فتوى رقم (٤١٥٤) :
س: إن رجلا خطيب مسجد بإحدى قرى مصر التي نعيش فيها نحن، وهو من الصوفية والطريقة الشاذلية التي يسمونها على أنفسهم. وهذا الرجل يدعو الناس ويعلمهم التوسل بمخلوقات الله مثل: الأنبياء، والأولياء، ويدعوهم إلى زيارة الأضرحة (القباب) ، ويحل لهم الحلف بالنبي والولي والكفارة في هذا الحلف إذا حنث الحالف. ونحن جماعة من الجماعات الإسلامية ناظرناه في ذلك الخطأ الذي يفعله ويعلمه للناس ولكنه مصر على ذلك، ويستدل بأحاديث ضعيفة وموضوعة فهل هذا يصلى وراءه؟ لأننا لم نتم بناء المسجد؛ لأننا جمعنا تبرعات لبناء هذا المسجد ولكن لم ينشأ إلى الآن. فنرجو فتواكم على هذا السؤال وفقنا ووفقكم الله تعالى. وغير هذا أنه كفر شيوخ الإسلام، مثل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، والإمام محمد بن عبد الوهاب ﵃ ورحمهم الله.
ج: إن الاستغاثة بالأموات ودعاءهم من دون الله أو مع الله شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام، سواء كان المستغاث به نبيا أم غير نبي، وكذلك الاستغاثة بالغائبين شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام والعياذ بالله، وهؤلاء لا تصح الصلاة خلفهم لشركهم. أما من استغاث بالله وسأله سبحانه وحده متوسلا بجاههم أو طاف
стр. 72
حول قبورهم دون أن يعتقد فيهم تأثيرا وإنما رجا أن تكون منزلتهم عند الله سببا في استجابة الله له فهو مبتدع آثم مرتكب لوسيلة من وسائل الشرك، ويخشى عليه أو أن يكون ذلك منه ذريعة إلى وقوعه في الشرك الأكبر. ونسأل الله أن يعينكم على نشر التوحيد ونصرة الحق وجهاد المبتدعين.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 73
السؤال الخامس من الفتوى رقم (٥٥٥٣) :
س٥: الاستغاثة بالأنبياء والأولياء والصالحين في حياتهم وبعد مماتهم في كشف السوء وجلب الخير والتوسل بهم أيضا في الحالتين لقضاء الحوائج والمآرب أيجوز ذلك أم لا؟
ج٥: أما الاستغاثة بالأموات من الأنبياء وغيرهم فلا تجوز، بل هي من الشرك الأكبر، وأما الاستغاثة بالحي الحاضر والاستغاثة به فيما يقدر عليه فلا حرج؛ لقول الله سبحانه في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (١)
أما التوسل بالأحياء
стр. 74
أو الأموات من الأنبياء وغيرهم بذواتهم أو جاههم أو حقهم فلا يجوز، بل هو من البدع ووسائل الشرك.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 75
فتوى رقم (٦٩٧٢) :
س: رجل يصلي ويصوم ويفعل جميع أركان الإسلام ومع ذلك كله يدعو غير الله حيث إنه يتوسل بالأولياء وينتصر بهم ويعتقد أنهم قادرون على جلب المنافع ودفع المضار أخبرنا جزاكم الله خيرا، هل يرثهم أولادهم الموحدون بالله الذين لا يشركون مع الله شيئا. وأيضا ما هو حكمهم؟
ج: من كان يصلي ويصوم ويأتي بأركان الإسلام إلا أنه يستغيث بالأموات والغائبين وبالملائكة ونحو ذلك فهو مشرك، وإذا نصح ولم يقبل وأصر على ذلك حتى مات فهو مشرك شركا أكبر يخرجه من ملة الإسلام، فلا يغسل ولا يصلى عليه صلاة الجنازة ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يدعى له بالمغفرة ولا يرثه أولاده ولا أبواه ولا إخوته الموحدون ولا نحوهم
стр. 76
ممن هو مسلم لاختلافهم في الدين؛ لقول النبي ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم (١) » رواه البخاري ومسلم.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 77
السؤال الثالث من الفتوى رقم (٧٣٠٨) :
س٣: يقول أرباب الصوفية - أنهم يستعينون ويستغيثون بعباد صالحين مجازا والله هو المستعان حقيقة فكيف ترد على هؤلاء. ثم إنهم يقولون حجة لهم في الاستعانة بالصالحين: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ (١) إلى آخر الآية الكريمة حجة لهم فكيف ترد على هذا؟
ج٣: أولا: الاستعانة والاستغاثة بغير الله من الأموات
стр. 78
والغائبين والأصنام ونحوها شرك بالله ، وهكذا الاستغاثة والاستعانة بغير الله من الأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام.
ثانيا: الاستدلال على مشروعية الاستعانة والاستغاثة بغير الله بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١) استدلال باطل، فإن معناها: وما أصبت عيون الكفار في غزوة بدر مع كثرتهم وانتشارهم في ميدان القتال بما حذفتهم به من الحصى مع ضعفك وقله ما بيدك من الحصى، ولكن الله تعالى هو الذي أوصله إليهم فأصاب أعينهم جميعا بقدرته سبحانه، فليس في الآية استغاثة بغير الله، إنما فيها أخذ بالأسباب ولو ضعيفة وهو حذف الحصى مع الضراعة لله واللجوء إليه فكانت النتائج بفضل الله وقدرته عظيمة، وكان مع حذف الحصى أيضا دعاء الرسول عليهم وطلبه النصر من الله وحده على أعدائه لا دعاء الصالحين.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 79
السؤال الثاني من الفتوى رقم (٩٢٧٢) :
س٢: هل الاستغاثة بالغائب أو بالميت كفر أكبر؟
ج٢: نعم الاستغاثة بالأموات أو الغائبين شرك أكبر يخرج من فعل ذلك من ملة الإسلام؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) وقوله : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٢) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٣)
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 80
فتوى رقم (٩٥٨٢) :
س: فيه هجوم شديد على السلفيين، وأنهم منكرون ولا يحبون الأولياء، ومن ضمن الأدلة التي استدلوا بها على أن
стр. 81
الاستغاثة بالميت جائزة: حديث الرجل الأعمى الذي استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، وقد علمت أن هذا الحديث صحيح مما يسبب لبعض الناس حيرة شديدة فأرجو إفادتنا في هذا الأمر المهم؟
ج: وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأن: حديث الأعمى أخرجه الإمام الترمذي بسنده عن عثمان بن حنيف ﵁: «أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت، وإن شئت، صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي لي اللهم فشفعه في (١) » وقال:: حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر الخطمي.
والحديث على تقدير صحته ليس فيه دعاء الأعمى للنبي ﷺ ، وإنما فيه دعاء الله تعالى بتوجهه بالنبي ﷺ في حياته، كما دعا الله تعالى أن يشفع فيه النبي ﷺ لتقضى حاجته.
وليس في الحديث ما يدل على جواز دعاء الموتى، وقد
стр. 82
تكلم أبو العباس ابن تيمية ﵀ في هذا الحديث كلاما طيبا وأوضح معناه في كتابه [قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة] (١) فراجعها لتستفيد أكثر.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 83
السؤال الثالث من الفتوى رقم (٢٢١٣) :
س٣: قال بعض أهل البدع الذين يدعون أهل القبور قال: كيف تقولون: الميت لا ينفع وقد نفعنا موسى ﵇ حيث كان السبب في تخفيف الصلاة من خمسين إلى خمس، وقال بعضهم: كيف تقولون: كل بدعة ضلالة، فماذا تقولون في شكل القرآن ونقطه، كل ذلك حدث بعد رسول الله ﷺ ، فبماذا نجيبهم؟
ج٣: أولا: الأصل في الأموات أنهم لا يسمعون نداء من ناداهم من الناس، ولا يستجيبون دعاء من دعاهم، ولا يتكلمون مع الأحياء من البشر ولو كانوا أنبياء، بل انقطع عملهم بموتهم؛ لقول
стр. 84
الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (١) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (٤) ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٥) وقول رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وولد صالح يدعو له وعلم ينتفع به (٦) » رواه مسلم في صحيحه، ويستثنى من هذا الأصل ما ثبت بدليل صحيح، كسماع أهل القليب من الكفار كلام رسول الله ﷺ عقب غزوة بدر، وكصلاته بالأنبياء ليلة الإسراء، وحديثه مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات حينما عرج به إليها، ومن ذلك نصح موسى لنبينا عليهما الصلاة والسلام أن يسأل الله التخفيف مما افترضه عليه وعلى أمته من الصلوات فراجع نبينا ﷺ ربه في ذلك حتى صارت خمس صلوات في كل يوم وليلة، وهذا من المعجزات وخوارق العادات
стр. 85
فيقتصر فيه على ما ورد.. ولا يقاس عليه غيره مما هو داخل في عموم الأصل؛ لأن بقاءه في الأصل أقوى من خروجه عنه بالقياس على خوارق العادات، علما بأن القياس على المستثنيات من الأصول ممنوع خاصة إذا لم تعلم العلة، والعلة في هذه المسألة غير معروفة؛ لأنها من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا بالتوقيف من الشرع، ولم يثبت فيها توقيف فيما نعلم، فوجب الوقوف بها مع الأصل.
ثانيا: الأمة مأمورة بحفظ القرآن كتابة وتلاوة، وبقراءته على الكيفية التي علمهم إياها رسول الله ﷺ ، وقد كانت لغة الصحابة ﵃ عربية سليمة؛ لقلة الأعاجم بينهم، وعنايتهم بتلاوته - كما أنزل - عظيمة، واستمر ذلك في عهد الخلفاء الراشدين فلم يخش عليهم اللحن في قراءة القرآن ولم يشق عليهم قراءته من المصحف بلا نقط ولا شكل، فلما كانت خلافة عبد الملك بن مروان وكثر المسلمون من الأعاجم واختلطوا بالمسلمين من العرب خشي عليهم اللحن في التلاوة وشق عليهم القراءة من المصحف بلا نقط ولا شكل، فأمر عبد الملك بن مروان بنقط المصحف وشكله، وقام بذلك الحسن البصري، ويحيى بن يعمر رحمهما الله، وهما من أتقى التابعين وأعلمهم وأوثقهم؛ محافظة على القرآن، وصيانة له من أن يناله
стр. 86
تحريف، وتسهيلا لتلاوته وتعليمه وتعلمه، كما ثبت عن رسول الله ﷺ . وبهذا يتبين أن كلا من نقط القرآن وشكله - وإن لم يكن موجودا في عهد النبي ﷺ فهو داخل في عموم الأمر بحفظه وتعليمه وتعلمه على النحو الذي علمه رسول الله ﷺ أمته؛ ليتم البلاغ، ويعم التشريع، ويستمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وعلى هذا لا يكون من البدع؛ لأن البدعة: ما أحدث ولم يدل عليه دليل خاص به أو عام له ولغيره، وقد يسمي مثل هذا بعض من تكلم في السنن والبدع: مصلحة مرسلة، لا بدعة، وقد يسمى هذا: بدعة من جهة اللغة؛ لكونه ليس على مثال سابق لا من جهة الشرع؛ لدخوله تحت عموم الأدلة الدالة على وجوب حفظ القرآن وإتقانه تلاوة وتعلما وتعليما، ومن هذا قول عمر ﵁ لما جمع الناس على إمام واحد في التراويح: (نعمت البدعة هذه) . والظاهر دخول النقط والشكل في عموم النصوص الدالة على وجوب حفظ القرآن كما أنزل.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 87
السؤال الأول من الفتوى رقم (٢٠١٧) :
س: ما قولكم في مبتدع بدعا شركية يستغيث بالأولياء ويصلي في أضرحتهم راجيا أن يمدوه ببركتهم، وتزوج بامرأة ثيب بعد أن طلقها زوجها الأخير، وكان يجامعها مرة بعد أخرى خفية حتى حملت منه فبادر بكتابة العقد عليها بعد ما ظهر حملها، وتم هذا الزواج على غير هدى من الله، ووضعت طفلة عمرها سنتان الآن ثم تاب إلى الله من البدع والتزم سنة نبينا محمد ﷺ ، وقرأ كتاب [فتح المجيد شرح كتاب التوحيد] وغيره من كتب أهل السنة وتاب من الزنى وفعل المنكرات، وزوجته حامل الآن، ويسأل: ماذا يفعل هل عليه كفارة من أجل الزنا، وماذا يفعل مع أقاربه الذين لا يزالون على بدعهم الشركية أفتوني؟
ج١: أولا: لا شك أن الشرك أكبر الكبائر، وأن البدع المحدثة في الدين من أقبح الجرائم، وأن الزنى من الفواحش وكبائر الذنوب وأنه يجب على من ابتلي بشيء من ذلك أن يتخلص منه ويجتنبه، وأن يستغفر الله، ويتوب إليه مما فرط فيه من الجرائم عسى أن يتوب الله عليه، وإذا كان قد تاب إلى الله واستغفره فنرجو الله أن يتقبل توبته ويغفر ذنبه، وأن يحفظه في مستقبل أمره، وأن يبدل سيئاته حسنات، وعليه أن يكثر الندم والتوبة والاستغفار والأعمال الصالحات، فإن الحسنات يذهبن
стр. 88
السيئات، وألا يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (١) ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٢) ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣) ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٥) وعليه أن يحمد الله ويشكره على التوفيق إلى الرشد بعد الغي، والهدى بعد الضلال.
ثانيا: عليه أن يجتهد مع عشيرته وسائر قومه بدعوتهم إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع والخرافات وترغيبهم في التمسك بالكتاب والسنة والعمل بهما عسى أن تجدي فيهم الدعوة فيستجيبوا لها ويتوبوا إلى الله من شركهم وسائر بدعهم، ويكونوا قوة معه في نصر الدعوة إلى الحق. والله المستعان.
ثالثا: إذا كان الواقع من حاله الأولى ما ذكر من سلوكه طريق الجاهلية الأولى قبل بعثة النبي ﷺ وارتكابه مثل ما ارتكبوا من
стр. 89
الشرك الأكبر، وأنه عقد الزواج على المرأة المذكورة أيام جاهليته اعتبرت توبته من ذلك رجوعا من الشرك والفجور وبدء حياة إسلامية جديدة فيقر على عقد النكاح الذي جرى منه على هذه المرأة أيام جاهليتهما إن كانت مثله حين عقد عليها ثم تابت مما كان منها من الشرك والفاحشة، فإن النبي ﷺ كان يقر من أسلم من الكافرين على ما مضى من عقود زواجهم في الجاهلية ولا يسألهم عن تفاصيل ما جرى عليه العقد ولا يجدد لهم عقد زواج، ويعتبر ما كان بينهم من النسل سابقا أولادا لهم فليس عليهما أكثر من أن يتبعا السيئة الحسنة ويكثرا من فعل الخيرات وتجنب ما حرم الله من المنكرات.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 90
السؤال الأول من الفتوى رقم (٩٣٣٦) :
س١: إذا كان إنسان إمام مسجد ويستغيث بالقبور ويقول: هذه قبور ناس أولياء ونستغيث بهم من أجل الواسطة بيننا وبين الله، هل يجوز لي أن أصلي خلفه وأنا إنسان أدعو إلى التوحيد؟ وأرجو منكم توضحوا لي كثيرا في هذا مواضيع النذر والاستغاثة والتوسل.
стр. 91
ج١: من ثبت لديك أنه يستغيث بأصحاب القبور أو ينذر لهم فلا يصح أن تصلي خلفه؛ لأنه مشرك، والمشرك لا تصح إمامته ولا صلاته ولا يجوز للمسلم أن يصلي خلفه؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) وقوله : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣)
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 92
فتوى رقم (٢٨٧١) :
س١: ما حكم الصلاة خلف من يعتقد أن دعاء الرسول أو الأولياء أو علي بن أبي طالب ﵁ مسموع مستجاب حيث إن غالب الناس في باكستان يدعون الرسول أو عليا أو عبد القادر الجيلاني لجلب النفع ودفع الضرر؟
стр. 93
س٣: ما حكم من يعتقد حياة الرسول والأولياء والمشايخ أو يعتقد أن أرواح المشايخ حاضرة تعلم، وكذلك ما حكم من يعتقد أن الرسول نور وينفي عنه البشرية؟
ج: أولا: الدعاء عبادة من العبادات، والعبادات من حقوق الله جل وعلا المختصة به، وصرفها إلى غيره شرك به، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على تحريم دعاء غير الله، فأما الأدلة من القرآن: فمنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) ففي هذه الآية وأمثالها بيان أن دعوة غير الله كفر وشرك وضلال. وأما الأدلة من السنة: فمنها ما ثبت في السنن، عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله وسلم قال: «الدعاء هو العبادة وقرأ قوله سبحانه: (٣) » وما رواه الطبراني بإسناده أنه «كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله (٤) » ففي
стр. 94
هذا الحديث النص على أنه لا يستغاث بالنبي ﷺ ولا بمن دونه، كره ﷺ أن يستعمل هذا اللفظ في حقه وإن كان مما يقدر عليه في حياته؛ حماية لجناب التوحيد، وسدا لذرائع الشرك، وأدبا وتواضعا لربه، وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال، فإذا كان هذا فيما يقدر عليه ﷺ في حياته فكيف يجوز أن يستغاث به بعد وفاته ويطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله ؟! وإذا كان هذا في الرسول ﷺ فكيف بمن دونه؟! وأما الإجماع فالأمة مجمعة على أن الدعاء من خصائص الله جل وعلا، وصرفه لغيره شرك.
ثانيا: سماع الأصوات من خواص الأحياء، فإذا مات الإنسان ذهب سمعه فلا يدرك أصوات أهل الدنيا ولا يسمع حديثهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (١) فأكد تعالى لرسوله ﷺ عدم سماع من يدعوهم إلى الإسلام بتشبيههم بالموتى، والأصل في المشبه به أنه أقوى من المشبه في الاتصاف بوجه الشبه، وإذا فالموتى أدخل في عدم السماع وأولى بعدم الاستجابة من المعاندين الذين صموا آذانهم عن دعوة الرسول ﵊ وعموا عنها، وقالوا: قلوبنا غلف، وفي هذا يقول تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٢)
стр. 95
وأما سماع قتلى الكفار - الذين ألقوا في القليب يوم بدر - نداء رسول الله ﷺ إياهم، وقوله لهم: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقا، فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا،» وقوله لأصحابه: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم،» حينما استنكروا نداءه أهل القليب (١) فذلك من خصوصياته التي خصه الله بها، فاستثنيت من الأصل العام بالدليل.
ثالثا: دل القرآن على أن الرسول ﷺ ميت، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٣) وهو ﷺ داخل في هذا العموم، وقد أجمع الصحابة ﵃ وأهل العلم بعدهم على موته، وأجمعت عليه الأمة، وإذا انتفى ذلك عنه ﷺ فانتفاؤه عن غيره من الأولياء والمشايخ أولى، والأصل في الأمور الغيبية: اختصاص الله بعلمها، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٤) وقال تعالى:
стр. 96
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١) لكن الله تعالى يطلع من ارتضى من رسله على شيء من الغيب، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ (٢) ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٤) وثبت في حديث طويل من طريق أم العلاء أنها قالت: «لما توفي عثمان بن مظعون أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله ﷺ ، فقلت رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك فقد أكرمك الله ، فقال رسول الله ﷺ : وما يدريك أن الله أكرمه فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله ﷺ : أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي، فقلت: والله لا أزكي بعده أحدا أبدا (٥) » رواه أحمد وأورده البخاري في كتاب الجنائز من صحيحه، وفي رواية له: «ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به (٦) » ، وقد ثبت في أحاديث كثيرة أن النبي ﷺ قد أعلمه الله بعواقب بعض أصحابه فبشرهم بالجنة،
стр. 97
وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ المخرج في صحيح مسلم، «أن جبريل سأل النبي ﷺ عن الساعة، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل (١) » ثم لم يزد على أن أخبره بأماراتها، فدل على أنه علم من الغيب ما أعلمه الله به دونما سواه من المغيبات، وأخبره به عند الحاجة. كما أن الله سبحانه أخبر نبيه ﷺ أنه مغفور له في سورة الفتح. وصح عنه ﷺ أنه قال: «النبي في الجنة وأبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن مالك في الجنة - وهو ابن أبي وقاص - وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة (٢) » ﵃ جميعا، وهذا كله من علم الغيب الذي أطلع الله نبيه عليه.
رابعا: وصف الرسول ﷺ بأنه نور من نور الله، إن أريد به أنه نور ذاتي من نور الله فهو مخالف للقرآن الدال على بشريته، وإن أريد بأنه نور باعتبار ما جاء به من الوحي الذي صار سببا لهداية من
стр. 98
شاء من الخلق فهذا صحيح، وقد صدر منا فتوى في ذلك هذا نصها: للنبي ﷺ نور هو نور الرسالة والهداية التي هدى الله بها بصائر من شاء من عباده، ولا شك أن نور الرسالة والهداية من الله، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١) ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٣) وليس هذا النور مكتسبا من خاتم الأولياء كما يزعمه بعض الملاحدة، أما جسمه ﷺ فهو دم ولحم وعظم ... إلخ، خلق من أب وأم ولم يسبق له خلق قبل ولادته، وما يروى أن أول ما خلق الله نور النبي محمد ﷺ ، أو أن الله قبض قبضة من نور وجهه وأن هذه القبضة هي محمد ﷺ ونظر إليها فتقاطرت فيها قطرات فخلق من كل قطرة نبيا، أو خلق الخلق كلهم من نوره ﷺ ، فهذا وأمثاله لم يصح منه شيء عن النبي ﷺ (ص ٣٦٦ وما بعدها من [مجموع الفتاوى] لابن تيمية، الجزء الثامن عشر.)
خامسا: القول بأن الرسول ﷺ ليس بشرا مثلنا يحتمل حقا وباطلا، وقد صدر منا فتوى في ذلك هذا نصها: هذه الكلمة
стр. 99
مجملة تحتمل حقا وباطلا فإن أريد بها إثبات البشرية للنبي ﷺ وأنه ليس مماثلا للبشر من كل وجه، بل يشاركهم في جنس صفاتهم فيأكل ويشرب، ويصح ويمرض، ويذكر وينسى، ويحيا ويموت، ويتزوج النساء ونحو ذلك ويختص بما حباه الله به من الإيحاء إليه وإرساله إلى الناس بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا؛ فهذا حق، وهو الذي شهد به الواقع وأخبر به القرآن، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١) فأمره أن يخبر أمته بأنه بشر مثلهم إلا أن الله اصطفاه لتحمل أعباء الرسالة وأوحى إليه بشريعة التوحيد والهداية ... إلخ، وقال تعالى في بيان ما جرى من تحاور بين الرسل وأممهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (٢) ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٣) فأقر الرسل بأنهم بشر مثلنا ولكن الله من
стр. 100
عليهم بالرسالة، فإن الله سبحانه يمن على من يشاء من عباده بما شاء ويصطفي منهم من أراد؛ ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور ومثل هذا في القرآن كثير. وإن أريد به أن الرسول ليس بشرا أصلا أو أنه بشر لكنه لا يماثل البشر في جنس صفاتهم فهذا باطل يكذبه الواقع وكفر صريح؛ لمناقضته لما صرح به القرآن من إثبات بشريتهم ومماثلتهم للبشر فيما عدى ما اختصهم الله به من الوحي والنبوة والرسالة والمعجزات.
وعلى كل حال لا يصح إطلاق هذه الكلمة نفيا ولا إثباتا إلا مع التفصيل والبيان لما فيها من اللبس والإجمال؛ ولذا لم يطلقها القرآن إثباتا إلا مع بيان ما خص به رسله كما في الآيات المتقدمة، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ (٢) وكما يخشى من التعبير بمماثلتهم للبشر بإطلاق انتقاص الرسل والتذرع إلى إنكار رسالتهم يخشى من النفي للمماثلة بإطلاق الغلو في الرسل وتجاوز الحد بهم إلى ما ليس من شأنهم، بل من شؤون الله سبحانه، فالذي ينبغي للمسلم التفصيل والبيان
стр. 101
لتمييز الحق من الباطل والهدى من الضلال.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 102
فتوى رقم (٣٠٦٨) :
س١: في هذه الأيام نرى جماعة من المسلمين قد تغالوا في حب الموتى، يدعونهم ويطلبون منهم حاجاتهم، ويشتكون إليهم مصائبهم معتقدين أنهم يحضرون في مجالسهم إذا دعوهم ويفرجون كروبهم، ومن العادات المنتشرة بينهم أن يجتمع الناس في ليلة من الليالي في غرفة مظلمة ويدعون عبد القادر الجيلاني ﵁ ألف مرة معتقدين أنه أمرهم بذلك وأنه يحضرهم ويقضي حاجاتهم إذا فعلوا ذلك ويستدلون على ذلك بالأبيات التالية ويقرؤونها بكل خضوع وخشوع وبكل حب وإذلال، ومن هذه الأبيات ما يلي:
يا قطب أهل السماء والأرض غوثهما ... يا فيض عيني وجوديهم وغيثهما
يا ابن العليين قد أحرزت إرثهما ... يا خير من كان يدعى محي الدين
يا غوث الأعظم كل الدهر والحين ... أعلى ولي بتحكيم وتمكين
أولى فقير إلى المولى ومسكين ... أنت الذي الدين سمى محي الدين
وقد أتاك خطاب الله مستمعا ... يا غوث الأعظم كن بالقرب مجتمعا
أنت الخليفة لي في الكون ملتمعا ... سميت باسم عظيم محي الدين
стр. 103
ومنها أيضا:
ومن ينادي اسمي ألفا بخلوته ... عزما بهمة صرما لغفوته
أجبته مسرعا من أجل دعوته ... فليدع يا عبد القادر محي الدين
يا غوث الأعظم عبد القادر السرعة ... يا سيدي احضرني يا محي الدين
ومنها أيضا:
يا سيدي سندي غوثي ويا مددي ... كن لي ظهيرا على الأعداء بالمدد
مجير عرضي وخذ يدي مدي ومددي ... خليفة الله فينا محي الدين
كهف اللهيف أمان قلب حائر ... مأوى الضعيف ضمان قصد ناذر
غوث الذي كان في البحر كان كعاثر ... يا سيد السادات عبد القادر
стр. 104
ويقرأون هذه الأبيات ثم يدعون محي الدين عبد القادر ألف مرة. وعندنا يوجد قبر ولي في بلدة (الناهور) والمسلمون ينادونه بكل خشوع وخضوع في المجالس كالتالي:
يا صاحب الناهور كن لي ناصر ... في السمع والأعضاء وحسن الباصر
ويطول عمر لا بعمر قاصر ... يا مجمع الخيرات عبد القادر
كن لي ملاذا يوم فخر الفاخر ... لشدائد الدنيا يوم آخر
ومثل هذه الأبيات توجد كثيرة جدا ولا يخلو بيت من البيوت عنها - ولو خلا عن المصحف ويقرأون هذه الأبيات في كل المناسبات والحفلات ويشترك فيها من ينتسب إلى العلوم الدينية ويجوزونها. وأرجو منكم أن تفكروا في معاني هذه الأبيات ثم تجيبوا على
стр. 105
الأسئلة التالية بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بإجابة واضحة لكي ننشرها ونوزعها بين المسلمين ليظهر الحق ويزهق الباطل ولعلهم يهتدون بها.
س١: هل يجوز لمسلم أن يقرأها وأمثالها من الأبيات تعبدا ويعتقد ما فيها من المعاني؟
س٢: هل يجوز لمسلم أن ينادي عبد القادر الجيلاني ﵁ ألف مرة في غرفة مظلمة بكل خشوع وخضوع ويطلب حضوره؟
س٣: ما حكم من يفعل ذلك في الإسلام؟
س٤: هل يجوز لمسلم أن يصلي وراء من يعتقد بهذه الاعتقادات ويشترك في هذه الحفلات وما واجب المسلمين نحوهم؟
ج: أولا: دعاء غير الله من الأموات والغائبين والاستعانة بهم في كشف غمة أو تفريج كربة أو شفاء مريض أو نحو ذلك - شرك؛ لأن هذا الدعاء وهذه الاستغاثة عبادة وقربة فالتوجه بها إلى الله وحده توحيد، وصرفها لغيره شرك أكبر، ومن ذلك قراءة ما في السؤال من الأدعية وأمثالها واعتقاد ما فيها فهو شرك أكبر يخرج من ملة الإسلام - والعياذ بالله - قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)
стр. 106
وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) إلى غير ذلك من الآيات التي دلت على اختصاص الله بالاستغاثة والدعاء، وثبت أن النبي ﷺ قال: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله (٣) » الحديث.
ثانيا: على ذلك لا يجوز أن ينادي المسلم الشيخ عبد القادر الجيلاني، ولا غيره، سواء كان نبيا أم صالحا ليحضر أو ليغيث ملهوفا أو يفرج كربة أو لينال الحاضرين بركته أو لغير ذلك من الأغراض، بل نداؤه شرك أكبر، وهو بريء ممن دعاه ولا يسمعه ولا يستجيب له، كما قال تعالى بعد ذكر آيات ربوبيته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (٤) ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٥)
стр. 107
ثالثا: يعلم مما تقدم: أن من فعل ذلك ممن ينتسبون للإسلام فإنه يكون بذلك مشركا شركا أكبر بنص كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
رابعا: وبناء عليه: لا تصح الصلاة وراءه؛ لأنه مشرك شركا أكبر يخرج عن ملة الإسلام.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 108
السؤال الثالث والخامس من الفتوى رقم (٣٣٢١) :
س٣: هل يجوز لمسلم أن يقول في دعائه: (أجيبوا وتوكلوا يا خدام هذه الأسماء الحسنى بقضاء حاجتي) ؟
ج٣: نداء خدام الأسماء الحسنى لقضاء الحاجات شرك؛ لأنه نداء لغير الله من خدم غائبين، موهومين لا نعلم له أصلا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (١) ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣)
стр. 109
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ (٢) الآية، وقال : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٤) وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله (٥) » . . . الحديث، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على أن الدعاء لجلب النفع أو دفع الضرر إنما هو لله، فصرفه لغير الله شرك؛ لأنه عبادة.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 110
س٥: هل يجوز لمسلم أن يكتب الأسماء الروحانية (الجن أو الملائكة) أو أسماء الله الحسنى أو غير ذلك من الحرز والعزيمة المشهورة عند العلماء الروحانيين بإرادة حفظ البدن من شر الجن والشيطان والسحر؟
ج٥: الاستعانة بالجن أو الملائكة والاستغاثة بهم لدفع ضر أو جلب نفع أو للتحصن من شر الجن شرك أكبر يخرج عن ملة