أنعم عليه بالرسالة وليس ربا ولا إلها، وأنه آية على كمال قدرة الله، ومثل أعلى في الخير يقتدى به ويهتدى بهديه، فهي شبيهة في مغزاها بالآية الأولى وليس فيها أي دلالة على تحديد لأجل عيسى ﵇، وإنما يؤخذ بيان ذلك وتحديده من نصوص أخرى، كما تقدم.
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١) الآية.
ج جاء في صدر الآية ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٢) فكان قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٣) الآية ردا على زعمهم أن عيسى ﵇ هو الله ببيان أن عيسى وأمه عبدان ضعيفان كسائر خلق الله ولو شاء الله أن يهلكه وأمه ومن في الأرض جميعا من المخلوقات لفعل ولكنه لم يعمهم بالهلاك، بل أجرى فيهم سنته بالإهلاك في مواقيت محدودة اقتضتها حكمته سبحانه، وكان من حكمته أنه لم يهلك عيسى ﵇ حينما تآمر عليه اليهود ولا بعد رفعه وإنما رفعه حيا وأبقاه حيا حتى ينزل ويحكم بين الناس بشريعة محمد ﷺ ثم يميته بعد ذلك، كما تقدم
стр. 2137
الآية السابعة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (١) .
ج: حمل مريم بعيسى ﵉ بلا أب على خلاف السنة الكونية في غيرهما - من الآيات البينات الدالات على كمال قدرة الله سبحانه وقد آواهما الله إلى ربوة مكان مرتفع خصيب فيه استقرار وماء معين ظاهر تراه العيون، والمراد بذلك بيت المقدس من فلسطين رحمة من الله بهما ونعمة من الله عليهما، وكان ذلك في فلسطين لا في بلد من بلاد باكستان، وكان ذلك قبل نبينا محمد ﷺ بأكثر من خمسمائة عام لا بعد هجرة نبينا محمد ﷺ بأكثر من اثني عشر قرنا، فمن حمل الربوة على مكان بباكستان أو تأول ابن مريم على غلام أحمد فقد حرف الآية وافترى على الله كذبا وخرج عن واقع التاريخ.
الآية الثامنة: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢) الآية.
ج استدلال القاديانيين بهذه الآية على موت عيسى ﵇ فيما مضى مبني على تفسير التوفي بالإماتة، وهو مخالف
стр. 2138
لما صح عن السلف من تفسيره بقبض الله رسوله عيسى ﵇ من الأرض ورفعه إليه حيا وتخليصه بذلك من الذين كفروا جمعا بين نصوص الكتاب والسنة الصحيحة الدالة على رفعه حيا وعلى نزوله آخر الزمان وعلى إيمان أهل الكتاب جميعا وغيرهم به حين نزوله، أما ما روي عن ابن عباس ﵄ من تفسير التوفي هنا بالإماتة فلم يصح سنده لانقطاعه، إذ هو من رواية علي بن أبي طلحة عنه وعلي لم يسمع منه ولم يره ولم يصح أيضا ما روي عن وهب بن منبه اليماني من تفسير التوفي بالإماتة؛ لأنه من رواية محمد بن إسحاق عمن لم يسمهم عن وهب بن منبه، وابن إسحاق مدلس وفيه مجهول، ثم هذا التفسير لا يزيد عن كونه احتمالا في معنى التوفي فإنه قد فسر بمعان، ففسر بأن الله قد قبضه من الأرض بدنا وروحا ورفعه إليه حيا، وفسر بأنه أنامه ثم رفعه، وبأنه يميته بعد رفعه ونزوله آخر الزمان، إذ الواو لا تقتضي الترتيب وإنما تقتضي جمع الأمرين له فقط، وإذا اختلفت الأقوال في معنى الآية وجب المصير إلى القول الذي يوافق ظواهر الأدلة الأخرى، جمعا بين الأدلة، وردا للمتشابه منها إلى المحكم، كما هو شأن الراسخين في العلم دون أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه من التنزيل ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وقانا الله شرهم
стр. 2139
الآية التاسعة قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) الآية.
ج: الاستدلال بالآية على موت عيسى ﵇ قبل رفعه إلى السماء أو بعد رفعه وقبل نزوله آخر الزمان مبني على تفسير التوفي بالإماتة كما سبق في الكلام على الآية الثامنة، وقد تقدم أن هذا التفسير غير صحيح، وأنه على خلاف ما فسره به السلف جمعا بين نصوص الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة.
الآية العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًًّّا﴾ (٢) .
ج هذه الكلمة مما حكاه الله سبحانه في القرآن من كلام عيسى ﵇ في المهد وفيها أنه سبحانه أمره بالصلاة والزكاة ما دام حيا وليس فيها تحديد لحياته ولا بيان لوقت مماته، وقد بينت ذلك الأدلة التي تقدم ذكرها، فيجب حمل المجمل على المفصل من النصوص، وألا يضرب بعضها ببعض ولا يوقف منها عند المتشابه، فإن جميع ذلك من عند الله يبين بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا.
الآية الحادية عشرة قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٣)
стр. 2140
ج: هذه كالتي قبلها فيها إثبات السلام والأمن له من الله في كل أحواله وليس فيها تحديد لمدة حياته ولا لوقت موته، فيجب الرجوع إلى النصوص الأخرى التي تبين ذلك، كما تقدم بيانه.
الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (١) ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ (٢) الآية.
ج: هذه الآية سيقت للرد على من عبد غير الله من الملائكة وعزير وعيسى واللات والعزى ومناة ولبيان أنهم لا يخلقون شيئا ما ولو ذبابا، بل هم مخلوقون مربوبون أموات غير أحياء، ولكن الأدلة الأخرى دلت على بقاء عيسى ﵇ حيا حتى ينزل ويحكم بين الناس بشريعة محمد ﷺ ثم يموت.
الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٣) .
ج هذه الآية أمر الله فيها بالإيمان بجميع الأنبياء وما أنزل
стр. 2141
إليهم من ربهم، وبين أنه سبحانه لا يفرق بينهم في وجوب الإيمان بهم وبما أنزل إليهم من الله، وفي هذا رد على اليهود والنصارى الذين قالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، وبيان لما أجمل من الرد عليهم في قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) وليس المراد الأمر بعدم التفريق بينهم في الموت والحياة، فإن هذا لا يرشد إليه سياق الكلام، بل يرشد إلى ما ذكرنا، كما أن ذلك مما لم تدع إليه الرسل، فحمل الآية عليه تحريف لها عما سيقت له من المعنى، وعلى تقدير حمل قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ (٢) على عمومه حتى يشمل عدم التفريق بينهم في جنس الموت والحياة - فدليل الواقع والنصوص يدل على التفاوت بينهم في كثير من صفات الموت والحياة وأنواعها وزمنها ومكانها وطول العمر وقصره إلى غير ذلك، فلتكن حياة عيسى وامتدادها طويلا ومكانها وموته بعد ذلك مما اختلف فيه عن إخوانه النبيين بدليل النصوص السابقة.
الآية الرابعة عشر قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣)
стр. 2142
ج: القصد من هذه الآية بيان أن كل إنسان مجزي بعمله لا يتجاوزه إلى غيره ولا يسأل عنه سواه، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (١) وقوله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) فعليه أن يسعى جهده في كسب الخير واجتناب الشر، وألا يتعلق على غيره فخرا به أو أملا في النجاة من العذاب يوم القيامة بقرابته منه أو صلته به وتعظيمه له في دنياه.
وعيسى ﵇ وإن دخل في عموم الأمة الماضية إلا أن الأدلة من الكتاب والسنة قد خصصته برفعه إلى السماء وإبقائه حيا ثم إنزاله آخر الزمان إلى آخر ما تقدم بيانه، ومن الأصول المعلومة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الخاصة يقضى بها على النصوص العامة فتخصصها، والنصوص التي نحن بصددها من ذلك.
الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (٣) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٤) .
الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٥)
стр. 2143
ج تقدم الكلام على هاتين الآيتين في الكلام على الآية الأولى والثانية والثالثة والرابعة وبالجملة فما يتعلق به القاديانيون من الآيات القرآنية لإثبات ما زعموا من أن عيسى ﵇ قد مات ودفن ١- إما عمومات خصصتها أدلة أخرى من الآيات والأحاديث دلت على رفع عيسى ﵇ حيا وبقائه كذلك حتى ينزل آخر الزمان ويحكم بشريعة القرآن، ووقف القاديانيون عند عموم الآيات بعد تخصيصها، وذلك باطل؛ لمخالفته للقواعد والأصول الإسلامية ٢- وإما آيات مجملة فسرتها نصوص أخرى يجب المصير إليها، فوقف القاديانيون عند المجمل يتعللون به لباطلهم دون أن يرجعوا إلى المحكم الذي فسره؛ وهذا شأن من في قلوبهم زيغ ونفاق، الذين يتبعون ما تشابه من نصوص الكتاب والسنة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله على ما يوافق هواهم ٣- وإما كلمات اعتمدوا في تفسيرها على آثار لم تصح نسبتها إلى السلف، وقد تقدم بيان ذلك عند الكلام على الآية الثامنة ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (١)
стр. 2144
ففرح هؤلاء بهذه الآثار لموافقتها لهواهم وموهوا بها على الجهال ولم ينظروا إلى أسانيدها إما لجهلهم وإما تدليسا وخداعا وترويجا لباطلهم، وما ذلك إلا لزيفهم ورغبتهم في الفتنة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) وروى البخاري وغيره عن عائشة ﵂ قالت «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية إلى قوله: قالت (قال رسول الله ﷺ فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم (٤) » وعلى هذا يتضح للسائل بأن يرجع فيما بقي من الآيات إلى ما مضى شرحه منها من جنسها والكلام فيها على نسق ما تقدم.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2145
فتوى رقم (٢٧٤١) :
س١ أستفتي في الإمام بالمسجد الجامع ينسى الخطبة الثانية يوم الجمعة ولا يذكره أحد من المأمومين ولم يذكرها بنفسه حتى انتشروا من المسجد، وفي الجمعة الثانية ذكرها، فماذا يفعل هذا الإمام؟ أو ما عليه؟
٢ - في حديثين عن نزول سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «ليهبطن الله عيسى ابن مريم حكما عدلا» ، وكذلك كعب الأحبار يقول قال ﷺ «كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها» ؟ وعن عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، أن فاطمة بنت حسين بن علي حدثته أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت «دخل رسول الله ﷺ يوما وأنا عند عائشة وناجاني فبكيت ثم ناجاني فضحكت فسألتني عائشة عن ذلك، فقلت لقد عجلت، أخبرك بسر رسول الله؟ فتركتني، فلما توفي رسول الله ﷺ سألتها عائشة، فقالت (نعم، ناجاني فقال جبريل كان يعارض القرآن كل عام مرة وإنه قد عارض القرآن مرتين وإنه ليس من نبي إلا عمر نصف عمر الذي كان قبله، وإن عيسى أخي كان عمره عشرين ومائة سنة، وهذه لي ستون، وأحسبني ميتا في عامي هذا» ، أفتنا يا سماحة الشيخ في هذا الحديث المشكل بينه
стр. 2146
لنا، فهل كل هذه أحاديث النبي ﷺ ، وهل نزل سيدنا عيسى كما يزعم الأحمديون أم لا؟
ج: أولا: جمهور العلماء على أن الخطبة شرط في صحة صلاة الجمعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) قالوا: والمراد بالذكر هنا الخطبة، فكانت واجبة للأمر بالسعي لها، ولأن النبي ﷺ داوم عليها مقترنة بصلاة الجمعة، وقد قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي (٢) » فوجب قرنها بالجمعة، كما قرنها بها ﷺ .
وقال جماعة: إن الخطبة ليست شرط صحة في الجمعة، منهم الحسن وابن الماجشون؛ لأنها ليست المرادة بالذكر في الآية وليست صلاة فلم تكن مأمورا بها في الآية ولا في الحديث، وإنما هي من فعله ﷺ داوم عليه فكانت سنة لا تبطل الجمعة بتركها.
ومن قالوا بوجوب الخطبة منهم من لم يوجب الخطبة الثانية؛ كمالك والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي، فيجزئ عندهم خطبة واحدة، وإذا كانت الخطبة مختلفا في أصلها وكان الخلاف في الثانية قويا فصلاتكم الجمعة مع نسيان الخطبة الثانية صحيحة إن شاء الله في رأي كثير من أئمة الفقهاء، ولكن يجب على المأموم تنبيه الخطيب إذا ترك الخطبة الثانية في الحال قبل إقامة الصلاة؛ لأن من علم السنة لا يتركها إلا نسيانا غالبا.
стр. 2147
ثانيا: ثبت عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: «دعا النبي ﷺ فاطمة ﵂ في شكواه التي قبض فيها فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت فسألناها عن ذلك، فقالت: سارني النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت (١) » رواه البخاري ومسلم وثبت عن مسروق عن عائشة ﵂ أنها قالت: «أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثا فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثا فضحكت، فقلت: ما رأيت فرحا أقرب من حزن، فسألتها عما قال لها، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ حتى قبض رسول الله ﷺ فسألتها فقالت: أسر إلي: أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحاقا بي، فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين، فضحكت لذلك (٢) » . رواه البخاري ومسلم
стр. 2148
وعن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «ما رأيت أحدا أشبه دلا ولا هديا برسول الله ﷺ في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، قالت: وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها، فلما مرض النبي ﷺ دخلت فاطمة فأكبت عليه فقبلته ثم رفعت رأسها فبكت، ثم أكبت عليه ثم رفعت رأسها فضحكت، فقلت: إن كنت لأظن أن هذه من أعقل نسائنا فإذا هي من النساء، فلما توفي رسول الله ﷺ قلت لها: أرأيت حين أكببت على النبي ﷺ فرفعت رأسك فبكيت ثم أكببت عليه فرفعت رأسك فضحكت ما حملك على ذلك؟ قالت: إني إذا لبذرة أخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت، ثم أخبرني أني أسرع أهله لحوقا به فذاك حين ضحكت (١) » رواه الترمذي وغيره وهناك أحاديث أخرى في مرض النبي ﷺ رويت من طرق عن عائشة وغيرها من الصحابة ﵃.
وأما الحديث الذي ذكرته عن عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت حسين بن علي،
стр. 2149
عن فاطمة الزهراء ﵂ فغير صحيح؛ لأن رواية فاطمة بنت حسين عن جدتها فاطمة الزهراء مرسلة، ولأن محمد بن عبد الله بن عمرو مختلف في توثيقه وتضعيفه، وقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد عن عائشة أنها كانت تقول: «إن رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه قال لفاطمة: إن جبريل ﵊ كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة، وإنه عارضني بالقرآن العام مرتين، وأخبرني أنه أخبره أنه لم يكن نبي إلا عاش نصف عمر الذي قبله، وأخبرني أن عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبا على رأس الستين فبكاني ذلك (١) » . الحديث، ثم قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسناد ضعيف، وروى البزار بعضه أيضا وفي رجاله ضعف.
وبهذا يزول الإشكال؛ لأن الزيادة المتعلقة بعمر عيسى وعمر محمد عليهما الصلاة والسلام مردودة.
ثالثا: رفع عيسى ابن مريم إلى السماء حيا ببدنه وروحه وسينزل آخر الزمان ويكون حكما عدلا ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير.... إلخ ما دلت عليه الأحاديث، ولكنه لم ينزل حتى الآن، وما زعمه القاديانيون الأحمديون في عيسى ﵇
стр. 2150
كذب وبهتان.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2151
فتوى رقم (٢٩٨٢) :
س: هناك أحاديث صحيحة في عودة النبي عيسى ﷺ ، فهل هي أحاديث مفردة، وهل ورد في القرآن نص صريح برجوع النبي عيسى ابن مريم ﵇، وإن عاد فهل يعود كنبي أو رسول؟ نرجو إرشادنا إلى الكتب التي فيها الجواب الكافي الشافي.
ج: أولا: وردت أحاديث صحيحة بنزول نبي الله عيسى ابن مريم ﵊ بعد رفعه حيا إلى السماء، ويصح الاحتجاج بها سواء كانت متواترة أم آحادا.
ثانيا: ورد في القرآن نصوص في رفع عيسى ابن مريم حيا إلى السماء ونزوله نبيا رسولا وذلك امتدادا لنبوته ورسالته قبل رفعه، لكن لا يدعو إلى شريعته، بل يدعو إلى أصول الإسلام التي دعا إليها الأنبياء والمرسلون جميعا وإلى الفروع التي جاء بها خاتم
стр. 2152
الرسل محمد ﵊ فليست نبوة ورسالة جديدة حتى تتنافى مع ختم النبوات برسالة نبينا محمد ﷺ .
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2153
فتوى رقم (٤٧٤٥) :
س: هل نبي الله عيسى ﵇ مازال حيا إلى الآن أو قد مات كسائر الأنبياء والذي دفعني إلى هذا السؤال: أنه أصدر أحد علماء كينيا فتوى يقول فيها: بأن عيسى ﵇ قد مات كسائر الأنبياء، وذكر في ذلك أدلة كثيرة هي: استدل بالآية رقم ١٤٤ من سورة آل عمران، واستدل بالآية رقم ٣٤ من سورة الأنبياء، وكذلك أشار إلى ص ٧٩ من الجزء الثالث من [صحيح البخاري] في تفسير لفظ القرآن ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ (١) وقال -المفتي- وهذا هو قول الإمام مالك رحمه الله تعالى، كما في [مجمع البحار الأنور] وكذلك أشار إلى ص ٣٧-٤٤ من كتاب [نظرات في القرآن] لمحمد الغزالي ثم قال -المفتي- إن الذي نفاه
стр. 2154
القرآن هو القول بأن عيسى قد قتل أو صلب، هذا والجدير بالذكر أن هذه الفتوى قد تمسك بها القاديانية منذ صدورها كما هو الحال في كينيا وما جاورها من البلاد بالإضافة إلى أنني في قلق بالغ إزاء هذا؛ لأنني الآن أعتقد بحياة عيسى ﵇ وأنه سينزل في آخر الزمان أفيدوني أثابكم الله؟
ج دلت الأدلة من الكتاب والسنة على أن عيسى ﵊ لم يقتل ولم يصلب ولم يمت بل هو حي حتى الآن، وقد رفعه الله تعالى إلى السماء وسينزل آخر الزمان، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويدعو إلى الحق، ويؤمن الناس به حين نزوله حتى اليهود والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢) ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٣) .
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2155
فتوى رقم (٦٢٦٣) :
س: أنا يا شيخنا الكريم فتاة مسلمة نشأت على عقيدة مؤداها أن المسيح ﵇ قد أنجاه الله من محاولة الصلب ورفعه إليه بعد أن ألبس أحد أتباعه صورته وصلب بدلا عنه، وأنه ﵇ سيعود إلى الأرض قبل يوم القيامة ليقتل المسيح الدجال لعنة الله عليه، ولكني منذ أيام قرأت في أحد الكتب وهو (مقارنة الأديان والاستشراق) للأستاذ أحمد شلبي أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة، ما معناه: أن المسيح لم يرفع وأنه اختفى عن أنظار أعدائه وأنه مات في مكان ما موتة عادية وقبر كأي إنسان وأن أحاديث رسول الله ﷺ التي ورد فيها أن عيسى ﵇ سينزل في آخر الزمان ليقتل المسيح الدجال هي أحاديث آحاد لا يؤخذ بها في المسائل الاعتقادية والمسألة هنا اعتقادية.
وهالني أنني قرأت له أن هذا الرأي هو رأي بعض علمائنا الأفاضل أمثال الشيخ المراغي والشيخ شلتوت والشهيد سيد قطب وغيرهم، والحقيقة أنني قد انتابتني حالة من القلق وعدم معرفة الحقيقة وسؤالي الآن ما هي أحاديث الآحاد، وهل لا يعمل بها كما قال الأستاذ في المسائل الاعتقادية. وإن ثبت في صحيحي البخاري ومسلم؟
ما عقيدة المسلم الواجبة في المسيح ﵇، ولا يسعني إلا أن أتقدم إليكم بالشكر ويدفعني علمي بكرمكم وتفانيكم في خدمة الدعوة؟
стр. 2156
ج: أولا: الحديث ينقسم إلى متواتر وآحاد، فالمتواتر: ما رواه جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عن مثلهم وأن يكون مستندهم في انتهاء السند الحس من سماع أو نحوه، والآحاد: ما فقد شرطا من هذه الشروط. والمتواتر: يحتج به في العقائد والفروع كالقرآن، والآحاد: يحتج به في الفروع بإجماع ويحتج به في العقائد على الصحيح من قولي العلماء، ومن رأى أن لا يحتج به في العقائد فقد خالف فعله رأيه فاحتج به في العقائد والأصول، بل احتج بالضعيف منه في ذلك.
ثانيا: العقيدة الصحيحة في عيسى ﵊ هي عقيدة السلف خير القرون التي شهد لها النبي ﷺ بالخير من أن عيسى ﵇ لم يقتل ولم يصلب ولم يمت، وإنما رفعه الله إليه حيا ببدنه وروحه، وأنه سينزل آخر الزمان فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويدعو الناس جميعا إلى الإيمان بشريعة محمد ﷺ فيؤمنون به جميعا حتى اليهود والنصارى؛ لدلالة القرآن والسنة الصحيحة الثابتة على ذلك.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2157
فتوى رقم (٦٤٢٦) :
س: مضمونه عما إذا كان من الضروري الإيمان بالأمور الآتية في دين الإسلام:
١ - أن عيسى ابن مريم ﵇ رفع بجسده إلى السماء.
٢ - أن عيسى ابن مريم ﵇ حملته أمه بدون أب من البشر.
٣ - أن الجهاد في دار الحرب يعني حرب الهجوم للاستيلاء على القوة وإدخال غير المسلمين في الإسلام.
ج: يجب الإيمان بما يأتي:
أولا: أن عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام رفع إلى السماء بجسده وروحه حيا لم يمت حتى الآن، ولم يقتله اليهود ولم يصلبوه ولكن شبه لهم فزعموا أنهم قتلوه وصلبوه ووافقهم النصارى على زعمهم الكاذب لجهلهم قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٢) ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (٣) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٤)
стр. 2158
ثانيا: أن عيسى ابن مريم ليس ابنا لله وليس له أب من البشر ولا غيرهم، بل أمر الله رسوله جبريل ﵇ أن ينفخ فيها من روحه فنفخ فيها فحملت بعيسى ﵇ قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ (١) الآيات.
ثالثا شرع الله تعالى الجهاد لنشر الإسلام وتذليل العقبات التي تعترض الدعاة في سبيل الدعوة إلى الحق والأخذ على يد من تحدثه نفسه بأذى الدعاة إليه والاعتداء عليهم حتى لا تكون فتنة ويسود الأمن ويعم السلام وتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الكفر هي السفلى ويدخل الناس في دين الله أفواجا قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢) وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (٤)
стр. 2159
وبهذا يعلم أن الجهاد شرع لإخراج الناس من الظلمات إلى النور وإدخالهم في دين الله أفواجا حتى لا تكون فتنة وللدفاع أيضا عن حوزة الإسلام.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2160
فتوى رقم (١١٤١٩) :
س: قد أرسل صاحبي إلي نشرة أرسل إليكم نسخة منها، أرجو الإجابة على ما يلي:
يقول المبشر المذكور: القرآن يشير بكل صراحة إلى الإنجيل والنصارى، القرآن يذكر أن الإنجيل فيه الهداية والنور (٥ \ ٤٦) (المائدة) ، القرآن يقول إن الإنجيل هداية للبشرية جمعاء (٣ \ ٣٤) (آل عمران) ، القرآن يقول: إن اليهود والنصارى يقرؤون الكتب السماوية (٢ \ ١١٣) (البقرة) ، ويقول القرآن: إن النصارى يقضى لهم بموجب الإنجيل (٥ \ ٤٧) (المائدة) ، إذا كان محمد لديه شك حول القرآن، فالقرآن يقول: إنه ينبغي له أن يرجع إلى أهل الكتاب
стр. 2161
(اليهود والنصارى) (١٠ / ٩٥) (يونس) ، لم يذكر القرآن قط أن الإنجيل حرف أو أنه غير جدير بالثقة فيه، لو كان الإنجيل محرفا كما يزعم كثير من المسلمين لما قال القرآن: إن النصارى أهل الكتاب وإنهم يقرؤون الكتاب السماوي ولو كان الإنجيل محرفا أو مرفوعا إلى السماء كما يقول كثير من المسلمين لما نصح القرآن وأشار على النصارى بأن يحكموا الإنجيل؛ لأنه لا يعقل أن يشير القرآن على النصارى بتحكيم إنجيل حرف أو إنجيل رفع إلى السماء، لو كان كتاب أهل الكتاب محرفا لما أشار القرآن على محمد أن يرجع إلى أهل الكتاب، وهل كان محمد في شك من القرآن) ؟
ج: القرآن يشير بكل صراحة إلى الإنجيل والنصارى، ويذكر أن الإنجيل فيه الهداية والنور (٥ \ ٤٦) وأنه هداية للبشرية جمعاء (٣ \ ٣٤) ؟
ذكر الله تعالى الإنجيل في القرآن وأمر أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه ومما أنزل الله فيه البشارة ببعثة محمد ﷺ ووجوب الإيمان به، بل أخذ الله الميثاق على كل نبي أن يؤمن بكل رسول أرسله الله تعالى بعده، فوجب على عيسى ﵇ وأمته أن يؤمنوا بمحمد ﷺ حين مبعثه وبما جاء به؛ لعموم رسالته، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١)
стр. 2162
فأخبر سبحانه أنه أنزل القرآن مصدقا لما قبله من الكتب السماوية مهيمنا عليها يثبت منها ما شاء الله إثباته وينسخ منها ما شاء سبحانه، وأثنى سبحانه على من آمن به من أهل الكتاب - اليهود والنصارى - وذم منهم من لم يؤمن به، ونقض ما أخذ عليه من العهد والميثاق وفسق عن أمر ربه، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (٢) إلى أن قال سبحانه ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٣) ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤) ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٦) ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٧) ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ (٨) ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٩)
стр. 2163
وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) إلى أن قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) إلى غير ذلك من الآيات التي نزلت في الثناء على من آمن منهم بمحمد ﷺ وذم من كفر به.
ثم الإنجيل الذي أنزله الله تعالى على عيسى ﵊ هو الذي بشر برسالة محمد ﷺ فلم يؤمنوا برسالته، ومع ذلك احتججتم بالقرآن الذي أنزله الله عليه، وآمنتم بصلب اليهود عيسى ابن مريم وقتلهم إياه، وزعمتم أن ذلك في الإنجيل فكذبكم الله كما كذب اليهود في ذلك بقوله سبحانه في محكم كتابه: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (٣) وزعمتم أن المسيح عيسى ابن مريم ابن الله، تعالى الله أن يكون له ولد فكذبكم في ذلك، بل كفركم بقوله
стр. 2164
سبحانه ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (١) الآية، وزعمتم أنه إله مع الله فكفركم سبحانه في ذلك بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) الآيات، وزعمتم أن الخنزير حلال أكله وتعبدتم بالرهبانية وكل ذلك ليس في الإنجيل، بل هو دين لم يأذن به الله ولا شرعه، فبعد هذا وأمثاله من افترائكم تدعون أن الإنجيل لم يحرف ولم تخفوا منه شيئا ولم تزيدوا فيه شيئا، ثم بعد تحاولون أن تحتجوا بالقرآن لإثبات مزاعمكم وبدعكم فتتبعون ما تشابه من القرآن وتتركون محكمه ابتغاء الفتنة وليا بألسنتكم وطعنا في الدين قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣) الآيات إلى آخر آية: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ (٤) وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٥) إلى قوله سبحانه: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ (٦) الآية فإن لم تفعلوا كنتم
стр. 2165
ممن قال الله فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٢)
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2166
س٢ القرآن يقول إن اليهود والنصارى يقرؤون الكتب السماوية (٢ / ١١٣) ؟
ج٢ يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١) .
وبخ الله تعالى في هذه الآية كلا من الفريقين اليهود والنصارى على إنكاره على الآخر ما بيده تصديقه عنادا منهم وبغيا وعدوانا، فوبخ اليهود على كفرهم برسالة عيسى ﵇ وما جاء به من التشريع وهم يتلون الكتاب: أي التوراة، وفيها ما أخذ الله عليهم من الميثاق أن يؤمنوا به، وبما جاء به من تشريع الله. ووبخ النصارى على كفرهم بموسى ﵇ وهم يتلون الكتاب: أي الإنجيل، وفيه تصديق ما بين يديه من التوراة التي جاء بها موسى إلا قليلا مما أمره الله أن يحله لهم، وليس معنى ذلك
стр. 2167
تقرير ما طرأ على التوراة والإنجيل من التحريف، ولا ما أخفاه كل من اليهود والنصارى من كتاب نبيه، بدليل ذكره سبحانه ما جناه كل منهما على كتاب نبيه في آيات أخرى من القرآن الذي يحتجون بما تشابه منه على مزاعمهم تمويها وتلبيسا على الناس، بل يجب ضم سائر المآخذ التي أخذت عليهم بعضها إلى بعض من تحريف بعض النصوص وإخفاء بعضها والإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض آخر منه، فإن أصل الكتابين من عند الله كما أن القرآن نزل من عند الله وكل منها يصدق بعضه بعضا، وكل الأنبياء يبشر سابقهم بلاحقهم ويصدق لاحقهم السابق منهم، فيجب الإيمان بهم جميعا وبجميع ما جاؤوا به من عند الله تعالى، فمن آمن ببعض ذلك وكفر ببعض فهو كافر بالجميع وإليك ما يؤيد ما تقدم من آيات القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٢) ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣) وهذه الآيات عامة يدخل فيها اليهود والنصارى وغيرهم، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٤) ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥)
стр. 2168
الآيات، إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ (١) وهذه الآيات عامة في اليهود والنصارى، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢) الآيات، إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ (٣) وهذه الآيات عامة في اليهود والنصارى أيضا، وقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤) وهذه الآيات وكثير مما بعدها وما قبلها نزلت في بيان فضائح اليهود، كما نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (٥) ولها نظائر في
стр. 2169
النصارى، كإخفائهم البشارة برسالة محمد ﷺ ، وقال تعالى في إنكاره على النصارى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (١) الآيات، إلى قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢) وقال تعالى في اليهود والنصارى ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٣) الآيتين إلى قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) أفبعد هذا يصح أن يقال: إن القرآن أثنى على اليهود أو النصارى الذين لم يؤمنوا به بعد نزوله أو أنه أثنى على ما لعب به اليهود من التوراة أو على ما حرف من الإنجيل أو زيد فيه كبنوة عيسى لله أو إلهيته مع الله، أو صلب اليهود إياه أو قتلهم له أو كتمان وإخفاء صفة محمد ورسالته، إن لم يكن ما ذكر تحريفا وكتمانا وزيادة ونقصا فماذا يسمى فعل كل من الفريقين بكتاب نبيه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2170
س٣ يقول القرآن إن النصارى يقضى لهم بموجب الإنجيل (٥ / ٤٧) من سورة المائدة؟
ج٣ يشير بذلك إلى آية ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) وهذه
стр. 2171
الآية لا حجة فيها للنصارى على ما زعموا؛ لأن المراد هنا الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى ابن مريم ﵇، لا الإنجيل المحرف الذي ذكر فيه بنوة عيسى أو إلهيته مع الله أو ذكر في صلب عيسى أو قتله أو موته قبل أن يرفع إلى السماء أو حذف منه البشارة بمجيء محمد رسولا من عند الله، ثم إذا ضم إلى هذه الآية ما بعدها من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (١) دل ذلك على أن لا يقضى بموجب الكتب المتقدمة من صحف إبراهيم وموسى وزبور داود والتوراة والإنجيل إلا بما صدقه القرآن منها ولم ينسخه من أحكامها؛ لقوله في هذه الآية ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٢) وقد ثبت في فقرة (١و٤) أن كلا من اليهود والنصارى حرف كتاب نبيه، فالواجب في فهم الآيات النظر إليها مجموعة ليستقيم المعنى ويتبين الصواب لا الوقوف عند المجمل منها ابتغاء الفتنة والتلبيس شأن من في قلوبهم زيغ ولا هم لهم إلا الجدال بالباطل ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣)
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2172
س٤ إذا كان محمد لديه شك في القرآن فالقرآن يقول أنه ينبغي أن يرجع إلى أهل الكتاب اليهود والنصارى (١٠ / ٩٥) من سورة يونس؟
ج٤ يشير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (١) وهذه الآية لا حجة لهم فيها؛ لأن تعليق الحكم بالشرط لا يستلزم تحقق الشرط ووجوده؛ إذ قد يتعلق الحكم بشرط ممتنع كما في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) الآيات إلى قوله سبحانه ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) فأخبر سبحانه بأن هؤلاء الأنبياء لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون مع انتفاء الشرك عنهم، بل مع امتناعه منهم؛ لأنهم قد ماتوا على التوحيد، ولأنهم معصومون من الشرك، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٥) فالنبي ﷺ لم يشك ولم يسأل أحدا من أهل الكتاب؛ لأنه لم يفهم من ذلك الخطاب طلب السؤال
стр. 2173
لإزالة شك بل فهم أن المقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدقك فيما كذبك فيه الكافرون كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (١) وقوله سبحانه ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٣) إلى أمثال ذلك من الآيات التي تدل على أن المقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم ما يصدق محمدا ﷺ فيما كذبه فيه المشركون من الدعوة إلى التوحيد، وفي أن الرسل إلى البشر من البشر، كما هي سنة الله تعالى الحكيمة وقد أشار الله إلى ذلك في أول هذه السورة سورة يونس قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٤) .
مما تقدم من تفسير الآيات القرآنية وبيان المقصود منها على ضوء ما جاء من نظائرها في القرآن مفصلا لها ومحكما يعين المراد من متشابهها ويعرف الجواب عما ذكره صاحبك الأمريكي المبشر
стр. 2174
بالنصرانية إلى آخر كلامه فإنه إجمال لما فصله من الشبهات في صدر كلامه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 2175
السؤال الثالث من الفتوى رقم (٦٢٥٧) :
س٣: هل حقا أن سيدنا عيسى ﵇ ما يزال حيا يرزق في السماء الثالثة؟ ألم يصلب؟ وهل سيعود إلى الأرض مرة أخرى؟ وهل إذا عاد عاد نبيا أو شخصا عاديا؟
ج٣: لم يصلب عيسى ﵊ ولم يقتل قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (١) وإنما رفع حيا إلى السماء بروحه وبدنه؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٢) وسينزل آخر الزمان حكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويحكم بشريعة نبينا محمد عليهما