«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » .
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 632
السؤال الأول من الفتوى رقم (٢٩٦١) :
س١: ما حكم الإسلام في التوسل بالأنبياء والأولياء ؟
ج١: التوسل بالأنبياء والأولياء قول مجمل يحتمل أنواعا يختلف الحكم باختلافها وبيان ذلك. أولا: أن يطلب من النبي أو الولي في حياته وعلى مسمع منه أن يدعو له، وهذا جائز، ومنه طلب أعرابي من النبي ﷺ وهو على المنبر يخطب خطبة الجمعة أن يدعو الله تعالى لينزل الغيث، فدعا النبي ﷺ ربه سبحانه فأنزل الغيث، ثم طلب منه الجمعة التي بعدها أن يدعو الله تعالى أن يرفع الغيث عنهم لما أصاب الناس من ضر فدعا ﷺ ربه سبحانه أن يجعله على الآكام والظراب.. إلخ؛ لما ثبت عن أنس بن مالك أنه قال: «أصابت الناس سنة على عهد النبي ﷺ فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع
стр. 633
يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب مثل الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته ﷺ ، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد وبعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي، أو قال غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا لا علينا، فما يشير بيديه إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهرا ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود (١) » رواه البخاري ومسلم وثبت عن أنس أيضا ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا أقحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون (٢) » رواه البخاري وهذا ليس توسلا بالجاه والحرمة والحق ونحو ذلك، وإنما هو توسل بدعاء النبي ﷺ ربه في حياته أن ينزل المطر أو يدفع الضر، وكذا التوسل بدعاء العباس ربه، وعلى هذا يكون هذا التوسل من النوع الأول، ويدل على ذلك عدول عمر والصحابة ﵃ عن
стр. 634
التوسل بالنبي ﷺ بعد موته إلى التوسل بعمه العباس، فإن النبي ﷺ محترم حيا وميتا، وجاهه عند ربه وعند المؤمنين عظيم حيا وميتا.
ثانيا: أن يتوسل إلى الله في دعائه بجاه نبي أو حرمته أو بركته أو بجاه غيره من الصالحين أو حرمته أو حقه أو بركته فيقول: (اللهم بجاه نبيك أو حرمته أو بركته أعطني مالا وولدا أو أدخلني الجنة وقني عذاب النار) مثلا فليس بمشرك شركا يخرج عن الإسلام لكنه ممنوع؛ سدا لذريعة الشرك، وإبعادا للمسلم من فعل شيء يفضي إلى الشرك، ولا شك أن التوسل بجاه الأنبياء والصالحين وسيلة من وسائل الشرك التي تفضي إليه على مر الأيام، كما دلت عليه التجارب وشهد له الواقع، وقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تدل دلالة قاطعة على أن سد الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) فنهى سبحانه المسلمين عن سب آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله مع أنها باطلة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سب المشركين الإله الحق سبحانه
стр. 635
انتصارا لآلهتهم الباطلة جهلا منهم وعدوانا، ومنها: نهيه ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد؛ خشية أن تعبد، ومنها: تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وتحريم إبداء المرأة زينتها للرجال الأجانب، وتحريم خروجها من بيتها متعطرة، وأمر الرجال بغض البصر عن زينة النساء، وأمر النساء أن يغضضن من أبصارهن؛ لأن ذلك كله ذريعة إلى الافتتان بها ووسيلة إلى الوقوع في الفاحشة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (١) ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٢) الآية. وثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣) » ، ولأن التوسل بالجاه والحرمة ونحوهما في الدعاء لم ينقل عن النبي ﷺ ، والعبادة توقيفية، ولم يرد في كتاب الله ولا في سنة الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ما يدل على هذا التوسل، فعلم أنه بدعة، وقد قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٤) » .
ثالثا: أن يدعو الأنبياء أو الأولياء ويستغيث بهم في قضاء حاجاتهم، كقول أحدهم: يا رسول الله، فرج كربتي أو اشفني، أو يقول: مدد مدد يا رسول الله، أو يا حسين، فهذا ونحوه شرك
стр. 636
أكبر يخرج قائله من الإسلام، وقد أنزل الله كتبه وأرسل رسله لإبطال ذلك والتحذير منه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 637
السؤال الثالث من الفتوى رقم (٣٢٠٧) :
س٣: لقد وجدت في كتاب [شفاء السقام في زيارة خير الأنام] للشيخ تقي الدين السبكي الشافعي من باب التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي ﷺ في صفحة ١٦٠ إلى ١٧٨ خلافا وأحاديث تدعو إلى الاستفهام، أفيدونا أفادكم الله عن هذا الكتاب وبالأخص باب التوسل؟
ج٣: زيارة قبور الأموات سنة؛ لحث النبي ﷺ عليها، ولإكثاره من زيارتها، وذلك للعظة والعبرة، وتذكر الموت والدعاء للأموات المسلمين بالمغفرة والرحمة مثل: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية، ونحو ذلك من الأدعية الثابتة عن النبي ﷺ في زيارة القبور، وليست زيارتهم لدعائهم والاستعانة بهم والاستشفاع بهم فإن ذلك شرك، ولا يجوز شد الرحال
стр. 638
لزيارتهم ولا السفر لذلك وإن لم يكن فيه شد الرحال ولكن الناس غلوا في زيارة القبور فسافروا إليها ودعوا الأموات لجلب النفع وكشف الضر إلى غير ذلك من البدع التي تفعل عندها، وممن غلا في ذلك الشيخ تقي الدين السبكي الشافعي في كتابه [شفاء السقام..] وقد رد عليه الشيخ محمد بن عبد الهادي في كتابه [الصارم المنكي في الرد على السبكي] ، فإذا أردت التوسع في ذلك فاقرأ كتاب [الصارم المنكي] ، وكتاب [التوسل والوسيلة] لابن تيمية رحمهما الله، ففيهما قوة في إثبات الحق وقوة في الرد على الباطل مع الأدلة ووضوح العبارة.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 639
السؤال الأول من الفتوى رقم (٣٦٢٧) :
س١: جعل الولي وسيلة للشفاء من الأمراض، زيارة المقابر بالذبائح وجعلها نذرا، عمل موالد سنوية للأولياء؟
ج١: جعل الولي وسيلة للشفاء من الأمراض بأن يقول الإنسان: اللهم اشف مريضي بجاه الولي فلان - ممنوع؛ لأنه
стр. 640
وسيلة إلى الشرك وتوسل مبتدع لا أصل له في الشرع المطهر، وإن كان بدعائه مثل أن يقول: يا إمام يا شافعي، اشف مريضي - فهو شرك أكبر.
وزيارة القبور للتذكر والاتعاظ والعبرة وللدعاء للأموات بالمغفرة والرحمة سنة، وزيارتها لطلب التبرك من أهلها والاستغاثة بهم ورجائهم في قضاء الحاجات وكشف الكربات - شرك أكبر يخرج من الإسلام والعياذ بالله، ونذر الذبائح لها شرك أكبر، وذبحها لها ولو بلا نذر شرك أكبر، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 641
السؤال الأول من الفتوى رقم (٤٢١٧) :
س١: التوسل بأحد من خلقه يقول: إن هذه المسألة
стр. 642
اضطربت فيها الأمة وإن أكثر العلماء قالوا بها، ومنهم الإمام أحمد إمام أهل السنة وابن قدامة والنووي والشوكاني وابن حجر العسقلاني وخلق كثير من العلماء، ومنهم أيضا محمد بن عبد الوهاب، فهل الشيخ محمد قال بها أم لا؟ وأين الحق في هذه المسألة بأدلة شافية ترد على من يقول: إنه لم يخالف فيها إلا ابن تيمية والألباني يعني: أنهما فقط اللذان منعا التوسل بأحد من خلقه؟
ج١: التوسل بذوات المخلوقين أو جاههم أو حقهم سواء كانوا أنبياء أو صالحين فيه خلاف بين أهل العلم، والذي عليه جمهور أهل العلم عدم الجواز وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وسئلت اللجنة سؤالا مماثلا فأجابت بالجواب التالي:
الولي: كل من آمن بالله واتقاه ففعل ما أمره سبحانه به وانتهى عما نهاه عنه وعلى رأسهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٢)
والتوسل إلى الله بأوليائه أنواع:
الأول: أن يطلب إنسان من الوالي الحي أن يدعو الله له بسعة
стр. 643
رزق أو شفاء من مرض أو هداية وتوفيق ونحو ذلك - فهذا جائز، ومنه طلب بعض الصحابة من النبي ﷺ حينما تأخر عنهم المطر أن يستسقي لهم، فسأل ﷺ ربه أن ينزل المطر، فاستجاب دعاءه وأنزل عليهم المطر، ومنه استسقاء الصحابة بالعباس في حلافة عمر ﵃ وطلبهم منه أن يدعو الله بنزول المطر فدعا العباس ربه وأمن الصحابة على دعائه ... إلى غير هذا مما حصل زمن النبي ﷺ وبعده من طلب مسلم من أخيه المسلم أن يدعو له ربه لجلب نفع أو كشف ضر.
الثاني: أن ينادي الله متوسلا إليه بحب نبيه واتباعه إياه وبحبه لأولياء الله بأن يقول: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك واتباعي له وبحبي لأوليائك أن تعطيني كذا - فهذا جائز؛ لأنه توسل من العبد إلى ربه بعمله الصالح، ومن هذا ما ثبت من توسل أصحاب الغار الثلاثة بأعمالهم الصالحة.
الثالث: أن يسأل الله بجاه أنبيائه أو ولي من أوليائه بأن يقول: (اللهم إني أسألك بجاه نبيك أو بجاه الحسين) مثلا فهذا لا يجوز؛ لأن جاه أولياء الله وإن كان عظيما عند الله وخاصة حبيبنا محمد ﷺ غير أنه ليس سببا شرعيا ولا عاديا لاستجابة الدعاء؛ ولهذا عدل الصحابة حينما أجدبوا عن التوسل بجاهه ﷺ في دعاء الاستسقاء إلى التوسل بدعاء عمه العباس مع أن جاهه عليه الصلاة
стр. 644
والسلام فوق كل جاه، ولم يعرف عن الصحابة ﵃ أنهم توسلوا به ﷺ بعد وفاته وهم خير القرون وأعرف الناس بحقه وأحبهم له.
الرابع: أن يسأل العبد ربه حاجته مقسما بوليه أو نبيه أو بحق نبيه أو أوليائه بأن يقول (اللهم إني أسألك كذا بوليك فلان أو بحق نبيك فلان) ، فهذا لا يجوز، فإن القسم بالمخلوق على المخلوق ممنوع، وهو على الله الخالق أشد منعا، ثم لا حق لمخلوق على الخالق بمجرد طاعته له سبحانه حتى يقسم به على الله أو يتوسل به. هذا هو الذي تشهد له الأدلة، وهو الذي تصان به العقيدة الإسلامية وتسد به ذرائع الشرك.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 645
السؤال الثاني والثالث من الفتوى رقم (٥١٥٦) :
س٢: بعض العامة إذا أراد أن يقوم من مجلسه عمد على يديه وقال: آجاه النبي، أو آجاه رسول الله، أو يا رضاء الوالدين، وهؤلاء العلماء أنفسهم يقولون من قال: يا رضاء الوالدين، أو آجاه
стр. 646
النبي فهو مشرك؛ لأنه جعل الواسطة مع الله. ويحتجون بالحديث الذي فيه: يا غلام، إذا استعنت فاستعن بالله، إلى آخر ما في الحديث.
ج٢: نداء جاه النبي والرسول ﷺ عند النهوض من المجلس أو نداء رضاء الوالدين نوع من الاستعانة به، وهو شرك أكبر والعياذ بالله.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 647
س٣: وقع جدال بيني وبين رجل حامل لكتاب الله تعالى وحاج لبيت الله الحرام كما يلي: أنا قلت: التوسل بجاه الرسول ﷺ وبجاه أولياء الله الصالحين جائز كما طالعته في الفوز والنجاة في الهجرة إلى الله، وهو قال: لا يجوز التوسل بأي مخلوق؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (١) والله لا يحتاج إلى واسطة أحد، ومن توسل بالأنبياء أو بالأولياء فهو مشرك إلى أن قال وطول -والعياذ بالله- قال بالدارجة المغربية (إيش عند محمد ما يعطيك نحن نعاونه بصلاتنا عليه) فهل قائل هذه اللفظة ارتد. أم لا شيء عليه؟ وهل يجوز التوسل كما ذكرت أعلاه بالرسول والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أم لا؟
ج٣: ما ذكرت من قول من ينكر على من نادى الرسول ﷺ بعد وفاته أو توسل بجاهه (إيش عند محمد ما يعطيك نحن نعاونه بصلاتنا عليه) فهو تبجح ممقوت وسوء أدب في التعبير لا يليق
стр. 648
بالمسلم أن يقوله، ثم هو منفر يصد الناس عن سماع نصحه والانتفاع بعلمه، لكن مع ذلك ليس بمرتد عن الإسلام؛ لأنه لم يقصد بذلك إهانة النبي ﷺ أو الحط من قدره فيما يظهر، إنما قصد تفهيم من استعان بالرسول ﷺ أو توسل به أنه لا يملك بعد وفاته أن يجلب لمن سأله أو سأل به نفعا ولا ضرا، لكنه أساء التعبير ولا يقصد الامتنان على الرسول ﷺ بالصلاة عليه، إنما يريد بيان أنه عبد الله ورسوله، فيجب أن نعرف له رسالته ودرجته الرفيعة دون أن نرفعه إلى مقام الربوبية أو الإلهية بدعائه والاستعانة به فإن ذلك من اختصاص الله سبحانه، لكنه لم يحسن القول والدعوة والإرشاد إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، مع العلم بأن دعاءه ﷺ والاستغاثة به أو بغيره من الأنبياء والصالحين شرك أكبر، أما التوسل بجاهه أو بحقه فليس بشرك ولكنه من البدع ومن وسائل الشرك، فالواجب تركه، والمشروع للمسلم أن يتوسل بأسماء الله وصفاته وبتوحيده والإيمان به وبالأعمال الصالحات التي يتقرب بها إلى ربه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 649
السؤال الثاني من الفتوى رقم (٥٤٤١) :
س٢: رجل من أهل الطرق الصوفية إمام مسجد وقف يوما في يوم الجمعة خطيبا وقال: لا نقول: الله فوق ولا تحت ولا شمالا ولا يمينا، ويدعو الناس للتوسل بمخلوقات الله مثل الأنبياء والأولياء ويقرأ على أناس كانوا لا يؤدون فرائض الله وكانوا يخربون بيوت الناس ويمشون في الشوارع يصيحون ويضربون الناس ويقول عنهم: إنهم أولياء الله، هل هذه هي وحدة الوجود والحلول وغير ذلك من البدع الكثيرة، فهل هذا يصلى خلفه، وهل تجوز الصلاة وراء مؤذنه، وهل تجوز صلاة الأوقات الخمسة اليومية في البيت أم نصلي وراء هذا الرجل، أما الجمعة فيمكننا أن نصلي في مسجد آخر؟
ج٢: أولا: ثبت بالأدلة القطعية أن الله في العلو فوق جميع المخلوقات، وقد استوى على عرشه استواء يليق بجلاله، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) هذه عقيدة أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وننصحك بقراءة كتاب [العلو للعلي الغفار] لمحمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي. فمن قال: لا نقول: إن الله فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال فهو بهذا مخالف لما دل عليه القرآن والسنة وأجمع
стр. 650
عليه المسلمون من عهد الصحابة ﵃ من أهل العلم والإيمان، فيجب أن يبين له الحق فإن أصر فهو كافر مرتد عن الإسلام لا تصح الصلاة خلفه.
ثانيا: دعوته الناس إلى التوسل بمخلوقات الله مثل الأنبياء والأولياء دعوة باطلة يجب أن ينصح في ذلك وقد صدر منا جواب مفصل في حكم التوسل هذا نصه: (من توسل إلى الله في دعائه بجاه نبي أو حرمته أو بركته أو بجاه غيره من الصالحين أو حرمته أو بركته فقال: (اللهم بجاه نبيك أو حرمته أو بركته أعطني مالا وولدا أو أدخلني الجنة وقني عذاب النار) مثلا فليس بمشرك شركا يخرج من الإسلام، لكنه ممنوع؛ سدا لذريعة الشرك، وإبعادا للمسلم من فعل شيء يفضي إلى الشرك، ولا شك أن التوسل بجاه الأنبياء والصالحين وسيلة من وسائل الشرك التي تفضي إليه على مر الأيام، كما دلت عليه التجارب وشهد له الواقع، وقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تدل دلالة قاطعة على أن سد الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) فنهى سبحانه المسلمين
стр. 651
عن سب آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله مع أنها باطلة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سب المشركين الإله الحق سبحانه انتصارا لآلهتهم الباطلة جهلا منهم وعدوانا، ومنها: نهيه ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد؛ خشية أن تعبد.
ومنها: تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وتحريم إبداء المرأة زينتها للرجال الأجانب، وتحريم خروجها من بيتها متعطرة، وأمر الرجال بغض البصر عن زينة النساء، وأمر النساء أن يغضضن من أبصارهن؛ لان ذلك كله ذريعة إلى الافتتان بها ووسيلة إلى الوقوع في الفاحشة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (١) ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٢) الآية. وثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣) » ، ولأن التوسل بالجاه والحرمة ونحوهما في الدعاء عبادة، والعبادة توقيفية، ولم يرد في الكتاب ولا في سنة الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ما يدل على هذا التوسل، فعلم أنه بدعة، وقد قال ﷺ «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٤) » .
ثالثا: الذين لا يؤدون فرائض الله ويخربون بيوت الناس
стр. 652
ويمشون في الشوارع يصيحون ويضربون الناس هؤلاء من أولياء الشيطان لا من أولياء الله، فمن ادعى أنهم من أولياء الله فقد كذب وهو منهم، ويجب البيان له ولهم بأن هذا العمل مخالف لشرع الله، ويجب عليهم الرجوع إلى شرع الله، وإذا كانوا لا يصلون فهم كفار؛ لقول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر (١) » .
رابعا: إن هذا الرجل لا يصلى خلفه لا جمعة ولا جماعة، بل عليك أن تصلي صلاة الجمعة والجماعة في أقرب مسجد ممكن خلف إمام ترضاه في دينه وأمانته.
خامسا: أما المؤذن فلم تذكر لنا عنه شيئا من الأمور المخالفة لدين الله حتى نجيبك عن حكم الصلاة خلفه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 653
السؤال الأول من الفتوى رقم (٦٣٨٤) :
س١: هل يمكن التوسل بالقرآن والأيام كأن يقول العبد: (أدعوك ربي بحق يوم عرفة وما شابهه) ؟
ج١: يجوز التوسل بالقرآن؛ لأنه كلام الله لفظا ومعنى، وكلامه تعالى صفة من صفاته، فالتوسل به توسل إلى الله بصفة من صفاته، وهذا لا ينافي التوحيد وليس ذريعة من ذرائع الشرك. وأما التوسل بيوم من الأيام كالمثال الذي ذكرته فلا يجوز؛ لأنه توسل بمخلوق فهو ذريعة إلى الشرك، ولأن ذلك مخالف للأدلة الشرعية، مثل قوله ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » أخرجه مسلم في صحيحه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 654
السؤال الأول من الفتوى رقم (٦٩٤٩)
س١: يقول بعض العلماء (إن التوسل قضية فقهية لا قضية عقيدة) كيف ذلك؟
стр. 655
ج١: التوسل إلى الله في الدعاء بجاه الرسول ﷺ أو ذاته أو منزلته غير مشروع؛ لأنه ذريعة إلى الشرك، فكان البحث فيه لبيان ما هو الحق من مباحث العقيدة، وأما التوسل إلى الله بأسمائه جل شأنه وبصفاته وباتباع رسوله والعمل بما جاء به من عقيدة وأحكام فهذا مشروع.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 656
السؤال الرابع من الفتوى رقم (٨٨١٧) :
س٤: ما حكم من قال: ببركة النبي، أو ببركة الشيخ، أو ببركة القرآن، هل هو مشرك أم لا؟
ج٤: أولا: التوسل إلى الله ببركة القرآن مشروع وليس شركا.
ثانيا: التوسل ببركة بعض المخلوقين مثل النبي ﷺ من البدع المنكرة؛ لأن التوسل من العبادات التوقيفية، ولم يثبت في الشرع المطهر ما يدل على جوازه في المخلوقين أو حقهم
стр. 657
أو جاههم أو بركتهم، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١) » .
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 658
الفتوى رقم (٨٨٧٩) :
س: ما حكم القراءة في كتاب [دلائل الخيرات] للإمام محمد بن سليمان الجزولي والمشتمل على أحزاب وأوراد يومية تتضمن التوسل بالنبي ﷺ وطلب الشفاعة منه، مثل: يا حبيبنا يا محمد، إنا نتوسل بك إلى ربك فاشفع لنا عند المولى العظيم، وأيضا اللهم إنا نستشفع به إليك إذ هو أوجه الشفعاء إليك ونقسم به عليك إذ هو أعظم من أقسم بحقه عليك ونتوسل إليك إذ هو أقرب الوسائل إليك. وأشرفهم جرثومة.
ج: إذا كان الواقع ما ذكرت من اشتمال أوراد وأحزاب هذا الكتاب على التوسل بالنبي ﷺ والاستشفاع به إلى الله تعالى في قضاء حاجته فلا تجوز لك القراءة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (١)
стр. 659
وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (١) ، وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ (٢) ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (٣) الآية.
وفي التمسك بكتاب الله تعالى وتلاوته وبالأذكار النبوية الصحيحة غنية لك عن قراءة الأوراد والأحزاب التي بكتاب [دلائل الخيرات] وأشباهها وهي كثيرة تجدها في كتاب [رياض الصالحين] ، وكتاب [الأذكار النووية] كلاهما للإمام النووي، وكتاب [الكلم الطيب] لابن تيمية، و [الوابل الصيب] للعلامة ابن القيم رحمة الله على الجميع، وغيرها من كتب أهل السنة.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 660
السؤال الأول من الفتوى رقم (٩٠١٦) :
س١: أرجو منكم أن توضحوا لنا الفرق بين المؤمن والمشرك مع العلم أن هناك أناسا يصلون ويصومون ويحجون ويعملون كل أعمال الخير ولكن يتوسلون بالأنبياء والصالحين فهل هذا جائز؟
ج١: إذا أتى المسلم بمكفر يخرجه من الإسلام كالاستغاثة بالأموات في شفاء المرضى أو في سعة الرزق أو إعطاء الذرية خرج بذلك من ملة الإسلام وحبط ما عمله من صلاة وصيام ونحوهما من العبادات إذا مات على ذلك، وإن أتى بمعصية لا تبلغ درجة الكفر، كالسرقة والتعامل بالربا فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه.
وبهذا تعلم أن السؤال فيه إجمال؛ فإن أريد بالتوسل ما ذكرنا فقد عرفت حكمه، وإن أريد بذلك التوسل بجاه الأنبياء والصالحين وحقهم من دون سؤالهم والاستغاثة بهم فذلك بدعة ومن وسائل الشرك.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 661
الأسئلة الثالث والرابع والسادس من الفتوى رقم (٩٠٤٧) :
س٣: ما قولكم في قول الإمام ابن تيمية (شيخ الإسلام) في كتاب [اقتضاء الصراط المستقيم] : لم يتنازع العلماء إلا في الحلف بالنبي ﷺ خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد.. وقد نقل عن أحمد في التوسل بالنبي ﷺ في [منسك المروذي] ما يناسب قوله بانعقاد اليمين به لكن الصحيح: أنه لا ينعقد اليمين به فكذلك هذا.
وقوله أيضا في [مجموع الفتاوى] : وأما إذا لم نتوسل إليه سبحانه بدعائهم ولا بأعمالنا.. ولكن توسلنا بنفس ذواتهم لم تكن نفس ذواتهم سببا يقتضي إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة؛ ولهذا لم يكن هذا منقولا عن النبي ﷺ نقلا صحيحا ولا مشهورا عن السلف، وقد نقل في منسك المروذي عن أحمد دعاء فيه سؤال بالنبي ﷺ .
ج٣: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن أئمة الفقهاء في الموضوع في كتابيه المذكورين لا يختلف معناه وإن تنوعت العبارة.
وبيانه: أن أئمة الفقهاء؛ كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي ﵏ قالوا: إن الحلف بغير الله مطلقا منهي عنه سواء كان المحلوف به نبيا أم غيره ولا ينعقد ذلك يمينا، وهو القول الصحيح
стр. 662
عن أحمد ﵀، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: إنه هو الصواب، والقول الآخر عنه أن الحلف بنبينا محمد ﷺ يجوز، وينعقد يمينا، وبعض الحنابلة عمم ذلك في الأنبياء، وينبني على القول بجواز ذلك وانعقاده جواز الإقسام على الله بالنبي أو الأنبياء، وعليه يخرج حديث توسل الأعمى بالنبي ﷺ ، وقد ذكر ابن تيمية أن القول بجواز الحلف بالنبي وانعقاده قول ضعيف شاذ، وكذا ما بني عليه من جواز الإقسام على الله به وما يناسبه من التوسل به كذلك، وما قاله شيخ الإسلام هو الصواب وهو قول جمهور أهل العلم، وهو مقتضى الأدلة الشرعية، والله ولي التوفيق.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 663
س٤: ما قولكم في رسالة الشيخ سليمان بن سحمان إلى الشيخ علي بن عبد الله بن عيسى وفيها قوله في إبطال دعوى من ادعى على أنه يجوز التوسل بحق الأنبياء والأولياء والسؤال بهم: فإن شيخ الإسلام ذكر أنه لا يعرف قائلا بذلك، ولا يجوز القسم بنبينا ﷺ إلا ما يذكر عن العز بن عبد السلام على تقدير صحة الحديث.
ج٤: ما نقله الشيخ سليمان بن سحمان عن شيخ الإسلام ابن تيمية من أنه قال: (لا أعرف قائلا بذلك، ولا يجوز القسم بنبينا ﷺ إلا ما يذكر عن العز بن عبد السلام على تقدير صحة
стр. 664
الحديث) . نقل صحيح يعرف ذلك بالرجوع إلى (ص ٣٣٧) و (ص ٣٤٧) من ج١ من [مجموع الفتاوى] .
والمراد بالحديث هنا: حديث توسل الأعمى بالنبي ﷺ واستشفاعه به أن يرد الله تعالى بصره، فقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن عثمان بن حنيف عن النبي ﷺ . وبين ابن تيمية ﵀ أنه على تقدير صحته فليس فيه دليل على التوسل بذات النبي ﷺ ، بل فيه التوسل إلى الله بدعائه ﷺ ربه أن يرد إلى هذا الأعمى بصره.
وفيما يلي ما ذكره ابن تيمية من روايات الحديث وكلامه عليها لزيادة الإيضاح: (وقد روى الترمذي حديثا صحيحا عن النبي ﷺ أنه علم رجلا يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله، إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي، اللهم شفعه في (١) » وروى النسائي نحو هذا الدعاء.
وفي الترمذي وابن ماجه عن عثمان بن حنيف: «أن رجلا ضريرا أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك، فقال: فادعه، فأمره أن
стр. 665
يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول الله يا محمد، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في (١) » قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه النسائي عن عثمان بن حنيف ولفظه: «أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله، ادع الله أن يكشف لي عن بصري قال: فانطلق فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري، اللهم فشفعه في، قال: فرجع وقد كشف الله عن بصره (٢) » .
وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا روح، حدثنا شعبة عن عمير بن يزيد الخطمي المديني قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف «أن رجلا ضريرا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو خير لآخرتك، وإن شئت دعوت لك، قال: لا، بل ادع الله لي، فأمره أن يتوضأ وأن يصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى، اللهم فشفعني فيه وشفعه في» ، قال: ففعل الرجل فبرأ. فهذا الحديث فيه التوسل به إلى الله في الدعاء.
стр. 666
فمن الناس من يقول: هذا يقتضي جواز التوسل به مطلقا حيا أو ميتا. وهذا يحتج به من يتوسل بذاته بعد موته وفي مغيبه ويظن هؤلاء أن توسل الأعمى والصحابة في حياته كان بمعنى الإقسام به على الله، أو بمعنى أنهم سألوا الله بذاته أن يقضي حوائجهم ويظنون أن التوسل به لا يحتاج إلى أن يدعو هو لهم ولا أن يطيعوه فسواء عند هؤلاء دعا الرسول لهم أو لم يدع؛ الجميع عندهم توسل به، وسواء أطاعوه أو لم يطيعوه ويظنون أن الله تعالى يقضي حاجة هذا الذي توسل به بزعمهم ولم يدع له الرسول، كما يقضي حاجة هذا الذي توسل بدعائه ودعا له الرسول ﷺ ، إذ كلاهما متوسل به عندهم ويظنون أن كل من سأل الله تعالى بالنبي ﷺ فقد توسل به كما توسل به ذلك الأعمى، وأن ما أمر به الأعمى مشروع لهم، وقول هؤلاء باطل شرعا وقدرا، فلا هم موافقون لشرع الله، ولا ما يقولونه مطابق لخلق الله.
ومن الناس من يقولون: هذه قضية عين يثبت الحكم في نظائرها التي تشبهها في مناط الحكم، لا يثبت الحكم بها فيما هو مخالف لها لا مماثل لها، والفرق ثابت شرعا وقدرا بين من دعا له النبي ﷺ وبين من لم يدع له، ولا يجوز أن يجعل أحدهما كالآخر.
وهذا الأعمى شفع له النبي ﷺ ؛ فلهذا قال في دعائه:
стр. 667
«اللهم فشفعه في (١) » فعلم أنه شفيع فيه، ولفظه «إن شئت صبرت، وإن شئت دعوت لك. فقال: ادع لي (٢) » ، فهو طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، فأمره النبي ﷺ أن يصلي ويدعو هو أيضا لنفسه ويقول في دعائه «اللهم شفعه في (٣) » ، فدل ذلك على أن معنى قوله: «أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد (٤) » أي: بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك فتسقينا) .
فالحديثان معناهما واحد: فهو ﷺ علم رجلا أن يتوسل به في حياته كما ذكر عمر أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلا عنه.
فلو كان التوسل به حيا وميتا سواء، والمتوسل به الذي دعا له الرسول، كمن لم يدع له الرسول، لم يعدلوا عن التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه وأقربهم إليهم وسيلة - إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله.
وكذلك لو كان الأعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا - مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وينفع، وما لم
стр. 668
يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره، وهم في وقت الضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن - دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه.
ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه، وذلك أن التوسل به حيا هو الطلب لدعائه وشفاعته، وهو من جنس مسألته أن يدعو لهم وهذا مشروع، فما زال المسلمون يسألون رسول الله ﷺ في حياته أن يدعو لهم، وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه الدعاء لا عند قبره ولا عند غير قبره، كما يفعل كثير من الناس عند قبور الصالحين، يسأل أحدهم الميت حاجته. أو يقسم على الله به ونحو ذلك (١) .
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 669
س٦: أرجو توضيح قول شيخ الإسلام السابق، وهل يقوله على أنه صح عن الإمام أحمد ﵁ أم هو بصيغة التمريض كما هو ظاهر من اللفظ؟
ج٦: قد وضح معناه في الجواب عن السؤال الثالث، أما ما نقل عن الإمام أحمد في التوسل بالنبي ﷺ بصيغة التمريض فلا نعلم له طريقا صحيحا عن الإمام أحمد ﵀، ولو صح عنه لم
стр. 670
يكن به حجة، بل الصواب ما قال غيره في ذلك وهم جمهور أهل السنة؛ لأن الأدلة الشرعية في ذلك معهم.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز