← Общие книги

Общие книги · id 8382

الطريق إلى الإسلام

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (102 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ٢٥ - الإسلام يحفظ الصحة: فالإشارات إلى هذا المعنى كثيرة جداً سواء في القرآن أو السنة النبوية، قال - تعالى -: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] . قال العلماء: إن هذه الآية جمعت الطبَّ كلَّه؛ ذلك أن الاعتدال في الأكل والشرب من أعظم أسباب حفظ الصحة. ومن الإشارات لحفظ الصحة أن الإسلام حرَّم الخمر، ولا يخفى ما في الخمر من أضرار صحية كثيرة، فهي تضعف القلب، وتفري الكلى، وتمزق الكبد إلى غير ذلك من أضرارها المتنوعة. ومن ذلك: أن الإسلام حرَّم الفواحش من زناً ولواط، ولا يخفى ما فيهما من الأضرار الكثيرة، ومنها الأضرار الصحية التي عُرِفَتْ أكثر ما عُرِفَتْ في هذا العصر من: زهري، وسيلان، وهربس، وإيدز ونحوها. ومن حِفظ الإسلام للصحة أنه حرَّم لحم الخنزير، الذي عُرِفَ الآن أنه يولِّد في الجسم أدواءً كثيرة، ومن أخصِّها الدودة الوحيدة، والشعرة الحلزونية، وعملهما في الإنسان شديد، وكثيراً ما يكونان السبب في موته. ومن الإشارات في هذا الصدد ما عُرف من أسرار الوضوء، وأنه يمنع من أمراض الأسنان، والأنف، بل هو من أهم الموانع للسل الرئوي؛ إذ قال بعض الأطباء: إن أهم طريق لهذا المرض الفتاك هو الأنف، وإن أنوفاً تُغسَلُ في اليوم خمس عشرة مرة لجديرة بألا تبقى فيها جراثيم هذا الداء الوبيل، ولذا كان هذا

стр. 37

المرض في المسلمين قليلاً وفي الإفرنج كثيراً. والسبب أن المسلمين يتوضئون للصلاة خمس مرات في اليوم، وفي كل وضوء يغسل المسلم أنفه مرة أو مرتين أو ثلاثاً. ٣٦ - الإسلام يتفق مع الحقائق العلمية: ولهذا لا يمكن أن تتعارض الحقائق العلمية الصحيحة مع النصوص الشرعية الصريحة. وإذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة لها، وإما أن يكون النص غير صريح في معارضته؛ لأن النص وحقائق العلم كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيين. ولقد قرر هذه القاعدة كثير من علماء المسلمين، بل لقد قررها كثير من الكُتَّاب الغربيين المنصفين، ومنهم: الكاتب الفرنسي المشهور [موريس بوكاي] في كتابه [التوراة والإنجيل والقرآن] ، حيث بيَّن في هذا الكتاب أن التوراة المحرَّفة، والإنجيل المحرَّف الموجودين اليوم يتعارضان مع الحقائق العلمية، في الوقت الذي سجل فيه هذا الكتاب شهادات تفوق للقرآن الكريم سبق بها القرآنُ العلمَ الحديثَ. وأثبت الكاتب من خلال ذلك أن القرآن لا يتعارض أبداً مع الحقائق العلمية، بل إنه يتفق معها تمام الاتفاق. ولقد تضافرت البراهين الحسيَّة، والعلميَّة، والتجريبيَّة على صدْق ما جاء به الإسلام حتى في أشد المسائل بُعداً عن المحسوس، وأعظمها إنكاراً في العصور السابقة.

стр. 38

خذ على سبيل قول النبي ﷺ : "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أُولاهنَّ بالتراب". ولقد جاء الطب باكتشافاته ومكبراته فأثبت أن في لعاب الكلب ميكروباتٍ وأمراضاً فتَّاكة لا يزيلها الماء وحده، وأظهرت البحوث العلمية الحديثة أنه يحصل من إنقاء التراب لهذه النجاسة ما لا يحصل بغيره. وجاء - أيضاً - أن شرب الكلب في الإناء يسبب أمراضاً خطيرة، فالكلب كثيراً ما تكون فيه ديدان مختلفة الأنواع، ومنها: دودة شريطية صغيرة جداً، فإذا شرب في إناء، أو لمس إنسان جسد الكلب بيده أو بلباسه انتقلت بويضات هذه الديدان إليه، ووصلت إلى معدته في أكله، أو شربه، فتثقب جدرانها، وتصل إلى أوعية الدم، وتصل إلى الأعضاء الرئيسة، فتصيب الكبد، وتصيب المخ، فينشأ عنه صداع شديد، وقيءٌ متوالٍ، وفقد للشعور، وتشنجات، وشلل في بعض الأعضاء، وتصيب القلب، فربما مزَّقته، فيموت الشخص في الحال. ثم إن العلوم الطبيعية تؤيد الإسلام، وتؤكد صحته على غير علم من ذويها. مثال ذلك: تلقيح الأشجار الذي لم يُكتَشف إلا منذ عهد قريب، وقد نصَّ عليه القرآن الذي أُنزل على النبي الأمي منذ أربعة عشر قرناً في قوله - تعالى -: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ، وكذلك قوله - تعالى -: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] ، وقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] ، وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس: ٣٦] . فهذا كلام رب العالمين في القرآن قبل أن تبيَّن لنا العلوم الطبيعية أن في كل

стр. 39

نبات ذكراً وأنثى. ولقد اعتنق بعض الأوربيين الإسلام لما وجد وصف القرآن للبحر وصفاً شافياً مع كون النبي ﷺ لم يركب البحر طول عمره، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] . ٢٧ - الإسلام يكفل الحريات ويضبطها: فحرية التفكير في الإسلام مكفولة، وقد منح الله الإنسان الحواس من السمع، والبصر، والفؤاد؛ ليفكر، ويعقل، ويصل إلى الحق، وهو مأمور بالتفكير الجاد السليم، ومسئول عن إهمال حواسه وتعطيلها، كما أنه مسئول عن استخدامها فيما يضر. والإنسان في الإسلام حُرٌّ في بيعه، وشرائه، وتجارته، وتنقلاته، ونحو ذلك ما لم يتعد حدود الله في غش، أو خداع، أو إفساد. والإنسان في الإسلام حُرٌّ في الاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا من: مأكول، أو مشروب، أو مشموم، أو ملبوس، ما لم يرتكب محرماً يعود عليه أو على غيره بالضرر. ثم إن الإسلام يضبط الحريات؛ فلا يجعلها مطلقة سائمة في مراتع البغي والتعدي على حريات الآخرين؛ فالشهوة على سبيل المثال لو أطلقت لا ندفع الإنسان وراء شهوته، التي تكون سبباً في هلاكه؛ لأن طاقته محدودة، فإذا استُنفِذت في اللهو والعبث والمجون - لم يبق فيها ما يدفعها إلى الطريق الجاد، ويدلها على مسالك الخير؛ فليس من الحرية - إذاً - أن يسترسل في شهواته

стр. 40

وملذاته غير مبالٍ بحلال أو حرام، وغير ناظر في العواقب. إن نهايته ستكون وخيمة في العاجل قبل الآجل؛ إن ثرواته ستتبدد، وإن قواه ستنهار، وصحته ستزول، وبالتالي سيكون تعيساً محسوراً. ثم هب أن الإنسان أطلق لشهواته العنان، هل سيجد الراحة والطمأنينة؟ الجواب: لا؛ وإذا أردت الدليل على ذلك فانظر إلى عالمنا المعاصر بحضارته المادية؛ لما أطلق حرية العبث والمجون، ولم يُحسن استخدامها - حدثت القلاقل، والمصائب، والأمراض الجسدية والنفسية، وشاع القتل، والنهب، والسلب، والانتحار، والقلق، وأمراض الشذوذ. وليست الحرية - أيضاً - بالسير وراء الأطماع التي لا تقف عند حد دونما مبالاة في آثارها على الآخرين؛ فهل يعد من الحرية ما يقوم به الأقوياء من سطو على الضعفاء، واستخفاف بحقوقهم، ومصادرة لآرائهم كما هي حال الدول الكبرى في عالمنا المعاصر؟ الجواب: لا؛ فالحرية الحقة هي ما جاء به الإسلام، وهي الحرية المنضبطة التي تحكم تصرفات الإنسان، والتي يكون فيها الإنسان عبداً لربه وخالقه؛ فذلك سر الحرية الأعظم؛ فالإنسان إذا تعلق بربه خوفاً، وطمعاً، وحباً، ورجاء، وذلاً، وخضوعاً - تحرر من جميع المخلوقين؛ ولم يعد يخاف أحداً غير ربه، ولا يرجو سواه، وذلك عين فلاحه وعزته. وبالجملة، فالإسلام دين الكمال والرفعة، ودين الهداية والسمو.

стр. 41

وإذا رأينا من بعض المنتمين إليه وَهَناً في العزم، أو بُعداً عن الهدى - فالتبعة تعود على أولئك، لا على الدين؛ فالدين براء، والتبعة تقع على من جهل الإسلام، أو نبذ هدايته وراء ظهره.

стр. 42

من محاسن الدين الإسلامي مرَّ بك في الفقرة السابقة ذكْرٌ لبعض خصائص الدين الإسلامي، والحديث في هذه الفقرة قريب من الحديث السابق أو إكمالٌ له، وسيتضح لك فيما يلي شيء من محاسن الدين الإسلامي، وأنه دين السعادة والفلاح، وأنه لم يَدَع الإنسان في خاصة نفسه أو مع أهله، أو مع جيرانه، أو أهل ملَّته، أو الناس أجمعين - إلا علَّمه من دقائق الآداب، ومحاسن المعاملات ما يصفو به عيشه، ويتم سروره. ولا يَريبَنَّك ما عليه كثير من المسلمين من سوء الحال؛ فإن ذلك بمقتضى أهوائهم لا من طبيعة دينهم. ومحاسن الدين الإسلامي تتجلى بوضوح من خلال النظر في أوامر الإسلام ونواهيه؛ فإليك نبذة عن ذلك فيما يلي من أسطر: أولاً: من أوامر الإسلام: الإسلام يأمر بأوامر عظيمة تنتظم بها الأمور المدنية، وتصلح بها حالة المعاش؛ فالإسلام في ذلك الشأن هو البحر الذي لا يدرك غوره، والغاية التي ليس بعدها أمل لآمل، ولا زيادة لمستزيد. وهذه الأوامر حثَّ عليها الإسلام بأبلغ العبارات، وأقربها إلى الأفهام، وتوعد على الخروج عن هذه الجادة بالعقاب، ووعد من أخذ بها بجزيل الثواب. فمن تلك الأوامر العظيمة التي جاء بها الإسلام ما يلي: ١ - الإسلام يأمرك بما تكون به كبير النفس عن التشبه بما دونك من أنواع الحيوانات، رفيعَ القدر عن أن تكون عبداً لشهواتك وحظوظك، عالي المنزلة عن أن تعظم غير ربك، أو تخضع لغير حكمه.

стр. 43

٢ - الإسلام يأمرك بما يشعرك أنك عضو نافع عامل تأنف أن تقلد غيرك، أو تكون عالة على سواك. ٣ - الإسلام يأمرك باستعمال عقلك، وجوارحك فيما خُلِقْتَ له، من العمل النافع في أمر دينك ودنياك. ٤ - الإسلام يأمرك بالتوحيد الخالص، والعقيدة الصحيحة التي لا يقبل العقل غيرها، ولا تطمئن القلوب إلا بها؛ فالعقيدة التي أمرك الإسلام بها تجعلك عظيماً كبيراً، وتشعر قلبك العزة، وتذيقك حلاوة الإيمان. ٥ - الإسلام يأمرك بستر عورات المسلمين، واتقاء مواضع التهم. ٦ - الإسلام يأمرك بالسعي لقضاء حاجات المسلمين، وتنفيس كرباتهم. ٧ - الإسلام يأمرك بالبدء بالسلام على كل مسلم، وأن تنصر أخاك المسلم في غيبته. ٨ - الإسلام يأمرك بعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وزيارة القبور، والدعاء لإخوانك المسلمين. ٩ - الإسلام يأمرك بإنصاف الناس من نفسك، وأن تحب لهم ما تحبه لنفسك. ١٠ - الإسلام يأمرك بالسعي في طلب الرزق، وأن تعز نفسك، وأن ترفعها عن مواطن الذل والهوان. ١١ - الإسلام يأمرك بالرحمة بالخَلق، والعطف عليهم، وحُسن رعايتهم ومداراتهم، والسعي في نفعهم، وجلب الخيرات لهم، ودفع المضرات عنهم. ١٢ - الإسلام يأمرك ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وإكرام الجار، والرفق بالحيوان.

стр. 44

١٣ - الإسلام يأمرك بالوفاء للأصحاب، وحُسن المعاملة للزوج والأبناء. ١٤ - الإسلام يأمرك بالحياء، والحلم، والسخاء، والكرم، والشجاعة، والغيرة على الحق. ١٥ - ويأمرك بالمروءة، وحسن السمت، والحزم، والحكمة في الأمور. ١٦ - ويأمرك بالأمانة، وإنجاز الوعد، وحُسن الظن، والأناة في الأمور، والمبادرة في فعل الخير. ١٧ - ويأمرك بالعفة، والاستقامة، والشهامة، والنزاهة. ١٨ - الإسلام يأمرك بشكر الله، ومحبته، وخوفه، ورجائه، والأنس به، والتوكل عليه. إلى غير ذلك من المعاني الجميلة العظيمة. ثانياً: من نواهي الإسلام: فمن أعظم محاسن الإسلام ما جاء به من النواهي التي تحذر المسلم من الوقوع في الشر، وتنذره سوء العاقبة التي تترتب على الأفعال القبيحة؛ فمما نهى الإسلام عنه مايلي: ١ - نهى عن الكفر، والفسوق، والعصيان، واتباع الهوى. ٢ - ونهى عن الكِبْر، والحقد، والعجب، والحسد، والشماتة بالمبتلين. ٣ - ونهى عن سوء الظن، والتشاؤم، واليأس، والبخل، والتقتير، والإسراف، والتبذير. ٤ - ونهى عن الكسل، والخور، والجبن، والضعف، والبطالة، والعجلة،

стр. 45

والفظاظة، وقلة الحياء، والجزع، والعجز، والغضب، والطيش، والتسخط على ما فات. ٥ - ونهى عن العناد، وعن قسوة القلب التي تمنع صاحبها من إغاثة الملهوف والمضطر. ٦ - ونهى عن الغيبة وهي ذكرك أخاك بما يكره، وعن النميمة وهي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد. ٧ - ونهى عن كثرة الكلام بلا فائدة، وعن إفشاء السر، والسخرية بالناس، والاستهزاء بالآخرين. ٨ - ونهى عن السب، واللعن، والشتم، والتعبير بالعبارات المستقبحة، والتخاطب بالألقاب السيئة. ٩ - ونهى عن كثرة الجدال، والخصومة، وعن المزاح البذيء الذي يجر إلى الشر والتطاول. ١٠ - ونهى عن الكلام فيما لا يعني. ١١ - ونهى عن كتمان الشهادة، وعن شهادة الزور، وعن قذف المحصنات، وسب الأموات، وكتم العلم. ١٢ - ونهى عن السفاهة، والفُحش، وعن المن بالصدقة، وعن ترك الشكر لمن أسدى إليك معروفاً. ١٣ - ونهى عن الاستطالة في الأعراض، وانتساب المرء إلى غير أبيه، وعن ترك النصيحة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 46

١٤ - ونهى عن الخيانة، والمكر، وإخلاف الوعد، والفتنة التي توقع الناس في اضطراب. ١٥ - ونهى عن عقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وإهمال الأولاد، وأذية الجار. ١٦ - ونهى عن التجسس، والتحسس، وتتبع عورات الناس. ١٧ - ونهى عن تشبه الرجال بالنساء، وعن تشبه النساء بالرجال، وعن إفشاء سر الزوج. ١٨ - ونهى عن شرب الخمر، وتعاطي المخدرات، وعن المقامرة التي تعرض المال للمخاطرة. ١٩ - ونهى عن ترويج السلعة بالحلف الكاذب، وعن بخس الكيل والوزن، وعن إنفاق المال بالمحرمات. ٢٠ - ونهى عن السرقة، والغصب، وخطبة الإنسان على خطبة أخيه، وشرائه على شراء أخيه. ٢١ - ونهى عن خيانة أحد الشريكين لشريكه، وعن استعمال العارية بغير ما أذن بها صاحبها، وعن تأخير أجرة الأجير، أو منعه منها بعد فراغه من عمله. ٢٢ - ونهى عن الإكثار من الطعام بحيث يضر صاحبه. ٢٣ - ونهى عن التهاجر، والتشاحن، والتدابر، وحذَّر أن يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث ليال. ٢٤ - ونهى عن الضرب لأحد بغير مسوغ شرعي، وعن ترويع الناس بالسلاح.

стр. 47

٢٥ - ونهى عن الزنا، واللواط، وقتل النفوس التي حرَّم الله قتلها. ٢٦ - ونهى عن قبول القاضي هديةً من أحد لم يكن له عادة بإهدائها له قبل توليه، وعن قبول الضيافة الخاصة. ٢٧ - ونهى عن أخذ الرشوة من محق أو مبطل، وعن دفع الرشوة من محق أو مبطل، إلا من محق مضطر إلى دفعها. ٢٨ - ونهى عن خذلان المظلوم مع القدرة على نصره. ٢٩ - ونهى عن اطِّلاع المرء على دار غيره بغير إذنه ولو من ثقب، وعن التسمع لحديث قوم يكرهون سماعه. ٣٠ - ونهى عن كل ما يضر بالهيئة الاجتماعية، أو النفس، أو العقل، أو الشرف، أو العرض. هذه نبذة موجزة عن أوامر الإسلام ونواهيه، وبسط ذلك وذكر أدلته يحتاج إلى مجلدات ضخام.

стр. 48

شرح أركان الإسلام أركان الإسلام هي أسُسه التي يبنى عليها، وهي خمسة أركان: ١ - شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. ٢ - إقام الصلاة. ٣ - إيتاء الزكاة. ٤ - صيام رمضان. ٥ - حج بيت الله الحرام. هذه هي أركان الإسلام على سبيل الإجمال وإليك شرحها بإيجاز: ١ - شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله: معنى هذه الشهادة الاعتقاد الجازم المُعَبِّر عنه باللسان بأن الله هو المعبود الحق وحده لا شريك له، وأن محمداً هو الرسول المبلِّغ عن الله. وجُعِلت هاتان الشهادتان ركناً واحداً مع تعدد المشهود به؛ لأن هاتين الشهادتين أساس صحة الأعمال؛ فلا يقبل إسلام، ولا عمل إلا بالإخلاص لله، والمتابعة للرسول ﷺ . ومعنى ذلك ألا يُعْبَدَ إلا الله وحده، ولا يُعْبَدَ إلا بما شرعه على لسان رسوله ﷺ . فبالإخلاص تتحقق شهادة أن لا إله إلا الله، وبالمتابعة تتحقق شهادة أن محمداً رسول الله. ومما يمكن أن يتضح به معنى الشهادتين أن يقال: إن معنى [لا إله إلا الله] :

стр. 49

هو أن ينطق بها الإنسان معتقداً أن الله هو المعبود الحق وحده؛ ولا يكفي مجرد النطق بها، بل لابد من العمل بمقتضاها من القبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة. ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع. هذا وللشهادتين ثمرات عظيمة منها: تحرير القلب والنفس من الرق للمخلوقين، والإتباع لغير المرسلين. ٢ - إقام الصلاة: وهو التعبد لله بفعل الصلاة على وجه الاستقامة والتمام في أوقاتها وهيئاتها. والصلوات المفروضة في الإسلام خمس في اليوم والليلة، وهي: صلاة الفجر، وصلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء. ومن ثمرات الصلاة: أنها سبب لانشراح الصدر، وقرة العين، وقوة العقل، وحصول النشاط، وطرد الكسل، والانزجار عن الفحشاء والمنكر، وحصول الترابط بين المسلمين. ٣ - إيتاء الزكاة: وهو التعبد لله ببذل القدر الواجب من الأموال الزكوية لمستحقيها، بحيث يُخْرج المسلم قدراً يسيراً محدداً من ماله، ويدفعه إلى مستحقيه من الفقراء، والمساكين، ونحوهم. ومن ثمرات الزكاة: تطهير النفس من البخل، وزيادة المال، ونماؤه، وسد حاجة المسلمين، وشيوع المحبة بينهم، والتخلص من الأثرة والاستبداد،

стр. 50

والسلامة من الحسد، وحصول التواضع والرحمة، والشعور بالآخرين. ٤ - صوم رمضان: وهو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات نهار رمضان. وذلك بأن يدع المسلم الطعام، والشراب، والجماع، ونحوها من المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس طيلة شهر رمضان؛ تعبداً لله . ومن ثمرات الصيام: تزكيةُ الروح، وتهذيب النفس، وترفعها عن الدنايا، وترويضها على ترك المحبوبات طلباً لمرضاة الله، وتعويدها على الصبر وتحمُّل المصاعب. ومن ثمراته - أيضاً -: تنمية الإخلاص ومراقبة الله، ورعايةُ الأمانة، والشعور بالآخرين، وطرد الفردية، وحصول الصحة العامة للبدن. ٥ - حج البيت: وهو التعبد لله بقصد البيت الحرام للقيام بشعائر الحج ولو مرة واحدة في العمر لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً. ومن ثمرات الحج: تذكر الآخرة، وترويض النفس على بذل الجهد المالي والبدني؛ تقرباً لله. ومن ثمراته: حصول التعارف، والتوادد بين المسلمين. هذه هي أركان الإسلام، وهذه ثمراتها على سبيل الإجمال، وإلا فتفاصيل ثمراتها لا تُعد ولا تحصى. فهذه الأركان تجعل من الأمة أمة إسلامية طاهرة، نقية، تدين بدين الحق، وتعامل الخلق بالعدل والصدق، لأن ما سوى ذلك من شرائع الإسلام يصلح بصلاح هذه الأسس، والأمة تصلح بصلاح أمر دينها، ويفوتها من صلاح أحوالها بقدر ما فاتها من صلاح أمور دينها.

стр. 51

أسس العقيدة الإسلامية الدين الإسلامي عقيدة وشريعة، وقد مرَّ فيما سبق الإشارة إلى شيء من شرائعه، ومرَّ الحديث عن أركانه التي هي أساس لشرائعه. أما العقيدة الإسلامية فهي تشمل الإيمان بكل ما جاء عن الله، وعن رسول الله ﷺ من الأخبار، والأحكام القطعية، والغيبيات، ونحو ذلك. وأسس العقيدة هي أركان الإيمان الستة، وهي: ١ - الإيمان بالله. ٢ - الإيمان بالملائكة. ٣ - الإيمان بالكتب. ٤ - الإيمان بالرسل. ٥ - الإيمان باليوم الآخر. ٦ - الإيمان بالقدر خيره وشره. وإليك فيما يلي بعض التفصيل حول هذه الأركان.

стр. 52

شرح أسس العقيدة الاسلامية الايمان بالله ... شرح أسس العقيدة الإسلامية أولاً: الإيمان بالله الإيمان بالله أصل الأصول، وأهم المهمات، وأشرف العلوم. والإيمان بالله هو التصديق الجازم بوجود الله، وبأنه رب كل شيء ومليكه، وأنه الخالق وحده، المدبر للكون كله، وأنه هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، وأنه متصف بصفات الكمال والجلال، وأنه منزه عن كل عيب، ونقص، ومماثلة للمخلوقين. وهذا الإيمان مستقر في فطرة كل إنسان؛ فكل واحد من البشر مفطور على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عن ذلك، قال - تعالى -: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] . ومعنى فطرة الله: الإسلام؛ ولهذا فإن كل إنسان مفطور على اللجوء إلى ربه - تعالى - عند الشدائد؛ فإذا وقع الإنسان - أي إنسان حتى الكافر والملحد - في شدة أو أحدق به خطر - فإن الخيالات والأوهام تتطاير من ذهنه، ويبقى ما فطره الله عليه؛ فيلجأ إلى ربه؛ ليفرج كربته. والمراد بكون الإنسان يولد على الفطرة أنه يولد مجبولاً على حب خالقه، وإقراره بوجوده وعبوديته؛ فلو خلي وفطرتَه لم يَعْدِل عن ذلك إلى غيره؛ فكما أنه يولد مفطوراً على ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة فكذلك يولد مفطوراً على ما يلائم قلبه، وروحه من التوجه إلى الله، والإقرار به.

стр. 53

ولهذا قال النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه"، أي: أن المولود يولد على الفطرة، وهي الإسلام، ولهذا لم يقل أو يسلمانه؛ فاعتناق غير الإسلام يعد خروجاً عن الأصل والقاعدة بأسباب خارجة؛ فالأبوان قد يصرفان المولود عن أصل فطرته إلى اليهودية، أو النصرانية، أو المجوسية، أو غير ذلك مما يخالف الفطرة. ثم إن العقل السليم يؤيد الفطرة السليمة؛ فالعقل يدل أعظم الدلالة على الإيمان بالله؛ فمن نظر إلى هذا العالم، وما أودع الله فيه من المخلوقات المتنوعة من أرض، وسماء، وجبال، وبحار، وإنسان، وحيوان، وجماد، وزروع، ونحو ذلك - أدرك أن لهذا الكون خالقاً وهو الله فالقسمة العقلية في هذا الصدد لا تخرج عن ثلاثة أمور: ١ - إما أن تكون هذه المخلوقات وجدت صدفة من غير مُحْدِث ولا خالق: وهذا مُحال ممتنع يجزم العقل ببطلانه؛ لأن كل من له عقل يعلم أنه لا يمكن أن يوجد شيء من غير مُحْدِث ولا مُوجد؛ ولأن وجود هذه المخلوقات على هذا النظام البديع المتَّسِق المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب والمسببات، وبين الكائنات بعضها مع بعض - يمنع منعاً باتاً أن يكون وجودها صدفة. ٢ - وإما أن تكون هذه المخلوقات هي الخالقة لنفسها: وهذا محال ممتنع؛ فكل عاقل يجزم أن الشيء لا يخلق نفسه؛ لأنه قبل وجوده معدوم؛ فكيف يكون خالقاً؟. وإذا بطل هذان القسمان تعين الثالث وهو:

стр. 54

٣ - أن هذه المخلوقات لها خالق خلقها، ومُحْدِث أوجدها: وهو الله الخالق لكل شيء، الذي لم يسبق بعدم، ولا ينتهي بفناء. وقد ذكر الله هذا الدليل العقلي القاطع في القرآن الكريم فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] . يعني أنهم لم يخلقوا من غير خالق، ولا هم خلقوا أنفسهم؛ فتعين أن يكون خالقهم هو الله؛ فالمخلوق لابد له من خالق، والأثر لابد له من مُؤَثِّر، والمُحْدَث لابد له من مُحْدِث، والمصنوع لابد له من صانع، والمفعول لابد له من فاعل. هذه قضايا واضحة، تعرف في بداهة العقول، ويشترك في إدراكها والعلم بها جميع العقلاء، وهي أعظم القضايا العقلية؛ فمن ارتاب فيها فقد دلَّ على اختلال عقله، وبرهن على سفهه، وفساد تصوره. وهذه الحقائق معروفة لدى العقلاء من غير المسلمين، ومن نظر في كتاب [الله يتجلى في عصر العلم] وقد كتبه ثلاثون من علماء الفلك والطبيعة ممن انتهت إليهم الرياسة في هذه العلوم - أدرك أن العَالِمَ الحقيقيَّ لا يكون إلا مؤمناً، والعامي لا يكون إلا مؤمناً، وأن الإلحاد والكفر إنما يبدوان من أنصاف العلماء، وأرباع العلماء ممن تعلَّم قليلاً، وخسر بذلك الفطرة المؤمنة، ولم يصل إلى الحق الذي يدعو إليه الإيمان. وقريب من الكتاب السابق كتاب آخر اسمه [الإنسان لا يقوم وحده] وترجم للعربية بعنوان: [العلم يدعو للإيمان] . ومؤلف هذا الكتاب هو [كريسي موريسون] الرئيس السابق

стр. 55

لأكاديمية العلوم في نيويورك، ورئيس المعهد الأمريكي لمدينة نيويورك، وعضو المجلس التنفيذي لمجلس البحوث القومي في الولايات المتحدة، والزميل في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي، وعضو مدى الحياة للمعهد الملكي البريطاني. ومما قاله [موريسون] في كتابه الآنف الذكر: "إن تقدم الإنسان من الوجهة الخلقية، وشعوره بالواجب إنما هو أثر من آثار الإيمان بالله". وقال: "إن غزارة التدين لتكْشِفُ عن روح الإنسان، وترفعه خطوة خطوة حتى يشعر بالاتصال بالله، وإن دعاء الإنسان الغريزي لله بأن يكون في عونه - هو أمر طبيعي، وإن أبسط صلاة تسمو به إلى مقربة من خالقه". وقال: "إن الوقار، والكرم، والنبل، والفضيلة، والإلهام لا تنبعث عن الإلحاد". وقال: "بدون الإيمان كانت المدنية تفلس، وكان النظام ينقلب فوضى، وكان كل ضابط، وكل كبح يضيع، وكان الشر يسود العالم؛ فعلينا أن نَثْبُتَ على اعتقادنا بوجود الله وعلى محبته". وقال: "وما دامت عقولنا محدودة فإننا لا نقدر أن ندرك ما هو غير محدود، وعلى ذلك لا نقدر إلا أن نؤمن بوجود الخالق المدبر الذي خلق الأشياء بما فيها تكوين الذرات، والكواكب، والشمس". وقال: "إن كون الإنسان في كل مكان، ومنذ بدء الخليقة حتى الآن قد شعر بحافز يحفزه إلى أن يستنجد بمن هو أسمى منه، وأقوى، وأعظم - يدل على أن

стр. 56

الدين فطري، ويجب أن يقر العلم بذلك". ومن الأدلة على وحدانية الله، والإيمان به - دلالة الحسن، والأدلة الحسية على ذلك لا تكاد تحصى، ومن الأمثلة الحسية الدالة على الإيمان بالله إجابة الدعوات؛ فكم من الداعين الملهوفين الذين يتوجهون إلى الله بالدعاء فيستجيب دعاءهم، ويفرِّج كرباتهم، ويدفع عنهم السوء. والأمثلة على إجابة الدعوات كثيرة جداً، بل كل مسلم يعرف ذلك من نفسه، قال - تعالى -: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ، وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢] . ومن الأمثلة على ذلك: ما جاء في القرآن الكريم من ذكر لإجابة دعوات الأنبياء، قال - تعالى -: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦] ، وقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] . وجاء في السنة النبوية أدلة كثيرة على إجابة دعوات الداعين، ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك "أن أعرابياً دخل يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال؛ فادع الله لنا، فرفع النبي يديه، ودعا، فثار السحاب أمثال الجبال، فلم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر من لحيته". وفي الجمعة الثانية قام ذلك الأعرابي أو غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية إلا انفرجت".

стр. 57

ومن الأدلة الحسية - أيضاً - آيات الأنبياء التي تسمى المعجزات، وهي أمور خارقة للعادة، خارجة عن نطاق البشر، يجريها الله على أيدي أنبيائه تأييداً لهم، وتصديقاً لما جاءوا به من الحق. فالمعجزات برهان قاطع على وجود من أرسلهم. * مثال ذلك: آيات موسى، ومنها: أنه ﵇ لما ذهب بأتباعه المؤمنين لحق به فرعون وجنوده، فلما وصل موسى وأتباعه البحر قال أصحابه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] ، أي: سوف يدركنا فرعون وجنوده، فقال موسى ﵇: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فلما ضرب موسى البحر بعصاه، صار في البحر اثنا عشر طريقاً يابساً فعبره موسى وأتباعه، ولما لحق به فرعون وتمكن في البحر هو وجنوده أطبق عليهم البحر، فنجا موسى وأتباعه، وأدرك فرعون وجنوده الغرقُ. * ومن ذلك: آية عيسى ﵇ حيث كان يحيي الموتى، ويخرجهم من قبورهم بإذن الله. أما معجزات النبي محمد ﷺ فكثيرة جداً، منها نبع الماء بين أصابعه ﷺ . * وكذلك لما طلب كفار مكة منه ﷺ آية، فأشار إلى القمر، فانفلق فرقتين، فرآه الناس؛ فهذه الآيات المحسوسة التي يجريها الله تأييداً لرسله تدل دلالة قاطعة على وجود من أرسلهم. ويكفي من المعجزات معجزة القرآن الكريم.

стр. 58

ومن الأدلة على وحدانية الله ووجوب الإيمان به صدق الرسل: فالرسل جاءوا بدعوى النبوة، وتلك الدعوى لا يدَّعيها إلا أصدق الناس أو أكذبهم؛ فالأنبياء أصدق الناس، ومدعو النبوة أكذب الناس؛ فالأنبياء والرسل جاءوا بالوحي من عند الله، فأيَّدهم الله، ونصرهم، وأعلى شأنهم، وأجاب دعاءَهم، وأهلك عدوهم؛ فلو كانوا كاذبين لأهلكهم، ولخذلهم، ولجعل الدائرة عليهم كما هي الحال مع مدعي النبوة، فتأييد الله للرسل دليل على صدقهم، وصدقهم دليل على أنهم مبعوثون من عند الله الحق، وأن مرسلهم حق، وعبادته حق. ومن الأدلة على وحدانية الله هداية المخلوقات، فلقد هدى الله الحيوان ناطقه، وبهيمه، وطيره، ودوابه، وفصيحه، وأعجمه إلي ما فيه صلاح معاشه وحاله؛ فمن الذي هدى الطفل ساعة ولادته إلى أن يلتقم ثدي أمه؟ ومن الذي أودع فيه معرفة عملية الرضاع، تلك العملية الشاقة التي تتطلب انقباضات متوالية في عضلات الوجه، واللسان، والعنق، وحركات متواصلة للفك الأسفل، والتنفس من طريق الأنف، كل ذلك يتم بهداية تامة، وبدون سابق علم أو تجربة؟ فمن الذي ألهمه ذلك؟. إنه الله ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] . ومن الذي أعطى الإنسان القوة، والعقل، وعلَّمه ما لم يكن يعلم؟ إنه الله الخالق المستحق للعبادة. أما هداية الطير، والوحش، والدواب فحدِّث ولا حرج؛ فلقد هداها الله إلى

стр. 59

الأفعال العجيبة التي يعجز عنها الإنسان. وإذا أردت الدليل فانظر إلى حياة النحل، أو النمل، أو الحمام أو غيرها فسترى العجب العجاب الذي يدعوك إلى الإيمان برب الأرباب. والمجال لا يتسع للتفصيل في هذا الأمر.

стр. 60

ثانياً: الإيمان بالملائكة وهذا هو الركن الثاني من أركان الإيمان: والملائكة: عالم غيبي، مخلوقون، عابدون لله - تعالى - وليس لهم من خصائص الربوبية، ولا الألوهية شيء، أي أنهم لا يخلُقون، ولا يَرزُقون، ولا يجوز أن يعبدوا مع الله. وقد منحهم الله الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه. والملائكة عددهم كثير، ولا يحصيهم إلا الله، والإيمان بهم يتضمن مايلي: ١ - الإيمان بوجودهم. ٢ - الإيمان بما علمنا اسمه منهم باسمه كجبريل، ومن لم نعلم اسمه نؤمن به إجمالاً، أي نؤمن بأن لله ملائكة كثيرين، ولا يلزم معرفة أسمائهم. ٣ - الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة جبريل؛ فقد أخبر النبي ﷺ أنه رآه على صفته التي خلقه الله عليها، وله ستمائة جناح قد سدَّ الأُفق. وقد يتحول الملك بأمر الله إلى هيئة رجل، كما حصل لجبريل حين أرسله الله إلى مريم أم المسيح ﵉ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ [مريم: ١٧] وحين جاء إلى النبي ﷺ وهو جالس بين أصحابه، حيث جاء جبريل بصورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفه أحدٌ من أصحاب رسول الله ﷺ فجلس إلى رسول الله ﷺ وأسند ركبتيه إلى ركبته، ووضع كفيه على فخذيه، وسأل النبي ﷺ عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها، فأجابه النبي ﷺ ثم قال بعد أن ولَّى: "هذا

стр. 61

جبريل أتاكم يعلمكم دينكم". وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله إلى إبراهيم ولوط على هيئة رجال. ٤ - الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها، كتسبيح الله، وعبادته ليلاً ونهاراً بدون ملل ولا فتور. وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة، كـ "جبريل" الأمين على وحي الله يرسله الله بالوحي إلى الأنبياء والرسل، ومثل "ميكائيل" الموكل بالقطر أي النبات، ومثل "مالك" الموكل بالنار، ومثل الملائكة الموكلين بحفظ بني آدم. والإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة منها: ١ - العلم بعظمة الله تعالى، وقوته، وسلطانه: فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق. ٢ - شكر الله على عنايته ببني آدم حيث وكل بهم من هؤلاء الملائكة من يقومون بحفظهم، وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم. ٣ - التقرب إلى الله بحب الملائكة على ما قاموا به من مراضي الله.

стр. 62

ثالثاً: الإيمان بالكتب فهذا هو الركن الثالث من أركان الإيمان. والمراد بالكتب: هي الكتب التي أنزلها الله على رسله؛ رحمة بالخلق، وهداية لهم؛ ليصلوا إلى سعادة الدنيا والآخرة. والغاية التي أنزلت من أجلها الكتب: هي أن يُعْبَد الله وحده لا شريك له، ولتكون منهج حياة للبشر تقودهم بما فيها من هداية إلى كل خير، وتحيي نفوسهم، وتنير لهم دروب الحياة. والإيمان بالكتب يتضمن مايلي: ١ - الإيمان بأنها منزلة من عند الله حقاً. ٢ - الإيمان بما علمنا اسمه منها كالقرآن الذي نزل على محمد، والإنجيل الذي نزل على عيسى، والتوراة التي أنزلت على موسى، والزبور الذي أوتيه داود، وما لم نعلمه نؤمن به إجمالاً. ٣ - تصديق ما صح من أخبارها، والعمل بآخرها وهو القرآن؛ لأنه آخرها، ولأنه ناسخ لها. والكتب السماوية تتفق في أمور: فتتفق في وحدة المصدر؛ فكلها من عند الله، وتتفق في وحدة الغاية، وفي مسائل الاعتقاد، وأنها تدعو إلى العدل، والقسط، ومكارم الأخلاق، ومحاربة الظلم، والفساد، والانحراف، وتتفق في كثير من التشريعات، وتختلف في بعض التشريعات وتفاصيلها؛ فلكل أمة شريعة تلائمها وتناسبها.

стр. 63

منزلة القرآن الكريم من الكتب السماوية القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية، وخاتمها، وأطولها، وأشملها، وهو الحاكم عليها؛ فهو مشتمل على ما اشتملت عليه الكتب السماوية السابقة، ويزيد عليها من المطالب الإلهية، والأخلاق النفسية. والقرآن فيه نبأ السابقين، واللاحقين، وفيه الحكم، والحكمة، والأحكام. والقرآن هو الحاكم المهيمن على الكتب السابقة؛ فما شهد له بالصدق فهو المقبول، وما حكم عليه بالرد فهو مردود قد دخله التحريف والتبديل. والقرآن جاء في الذروة من الفصاحة والبلاغة والإعجاز؛ فهو معجز في لفظه، ومعناه، وفي فصاحته، وإخباره عن الغيوب السابقة واللاحقة، وهو معجز في حكمه وأحكامه وفي كل ما جاء به. ولهذا يخضع له كل متمسك بالكتب المتقدمة؛ لأنها دلَّت عليه، وبشَّرت به. فالعمل - إذاً - يكون بالقرآن، ولا يُقبل من أحد دينٌ إلا ما جاء في هذا القرآن؛ فهو رسالة الله الأخيرة للبشرية، بل هو عامٌّ للجن والإنس؛ بخلاف الكتب السماوية الأخرى التي كانت خاصة بأقوام معينين، وفترات معينة. ثم إن القرآن محفوظ من الزيادة، والنقص، والتحريف؛ فلقد تكفل الله - سبحانه - بحفظه، قال - تعالى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، والذكر هو القرآن، والسنة النبوية. والقرآن له أثر عظيم في القلوب؛ فما يسمعه أحد وهو ملقٍ سمعه إلا يجد أن له تأثيراً عظيماً في نفسه، ولو لم يفهم معانيه أو دلالاته، حتى ولو لم يكن

стр. 64

يعرف اللغة العربية. وهذا سرٌّ من أسرار القرآن التي تبيِّن عظمته. ثم إن القرآن له أبلغ الأثر في رُقي الأمم وفلاحها؛ فهو الذي أخرج الله به من أمة العرب أعلام الحكمة والهدى، وجعلهم خير أمة أُخرجت للناس، بعد أن كانوا يتخبطون في دياجير الجهالة. ومن خصائص القرآن: أن عجائبه لا تنقضي، وأنه لا يَخْلَق من كثرة الرد؛ فكلما أكثر الإنسان من قراءته زادت حلاوته مرة بعد مرة. ومن خصائصه: أن الله يسَّر تعلمه وحفظه؛ ولهذا فإن كثيراً من أطفال المسلمين يحفظونه كاملاً عن ظهر قلب. ومن خصائصه: أنه مشتمل على أعدل الأحكام، وأعظمها، وأشرفها، وأشملها، فلم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وأحاط بها إجمالاً وتفصيلاً، ويشهد بذلك كل منصف عاقل، حتى ولو لم يكن مسلماً. يقول السير "وليم مور" في كتابه المسمى [حياة محمد] : "إن القرآن ممتلىء بأدلة من الكائنات المحسوسة والدلائل العقلية على وجود الله - تعالى - وأنه الملك القدوس، وأنه سيجزي المرء بعمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأن اتباع الفضائل، واجتناب الرذائل فرض على العالمين، وأن الواجب على كل مكلف أن يعبد الله - تعالى - وهي علة سعادته". ويقول جيون: "إن أوامر القرآن ليست محصورة في الفروض الدينية والأدبية فقط، إن القرآن عليه مدار الأمور الأخروية والدنيوية من الفقه، والتوحيد،

стр. 65

والأحكام الحقوقية، والجزائية، وما به انتظام الكون، وقمع الظالم، وصيانة الحقوق، وذلك أمر إلهي لا مرية فيه. وبعبارة أخرى: إن القرآن المجيد هو الدستور العمومي لكل العالم الإسلامي، وهو دستور الدين الإسلامي، فهو نظام الكون في المعاش والمعاد، وبه النجاة الأبدية، وحفظ الصحة البدنية، والمصالح العمومية والشخصية، وما يترتب على ذلك من الفضائل الأدبية، والإجراءات الجزائية الدنيوية والأخروية، وكل ذلك منظم في القرآن المجيد". وبالجملة فالشهادات في هذا السياق كثيرة جداً، ولو استمر الكاتب في سردها لطال به المقام.

стр. 66

السنة النبوية السنة النبوية: هي كل ما ورد عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو وصف، أو تقرير. والسنة شقيقة القرآن، تفسره، وتبينه، وتعبر عنه، وتدل عليه، وتفصِّل مجمله، وتدل على أحكام سكت عنها القرآن، فهي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، وهي من الذكر الذي تكفل الله بحفظه. والأحاديث التي جاءت عن الرسول ﷺ كثيرة جداً، ولقد اعتنى بها العلماء غاية العناية، حيث ميزوا صحيحها من ضعيفها، ونقلوها إلينا بالأسانيد من طريق الرواة الثقاة العدول. ثمرات الإيمان بالكتب: ١ - العلم بعناية الله: حيث أنزل على كل قوم كتاباً يهديهم. ٢ - العلم بحكمة الله: حيث شرع لكل قوم ما يلائمهم. ٣ - التحرر من الهوى والنقص الذي يعتري أفكار البشر وتشريعاتهم.

стр. 67

رابعاً: الإيمان بالرسل هذا هو الركن الرابع من أركان الإيمان، والرسل: جمع رسول، وهو كل من أوحي إليه بشرع وأُمِر بتبليغه. وأول الرسل نوح، وآخرهم محمد عليهم الصلاة والسلام. ولم تَخْلُ أمةٌ من الأمم من رسول، يبعثه الله بشريعة مستقلة إلى قومه، أو نبي يوحي إليه بشرعة مَنْ قبله، ليجددها. والرسل بشر مخلوقون، ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، ولهذا تلحقهم خصائص البشرية من المرض والموت والحاجة إلى الطعام والشراب. والرسالة اصطفاء من الله، واختيار، ولا تأتي بالاكتساب، والمجاهدة. والرسل خير البشر، وصفوتهم، وخلاصتهم. والإيمان بالرسل يتضمن مايلي: ١ - الإيمان بأن رسالتهم حق؛ فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالرسل جميعاً، فالذي يكذب بعيسى أو موسى أو محمد أو غيرهم من الرسل فهو مكذب بجميع الرسل. وعلى هذا فالذين يؤمنون بعيسى، ويكذبون بمحمد ﵉ هم مكذبون بعيسى غير متبعين له؛ لأنه بَشَّرَ بمحمد ﷺ ولا معنى لبشارته لهم إلا أنه رسول إليهم ينقذهم الله به من الضلالة، ويهديهم إلى الصراط المستقيم. ٢ - الإيمان بما علمنا اسمه منهم باسمه كإبراهيم، وموسى، وعيسى،

стр. 68

ومحمد، وما لم نعلمه نؤمن به إجمالاً؛ أي نؤمن بأن لله رسلاً قد بعثهم إلى أممهم، ولا يلزم أن نعرفهم بأسمائهم. ٣ - تصديق ما صح من أخبارهم. ٤ - العمل بشريعة خاتمهم الذي أُرسل إلى الناس جميعاً وهو محمد ﷺ . من ثمرات الإيمان بالرسل: ١ - العلم برحمة الله، وعنايته بعباده: حيث أرسل إليهم الرسل ليهدوهم إلى صراط الله، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله، ويسيرون على طريق مستقيمة في هذه الحياة؛ لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك. ٢ - شكر الله على هذه النعمة. ٣ - محبة الرسل، وتعظيمهم والثناء عليهم بما يليق بهم؛ لأنهم رسل الله، ولأنهم قاموا بعبادة الله، وتبليغ دعوته، والنصح لعباده، ولأنهم خير البشر، وصفوتهم، وأحسنهم أخلاقاً، وأعظمهم عبادة.

стр. 69

خامساً: الإيمان باليوم الآخر اليوم الآخر: هو يوم القيامة الذي يُبعث الناس فيه للحساب والجزاء؛ وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده؛ حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم. ومعنى الإيمان باليوم الآخر: التصديق الجازم بإتيانه، والعمل بموجب ذلك. والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور: ١ - الإيمان بالبعث: وهو إحياء الموتى؛ حيث ينفخ في الصور، وهو قرن ينفخ فيه الملك الموكل بذلك، ويقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غُرْلاً أي غير مختونين. وهذا البعث مقتضى الحكمة؛ حيث تقتضي أن يجعل الله لهذه الخليقة معاداً يجازيهم فيه على ما كلفهم به على ألسنة رسله. ٢ - الإيمان بالجزاء والحساب: فيحاسب العبد على عمله، ويجازى عليه؛ فمن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون. والجزاء والحساب مقتضى الحكمة؛ فإن الله أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وفرض على العباد قبول ما جاء به الرسل، والعمل بما يجب العمل به. فلو لم يكن هناك حساب ولا جزاء لكان هذا من العبث الذي ينزه الله عنه. ثم إن العباد منهم البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فهل يليق بحكمة الله أن يكون هؤلاء سواء؟

стр. 70

الجواب: لا، قال - تعالى -: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:، ٣٥ ٣٦] . ٣ - الإيمان بالجنة والنار: وأنهما المآل الأبدي للخلق؛ فالجنة هي دار النعيم التي أعدَّها الله للمؤمنين المتقين الذين آمنوا بما أوجب الله عليهم الإيمان به، وقاموا بطاعة الله ورسله، مخلصين لله، متبعين لرسوله. وفي الجنة من أنواع النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. والناس في الجنة تتفاوت درجاتهم بحسب أعمالهم الصالحة. وأما النار فهي دار العذاب التي أعدَّها الله للكافرين الظالمين الذين كفروا به، وعصوا رسله. وفيها من أنواع النكال والعذاب ما لايخطر على البال. والنار دركات، وأهلها يتفاوتون في العذاب بحسب أعمالهم السيئة. ومما يلتحق بالإيمان باليوم الآخر: الإيمان بأشراط الساعة، وما في القيامة من الأهوال. ويلتحق فيه - أيضاً - الإيمان بكل ما يكون بعد الموت من: أ - فتنة القبر: وهي سؤال الميت بعد دفنه؛ حيث تُعادُ له الروح؛ فيُسأَل عن ربه، ودينه، ونبيه؛ فيُثَبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد. ويضل الله الظالمين، فيقول الكافر: هاه، هاه، لا أدري.

стр. 71

ويقول المنافق أو المرتاب: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. ب - عذاب القبر ونعيمه: فأما عذاب القبر، فيكون للظالمين من المنافقين والكافرين حيث يأتيهم من حَرِّ جهنم وعذابها ما يسوؤهم، ويضيِّق عليهم قبورهم. وأما نعيم القبر فللمؤمنين الصادقين، حيث يفتح لهم باب من أبواب الجنة، وتوسَّع عليهم قبورهم، ويأتيهم من نعيم الجنة ما تقر به عيونهم. ثمرات الإيمان باليوم الآخر: ١ - الرغبة في فعل الطاعات، والحرص عليها؛ رجاء لثواب ذلك اليوم. ٢ - الرهبة من فعل المعاصي، والحذر من الرضا بها؛ خوفاً من عقاب ذلك اليوم. ٣ - تسلية المؤمن عما يفوته في الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها. ٤ - الصبر على الأذى، والمصائب، واحتسابُ الأجر.

стр. 72

إنكار البعث بعد الموت والرد على هذا الزعم: أنكر الكافرون البعث بعد الموت زاعمين أن ذلك غير ممكن. وهذا الزعم باطل من وجوه عديدة منها: أ - الشرع: قال الله - تعالى -: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] . ب - أن الله هو الذي بدأ الخلق، والذي بدأه لا يعجزه إعادته. جـ - الحس: فقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، ومن ذلك أن قوم موسى ﵇ حين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾ [البقرة: ٥٥] ، أماتهم الله، ثم أحياهم. وفي قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل زمن موسى ﵇ فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوه ببعضها؛ ليخبرهم بمن قتله، ففعلوا ذلك فأحياه الله، وأخبر بمن قتله، ثم مات. وكذلك قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتواً ثم أحياهم. وكذلك ما أعطاه الله عيسى ﵇ من القدرة على إحياء الموتى بإذن الله، والأدلة على ذلك كثيرة جداً.

стр. 73

إنكار عذاب القبر ونعيمه والرد على هذا الزعم: ينكر بعض الناس عذاب القبر ونعيمه؛ بحجة أنه لو كُشِفَ عن الميت في قبره لَوُجِدَ كما كان، والقبر لم يتغير بسعة، ولا ضيق. وهذا الزعم باطل من وجوه عديدة منها: أ - الشرع: فأدلة الكتاب والسنة بيَّنت وقوع عذاب القبر ونعيمه، ولا تجوز معارضة هذه الأدلة بالرد والتكذيب. ب - الحس: ومن الأدلة الحسية التي تقرب المعنى، وتدل على عذاب القبر: أن النوم أخو الموت، والنائم يرى في منامه أنه بمكان فسيح يُنَعَّمُ به، أو يرى أنه في مكان موحش يتألم منه، وربما يستيقظ أحياناً مما رأى، وهو مع ذلك على فراشه وفي حجرته على ما هو عليه. ثم إن أحوال البرزخ في القبر لا يدركها الحس، ولو كانت تدرك بالحس لفاتت فائدة الإيمان بالغيب، ولتساوى المؤمن بالغيب والجاحد في التصديق به. ثم إن نعيم القبر وعذابه إنما يدركه الميت دون غيره، كما يرى النائم أنه في مكان موحش أو في مكان فسيح، وهو بالنسبة لغيره لم تتغير حاله، فهو يراه في منامه وبين فراشه وغطائه. ثم إن إدراك الخلق محدود بما مكنهم الله من إدراكه، ولا يمكن أن يدركوا كل شيء؛ فكما أن أبصارهم وأسماعهم لها حد تقف عنده فكذلك عقولهم ومداركهم لها حد تقف عنده. ومما ينبغي أن يُعْلَم في هذه المسألة أن عذاب القبر ونعيمه لا يختص بمن مات

стр. 74

ووضع في القبر، بل يشمل كل من مات، سواء وضع في قبره، أو كان في ثلاجة الموتى، أو كان في بطن سبع، أو كان في صحراء لم يدفن فيها، وإنما قيل عذاب القبر؛ لأن العادة جرت بدفن الموتى.

стр. 75

سادساً: الإيمان بالقدر القدر: هو تقدير الله للكائنات حسب ما سبق به علمه، واقتضته حكمته. وهو علم الله بالأشياء، وكتابته ومشيئته وخلقه لها. ومعنى الإيمان بالقدر: أن يؤمن الإنسان بأن الله يعلم ما يكون وما كان، وما سيكون، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأه لا يكون، وأن الله كتب مقادير الخلائق؛ فلا يقع شيء إلا بعلم الله، وكتابته، ومشيئته وخلقه. ويؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ويؤمن - مع ذلك - بأن الله قد أمر بطاعته، ونهى عن معصيته، فيفعل الطاعة؛ رجاء ثواب الله، ويترك المعصية؛ خوفاً من عقابه؛ فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله. ومن تمام الإيمان بالقدر: أن يأخذ الإنسان بالأسباب، ويسعى في مصالحه الدنيوية، ويسلك الطرق الصحيحة الموصلة إليها، فيضرب في الأرض، ويسعى لطلب الرزق؛ فإن أتت الأمور على ما يريد حمد الله، وإن أتت على خلاف ما يريد تعزى بقدر الله. والإيمان بالقدر على هذا النحو، يثمر سكون القلب، وطمأنينة النفس، وراحة البال، وترك التحسر على ما فات، ويورث الإنسان الشجاعة، والإقدام، وطرد اليأس، وقوة الاحتمال. ولهذا يجد المؤمنون بالقضاء والقدر راحة، وطمأنينة لا يجدها غيرهم ممن لا يؤمنون بقضاء الله وقدره.
следующие страницы →