← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 837

شرح «نيل المنى» في نظم «الموافقات للشاطبي»

مولود السريري

Полный текст (1 178 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح نيل المنى في نظم الموافقات للشاطبي للعلامة القاضي أبي بكر محمد ابن عاصم الغرناطي (٧٦٠ هـ - ٨٢٩ هـ) تأليف أبي الطيب مولود السريري

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ خطبة الشارح الحمد لله رافع الأقدار بالأقدار، ومنيل المرجو من الحاجات والأوطار، والموفق لموافق الخير من الأبرار، والمضل لمن ضل من ذوي الأوزار والأشرار، منزل الشرائع ذات الحكم والأسرار، فقرت بها وحقت مصالح الخلق على مدى الأزمان، والأعصار، باعث الرسل مصادر الأنوار، وأئمة الهدى القادة الأخيار، الذين ختموا بمن نظمت رسالته الأوطان والأقطار، في سلك الهداية وإزالة الغشاوة عن البصائر والأبصار، محمد بن عبد الله ﷺ ما قرت عين المتهجد بنفحات الأسحار، وتعطرت مجالس الفضلاء بطيب المذاكرة والأذكار، وعلى آله من أذهب عنهم الرجس فكانوا من الطيبين والأطهار، وعلى آله المجاهدين من المهاجرين والأنصار، ومن لحق بجمعهم فنشط من عقال جحد الحق والإنكار، وانضم إلى أمة هذا النبي المختار. أما بعد: فإن العلوم إذا قرنت بخشية مالك الملك رب الأرباب أردية أولى الألباب، وحلية أهل الفضل والمراتب العلى بلا ارتياب، إذ يجزى عنها بدرك حسن المئاب، والإنجاد من العذاب والتباب، ورفع القدر يوم الحساب، ودرك الجزاء والفضل والثواب، وغير ذلك من المنح والعطايا التي نص عليها في السنة والكتاب. وبذلك انكب أولو الأيدي والأبصار، وذوو النهى والأنظار على طلبها بالدرس والمدارسة آناء الليل وأطراف النهار، وعكفوا على قنص فوائدها

стр. 3

ومسائلها من الدواوين والأسفار، آخذين لها مهذبة مصححة من أفواه الراسخين في العلم مستنيرين بالقواعد العلمية في مجاري النظر والاعتبار، معملين لها بمهارات واقتدار، حتى قامت بهم الملكات العلمية قيام النار بالمرخ والعفار والماء بالأنوار والأزهار، فسالت أودية أذهانهم بالعلوم الغزيرة وأثمار الأنظار، ودقائق المعاني بلا حد ولا انحصار، ثم أودعت في بطون الصحائف والزبر مرشدة إلى الهدى والإبصار، تمنح من أتاها بلا من ولا إقتار، ورغبة مني - وأنا العبد الفقير، الذي لا يعد في ميدان العلوم من العير ولا من النفير - في خدمة ما تيسرت خدمته من نتاج وغلات هؤلاء العلماء، وفي الانتساب إلى السير على سبيلهم بوجه ما، سعيت إلى أن أضع شرحا على منظومة العلامة الشيخ القاضي محمد بن محمد أبي بكر القيسي الغرناطي، التي سماها "نيل المنى في نظم الموافقات" للإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى - وهو هذا الشرح الذي أمامك أيها القارئ الكريم، دعاني إليه ما ذكرت والطمع في نيل أجر ناشر العلم، ثم ما بدا إلي من أن منفعة ما تحصل لطلبة العلم الشرعي بذلك، ومن أن هذا الأمر قد يكون فيه حفظ ونشر لها للاستفادة منها على وجه أتم، وأحسن. وأما النهج المسلوك في هذا الشرح فإنه يرد ذكره - بإيجاز - في المقدمة الموالية -: مقدمة الشرح. أسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى أن يجعل هذا العمل عملا متقبلا عنده بقبول حسن، وسعيا مدخرا تقر به العين يوم الدين.

стр. 4

المقدمة من المقطوع به أنّ منتهى الطلب والغاية المعرفية من دراسة العلوم الشرعية وما به يقتدح زند العقل وتتسع به مدارك الأنظار وتظهر به جميع جهات المنظور فيه على تمام، وما به تتصور ماهيته كما هي في واقع الأمر، وتنكشف به الأغراض من الكلام وتظهر به، هو تحصيل النظر الفقهي المستتم في المنظور فيه، حكما كان، أو دليلا، أو محكوما عليه، أو محكوما فيه، أو علة حكم، أو حكمة، أو مقصدا شرعيا، وإدراك الحكم الصحيح على ثلَج صدْرٍ وطمأنينة نفس. وأنت خبير بأن ما يصيب النظر من الآفات ويجره إلى التعسفات كثير، قد انتشر منه تقصير الأنظار على جهات في موطن النظر، والانكفاف عن اعتبار ما سواها وإن كانت جديرة بالاعتبار، وسحب مقتضى السبر عليها بل وإن كانت أقوى وأرجح ما اعتبر واعتد به، وذلك قد يكون عن جهل أو قلة اطلاع، وقصور في الإدراك، وقد يكون عن هوى ورعونات في الأنفس، وغلبة الشهوات وهذا أدهى وأمرّ. وكل ذلك لا يذهب غِشاوتَه ثم يمتد إلى إزالة الأود في طريقة النظر وبناء الأحكام إلا تهذيب النفوس وترويضها بإرغامها على العمل بمقتضى القواعد العلمية والقيم السامية التي بها جَوْحُ الصوارف عن استداد عمل الأذهان واستقامته، وتزكية البواطن من أدرانها. وقيام هذا الهذب بالنفوس يبديه حصول ملكة التصرف في هذه العلوم في النفس وصيرورتها قائد النظر وحركة الذهن، وما به الترقي إلى درك التصور الصحيح، والحكم الصائب. وأي امرئ يكون ذهنه خِلْوًا من هذا فإنه لا يثمر إلا حشفا ودقلا من الأفكار والآراء لا مبالاة بها عند أهل التحقيق، والعقول الراجحة القوية الإدراك. وإذا تقرر هذا لديك، أدركت أنه لا مناص في سبيل درك تلك الغاية من الارتواء من هذه العلوم وتلقيها باستيعاب وتمام تحصيل. والطريق الأحب إلى ذلك هو ليُّ الركب والانكباب على دراسة ما انطوت

стр. 5

عليه بطون الأسفار من أثمار أنظار أولي النهى، ومن قواعد وضوابط وقيم يهتدى بها إلى استخراج مضامين مآخذ الأحكام، ومكنونات الأدلة، وتتقوم بها الأنظار وتستقيم بها على المنهج المسترشد فيه بمعالم وأعلام ثابتة بالبراهين الشرعية والعقلية والعادية التي تزول الراسيات ولا تزول هي، كما تحرر بها الأذهان من ضيق الإدراك وقصر النظر وغلبة المزاج وقهر العوائد الصارفة عن الاعتبار التام الواسع الشامل لكل ما تقتضي العقول الراجحة وواقع الحال جريان حكم الاحتمال المعتبر عليه. ومن عيون هذه الأسفار "كتاب الموافقات " للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، وهو كتاب جليل القدر عالي المستوى، قد أثنى عليه جمع من أهل الفضل والعلم، وحلوه بما هو به جدير من أوصاف الشرافة وعظم القدر، وحسن النظم وجمال السبك، وكثرة غلل الأنظار، والجمع بين اعتبار اللفظ الشرعي والمقاصد الشرعية والأسرار، وغير ذلك مما قام به من أوصاف وأحوال، ذكرها من تقدموا، فلا حاجة إلى اجترار ذكرها في هذا المقال. غير أنه يجب أن نسوق للإفادة ما به يتصور حال هذا الكتاب في الأذهان من ملامح ومميّزات قامت به في بنائه وفيما يصوغ عليه نفوس من ارتووا منه عقولهم من صورة في شأن فهم وضع الشريعة، وفي بناء أحكامها وما يتعلق بذلك. والقول الجملى في ذلك إن هذا الكتاب متضمنه: التنبيه على وجوب الاعتناء بأمور وقعت الغفلة عنها، والتغيير لمفاهيم يجب أن تتغير، والإضاءة لمسالك فقهية معتبرة ينبغي أن تسلك. والأخذ بأمور تربي على ضبط النظر والفهم، وأمور تحمي من سلطان رعونات النفوس وقهر أمزجتها. هذه أهم ملامح هذا الكتاب بإيجاز وإجمال وَمن تشوّف إلى التفصيل فإن له ملامح تفصيلية متعدّدة: أحدها: إبرازه لكون دليل العناية جاريا في الأحكام الشرعية وبنية الشريعة فهو قائم بها. فالعناية الإلهية تخالل وضع الشريعة وتركيبها وما هي عليها من حال. وَهذا مدرك بأدنى تأمل في كونها موضوعة على صورة روعيت فيها أحوال

стр. 6

الخلق كلها بحيث وضع لكل حال منها السبيل الموافق له إصلاحا، وتعبدا، كما اعتبر فيها وضع السبيل الذي بسلوكه يجمع بين الأخذ بالحظوظ النفسية المباحة، والإتيان بالواجبات الشرعية، بحيث يعطى لكل ذي حق حقه من غير إفراط ولا تفريط. وهذا يوخذ منه أمران: أ - أن دليل العناية كما هو قائم بالخلق، فإنه - كذلك - قائم بهذه الشريعة، فكلاهما قام به برهان عقلي يقضي بأن هذا كله تقدير العزيز العليم. ب - أن هذه الشريعة مبنية على وفق طبيعة الخلق الظاهرة والباطنية، ولعل هذا من الأسرار الموجبات لخلود هذا الدين، وانتشاره، وجريان حلاوة شعائره وشرائعه في النفوس. ثانيها: ضبط معاني ومفاهيم الألفاظ التي تتعلق بها أحكام شرعية وحد ماهياتها، ويسلك في ذلك مسلك الذكر لكل معنى يستعمل فيه اللفظ الذي قصد إلى ضبط مفهومه الشرعي، باسطا في ذلك الكلام على وفق ما يقتضيه المقام وعلى قدر ما يتضح به المراد، ثم بعد ذلك يذكر ما به الحكم الشرعي من المعاني قاصدا إلغاء اعتبارها في هذا الشأن - تعلق الحكم الشرعي - والى إبقاء المعنى الذي يتعلق به الحكم الشرعي مبينا ذلك بالحجة والبرهان، على طريقة السبر والتقسيم المعروفة. وهذا ما جرى عليه - رحمه الله تعالى - في لفظ "المشقة" و"الصحة" و"البطلان" و"الرخصة" و"المصلحة" و"المفسدة" وما ماثل ذلك من الألفاظ من جهة تعلق الأحكام الشرعية بها. وما أتى به - رحمه الله تعالى - في هذا الشأن يزول به الغبش على البصيرة فيه، وتنفصل به المعاني بعضها عن بعض، كما يظهر التباين والاختلاف بين أحكامها على ثلج صدر، وصفاء نظر، وبذلك يعلم موطن الحكم الشرعي في ذلك مما سواه بينا واضحا. وأنت خبير بأن ما يوقع في الحيرة والخطأ هو الجهل بمفاهيم ومعاني الألفاظ الشرعية التي تدل على معان وصفية تتعلق بها الأحكام الشرعية.

стр. 7

فالمشقة - مثلا - تطلق على صفات متعددة متفاوتة متنوعة، والرخصة لا تتعلق إلا بتوع معين منها وهو الحرج المرفوع - فمن جهله فإما أن يقول بالرخصة في غير محلها الشرعي، وإما أن ينكر جريانها في موضع هي مشروعة فيه، وهذا الحال يسري على جميع ما تتعلق به الأحكام الشرعية من الألفاظ من هذا النوع، ومن أخطوها وأهمها "المصلحة" و"المفسدة"، فضبط معنى هذين اللفظين ينير الطريق في شأن بناء الأحكام على المقاصد، فكان الضبط لها من الأمور المنيرة لسبيل التفقه في هذا الدين العظيم. ثالثها: توسيع البحث والنظر ومده إلى جميع جهات وأحوال الموضوع المبحوث والمنظور فيه على استقصاء وتمام تفصيل، وكل ذلك قد نظم في سلك منهجي يقتضيه واقع حال ذلك الموضوع. وقد اعتمد سبيل التوسيع هذا في كل موضوع درسه في هذا الكتاب، ويظهر ذلك باهرا لفرط تشعبه في مواضع معينة كالأحكام، والأسباب، والشروط، والألفاظ التي تتعلق بها أحكام شرعية ومعنى الاجتهاد الذي جعله أنواعا، فوسعه بذلك. والأحلى والأجمل من ذلك أنه - أي الشاطبي - رحمه الله تعالى - يذكر الثمرات الفقهية والشرعية التي تؤخذ من كل جهة درست من تلك الجهات، ثم أنه يمد نظره وبحثه إلى ما يكون من أثمار الأنظار في ذلك مستشكلا، ثم يذكر وجه الاستشكال في ذلك وموجبه، ثم الوجوه النظرية والأدلة التي يكون بها تخريج الحكم في ذلك على سبيل ووجه ينفصل به عن ذلك الإشكال. وهذا كله من الثمرات المعرفية المجتناة من الاطلاع على ما سطره - رحمه الله تعالى - في هذا الموضوع. رابعها: التنبيه والاستحثاث على وجوب اعتبار واستحضار أحوال القلوب ومقاصدها في مجاري بناء الأحكام الفقهية، وذلك لأن القلب تجري على أفعاله الأحكام الشرعية كما تجري على سائر الجوارح، ثم أنه بما قام به من حال وقت كسب العمل بالجوارح يعرف حكم ذلك العمل ومنزلته. وقد بسط الشاطبي - رحمه الله تعالى - القول في هذا الشأن، فما فتئ ذاكرًا له في كل موضع يتأتى له فيه ذكره، كما بين على تفصيل.

стр. 8

إنّ موافقة قصد المكلف للقصد الشرعي من شرعية الحكم في العمل هو ما به يصح ذلك العمل شرعا، ويكون به التقرب لله رب العالمين، وإن مخالفة قصد المكلف للقصد الشرعي عينا في ذلك مثمر للفساد والإثم. وإن ما يكون مخالفا على وجه ليس فيه المخالفة العينية هو محل خلاف ونظر فقهي، فالمدار في الحكم فيه على الترجيح، وبهذا تعرف أحوال القصد المصاحب للعمل وأحكامه، ولا يخرج قصد عن هذه الأقسام. وهذا إدراكه يثمر في النفس أمورا منها: أ - وجوب طلب العلم بالقصد الشرعي على المكلف في كل عمل عزم على إتيانه، حتى يعلم ما يأتي وما يذر من المقاصد التي تعرض في النفس وتقوم بها. ب - وجوب إلزام النفس بالموافقة للشرع في ذلك وترويضها عليه. ج - كسب التبصر بأحكام القصود، وأحوالها والعلم بما يكون الحكم فيه منها معلوما قطعا، وما يكون فيه منها محل اجتهاد ونظر. د - استفراغ الجهد في ربط القصد الشرعي بقصد المكلف في العمل، والنظر، وجعل ذلك أمرا لا ينفك عن البال في بناء الأحكام والعمل. والمتأمل لكلام الشاطبي في هذا الكتاب، يجد هذا الأمر من أهم ما يسعى إلى نقل العقول إلى اعتباره والاعتناء بأمره. خامسها: ضبط سبيل النظر في النصوص الشرعية وأخذ الأحكام منها وذلك بالالتزام والتقيد بحدود اللسان العربي، والانكفاف عن تخطي ذلك. وهذا أمر قد احتج عليه بما يراه من الأدلة والحجج مثبتا له، غير أن هذا مشعر بتأثر الشاطبي بالظاهرية في هذا الشأن إذ يلمح في سبيله في هذا الموضوع ضرب من الحَجْر على النظر واتصاف بالجمود. لكن هذا الحكم الذي يسبق إلى الأذهان في أول النظر إلى هذا الموضوع يزيله ما جرى عليه من البحث عن أسرار الشريعة وعللها ثم ما جرى عليه من منهج في اختياره لهذا الرأي، فإنه ما أتاه إلا عن اطلاع عن الأدلة التي يعتمد

стр. 9

عليها في ذلك ونظر تام في قوتها الحجية، ثم لما بدا له أن نظره ما قضى إلا بذلك ذكره. وقد يكون غرضه من ذلك الذي يظهر أنه جمود وحجر على الأنظار هو صد أصحاب الأهواء والضلالة الداعين إلى تخطي ظواهر الألفاظ والأخذ بما يسمونه ببواطنها وأسرارها الخفية التي تدرك بالإشارات التي لا يفهمها إلا ذوو العلم "اللدني" والإلهام. وهذا أمر محمود، فإن درء المفسدين عن حياض الإسلام وحرمه أمر واجب شرعا. فالباطنية شرهم عظيم، ومكرهم خبيث وهم ما فتئوا في كل زمان ومكان يكيدون لهذا الدين. وهذا الضبط يثمر في النفس لمن عنّ له أنه الصواب إدراك المنهج الموصل إلى أخذ الأحكام من أدلتها على الوجه الصحيح. سادسها: كشف المعتبرات والمستندات الفقهية لآراء فقهية وتصرفات وأعمال عدت خارجة عن القواعد التي يقتضى حالها جريان حكمها عليها، وعن الأدلة الشرعية الشاملة أحكامها لها. وهذا متجل في مواطن: أحدها: التوجيهات الفقهية التي يوردها بيانا وحججا على صحة تصرفات وأحوال من يسميهم بأرباب الأحوال - الصوفية -. وقد بني نظره في هذه الجزئية على أمر اختلاف أحوال النفوس، وخصائص البواطن التي يترتب عليها اختلاف القوة والضعف في إتيان الأعمال، وفي السبل المختار سلوكها في التعبد، فالمسوقون بالخوف أو المحبة أو ما يسهل عليهم مشقة العبادة من رجاء وطمع في نيل درجات التقرب لرب العالمين ومقامات الأبرار يسلكون السبيل الذي يوافق أحوالهم، فذهابهم إلى المشقة واختيار العزائم في مواطن الرخصة المباحة لا يضير أمره، بل هو فعل محمود لأنه لا تترتب عليه أي مفسدة شرعية. وأما من ليس مثلهم في ذلك وإنما يأتي العبادة امتثالا وحظوظه النفسية غالبة عليه فإنه سلك السبيل الذي يجمع به بين تحصيل حظوظه المباحة، والالتزام بعبادة ربه. والاعتناء بأمور البواطن واختلافها والأخذ بمقتضاها في بناء الأحكام

стр. 10

يستحث الشاطبي - رحمه الله تعالى - على عدم الغفلة عنه فهو موضوع بسط فيه الكلام إذ له به فريد عناية واهتمام للغفلة عن اعتباره والعناية بأمره - كما يرى -. ثانيها: التوجيه والتخريج الفقهي الذي أورده في شأن ما ذهب إليه المالكية من صحة بيوع وأنكحة فاسدة، والذي بناه على اعتبار ورود وصف آخر على محل الحكم أوجب صحة تلك الأنكحة والبيوع وترتب آثارها. وهكذا حال المغصوب فإنه قد يملك من جهة تعلق حق الغاصب به بتصرفات له فيه. ثالثها: إظهاره لوجه صحة نكاح المحلل عند من يرى ذلك، والذي بني على أن السبب الشرعي لا يوثر فيما يترتب عليه القصد غير الشرعي وغير ذلك مما ذكره في هذا الشأن. وغير ذلك من المسائل التي وجه آراء أهل العلم فيها وكان ذلك غامضا إلا على غائص في بحر النظر من أهل العلم مثله. والاطلاع على هذه التخريجات والتوجيهات الفقهية يثمر في النفس ويوح في الأذهان أن تلك الآراء الفقهية التي قد ترى ساقطة الاعتبار لأنها لا مستند لها في واقع الأمر ما تخرج عليه من الاعتبارات والقواعد الفقهية. وهذا يذهب الظن السيئ بالقائلين بهذه الآراء من أهل العلم. ثم أنه يروض النفس على احترام الرأي الفقهي إذا كان من عالم، وإن كان يخفى علينا مستنده ودليله. وكذلك يوسع الاطلاع على مدارك الأحكام والاعتبارات الفقهية الدقيقة. سابعها: بيان أحوال المقاصد الشرعية ومنها: (أي تلك الأحوال) كونها منقسمة إلى أصلية وتبعية. وبذلك فإن القاصد لأحد القسمين يصح عمله إلا أن القصد إلى الموافقة الشرعية في الأصلية يكسب الثواب والأجر دون التبعية، فإن أقصى ما تثمره صحة الفعل ودرء البطلان. وقد كرر ﵀ هذا الأصل إشعارا منه بعظم فائدته، ومنفعة الاستضاءة به في بناء الأحكام الفقهية.

стр. 11

وذو التزود بهذه الفائدة - القاعدة - يسهل عليه التفرقة بين حكم المقصد التبعي، والأصلي فيما يعرض له من نوازل ومسائل. ومنها: كونها تراعى في بناء الأحكام الفقهية وتستحضر للاستضاءة بمقتضاها فيه وعرض الحكم الثابت بالنص لمعرفة ذلك الحكم والمقصد الشرعي منه، ثم وضعه تحت كليه الجاري حكمه عليه، سواء كان ذلك الكلي ضروريا، أو غيره، فبذلك يتم بناء الحكم الفقهي. ومن تمام الفائدة في هذا الشأن أن يعلم أن إدراك كون الجزئيات داخلة تحت الكليات الثلاث لا يكون على الدوام موضع القطع، بل قد يعرض في ذلك ما يقتضي الأخذ بالظن فيه، وقد يكون هذا هو الأصل فيما يجري فيه النظر والاجتهاد من ذلك، لأمور تعارضت فيه. وهذا قد بينه مفصلا إمام الحرمين الجويني في "مراتب قياس المعنى" من باب ترجيح الأقيسة من كتابه "البرهان"، وفي هذا المعنى قال الإمام الرازي في المحصول "إن كل واحدة من هذه المراتب قد يقع فيه ما يظهر كونه من ذلك القسم، وقد يقع فيه ما لا يظهر كونه منه، بل يختلف ذلك بحسب اختلاف الظنون وقد استقصى إمام الحرمين ﵀ في أمثلة هذه الأقسام ونحن نكتفي بواحد منها قال ﵀: قد ذكرنا أن حفظ النفوس بشرع القصاص من باب المناسب الضروري. ومما نعلمُ قطعًا أنَّه من هذا الباب شرعُ القصاص في المثقّل، فإنّا كما نعلم أنّه لولا شرع القصاص في الجملة لوقع الهرج والمرج: فكذلك نعلم أنّه لو ترك في المثقّل لوقع الهرج، ولأدّى الأمر إلى أنّ كل من أراد قتل إنسان فإنه يعدل عن المحدّد إلى المثقّل: دفعا للقصاص عن نفسه، إذ ليس في المثقّل زيادة مؤنة ليست في المحدّد، بل كان المثقّل أسهل من المحدّد … وعند هذا قال ﵀: لا يجوز في كل شرع تُرَاعى فيه مصالح الخلق عدم وجوب القصاص بالمثقّل". قال ﵀ فأما إيجاب قطع الأيدي باليد الواحدة فإنه يحتمل أن يكون من هذا الباب، لأنه لا يظهر كونه منه، أما وجه الاحتمال فلأنا لو لم نوجب قطع الأيدي باليد الواحدة: لتأذى الأمر إلى أن كل من أراد قطع يد إنسان استعان

стр. 12

بشريك ليدفع القصاص عنه: فتبطل الحكمة المرعية بشرع القصاص. وأما أنه لا يظهر كونه من هذا الباب فلأنه يحتاج فيه إلى الاستعانة بالغير، وقد لا يساعده الغير عليه فليس وجه الحاجة إلى شرع القصاص ها هنا مثل وجه الحاجة إلى شرعه في المنفرد (١). ومنها: كون الأدنى منها يخدم - أي يكمل - الأعلى، فالحاجيات والتحسينيات تخدم الضروريات، والتحسينيات تخدم الحاجيات، وهذا يثمر في الأذهان أن المقصود في ذلك كله إنما هو حفظ الضروريات، فليتخذ ذلك أساسا في النظر الفقهي. ومنها: أن الاختلال في الضروريات يوجب الاختلال في الحاجيات والتحسينيات، بخلاف الاختلال في هذه فإنه لا يخل بتلك - الضروريات -. ومنها: أنها غير تابعة لأهواء النفوس، ولا هي معتبرة بها، وإنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، وهذا أصل مهم يجب أن لا يغفل عنه في مجاري الاعتماد على المصالح والمفاسد في بناء الأحكام الفقهية. ومنها: بيان أن لهذه المقاصد علامات تدل عليها تؤخذ من أحوال الخطاب الشرعي - كالأمر والنهي - واعتبار العلل والتحديد في المقدار والزمان، والمكان، وغير ذلك مما ذكره في كتاب الأدلة وفي كتاب المقاصد وخاصة آخره، وأعاد ذكره في كتاب الأدلة، وزاد عليه. وهذا إذا حصل في الأذهان علمت به المقاصد وأدركت في مواطنها، وبأماراتها وعلاماتها الدالة عليها. ومنها: أنها في شأن الحفظ لها مرتبة بالأولوية، وذلك بتقديم الأعلى منها على ما دونه، على ما تقدم ذكره ولا يخفى ما في هذا من فائدة الترجيح عند التعرض. ومنها: أن المصالح يلغى اعتبارها إذا عارضتها المشقة غير المعتادة. وهذا العلم به ينشئ في النفس معرفة الحدود التي تنتهي فيها رعاية المصلحة،

стр. 13

وبذلك ينتقل إلى اعتبار المشقة، وبناء الحكم على مقتضاها. ثامنها: بيان أحوال الأدلة الجملية التي تشترك فيها هي وجميع الأدلة والتفصيلية الخاصة ببسط، وبيان ما يبنى على كل حال منها من أحكام ومعارف. وذلك يبصر بهذه الأحوال، ويودع في الأذهان ما يتعلق بها من أحكام، ويرشد إلى سبل النظر وإعمال الأذهان في ذلك. تاسعها: التنبيه على تغير نظر المفتى في مواطن الأحكام بحسب أحوالها والأوصاف الطارئة عليها. عاشرها: بيان أن المقاصد المتعلق بها الحكم الشرعي أقسام ثلاثة: أحدها: المقاصد الأصلية. ثانيها: المقاصد الشرعية التبعية. ثالثها: المقاصد المناقضة للمقاصد الشرعية. حادي عشرها: بيان أن مقاصد المكلف - أيضا - على أضرب ثلاثة: أحدها: المقاصد الموافقة للمقاصد الشرعية الأصلية. ثانيها: المقاصد الموافقة للمقاصد الشرعية التبعية. ثالثها: المقاصد المناقضة لهذه المقاصد كلها. ثاني عشرهما: مد النظر والتأمل إلى بنيته الشرعية التي استبان من حالها أنها متكاملة أحكامها بعضها مع بعض، والشروط فيها مع مشروطاتها، وغير ذلك مما يؤخذ أن الشريعة آية الرحمان في أحوالها، وتوازن شعائرها ومضمناتها، وفي بنائها على نسق منتظم في الإثمار، وموافقة أحوال النفوس، والواقع. ثالث عشرها: بيان كيفية اقتناص القطعيات من الظنيات. وغير ذلك مما هو من جنس هذه المسائل - كوجوب رعاية السياق -، وهو كثير.

стр. 14

غرض الشاطبي من هذه الدراسة المقاصدية: من الثابت المحقق أن الشاطبي من هذا العمل كله هو إقامة التعبد لله - تعالى - في النفوس، وترسيخ ذلك في البواطن - القلوب - على الحال الذي يكون فيه حال هذه البواطن والظواهر للمسلم العامل متخذا في الصورة، ومصاغا على وفق المقاصد الشرعية. وبذلك فإنه لا فرق بينه وبين غيره من علماء الأصول والعقائد وغيرهم في هذا الشأن، فكلهم ساعون إلى إقامة هذا الأمر في الخلق. ومن ظن الشاطبي قد سعى في هذا العمل إلى وضع منهج آخر في بناء الأحكام الفقهية غير المنهج المتبع عند جماهير الفقهاء، وهو جعل المصالح معيارا في بناء الأحكام الفقهية على الوجه الذي يتخيله بعض أهل العصر فهو مخطئ، يحرف الكلم عن مواضعه لأن هذا الأمر لا يقصده الشاطبي في ذلك، ثم إنه أمر لا سبيل إليه في واقع حال هذه الشريعة التي مبتناها في الحقيقة على المسلك الذي عليه جماهير علماء هذه الأمة والذي أساسه الاحتكام إلى الدليل السمعي على كل حال. وكذلك يعد مخطئا من يدعي بأنه ماض على طريق الشاطبي في هذا الشأن - الدراسة المقاصدية - ثم تراه لا يؤصل على طريقته ومنهجه القائم على إيراد الأدلة النقلية ثم العقلية - النظرية - والعادية وكل ما يتحقق به التأصيل والتثبيت لكل أمر يدعيه أو قول يراه، وفي العصر أناس كثيرون يدعون أنهم يدرسون الأمور الدينية والفقهية على السبيل المقاصدي الذي اختاره الشاطبي في هذا الكتاب، إلا أنهم لا يوافقونه إلا في شأن الاعتبار للمقاصد والعناية بمقتضاها، فلا يكاد أحدهم يسير على وفق منهجه في الاستدلال أو بناء الآراء والاستنتاجات الذهنية، أو يعرج على ذلك، وإنما ينفصل عنه، ثم يتخذ مسلكا في الاستدلال لا مبالاة به عند التحقق، ولا قيمة له عند أرباب النظر، لأنه خلو من الأدلة والبراهين المعتبرة في هذا الشأن. ومن الظلم السطو على أعمال الناس، وتحريفها، وصرفها عن المقصود منها، وبترها بترك العمل بما بنيت عليه من مناهج وسبل وقواعد، مع ادعاء

стр. 15

المضي على مقتضاها. مصادر ومآخذ مضامين الكتاب: من الطافح المنتصب في مضامين كلام المصنف أنه قد اتخذ الاستقراء للنصوص الشرعية والتأمل فيها - أحوالها ومعانيها - وفيما يعرض له فيه النظر من أمور متصلة بذلك وسيلة إلى استخراج ما كمن في هذه النصوص من معان، وأخذ ثمراتها وجناها، والى بناء الأحكام النظرية، ونقضها، ووزن آراء أهل العلم، وتقويمها، وبذلك كانت مضامين كلامه ثمرات دراسة شرعية روافدها علوم القرآن ومعاني الحديث وأحوال الأحكام وبنية الشريعة. فكان هذا الاستقراء والتأمل عمد عمله في التوسل إلى درك تلك المطالب وتحصيلها، فلذا كان ذيذانه سرح النظر مطلقا له العنان ماضيا في ذلك، في مواضع نظره، باحثا عن الحق والصواب في ذلك، وبذلك ينتهي به الأمر إلى إبراز ما يراه الرأي المنتقى، وربما أتى بفوائد علمية وضوابط منهجية لم يسبق إليها - على ما يبدو لي -. نعم أنه يستقي من كتب من تقدمه من أهل العلم والنظر مختارا كتب من بعد زمانه عنه، معرضا عن كتب المتأخرين، وكان ذلك عن قصد منه، لأن من سماهم بالمتقدمين أعلم وأقعد بالعلم من المتأخرين، كما قال. فكان آخذا من كتب هؤلاء من القواعد والضوابط العلمية ومعاني النصوص الشرعية وغير ذلك مما أسس عليه هذا الكتاب، وبناه عليه منسقة مضامينه، مرتبة مباحثه. وتراكيب كلامه في الكتاب وما تضمنته من معارف ومعان تشهد وتدل على أنه استهدى بما سطره إمام الجويني - رحمه الله تعالى - في كتابه "البرهان" في شأن المقاصد الشرعية وأحوالها، وفي التأويل. وكذلك استقى وأخذ مما أودعه الإمام الغزالي - رحمه الله تعالى - في كتابه "إحياء علوم الدين" من الحديث عن أحوال القلوب والأعمال، والخصال المنجية، والخصال المهلكة والمزج في الأحكام بين اعتبار الظاهر والباطن في الإنسان، وفي عمله.

стр. 16

وما يتصل بذلك ويتفرع عنه من أمور تربي على النظر السديد إلى الوجود وما فيه، وعلى الرشاد في السلوك. كما أنه يخالل نظره ويمتزج به في مجاري النظر الفقهي العمل بالقواعد الفقهية والأصولية التي عليها المالكية، فكان يستشهد أحيانا بها وأحيانا أخرى يستدل لها، ويذكر مآخذها، كما فعل في شأن الاستحسان، وسد الذرائع، ومراعاة الخلاف، وغيرها، فهي لا تنفك حاضرة في مجاري نظره، قائمة بذهنه، كما يبدو من تصرفاته النظرية، وتضاعيف كلامه ومضامينه، وتقريراته للمسائل الفقهية. وهذا يكاد يدل على أنه مالكي المشرب، وإن كان من خاض في العلوم على هذا الحال الذي هو عليه لا يرضى إلا بالاجتهاد. ويظهر من كلامه في بحث الدلالة أنه تأثر بالإمام ابن حزم مستفيدا منه في شأن مقتضى الدلالة التبعية بوجه ما. كما يظهر أنه انتفع بتحقيقات فقهية وغيرها لبعض فقهاء المالكية كالمازري والقرافي. ولا يخفى أنه مخالف للمعتزلة فيما هم فيه على خلاف مع غيرهم من أهل المذاهب الكلامية الأخرى، فكان مقررا بنفس أشعري أن الأعمال البشرية من خلق الله - تعالى - وإن السبب غير مؤثر بذاته لا في الإيجاد، ولا في الإعدام، فالمسببات لا تدخل تحت طاقة العباد، ومن ثم لم يتعلق بإيجادها التكليف. وهذا قد فصل فيه الكلام في مجاري حديثه في السبب. وأما ما ذهب فيه الأشاعرة إلى التأويل على خلاف الحنابلة، وموضوعه الصفات والأسماء فإنه فيه - فيما يبدو لي - على اضطراب، ففي شأن الجهة يوافق الأشاعرة، وفي شأن الاستدلال الذي قد يبنى عليه موافقته لهم في المعتقد، إذ سكت عن رده، قال في كتاب الأدلة: "والثالث قوله - تعالى -: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] على هذا المجرى في سائر الآيات" ٣/ ٢٦٢. وقال فيه أيضا: "وأما مسائل الخلاف وإن كثرت فليست من المتشابهات بالإطلاق ولا تكليف يتعلق بمعناها" ٣/ ٧٠. والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 17

تقويم الأدلة النظرية والنصية المعتمد عليها في هذا الكتاب: من المنطوق به أن ما أودعه رحمه الله تعالى في كتابه هذا من أثمار نظره مختلفة مراتبه متفاوتة درجاته من جهة صحته وقوته الحجية، وذلك أمر مدرك بأدنى تأمل في هذه الأثمار وبدهي أن كل استنتاج ذهني تعرف قوته الحجية ودرجة صحته وضعفه بحال حجية ودلالة ما بني عليه من دليل وبرهان. وأغلب ما يأتي به - رحمه الله تعالى - من جنى نظره وغلته واضح المأخذ صحيح البرهان، وصور كلامه وطرق احتجاجه في مجاري بنائه للأحكام التي يوردها، وفي سبل استدلاله للمخالف، والموافق يدلك على ذلك، بل يلزمك بالإقرار به، فقد كان يسلك مسلك الجدل في إيراده وإصداره، متكئا في ذلك على القواعد المنطقية في الغالب وسيلة إلى درك تبليغ ما قصد تبليغه مقررا في النفوس، مظهرا أنه لا رأي إلا ما كان عن برهان ودليل، ولذلك مضى على سنن الاستدلال وجلب البراهين على كل رأي أو قول أورده في هذا الكتاب، ويبلغ في ذلك الذروة بإيراده الاعتراضات والمناقشات في مجاري الاستدلال وإقامة البرهان على الرأي الذي قوله فيه، سواء كان رأيه أو رأي من يخالفه في ذلك، وكل ذلك بإنصاف تام وصبر لأغوار ما فيه البحث والنظر مع جلالة علمية وقدرة فكرية عظيمة، تذهب بك ذات اليمين وذات الشمال بل ترنحك في كل جهات ما فيه النظر من موضوع، وتشغلك بكل محتمل ذهني أو غيره يرد فيه، فتتخطى بذلك ما كان معهودا في بحث ذلك الموضوع في كتب أخرى، وتظفر بفوائد واتساع في النظر ما كنت عليه من قبل اطلاعك على ما رقمه في ذلك - رحمه الله تعالى -. إلا أن في بعض مما يستدل به - على نذوره - ضعف يوجب سقوطه وعدم اعتباره في مجاري بناء الأحكام الفقهية، بله الأصولية. ومن ذلك أحاديث ضعيفة، فقد أورد في مسلك الاستدلال حديث "أئمتكم شفعاؤكم" وهو حديث ضعيف كما قال أهل الحديث، وحديث "احذروا الشهوة الخفية العالم يحب أن يجلس إليه" وقد أورده بلفظ غير هذا، وهو حديث ضعيف على كل حال. وحديث "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برا كان أو فاجرا،

стр. 18

وإن عمل الكبائر" وهو حديث عد من الموضوعات. ومن ذلك - أيضا - استدلاله بقصص وحكايات صوفية في مجرى بنائه لبعض الأحكام النظرية وغيرها، ولا يخفى أن هذه الحكايات والقصص ما هي إلا تصرفات بشرية تقدم بالأدلة الشرعية ويحكم عليها بمقتضاها، ولا يصح أن تساق مساق الاستدلال بها، وإن كان ذلك على سبيل الاستئناس بها في هذا المساق، فتأمل. ومن ذلك - كذلك - استدلاله بحديث "نحن أمة أمية" على وجوب قصر معاني القرآن على ما يوافق صفة الأمية، بحيث لا يتخطى فيها ذلك، ولا يخفى ما في هذا من الحجر على العقول في مجرى الاستفادة من القرآن الكريم، الذي على قطع وجزم يعلم أن المخاطبين به أنواع وأصناف معارفهم وأفهامهم متفاوتة مختلفة المراتب والأحوال، وهذا يوجب أن يكون لكل من هذا الكتاب ما به صلاحه، وما يكفيه من المعارف والعلوم، وما يكون موافقا لحاله ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ٢٠] وهذا الحديث لا ينتهض حجة على هذا الذي ادعاه من ذلك لأن أقصى ما يدل عليه هو وصف هذه الأمة بهذا الوصف الذي لازمه عدم الكتابة والحساب في ذلك الزمان، وهي وإن كانت كذلك فإنها تأخذ من هذا الكتاب ما في وسعها من علم ومعرفة، وأما الادعاء بأن الحديث يقتضي هذا الحجر، فإنه أمر فيه تخطى حدود معاني ألفاظه ومدلولاتها. ومنه - أيضا - استدلاله بالترك من السلف الصالح للعمل ببعض معاني الألفاظ المطلقات في الكتاب والسنة، وهو ما يبنى عليه منع قراءة القرآن بالإدارة، وما أشبه ذلك. ومن المعلوم أن الحقيقة الشرعية لا تثبت إلا بالأدلة الكافية في ذلك، وإن أعوز ذلك فإنه يصار إلى المعنى اللغوي في ذلك، ويعمل فيه بالإطلاق في الهيئات والأحوال وكل ما ينطوي تحت اللفظ المطلق، وعلى كل فالمسألة محل نظر، وبحث، ومدار القول فيه على ثبوت الحقيقة الشرعية بذلك وحده وحصولها بذلك وحده منحصرة به أم لا، وبذلك فلا بد من إعمال المطلق على

стр. 19

التمام لعدم وجود المقيد له. ومنه ما استدل به على أن القرآن المكي لا يدخله النسخ، وهو قول قال به بعض أهل العلم قبله، ولكن قد ذكر أن ذلك قد وقع فيه في آيات، منها قوله - تعالى - في سورة غافر: والملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غَافر: ٧] فإنه ناسخ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشّورى: ٥]. قال السيوطي: قلت: "أحسن من هذا نسخ قيام الليل في أول سورة المزمل بآخرها، أو بإيجاب الصلوات الخمس، وذلك بمكة اتفاقا" (١). كما ينظر - أيضا - فيما استدل به على أن القضايا الجزئية لم ترد في القرآن المكي، فإنه موضع نظر. وفيه ضعف حسبما يبدو لي. لكن الصحيح المقطوع به أن ذلك كله وما أشبهه لا يقدح في صحة وقوة استنتاجاته - رحمه الله تعالى - وأثمار أنظاره الموردة في هذا الكتاب في الجملة، فإيرادي الكلام على هذا الذي ذكر إنما هو لإتمام الفائدة العلمية فيما ذكر، والتنبيه فقط. وذلك لأن الخطب في ذلك يسهل، لأن إيراده هذه الأحاديث قد يوجه بأنه لا يوردها للاستدلال بها على أمور تعبدية، وإنما يوردها للاستدلال بها على أمور تمهدت في الشريعة، وتقررت بأدلة كافية فيها أحكامها، فكأنه يوردها للاستئناس بها فقط. وعلى هذا السنن والمجرى كذلك يوجه ما يورده من قصص وحكايات أرباب الأحوال - الصوفية - فإنه - على ما يبدو - إنما يسوقه للتمثيل، والحديث عن أحوال وأمور لها - على ما يراه - مستندات شرعية صحيحة. وأما هذه الدعاوى التي ذهب إلى القول بها فإن ذلك كان عن اجتهاد منه، وكونها مرجوحة مقدوحا فيها. وهو ما يفضى إلى الحكم عليه بأنه مخطئ في شأنها، فإن ذلك قد يكون مغتفرا باعتبار أنه من باب ما كان عن اجتهاد، ثم إنه مما لا يخلو من الوقوع فيه الإنسان من الخطأ في مجاري نظره واستنتاجاته من

стр. 20

المعارف العلمية الدقيقة الكثيرة، ثم إن ذلك مغمور فيما أتى به وإذا تقرر هذا، كما تقرر الذي قبله علم على جزم أن ما تضمنه هذا الكتاب من الفوائد العلمية وغلات الأذهان المسلمة من المصنف قوية صلبة البناء والأساس، صحيحة المأخذ والمدرك في الجملة. إذ هي مبنية على البراهين والحجج القوية المأخوذة من قضايا العقول الضرورية، ومن دلالات الألفاظ الثابتة لغة وشرعا، ومن الاستقراء، التي اعتمد عليها في ذلك كثيرا، وفي أغلب أحواله. وأما ما أورده الشيخ محمد طاهر بن عاشور من الردود والنقود على بعض كلام الشاطبي ومنهجه في هذا الكتاب فإنه قد تجرد مما يقتضي اعتباره، والاعتداد به، إذ قد أخل فيه - رحمه الله تعالى - بالمبادئ - القواعد والأسس - التي عليها قيام البناء المعرفي الصحيح. وأحد هذه المبادئ: الاستدلال على صحة المدعي بما يقتضيه ويوجبه من الأدلة، وهو ما لم يجر عليه في ذلك، إذ قصار ما أتى به دعاوى مجردة من أي شيء يثبتها. ومن ذلك قوله: "أن الشاطبي استدل على أن أصول الفقه قطعية بمقدمات خطابية وسفسطائية، أكثرها مدخول ومخلوط غير منخول". وقوله: ذكر الشاطبي كلاما طويلا في التعبد والتعليل معظمه غير محرر، ولا متجه. وغير ذلك من صنف هذه الدعاوى التي ساقها، ولم يقم على صحتها دليلا واحدا، وإنما لفظها، كأنه يرى أن ما صدر عنه يعتد به، ويعتبر صحيحا دون أن يكون معتمد ذلك الدليل والحجة، ولا يخفى ما في هذا من الخروج عن منهج العلماء وسبيلهم في شأن بناء المعرفة، بل ما فيه من أسلوب الاستعلاء ووصمة الغرور، والطيش في النظر. فالواجب عليه سوق الأدلة على صحة ما يدعيه، وعرض ذلك على الأنظار، مبينا وجه ما يستدل به من ذلك على صحة مدعاه. ألا يرى ما عليه الشاطبي - رحمه الله تعالى - في هذا الشأن، فهو ما فتئ مستدلا على كل رأي أو ثمر نظر يعرضه، ثم لا يكتفي بذلك، بل إنه يورد

стр. 21

الاعتراضات والإيرادات التي قد يسوقها المخالف، وإن كان ذلك على سبيل الافتراض، ثم يوجب عنها، وبذلك يحيلك على التأمل والنظر معتمدا في كل رأي له عرضه على ما تحكم به الأدلة وتوجبه، جاعلا ذلك المعيار الذي عليه المدار، والاعتبار. ولا يخفى ما يؤخذ من ذلك ويقطف من فوائد علمية، وما يوصل إليه من كسب للملكة العلمية في هذا الشأن. وعلى هذا السبيل مضى علماء الأمة، وانتهى إليه بناؤهم للمعرفة، وهو ما لا يمكن الاستغناء عنه بأي حال، وكل كلام لم يجر عليه فهو ساقط الاعتبار، لا مبالاة به على الإطلاق. ثاني هذه المبادئ: الأسلوب العلمي الذي أساسه وسداه ولحمته مراعاة مقتضى الأدلة وحكمها، فلا يصار إلى الجزم في المظنونات، ولا إلى الاستخفاف بقول المخالف دون إسقاط ما بني عليه من الأدلة والحجج. كما يجب الإنصاف في الأحكام، وإعطاء كل ذي حق حقه، وإن أتى المتكلم برأيه فليعرضه على الناس بصيغة تدل على أنه لا يراه صوابا وحقا مطلقا، وإنما هو رأي كسائر آراء الناس، فكونه باطلا أمر وارد، وعلى أنه معروض على الناس ليزنوه ويقوموه، ويحكموا عليه بما يستوجبه حاله. وهذا أمر قد أخل به الشيخ ابن عاشور في أسلوبه في ذلك إذ يورد ما يراه بأسلوب يفهمك أن ذلك أمر مقطوع به مجزوم بمقتضاه، وهو في واقع الأمر لا يتخطى أن يكون أمرا مظنونا وذلك إن قلنا أنه معتبر ومعتد به أصلا. ثم إنه يجري الكلام على سنن الآمر والناهي الواعظ مستعملا لفظة (على الفقيه). وغير ذلك من الأمور القوادح في الأسلوب الذي مضى في كتابه هذا. ثالثها: المنفعة، فهو يرى أن رد المقاصد إلى حفظ الفطرة أمر مفيد، إلا أن المتأمل في ذلك يدرك أن معرفة ذلك والجهل به سواء، لأن ما به الاستداد والاستبصار في بناء الأحكام الفقهية هو معرفة اعتبار الشارع لهذه المقاصد المفصل الكلام فيها عند المتقدمين، لأنها المعينة للأمر المعتبر في محل النظر،

стр. 22

والمرشد مقتضاها إلى ما يبنى عليه الحكم ببيان كاف، ولا حاجة إلى اعتبار كون ذلك مؤديا إلى حفظ الفطرة، فاعتبار ذلك وعدمه في ذلك سواء، بل الوجه الذي يمضي عليه في مجرى العمل به في ذلك غير مضبوط، كما هو الحال في شأن العمل بمقتضى المقاصد، فإنه مضبوط مفصل القول فيه، ثابت المعالم والأعلام. رابعها: البيان لمآخذ ومدارك الآراء والأقوال، فمن المعلوم أنه لا ينسب إلى الإبداع والاختراع ما كان مجترا، أو منقولا. وهذا لا يمضي عليه الشيخ ابن عاشور، فإن ظاهر كلامه يدل على أن جميع ما يظهره باعتبار أنه من أثمار أنظاره ليس منقولا عن غيره، وأنه هو من ابتكره، وربما صرح - أحيانا - وأنت إذا تأملت في ذلك تجد أن أغلب ما أتى به من ذلك مأخوذ من منهج أو كلام الشاطبي أو غيره، انظر على سبيل المثال إلى قوله بأن الشريعة مبنية على المصالح، وإلى تقسيم المصلحة، وإلى ما وصف به الشريعة من العموم وغيره. وأما ما انفرد به من الاستنتاجات الذهنية فإنها محل نظر، وبحث، كقوله في شأن ترك غسل الشهيد، والمحرم. وما جرى مجراه، مما يقوله من عند نفسه، أو يكون مما نقله عن غيره واختاره، وهو مرجوح في واقع الأمر. ومن أنصف ونظر في كلامه أدرك هذا بلا شك. خامسها: الجريان على مقتضيات الواقع. وهذا قد أسقطه ﵀ إذ ذهب إلى القول بأن معرفة المقاصد مستقل عن علم الأصول، وهذا لا يخفى سقوطه، إذ من المعلوم أن بناء الحكم الفقهي لا يمكن أن يحصل برعاية المقاصد وفق ما تقتضيه العقول فيها فقط، بل المحكم في ذلك هو النص الشرعي، وهذا بين أمره في المصالح الملغاة شرعا، والعقل البشري حاكم باعتبارها. وإذا كان المحكم في ذلك هو النص الشرعي ثبت أنه لا مفر من إعمال علم الأصول في هذا الشأن لتعلق علم الدلالة وترتيب الأدلة ومعرفة الدليل التام، وقوته الحجية وغير هذا بذلك. وخفاء المصلحة الحقيقية على عقل الإنسان وقصر العلم بها على الشارع أمر

стр. 23

ثابت لا ينكره إلا جاهل معاند، ومن ثم ضبطت المصلحة الشرعية بالضوابط الخمسة المعروفة. ولا يخفى أن هذا الادعاء - ادعاء كون معرفة المقاصد مفصولا عن علم الأصول - قول مبتدع مخالف لما أجمعت عليه الأمة من أن معرفة المقاصد قصارى مفادها أنه يتبصر به في مواقع الأحكام وتحقيق المناط ولكن المحكم في ذلك هو الدليل الشرعي الخاص والعام الجاريين في موضوع الحكم، وقد تتخلف المعرفة بالقصد الشرعي فيه وذلك الحكم الشرعي فيه ماض. وهذا مبين يقتضيه حكم الواقع ويوجبه. خلاصة القول أن اعتراضات ابن عاشور على الشاطبي ليست مبنية على ما يجعلها معتبرة معتدا بها، فلا ينبغي أن يعرج بها على الإطلاق، بل كل ما أتى به في كتابه هذا يجب أن ينظر فيه ليقوم. وهذا ليس فيه تنقيص لقيمة هذا العالم - ابن عاشور - أو الحط من منزلته، وإنما هو بيان لأمر وجب بيانه في هذا الذي نحن فيه بإنصاف. والله - تعالى - أعلم. نظم هذا الكتاب الموافقات: من السبيل الذي مضى عليه علماء الأمة نظم المعارف والعلوم في بحور الشعر لتسهيل حفظها، واستحضارها، غير أن ما ينظم من المؤلفات المنثورة عادة لا يكون إلا من الصنف العالي القدر المنتخل ما فيه من أثمار الأنظار، والمتضمن لما تشتد الحاجة إليه من المسائل والمعارف، وللتحقيقات العلمية الموثوق بها. وهذا الصنف من المؤلفات إنما يكون من وضع أئمة العلوم وأرباب الفنون، وذوي التحقيق العلمي المتين. وكتاب الموافقات هذا هو بلا ريب من أرباب الصدور من تلك المؤلفات، إلا أن العناية بنظمه والقيام بذلك في أول الأمر على ما في الكتب التي بيدي - لم تكن إلا من صاحبين تلميذين له. أحدهما يذكر بأنه نظم هذا الكتاب، إلا أنني لم أظفر باسمه، ولا بما يدل على حاله، إذن فهو مجهول لنا، وظن أنه لا يوجد هذا النظم على الإطلاق، فادعاء وجوده في نظري وهم، نشأ من عدم التثبت في هذا الأمر، ومن ظن أن هذه المنظومة - نيل المنى - هي منظومته فتأمل.

стр. 24

ثانيهما: الشيخ العلامة قاضي الجماعة بغرناطة أبو بكر محمد بن محمد بن عاصم الغرناطي الأندلسي فقد نظمه كما قيل أول الأمر في ستة آلاف بيت تام من البحر الكامل، ثم اختصره - أي هذا النظم - في ثلاثة آلاف بيت تام. وقد سمي هذا النظم - المنظومة - "نيل المنى من الموافقات" كما ذكر ذلك في خطبته. وهذا هو الذي شرحه أمامك - أيها القارئ الكريم. صحة نسبة هذه المنظومة لابن عاصم: شك بعض الناس في كون صاحب هذه المنظومة هو ابن عاصم، وذلك لأن كاتب هذه المنظومة. كتبها بوادي آشى وابن عاصم ليس له مقاما هناك - على ما ذكر -، لاحتمال أن يكون صاحبها هو الناظم الآخر المدعى الذي ذكر أنه من أصحاب الشاطبي - أيضا - إلا أن هذا الشك تدحضه أمور: أحدهما: ورود أبيات متشابهة في الألفاظ والتركيب إلى درجة التوحد في بعضها في هذه المنظومة، وفي منظومة أخرى له - لابن عاصم - في الأصول وهي "مرتقى الوصول إلى علم الأصول". ومن تلك الأبيات قوله في "المرتقى": كالأكل في الحياة والحياة … في العلم والوضوء في الصلاة وقوله في "نيل المنى": عادية كالأكل في الحياة … شرعية كالحول في الصلاة وقوله في "المرتقى": (ص ٧٢) وأطلق الثاني على رفع الحرج … وما أبيح رخصة فيه اندرج وقوله في "نيل المنى": (ص ١٩) وآخر المعنى به رفع الحرج … وسبب الرخصة في هذا اندرج وقوله في "المرتقى": (ص ١١٥) وغير محدود كهذا يطلب … وما له في ذمة ترتب وقوله في "نيل المنى": (ص ١١) وغير ما قد حد فهو يطلب … وما له في ذمة ترتب

стр. 25

وقوله في "المرتقى": (ص ٨٩) واعتبر الرخصة فهي تحري … مع انخرام عادة لعذر وقوله في "نيل المنى": (ص ٢٣) وعكسها الرخصة حيث تجري … عند انخراق عادة لعذر وقوله في "نيل المنى": وهي تعبدات أو عادات … ومع جنايات معاملات وقوله في "المرتقى": وهي تعبدات أو عادات … ثم جنايات معاملات وقوله في "نيل المنى": كلأجرة المثل ومنع النظر … للأجنبي وقليل المسكر وكاعتبار الكفء في ذات الصغر … والجمع بين القربتين في السفر وقوله في "المرتقى": كالحد في شرب قليل المسكر … وكاعتبار كفء ذات الصغر وقوله في "نيل المنى": أو مقتضى للدرء للفساد … كالحد والديات والجهاد وقوله في "المرتقى": وتارة بالدرء للفساد … كالحد والقصاص والجهاد وقوله في "نيل المنى": وبعده الحاجي وهو المفتقر … إليه من حيث مصالح البشر وقوله في "المرتقى": وبعده الحاجي وهو ما افتقر … له مكلف بأمر معتبر وقوله في "نيل المنى": وتطلق السنة في الاخبار … للقول والفعل والإقرار

стр. 26

وقوله في "المرتقى": للقول والفعل والإقرار … قسمت السنة بانحصار وغير ذلك مما جرى فيه التوافق والاتحاد في أبيات هاتين المنظومتين مما يدل على أن ناظمهما واحد، إذ من الاحتمال البعيد - إن لم يكن من المحال - بمقتضى هذا التوافق والاتحاد غير هذا. ثانيها: الشبه في الأسلوب اللغوي وطريقة بناء الكلام بين هاتين المنظومتين، وهذا باد في مواضع منها: وضع النكرة موضع المعرفة، وهذا سار هو عليه في كلتيهما. ومن ذلك قوله في هذه المنظومة "نيل المنى": سواء القصد إلى أن يقعا … مسبب وعدم القصد معا وقوله فيها - أيضا -: لذاك إن يبد بها بعض خلل … ينظر إلى تسبب كيف حصل وقوله فيها - كذلك -: وضع الدليل القصد منه أن يرى … فعل مكلف عليه قد جرى وقوله فيها - أيضا -: بنسبة الخارج بالتزاحم … ففيه يجريان بالتلازم وقوله في "المرتقى": كذا لشرطٍ مثلُه والمانع … مثل الوضوء والمحيض المانع وقوله فيه - أيضا -: إذ صار من مجال الاجتهاد … لناظر كالحج والجهاد وغير ذلك من صنف هذا مما أورده في هاتين "المنظومتين" وفي "تحفة الحكام" أيضا، ومن تشوف إلى المزيد من ذلك فليرجع إليها بتأمل. قد يقال بأن ذلك مما يجري على الألسنة عادة من التصرف في صيغ الألفاظ ووضع بعضها موضع بعض إذا أمن اللبس وبذلك يكون هذا عاديا في التعابير والكلام، فلا حجة فيه على أن هذا أسلوب يعرف به كلام الناظم.

стр. 27

نعم، قد يرد هذا على الأذهان إلا أن تكريره له واتخاذ ذلك طريقة له في الكلام يقضي بخلاف ذلك، وهو أن ذلك حجة على ما تقدم ادعاؤه، وإن كان ذلك لا يفيد إلا الظن، نعم قد يكون لاستعماله ما ذكر من النكرة موضع المعرفة وجوه تقتضي جواز استعماله له في تلك المواطن، إلا أن ذلك مرجوح، والراجح في ذلك هو المعرفة بمقتضى السياق والمعنى. ومنها استعماله لفظ التعبدات مكان العبادات، ومن ذلك قوله في "نيل المنى": إذ عدم التناف في العادات … كاف على عكس التعبدات وقوله فيه: وهي تعبدات أو عادات … ومع جنايات معاملات وقوله فيه - أيضا -: ومع ذا فالفرق شرعا آت … بين التعبدات والعادات وقوله في "المرتقى": ومثله المشروط في تعدد … شروطه كأكثر التعبد وقوله فيه - أيضا -: وهي تعبدات أو عادات … ثم جنايات معاملات وجملة التعبدات يمتنع … أن يستناب في الذي منها شرع واستعمال التعبدات بمعنى العبادات غير معهود، فما أتى به الشاطبي قط، ولا رأيت غيره يستعمله، فكان هذا من مختارات الناظم التي انفرد بها. فليتأمل. ومنه: استعماله للفظة تقسمت. قال في "المرتقى": ثم تقسمت لدى الإسناد … إلى تواتر وللآحاد وقوله في "نيل المنى": ثم المشتقات لدنيوية … تقسمت بعد وأخروية

стр. 28

وغير ذلك من صنف هذا الذي تقدم. ثالثها: إن كاتب هذه المنظومة قد لا يكون مؤلفها، وهو الظاهر، وأنه لا يوجد دليل على أنه يوجد ناظم آخر بهذا الكتاب في تلك الفترة غير ابن عاصم وإذا تقرر هذا كله انمحى الشك الذي يراود بعض الناس في صحة كون هذه المنظومة (نيل المنى) لابن عاصم. هذا شأن ما ظهر لي في نظم هذا الكتاب في الأعصر الماضية وفي القرن الهجري الماضي نظمه الشيخ ماء العينين الصحراوي المغربي - رحمه الله تعالى -، ثم شرحه بشرح سماه (الموافق على المرافق)، وهو مطبوع متداول. وكان انتهاؤه منه - كما قال في آخره - في شهر جمادى الآخرة من عام ألف وثلاثمائة وأحد عشر من هجرة خير البرية ﵊. وهذا النظم فيه أبيات غير موزونة، وقد تكون تصحفت من جهة النساخ كما كثر فيه الحشو. وعلى الجملة هو نظم مفيد نسأل الله - تعالى - أن ينفع به. بنية المنظومة هذه: لقد عرف نظم الأندلسيين واشتهر في الجملة بفضيلة السمو عن نقيصة الاعتياص، وبالصياغة الرشيقة الأنيقة، فهو سائغ عذب شرابه، حلو ذواقه. نعم هو كذلك، إلا أن ما كان منه في نظم العلوم قد يخفض قدره في هذا الشأن، لما يلزم به ذلك النظم من الإتيان بما يعد حشوا من الكلام، يلزم بذلك إتمام الأبيات وتحصيل القافية، وسلطان الوزن. وفي هذه المنظومة الجميلة لابن عاصم لم يتخط هذا الأمر، فهي من النظم الأندلسي الحلو الجميل إلا أنه قد اضطر فيها إلى الإتيان بكلمات مستغنى عنها، وإنما جاء بها لإتمام أبيات عرض له فيها ذلك. وقد نبهت على بعض منها في ثنايا هذا الشرح، وبعضها سعيت إلى أن أفسره تفسيرا يكون به لتلك الألفاظ معاني مرتبطة بمعاني الأبيات التي وردت فيها، ويحصل به لها معنى مفيدا، وإن كان من الظاهر عندي أنها زائدة، وإنما أفعل ذلك درءا للحشو على قدر المستطاع.

стр. 29

كما أنه قد اضطر فيها إلى التصرف في أفعال بالإتيان بها على صيغ غير واردة فيها - على ما رأيت - ومن ذلك لفظة (تقسمت) الوارد في قوله: ثم المشتقات لدنيوية … تقسمت بعد وأخروية والمعروف هو "انقسم" من قولك قسم فلان الشيء فانقسم. ومنه - أيضا - لفظة "يتّذى" الواردة في قوله: فليس للشارع قصد في بقا … ما يتذى من وقعه أو يتقى والمعروف إنما هو "يتأذى" بالضم، إذا بنيت يتأذى - بفتح الياء - للمفعول. ومنه لفظة "التصريف" الواردة في قوله: إذ قصده الإخراج بالتكليف … عن داعيات النفس في التصريف والمعروف في المعنى المقصود به لفظ التصريف هنا هو "التصرف". وقد استعمل هذه اللفظة مكررا لها. نعم قد تكون هذه الألفاظ ثابتة عنده لغة من حيث النقل. أو من جهة النحو، فتكون جارية على سنن الصواب، ولكنه أمر لسنا على بصيرة به، فلذلك نظمناها في سلك ما فيه نظر وبحث وعليه اعتراض. وأما ما وعد به من تقريب (الموافقات) للقارئ وتبسيطه له فإنه - على ما يظهر من تصرفاته في هذا النظم - قد توسل إليه مما يراه وسيلة إلى ذلك، وهو الترتيب للكلام على وجه يتضح به المراد منه، وحذف الاعتراضات والإيرادات، والاكتفاء بالإشارة إلى ورود الأدلة في الموضع الذي كلامه فيه، بيد أن هذا لا يبلغ مرتبة البيان الذي ينحل به ما انعقد من كلام المصنف، ويفتح به ما انغلق منه، ويظهر به ما انطوى فيه من فوائد معرفية، عميقة في أحوال النفوس والقلوب. وعلى هذا فنظمه - رحمه الله تعالى - نظم سائغ شرابه، حلو مذاقه، جميل نسجه، لا ينكر ذلك إلا معاند يكابر الحقائق، ويجحدها، وأما ما فيه من أمور قد تعد حشوا، وغامض الكلام فإنه لا يرجع عليها بأي ثلب مؤثر في قيمته البيانية والعلمية، لما تقدم من أن المنظومات العلمية لا تخلو من مثل هذا.

стр. 30

المطابقة بين هذه المنظومة والأصل في المضمون (الموافقات) . يبدو من تصرفات الناظم - رحمه الله تعالى - في صوغ كلامه وبنائه أنه كان يعقل المعنى الذي يريد نظمه مستوعبا له، مدركا لمقاصده، بعد أخذه له من كلام المصنف، ثم يصوغه على الطريقة التي يرى أنها أليق بذلك من جهة المعنى ومن جهة نظم الكلام، وأقرب إلى التبليغ المطلوب. ولم يكن - رحمه الله تعالى - يخرج عن مضمون الأصل ومحتواه، بل كان ذا التزام بذلك في ترتيب المسائل إلا أنه خالف المصنف في طريقة بنائها إذا وردت في تضاعيف تفاصيلها التقسيمات (الأقسام) وأحكامها. فالمصنف قد درج على ذكر القسمين أو أكثر، ثم ذكر حكم كل واحد منهما، أو منها على طريقة اللف والنشر المرتب. وأما الناظم فإنه قد يذكر القسم وحكمه بالتتابع أحيانا، ثم ينتقل إلى القسم الذي بعده فيذكره وحكمه على التوالي، ثم ينتقل إلى الذي بعده - إن وجد - وعلى هذا السبيل مضيه في ذلك. والظاهر أن ذلك هو الغالب عليه في تصرفاته في هذا الشأن. وكذلك - أحيانا - يسقط لفظة الفصل ويتصرف في شأن التقديم والتأخير في الكلام، وقع ذلك منه في مواطن، ومن ذلك: المسألة الأولى من النوع الثاني في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام. والمسألة الأولى من النوع الأول في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء. وغير ذلك مما سلك فيه هذا المسلك، وهو سبيل اعتاد الذهاب فيه فكان هو الأصل عنده في هذا الشأن، وفي شأن التمثيل، فربما أتى بمثال غير الذي في الأصل كقوله: ألا ترى لو أن قصرا ابتني … أمكن وصفه لكل الألسن وقوله: فإنه يعد في الأوصاف … كالترك للصوم في الاعتكاف وكان ينتحي الإيجاز والاختصار والاقتصار على ذكر لب الموضوع وما هو

стр. 31

مهم فيه، وربما ترك كلاما طويلا للمصنف استغناء عنه بما ذكره من الفائدة والحكم، وهو ما يرى أنه موضع الحاجة، ومتعلق الغرض، فهو وإن كرر قواعدا أو فوائدا، فإن ذلك لم يكن منه إلا لأن في تكريره فائدة الترسيخ لها في الأذهان، ثم إن ذلك قد يكون لكون الكلام يتوقف بيانه على ذكرها، أو يكون ذكره لها تبعا للمصنف، أو لأهميتها وجلالة قدرها. نعم يتصرف الناظم بزيادة ما به تمام الأبيات إذا احتاج إلى ذلك. كقوله: وقد يقال إن الأخذ بالرخص … أولى من أوجه لذاك تقتنص وقوله: وكم لدى الكتاب من أدلة … في معنى الابتلاء مستقلة وقوله: فإن يكن يحصل حق العبد مع … ذاك ولو بعد الوقوع إن وقع وما أشبه ذلك مما اضطر فيه إلى الزيادة في الكلام، بمقتضى القوافي أو الوزن أو للإيضاح المستغنى عنه وهذا ليس أمرا يشين فإن هذا معهود ومجرى عليه في المنظومات العلمية. صورة شرحي لهذه المنظومة: لم أتخط في شرحي لهذه المنظومة حد البيان لمضامينها ومعانيها، وقد انتحيت في ذلك منحى الإيجاز، وإن كانت بعض المواضع فيها جديرة بالإطناب لعظم فوائدها، وعظم الحاجة إليها. ثم إني اعتمدت على الأصل (الموافقات) في هذا العمل، وفي هذا الشأن أحب أن أنبه إلى أمرين: أحدهما: أني أتصرف أحيانا في كلام الشاطبي بالزيادة والنقص رغبة في البيان والإيضاح، والإيجاز، وبذلك فما أنقله منه قد لا يكون مطابقا للفظ الأصلي منه. ثانيهما: إني في بعض المواضع أنقل عنه ولا أنسب له ما نقلته عنه فيها اتكالا على أن القارئ قد يدرك ذلك باعتبار قرينة مقام الكلام.

стр. 32

هذا وإن سعيي في هذا الشرح إنما هو لبيان معاني هذه المنظومة، وتقريبها لطلبة العلم ذوي المنة في الحفظ والتحصيل، ورب قائل يقول: أن هذا الشرح لو فرض أنه على أبدع صورة ممكنة لشارح مثلكم ما كان إلا نسخة مكررة من الأصل (الموافقات) وبذلك فإنه لم يكن إلا اجترار لما في هذا الأصل، فخلا بذلك من أي فائدة زائدة عن ذلك. الذي أراه أن الأمر ليس كذلك فإن في الأصل نفسه ما يحتاج إلى البيان وقد سعينا إلى بيانه على قدر المستطاع، وربما أزلناه بالنقل لكلام بعض أهل العلم في ذلك. ثم إن الغرض من النظم للمعارف هو حفظها المتوسل به إلى تحصيلها، والحفظ وحده لا يتم ذلك المراد منه ما لم يفهم متضمن المحفوظ، ويشرح معناه، فإذا فهم بعدما حفظ حصل المراد، وتحقق الغرض. والأصل ليس شرحا على الوجه المطلوب، فلا سبيل إلى الاكتفاء بالتوسل به إلى ذلك المراد. ثم إن الذي دل عليه واقع الحال أنه قد يحصل الاستغناء بالنظم وشرحه على الأصل المنظوم، كما هو مشاهد ومدرك لكل من يفارس دراسة العلوم وتدريسها، حتى إن المنظومات وشروحها في الغالب هي المتداولة في مدارس العلوم الشرعية الأصلية الحقيقية، وما ذاك إلا لما في ذلك من مزية الجمع بين التحصيل والفهم. وهذا لا ينكره إلا من ينكر المحسوسات والضروريات. فإذا عرفت هذا أدركت أن هذا العمل ليس اجترارا، ولا تكرارا، كما أنه ليس سهمه طائشا بل لغرض جليل القدر يعلم مما تقدم، وهذا سهمه مسدد يدركه كل من مارس تعلم العلوم وتعليمها بالطريقة الأصلية، على بداهة، وبالضرورة. هذا على وجه الإجمال صورة شرحي هذا من جهة الغاية والمضمون، وأما من جهة المنهج فإني قد اخترت في شأنه الشرح الممتزج بالمتن - كما ترى - لأنه - في نظري - أفضل لأنه يفك به الكلام - المنظومة - ويظهر به المراد، ويصير جملة القول كأنه كتاب واحد.

стр. 33

وقد يلاحظ أنه في بدء الشرح كنت أذكر بعد المسألة مضمونا، ثم أقول بعد ذلك قال الناظم، ثم بدا لي تبديله بمزج كلام الناظم مع الشرح بحيث يتوسل إلى إسقاط هذه الكلمة التي أراها غير مناسبة لنسق الكلام وسلاسته، وإن كان ذكرها يوجه بأنه قصد به ذكر بدء النظم فقط. والله ولي التوفيق. النسخة التي شرحتها: من الثابت المقرر أن النسخة المتداولة في هذه الأقطار نسخة واحدة، وهي التي جيء بها مصورة من مكتبة (الأسكوريال) ببلاد الإسبان، وهي في بعض منها معتاصة القراءة، وبعض كلماتها متداخلة مطموسة الحروف، وهذا يصرف عن فهمها، وقراءتها على ما هي عليها في واقع الأمر، ولكن نبذل أنا وجماعة من إخواني الطلبة في ذلك الجهد المستطاع، وفي أغلب الأحيان نطمئن إلى أنا موفقون في فهمها، وفي أحيان أخرى يغلب على ظننا ذلك، ولسنا على ثقة منه، ولأهل العلم حق التصحيح لما يرون أنا مخطئون في فهمه من ذلك وغيره، ولهم من الله الثواب والجزاء الأوفى بفضله وكرمه. وقد كتبت هذه النسخة على وجه خالفت فيه بعض ما هو معتاد في رسم الكلمات ومن ذلك كتابة كلمة (لكن) بصورة (لاكن) ولفظة (على) الجارة بصورة (علا) وهكذا الأمر في سائر الكلمات ذات الألف المقصورة من هذا الصنف. وكلمة (حيثما) بصورة (حيث ما) وغير ذلك مما يعلم بالوقوف عليها. وقد تواترت الأخبار أن بعض أهل الفضل في هذا البلد وغيره قد اشتغل بتحقيق النسخة وغيرها وقد كنت انتظرت برهة من الدهر ظهور هذا الأمر، لكنه ذلك تخلف عن التحقق، فاكتفيت بهذه النسخة على ما فيها. لله الأمر من قبل ومن بعد.

стр. 34

الخطبة ١ - الحَمْدُ للهِ الذِي مِنْ نِعْمَتِه … أَنْ بَثَّ فِي المَشْرُوعِ سِرَّ حِكْمَتِه ٢ - وَهَيَّأَ الْعُقُولَ لِلتَّصْرِيفِ … بِمُقْتَضَى الْخِطَابِ بِالتَّكْلِيفِ ٣ - وَأَرْسَلَ الرُّسْلَ مُبَشِّرِينَا … بَمَا أَعَدَّهُ وَمُنْذِرِينَا ٤ - وَخَصَّنَا بِمِسْكَةِ الْخِتَامِ … وَالرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ لِلْأنَامِ ٥ - وَمَنْ بِنُورِ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَة … أَنْقَذَنَا مِنْ ظُلْمَةِ الْجَهَالَة ٦ - مُحَمَّدٍ صَفْوَةِ الأنْبِيَاءِ … الْمُجْتَبَى بِالْمِلَّةِ السَّمْحَاءِ ٧ - أَرْسَلَهُ لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَا … فَبَادَرُوا إِلَيْهِ مُهْطِعِينَا ٨ - وَدَخَلُوا فِي دِينِهِ أَفْوَاجَا … وَاتَّخَذُوا شِرْعَتَهُ مِنْهَاجَا ٩ - وَلَمْ يَحِدْ عَنْ ذَاكَ إِلَّا حَاسدُ … أَوْ جَاحِدٌ لِحَقِّهِ مُعَانِدُ ١٠ - فَانْتَسَخَتْ بِشَرْعِهِ الشَّرَائِعُ … وَانْقَطَعَتْ عَنْ غَيْرِهِ الْمَطَامِعُ ١١ - وَاخْتَصَّهُ اللهُ بِمُعْجِزَاتِ … مِنْهَا الْكِتَابُ الْوَاضِحُ الْآيَاتِ ١٢ - أَنْزَلَهُ مُفَصَّلَ الْأَحْكَامِ … مُبَيَّنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ١٣ - صَادِعَةً آياتُهُ بِصِدْقِه … وَفَضْلِهِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقَهِ ١٤ - فَأَكمَلَ الدِّينَ بِهِ لِلأُمّةِ … مُتَمِّمًا عَلَيْهِمُ لِلنِّعْمَةِ ١٥ - وَإِنَّ فِي الْعَجْزِ عَنِ الْإِتْيَانِ … بِمِثْلِهِ لأعْظَمُ الْبُرْهَانِ ١٦ - وإِذْ أَقَرَّ الشَّرْعَ أَصْلًا أَصْلَا … خُيِّرَ فَاخْتَارَ الرَّفِيقَ الأعْلَى ١٧ - وَبَقِيَ الْهُدَى لِبَاقِي أُمَّتِه … فِي مُقْتَضَى كتَابِهِ وَسنَّتِه ١٨ - عَلَيْهِ مِنْ بَاعِثِهِ بِالْحِكْمَةِ … أَزْكَى الصَّلَاةِ وَأَعَمُّ الرَّحْمَةِ ١٩ - وَبَعْدُ فَالْعِلْمُ حَيَاةٌ ثَانِيَةْ … لَهَا دَوَامٌ وَالْجُسُومُ فَانِيَةْ ٢٠ - وَمُذْ غَدَا ظِلُّ الشَّبَابِ زَائِلَا … وَلَمْ أَنَلْ مِنَ الزَّمَانِ طَائِلَا

стр. 35

٢١ - جَعَلْتُ فِي كتْبِ الْعُلُومِ أُنْسِي … وَعَنْ سِوَى الْعِلْمِ صَرَفْتُ نَفْسِي ٢٢ - فَالْعِلْمُ أَوْلَى مَا انْقَضَى بِه الزَّمَن … وَكُتْبُهُ هِيَ الْجَلِيسُ الْمُؤْتَمَن ٢٣ - وَالْمَوْرِدُ الْمُسْتَعْذَبُ الْفُرَاتُ … وَمِنْ أَجَلِّهَا الْمُوَافَقَاتُ ٢٤ - لِشَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الْمُرَاقِبِ … ذَاكَ أَبُو إِسْحَاقَ نَجْلُ الشَّاطِبِي ٢٥ - فَهْوَ كِتَابٌ حَسَنُ الْمَقَاصِدِ … مَا بَعْدَهُ مِنْ غَايَةٍ لِقَاصِدِ ٢٦ - وَكَانَ قَدْ سَمَّاهُ بِالْعُنْوَانِ … وَاخْتَارَ مِنْ رُؤْيَا ذَا الاِسْمَ الثَّانِي ٢٧ - وَقَدْ سَمَعْتُ بَعْضَهُ لَدَيْهِ … وَمِنْهُ فِي تَرَدُّدِي إِلَيْه ٢٨ - لَاكِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِلَافِي … إِلَّا يَسِيرَ الْقَدْرِ غَيْرَ شَافِ ٢٩ - لأَنْ ثَنَى التَّقْصِيرُ مِنْ عِنَانِي … وَصَدَّنِي عَنْ قُرْبِهِ زَمَانِي ٣٠ - حَتَّى غَدَتْ حَيَاتُهُ مُنْقَضِيَه … فِي عَامَ تِسْعِينَ إِلَى سَبْعِ مِائَه ٣١ - وَالآنَ مُذْ نَبَذَت عَنِّي شُغُلِي … وَصَارَ نَيْلُ الْعِلْمِ أَقْصَى أَمَلِي ٣٢ - جَدَّدْتُ عَهْدِي بِاجْتِنَاءِ زَهْرِهِ … وَرُضْتُ فِكْرِي فِي اقْتِفَا أَثَرِهِ ٣٣ - فَجُلْتُ مِنْهُ فِي مَدَى بَيَانِ … بَلْ رَوْضَةٍ مِنْ ثَمْرِهَا الْمَعَانِي ٣٤ - فُنُونُهَا تَشَعَّبَتْ أَفْنَانُهَا … وَاخْتَلَفَتْ بِأُكْلِهَا صِنْوَانُهَا ٣٥ - فَمَوْرِدُ الصَّادِي بِهَا رَحِيقُ … وَمُجْتَلَاهُ زَهْرُ أَنِيقُ ٣٦ - لَاكِنْ رَأَيْتُ مُرْتَقَاهُ صَعْبَا … وَمُنْتَدَاهُ فِي الْمَقَالِ رَحْبَا ٣٧ - فَمَالَتِ النَّفْسُ إِلَى تَحْرِيرِهِ … فِي رَجَزٍ قَصْدًا إِلَى تَيْسِيرِهِ ٣٨ - بِضَمِّ مَا انْتَشَرَ مِنْ فَوَائِدِه … وَنَظْمِ مَا انْتَثَرَ مِنْ فَرَائِدِه ٣٩ - بَنَيْتُ فِيهِ عَلَى الاقْتِضَاب … وَمِلْتُ لِلْإِيجَازِ لَا الإِطْنَابِ ٤٠ - مُنْتَخِبًا مِنَ الْفُصُولِ مَا نَحَا … وَمَا بِهِ الْفِكْرُ الْكَلِيلُ سَمَحَا ٤١ - مِنِ اعْتِرَاضَاتٍ وَتَنْبِيهَاتِ … وَمِنْ أَدِلَّةٍ وَتَوْجِيهَاتِ ٤٢ - وَجَاعِلًا لَهُ مِنَ السِّمَاتِ … نَيْلَ الْمُنَى مِنَ الْمُوَافَقَاتِ

стр. 36

٤٣ - فَعَدُّهُ لَمْ يَعْدُ فِي الْمَسْطُورِ … سِتَّةَ آلافٍ مِنَ الْمَشْطُورِ ٤٤ - وَهَا أَنَا بِمَا قَصَدْتُ آتِ … مُقَدِّمًا حُكْمَ الْمُقَدِّمَاتِ ٤٥ - وَأَسْأَلُ التَّوْفِيقَ وَالْإِعَانَةْ … فِي شَأْنِهِ مِنْ رَبِّنَا سبْحَانَهْ المقدمات " المقدمة الأولى " ٤٦ - إِنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ قَطْعِيَّاتُ … لِأنَّهَا لِلشَّرْعِ كلِّيَّاتُ ٤٧ - وَذَا بِالاسْتِقْرَاءِ يَسْتَبِينُ … وَمَا كَذَا فَشَأْنُهُ الْيَقِينُ ٤٨ - بَيَانُهُ اسْتِقْرَاؤُنَا فِي الشَّرْعِ … لِحُكْمِهِ كَذَاكَ وَهْوَ قَطْعِي ٤٩ - أَوْ مِنْ دَلِيلِ الْعَقْلِ ذِي لِلْقَطْعِ … أَوْ جِهَةِ الْمَجْمُوعِ وَهْوَ قَطْعِي ٥٠ - وَمَعَ ذَا لَوْ لَمْ تَكُنْ قَطْعِيَّة … لَاتَّصَفَتْ بِأَنَّهَا ظَنِّيَّة ٥١ - وَلَوْ أُجِيزَ الظَّنُّ فِي كلِّيَّة … لَجَازَ فِي الْكُلِّيَّةِ الْأَصْلِيَّة ٥٢ - وَذَاكَ عَادَةً مُحَالٌ أَصْلُهُ … فَكُلُّ مَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ ٥٣ - هَذَا وَلَوْ جَازَ سِوَى الْيَقِينِ … فِيهَا لَجَازَ فِي أُصُولِ الدِّينِ ٥٤ - وَمَا كذَاكَ تِلْكَ بِاتِّفَاقِ … فَلْيُجْرَ حُكْمُ الْقَطْعِ بِالإِطْلَاقِ ٥٥ - فَهْيَ لَدَى الشَّرْعِ أُصُولٌ مِثْلُهَا … فَشَأْنُهَا مُتَّحِدٌ وَأَصْلُهَا ٥٦ - وَالْقَصْدُ كُلِّيَاتُهُ الْمَشْهُورَة … تَحْسِينًا أَوْ حَاجَةً أَوْ ضَرُورَة ٥٧ - وَهْيَ التِي قَدْ ضُمِنَ الْحِفْظُ لَهَا … وَأَخْبَرَ اللهُ بِأَنْ أَكْمَلَهَا ٥٨ - فَالْحِفْظُ وَالإِكْمَالُ لِلْكُلِّيِّ … دَلِيلُهُ تَخَلُّفُ الْجُزْئِيِّ ٥٩ - وَقَدْ نَفَى الْقَاضِي عَنِ الْأُصُولِ … مَا لَيْسَ قَطْعِيًّا عَلَى التَّفْصِيلِ ٦٠ - مِثْلُ تَفَاصِيلِ الْحَدِيثِ وَالْعِلَل … وَغَيْرِهَا مِمَّا عَلَى الظَّنِّ اشْتَمَل ٦١ - وَاعْتَذَرَ الإمَامُ عَنْ إِدْخالِهِ … فِيهَا لِأَنَّ الْقَطْعَ مِنْ مَالِهِ

стр. 37

٦٢ - هْوَ وَإِنْ أُلْفِيَ غَيْرَ قَطْعِي … يَرْجِعُ فِي الْمَعْنَى لِحُكْمِ الْقَطْعِ ٦٣ - قَالَ الإمَامُ الْمَازِرِيُّ أَنَّهْ … لَا وَجْهَ أَنْ حُوشِيَ ذَا مِنْ هَنَّهْ ٦٤ - فَهْيَ قَوَانِينُ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا … فِي غَيْرِهَا فَصَحَّ فِيهَا رَسْمُهَا ٦٥ - قَالَ وَمِنْ أَبِي الْمَعَالِي يَحْسُنُ … إِخْرَاجُهَا مِنْهَا وَهَذَا بَيِّنُ ٦٦ - إِذِ الأُصُولُ عِنْدَهُ الْأَدِلَّة … وَهْيَ بِحُكْمِ الْقَطْعِ مُسْتَقِلَّة ٦٧ - كَمَا رَأَى الْقَاضِي لَا يَحْسُنَ بِه … إِخْرَاجُهَا تَمَسُّكًا بِمَذْهَبِه ٦٨ - حَيْثُ أُصُولُ الْفِقْهِ لَيْسَتْ عِنْدَهُ … إِلَّا أُصُولَ الْعِلْمِ فِيمَا حَدَّهُ ٦٩ - وَلَيْسَ بَيْنَ الأَصْلِ وَالْقَانُونِ … فَرْقٌ فَلَا بُدَّ مِنَ الْيَقِينِ ٧٠ - وَمَا مِنَ الأُصُولِ ظَنِّيًّا يَقَعْ … مِثْلَ التَّفَاصِيلِ فَآتٍ بِالتَّبَعْ " المقدمة الثانية " ٧١ - ذَا الْعِلْمُ ذُو أَدِلَّةٍ كلِّيَّة … عَادِيَّةٍ سَمْعِيَّةٍ عَقْلِيَّة ٧٢ - فَمَا أَتَى دَلِيلًا أَوْ مُقَدِّمَة … فِيهِ فَبِالْقَطْعِ تَكُونُ مُعْلِمَة ٧٣ - وَأَشْرَفُ الأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّة … مَا كَانَ ذَا دَلَالَةٍ قَطْعِيَّة ٧٤ - تَوَاتَرَتْ لَفْظًا عَلَيْهِ يُبْنَى … أَوْ مَا لَهُ تَوَاتُرٌ فِي الْمَعْنَى ٧٥ - أَوْ مَا اسْتَفَدْنَاهُ مِنِ اسْتِقْرَاءِ … مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَاءِ ٧٦ - وَحُكْمُ كُلِّ ذَاكَ فِي الدَّلَالَة … وُجُوبٌ أَوْ جَوَاز أَوْ إِحَالَه ٧٧ - وَيَلْحَقُ الْوُقُوعُ فِي الْجَمِيعِ … بِهَذِهِ وَعَدَمُ الْوُقُوعِ ٧٨ - وَكوْنُهُ حُجَّةً أَوْ لَا ذَلِكَا … يُوْخَذُ مِنْ وُقُوعِهِ كذَلِكَا ٧٩ - وَمَا عَلَى الصِّحَّةِ وَالْعَكْسِ اشْتَمَلْ … مَرْجِعُهُ إِلَى الثَّلَاثَةِ الْأوَلْ ٨٠ - وَكَوْنُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ … لَيْسَ مِنَ الْأُصُولِ بِالْإِلْزَامِ ٨١ - مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا أُصُولًا وَالذِي … يُدْخِلُهَا خَلْطَ الْعُلُومِ يَحْتَذِي

стр. 38

" المقدمة الثالثة " ٨٢ - لَا تَدْخُلُ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّة … ذَا الْعِلْمَ إِلَّا تَخْدِمُ النَّقْلِيَّة ٨٣ - فَالْعَقْلُ فِي الْمَشْرُوعِ لَا مَجَالَ له … إِلَّا بِقَدْرِ النَّقْلِ فِيمَا احْتَمَلَه ٨٤ - إِذًا فَقَدْ صَحَّ مِنَ السَّمْعِيَّة … بِأَنَّهَا الأَدِلَّةُ الْمَرْعِيَّة ٨٥ - وَيَنْدُرُ الْقَطْعِيُّ فِي آحَادِ … أَدِلَّةِ السَّمْعِ فِي الاِنْفِرَادِ ٨٦ - لِأَجْلِ أَنَّ قَطْعَهَا مَوْقُوفُ … عَلَى أُمُورٍ ظَنُّهَا مَعْرُوفُ ٨٧ - مِنْهَا طَرِيقُ النَّقْلِ لِلُّغَاتِ … وَمُقْتَضَى مَذَاهِبِ النُّحَاةِ ٨٨ - وَمَا بِهِ التَّرْتِيبُ ذُو امْتِيَازِ … وَفَقْدُ الاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ ٨٩ - وَالنَّسْخِ وَالْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ … وَالنَّقْلِ لِلشَّرْعِيِّ وَالْعَادِيِّ ٩٠ - وَالْحَذْفِ وَالتَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ … بَلْ يُسْتَفَادُ الْقَطْعُ مِنْ نُصُوصِ ٩١ - تَضَافَرَ اسْتِقْرَاؤُهَا فِي مَعْنَا … فَجَاوَزَتْ لِلْقَطْعِ فِيهِ الظَّنَّا ٩٢ - فَالاجْتِمَاعُ فِيهِ بِالْإِطْلَاقِ … مَا لَا يَكُونُ مَعَ الافْتِرَاقِ ٩٣ - وَهْوَ كَذِي تَوَاتُرٍ فِي الْمَعْنَى … كجُودِ حَاتِمٍ بِحَيْثُ عَنَا ٩٤ - شَانُ ثُبُوتِ الْقَطْعِ بِالصَّلَاةِ … وَالْحَجِّ وَالصّيَامِ وَالزَّكَاةِ ٩٥ - وَعَدَمُ اعْتِبَارِ هَذَا أَدَّى … قَوْمًا لِأَنْ هَدُّوا النُّصُوصَ هَدَّا ٩٦ - وَفِي اعْتِبَارِه فِي الاسْتِدْلَالِ … رَفْعٌ لِمَا يَعْرِضُ مِنْ إِشكَالِ ٩٧ - أَلَا تَرَى الْخَمسَ الضَّرُورِيَاتِ … مَعْلُومَةَ الْقَطْعِ عَلَى الْبَتَاتِ ٩٨ - لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنِ … بَلْ جُمْلَةٍ أَفْضَتْ إِلَى التَّيَقُّنِ ٩٩ - وَسَائِرُ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ … بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ الْمَرْعِيَّة ١٠٠ - وَبِاعْتِبَارِ حَالَةِ الْمجْمُوعِ … تَبَايُنُ الأُصُولِ لِلْفُرُوعِ ١٠١ - وَاعْلَمْ بِأَنَّ كُلَّ أَصْلٍ شَرْعِي … مُلَائِمٌ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ ١٠٢ - لَمْ يَشْهَدِ النَّصُّ عَلَى التَّعْيِينِ … لَهُ صَحِيحٌ فِي أُمُورِ الدِّينِ

стр. 39

١٠٣ - مُرْسَلُ الاسْتِدْلَالِ هَذَا أَصْلُهُ … لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ نَقْلُهُ ١٠٤ - وَأَصْلُ الاسْتِحْسَانِ مِثْلُ ذَلِكْ … وَهْوَ عَلَى رَأَي الإِمَامِ مَالِكْ ١٠٥ - تَقْدِيمُهُ مُرْسَلَ الاسْتِدْلَالِ … عَلَى الْقِيَاسِ الثَّابِتِ الإِعْمَالِ " المقدمة الرابعة " ١٠٦ - كُلُّ مَنُوطٍ بِأُصُولِ الْفِقْهِ … لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَرْغ فِقْهِي ١٠٧ - فَإِنَّ جَعْلَهُ مَعَ الأُصُولِ … مِنْ جُمْلَةِ التَّشْغِيبِ وَالتَّطْوِيلِ ١٠٨ - كمِثْلِ لَا تَكْلِيفَ عِنْدَ الشَّرْعِ … إِلَّا بِفِعْلٍ وَابْتِدَاءِ الْوَضْعِ ١٠٩ - وَالأمْرِ لِلْمَعْدُومِ وَالرَّسُولُ هَلْ … كَانَ لَهُ تَعَبُّدًا شَرْعُ الأَوَلْ ١١٠ - وَلَيْسَ بِاللَّازِمِ أَنْ يَكُونَ مَا … عَلَيْهِ فِقْة بِالتِي لَهَا انْتَمَى ١١١ - كَالنَّحْوِ وَالْبَيَانِ وَالتَّصْرِيفِ … وَكَالْمَعَانِي الآتِي فِي الْحُرُوفِ ١١٢ - وَكُلُّ مَا أَشْبَهَهُ فِي حُكْمِهِ … مِمَّا انْقَضَى الْبَحْثُ بِهِ فِي عِلْمِهِ ١١٣ - لَكِنْ هُنَا مَسْأَلَةٌ خَطِيرَة … وَفِي الأُصُولِ عِنْدَهُمْ شَهِيرَة ١١٤ - وَهْيَ الْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ كلُّهُ … كَذَلِكَ السُّنَّةُ أَيْضًا مِثْلُهُ ١١٥ - مِنْ جِهَةِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي … وَمُقْتَضَى أَسَالِيبِ الْبَيَان ١١٦ - لَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْمُعَرَّبَاتِ … وَكُلُّ ذَا بَيَانُهُ سَيَاتِي ١١٧ - وَما مِنَ الأُصُولِ فِيهِ يَخْتَلِف … وَالْخُلْفُ لَا يَأْتِي بِفِقْهٍ مُؤْتَنِف ١١٨ - فَالأَخْذُ بِالتَّصْحِيحِ وَالتَّزْيِيفِ فِي … مَوَاقِعَ الْخُلْفِ مِنَ التَّكَلُّفِ ١١٩ - كَالْفَرْضِ تَخْيِيرًا أَوِ الْمَمْنُوعِ … وَحَالَةِ الْكُفَّارِ فِي الْفُرُوعِ " المقدمة الخامسة " ١٢٠ - مَا لَيْسَ يُبْتَنَى عَلَيْهِ عَمَلُ … أَوِ اعْتِقَادٌ مَنْعُهُ لَا يُشْكلُ ١٢١ - دَلِيلُهُ أَنَّا رَأَيْنَا الشَّرْعَ لَا … يَسْمَحُ فِيمَا لَا يُفِيدُ عَمَلَا

стр. 40

١٢٢ - وَذَا لَهُ مِن أَوْضَحِ الأَدِلَّة … جَوَابُ مَنْ سَأَلْ عَنِ الأَهِلَّة ١٢٣ - وَرُبَّمَا قَدْ يُفْهِمُ امْتِنَاعَهْ … جَوَابُ جِبْرِيلَ عَنْ أَمْرِ السَّاعَهْ ١٢٤ - وَقَدْ أَتَى النَّهْيُ عَنِ السُّؤَالِ … عَنْ غَيْرِ مَا يُفِيدُ فِي الأَعْمَالِ ١٢٥ - وَعَدَمُ اسْتِحْسَانِهِ مِنْ أَوْجُهِ … مِنْهَا التَّشَهِّي وَهْوَ عَنْهُ قَدْ نُهِي ١٢٦ - وَالْخَوْضُ فِيمَا شَأْنهُ لَا يُغْنِي … وَأَنَّهُ شُغْلٌ بِمَا لَا يَعْنِي ١٢٧ - وَأَنَّهُ دَاعِيَةُ النُّفُورِ … مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ وَالْغُرُورِ ١٢٨ - وَلَا يُقَالُ الْعِلْمُ بِاسْتِغْرَاقِ … مُطَّلَبٌ شَرْعًا عَلَى الْإِطْلَاقِ ١٢٩ - وَأَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْضَ النَّاسِ .. مَا فِي الْعُلُومِ كُلِّهَا مِنْ بَاسِ ١٣٠ - وَأَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَة … فَيَنْبَغِي أَنْ تُقْتَفَى دِرَايَة ١٣١ - وَحَضَّ جَلَّ وَعَلَا عَلَى النَّظَر … فِي مَلَكُوتِهِ وَذَاكَ مُعْتَبَر ١٣٢ - وَالْعِلْمُ بِالتَّفْسِيرِ مَطْلُوبٌ وَقَدْ … يَكُونُ فِيمَا لَا لِتَكْلِيفٍ وَرَدْ ١٣٣ - لِأَنَّنَا نَقُولَ لَيْسَ الأَمْرُ … كذَاكَ وَالْمَطْلُوبُ ذَاكَ الْقَدْرُ ١٣٤ - وَمَا أَتَى فِي ذَاكَ مِنْ تَنْصِيصِ … مُحْتَمِلُ التَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ ١٣٥ - وَالْفَرْضُ مِمَّا ذُمَّ فِي الْعُلُومِ … الْعِلْمُ أَنَّهُ مِنَ الْمَذْمُومِ ١٣٦ - وَرَدُّ كُلِّ فَاسِدٍ مَمْنُوعِ … بِمُقْتَضَى مَا جَاءَ فِي الْمَشْرُوعِ ١٣٧ - وَقِصَّةُ الرَّدِّ لِسِحْرِ السَّحَره … بِغَيْرِ مَا جَاؤُوا بِهِ مُعْتَبَرَه ١٣٨ - وَقَدْ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا الْحُكْمِ … عَلَى يَدَيْ وَلِيٍّ أَوْ ذِي عِلْمِ ١٣٩ - وَمَا يُدَاخِلُ فِي الاعْتِبَارِ … بِكُلِّ مَا بَدَا مِنَ الآثَارِ ١٤٠ - تَتَبُّعُ الأَمْرِ الْعَسِيرِ فِي الطَّلَبْ … وَكُلُّ مَا لَا عَهْدَ فِيهِ لِلْعَربْ ١٤١ - فَإِنَّ ذَا مِنْ عَادَةِ الْفَلَاسِفَةْ … وَهْيَ لِسُنَّةِ الْهُدَى مُخَالِفَةْ ١٤٢ - وَمَا مِنَ التَّفْسِيرِ فِيمَا لَمْ يَقَعْ … فِي ظِلِّهِ التَّكْلِيفُ فَهْوَ بِالتَّبَعْ ١٤٣ - لِذَلكَ لَمْ يَسَلْ عَنِ الأَبِّ عُمَرْ … وَعَنْ تَخَوُّفٍ سُؤَالُهُ صَدَرْ
следующие страницы →