السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه (١) » ثم ينصرف.
(ب) لم يثبت في كتاب ولا في سنة صحيحة أن النبي ﷺ يرى من زار قبره، والأصل: عدم الرؤية حتى يثبت ذلك بدليل من الكتاب أو السنة.
(جـ) الأصل في الميت نبيا أو غيره: أنه لا يتحرك في قبره بمد يده أو غيرها، فما قيل من أن النبي ﷺ أخرج يده لبعض من سلم عليه غير صحيح، بل هو وهم وخيال لا أساس له من الصحة.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 597
السؤالان الثالث والخامس من الفتوى رقم (٧٣٥١) :
س٣: ماذا يكون ردي إذا سألني سائل عن المكان الذي يوجد فيه الله؟
ج٣: تقول: فوق عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١)
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 598
س٥: هل صحيح أن السماء والأرض ما خلقت إلا لأجل محمد ﷺ ؟
ج٥: ليس ذلك بصحيح، بل خلق الله سبحانه الثقلين الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) وسخر تعالى ما في السماوات وما في الأرض لعباده، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (٢) الآية، وخلق السماوات والأرض ليعلم عباده كمال علمه وكمال قدرته، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٣)
أما الحديث الذي أشرت إليه فهو موضوع لا أساس له من الصحة، كما نبه على ذلك أهل العلم ومنهم الذهبي.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 599
السؤال الثاني من الفتوى رقم (٢٨٥٧) :
س٢: هل يرى سيدنا محمد ﷺ شيئا من وراء الحجاب؟
ج٢: خلق محمد ﵊ بشرا كغيره من البشر، ولكن الله باجتبائه له وإرساله إلى الناس كافة قد أطلعه وخصه في حياته بما لم يطلع عليه أحدا أو يخص به أحدا من خلقه، فقد قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (١) ومن ذلك ما ثبت عنه ﷺ أنه قال لأصحابه: «إنه لا يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم، إني أراكم من وراء ظهري (٢) » ، والأصل: أنه كسائر البشر لا يرى من وراء الحجاب الذي لا تخترقه الأبصار إلا ما خصه الدليل.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 600
السؤال الثالث من الفتوى رقم (١٧٢٧) :
س٣: هل يسمع الموتى؟ (يعني: الرسول ﷺ .
стр. 601
ج٣: سماع الأصوات من خواص الأحياء، فإذا مات الإنسان ذهب سمعه فلا يدرك أصوات من في الدنيا ولا يسمع حديثهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (١) فأكد تعالى لرسوله ﷺ عدم سماع من يدعوهم إلى الإسلام بتشبيههم بالموتى، والأصل في المشبه به أنه أقوى من المشبه في الاتصاف، بوجه الشبه، وإذا فالموتى أدخل في عدم السماع وأولى بعدم الاستجابة من المعاندين الذين صموا آذانهم عن دعوة الرسول ﵊ وعموا عنها، وقالوا: قلوبنا غلف، وفي هذا يقول تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٣) وأما سماع قتلى الكفار الذين قبروا في القليب يوم بدر نداء رسول الله ﷺ إياهم وقوله لهم: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقا، فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا (٤) » وقوله لأصحابه: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم (٥) » حينما استنكروا نداءه أهل القليب فذلك من خصوصياته التي خصه الله بها فاستثنيت من الأصل العام بالدليل، وهكذا سماع الميت قرع نعال مشيعي جنازته مستثنى من هذا
стр. 602
الأصل، وهكذا قوله ﷺ : «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ (١) » مستثنى من هذا الأصل.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 603
فتوى رقم (٢٦٤١) :
س: إن رجلا يؤمن بضروريات الإيمان -يعني: تمام عقيدته مطابق لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ومع هذا فهو يعتقد أن رسول الله ﷺ يسمع صوته بالصلاة والسلام عليه ﷺ حينما يصلي ويسلم عليه عند قبره ﷺ ، فهل هو بهذه العقيدة مسلم من أهل السنة والجماعة أم هو مبتدع من أهل الهوى؟
ج: أولا: لا يشرع للمسلم كلما دخل المسجد النبوي التردد إلى قبر النبي ﷺ والدعاء عنده ولا اتخاذه عيدا يعود إليه المرة بعد المرة؛ لما رواه أبو داود بإسناد حسن رواته ثقات عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم (١) » ، ولما رواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل والحافظ
стр. 604
الضياء محمد بن عبد الواحد المقدسي في [المختارة] «عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم» وإسناده جيد، وكان الصحابة ﵃ أحرص على الخير منا وأحب لرسول الله ﷺ وأعرف بحقه على الأمة وبآداب زيارته منا، ومع ذلك لم ينقل عن أحد منهم أنه كان يتردد على قبره ﷺ والدعاء عنده، لكن ثبت عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا حضر إلى المدينة من سفر فقط جاء إلى قبر النبي ﷺ فقال: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه) ، ثم ينصرف، ولهذا كره مالك بن أنس ﵀ لأهل المدينة أن يأتي أحدهم إلى قبر النبي ﷺ كلما دخل المسجد، وقال: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) .
ثانيا: النبي ﷺ حي في قبره الحياة البرزخية التي يتهيأ له معها أن يتنعم بما يفيض الله تعالى عليه من أنواع النعيم والكرامة، وليس حيا الحياة التي كانت له في الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٢)
стр. 605
وقد صلى عليه الصحابة ﵃ صلاة الجنازة ووضعوه في لحده ﵊، ولا يكون ذلك وهو حي الحياة الدنيوية، وقد نزلت بهم أحداث ومشكلات ولم يستفتوه في أحداثهم ولا استشاروه في حل مشكلاتهم وهم في أشد الحاجة إلى ذلك، فدل على أن أجله قد انتهى، وأن الموت قد نزل به كغيره من البشر، وقد علم الصحابة ﵃ ذلك فأقاموا الخلفاء عنه تباعا واجتهدوا في شؤون دينهم ودنياهم على ضوء كتاب الله وسنة نبيهم ﷺ دون رجوع إليه واستشارة له وهو في قبره، والأصل في الأموات أنهم لا يسمعون كلام الناس، لكن روى الإمام أحمد وأبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ (١) » . وبذلك تعلم أن الرجل الذي سألت عنه لا حرج عليه فيما ذهب إليه؛ عملا بهذا الحديث الشريف.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 606
صفحة فارغة
стр. 607
رؤيا الرسول ﵊
في المنام
стр. 608
السؤال الثالث من الفتوى رقم (٥٤٢٨) :
س٣: ما معنى قوله ﷺ : «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة (١) » ؟
ج: معنى الحديث على هذه الرواية: أن من رأي النبي ﷺ في المنام على صورته التي كان عليها في الدنيا فسيرى تأويل رؤياه ووقوع ما أشارت إليه من الخبر في دنياه؛ لأن رؤياه على صورته حق؛ لما دل عليه قوله آخر الحديث: «فإن الشيطان لا يتمثل بي (٢) » .
انظر تفسير هذا الحديث في [فتح الباري] لابن حجر ﵀ في كتاب التعبير، وليس المراد أنه يرى ذات الرسول ﷺ بيقظته، وقد روى البخاري الحديث في كتاب التعبير عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ بلفظ: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي (٣) » . . . الحديث، ومعناه: من رأى النبي ﷺ على صورته التي كان عليها في الدنيا فرؤياه حق، فإن الشيطان لا يتمثل بصورته، وروى مسلم في صحيحه هذا الحديث
стр. 609
بلفظ: «من رآني في المنام فسيراني، أو فكأنما رآني (١) » على الشك، ولم يذكر كلمة اليقظة، ومعناه: صدق الرؤيا وأن تأويلها سيتحقق.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 610
فتوى رقم (٩٨٩٨) :
س: ورد في [صحيح البخاري] عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي (١) » ، فهل معنى ذلك: أن الإنسان يمكن أن يرى النبي ﷺ في اليقظة، حيث إنه حصل نقاش كبير حول هذا الموضوع وادعى ناس أنهم رأوا النبي ﷺ في اليقظة واستدلوا بهذا الحديث؟
ج: مضت سنة الله أن جعل الناس أحياء في الدنيا بعد أن كانوا أمواتا؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملا، ثم يميتهم فيها عند انتهاء آجالهم ثم يبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاء، قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢)
стр. 611
وقال سبحانه في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٢) وجعل سبحانه تلك السنة الكونية عامة للأنبياء والمرسلين حتى نبينا محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٣) ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٤) فتوفي رسول الله ﷺ بعدما بلغ الرسالة وأكمل الله به دينه وأقام به الحجة على خلقه، وصلى عليه أصحابه ﵃ صلاة الجنازة، ودفنوه حيث مات في حجرة عائشة ﵂، وقام من بعده الخلفاء الراشدون، وقد جرى في أيامهم أحداث ووقائع فعالجوا ذلك باجتهادهم ولم يرجعوا في شيء منها إلى رسول الله ﷺ ، فمن زعم بعد ذلك أنه رآه في اليقظة حيا وكلمه أو سمع منه شيئا قبل يوم البعث والنشور فزعمه باطل؛ لمخالفته النصوص والمشاهدة وسنة الله في خلقه، وليس في هذا الحديث دلالة على أنه سيرى ذاته في اليقظة في الحياة الدنيا؛ لأنه يحتمل أن المراد بأنه: فسيراني يوم القيامة، ويحتمل أن المراد: فسيرى تأويل رؤياه؛ لأن هذه الرؤيا صادقة بدليل ما جاء في الروايات الأخرى من قوله ﷺ :
стр. 612
«فقد رآني (١) » الحديث. وقد يراه المؤمن في منامه رؤيا صادقة على صفته التي كان ﷺ عليها أيام حياته الدنيوية.
وإذا أردت زيادة الفائدة فارجع إلى ما كتبه العلامة أحمد بن حجر شرحا لهذا الحديث في كتابه [فتح الباري] (٢) .
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 613
أبو طالب
السؤال الرابع من الفتوى رقم (٥٢٩٣) :
س: وردت أحاديث في البخاري ومسلم أن أبا طالب أخف الناس عذابا يوم القيامة، وأحاديث أخرى عن أن أهل النبي في النار من لم يؤمن منهم، وأحاديث أخرى أن أباه في النار، فأرجو أن توضحوا لي هل هذا يدل على خلودهم في النار أبدا؟
стр. 614
ج: أبو طالب هو أخف أهل النار عذابا يوم القيامة، بسبب شفاعة النبي ﷺ له في ذلك، وإنما يخفف الله عنه ما هو فيه من العذاب بشفاعة النبي ﷺ ؛ لما رواه مسلم في ذلك عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو ينتعل بنعلين يغلي منهما دماغه (١) » . ولما رواه مسلم وغيره عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: «يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار (٢) » ، وفي رواية عن العباس: «قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح (٣) » ، وروى مسلم أيضا، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه (٤) » .
وكل من مات كافرا فهو مخلد في النار، سواء كان من أقارب النبي ﷺ أم من غيرهم؛ لعموم قوله تعالى:
стр. 615
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١) وما جاء في معناها من الآيات.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 616
السؤال الأول من الفتوى رقم (٥٦٥٦) :
س١: هل أبو طالب مات كافرا أو مؤمنا؟
ج١: مات أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم كافرا ؛ لقوله تعالى لرسوله ﷺ في شأن أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (١) ولتحذير الله سبحانه رسوله ﷺ أن يستغفر له بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢) ولما ثبت في الصحيحين، أن رسول الله ﷺ جاء إلى عمه أبي طالب لما حضرته الوفاة وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل فقال له:
стр. 617
«يا عم، قل: لا إله إلا الله. كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال له: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك (١) » ، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ (٢) الآية، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٣)
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 618
التوسل
стр. 619
فتوى رقم (٣١٥) :
س: يوجد في بلادي قبر ميت، يقال إنه من الصالحين، وقد بني عليه بيت مزخرف ومزين الزينة الكاملة، وله رجلان مناصيب كما يقولون قد توارثوا هذه المنصبة أبا عن جد، فتجدهم يدعون الناس بقولهم: إن صاحب القبر قال الليلة كذا وكذا وطلب كذا، وقد اجتذب قلوب الناس الذين هم يسكنون حول هذا القبر فصاروا يعتقدون كل ما يقول هذا المنصوب فتراهم يتقربون ويطوفون ويذبحون، و.. و ... إلخ، فما هو حكم من اعتقد بضر ونفع هذا الولي، وهل يجوز النذر والذبح للولي، ثم ما هو الواجب على الفرد الواحد إذا كان يعلم أن هذا ينافي الشرع؟ علما أن هذا الفرد المذكور يسكن مع هؤلاء؟
ج: هدي الرسول ﷺ في زيارة القبور جاء مبينا في الأحاديث الصحيحة، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن بريدة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا للمقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أنتم لنا
стр. 620
فرط، وأسأل الله لنا ولكم العافية (١) » ، وروى الإمام أحمد والترمذي وحسنه، عن ابن عباس ﵄ قال: «مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر (٢) » ، وقد درج على ذلك الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وهؤلاء الذين يقصدون صاحب القبر إن كانوا يفعلون ذلك من أجل دعاء الله عنده، ويظن قاصده أن هذا أجدى للدعاء ويريد التوسل به والاستشفاع به - فهذا لم تأت به الشريعة، والوسائل لها حكم الغايات في المنع، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (٣) فدلت الآية على أن هذا المدعو إما أن يكون مالكا أو لا، وإذا لم يكن مالكا فإما أن يكون شريكا أو لا، وإذا لم يكن شريكا فإما أن يكون معينا أو لا، وإذا لم يكن معينا فإما أن يكون شافعا بغير إذن الله أو لا، والأقسام الأربعة باطلة، فتعين الأخير
стр. 621
وهو: أن الشافع لا يشفع إلا بإذنه، وقد دل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (١) على أن رضاه عن المشفوع شرط، فهذان شرطان للشفاعة. والصحابة ﵃ ما كانوا يتوسلون بذات الرسول ﷺ ، وإنما كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم، فالاستعانة بالحي الحاضر القادر فيما يقدر عليه جائزة، ولا يجوز أن يطلب منه ما هو من حق الله جل وعلا، هذا في الحي، فأما الميت فلا يجوز التوسل به والاستشفاع به مطلقا، بل هو وسيلة من وسائل الشرك كما سبق.
وأما من يعكف عند هذا القبر فلا يخلو من أمرين:
أحدهما: أن يكون الغرض منه عبادة الله، فهذا لا يجوز؛ لما فيه من الجمع بين معصية العكوف ومعصية عبادة الله عند القبر، وذلك من وسائل الشرك التي نهى عنها رسول الله ﷺ . أما بالنسبة لتحريم العكوف فروى الترمذي في جامعه وصححه عن أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما
стр. 622
قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة؛ قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم (١) » .
فأخبر ﷺ أن هذا الأمر الذي طلبوه منه وهو اتخاذه شجرة للعكوف عندها وتعليق الأسلحة بها تبركا كالأمر الذي طلبه بنو إسرائيل من موسى ﵇، فكذا العكوف عند القبور، وروى الترمذي وأبو داود وابن ماجه في سننهم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم (٢) » ، وأما بالنسبة لعبادة الله عندها فقد نهى عن ذلك النبي ﷺ ، فروى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣) » ، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد يشمل اتخاذها لعبادة الله أو لعبادة غير الله سواء كانت في مسجد مبني أو لا؟
وأما المجيء إلى صاحب هذا القبر ودعاؤه واعتقاد أنه يملك النفع والضر فهذا شرك أكبر، ومن فعل ذلك فإما أن يكون جاهلا
стр. 623
أو عالما، فإن كان عالما - فهو مشرك شركا أكبر يخرجه عن الإسلام، وإن كان جاهلا فإنه يبين له، فإن رجع إلى الحق فالحمد لله، وإن لم يرجع إلى الحق، فإنه كالعالم في الحكم، والأدلة على ذلك كثيرة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (١) ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (٢) ... إلخ السورة، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٣) وفي الحديث القدسي: «من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (٤) » وأما ما ذكره السائل من بناء بيت مزين ومزخرف على هذا القبر - فهذا لا يجوز، فإنه من تعظيم صاحب القبر تعظيما مبتدعا. ومن وصايا الرسول ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁ قوله ﷺ : «أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته (٥) » .
وثبت عنه ﷺ : «أنه نهى أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه (٦) » ، وأما الواجب على الفرد في ذلك فقد بينه
стр. 624
النبي ﷺ بقوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (١) » ، فيجب إزالة هذا البناء بقدر الإمكان، وأما ما ذكره السائل من السكنى مع هؤلاء فالسكنى معهم لا تجوز ما دام يمكنه أن يسكن مع غيرهم ممن لم يعمل مثل عملهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢) وأما الذبح والنذر للولي - فهو شرك أكبر؛ لأن كلا منهما عبادة لله وحده وحق من حقوقه التي اختص بها جل وعلا فلا يجوز صرفها لغيره، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤) وقال ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه (٥) » ، «ولما نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة سأل الرسول ﷺ ، فقال له ﷺ : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ ، قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ، قالوا: لا. قال:
стр. 625
فأوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم (١) » . فهذه الأدلة تدل على أن الذبح والنذر لله تعالى عبادة ولغيره شرك.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي
стр. 626
السؤال الثاني من الفتوى رقم (١٣٢٨) :
س٢: هل يجوز للمسلم أن يتوسل إلى الله بالأنبياء والصالحين، فقد وقفت على قول بعض العلماء: أن التوسل بالأولياء لا بأس به؛ لأن الدعاء فيه موجه إلى الله ورأيت لبعضهم خلاف ما قال هذا، فما حكم الشريعة في هذه المسألة؟
ج٢: الولي: كل من آمن بالله واتقاه ففعل ما أمره سبحانه به وانتهى عما نهاه عنه، وعلى رأسهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٢)
стр. 627
والتوسل إلى الله بأوليائه أنواع:
الأول: أن يطلب إنسان من الولي الحي أن يدعو الله له بسعة رزق أو شفاء من مرض أو هداية وتوفيق ونحو ذلك - فهذا جائز، ومنه طلب بعض الصحابة من النبي ﷺ حينما تأخر عنهم المطر أن يستسقي لهم، فسأل ﷺ ربه أن ينزل المطر، فاستجاب دعاءه وأنزل عليهم المطر، ومنه استسقاء الصحابة بالعباس في خلافة عمر ﵃ وطلبهم منه أن يدعو الله بنزول المطر فدعا العباس ربه وأمن الصحابة على دعائه ... إلى غير هذا مما حصل زمن النبي ﷺ وبعده من طلب مسلم من أخيه المسلم أن يدعو له ربه لجلب نفع أو كشف ضر.
الثاني: أن ينادي الله متوسلا إليه بحب نبيه واتباعه إياه وبحبه لأولياء الله بأن يقول: اللهم أني أسالك بحبي لنبيك واتباعي له وبحبي لأوليائك أن تعطيني كذا - فهذا جائز؛ لأنه توسل من العبد إلى ربه بعلمه الصالح، ومن هذا ما ثبت من توسل أصحاب الغار الثلاثة بأعمالهم الصالحة.
الثالث: أن يسأل الله بجاه أنبيائه أو ولي من أوليائه بأن يقول: (اللهم إني أسألك بجاه نبيك أو بجاه الحسين) مثلا - فهذا
стр. 628
لا يجوز؛ لأن جاه أولياء الله وإن كان عظيما عند الله وخاصة حبيبنا محمد ﷺ غير أنه ليس سببا شرعيا ولا عاديا لاستجابة الدعاء؛ ولهذا عدل الصحابة حينما أجدبوا عن التوسل بجاهه ﷺ في دعاء الاستسقاء إلى التوسل بدعاء عمه العباس مع أن جاهه ﵊ فوق كل جاه، ولم يعرف عن الصحابة ﵃ أنهم توسلوا به ﷺ بعد وفاته وهم خير القرون وأعرف الناس بحقه وأحبهم له.
الرابع: أن يسأل العبد ربه حاجته مقسما بوليه أو نبيه أو بحق نبيه أو أوليائه بأن يقول: (اللهم إني أسألك كذا بوليك فلان أو بحق نبيك فلان) ، فهذا لا يجوز، فإن القسم بالمخلوق على المخلوق ممنوع، وهو على الله الخالق أشد منعا، ثم لا حق لمخلوق على الخالق بمجرد طاعته له سبحانه حتى يقسم به على الله أو يتوسل به. هذا هو الذي تشهد له الأدلة، وهو الذي تصان به العقيدة الإسلامية وتسد به ذرائع الشرك.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 629
السؤال الأول من الفتوى رقم (١٧١١) :
س١: مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقول في دعائه: اللهم اعطني كذا وكذا من خيري الدنيا والآخرة بجاه النبي ﷺ ، أو ببركة الرسول، أو بحرمة المصطفى، أو بجاه الشيخ التجاني، أو ببركة الشيخ عبد القادر، أو بحرمة الشيخ السنوسي فما الحكم؟
ج١: من توسل إلى الله في دعائه بجاه النبي ﷺ أو حرمته أو بركته أو بجاه غيره من الصالحين أو حرمته أو بركته فقال: (اللهم بجاه نبيك أو حرمته أو بركته أعطني مالا وولدا أو أدخلني الجنة وقني عذاب النار) مثلا فليس بمشرك شركا يخرج عن الإسلام، لكنه ممنوع؛ سدا لذريعة الشرك، وإبعادا للمسلم من فعل شيء يفضي إلى الشرك، ولا شك أن التوسل بجاه الأنبياء والصالحين وسيلة من وسائل الشرك التي تفضي إليه على مر الأيام، كما دلت عليه التجارب وشهد له الواقع، وقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تدل دلالة قاطعه على أن سد الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١)
стр. 630
فنهى سبحانه المسلمين عن سب آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله مع أنها باطلة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سب المشركين الإله الحق سبحانه انتصارا لآلهتهم الباطلة جهلا منهم وعدوانا، ومنها: نهيه ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد؛ خشية أن تعبد، ومنها: تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وتحريم إبداء المرأة زينتها للرجال الأجانب، وتحريم خروجها من بيتها متعطرة، وأمر الرجال بغض البصر عن زينة النساء، وأمر النساء أن يغضضن من أبصارهن؛ لأن ذلك كله ذريعة إلى الافتتان بها ووسيلة إلى الوقوع في الفاحشة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (١) ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٢) الآية. وثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣) » ؛ ولأن التوسل بالجاه والحرمة ونحوهما في الدعاء عبادة، والعبادة توقيفية، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ما يدل على هذا التوسل، فعلم أنه بدعة، وقد قال ﷺ :
стр. 631
«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » .
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 632
السؤال الأول من الفتوى رقم (٢٩٦١) :
س١: ما حكم الإسلام في التوسل بالأنبياء والأولياء ؟
ج١: التوسل بالأنبياء والأولياء قول مجمل يحتمل أنواعا يختلف الحكم باختلافها وبيان ذلك. أولا: أن يطلب من النبي أو الولي في حياته وعلى مسمع منه أن يدعو له، وهذا جائز، ومنه طلب أعرابي من النبي ﷺ وهو على المنبر يخطب خطبة الجمعة أن يدعو الله تعالى لينزل الغيث، فدعا النبي ﷺ ربه سبحانه فأنزل الغيث، ثم طلب منه الجمعة التي بعدها أن يدعو الله تعالى أن يرفع الغيث عنهم لما أصاب الناس من ضر فدعا ﷺ ربه سبحانه أن يجعله على الآكام والظراب.. إلخ؛ لما ثبت عن أنس بن مالك أنه قال: «أصابت الناس سنة على عهد النبي ﷺ فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع
стр. 633
يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب مثل الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ﷺ ، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي، أو قال غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا لا علينا، فما يشير بيديه إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهرا ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود (١) » رواه البخاري ومسلم وثبت عن أنس أيضا ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا أقحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون (٢) » رواه البخاري وهذا ليس توسلا بالجاه والحرمة والحق ونحو ذلك، وإنما هو توسل بدعاء النبي ﷺ ربه في حياته أن ينزل المطر أو يدفع الضر، وكذا التوسل بدعاء العباس ربه، وعلى هذا يكون هذا التوسل من النوع الأول، ويدل على ذلك عدول عمر والصحابة ﵃ عن
стр. 634
التوسل بالنبي ﷺ بعد موته إلى التوسل بعمه العباس، فإن النبي ﷺ محترم حيا وميتا، وجاهه عند ربه وعند المؤمنين عظيم حيا وميتا.
ثانيا: أن يتوسل إلى الله في دعائه بجاه نبي أو حرمته أو بركته أو بجاه غيره من الصالحين أو حرمته أو حقه أو بركته فيقول: (اللهم بجاه نبيك أو حرمته أو بركته أعطني مالا وولدا أو أدخلني الجنة وقني عذاب النار) مثلا فليس بمشرك شركا يخرج عن الإسلام لكنه ممنوع؛ سدا لذريعة الشرك، وإبعادا للمسلم من فعل شيء يفضي إلى الشرك، ولا شك أن التوسل بجاه الأنبياء والصالحين وسيلة من وسائل الشرك التي تفضي إليه على مر الأيام، كما دلت عليه التجارب وشهد له الواقع، وقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تدل دلالة قاطعة على أن سد الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) فنهى سبحانه المسلمين عن سب آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله مع أنها باطلة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سب المشركين الإله الحق سبحانه
стр. 635
انتصارا لآلهتهم الباطلة جهلا منهم وعدوانا، ومنها: نهيه ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد؛ خشية أن تعبد، ومنها: تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وتحريم إبداء المرأة زينتها للرجال الأجانب، وتحريم خروجها من بيتها متعطرة، وأمر الرجال بغض البصر عن زينة النساء، وأمر النساء أن يغضضن من أبصارهن؛ لأن ذلك كله ذريعة إلى الافتتان بها ووسيلة إلى الوقوع في الفاحشة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (١) ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٢) الآية. وثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣) » ، ولأن التوسل بالجاه والحرمة ونحوهما في الدعاء لم ينقل عن النبي ﷺ ، والعبادة توقيفية، ولم يرد في كتاب الله ولا في سنة الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ما يدل على هذا التوسل، فعلم أنه بدعة، وقد قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٤) » .
ثالثا: أن يدعو الأنبياء أو الأولياء ويستغيث بهم في قضاء حاجاتهم، كقول أحدهم: يا رسول الله، فرج كربتي أو اشفني، أو يقول: مدد مدد يا رسول الله، أو يا حسين، فهذا ونحوه شرك