← Фатава

Фатава · id 8381

فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

Полный текст (20 582 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

أما قبل عيسى ﵇ فقد ثبت أنها لم يمسسها بشر، ولم تك بغيا، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ (١) ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (٢) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (٣) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ (٤) ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٥) وقد أقر الله تعالى قولها وصدقها فيه. وبهذا يتبين أن ما قيل من أن مريم بنت عمران تزوجت أو ولدت غير عيسى ﵊ لا أصل له. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2102

فتوى رقم (٢١٩٠) : س ورد خبر إلينا أن ستطبع ترجمة القرآن الكريم بيد محمد أسد في إيرلندا (دبلن) قريبا، وسوف تنشر هنا، وقد شكلت لجنة لنشر هذه الترجمة ومن بينهم أساتذة مسلمون من الهند، ويدعي محمد أسد في ترجمته أن نبي الله عيسى ﵇ قد مات،

стр. 2103

وأن اعتقاد المسلمين في عودته خطأ، وفي ضوء هذا الزعم أقدم إليكم الأسئلة الآتية. ١ - ما هو حال النبي عيسى ﵇ وفق الكتاب والسنة الشريفة الثابتة؟ ج خلق الله تعالى نبيه عيسى ﵇ من أم وبلا أب، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ (١) ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (٢) ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (٣) ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ (٤) ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٥) ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ (٦) ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ (٧) ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (٨) ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٩) ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ (١٠) ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (١١) ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ (١٢) . فدل ذلك على أنه من أمه مريم فقط بإذن الله وكلمته لا من أب ليكون آية للناس، ومع ذلك اتهمها اليهود بأنها جاءت به من

стр. 2104

الزنا، فأنطق الله تعالى ابنها عيسى وهو في المهد ببراءتها، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ (١) ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٢) ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (٣) ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (٤) ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (٥) ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (٦) ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٧) ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ (٨) ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ (٩) . فبرأه الله بهذه المعجزة أن يكون له أب من الزنا، ونزه سبحانه نفسه أن يكون له ولد، وإذن فليس عيسى ولد الله، وأخبرت مريم عن نفسها أنها لم يمسسها بشر، وصدقها الله في ذلك، ونسبه سبحانه إلى أمه في أكثر من موضع في القرآن، ولو كان من أب لنسبه إلى أبيه، كما هي سنته تعالى في كلامه، فدل ذلك على أنه من أم فقط، وهو نبي الله ورسوله، كما دلت عليه الآيات السابقة وغيرها. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2105

٢ - ما حكم من قال: إن عيسى قد مات؟ ج: ثبت بالأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة أن عيسى ابن مريم ﵉ لم يقتل ولم يمت، بل رفعه الله إليه حيا، وأنه

стр. 2106

سينزل آخر الزمان حكما عدلا في هذه الأمة، فمن قال: إن عيسى ابن مريم قد مات وأنه لا ينزل آخر الزمان فقد خالف كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ وأخطأ خطأ فاحشا، ويحكم بكفره بعد البلاغ وإقامة الحجة عليه لتكذيبه لله ورسوله. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2107

٣ - هل توجد أدلة تدل على أن عيسى قد نشر دعوته لأناس في الهند وأفغانستان والسند وإيران؟ ج: الأصل الذي يعتمد عليه في مثل ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الصحيحة لا العقل؛ لأن المسألة خبرية محضة، ولا التاريخ؛ لأنه غير مأمون لعدم نقله بالأسانيد المتصلة الموثوق برواتها، ولذا كثر فيه الكذب، ولم يوجد في القرآن ما يدل على أن عيسى ﵇ نشر دينه في البلاد المذكورة ولم يثبت عن رسول الله ﷺ فيما نعلم حديث يدل على ذلك، وإنما الذي ثبت فيهما أن الله بعثه إلى بني إسرائيل وأنه بلغهم رسالة ربه، والذي اشتهر أن الديانة المسيحية كانت مهددة بخطر من اليهود بعد أن رفع الله المسيح ابن مريم إليه، وأنه ما كتب لها الانتشار إلا عن طريق حكومة الرومان، وهذه مسألة تاريخية لا يترتب على العلم بها فائدة ذات أهمية. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2108

٤ - لماذا طبعت الترجمة المذكورة في دولة إسلامية علما أن محمد أسد مستوطن في المملكة المغربية على علمنا،

стр. 2109

ولم أجد شيئا في الكتاب أو السنة المعروفة لدي مثبتا للأسئلة أعلاه، وسوف تقوي فتواكم يدي والرد على هذه الأمور وسد نشر الترجمة هنا؟ ج: في ترجمته أخطاء فاحشة وكفريات فاضحة من أجلها قرر المجلس التأسيسي لرابطة العالم بمكة المكرمة أنه يحرم طبعها ونشرها. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2110

السؤال الأول من الفتوى رقم (٩٠٨٧) : س١: استشهاد الكنيسة بآيات من القرآن الكريم بأن عيسى ﵇ ابن الله، ودليلهم على ذلك قالوا: لما كان الله وحده قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ (١) بصفة المفرد، ولما خلق عيسى ﵇ تغير أسلوب بعض الآيات إلى صيغة الجمع وضربوا مثلا بالآية الشريفة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (٢) و: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ (٣)

стр. 2111

وقالوا الله تعالى تكلم بصفة الجمع، أي بمعنى (الله وعيسى ﵇ والروح القدس) وقد تشرفنا بزيارة فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عوين وفضيلة الشيخ علي بن فهد بن غيث في هذه الفترة وقد أشارا مشكورين بالكتابة إلى سماحتكم؟ ج١ ليس في تنوع الأسلوب القرآني وإخبار الله تعالى عن نفسه مرة بصيغة الإفراد، وأخرى بصيغة قد تستعمل في الجمع أحيانا وفي المفرد أحيانا على وجه التعظيم ليس في ذلك دليل على بنوة عيسى ﵇ لله، ولا على إلهيته، وذلك لوجوه: الوجه الأول أن تنوع الأسلوب في القرآن بالجمع والإفراد كان قبل أن يخلق الله تعالى عبده عيسى ﵇ وأمه مريم بآلاف السنين وحين خلقهما وبعد أن خلقهما، فلا أثر لوجودهما في تنوع الأسلوب، بل ذلك لأمر آخر يتبين مما يأتي، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (١) ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ (٣)

стр. 2112

فجاء الأسلوب متنوعا قبل أن يكون عيسى وأمه ﵉، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (١) إلى أن قال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣) إلى أن قال: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ (٤) إلى أن قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٥) وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (٦) وقال في خليله إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ (٧) ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (٨) وقال في كليمه موسى ﵇: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٩) ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ (١٠) وقال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (١١) الآية، وقال: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١٢)

стр. 2113

وقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ﴾ (١) الآيات، وأمثالها من الآيات تنوع في الأسلوب إفرادا وجمعا في خلق عيسى ومخاطبته وقبل خلقه، ومن هذا يتبين أن الأسلوب ما تغير بعد خلق عيسى ﵇ ليكون دليلا على بنوته لله أو إلهيته معه، بل لأمر أخر يعرف من الوجه الثاني. الوجه الثاني أن كل من عرف لغة العرب وأسلوبهم في التعبير يعلم أن ضمير التكلم مثل كلمة (أنا) ، وتاء المتكلم يستعملها الفرد في الحديث عن نفسه، أما ضمير التكلم لفظ، (نحن) ، و (نا) ، فيستعملها الاثنان فأكثر، وقد يستعملها الفرد العظيم أو المتعاظم إشعارا بعظمته، وسياق الكلام ومقتضى الحال وما احتف بالحديث من القرائن هو الذي يرشد القارئ والسامع إلى المراد ويعين المقصود، ومن خالف في ذلك فهو إما جاهل عميت عليه الأنباء، وإما معاند يريد التلبيس وتحريف الكلم عن مواضعه، إتباعا للهوى، ويأبى الله إلا أن يحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون، ويكشف ذلك الوجه الثالث. الوجه الثالث أن القرآن كتاب أحكمت آياته، ثم فصلت من

стр. 2114

لدن حكيم خبير، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، يفسر بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، وقد قال تعالى فيه ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ (١) ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ (٢) ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ (٣) ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (٤) ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ (٥) ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٦) وقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٧) ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٨) ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (٩) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (١٠) وقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١١) فوجب على من آمن به أن يجمع بين آياته، ولزم من استدل بنصوصه أن ينصفه من نفسه، فلا يستدل ببعضه ويعرض عن بعض، وألا يلبس الحق بالباطل ليضرب بعضه ببعض بغيا وعدوانا ترويجا للباطل، كما فعل أسلافهم اليهود بالتوراة، فأنكر الله عليهم ذلك بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٢) الآيات

стр. 2115

وعلى هذا لزم من نحا نحو القرآن ليستدل به أن ينفي بنوة عيسى ﵇ لله وإلهيته مع الله، ويثبت وحدانية الله تعالى، لما ذكر من الآيات، ولقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١) ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٢) الآيات وأمثال ذلك في القرآن كثير، وإلا فليكفوا عن هذا التلاعب حتى لا يلزمهم العار، ويضحكوا العقلاء من نفسهم، ويحق فيهم المثل القائل (ليس هذا بعشك فادرجي) . وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2116

فتوى رقم (٢٦٢) : س هل عيسى حي أو ميت في نظر القرآن الكريم والسنة المطهرة؟ ج ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن المسيح عيسى ﵊ لم يزل حيا، وأن الله رفعه إلى السماء، وأنه سينزل

стр. 2117

آخر الزمان عدلا يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ويدعو إلى ما جاء به من الحق، وعلى ذلك دلت نصوص القرآن والأحاديث الصحيحة، قال الله تعالى في فرية اليهود والرد عليها ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (١) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢) فأنكر سبحانه على اليهود زعمهم أنهم قتلوه أو صلبوه، وأخبر أنه رفعه إليه رحمة به وتكريما له، وجعل ذلك آية من آياته التي يؤتيها من شاء من رسله، وما أكثر آيات الله في عيسى ابن مريم أولا وآخرا، ومقتضى الإضراب في قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٣) أن يكون الله قد رفع عيسى بدنا وروحا حتى يتحقق به الرد على زعم اليهود أنهم قتلوه أو صلبوه؛ لأن القتل والصلب إنما يكون للبدن أصالة؛ ولأن رفع الروح وحدها لا ينافي دعواهم الصلب والقتل فلا يكون رفعها وحدها ردا عليهم؛ ولأن ذلك مقتضى كمال عزته وقوته وتكريمه ونصره من شاء من رسله حسبما قضى به قوله تعالى في ختام الآية: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٥) فأخبر سبحانه بأن

стр. 2118

جميع أهل الكتاب سوف يؤمنون بعيسى قبل موته، أي: موت عيسى، وذلك عند نزوله آخر الزمان حكما عدلا داعيا إلى الإسلام، كما سيجيء بيانه في حديث نزوله، وهذا المعنى هو المتعين فإن الكلام سيق لبيان موقف اليهود من عيسى وصنيعهم معه ولبيان سنة الله في إنجائه ورد كيد أعدائه، فيتعين رجوع الضميرين المجرورين إلى عيسى رعاية لسياق الكلام، وتوحيدا لمرجع الضميرين، وثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد قال أبو هريرة: (اقرءوا إن شئتم: الآية (٢) » . وفي رواية عنه عن النبي ﷺ قال: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم (٣) » ، وثبت في الصحيح أيضا أن جابر بن عبد الله سمع النبي ﷺ يقول «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى ابن مريم ﷺ فيقول أميرهم تعال صل لنا، فيقول لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة (٤) » فدلت الأحاديث على نزوله آخر الزمان، وعلى أنه يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، وعلى أن إمام هذه الأمة في الصلاة وغيرها أيام نزول عيسى من هذه الأمة، وعلى ذلك لا تكون هناك منافاة بين نزوله وبين ختم النبوة بنبينا محمد ﷺ

стр. 2119

حيث لم يأت عيسى برسالة جديدة، ولله الحكم أولا وآخرا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا معقب لحكمه، وهو العزيز الحكيم. فمن زعم أن عيسى ﵊ صلب أو قتل فهو كافر؛ لمخالفته لصريح القرآن، ولما ثبت من الأحاديث عن النبي ﷺ ، ومن قال من المسلمين إن الله تعالى أمات عيسى ﵊ موتا حقيقيا، ثم رفعه إليه حينما كاد له اليهود وعزموا على صلبه وقتله، فقد شذ عن جماعة المسلمين وضل عن سواء السبيل؛ لمخالفته ظواهر نصوص القرآن والسنة الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، والذي حداهم إلى هذا فهمهم الخاطئ لقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) حيث فسر التوفي بالإماتة فخالف بذلك ما صح عن السلف من تفسيره بقبض الله إياه من الأرض ورفعه إليه حيا وتخليصه بذلك من الذين كفروا جمعا بين نصوص الكتاب والسنة الصحيحة على رفعه حيا وعلى نزوله آخر الزمان وإيمان أهل الكتاب جميعا وغيرهم به. وما روي عن ابن عباس من تفسير التوفي هنا بالإماتة فغير صحيح لانقطاع سنده إذ هو من رواية علي بن أبي طلحة عنه، وعلي لم يسمع منه ولم يره، وإنما روى عنه بواسطة، ولم يصح أيضا ما روي عن وهب بن منبه اليماني من

стр. 2120

تفسير التوفي بالإماتة؛ لأنه من رواية ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب، ففيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، وفيه مجهول، ثم هذا التفسير لا يزيد عن كونه احتمالا في معنى التوفي، فإنه قد فسر بأن الله قد قبضه من الأرض بدنا وروحا ورفعه إليه حيا، وفسر بأنه أنامه ثم رفعه، وبأنه يميته بعد رفعه ونزوله آخر الزمان، إذ الواو لا تقتضي الترتيب، وإنما تقتضي جمع الأمرين له فقط، وإذا اختلفت الأقوال في معنى الآية وجب المصير إلى القول الذي يوافق ظواهر الأدلة الأخرى جمعا بين الأدلة، وردا للمتشابه منها إلى المحكم، كما هو شأن الراسخين في العلم دون أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه من التنزيل ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وكذلك القول في اختلافهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (١) فيجب المصير فيه إلى معنى يتفق مع سياق الكلام وما ثبت من أحاديث نزول عيسى آخر الزمان وإيمان أهل الكتاب جميعا وغيرهم به؛ جمعا بين الأدلة، ومحافظة على مقصد المتكلم من كلامه، فمن نظر إلى هذه الآية مجردة عما قبلها وعن القصد الذي سيقت له وعن الأدلة الأخرى التي وردت في موضوعها وتأولها على معنى لا أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن بالله أو بعيسى قبل موته، أي الكتابي - فقد خالف ظاهر الآية وسياق الكلام وما ثبت من الأدلة الأخرى في شأن عيسى، وكان بذلك ممن اتبع ما تشابه من المنزل ولم يرده إلى المحكم منه،

стр. 2121

ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فحق عليه وعيد من في قلوبهم زيغ، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) ثم إن من يقول بإماتة الله لعيسى حين كاد له اليهود إما أن يعترف بنزول عيسى ﵇ آخر الزمان عملا بما ورد من الأحاديث الصحيحة في ذلك وإما أن ينكر نزوله، فإن اعترف به لزمه أن يثبت لعيسى موتا ثم حياة في الدنيا ثم موتا عند الكيد والرفع ثم حياة ثم موتا بعد النزول ثم حياة عند البعث، وهذا مخالف بلا دليل لقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢) ولقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٣) وإن أنكر نزوله بعد رفعه كان رادا للأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول عند علماء المسلمين الشاهدة شهادة صريحة بنزوله ودعوته إلى الحق وحكمه به وقتله الخنزير وكسره الصليب ... إلخ ما ثبت من أحواله بعد نزوله، وكلا الأمرين لا مخلص منه إلا بالقول بما قال به أهل

стр. 2122

السنة والجماعة من إنجاء الله عيسى من كيد اليهود ورفعه إليه بدنا وروحا، وإنزاله آخر الزمان حكما عدلا. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة عبد الله بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي

стр. 2123

فتوى رقم (١٦٢١) : س١: هل عيسى ابن مريم حي أو ميت وما الدليل من الكتاب أو السنة؟ س٢: إذا كان حيا أو ميتا فأين هو الآن، وما الدليل من الكتاب والسنة؟ ج١ و٢: عيسى ابن مريم ﵊ حي لم يمت حتى الآن ولم يقتله اليهود ولم يصلبوه ولكن شبه لهم، بل رفعه الله إلى السماء ببدنه وروحه وهو إلى الآن في السماء، والدليل على ذلك قول الله تعالى في فرية اليهود والرد عليها: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (١) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢)

стр. 2124

فأنكر سبحانه على اليهود قولهم إنهم قتلوه وصلبوه وأخبر أنه رفعه إليه، وقد كان ذلك منه تعالى رحمة به وتكريما له وليكون آية من آياته التي يؤتيها من يشاء من رسله وما أكثر آيات الله في عيسى ابن مريم ﵇ أولا وآخرا ومقتضى الإضراب في قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (١) أن يكون سبحانه قد رفع عيسى ﵊ بدنا وروحا حتى يتحقق به الرد على زعم اليهود أنهم صلبوه وقتلوه؛ لأن القتل والصلب إنما يكون للبدن أصالة؛ ولأن رفع الروح وحدها لا ينافي دعواهم القتل والصلب فلا يكون رفع الروح وحدها ردا عليهم؛ ولأن اسم عيسى ﵇ حقيقة في الروح والبدن جميعا فلا ينصرف إلى أحدهما عند الإطلاق إلا بقرينة ولا قرينة هنا، ولأن رفع روحه وبدنه جميعا مقتضى كمال عزة الله وحكمته وتكريمه ونصره من شاء من رسله حسبما قضى به قوله تعالى في ختام الآية ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢) وسيأتي لهذا زيادة بيان وتأكيد في الجواب عن السؤال الثالث إن شاء الله تعالى. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2125

س٣ و٤: إذا كان عيسى ﵇ حيا فهل سينزل آخر الزمان ويحكم بين الناس ويتبع في ذلك دين محمد ﷺ ، وما الدليل، وبم نرد على من زعم أن عيسى لن يبعث آخر الزمان ولن يحكم بين الناس؟ ج ٣ و٤: نعم، سينزل نبي الله عيسى ابن مريم آخر الزمان

стр. 2126

ويحكم بين الناس بالعدل متبعا في ذلك شريعة نبينا محمد ﵊ فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام وسيؤمن به أهل الكتاب اليهود والنصارى جميعا قبل موته بعد أن ينزل آخر الزمان قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (١) فأخبر تعالى بأن جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى سوف يؤمنون بعيسى ابن مريم ﵇ قبل موته -أي موت عيسى - وذلك عند نزوله آخر الزمان حكما عدلا داعيا إلى الإسلام، كما سيجيء بيانه في الحديث الدال على نزوله، وهذا المعنى هو المتعين، فإن الكلام سيق لبيان موقف اليهود من عيسى وصنيعهم معه ﵊، ولبيان سنة الله في إنجائه ورد كيد أعدائه فيتعين رجوع الضميرين المجرورين إلى عيسى ﵇ رعاية لسياق الكلام وتوحيدا لمرجع الضميرين، وثبت في أحاديث كثيرة صحيحة من طرق متعددة بلغت مبلغ التواتر أن الله تعالى رفع عيسى إلى السماء وأنه سينزل آخر الزمان حكما عدلا وأنه سيقتل المسيح الدجال قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر أحاديث رفع عيسى ﵇ ونزوله آخر الزمان من طرق كثيرة (فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ من رواية أبي هريرة

стр. 2127

وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص وأبي أمامة والنواس بن سمعان وعبد الله بن عمرو بن العاص ومجمع بن جارية وحذيفة بن أسيد ﵃، وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه إلخ) اهـ. ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد قال أبو هريرة (اقرؤوا إن شئتم) الآية (٢) » ، وفي رواية عنه: أن النبي ﷺ قال: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم (٣) » ، وثبت في الصحيح أيضا: أن جابر بن عبد الله ﵄ سمع النبي ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم ﵇ فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة (٤) » فدلت الأحاديث على نزوله آخر الزمان، وعلى أنه يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، وعلى أن إمام هذه الأمة في الصلاة وغيرها أيام نزوله من هذه الأمة لا مجال فيها للشك، وليس هناك منافاة بين نزوله وبين ختم النبوة بنبينا محمد ﷺ حيث لم يأت عيسى ﵇ بشريعة جديدة،

стр. 2128

ولله الحكم أولا وآخرا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه وهو العزيز الحكيم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2129

س٥: بما أن محمدا ﷺ أفضل الأنبياء فلم لم يرفع إلى السماء بدلا من عيسى إذا كان عيسى رفع إليها حقيقة، ولماذا اختص الله عيسى بالرفع دون سائر الأنبياء علل ودلل؟ ج٥: إن الله تعالى وسع كل شيء رحمة وعلما، وأحاط بكل شيء قوة وقهرا سبحانه له الحكمة البالغة والإرادة النافذة والقدرة الشاملة، اصطفى من شاء من الناس أنبياء ورسلا مبشرين ومنذرين، ورفع بعضهم فوق بعض درجات وخص كلا منهم بما شاء من المزايا فضلا منه ورحمة فخص بالخلة خليله إبراهيم ومحمدا عليهما الصلاة والسلام وخص كل نبي بما أراد من الآيات والمعجزات التي تتناسب مع زمنه وبها تقوم الحجة على قومه حكمة منه وعدلا لا معقب لحكمه وهو العزيز الحكيم اللطيف الخبير، وليس كل مزية بمفردها بموجبة للأفضلية، فاختصاص عيسى برفعه إلى السماء حيا جار على مقتضى إرادة الله وحكمته وليس ذلك لكونه أفضل من إخوانه المرسلين كإبراهيم ومحمد وموسى ونوح عليهم الصلاة والسلام فإنهم أعطوا من المزايا والآيات ما يقتضي تفضيلهم عليه، وبالجملة فمرجع الأمر في ذلك إلى الله يدبره كما يشاء لا يسأل عما يفعل لكمال علمه وحكمته، ثم

стр. 2130

إنه لا يترتب على السؤال عن ذلك عمل أو تثبيت عقيدة، بل ربما أصيب بالحيرة من حام حول ذلك واستولت عليه الريب والشكوك، وعلى المؤمن التسليم فيما هو من شؤون الله، وليجتهد فيما هو من شؤون العباد عقيدة وعملا، وهذا هو منهج الأنبياء والمرسلين وطريق الخلفاء الراشدين وسلف الأمة المهديين. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2131

س٦: لماذا سمي عيسى ابن مريم بالمسيح؟ ج٦: سمي عيسى ابن مريم بالمسيح لأنه ما مسح على ذي عاهة إلا برأ بإذن الله، وقال بعض السلف: سمي مسيحا لمسحه الأرض وكثرة سياحته فيها للدعوة إلى الدين، وعلى هذين القولين يكون المسيح بمعنى ماسح، وقيل: سمي مسيحا؛ لأنه كان ممسوح القدمين لا أخمص له، وقيل: لأنه مسح بالبركة أو طهر من الذنوب فكان مباركا، وعلى هذين القولين يكون مسيح بمعنى ممسوح، والأظهر الأول، والله أعلم. وعلى كل حال لا يتعلق بذلك عقيدة ولا عمل، فالجدوى في ذلك ضعيفة أو معدومة. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 2132

س٧: مع هذه المسألة نصوص يستدل بها القاديانيون على موت عيسى ودفنه أرجو بيان تلك النصوص للرد عليهم؟ الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَام﴾ (١) الآية

стр. 2133

ج٧ القصد من هذه الآية الرد على من قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (١) ومن قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٢) ومن قال إنه ابن الله - ببيان أن عيسى المسيح ﵇ ليس ربا ولا إلها يعبد، بل رسول كرمه الله بالرسالة، شأنه شأن الرسل الذين مضوا من قبله أجله محدود لكن لم تبين هذه الآية متى يموت، وقد بينت الأدلة الماضية من الكتاب والسنة أنه رفع حيا، وأنه سينزل حكما عدلا، ثم يموت بعد نزوله آخر الزمان وحكمه بين الناس، ثم ذكر تعالى أن عيسى وأمه ﵉ كان يأكلان الطعام فدل بذلك على أنهما ليسا إلهين مع الله لحاجتهما إلى ما يحفظ عليهما حياتهما من الطعام، والله تعالى فرد صمد له الغنى المطلق يحتاج إليه كل ما عداه ولا يحتاج هو إلى أحد سواه، يؤيد أن المراد بالآية هو ما ذكر سابقها ولاحقها من الآيات، فقد سبقها آية ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٣) وآية: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ (٤) وقد ذكر بعدهما النهي عن الغلو في الدين وإنكار عبادة غير الله ولعن من فعل ذلك أو سكت عنه ولم ينكره، ويوضح ذلك أيضا قوله تعالى في سورة

стр. 2134

الأنعام ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ (١) الآية. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (٢) الآية. ج القصد من الآية الرد على من كفر برسالة محمد ﷺ لزعمه أن الرسول إنما يكون من الملائكة لا من البشر، فرد الله عليهم زعمهم ببيان أن سننه سبحانه في إرسال رسل إلى البشر أن يصطفيهم من البشر، وأنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق شأنهم في ذلك شأن البشر، وليس في الآية تحديد لأجل عيسى ﵇، وقد بينت الآيات الأخرى والأحاديث رفعه حيا ثم نزوله وحكمه بعد نزوله آخر الزمان ثم موته كما تقدم. الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ (٣) . ج: ليس في هذه الآية أي دلالة على موت عيسى ﵇ حينما تآمر اليهود على قتله وصلبه، وإنما فيها الدلالة على أن الأنبياء والمرسلين ومنهم عيسى ليسوا أجسادا لا تأكل، بل

стр. 2135

يأكلون كما يأكل الناس، وفيها الحكم بأنهم لا يخلدون في الدنيا، وأهل السنة يؤمنون بذلك، وأن عيسى كغيره من المرسلين يأتي عليه الموت كغيره إلا أن الكتاب والسنة دلا على أن ذلك بالنسبة له لا يكون إلا بعد نزوله من السماء حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، كما تقدم. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (١) . ج هذه الجملة وإن كانت عامة إلا أنها خصصت بالآيات والمعجزات التي أجراها الله على أيدي رسله وكانت حجة لهم على أممهم في إثبات الرسالة؛ كانفلاق البحر لموسى اثني عشر طريقا يبسا بضربة عصا، وكإبراء عيسى الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى بإذن الله إلى غير هذا مما هو كثير معلوم، فرفع عيسى حيا وإبقاؤه قرونا ونزوله بعد ذلك مما استثني من هذا العموم كغيره من خوارق العادات التي هي سنة الله مع رسله ولا غرابة في ذلك. الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢) . ج: هذه الآية تثبت العبودية لعيسى ﵇، وأن الله

стр. 2136

أنعم عليه بالرسالة وليس ربا ولا إلها، وأنه آية على كمال قدرة الله، ومثل أعلى في الخير يقتدى به ويهتدى بهديه، فهي شبيهة في مغزاها بالآية الأولى وليس فيها أي دلالة على تحديد لأجل عيسى ﵇، وإنما يؤخذ بيان ذلك وتحديده من نصوص أخرى، كما تقدم. الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) الآية. ج جاء في صدر الآية ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٢) فكان قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٣) الآية ردا على زعمهم أن عيسى ﵇ هو الله ببيان أن عيسى وأمه عبدان ضعيفان كسائر خلق الله ولو شاء الله أن يهلكه وأمه ومن في الأرض جميعا من المخلوقات لفعل ولكنه لم يعمهم بالهلاك، بل أجرى فيهم سنته بالإهلاك في مواقيت محدودة اقتضتها حكمته سبحانه، وكان من حكمته أنه لم يهلك عيسى ﵇ حينما تآمر عليه اليهود ولا بعد رفعه وإنما رفعه حيا وأبقاه حيا حتى ينزل ويحكم بين الناس بشريعة محمد ﷺ ثم يميته بعد ذلك، كما تقدم

стр. 2137

الآية السابعة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (١) . ج: حمل مريم بعيسى ﵉ بلا أب على خلاف السنة الكونية في غيرهما - من الآيات البينات الدالات على كمال قدرة الله سبحانه وقد آواهما الله إلى ربوة مكان مرتفع خصيب فيه استقرار وماء معين ظاهر تراه العيون، والمراد بذلك بيت المقدس من فلسطين رحمة من الله بهما ونعمة من الله عليهما، وكان ذلك في فلسطين لا في بلد من بلاد باكستان، وكان ذلك قبل نبينا محمد ﷺ بأكثر من خمسمائة عام لا بعد هجرة نبينا محمد ﷺ بأكثر من اثني عشر قرنا، فمن حمل الربوة على مكان بباكستان أو تأول ابن مريم على غلام أحمد فقد حرف الآية وافترى على الله كذبا وخرج عن واقع التاريخ. الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢) الآية. ج استدلال القاديانيين بهذه الآية على موت عيسى ﵇ فيما مضى مبني على تفسير التوفي بالإماتة، وهو مخالف

стр. 2138

لما صح عن السلف من تفسيره بقبض الله رسوله عيسى ﵇ من الأرض ورفعه إليه حيا وتخليصه بذلك من الذين كفروا جمعا بين نصوص الكتاب والسنة الصحيحة الدالة على رفعه حيا وعلى نزوله آخر الزمان وعلى إيمان أهل الكتاب جميعا وغيرهم به حين نزوله، أما ما روي عن ابن عباس ﵄ من تفسير التوفي هنا بالإماتة فلم يصح سنده لانقطاعه، إذ هو من رواية علي بن أبي طلحة عنه وعلي لم يسمع منه ولم يره ولم يصح أيضا ما روي عن وهب بن منبه اليماني من تفسير التوفي بالإماتة؛ لأنه من رواية محمد بن إسحاق عمن لم يسمهم عن وهب بن منبه، وابن إسحاق مدلس وفيه مجهول، ثم هذا التفسير لا يزيد عن كونه احتمالا في معنى التوفي فإنه قد فسر بمعان، ففسر بأن الله قد قبضه من الأرض بدنا وروحا ورفعه إليه حيا، وفسر بأنه أنامه ثم رفعه، وبأنه يميته بعد رفعه ونزوله آخر الزمان، إذ الواو لا تقتضي الترتيب وإنما تقتضي جمع الأمرين له فقط، وإذا اختلفت الأقوال في معنى الآية وجب المصير إلى القول الذي يوافق ظواهر الأدلة الأخرى، جمعا بين الأدلة، وردا للمتشابه منها إلى المحكم، كما هو شأن الراسخين في العلم دون أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه من التنزيل ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وقانا الله شرهم

стр. 2139

الآية التاسعة قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) الآية. ج: الاستدلال بالآية على موت عيسى ﵇ قبل رفعه إلى السماء أو بعد رفعه وقبل نزوله آخر الزمان مبني على تفسير التوفي بالإماتة كما سبق في الكلام على الآية الثامنة، وقد تقدم أن هذا التفسير غير صحيح، وأنه على خلاف ما فسره به السلف جمعا بين نصوص الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة. الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًًّّا﴾ (٢) . ج هذه الكلمة مما حكاه الله سبحانه في القرآن من كلام عيسى ﵇ في المهد وفيها أنه سبحانه أمره بالصلاة والزكاة ما دام حيا وليس فيها تحديد لحياته ولا بيان لوقت مماته، وقد بينت ذلك الأدلة التي تقدم ذكرها، فيجب حمل المجمل على المفصل من النصوص، وألا يضرب بعضها ببعض ولا يوقف منها عند المتشابه، فإن جميع ذلك من عند الله يبين بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا. الآية الحادية عشرة قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٣)

стр. 2140

ج: هذه كالتي قبلها فيها إثبات السلام والأمن له من الله في كل أحواله وليس فيها تحديد لمدة حياته ولا لوقت موته، فيجب الرجوع إلى النصوص الأخرى التي تبين ذلك، كما تقدم بيانه. الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (١) ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ (٢) الآية. ج: هذه الآية سيقت للرد على من عبد غير الله من الملائكة وعزير وعيسى واللات والعزى ومناة ولبيان أنهم لا يخلقون شيئا ما ولو ذبابا، بل هم مخلوقون مربوبون أموات غير أحياء، ولكن الأدلة الأخرى دلت على بقاء عيسى ﵇ حيا حتى ينزل ويحكم بين الناس بشريعة محمد ﷺ ثم يموت. الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٣) . ج هذه الآية أمر الله فيها بالإيمان بجميع الأنبياء وما أنزل
следующие страницы →