها، "لأنه" أي هذا المثبوت فيها من الخيرات "منحة" - بكسر الميم - أي عطية "رب" كريم "منعم" له الحمد وله الشكر "فواجب" بمقتضى ذلك "قبول تلك النعم" والإقبال على نيلها. خلاصة القول أن هذا الوصف له وجهان - أيضا -: أحدهما: ما فيها من الدلالة على وجود الصانع ووحدانيته، وصفاته العلى، وعلى

стр. 1143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الدار الآخرة، كقوله - تعالى -: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق: ٦] إلى قوله - تعالى -: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] وقوله: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ [النمل: ٦١] الآية؛ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥] الآية؛ وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤، ٨٥] إلى غير ذلك من الآيات التي هي دلائل على العقائد وبراهين على التوحيد. والثاني: أنها منن ونعم امتن الله بها على عباده، وتعرف إليهم بها في أثناء ذلك، واعتبرها ودعا إليها بنصبها لهم وبثها فيهم، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٣٢] إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة: ٢٢] الآية؛ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ [النحل: ١٠] إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وفيها: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل: ٨١] الآية؛ وفي أول السورة: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل: ٥] ثم قال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾ [النحل: ٦] ثم قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] فامتن تعالى ههنا وعرف بنعم من جملتها الجمال والزينة، وهو الذي ذم به الدنيا في قوله: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠] إلى غير ذلك، بل حين عرف بنعيم الآخرة امتن بأمثاله في الدنيا؛ كقوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٢٨ - ٣٠] وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ [النحل: ٨١] وقال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] وقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢] وهو كثير، حتى إنه قال في الجنة: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] إلى آخر أنواع الأنهار الأربعة، وقال: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥] إلى أن قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] إلى قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وهو كثير أيضا. فأنزل الأحكام، وشرع الحلال والحرام، تخليصا لهذه النعم التي خلقها لها من

стр. 1144

٢٨٦٩ - فَالذَّمُّ مِنْ وَجْهَيْنِ وَجْهٌ يُخْبِرُ … أَنْ لَيْسِ فِيهَا طَائِلٌ يُعْتَبَرُ ٢٨٧٠ - بِكَوْنهَا إِلَى الْغُرُورِ تَنْتَسِبْ … وَوَصْفِ حَالِهَا بِلَهْوٍ وَلَعِبْ ٢٨٧١ - ثَانِيهِمَا مِنْ سُرْعَةِ الزَّوَالِ … وَعَدَمِ الْبُقْيَا وَالاسْتِقَلَالِ ٢٨٧٢ - وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ جَمٌّ مُعْتَبَرْ … مِنَ النُّصُوصِ فِي الْكِتَابِ وَالْخَبَرْ ٢٨٧٣ - وَالْمَدْحُ مِنْ وَجْهَيْنِ يُسْتَقْبَلُ … مِنْ حَيْثُ أَنَّ حَالَهَا يَدُلُّ شوائب الكدرات الدنيويات والأخرويات. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ يعني في الدنيا ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ [النحل: ٩٧] يعني في الآخرة. وقال حين امتن بالنعم: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩]، ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] وقال في بعضها: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الجاثية: ١٢]، فعد طلب الدنيا فضلا، كما عد حب الإيمان وبغض الكفر فضلا. والدلائل أكثر من الاستقصاء (١). وهذا وما سبقه يقتضي التعارض في شأن النظر الشرعي إلى هذه الدنيا على وجه بين، "فالذم" الشرعي لها وارد عليها كما تقدم ذكره "من وجهين": أحدهما: "وجه" مبرز لها شرعا "يخبر" ويعلم "إن ليس فيها" شيء "طائل" نافع ذو مزية "يعتبر" ويعتد به، وذلك "بـ" سبب "كونها إلى الغرور تنتسب" لأنها متاعه "و" بسبب "وصف حالها بلهو ولعب". "ثانيهما": ما وصفت به "من سرعة الزوال " والانقضاء لأيامها "وعدم البقيا" - بضم الباء وسكون القاف - أي البقاء والدوام "و" من سرعة "الاستقلال" عنها، أي الانفصال "وفي" إثبات "كلا الوجهين" قد ورد "جم" أي جمع كثير "معتبر" ومعتد به "من النصوص في الكتاب والخبر" أي السنة، وقد تقدم ذكرها. "و" كما أن هذا الذم للدنيا قد جاء شرعا من وجهين فكذلك "المدح" لها فإنه أتى لها شرعا "من وجهين" - أيضا - كما تقدم ذكره، فمنهما "يستقبل" يعني يرد ويجيء، ويمكن أن يقرأ يستقبل مبنيا للمجهول أي يرفع ويحمل. أحد هذين الوجهين - بكسر الجيم - ورود هذا المدح "من حيث أن حالها" أي الدنيا "يدل" بما

стр. 1145

٢٨٧٤ - عَلَى وُجُودِ مُوجِدِ الْمَوْجُودِ … وَأَنَّهُ الْوَاحِدُ فِي الْوُجُودِ ٢٨٧٥ - ثُمَّ عَلَى الأخْرَى وَكَمْ دَلِيلِ … قَدْ جَاءَ فِي ذَاكَ مِنَ التَّنْزِيلِ ٢٨٧٦ - وَجِهَةِ الْمِنَّةِ وَالانْعَامِ … بِكُلّ مَا فِيهَا عَلَى الأَنَامِ ٢٨٧٧ - فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ امْتَنَّ عَلَا … عِبَادِهِ بِوَضْعِهَا تَفْضِيلَا ٢٨٧٨ - وَبَثَّ مَا فِيهَا لِأنْ تَعَرَّفَا … لَهُمْ بِمَا حُقُّ لَهُ تَلَطُّفَا ٢٨٧٩ - لِيَاخُذُوا جَمِيعَهُ بِحَقّهِ … وَذَلِكَ الشُّكْرُ لِمُسْتَحِقِّهِ ٢٨٨٠ - وَأَنَّ مَا أَعَدَّ حَيْثُ الْبُقْيَا … قَدْ مَنَّ بِالْبَعْضِ لَهُ فِي الدُّنْيَا هو عليه من دلالة وبرهان "على وجود" الله "موجد" أي خالق "الموجود" كيفما كان نوعه وجنسه "وأنه" سبحانه "الواحد في الوجود" لا إله إلا هو. "ثم" إنه يدل - أيضا - "على" الدار "الأخرى" وما أعد فيها من نعيم، وعذاب. "وكم" من "دليل" وبرهان "قط جاء في "إثبات وتقرير "ذاك" كله، وهو - أي هذا الدليل - "من" نصوص "التنزيل" والحديث النبوي الشريف؛ وقد تقدم إيراد ذلك كله وذكره فيما سبق. "و" الوجه الثاني ما جاء من "جهة المنة" الإلهية بهذه الدنيا "و" المنة بـ "الإنعام بكل ما فيها" من الخيرات "على" جميع "الأنام" والخلق "فإنه سبحانه امتن" - كما تقدم ذكره - "علا عباده" وخلقه "بوضعها" الدنيا وخيراتها وخلقها لهم "تفضيلا" منه - تعالى - عليهم، "و" كذلك بـ "بث" ونشر "ما فيها" من النعم وذلك "لـ" أجل "أن" يـ "تعرفا" - الألف للإطلاق - "لهم" إليهم "بما حق" وثبت "له" من الإنعام والإكرام لهم "تلطفا" أي أجرا للطفه عليهم، وتفضلا منه - تعالى - وذلك، "ليأخذوا جميعه" أي جميع هذا الذي أنعم به عليهم "بحقه وذلك" الحق هو سوق "الشكر" بالجوارح والجنان "لمستحقه" وهو الله "و" يزاد على هذا "أن ما أعد" وهيأ سبحانه لعباده في الدار الآخرة "حيث البقيا" والخلود وهو ثبوت وتقرر قيام البراهين على وجود البارئ ووحدانيته واتصافه بصفات الكمال، وعلى أن الآخرة حق "قد من بالبعض له" يعني منه "في الدنيا".

стр. 1146

٢٨٨١ - حَسْبَمَا يَبْدُوا مِنَ الآيَاتِ … وَمِنْ هُنَا طَلَبُ الالْتِفَاتِ ٢٨٨٢ - وَانْظُرْ إِلَى مَا جَاءَ فِي الأنْهَارِ … تَجِدْهُ مَبْثُوثًا بِهَاذِي الدَّارِ ٢٨٨٣ - وَإِنَّ فِي النَّحْلِ لَآيٍ شَاهِدَة … لَهُ عَلَى مَسَاقِ ذَاكَ وَارِدَهْ ٢٨٨٤ - إِذَنْ فَقَدْ بَدَا مِنَ الْوَصْفَيْنِ … كَوْنُهُمَا فِي شَأْنِهَا ضِدَّيْنِ ٢٨٨٥ - وَالشَّرْعُ مَأْمُونٌ مِنِ اخْتِلَافِ … مُبَرَّأٌ مِنْ حَالَةِ التَّنَافِي وذلك "حسبما يبدوا" ويظهر "من الآيات" الدالة على ذلك، وقد تقدم ذكرها. فالدنيا مرآة يرى فيها الحق في كل ما هو حق، وهذا لا تنفصل الدنيا فيه من الآخرة، بل هو في الدنيا لا يفنى، لأنها إذا كانت موضوعة لأمر وهو العمل الذي تعطيه، فذلك الأمر موجود فيها تحقيقه، وهو لا يفنى وإن فني منها ما يظهر للحس، وذلك المعنى ينتقل إلى الآخرة فتكون هنالك نعيما. فالحاصل أن ما بث فيها من النعم التي وضعت عنوانا عليه - كجعل اللفظ دليلا على المعنى - باق وإن فني العنوان (١). "ومن هنا" يعلم حصول "طلب" الشارع "الالتفات" إلى الدنيا، والميل إليها "وانظر إلى ما جاء في "وصف "الأنهار" في الجنة، وهو قوله - تعالى - كما تقدم ذكره -: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] الآية، "تجده" شيئا "مبثوثا" منشورا "بها ذي الدار" الدنيا وهذا معلوم "وإنـ" ـه وارد في الكتاب العزيز كما "في" سورة "النحل" فإن فيه "الآي" التي هي دالة على هذا و"شاهدة له" وهي "على مساق ذاك" الذي تقدم ذكره من نعيم الآخرة "واردة" وتلك الآية هي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥] إلى أن قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] إلى قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] وبناء على هذا كله "إذن فقد بدا" وظهر "من هذا الوصفين" المذكورين "كونهما" يعني كون مقتضيهما "في" أمر هذه الدنيا و"شأنهما ضدين" متعارضين مفادهما التناقض في الحكم عليها. "و" قد علم على قطع أن "الشرع" وكل ما يشتمل عليه من أحكام ومقتضيات "مأمون" معصوم لا "من اختلاف" بين أحكامه كما أنه "مبرأ من حمالة التنافي" والتعارض بين مضامينه

стр. 1147

٢٨٨٦ - فَلَزِمَ اعْتِبَارُنَا الأمْرَيْنِ … مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ بِحَالَتَيْنِ مُتَبَايِنَتَيْنِ ٢٨٨٧ - فَالذَّمُّ بِالْتِفَاتِهَا مُجَرَّدَهْ … مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مُقْتَضٍ لِمَحْمَدَهْ ٢٨٨٨ - غَيْرَ مُوَالَاةِ التَّمَتُّعَاتِ … لِرَاحَةِ النُّفُوسِ وَاللَّذَّاتِ ٢٨٨٩ - فَهْيَ لِذَا لَهْوٌ بِغَيْرِ حلِّ … وَبَاطِلٌ مُسْتَوْجِبٌ لِلْبُعْدِ ٢٨٩٠ - وَالْمَدْحُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَا بَدَا … مِنْ حَالِهَا دَاعٍ إِلَى سُبْلِ الهُدَى وما قرر فيه من أمر. وإذا تقرر هذا "فـ" قد "لزم" ووجب شرعا وعقلا "اعتبارنا" وتوجيهنا "الأمرين" ومقتضي الوصفين "من جهتين" مختلفتين "أو بحالتين متباينتين" يدفع بهما هذا التعارض المتوهم ويدرؤ بهما. وهذا أمر يتوصل إليه بأن يقال: إن للدنيا نظرين. أحدهما: أن ينظر لهما نظرا لا حكمة فيه ولا اعتبار بما وضعت له من كونها متعرفا للحق، ومستحقا لشكر الواضع، وهذا هو الوجه الكريه لها، "فالذم" لها إذن إنما يكون "بالتفاتها" يعني بالالتفات إليها وأخذها "مجردة" منزوعة "من كل وجه" نظري أو نفعي معتبر في معيار الشرع "مقتض" وموجب "لمحمدة" أو جزاء بخير فيها أو في الآخرة، بل من كان طائل "غير موالاة" ومناصرة الشهوات و"التمتعات" بها طلبا "لراحة النفوس و" رغبة في نيل "اللذات" البهيمية انتظاما في سلك البهائم، وبذلك "فهي" أي الدنيا "لذا" الأمر ومن هذه الجهة "لهو" ولعب "بغير حل" بلا جد "وباطل" كريه "مستوجب للبعد" لها، وعدم الالتفات إليه، كما أنها كذلك قشر بلا لب، لأن صاحب هذا النظر لم ينل منها إلا مأكولا أو مشروبا أو منكوحا من غير زائد، ثم يزول عن قريب، فلا يبقى منه شيء. فذلك كأضغاث الأحلام، فكل ما وصفته الشريعة فيها على هذا الوجه حق، وهو نظر الكفار الذين لم يبصروا منها إلا ما قال الله - تعالى - من أنها لعب ولهو وزينة وغير ذلك مما وصفها به، ولذلك صارت أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمئان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. وفي الآية الأخرى ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. هذا هو الاعتبار والنظر الذي إذا أجري على الدنيا ذمت. "و" أما "المدح" لها فإنه يكون "بـ" النظر الثاني لها وهو "اعتبار أن ما بدا" وظهر "من حالها" من الآيات والبراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - وربوبيته وألوهيته وما جرى مجرى ذلك هو أمر "داع" وهاد بلسان حاله "إلى سبل" وطرق "الهدا" والرشاد.

стр. 1148

٢٨٩١ - وَأَنَّهَا نُعْمَى عَلَى الْعِبَادِ … وَسَبَبُ النَّجَاةِ فِي الْمَعَادِ ٢٨٩٢ - وَمِنْ هُنَا تَوَارُدُ الأَخْبَارِ … بِأَنَّهَا حَقٌّ لِلاسْتِبْصَارِ ٢٨٩٣ - فَذَمُّهَا لَيْسَ عَلَى الإِطْلَاقِ … وَمَدْحُهَا لَيْسَ لِلاسْتِغْرَاقِ ٢٨٩٤ - وَأَخْذُهَا بِالاعْتِبَارِ الأوَّلِ … يُذَمُّ فَهْوَ رَغْبَةُ الْمُسْتَعْجِلِ " و" بذلك فإن العاقل إذا نظر إليها بهذا النظر أدرك "أنها نعمى" من رب العالمين "على العباد و" أن فيها يكتسب "سبب النجاة في المعاد" أي في الآخرة، فإذا أدرك ذلك انتدب إلى شكر هذه النعمة حسب قدرته وتهيئته، وصار ذلك القشر محشوا لبا، بل صار القشر نفسه لبا، لأن الجميع نعم طالبة للعبد أن ينالها، فيشكر الله بها، وعليها، والبراهين - كما هو معلوم - مشتمل على النتيجة بالقوة أو بالفعل، فلا دق ولاجل من هذه الوجوه إلا والعقل عاجز عن بلوغ أدنى ما فيه من الحكم والنعم، "ومن" هذا الذي تقرر "هنا" أتى طلب الالتفات إلى الدنيا متوسلا به إلى التحلي بهذه الحكمة، ووقع "توارد" وتتبع "الأخبار" - بفتح الهمزة وكسرها - من رب العالمين "بأنها" أي الدنيا أهل للاعتبار، و"حق للاستبصار" والاستهداء بها وبما فيها إلى إدراك الحق الذي هو قوامها. قال - تعالى -: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقال - سبحانه -: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]. وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩] وقال - سبحانه - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨] إلى غير ذلك. ولأجل هذا صارت أعمال أهل النظر معتبرة مثبتة. وإذا تقرر هذا "فذمها" أي الدنيا "ليس على الإطلاق" وإنما هو مقيد باعتبار تقدم من التجرد من النظر ذي الحكمة والاعتبار "و" كذلك "مدحها" فإنه - أيضا - "ليس" على وجه العموم "والاستغراق" بل هو مخصص بما إذا أخذت بحكمة واعتبار واستبصار، واتخذت مسرحا لذلك متوسلا بها إلى درك الحق التي تشهد به، وعليه. "و" بذلك كان "أخذها بالاعتبار الأول" المجرد من الحكمة "يذم" به أمرها وحالها، وهذا الأخذ في واقع الأمر هو المذموم "فهو" أخذ من لا يعقل، ولا بصيرة عنده وبذلك استحوذت عليه "رغبة المستعجل" المحب للعاجلة.

стр. 1149

٢٨٩٥ - وَتَرْكُهَا مِنْهُ هُوَ الزُّهْدُ الذِي … هُوَ لِمَنْ يَفْعَلُ أَسْنَى مَأْخَذِ ٢٨٩٦ - وَأَخْذُهَا بِالاعْتِبَارِ الثَّانِي … لَيْسَ بِمَذْمُومٍ مِنَ الإِنْسَانِ ٢٨٩٧ - وَلَا يُسَمَّى رَغْبَةً وَالزُّهْدُ … فِيهَا عَلَيْهِ لَيْسَ فِيهِ حَمْدُ ٢٨٩٨ - وَمِنْهُ كَانَ الأخْذُ لِلصَّحَابَهْ … لَهَا عَلَى التَّوْفِيقِ وَالإِصَابَهْ ٢٨٩٩ - إِذْ جَعَلُوهَا مَرْكَبًا لِلآخِرَهْ … وَحَالُهُمْ فِي الزُّهْدِ غَيْرُ قَاصِرَهْ ٢٩٠٠ - وَكَمْ لِهَذَا الْفَصْل مِنْ فَوَائِدِ … يَعُمُّ نَفْعُهَا لَدَى مَوَارِدِ " وتركها منه" أي من جهة هذا الاعتبار وعملا بمقتضاه "هو الزهد" فيها "الذي هو لمن يفعلـ "ـه ويأتيه "أسنى" وأعلى "مأخذ" لها بهذا الاعتبار. "و" أما "أخذها بالاعتبار الثاني" المتصف بالحكمة والاستهداء بها إلى الحق فإنه "ليس بمذموم" وقوعه وحصوله "من الإنسان ولا يسمى" أخذه لها من هذه الجهة وبهذا الاعتبار "رغبة" فيها "والزهد فيها" عملا بهذا الاعتبار وتأسيسا "عليه ليس فيه حمد" ولا مدح من جهة الشرع، بل هذا يسمى سفها وكسلا، وتبذيرا، ومن هنا وجب الحجر على صاحب هذه الحالة شرعا. "ومنه" أي من هذا الوجه - وبهذا الاعتبار - "كان الأخذ للصحابة لها" فكانوا في ذلك ماضين "على التوفيق" من الله - تعالى - لهم "و" على "الإصابة" للحق "إذ جعلوها مركبا" ومطية "للآخرة وحالهم في" شأن "الزهد" فيها حال "غير قاصرة" عن كل أي كان من المسلمين، فقد كانوا أورع الناس في كسبها، وأزهد الناس فيها، فربما سمع أخبارهم في طلبها من يتوهم أنهم طالبون لها من الجهة الأولى لجهله بهذا الاعتبار، وحاش لله من ذلك. إنما طلبوها من الجهة الثانية فصار طلبهم لها من جملة عباداتهم، كما أنهم تركوا طلبها من الجهة الأولى، فكان ذلك - أيضا - من جملة عبادات ﵃ وألحقنا بهم، وحشرنا معهم، ووفقنا لما وفقهم له بمنه وكرمه. وإذا علمت هذا أدركت وجه الصواب والحق في هذا الشأن. "وكم لـ" هذا الذي تقرر في "هذا الفصل من فوائد" علمية يستضاء بها في هذا الشأن، ويستهدى بمقتضاها فيه، وبذلك "يعم نفعها لدى" أي في "الموارد" أي موارد الأحكام

стр. 1150

٢٩٠١ - كَالْفصْلِ فِي مَسْأَلَةِ التَّفْضِيلِ … بَيْنَ الْغَنِي وَالْفَقِيرِ بِالتَّفْصِيلِ " النظر الثاني" في أحكام السؤال والجواب ٢٩٠٢ - وَذَاكَ مَنْسُوبٌ إِلَى عِلْمِ الْجَدَلْ … وَهْوَ عَلَى مَسَائِلٍ قَدِ اشْتَمَلْ المتعلقة بهذا الشأن وذلك "كالفصل" بين المختلفين "في مسألة التفضيل" في الدرجات "بين" الشخص "الغني و" الشخص "الفقير" والحكم في ذلك "بـ"ـمقتضى "التفصيل" الوارد في هذا الشأن في هذا الفصل، وهو أن الفقر ليس أفضل من الغنى بإطلاق، كما أن الغنى ليس أفضل بإطلاق، بل الأمر في ذلك يتفصل، فإن الغنى إذا مال إلى إيثار العاجلة كان بالنسبة إلى صاحبه مذموما، وكان الفقر أفضل منه، وإن مال إلى إيثار الآجلة بإنفاقه في وجهه والاستعانة به على التزود للمعاد فهو أفضل من الفقر. والله موفق بفضله. "فصل" واعلم أن أكثر أحكام هذا النظر مذكور في أثناء الكتاب؛ فلذلك اختصر القول فيه، وأيضا فإن ثم أحكاما أخر تتعلق به، قلما يذكرها الأصوليون، ولكنها بالنسبة إلى أصول هذا الكتاب كالفروع، فلم نتعرض لها؛ لأن المضطلع بها يدرك الحكم فيها بأيسر النظر والله المستعان. وإنما ذكر هنا ما هو كالضابط الحاصر، والأصل العتيد، لمن تشوف إلى ضوابط التعارض والترجيح (١). "النظر الثاني" المتعلق بلواحق الاجتهاد وهو النظر "في أحكام السؤال والجواب". "وذاك" الموضوع - السؤال والجواب - الذي نحن فيه الآن "منسوب إلى علم الجدل" باعتبار أنه طرف منه، وقد صنف الناس من المتقدمين والمتأخرين في هذا العلم، "و" الذي يتعلق ببيانه الغرض منه في هذا الكتاب "هو" موضوع "على مسائل" ست "قد اشتمل" وببيانها يتبين أمره، ويتضح حاله.

стр. 1151

" المسألة الأولى " ٢٩٠٣ - ثُمَّ الذِي يُلْقِى السُّؤَالَ مُجْتَهِدْ … أَوْ عَكْسُهُ إِمَّا لِمِثْلٍ أَوْ لِضِدْ ٢٩٠٤ - فَأُوَّلٌ يَكُونُ لِلتَّبَصُّرِ … وَرَفْعِ إِشْكَالٍ وَللتَّذَكُّرِ ٢٩٠٥ - وَالْقَصْدِ لِلتَّنْبِيهِ بِالإِفَادَهْ … يُورِدُهَا مَوْرِدَ الاسْتِفَادَهْ ٢٩٠٦ - وَقَصْدَ أَنْ يَنُوبُ عَمَّنْ قَدْ حَضَرْ … أَوْ غَيْرِ مَا قَدْ مَرَّ مِمَّا يُعْتَبَرْ ٢٩٠٧ - وَالثَّانِ لِلتَّنْبِيهِ بِالإِشْكَالِ … كَيْ مَا يَزولَ وَللاسْتِدْلَالِ " المسألة الأولى" منها: في أنه بعد ذكر أن لهذا النظر الثاني متعلقه السؤال والجواب، "ثم" ذكر أن هذا منسوب إلى علم الجدل، ينتقل إلى ذكر متضمن هذه المسألة وهو أن "الذي يلقى السؤال" إما عالم "مجتهد أو عكسه" وهو المقلد. وعلى كلا التقديرين "إما" أن يكون السؤال ملقى "لمثل" السائل من حيث كونه عالما "أو لضد"ـه وهو المقلد، فهذه أربعة أقسام: "فـ" أما الـ "أول" منها الذي هو سؤال العالم غيره في المشروع فإنه يقع و"يكون لـ" وجوه أحدها: "التبصر" ومعرفة حقيقة ما وقع السؤال عنه من أمر، وصورة وقوعه، وحصوله. "و" ثانيها "رفع إشكال" عن له، فيلقي السؤال ممهدا به لذلك، متوسلا به إليه. "و" ثالثها: أن يكون ذلك "للتذكر" لما خشي عليه النسيان. "و" رابعها: "القصد للتنبيه" للمسؤول على خطأ أتاه "بـ" طريق "الإفادة" والبيان. ولكنه "يوردها مورد الاستفادة" ويسوقها مساق الاستفسار والاستفهام وقد يكون ذلك صادرا منه "وقصد "ـه "أن ينوب عمن قد حضر" في المجلس الذي أورد فيه ذلك السؤال من المتعلمين "أو غير ما قد مر" ذكره وهو "مما يعتبر" سببا في ذلك كتحصيل ما عسى أن يكون فاته من العلم. "و" أما "الثان" وهو سؤال العالم للمتعلم فإنه يكون "للتنبيه بـ" يعني على "الإشكال" وبيان موضعه وذلك "كي ما" يرفع و"يزول" بالبيان المزيل له "و" قد يكون تنبيها "للاستدلال" يعنى على الاستدلال بما علم على ما لم يعلم بحيث يذكره بما تقرر عند من علم ثم يحيل نظره عليه في بناء الحكم المطلوب.

стр. 1152

٢٩٠٨ - وَلاخْتِبَارِ عَقْلِهِ فِي عِلْمِهِ … وَالاسْتِعَانَةِ بِفَضْلِ فَهْمِهِ ٢٩٠٩ - وَثَالِثٌ بِالْقَصْدِ لِلْمُذَاكَرَهْ … لِمُقْتَضَى تَفْهِيمِ مَنْ قَدْ ذَاكَرَهْ ٢٩١٠ - أَوِ التَّهَدِّي مَعَهُ لِلْفَهْمِ … أَوْ لِتَمَرُّن مَعًا فِي الْعِلْمِ ٢٩١١ - وَالْكُلُّ مِنْهَا لِلْجَوابِ مُسْتَحِقْ … مَعْ عِلْمِهِ أَوْ قَوْلُ لَا أَدْرِي يَحِقْ ٢٩١٢ - وَالرَّابِعُ الْحَالُ بِهِ تَفْصِيلِي … بِنِسْبَةِ السَّائِلِ وَالْمَسْؤُولِ ٢٩١٣ - فَيُلْزَمُ الْجَوَابُ فِيمَا يَعْلَمُ … عِنْدَ تَعَيُّنٍ لَهُ يَسْتَلْزِمُ ٢٩١٤ - فِي نَازِلٍ مُنْتَسِبٍ لِلشَّرْعِ … أَوْ مَا يَكُونُ فِيهِ نَصٌّ شَرْعِي " و" قد يكون - أيضا - "الاختبار عقله في علمه" وذكائه أي بلغ شأنه في قنص المعقولات وإدراك المضمرات من المعاني. "و" كذلك قد يكون "الاستعانة" بحسب إدراكه للمعرفة و"بفضل فهمه" إن كان له ذلك "و" أما القسم الذي هو "ثالث" وهو سؤال المتعلم لمثله فإنه قد يكون "بـ" سبب "القصد للمذاكرة" والمباحثة بين السائل والمسؤول سعيا "لـ" لاستفادة من "مقتضى" وثمار "تفهيم" وتعليم "من قد ذاكره" وناقشه في ذلك وقد يكون ذلك - أيضا - بسبب السعي إلى التوصل "أو التهدي" أي الاهتداء بالتدرج "معه" أي المسؤول "للفهم" والإدراك للمعنى المطلوب فهمه وإدراكه من كلام "أو لتمرن" وتدرب يحصل منهما "معا في" شأن كسب "العلم" والتصرف النظري فيه على صواب، وسداد قبل لقاء العالم. "و" هذه الأقسام "الكل" أي كل واحد "منها للجواب مستحق" - بكسر الحاء - لكن "مع علمه" أي ذلك الجواب، والإطلاع عليه، وفقد المانع العارض المعتبر شرعا في ذلك فإن تخلف شيء من هذا فالمصير إليه في ذلك هو السكوت "أو قول لا أدري" فإنه قول "يحق" ويجب في هذا المقام. "و" أما القسم "الرابع" - وهو سؤال المتعلم العالم، وهو يرجع: إلى طلب علم ما لم يعلم - فإنه "الحال" الذي عليه أمر الجواب فيه غير متحد بل هو "تفصيلي" وذلك "بنسبة" أي اعتبار أحوال "السائل والمسؤول". وبذلك "فـ" إنه "يلزم" المسؤول "الجواب فيما" سئل عنه إذا كان "يعلمـ "ـه وذلك "عند" حصول "تعين له" أي لذلك الجواب عليه بحيث يكون فرض عين عليه، وهذا أمر "يستلزم" ويستوجب عليه ذلك "في" كل أمر "نازل" بالناس واقع عليهم "منتسب" الحكم المطلوب فيه "للشرع" لا غير، "أو ما يكون فيه نص شرعي" هو الدليل،

стр. 1153

٢٩١٥ - بِنِسْبَةٍ لِسَائِلٍ لَا مُطْلَقَا … وَحَالُهُ لَا يَقْتَضِي تَعَمُّقَا ٢٩١٦ - وَأَنْ يَرَى مِمَّا عَلَيْهِ عَمَلُ … وَعَقَلُ سَائِلٍ لَهُ يَحْتَمِلُ ٢٩١٧ - وَلَيْسَ بِاللَّازِمِ فِي مَوَاضِعِ … كمِثْلِ مَا يَعْدَمُ نَصُّ الشَّارعِ ٢٩١٨ - فِي شَأَنْهِ أَوْ مُسْتَنِدٍ إِلَيْهِ … لَيْسَ لَهُ تَعَيُّنٌ عَلَيْهِ ٢٩١٩ - وَغَيْرُ جَائِزِ بِحَيْثُ يَقْتَضِى … تَعَمُّقَا أَو حَالَةَ الْمُعْتَرِض ٢٩٢٠ - أَوْ كانَ عَقْلُ سَائِلٍ لَا يَحْتَمِلْ … جَوَابَهُ وَقِسْ عَلَيْهِ وَاسْتَدِلْ وإن لم يكن أمرا نازلا، وهذا "بنسبة" أي اعتبار كون الـ "سائل" متعلما، "لا مطلقا" وكون شأن السؤال "وحاله لا يقتضي" ولا يستوجب "تعمقا" وتكلفا في حق السائل "وأن يرى" ويعتقد أنه "مما" يبنى "عليه عمل" شرعي "و" أن يكون الجواب مما "عقل" الذي "سائل" عنه "له يحتمل" ويطيق. وأشباه ذلك مما يعد من شروط هذا الأمر هذا حالما ما يلزم فيه الجواب في هذا القسم "وليس" الجواب "باللازم" للمسؤول في ما كان حاله على خلاف ما ذكر، وذلك يتجلى "في مواضع" معينة "كمثل ما" أي الموضع "يعدم" ويفقد "نص الشارع" دليلا "في شأنه" وحاله، وإنما معتمد الحكم فيه الاجتهاد فقط. "أو" كمثل ما هو من الأجوبة "مسند إليه" أي المسؤول ومطلوب منه ولكن "ليس له" أي لذلك الجواب "تعين عليه" أي على ذلك المسؤول، إذ يوجد غيره ممن يقوم بذلك من غير تقصير، أو قصور منه في ذلك. "و" قد يكون الجواب "غير جائز" أصلا، وذلك "بحيث" يوجب ذلك الجواب و"يقتضي تعمقا" في النظر والعمل لا حاجة إليه شرعا، "أو" يقتضى ويستوجب مسايرة "حالة" السائل "المعترض" الذي يكثر من السؤالات التي هي من جنس الأغاليط المتضمنة نوعا من الإعتراض "أو كان عقل" الـ "سائل لا" يطيق ولا "يحتمل جوابه" أي جواب ما سأل عنه لضعف في قوة إدراكه وفهمه. "و" هذا الذي ذكره من موانع الجواب "قس عليه" ما أشبهه من جهة تضمنه للمفسدة الراجحة على مصلحة الجواب "واستدل" بذلك على هذا المنع.

стр. 1154

" المسألة الثانية " ٢٩٢١ - وَكَثْرَةُ السُّوَالِ مِمَّا ذُمَّا … وَالنَّقْلُ فِيهِ مُسْتَفِيضٌ عَمَّا " المسألة الثانية" في أن كثرة الأسئلة مما يطلب اجتنابه ويحق. "و" بيان ذلك أن "كثرة السؤال" والمبالغة فيه "مما ذمّا" - الألف للإطلاق - ونهي عنه شرعا، "و" الدليل على ذلك "النقل" الوارد فيه، وهو "مستفيض" وكثير "عما" - الألف للإطلاق - وروده في الكتاب والسنة. ومن ذلك قوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]- وفي الحديث أنه ﷺ قرأ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآية. فقال رجل: يا رسول الله أكل عام فأعرض ثم قال يا رسول الله أكل عام ثلاثا وفي كل ذلك يعرض وقال في الرابعة والذي نفسي بيده لو قلتها لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ولو لم تقوموا بها لكفرتم فذروني ما تركتكم وفي مثل هذا نزلت ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الآية، وكره ﵊ المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وكان ﵊ يكره السؤال فيما لم ينزل فيه حكم وقال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها". وقال ابن عباس: "ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ﷺ ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ﷺ كلهن في القرآن ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم يعني أن هذا كان الغالب عليهم وفي الحديث إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم عليه فحرم عليهم من أجل مسألته وقال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم وقام يوما وهو يعرف في وجهه الغضب فذكر الساعة وذكر قبلها أمورا عظاما ثم قال من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا قال فأكثر الناس من البكاء حين سمعوا ذلك وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول سلوني فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال من أبي فقال

стр. 1155

٢٩٢٢ - وَانْظُرْ إِلَى قِصَّةِ أَهْلِ الْبَقَرَهْ … فَإِنَّهَا فِي شَأْنِهَا مُعْتَبَرَهْ ٢٩٢٣ - وَمُكْثِرٌ مِنَ السُّوَالِ يُزْجَرُ … وَإِنْ يَعُدْ فَمَا قَضَاهُ عُمَرُ ٢٩٢٤ - وَإِنَّ مِنْ أَشَدِّهِ مَا يَرْجِعُ … إِلَى الْمَسَائِلِ التِي لَا تَنْفَعُ ٢٩٢٥ - أَوْ لِلأغَالِيطِ التِي لَا تُعْتَبَرْ … وَكَمْ أَتَى فِي النَّهْيِ عَنْهَا مِنْ أَثَرْ أبوك حذافة فلما أكثر أن يقول سلوني برك عمر بن الخطاب على ركبتيه فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبينا قال فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك وقال: أولا والذي نفسي بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر، وظاهر هذا المساق يقتضي أنه إنما قال سلوني في معرض الغضب، تنكيلا بهم في السؤال حتى يروا عاقبة ذلك ولأجل ذلك ورد في الآية قوله ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] (١). "وانظر" كذلك "إلى قصة" بني إسرائيل "أهل البقرة فإنها في شأنها" ومضمونها "معتبرة" في هذا الأمر، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: لو ذبحوا بقرة لأجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم حتى ذبحوها وما كادوا يفعلون. وقال الربيع بن خيثم: يا عبد الله، ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد الله وما استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه ولا تتكلف فإن الله يقول لنبيه ﵊ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]. "و" كل من هو "مكثر من السؤال" يردع و"يزجر" عن ذلك "وإن يعد" إلى ذلك ولم ينكف عنه "فـ" حكمه هو "ما قضاه" وحكم به "عمر" بن الخطاب ﵁ في ذلك وهو الضرب كما في قصته مع صبيع هذا "وإن من أشده" من جهة ذم الشرع له ونهيه عنه "ما يرجع إلى المسائل التي لا تنفع" في واقع الأمر وإنما يؤتى بها على سبيل الافتراض والاحتمالات الذهنية، "أو ما يرجع للأغاليط" - جمع أغلوطة وهي ما ركب ووضع لإيقاع الناس في الغلط بها على وجه ما وهي بمقتضى ما بني عليه العلم الشرعي "التي لا تعتبر" ولا يعتد بها لأنها ليست من قبيل العلم النافع الذي يطلب للعمل، "وكم أتى" وورد عن الشارع "في" شأن "النهي عنها من أثر" وخبر، فقد روي عن ابن عمر أنه

стр. 1156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال: لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر يلعن من سأل عما لم يكن، وفي الحديث أنه ﵊ نهى عن الأغلوطات، فسره الأوزاعي فقال: يعنى صعاب المسائل وذكرت المسائل عند معاوية فقال أما تعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن عضل المسائل، وعن عبدة بن أبي لبابة قال وددت أن حظي من أهل هذا الزمان أن لا أسألهم عن شيء ولا يسألوني يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثرون أهل الدراهم بالدراهم وورد في الحديث إياكم وكثرة السؤال وسئل مالك عن حديث نهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال قال أما كثرة السؤال فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل فقد كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها وقال الله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فلا أدري أهو هذا أم السؤال في الاستعطاء. وعن عمر بن الخطاب أنه قال على المنبر أحرج بالله على كل امرئ سأل عن شيء لم يكن فإن الله بين ما هو كائن وقال ابن وهب قال لي مالك وهو ينكر كثرة الجواب للمسائل يا عبد الله ما علمته فقل به ودل عليه وما لم تعلم فاسكت عنه وإياك أن تتقلد للناس قلادة سوء وقال الأوزاعي إذا أراد الله أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه الأغاليط وعن الحسن قال إن شرار عباد الله الذين يجيئون بشرار المسائل يعنتون بها عباد الله وقال الشعبي والله لقد بغض هؤلاء القوم إلي المسجد حتى لهو أبغض إلي من كناسة داري قلت من هم يا أبا عمر قال الأرأيتيون وقال ما كلمة أبغض إلي من أرأيت وقال أيضا لداود ألا احفظ عني ثلاثا إذا سئلت عن مسألة فأجبت فيها فلا تتبع مسألتك أرأيت فإن الله قال في كتابه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] حتى فرغ من الآية والثانية إذا سئلت عن مسألة فلا تقس شيئا بشيء فربما حرمت حلالا أو حللت حراما والثالثة إذا سئلت عما لا تعلم فقل لا أعلم وأنا شريكك وقال يحيى بن أيوب بلغني أن أهل العلم كانوا يقولون إذا أراد الله أن لا يعلم عبده أشغله بالأغاليط والآثار كثيرة. والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية مذموم وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ قد وعظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه وكانوا يحبون أن يجئ الأعراب فيسألون حتى يسمعوا كلامه ويحفظوا منه العلم ألا ترى ما

стр. 1157

٢٩٢٦ - وَمِنْهُ غَيْرُ نَافِعٍ فِي الدِّينِ … كَقِصَّةِ الْهِلَالِ بِالتَّعْيِينِ في الصحيح عن أنس قال نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع ولقد أمسكوا عن السؤال حتى جاء جبريل فجلس إلى النبي ﷺ فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأمارتها ثم أخبرهم ﵊ أنه جبريل وقال أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا وهكذا كان مالك بن أنس لا يقدم عليه في السؤال كثيرا وكان أصحابه يهابون ذلك قال أسد بن الفرات وقد قدم علي مالك وكان ابن القاسم وغيره من أصحابه يجعلونني أسأله عن المسألة فإذا أجاب يقولون قل له فإن كان كذا فأقول له فضاق علي يوما فقال لي هذه سليسلة بنت سليسلة إن أردت هذا فعليك بالعراق وإنما كان مالك يكره فقه العراقيين وأحوالهم لا يغالهم في المسائل وكثرة تفريعهم في الرأي وقد جاء عن عائشة أن امرأة سألتها عن قضاء الحائض الصوم دون الصلاة فقالت لها أحرورية أنت إنكارا عليها السؤال عن مثل هذا وقضى النبي ﷺ في الجنين بغرة فقال الذي قضى عليه كيف أغرم ما لا شرب ولا أكل ولا شهق ولا استهل ومثل ذلك بطل فقال ﵊ إنما هذا من إخوان الكهان وقال ربيعة لسعيد في مسألة عقل الأصابع حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها فقال سعيد أعراقي أنت فقلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم فقال هي السنة يا ابن أخي وهذا كاف في كراهية كثرة السؤال في الجملة (١). فصل: في بيان أن لكراهية السؤال مواضع نذكر بعضا من ذلك وهو عشرة مواضع. "ومنه" السؤال الذي هو "غير نافع في الدين" بحيث لا يثمر علما نافعا، ولا عملا مطلوبا شرعا، وذلك "كـ" السؤال الوارد في "قصة الهلال" وهو أنه ﵊ سئل ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط، ثم لا يزال ينمو حتى يصير بدرا، ثم ينقص إلى أن يصير كما كان هذا ما سألوا عنه "بالتعيين" وبالذات، فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] الآية فأجيبوا بما ينفعهم، وما يفهمون وترك الجواب عما سئل عنه بالذات والتعيين لأنه غير نافع لهم.

стр. 1158

٢٩٢٧ - وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ لَهُ فِي الْوَقْتِ … وَمَا لَهُ تَعَمُّقٌ ذُو مَقْتِ ٢٩٢٨ - وَمَا يُرَى مِنْ بَعْدِ عِلْمِ مَا كَفَا … أَوْ مَا لَهُ تَشَابُهٌ قَدْ عُرِفَا ٢٩٢٩ - وَمَا يُرَى صَعْبًا مِنَ الْمَسَائِلِ … وَهْيَ شِرَارُهَا بِقَصْدِ السَّائِلِ " و" منه السؤال الذي هو "غير محتاج إليه في الوقت" الذي أورد فيه. قال الشاطبي: "وكان هذا - والله أعلم - خاصا بما لم ينزل فيه حكم وعليه يدل قوله: "ذروني ما تركتكم" وقوله: "وسكت عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها" (١). "و"منه السؤال عن "ما له تعمق" نظري لا حاجة إليه شرعا، وهذا الضرب من الأسئلة أمر "ذو مقت" يمقته الله - تعالى - ويبغضه ولا يرضاه لعباده ذلك ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦] ولما سأل الرجل يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع قال عمر بن الخطاب يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا. "و" منه السؤال الحاصل الذي "ما يرى" أي يوجد "من بعد" معرفة و"علم ما" قد "كفا" من العلم والمعرفة في شأن ما، وذلك كمثل سؤال الرجل عن الحج هل يجب فعله في كل عام؟ مع أن قوله - تعالى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قاض بظاهره أنه للأبد، لإطلاقه، ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله - تعالى -: ﴿اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. ومنه سؤال عما يخفى مراده عن مدارك الخلق "أو ماله تشابه قد عرفا" - الألف للإطلاق - وعلم وعلى ذلك يدل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ﴾ [آل عمران: ٧] الآية وعن عمر بن عبد العزيز من جعل دينه عرضا للخصومات أسرع التنقل ومن ذلك سؤال من سأل مالكا عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة. "و" منه "ما يرى" أي يقع سؤالا عما يعد "صعبا من المسائل، وهي شرارها" ويكون ذلك منتقى "بقصد السائل" وعزم منه عليه، وهذا منهي

стр. 1159

٢٩٣٠ - وَكُلُّ مَا شَجَرَ بَيْنَ السَّلَفِ … فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِالإِمْسَاكِ حَفِي ٢٩٣١ - وَكُلُّ مَا يُقْصَدُ لِلإِفْحَامِ … أَوْ طَلَبِ الظُّهُورِ فِي الْخِصَامِ ٢٩٣٢ - وَعِلَّةُ الْحُكْمِ الذِي لَا يُعْقَلُ … مَعْنَاهُ لِلْقَاصِرِ عَنْهُ يَسْأَلُ ٢٩٣٣ - وَمَا يُرَى الرَّأْيُ بِهِ قَدْ نَابَا … مُعَارِضًا سُنَّةً أَوْكِتَابَا كما في النهي عن الأغلوطات السؤال عن "وكل ما شجر" أي وقع من الاختلاف "بين السلف" الصالح حتى تشاجروا "فإنه أمر" حري "بالإمساك" عن الخوض فيه "حفي" أي جدير وحقيق فقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين فقال تلك دماء كف الله عنها يدي فلا أحب أن يلطخ بها لساني. "و" منه السؤال عن "كل ما يقصد" ويراد "للإفحام" والإسكات للخصم "أو طلب للظهور" والانتصار "في الخصام" والنزاع فقط، ففي القرآن في ذم نحو هذا قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤]. وقوله - سبحانه -: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٨]. وفي الحديث "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم". "و" منه السؤال "عن علة الحكم الذي لا يعقل معناه" وعلته كالأمور التعبدية وكذلك الأمر بالنسبة للعاجز عن إدراك معنى الحكم و "للقاصر عنه" إذا كان "يسأل" عنه، وإن لم يكن مجهول المعنى. كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة. "و" منه السؤال عن كل "ما يرى" أي يوجد "الرأي به" أي فيه "قد نابا" - بالنون - أي نزل ووقع "معارضا سنة" نبوية ثابتة "أو كتابا" أي نصا منه. فقد قيل لمالك بن أنس الرجل يكون عالما بالسنة فإن قبلت منه، وإلا سكت. هذه الجملة من المواضع التي يكره السؤال فيها يقاس عليها ما سواها وليس النهي فيها واحدا بل فيها ما تشتد كراهيته ومنها ما يخف ومنها ما يحرم ومنها ما يكون محل اجتهاد وعلى جملة منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما جاء إن المراء في القرآن كفر وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] الآية وأشباه ذلك من الآيات أو الأحاديث فالسؤال في مثل ذلك منهي عنه والجواب بحسبه" (١).

стр. 1160

" المسألة الثالثة " ٢٩٣٤ - الْكُبَرَاءُ تَرْكُ الاعْتِرَاضِ … عَلَيْهِمُ يُحْمَدُ فِي الأغْرَاضِ ٢٩٣٥ - كَانَ الذِي يَصْدُرُ عَنْهُمْ يُفْهَمُ … مَعْنَاهُ أَوْ يَكُونُ لَيْسَ يُعْلَمُ ٢٩٣٦ - دَلِيلُهُ قِصَّةُ مُوسَى وَالْخَضِرْ … وَغَيْرِهَا مِمَّا بِذَا الْمَعْنَى اعْتُبِرْ " المسألة الثالثة" في أن "الكبراء" من أهل العلم والنظر "ترك الاعتراض عليهم" مسلك ممدوح وأمر "يحمد في" الذي يحمد من "الأغراض" والمقاصد والأهداف، لأنه دال على حسن الخلق وجمال الطبع وحسن الإدراك، سواء "كان الذي يصدر عنهم" من أمر مما "يفهم معناه" ويدرك المراد به "أو يكون" يعني أو كان مما "ليس يعلم" معناه على ما قاله الشاطبي. وهذا "دليله" أمور: أحدها ما ورد في "قصة موسى والخضر" ﵉ وما اشترطه عليه من أن لا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكرا، فكان ما قصه الله - تعالى - من قوله - تعالى -: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] وقول محمد ﷺ : "يرحم الله موسى لو صبر حتى يقص علينا من أخبارهما" وموسى وإن كان تكلم بلسان العلم، فإن الخروج عن الشرط يوجب الخروج عن المشروط "وغيرها" أي هذه القصة "مما" قد "بدا" وظهر بذا "المعنى" ودل عليه، فاعتد به و"اعتبر" مقتضاه في هذا الشأن فقد روي في الأخبار أن الملائكة لما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] رد الله عليهم بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] وأرسل عليهم نارا فأحرقتهم وجاء في أشد من هذا اعتراض إبليس بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] فهو الذي كتب له به الشقاء إلى يوم الدين لاعتراضه على الحكيم الخبير وهو دليل في مسألتنا وقصة أصحاب البقرة من هذا القبيل أيضا حين تعنتوا في السؤال فشدد الله عليهم والثاني ما جاء في الأخبار كحديث تعالوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده فاعترض في ذلك بعض الصحابة حتى أمرهم ﵊ بالخروج ولم يكتب لهم شيئا وقصة أم إسماعيل حين نبع لها ماء زمزم فحوضته ومنعت الماء من السيلان فقال ﵊: لو تركت لكانت زمزم عينا معينا
следующие страницы →