← Общие книги

Общие книги · id 8382

الطريق إلى الإسلام

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (102 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهُداه أما بعد: فإن السعادة هدف منشود، ومطلب مُلِحٌّ، وغاية مبتغاة. وكل إنسان يعيش على وجه الأرض يسعى لإسعاد نفسه، وطرد الهم عنها. ولقد حرص الكُتَّاب، والمفكرون، والفلاسفة، والأدباء، والأطباء على البحث في أسباب جلب السعادة، وطرد الهمِّ؛ ولكلٍّ وجهةٌ هو مُوَلِّيها، وقد عَلِمَ كلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُم. ومع ذلك، فإنَّ السعادة التي يصل إليها أكثرهم سعادة مبتورة، أو ناقصة، أو وهمية، أشبه ما تكون بالمخدر يتناوله متعاطيه، فيشعر بنشوة أول وهلة، حتى إذا ذهب أثره رجعت إليه الأحزان أضعافاً مضاعفة. والسبب أن أولئك يغفلون أصل الأصول في جلب السعادة الحقَّة، ألا وهو الإيمان بالله فذلك سرُّ السعادة وطريقها الأقوم؛ فلا يجد السعادة الحقَّة الدائمة إلا من آمن بالله، واهتدى بهُداه، فهناك يسعد في دنياه وأُخراه. وهذا الكتاب١ الذي بين يديك يدعوك إلى السعادة العظمى؛ لأنه يهديك إلى الإيمان بربك الذي خلقك، ويدلك على الاعتقاد الحق الذي يؤيده عقلك

стр. 2

السليم، وفطرتك السوية، والذي تعرف من خلاله بداية خلق الإنسان ونهايته، والحكمة من إيجاده، وغير ذلك مما ستجده في الصفحات التالية؛ فهذا الكتاب يعرفك بدين الإسلام الذي ختم الله به الأديان، وارتضاه لجميع عباده، وأمرهم بالدخول فيه. وسيتضح لك من خلاله عظمة هذا الدين، وصحة ما جاء به، وصلاحه لكل زمان، ومكان، وأمة. وإذا أردت التفصيل بعد ذلك فما عليك إلا أن تبحث بنفسك، وأن تسأل عما يشكل عليك؛ فالإسلام دين مفتوح لا يُغلق في وجه أحد، ولا يضيق بالأسئلة مهما كثرت وتنوعت؛ فلكل سؤال في دين الإسلام جواب، ولكل قضية حكم؛ فإلى موضوعات الكتاب، والله المستعان، وعليه التكلان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. محمد بن إبراهيم الحمد الزلفي ص. ب: ٤٦٠ ط٢, ١٠/١/١٤٢٦هـ www.toislam.net

стр. 3

قصة البشرية تبدأ قصة البشرية منذ أن خلق الله أبا البشر آدم ﵇ حيث خلقه الله بيده الكريمة من طين، ونفخ فيه من روحه، وعَلَّمَهُ أسماء الأشياء كلها من الطيور، والدواب، وغير ذلك، وأَمرَ الملائكة أن يسجدوا لآدم؛ زيادة في التكريم والتشريف، فسجدوا كلُّهم إلا إبليس أبى واستكبر، فأهبطه الله من ملكوت السموات، وأخرجه ذليلاً مدحوراً، وقضى عليه باللعنة، والشقاء والنار. وبعد ذلك سأل إبليسُ ربَّه أن يُنظِره إلى يوم القيامة، فقال الله - تعالى -: ﴿إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ، فقال إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:، ٨٢ ٨٣] ، وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:، ١٦ ١٧] ، فقال الله : ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] ، فأخرجه الله من الجنة، وأعطاه القدرة على الوسوسة والإغواء، وأمهله إلى يوم القيامة، ليزداد إثماً، فتعظم عقوبته، ويتضاعف عذابه، وليجعله الله مَحَكَّاً يتميز به الخبيث من الطيب. ثم بعد ذلك خلق الله من آدم زوجَه حواء؛ ليسكن إليها، ويأنس بها، وأمرهما أن يسكنا دار النعيم الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت،

стр. 4

ولا خطر على قلب بشر، وأخبرهما بعداوة إبليس لهما، ونهاهما عن الأكل من شجرة من أشجار الجنة؛ ابتلاءً وامتحاناً، فوسوس لهما الشيطان، وزيَّن لهما الأكل من تلك الشجرة، وأقسم لهما أنه لهما من الناصحين، وقال: ﷺ إن أكلتما من هذه الشجرة كنتما من الخالدين ﷺ . فلم يزل بهما حتى أغواهما، فأكلا من الشجرة، وعصيا ربَّهما؛ فندما على ما فعلا أشد الندم، وتابا إلى ربِّهما، فتاب عليهما، واجتباهما، لكنه أهبطهما من الجنة دار النعيم إلى الدنيا دار النصب والتعب، وسكن آدم الأرض، ورزقه الله الذرية التي تكاثرت، وتشعبت إلى يومنا الحاضر، ثم توفاه الله، وأدخله الجنة. ومنذ أن أهبط الله آدم وزوجته إلى الأرض والعداوة قائمة مستمرة بين بني آدم من جهة، وبين إبليس وذريته من جهة، ومنذ ذلك الحين وإبليس وذريته في صراع دائم مع بني آدم؛ لصدهم عن الهدى، وحرمانهم من الخير، وتزيين الشر لهم، وإبعادهم عما يرضي الله؛ حرصاً على شقائهم في الدنيا، ودخولهم النار في الآخرة. ولكن الله لم يخلق خلقه سدى، ولم يتركهم هملاً، بل أرسل إليهم الرسل الذين يبيِّنون لهم عبادة ربهم، وينيرون لهم دروب الحياة، ويوصلونهم إلى سعادة الدنيا والآخرة، فأخبر - سبحانه - الجن والإنس أنه إذا أتاكم مني كتاب، أو رسول يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم من مرضاتي فاتبعوه؛ لأن من اتبع هدى الله، وآمن بكتبه ورسله، وما جاء في الكتب، وما

стр. 5

أمرت به الرسل فإنه لا يخاف، ولا يضل، ولا يشقى، بل تحصل له السعادة في الدنيا والآخرة. وهكذا بدأت قصة البشرية، فعاش آدم ومِنْ بعده ذريته عشرةَ قرونٍ وهم على طاعة الله، وتوحيده، ثم حصل الشرك، وعُبِد غير الله مع الله؛ فبعث الله أول رسله وهو نوح ﵇ يدعو الناس إلى عبادة الله، ونبذ الشرك. ثم تتابع الأنبياء والرسل من بعده على اختلاف بينهم في الأزمنة، والأمكنة، وبعض الشرائع، وتفاصيلها مع الاتفاق في الأصل وهو: الدعوة إلى الإسلام، وعبادة الله وحده، ونبذ ما يُعبد من دونه. إلى أن جاء إبراهيم ﵇ فدعا قومه إلى ترك عبادة الأصنام وإفراد الله بالعبادة، ثم كانت النبوة في ذريته من بعده في إسماعيل وإسحاق، ثم كانت في ذرية إسحاق. ومن أعظم الأنبياء من ذرية إسحاق: يعقوب، ويوسف، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى ﵈. ولم يكن بعد عيسى نبي من بني إسرائيل. وبعد ذلك انتقلت النبوة إلى فرع إسماعيل؛ فكان أن اصطفى الله محمداً ﷺ ليكون خاتماً للأنبياء والمرسلين، ولتكون رسالته هي الخاتمة، وكتابه الذي أنزل إليه وهو القرآن هو رسالة الله الأخيرة للبشرية. ولهذا جاءت رسالته شاملة، كاملة، عامة للإنس والجن، العرب وغير العرب، صالحة لكل زمان ومكان، وأمة وحال؛ فلا خير إلا دلَّت عليه، ولا شر إذا حذَّرت منه، ولا يقبل الله من أحد ديناً سوى ما جاء به محمد ﷺ .

стр. 6

بعثة النبي محمد وخلاصة سيرتة صلى الله علية وسلم مقدمة ... بعثة النبي محمد وخلاصه وسيرته ﷺ الحديث عن بعثة النبي محمد ﷺ وسيرته يطول، ولقد أفرد العلماء في هذا الشأن كتباً كثيرة. والمجال هنا لا يتسع للإطالة والإسهاب، وقد مرَّ بنا في الفقرة الماضية أن رسالة محمد ﷺ هي الرسالة الخاتمة، وأن الكتاب الذي أُنزِل إليه وهو القرآن هو آخر الكُتب السماوية. ولعل الحديث في الأسطر التالية يتناول الموضوعات التالية من السيرة المباركة:

стр. 7

مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة١٢٧: ١٢٩: ١٢٨] . فاستجاب الله دعوة إبراهيم وإسماعيل، فكان النبي الخاتم محمد ﵊ من ذريتهما. أما قوله: "وبشرى عيسى" فإن نبي الله عيسى ﵇ قد بَشَّر بالنبي محمد ﷺ كما أخبر الله عنه في القرآن، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . فعيسى ﵇ هو آخر نبي من أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين محمد ﷺ نبي؛ فعيسى بَشَّر بنبي يأتي من بعده اسمه أحمد، وأحمد من أسماء النبي محمد ﷺ . أما "رؤيا أمه" فقد رأت رؤيا صادقة؛ ذلك أن أمه لما أخذها المخاض، فوضعته تَمَثَّل لعينيها ذلك النور الذي أضاءت له بصرى في أرض الشام. ٢ - كون النبي ﷺ خرج في أمة العرب: تلك الأمة التي فُضِّلَت على غيرها من الأمم آنذاك، حتى استعدت لهذا الإصلاح الروحي المدني العام، الذي اشتمل عليه دين الإسلام، بالرغم مما طرأ عليها من الأمية، وعبادة الأصنام، وما أحدثت فيها غلبة البداوة من التفرق والانقسام. ومع ذلك، فقد كانت أمة العرب متميزة باستقلال الفكر، وسعة الحرية الشخصية، في الوقت الذي كانت الأمم الأخرى ترسف في عبودية الرياستين

стр. 8

الدينية والدنيوية، محظوراً عليها أن تفهم غير ما يلقنها الكهنة، ورجال الدين من الأحكام الدينية، أو أن تخالفهم في مسألة عقلية، أو كونية، كما حظرت عليها التصرفات المدنية والمالية. وكانت أمة العرب - أيضاً - متميزة باستقلال الإرادة في جميع الأعمال أيام كانت الأمم مُذَلَّلَةً مُسَخَّرة للملوك والنبلاء، المالكين للرقاب والأموال بحيث يستخدمونهم كما يستخدمون البهائم؛ فلا رأي لهم في سلم، ولا حرب، ولا إرادة لها دونهم في عمل ولا كسب. وكانت أمة العرب متميزة بعزة النفس، وشدة البأس، وقوة الأبدان والقلوب أيام كانت الأمم مؤلفة من رؤساء أفسدهم الإسراف والترف، ومرؤوسين أضعفهم البؤس والشظف، وسادة أبطرهم بغي الاستبداد، ومُسَوَّدين أذلَّهم قَهْرُ الاستعباد. وكانت أمة العرب أقرب إلى العدل بين الأفراد، وكانت ممتازة بالذكاء، وكثيرٍ من الفضائل الموروثة والمكتسبة كإكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، والنجدة، والإباء، وعلو الهمة، والسخاء، والرحمة، وحماية اللاجئ، وحرمة الجار أيام كانت الأمم مرهقة بالأثرة، والأنانية، والأنين من ثقل الضرائب والأتاوى الأميرية. وكانت أمة العرب قد بلغت أوج الكمال في فصاحة اللسان، وبلاغة المقال مما جعلها مستعدة للتأثر والتأثير بالبراهين العقلية، والمعاني الخطابية، والشعرية، وللتعبير عن جميع العلوم الإلهية والشرعية، والفنون العقلية، والكونية - أيام

стр. 9

كانت الأمم الأخرى تنفصم عرى وحدتها بالتعصبات الدينية والمذهبية، والعداوات العرقية. وأعظم مزية امتاز بها العرب، أنهم كانوا أسلم الناس فطرةً، بالرغم من أن أمم الحضارة كانت أرقى منهم في كل فن وصناعة. والإصلاح الإسلامي مبني على تقديم إصلاح النفس باستقلال العقل، والإرادة، وتهذيب الأخلاق على إصلاح ما في الأرض من معدن، ونبات، وحيوان. وبهذا كان الله يُعِدُّ هذه الأمة للإصلاح العظيم الذي جاء به محمد ﷺ . ٣ - شرف النسب: فقد كان نسبه ﷺ أشرف الأنساب، وأصرحها، قال - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٣٣] . فالله اصطفى هؤلاء؛ إذ جعل فيهم النبوة والهداية للمتقدمين، واصطفى قريشاً من كِنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفى من بني هاشم سيد ولد آدم محمداً ﷺ فكان آل إسماعيل أفضل الأولين والآخرين، كما كان بنو إسحاق أفضل المتوسطين. أما اصطفاء الله لقبيلة قريش فقد كان بما آتاهم الله من المناقب العظام، ولاسيما بعد سُكنى مكة، وخدمة المسجد الحرام؛ إذ كانوا أصرح ولد إسماعيل أنساباً، وأشرفهم أحساباً، وأعلاهم آداباً، وأفصحهم ألسنة، وهم الممهدون

стр. 10

لجمع الكلمة. أما اصطفاء الله لبني هاشم فقد كان لما امتازوا به من الفضائل والمكارم؛ فكانوا أصلح الناس عند الفتن، وخيرهم لمسكين ويتيم. وإنما أطلق لقب هاشم على عمْرو بن عبد مناف؛ لأنه أول من هشم الثريد - وهو طعام لذيذ - للذين أصابهم القحط، وكان يَشْبَعُ منه كلَّ عامٍ أهلُ الموسم كافة، ومائدتُه منصوبةٌ لا ترفع في السراء ولا في الضراء. وزاد على هاشم ولَدُه عبد المطلب جدُّ الرسول ﷺ فكان يطعم الوحش، وطير السماء، وكان أول من تعبد بغار حراد، وروي أنه حرم الخمر على نفسه. وبالجملة: فقد امتاز آل النبي ﷺ على سائر قومه بالأخلاق العلية، والفواضل العملية، والفضائل النفسية، ثم اصطفى الله محمداً ﷺ من بني هاشم؛ فكان خير ولد آدم، وسيدهم. ٤ - بلوغه ﷺ الذروة في مكارم الأخلاق: فقد جبله الله على كريم الخلال، وحميد الخصال، فكان قبل النبوة أرقى قومه، بل أرقى البشرية في زكاء نفسه، وسلامة فطرته، وحسن خلقه. نشأ يتيماً شريفاً، وشبَّ فقيراً عفيفاً، ثم تزوج محباً لزوجته مخلصاً لها. لم يتولَّ هو لا والده شيئاً من أعمال قريش في دينها ولا دنياها، ولا كان يعبد عبادتهم، ولا يحضر سامرهم، ولا ندواتهم، ولم يُؤْثَرْ عنه قول ولا عمل يدل على حبِّ الرياسة، أو التطلع إليها. وكا يُعرف بالتزام الصدق، والأمانة، وعلو الآداب؛ فبذلك كان له المقام

стр. 11

الأرفع قبل النبوة؛ حتى لقبوه بالأمين. وعلى هذه الحال كان ﷺ حتى بلغ أشده، واستوى، وكملت في جسده الطاهر، ونفسه الزكية جميع القوى، ولا طمع في مال، ولا سمعة، ولا تطلع إلى جاه ولا شهرة، حتى أتاه الوحي من رب العالمين كما سيأتي بيانه بعد قليل. ٥ - كونه ﷺ أميّاً لا يقرأ ولا يكتب: فهذا من أعظم المهيئات والدلائل على صدق نبوته؛ فهذا الرجل الأمي الذي لم يقرأ كتاباً، ولم يكتب سطراً، ولم يقل شعراً، ولم يرتجل نثراً، الناشىءُ في تلك الأمة الأمية - يأتي بدعوة عظيمة، وبشريعة سماوية عادلة، تستأصل الفوضى الاجتماعي، وتكفل لمعتنقيها السعادة الإنسانية الأبدية، وتعتقهم من رق العبودية لغير ربِّهم - جل وعلا -. كل ذلك من مهيئات النبوة، ومن دلائل صدقها.

стр. 12

أولا: مهيئات النبوة: لقد هيأ الله للنبي ﷺ مهيئات كثيرة كانت إرهاصاً لبعثته ونبوته، فمن ذلك ما يلي: ١ - دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى ﵉ ورؤيا أمه آمنة: يقول النبي ﷺ عن نفسه: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له بصرى من أرض الشام". ومعنى الحديث: أن النبي ﷺ يقول: أنا مصداق دعوة إبراهيم الخليل ﵇ لأن إبراهيم لمَّا كان يرفع القواعد من الكعبة في مكة، ومعه ابنه إسماعيل كان يقول - كما أخبرنا الله عنه في القرآن -: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً

стр. 13

ثانيا نبذة عن نسب النبي ﷺ وحياته: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن حكيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وعدنان من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم ﵇. وأُم النبي ﷺ هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وزهرة أخو جد النبي ﷺ . وقد تزوج بها عبد الله والد النبي ﷺ وأقام معها في بيت أهلها ثلاثة أيام، فلم تلبث أن حملت بالنبي ﷺ ولم تجد في حمله ثقلاً، ولا وحماً كما هو شأن

стр. 14

المحصنات الصحيحات الأجسام. وقد رأت أمه رؤيا لما حملت به، وقد مَرَّ ذِكْرُ الرؤيا في كلام سابق. وقد ولدته أمه سَويّ الخلق، جميل الصورة، صحيح الجسم، وكانت ولادته عام الفيل الموافق للحادي والسبعين بعد الخمسمائة للميلاد. وقد تُوفي والده وهو حَمْلٌ في بطن أمه، فكفله جده عبد المطلب، وأرضعته أمه ثلاثة أيام ثم عهد جده بإرضاعه إلى امرأة يقال لها حليمة السعدية. وكان من عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم في البوادي؛ حيث تتوافر أسباب النشأة البدنية السليمة. ولقد رأت حليمة السعدية من أمر هذا الرضيع عجباً، ومن ذلك: أنها أتت مع زوجها إلى مكة على أتان هزيلة بطيئة السير، وفي طريق العودة من مكة، وهي تضع الرضيع في حجرها كانت الأتان تعدو عَدْواً سريعاً، وتُخَلِّف وراءها كل الدواب، مما جعل رفاق الطريق كلهم يتعجبون. وتُحدِّث حليمة بأن ثديها لم يكن يُدِرُّ شيئاً من الحليب، وأن طفلها الرضيع كان دائم البكاء من شدة الجوع، فلما ألقمت الثدي رسول الله ﷺ دَرَّ غزيراً، فأصبحت ترضعه وترضع طفلها حتى يشبعا. وتُحدِّث حليمة عن جدب أرض قومها ديار بني سعد، فلما حظيت بشرف رضاعة هذا الطفل أنتجت أرضها، وماشيتها، وتَبَدَّلت حالها من بؤس وفقر، إلى هناء ويسر. وبعد سنتين عادت به حليمة إلى أمه وجده في مكة، لكن حليمة ألَحَّتْ على

стр. 15

أمه أن توافق على بقائه عندها مرة ثانية؛ لِمَا رأت من بركته عليها، فوافقت أُمُّه آمنة، فعادت حليمة بالطفل مرة أخرى إلى ديارها والفرحة تملأ قلبها. وبعد سنتين عادت به حليمة إلى أمه، وعمره آنذاك أربع سنوات، فحضنته أمه إلى أن توفيت، وكان له من العمر ست سنين، فكفله جده عبد المطلب سنتين ثم توفي، وقبل وفاته أوصى به ابنه أبا طالب عمَّ النبي ﷺ فحاطه بعنايته كما يحوط أهله وولده. إلا أنه كان لفقره يعيش عيش الشظف؛ فلم يتعود ﷺ نعيم الترف، ولعلَّ ذلك من عناية الله بهذا النبي الكريم. وكان ﷺ قد ألِفَ رعي الغنم مع إخوانه من الرضاع لما كان في بادية بني سعد، فصار يرعى الغنم لأهل مكة؛ فيكفي نفسه بما يأخذه على ذلك من الأجرة، ولا يرهق عمه بالنفقة. ثم سافر مع عمه أبي طالب في تجارة إلى الشام، وله من العمر اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيام، وهناك رآه "بحيرا" الراهب، وبشَّر به عمَّه أبا طالب، وحذَّره من عدوان اليهود عليه بعد أن رأى خاتم النبوة بين كتفيه. ثم إنه سافر مرة أخرى مُتَّجراً بمالٍ لخديجة بنت خويلد، فأعطته أفضل مما كانت تعطي غيره؛ إذ جاءت تلك التجارة بأرباح مضاعفة، بل جاءت بسعادة الدنيا والآخرة. وكانت خديجة هذه أعقل وأكمل امرأة في قريش، حتى كانت تدعى في الجاهلية: الطاهرة؛ لِما لها من الصيانة، والعفَّة، والفضائل الظاهرة.

стр. 16

ولما حدَّثَها غُلامها ميسرةُ بما رأى من النبي ﷺ في رحلته معه إلى الشام، من الأخلاق العالية، والفضائل السامية، وما قاله "بحيرا" الراهب لعمه أبي طالب في رحلته الأولى إلى الشام - تعلقت رغبتها به؛ وبأن تتخذه زوجاً لها، وكانت قد تزوجت من قبل، وتوفي عنها زوجها؛ فتمَّ ذلك الزواج الميمون، وكان عمره آنذاك خمسة وعشرين سنة، وعمرها قريب من أربعين سنة. ولم يتزوج عليها طيلة حياتها، ولا أحب مثلها، وتوفيت بعد البعثة النبوية بعشر سنين، فكان كثيراً ما يذكرها، ويتصدق عنها، ويهدي لصاحباتها، وهي الزوجة التي رُزِق منها جميع أولاده عدا إبراهيم؛ فإنه من زوجته ماريا القبطية. هذه بعض أخباره وسيرته قبل النبوة، وبدء الوحي على سبيل الإجمال.

стр. 17

ثالثا: بدء الوحي: بَلَغَ النبي ﷺ أشُدَّه وقَرُب من الأربعين، واكتملت قواه العقلية والبدنية، وكان أول ما بدأ به من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مِثْلَ فَلَق الصبح واضحة كما رآها في منامه. ثم بعد ذلك حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بنفسه في غار حراء في مكة، فيتعبد الله الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بالطعام والشراب، حتى جاءه الحق، وهو على هذا الشأن بنزول القرآن عليه في شهر رمضان، وذلك بأن تَمَثَّل له المَلَكُ جبريل، ولقَّنَه عن ربِّه أول ما نزل من القرآن، فقال: ﴿اقًرأً﴾ فقال: "ما أنا بقارئ"، فقال له: ﴿اقًرأً﴾ فقال: "ما أنا بقارئ"، فقال: ﴿اقًرأً﴾ فقال: "ما أنا بقارئ"، وكان جبريل بعد كل جواب من الأجوبة

стр. 18

الثلاثة يضمه على صدره، ويعصره حتى يبلغ منه الجهد. ولما تركه جبريل في المرة الثالثة ألقى عليه أول آيات أُنزلت من القرآن، وهي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ , اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ , الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٥: ١] . بهذه الآيات العظيمة التي تأمر بالعلم، وتبيِّن بداية خلق الإنسان - بدأ نزول الوحي على النبي ﷺ فرجع النبي إلى زوجته خديجة يرجف فؤاده، ولكنه حفظ رشاده، فقال: "زملوني زملوني"، يعني: لففوني بالثياب، ففعلوا، حتى إذا ذهب عنه الروع، أخبر خديجة الخبر، وقال: "لقد خشيت على نفسي". فقالت خديجة ﵂: "كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق". وهكذا استدلت هذه المرأة العاقلة على أن من كان هذا شأنه في محبة الخير للناس فلن يخذله الله؛ فسنَّة الله تقتضي بأن الجزاء من جنس العمل. ثم انطلقت بعد ذلك خديجة بالنبي ﷺ حتى أتت ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصَّر في الجاهلية، ويكتب الإنجيل بالعبرانية، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت خديجة له: اسمع من محمد ما يقول، فقال ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره ﷺ خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أُنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعاً - أي: شاباً - ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك. فقال له الرسول ﷺ : "أَوَمُخْرِجيَّ هم؟ " قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما

стр. 19

جئت به إلا عُودِيَ، وإن يدركني يومك أَنْصُرْك نصراً مؤزراً، ثم توفي ورقة، وفتر الوحي. واستمرت فترة الوحي ثلاث سنين، قوي فيها استعداد النبي، واشتدَّ شوقه وحنينه. قال ﷺ : "بينما أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني في حراء". وذكر أنه رعب منه، ولكن ذلك دون الرَّعبة الأولى، فرجع إلى أهله فتزَمَّلَ، وتَدَثَّرَ - أي: تغطى بالثياب -. ثم أنزل الله عليه قوله - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ , قُمْ فَأَنذِرْ , وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ , وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ , وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر] . أي: يا أيها الذي تدثر بثيابه قم فأنذر الناس بالقرآن، وبلغهم دعوة الله، وطهر ثيابك وأعمالك من أدران الشرك، واهجر الأصنام، وتبرأ من أهلها. ثم حمي الوحي بعد ذلك، وتتابع، وبلَّغ ﷺ دعوة ربه، حيث أمره وأوحى إليه بأن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، وإلى دين الإسلام الذي ارتضاه الله، وختم به الأديان؛ فقام النبي ﷺ يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن. فاستجاب له أول من استجاب: خديجة من النساء، وأبو بكر الصديق من الرجال، وعلي بن أبي طالب من الصبيان، ثم توالى دخول الناس في دين الله، فاشتدَّ عليه أذى المشركين، وأخرجوه من مكة، وآذوا أصحابه أشدَّ الأذى،

стр. 20

فهاجر إلى المدينة، وتتابع عليه نزول الوحي، واستمر في دعوته، وجهاده، وفتوحاته، حتى عاد إلى مكة ظافراً فاتحاً. وبعد ذلك أكمل الله له الدين، وأقرَّ عينه بعز الإسلام وظهور المسلمين، ثم توفاه الله وعمره ثلاث وستون سنة، أربعون منها قبل النبوة وثلاث وعشرون نبياً رسولاً. وبه ختم الله الرسالات السماوية، وأوجب طاعته على الجن والإنس؛ فمن أطاعه سعد في الدنيا، ودخل الجنة في الآخرة، ومن عصاه شقي في الدنيا، ودخل النار في الآخرة. وبعدما توفاه الله تابع أصحابه مسيرته، وبلَّغوا دعوته، وفتحوا البلدان بالإسلام، ونشروا الدين الحق حتى بلغ ما بلغ من الليل والنهار. ودينه ﷺ باقٍ إلى يوم القيامة. فما القول في أميّ نشأ بين أميين، قام بذلك الإصلاح الذي تغيَّر به تاريخ البشر أجمعين، في الشرائع، والسياسات، وسائر أمور الدنيا والدين؟ وامتدَّ مع لغته في قرن واحد من الحجاز إلى آخر حدود أوربا وأفريقيا من الغرب، وإلى حدود الصين من جهة الشرق حتى خضعت له الأمم، ودانت له الدول، وأقبلت إليه الأرواح قبل الأشباح، وكانت تتبعه في كل فتوحه الحضارة والمدنية، والعدل والرحمة، والعلوم العقلية والكونية على أيدي تلك الأمة الحديثة العهد بالأمية، التي زكَّاها القرآن، وعلَّمها أن إصلاح الإنسان يتبعه إصلاح الأكوان؛ فهل يمكن أن يكون هذا إلا بوحي من لدن حكيم عليم. وتأييد سماوي من الإله العزيز القدير الرحيم؟

стр. 21

رابعاً: من أخلاق النبي صلى الله علية وسلم: كان النبي ﷺ أكرم الخلق أخلاقاً، وأعلاهم فضائل وآداباً، امتاز بذلك في الجاهلية قبل عهد النبوة فكيف بأخلاقه بعد النبوة؟. وقد خاطبه ربُّه ﵎ بقوله له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] . لقد أدَّبهُ ربُّه، فأحسن تأديبه، وربَّاه فأحسن تربيته، فكان خُلُقهُ القرآن الكريم، يتأدب به، ويؤدب الناس به، فمن أخلاقه ﷺ أنه كان أحلم الناس، وأعدلهم، وأعفَّهم، وأسخاهم. وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويعين أهله في المنزل، ويقطع اللحم معهن، وكان أشد الناس حياءً، لا يثبت بصره في وجه أحد. وكان يجيب الدعوة من أي أحد، ويقبل الهدية ولو قلَّت، ويكافىء عليها، وكان يغضب لربِّه، ولا يغضب لنفسه، وكان يجوع أحياناً فيعصب الحجر على بطنه من الجوع، ومرة يأكل ما حضر، ولا يرد ما وجد، ولا يعيب طعاماً قط، إن وجد تمراً أكله، وإن وجد شواءً أكله، وإن وجد خبزَ برٍّ أو شعير أكله، وإن وجد حلواً أو عسلاً أكله، وإن وجد لبناً دون خبز اكتفى به، وإن وجد بطيخاً أو رطباً أكله. وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس. وكان أشد الناس تواضعاً، وأسكنهم من غير كِبْر، وأبلغهم من غير تطويل،

стр. 22

وأحسنهم بشراً، لا يهوله شيء من أمور الدنيا. وكان يلبس ما وجد، فمرة شملة، ومرة جبة صوف، فما وجد من المباح لبس. يركب ما أمكنه، مرة فرساً، ومرة بعيراً، ومرة بغلة شهباء، ومرة حماراً، أو يمشي راجلاً حافياً. يجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألف أهل الشرف في البر لهم، ويصل ذوي الرحم من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم. لا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر إليه، يمزح ولا يقول إلا حقاً، يضحك من غير قهقهة، يسابق أهله، ترفع الأصوات عليه فيصبر. وكان لا يمضي عليه وقت في غير عمل لله - تعالى - أو فيما لابد له منه من صلاح نفسه. لا يحتقر مسكيناً لفقره وزمانته، ولا يهاب مَلِكاً لمُلكِهِ، يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستوياً، قد جمع الله له السيرة الفاضلة، والسياسة التامة، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب. نشأ في بلاد الفقر والصحاري في فقره، وفي رعاية الغنم يتيماً، لا أب له، فعلمه الله - تعالى - جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة، وأخبار الأولين والآخرين، وما فيه النجاة والفوز في الآخرة، والغبطة والخلاص في الدنيا. ما كان يأتيه أحد إلا قام معه في حاجته، ولم يكن فظاً، ولا غليظاً، ولا

стр. 23

صخَّاباً في الأسواق، وما كان يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح. وكان من خُلُقه أن يبدأ من لقيه بالسلام، ومَنْ قادَمَهُ لحاجةٍ صابره حتى يكون القادم هو المنصرف. وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر. وكان إذا لقي أحداً من أصحابه بدأه بالمصافحة، ثم أخذ بيده فشابكه، ثم شدَّ قبضته عليه. وكان أكثر جلوسه أن ينصب ساقيه جميعاً، ويمسك بيديه عليهما، ولم يكن يُعْرَفُ مجلسُهُ من مجلس أصحابه؛ لأنه كان يجلس حيث انتهى به المجلس. وما رُئِيَ قط ماداً رجليه بين أصحابه؛ حتى لا يضيقَ بهما على أحد إلا أن يكون المجلس واسعاً لا ضيق فيه. وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه لمن ليس بينه وبينه قرابة يُجْلِسه عليه. وكان يؤثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته، فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل. وما استصفاه أحد إلا ظن أنه أكرم الناس عليه؛ وكان يعطي من جلس إليه نصيبه من وجهه، وسمعه، وحديثه، ولطيف محاسنه، وتوجيهه. ومَجْلسُه مع ذلك مجلسُ حياء، وتواضع، وأمانة. وكان يدعو أصحابه بكناهم؛ إكراماً لهم، واستمالة لقلوبهم، وكان يكني من لم تكن له كنية، وكان يكني النساء اللاتي لهن أولاد، واللاتي لم يلدن يبتدىء

стр. 24

لهن الكنى، وكان يكني الصبيان فيستلين قلوبهم. وكان أبعد الناس غضباً، وأسرعهم رضاً، وكان أرأف الناس بالناس، وخير الناس للناس، وأنفع الناس للناس. وكان يحب اليسر، ويكره العسر، ولا يشافه أحد بما يكره، ومن رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه. هذه بعض أخلاقه وشمائله ﷺ .

стр. 25

خامسا: شهادة الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل على صدق رسالة النبي ﷺ : كل عاقل منصف لا يسعه إلا التصديق برسالة النبي ﷺ ذلك أن الأمارات الكثيرة شاهدة ناطقة بصدقه. ولا ريب أن شهادة المخالف لها مكانتها؛ فالفضل - كما قيل - ما شهدت به الأعداء. وفيما يلي شهادة للفيلسوف الإنجليزي الشهير "توماس كارليل" الحائز على جائزة نوبل، حيث قال في كتابه "الأبطال" كلاماً طويلاً عن النبي ﷺ يخاطب به قومه النصارى، ومن ذلك قوله: "لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث هذا العصر أن يصغي إلى ما يقال من أن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خدّاع مزوِّر. وإن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة؛ فإن الرسالة التي أدَّاها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً لنحو مائتي مليون من الناس، أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة؟! أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبداً، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان منهم مثل هذا القبول، فما الناس إلا بُلْهٌ مجانين، فوا أسفا! ما أسوأ هذا الزعم، وما أضعف أهله، وأحقهم بالرثاء والرحمة.

стр. 26

وبعد، فعلى من أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات ألا يصدق شيئاً البتة من أقوال أولئك السفهاء؛ فإنها نتائج جيل كفر، وعصر جحود وإلحاد، وهي دليل على خبث القلوب، وفساد الضمائر، وموت الأرواح في حياة الأبدان. ولعل العالَم لم ير قط رأياً أكفر من هذا وأَلأَم، وهل رأيتم قط معشر الإخوان، أن رجلاً كاذباً يستطيع أن يوجد ديناً وينشره علناً؟ والله إن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتاً من الطوب؛ فهو إذا لم يكن عليماً بخصائص الجير، والجص، والتراب، وما شاكل ذلك - فما ذلك الذي يبنيه ببيت، وإنما هو تل من الأنفاق، وكثيب من أخلاط المواد. نعم، وليس جديراً أن يبقى على دعائمه اثني عشر قرناً يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه، فينهدم؛ فكأنه لم يكن". إلى أن قال: "وعلى ذلك، فلسنا نَعُدُّ محمداً هذا قط رجلاً كاذباً متصنعاً، يتذرع بالحيل والوسائل إلى بغيته، ويطمح إلى درجة ملك أو سلطان، أو إلى غير ذلك من الحقائر. وما الرسالة التي أدَّاها إلا حق صراح، وما كلمته إلا قول صادق. كلا، "ما محمد بالكاذب"، ولا المُلفِّق، وهذه حقيقة تدفع كل باطل، وتدحض حُجة القوم الكافرين. ثم لا ننسى شيئاً آخر، وهو أنه لم يتلق دروساً على أستاذ أبداً، وكانت صناعة الخط حديثه العهد إذ ذاك في بلاد العرب - وعجيب وأيم الله أُمِّيَةَ العرب - ولم يقتبس محمد من نور أي إنسان آخر، ولم يغترف من مناهل غيره، ولم يكن

стр. 27

إلا كجميع أشباهه من الأنبياء والعظماء، أولئك الذين أشبِّههم بالمصابيح الهادية في ظلمات الدهور. وقد رأيناه طول حياته راسخ المبدأ، صادق العزم بعيداً، كريماً بَرًّا، رؤوفاً، تقياً، فاضلاً، حراً، رجلاً، شديد الجد، مخلصاً، وهو مع ذلك سهل الجانب، ليِّن العريكة، جم البشر والطلاقة، حميد العشرة، حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان - على العموم - تضيء وجهه ابتسامةٌ مشرقة من فؤاد صادق؛ لأن من الناس من تكون ابتسامته كاذبة ككذب أعماله وأقواله". إلى أن قال: "كان عادلاً، صادق النية، كان ذكي اللب، شهم الفؤاد، لوذعياً، كأنما بين جنبيه مصابيح كل ليل بهيم، ممتلئاً نوراً، رجلاً عظيماً بفطرته، لم تثقفه مدرسة، ولا هذبه معلم، وهو غني عن ذلك. ويزعم المتعصبون من النصارى والملحدين أن محمداً لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية، ومفاخر الجاه والسلطان. كلا - وأيم الله - لقد كان في فؤاد ذلك الرجل ابن القفار والفلوات، المتوقد المقلتين، العظيم النفس، المملوء رحمة وخيراً وحكمة، وحِجَى - أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه، وكيف لا، وتلك نفس صامتة كبيرة، ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين؛ فبينما ترى آخرين يرضون الاصطلاحات الكاذبة، ويسيرون طبق الاعتبارات الباطلة إذ ترى محمداً لم يرض أن يَتَلَفَّع بمألوف الأكاذيب، ويتوشح بمبتدع الأباطيل. لقد كان منفرداً بنفسه العظيمة، وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سرُّ

стр. 28

الوجود يسطع لعينيه - كما قلت - بأهواله، ومخاوفه، وروانقه، ومباهره، ولم يكن هناك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه، فكان لسان حال ذلك السر الهائل يناجيه: ها أنا ذا، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهي مقدس، فإذا تكلم هذا الرجل فكل الآذان برغمها صاغية، وكل القلوب واعية، وكل كلام ما عدا ذلك هباء، وكل قول جفاء". إلى أن قال: "إذاً فلنضرب صفحاً عن مذهب الجائرين أن محمداً كاذب، ونعد موافقتهم عاراً، وسبة، وسخافة، وحمقاً؛ فلنربأ بأنفسنا عنه". إلى أن قال: "وإن ديناً آمن به أولئك العرب الوثنيون، وأمسكوه بقلوبهم النارية لجدير أن يكون حقاً، وجدير أن يصدق به. وإنما أودع هذا الدين من القواعد هو الشيء الوحيد الذي للإنسان أن يؤمن به. وهذا الشيء هو روح جميع الأديان، وروح تلبس أثواباً مختلفة، وأثواباً متعددة، وهي في الحقيقة شيء واحد. وبإتباع هذه الروح يصبح الإنسان إماماً كبيراً لهذا المعبد الأكبر - الكون - جارياً على قواعد الخالق، تابعاً لقوانينه، لا مجادلاً عبثاً أن يقاومها ويدافعها. لقد جاء الإسلام على تلك الملل الكاذبة، والنحل الباطلة، فابتلعها، وحق له أن يبتلعها؛ لأنه حقيقة، وما كان يظهر الإسلام حتى احترقت فيه وثنيات العرب، وجدليات النصرانية، وكل ما لم يكن بحق؛ فإنها حطب ميت". إلى أن قال: "أيزعم الأفَّاكون الجهلة أنه مشعوذ ومحتال؟

стр. 29

كلا، ثم كلا، ما كان قط ذلك القلب المحتدم الجائش كأنه تَنور فِكْر يضور ويتأجج - ليكون قلب محتال ومشعوذ، لقد كانت حياته في نظره حقاً، وهذا الكون حقيقة رائعة كبيرة". إلى أن قال: "مثل هذه الأقوال، وهذه الأفعال ترينا في محمد أخ الإنسانية الرحيم، أخانا جميعاً الرؤوف الشفيق، وابن أمنا الأولى، وأبينا الأول. وإنني لأحب محمداً لبراءة طبعه من الرياء والتصنع، ولقد كان ابن القفار رجلاً مستقل الرأي، لا يقول إلا عن نفسه، ولا يدّعي ما ليس فيه، ولم يكن متكبراً، ولكنه لم يكن ذليلاً ضَرِعاً، يخاطب بقوله الحرَّ المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم، يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة، وللحياة الآخرة، وكان يعرف لنفسه قدرها. ولم تخل الحروب الشديدة التي وقعت له مع الأعراب من مشاهد قوة، ولكنها كذلك لم تخل من دلائل رحمة وكرم وغفران، وكان محمد لا يعتذر من الأولى، ولا يفتخر بالثانية". إلى أن قال: "وما كان محمد بعابث قط، ولا شابَ شيئاً من قوله شائبةُ لعبٍ ولهوٍ، بل كان الأمر عنده أمر خسران وفلاح، ومسألة فناء وبقاء، ولم يكن منه بإزائها إلا الإخلاص الشديد، والجد المرير. فأما التلاعب بالأقوال، والقضايا المنطقية، والعبث بالحقائق - فما كان من شأنه قط، وذلك عندي أفظع الجرائم؛ إذ ليس هو إلا رقدة القلب، ووسن العين عن الحق، وعيشة المرء في مظاهر كاذبة.

стр. 30

وفي الإسلام خَلَّة أراها من أشرف الخلال وأجلها، وهي التسوية بين الناس، وهذا يدل على أصدق النظر وأصوب الرأي؛ فنفس المؤمن رابطة بجميع دول الأرض، والناس في الإسلام سواء". إلى أن قال: "وسع نوره الأنحاء، وعمَّ ضوئه الأرجاء، وعقد شعاعه الشمال بالجنوب، والمشرق بالمغرب، وما هو إلا قرن بعد هذا الحادث حتى أصبح لدولة العرب رجل في الهند، ورجل في الأندلس، وأشرقت دولة الإسلام حقباً عديدة، ودهوراً مديدة بنور الفضل والنبل، والمروءة، والبأس، والنجدة، ورونق الحق والهدى على نصف المعمورة" أ – هـ. وبعد أن تبين لك أيها القارىء شيء من سيرة النبي ﷺ ودعوته، وأخلاقه، إليك هذه الصفحات التي تعرفك بدين الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ .

стр. 31

من خصائص دين الإسلام الإسلام دين الفطرة، ودين السلام والأمانِ، والبشريةُ لن تجد الراحة، ولن تحقق السعادة إلا بالأخذ بالإسلام، وتطبيقه في شتى الشؤون. ومما يؤكد عظمة دين الإسلام ما يتميز به من خصائص لا توجد في غيره من المذاهب والأديان. ومن تلك الخصائص التي تثبت تَمَيُّزَ الإسلام، ومدى حاجة الناس إليه مايلي: ١ - أنه جاء من عند الله: والله أعلم بما يصلح عباده، قال - تعالى -: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] . ٢ - أنه يبين بداية الإنسان ونهايته، والغاية التي خُلق من أجلها: قال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] ، وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] ، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . ٣ - أنه دين الفطرة: فلا يتنافى معها، قال - تعالى -: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] . ٤ - أنه يعتني بالعقل ويأمر بالتفكر: ويذم الجهل، والتقليد الأعمى، والغفلة عن التفكير السليم، قال - تعالى -: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩] .

стр. 32

وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ , الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١] . ٥ - الإسلام عقيدة وشريعة: فهو كامل في عقيدته وشرائعه؛ فليس ديناً فكرياً فحسب، أو خاطرة تمر بالذهن، بل هو كامل في كل شيء، مشتمل على العقائد الصحيحة، والمعاملات الحكيمة، والأخلاق الجميلة، والسلوك المنضبط؛ فهو دين فرد وجماعة، ودين آخرة وأولى. ٦ - أنه يعتني بالعواطف الإنسانية: ويوجهها الوجهة الصحيحة التي تجعلها أداء خير وتعمير. ٧ - أنه دين العدل: سواء مع العدو، أو الصديق، أو القريب، أو البعيد، قال - تعالى - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] ، وقال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] ، وقال: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] . ٨ - الإسلام دين الأُخُوَّة الصادقة: فالمسلمون إِخْوةٌ في الدين، لا تفرقهم البلاد، ولا الجنس، ولا اللون، فلا طبقية في الإسلام، ولا عنصرية، ولا عصبية لجنس أو لون أو عِرق، ومعيارُ التفاضل في الإسلام إنما يكون بالتقوى. ٩ - الإسلام دين العلم: فالعلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، والعلم يرفع صاحبه إلى أعلى الدرجات، قال - تعالى -: ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] .

стр. 33

١٠ - أن الله تكفل لمن أخذ بالإسلام وطبَّقه بالسعادة، والعزة، والنصرة فرداً كان أم جماعة: قال - تعالى -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور: ٥٥] ، وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] . ١١ - في الإسلام حل لجميع المشكلات: لاشتمال شريعته وأصولها على أحكام ما لا يتناهى من الوقائع. ١٢ - أن شريعته أحكم ما تساس به الأمم: وأصلح ما يقضى به عند التباس المصالح، أو التنازع في الحقوق. ١٣ - الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، وأمة وحال، بل لا تصلح الدنيا بغيره: ولهذا كلما تقدمت العصور، وترقت الأمم ظهر برهان جديد على صحة الإسلام، ورفعة شأنه. ١٤ - الإسلام دين المحبة، والاجتماع، والألفة، والرحمة: قال النبي ﷺ : "مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وقال: "الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". ١٥ - الإسلام دين الحزم والجد والعمل: قال النبي ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، احرص على ما ينفعك ولا تعجز، وإن

стр. 34

أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل". ١٦ - الإسلام أبعد ما يكون عن التناقض: قال - تعالى -: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] . ١٧ - أنه يحمي معتنقيه من الفوضى والضياع والتخبط: ويكفل لهم الراحة النفسية والفكرية. ١٨ - الإسلام واضح ميسور: وسهل الفهم لكل أحد. ١٩ - الإسلام دين مفتوح: لا يغلق في وجه من يريد الدخول فيه. ٢٠ - الإسلام يرتقي بالعقول، والعلوم، والنفوس، والأخلاق: فأهله المتمسكون به حق التمسك هم خير الناس، وأعقل الناس، وأزكى الناس. ٢١ - الإسلام يدعو إلى أحسن الأخلاق والأعمال: قال - تعالى -: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] . ٢٢ - الإسلام يحفظ العقول: ولهذا حرَّم الخمر، والمخدرات، وكل ما يؤدي إلى فساد العقل. ٢٣ - الإسلام يحفظ الأموال: ولهذا حثَّ على الأمانة، وأثنى على أهلها، ووعدهم بطيب العيش، ودخول الجنة، وحرَّم السرقة، وتوعد فاعلها بالعقوبة، وشرع حد السرقة وهو قطع يد السارق؛ حتى لا يتجرأ أحد على سرقة الأموال؛ فإذا لم يرتدع خوفاً من عقاب الآخرة، ارتدع خوفاً منن قطع اليد؛

стр. 35

ولهذا يعيش أهل البلاد التي تطبق حدود الشرع آمنين على أموالهم، بل إن قطع اليد قليل جداً؛ لقلة من يسرق. ثم إن قطع يد السارق فيه حكمة الزجر للسارق من معاودة السرقة، وردع أمثاله عن الإقدام عليها، وهكذا تحفظ الأموال في الإسلام. ٢٤ - الإسلام يحفظ الأنفس: ولهذا حرَّم قتل النفس بغير الحق، وعاقب قاتل النفس بغير الحق بأن يقتل؛ ولأجل ذلك يقل القتل في بلاد المسلمين، التي تطبق شرع الله؛ فإذا علم الإنسان أنه إذا قَتَل شخصاً سيُقتل به كفَّ عن القتل، وارتاح الناس من شر المقاتلات. ثم إن أهل القتيل لهم حق فإذا كان القاتل سيقتل ثم يخرج بعد ذلك يتمتع بالحياة كيفما شاء – كان ذلك – مغيظا لأهل المقتول وربما حملهم على الثأر فيزيد الأمر ضراوة وفتنة. فإذا اقتص من القاتل ارتاحت نفوس أهل القتيل واشتفت صدورهم بأخذ حقهم. ثم إن القصاص ليس الطريق الوحيد بل إن لورثة القتيل الحق في العفو أو أخذ الدية وهذا من التخفيف والرحمة. بل إن الإسلام حث على العفو ورتب عليه الجزاء العظيم والثواب الجزيل من الله – . قال الله ﵎: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .

стр. 36

وقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ٢٥ - الإسلام يحفظ الصحة: فالإشارات إلى هذا المعنى كثيرة جداً سواء في القرآن أو السنة النبوية، قال - تعالى -: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] . قال العلماء: إن هذه الآية جمعت الطبَّ كلَّه؛ ذلك أن الاعتدال في الأكل والشرب من أعظم أسباب حفظ الصحة. ومن الإشارات لحفظ الصحة أن الإسلام حرَّم الخمر، ولا يخفى ما في الخمر من أضرار صحية كثيرة، فهي تضعف القلب، وتفري الكلى، وتمزق الكبد إلى غير ذلك من أضرارها المتنوعة. ومن ذلك: أن الإسلام حرَّم الفواحش من زناً ولواط، ولا يخفى ما فيهما من الأضرار الكثيرة، ومنها الأضرار الصحية التي عُرِفَتْ أكثر ما عُرِفَتْ في هذا العصر من: زهري، وسيلان، وهربس، وإيدز ونحوها. ومن حِفظ الإسلام للصحة أنه حرَّم لحم الخنزير، الذي عُرِفَ الآن أنه يولِّد في الجسم أدواءً كثيرة، ومن أخصِّها الدودة الوحيدة، والشعرة الحلزونية، وعملهما في الإنسان شديد، وكثيراً ما يكونان السبب في موته. ومن الإشارات في هذا الصدد ما عُرف من أسرار الوضوء، وأنه يمنع من أمراض الأسنان، والأنف، بل هو من أهم الموانع للسل الرئوي؛ إذ قال بعض الأطباء: إن أهم طريق لهذا المرض الفتاك هو الأنف، وإن أنوفاً تُغسَلُ في اليوم خمس عشرة مرة لجديرة بألا تبقى فيها جراثيم هذا الداء الوبيل، ولذا كان هذا

стр. 37

المرض في المسلمين قليلاً وفي الإفرنج كثيراً. والسبب أن المسلمين يتوضئون للصلاة خمس مرات في اليوم، وفي كل وضوء يغسل المسلم أنفه مرة أو مرتين أو ثلاثاً. ٣٦ - الإسلام يتفق مع الحقائق العلمية: ولهذا لا يمكن أن تتعارض الحقائق العلمية الصحيحة مع النصوص الشرعية الصريحة. وإذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة لها، وإما أن يكون النص غير صريح في معارضته؛ لأن النص وحقائق العلم كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيين. ولقد قرر هذه القاعدة كثير من علماء المسلمين، بل لقد قررها كثير من الكُتَّاب الغربيين المنصفين، ومنهم: الكاتب الفرنسي المشهور [موريس بوكاي] في كتابه [التوراة والإنجيل والقرآن] ، حيث بيَّن في هذا الكتاب أن التوراة المحرَّفة، والإنجيل المحرَّف الموجودين اليوم يتعارضان مع الحقائق العلمية، في الوقت الذي سجل فيه هذا الكتاب شهادات تفوق للقرآن الكريم سبق بها القرآنُ العلمَ الحديثَ. وأثبت الكاتب من خلال ذلك أن القرآن لا يتعارض أبداً مع الحقائق العلمية، بل إنه يتفق معها تمام الاتفاق. ولقد تضافرت البراهين الحسيَّة، والعلميَّة، والتجريبيَّة على صدْق ما جاء به الإسلام حتى في أشد المسائل بُعداً عن المحسوس، وأعظمها إنكاراً في العصور السابقة.

стр. 38

خذ على سبيل قول النبي ﷺ : "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أُولاهنَّ بالتراب". ولقد جاء الطب باكتشافاته ومكبراته فأثبت أن في لعاب الكلب ميكروباتٍ وأمراضاً فتَّاكة لا يزيلها الماء وحده، وأظهرت البحوث العلمية الحديثة أنه يحصل من إنقاء التراب لهذه النجاسة ما لا يحصل بغيره. وجاء - أيضاً - أن شرب الكلب في الإناء يسبب أمراضاً خطيرة، فالكلب كثيراً ما تكون فيه ديدان مختلفة الأنواع، ومنها: دودة شريطية صغيرة جداً، فإذا شرب في إناء، أو لمس إنسان جسد الكلب بيده أو بلباسه انتقلت بويضات هذه الديدان إليه، ووصلت إلى معدته في أكله، أو شربه، فتثقب جدرانها، وتصل إلى أوعية الدم، وتصل إلى الأعضاء الرئيسة، فتصيب الكبد، وتصيب المخ، فينشأ عنه صداع شديد، وقيءٌ متوالٍ، وفقد للشعور، وتشنجات، وشلل في بعض الأعضاء، وتصيب القلب، فربما مزَّقته، فيموت الشخص في الحال. ثم إن العلوم الطبيعية تؤيد الإسلام، وتؤكد صحته على غير علم من ذويها. مثال ذلك: تلقيح الأشجار الذي لم يُكتَشف إلا منذ عهد قريب، وقد نصَّ عليه القرآن الذي أُنزل على النبي الأمي منذ أربعة عشر قرناً في قوله - تعالى -: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] ، وقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] ، وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس: ٣٦] . فهذا كلام رب العالمين في القرآن قبل أن تبيَّن لنا العلوم الطبيعية أن في كل

стр. 39

نبات ذكراً وأنثى. ولقد اعتنق بعض الأوربيين الإسلام لما وجد وصف القرآن للبحر وصفاً شافياً مع كون النبي ﷺ لم يركب البحر طول عمره، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] . ٢٧ - الإسلام يكفل الحريات ويضبطها: فحرية التفكير في الإسلام مكفولة، وقد منح الله الإنسان الحواس من السمع، والبصر، والفؤاد؛ ليفكر، ويعقل، ويصل إلى الحق، وهو مأمور بالتفكير الجاد السليم، ومسئول عن إهمال حواسه وتعطيلها، كما أنه مسئول عن استخدامها فيما يضر. والإنسان في الإسلام حُرٌّ في بيعه، وشرائه، وتجارته، وتنقلاته، ونحو ذلك ما لم يتعد حدود الله في غش، أو خداع، أو إفساد. والإنسان في الإسلام حُرٌّ في الاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا من: مأكول، أو مشروب، أو مشموم، أو ملبوس، ما لم يرتكب محرماً يعود عليه أو على غيره بالضرر. ثم إن الإسلام يضبط الحريات؛ فلا يجعلها مطلقة سائمة في مراتع البغي والتعدي على حريات الآخرين؛ فالشهوة على سبيل المثال لو أطلقت لا ندفع الإنسان وراء شهوته، التي تكون سبباً في هلاكه؛ لأن طاقته محدودة، فإذا استُنفِذت في اللهو والعبث والمجون - لم يبق فيها ما يدفعها إلى الطريق الجاد، ويدلها على مسالك الخير؛ فليس من الحرية - إذاً - أن يسترسل في شهواته

стр. 40

وملذاته غير مبالٍ بحلال أو حرام، وغير ناظر في العواقب. إن نهايته ستكون وخيمة في العاجل قبل الآجل؛ إن ثرواته ستتبدد، وإن قواه ستنهار، وصحته ستزول، وبالتالي سيكون تعيساً محسوراً. ثم هب أن الإنسان أطلق لشهواته العنان، هل سيجد الراحة والطمأنينة؟ الجواب: لا؛ وإذا أردت الدليل على ذلك فانظر إلى عالمنا المعاصر بحضارته المادية؛ لما أطلق حرية العبث والمجون، ولم يُحسن استخدامها - حدثت القلاقل، والمصائب، والأمراض الجسدية والنفسية، وشاع القتل، والنهب، والسلب، والانتحار، والقلق، وأمراض الشذوذ. وليست الحرية - أيضاً - بالسير وراء الأطماع التي لا تقف عند حد دونما مبالاة في آثارها على الآخرين؛ فهل يعد من الحرية ما يقوم به الأقوياء من سطو على الضعفاء، واستخفاف بحقوقهم، ومصادرة لآرائهم كما هي حال الدول الكبرى في عالمنا المعاصر؟ الجواب: لا؛ فالحرية الحقة هي ما جاء به الإسلام، وهي الحرية المنضبطة التي تحكم تصرفات الإنسان، والتي يكون فيها الإنسان عبداً لربه وخالقه؛ فذلك سر الحرية الأعظم؛ فالإنسان إذا تعلق بربه خوفاً، وطمعاً، وحباً، ورجاء، وذلاً، وخضوعاً - تحرر من جميع المخلوقين؛ ولم يعد يخاف أحداً غير ربه، ولا يرجو سواه، وذلك عين فلاحه وعزته. وبالجملة، فالإسلام دين الكمال والرفعة، ودين الهداية والسمو.
следующие страницы →