← Общие книги

Общие книги · id 8382

الطريق إلى الإسلام

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (102 стр.). Показаны 71–102 · переход к 76.

стр. 71

ويقول المنافق أو المرتاب: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. ب - عذاب القبر ونعيمه: فأما عذاب القبر، فيكون للظالمين من المنافقين والكافرين حيث يأتيهم من حَرِّ جهنم وعذابها ما يسوؤهم، ويضيِّق عليهم قبورهم. وأما نعيم القبر فللمؤمنين الصادقين، حيث يفتح لهم باب من أبواب الجنة، وتوسَّع عليهم قبورهم، ويأتيهم من نعيم الجنة ما تقر به عيونهم. ثمرات الإيمان باليوم الآخر: ١ - الرغبة في فعل الطاعات، والحرص عليها؛ رجاء لثواب ذلك اليوم. ٢ - الرهبة من فعل المعاصي، والحذر من الرضا بها؛ خوفاً من عقاب ذلك اليوم. ٣ - تسلية المؤمن عما يفوته في الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها. ٤ - الصبر على الأذى، والمصائب، واحتسابُ الأجر.

стр. 72

إنكار البعث بعد الموت والرد على هذا الزعم: أنكر الكافرون البعث بعد الموت زاعمين أن ذلك غير ممكن. وهذا الزعم باطل من وجوه عديدة منها: أ - الشرع: قال الله - تعالى -: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] . ب - أن الله هو الذي بدأ الخلق، والذي بدأه لا يعجزه إعادته. جـ - الحس: فقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، ومن ذلك أن قوم موسى ﵇ حين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾ [البقرة: ٥٥] ، أماتهم الله، ثم أحياهم. وفي قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل زمن موسى ﵇ فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوه ببعضها؛ ليخبرهم بمن قتله، ففعلوا ذلك فأحياه الله، وأخبر بمن قتله، ثم مات. وكذلك قصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتواً ثم أحياهم. وكذلك ما أعطاه الله عيسى ﵇ من القدرة على إحياء الموتى بإذن الله، والأدلة على ذلك كثيرة جداً.

стр. 73

إنكار عذاب القبر ونعيمه والرد على هذا الزعم: ينكر بعض الناس عذاب القبر ونعيمه؛ بحجة أنه لو كُشِفَ عن الميت في قبره لَوُجِدَ كما كان، والقبر لم يتغير بسعة، ولا ضيق. وهذا الزعم باطل من وجوه عديدة منها: أ - الشرع: فأدلة الكتاب والسنة بيَّنت وقوع عذاب القبر ونعيمه، ولا تجوز معارضة هذه الأدلة بالرد والتكذيب. ب - الحس: ومن الأدلة الحسية التي تقرب المعنى، وتدل على عذاب القبر: أن النوم أخو الموت، والنائم يرى في منامه أنه بمكان فسيح يُنَعَّمُ به، أو يرى أنه في مكان موحش يتألم منه، وربما يستيقظ أحياناً مما رأى، وهو مع ذلك على فراشه وفي حجرته على ما هو عليه. ثم إن أحوال البرزخ في القبر لا يدركها الحس، ولو كانت تدرك بالحس لفاتت فائدة الإيمان بالغيب، ولتساوى المؤمن بالغيب والجاحد في التصديق به. ثم إن نعيم القبر وعذابه إنما يدركه الميت دون غيره، كما يرى النائم أنه في مكان موحش أو في مكان فسيح، وهو بالنسبة لغيره لم تتغير حاله، فهو يراه في منامه وبين فراشه وغطائه. ثم إن إدراك الخلق محدود بما مكنهم الله من إدراكه، ولا يمكن أن يدركوا كل شيء؛ فكما أن أبصارهم وأسماعهم لها حد تقف عنده فكذلك عقولهم ومداركهم لها حد تقف عنده. ومما ينبغي أن يُعْلَم في هذه المسألة أن عذاب القبر ونعيمه لا يختص بمن مات

стр. 74

ووضع في القبر، بل يشمل كل من مات، سواء وضع في قبره، أو كان في ثلاجة الموتى، أو كان في بطن سبع، أو كان في صحراء لم يدفن فيها، وإنما قيل عذاب القبر؛ لأن العادة جرت بدفن الموتى.

стр. 75

سادساً: الإيمان بالقدر القدر: هو تقدير الله للكائنات حسب ما سبق به علمه، واقتضته حكمته. وهو علم الله بالأشياء، وكتابته ومشيئته وخلقه لها. ومعنى الإيمان بالقدر: أن يؤمن الإنسان بأن الله يعلم ما يكون وما كان، وما سيكون، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأه لا يكون، وأن الله كتب مقادير الخلائق؛ فلا يقع شيء إلا بعلم الله، وكتابته، ومشيئته وخلقه. ويؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ويؤمن - مع ذلك - بأن الله قد أمر بطاعته، ونهى عن معصيته، فيفعل الطاعة؛ رجاء ثواب الله، ويترك المعصية؛ خوفاً من عقابه؛ فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله. ومن تمام الإيمان بالقدر: أن يأخذ الإنسان بالأسباب، ويسعى في مصالحه الدنيوية، ويسلك الطرق الصحيحة الموصلة إليها، فيضرب في الأرض، ويسعى لطلب الرزق؛ فإن أتت الأمور على ما يريد حمد الله، وإن أتت على خلاف ما يريد تعزى بقدر الله. والإيمان بالقدر على هذا النحو، يثمر سكون القلب، وطمأنينة النفس، وراحة البال، وترك التحسر على ما فات، ويورث الإنسان الشجاعة، والإقدام، وطرد اليأس، وقوة الاحتمال. ولهذا يجد المؤمنون بالقضاء والقدر راحة، وطمأنينة لا يجدها غيرهم ممن لا يؤمنون بقضاء الله وقدره.

стр. 76

ولهذا يشيع الانتحار في البلاد الكافرة التي لا يؤمن أهلها بالله وقدره؛ فتراهم لا يحتملون أدنى مصيبة تنزل بهم. أما المؤمنون بالقدر فلا تكاد توجد عندهم أدنى نسبة للانتحار؛ بسبب أنهم يؤمنون بأن ما أصابهم إنما هو بقضاء الله وقدره، ويؤمنون بأن الله لا يُقَدِّر لعبده المؤمن إلا الخير، حتى وإن كان القضاء مراً؛ فإن عاقبته حميدة للمؤمن إن رضي بقدر الله.

стр. 77

العبادة في الإسلام تعريفها: العبادة في الإسلام هي: التقرب إلى الله بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. وهي شاملة لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وروح العبادة، ولبها، وحقيقتها تحقيق الحب والخضوع لله - تعالى -. شروط العبادة: لا تقبل العبادة إلا إذا اجتمع فيها شرطان: ١ - الإخلاص لله. ٢ - المتابعة لرسوله ﷺ . ومعنى ذلك: أنه لابد من أن تكون العبادة خالصة لله، وأن تكون موافقة لما جاء به الرسول ﷺ فلا يعبد إلا الله، ولا يعبد إلا بما شرع. فالصلاة على سبيل المثال عبادة لا تصرف إلا لله، أي لا تُصلَّى إلا لله، وبهذا يتحقق الإخلاص. ولا يصلى إلا كما جاء عن رسول الله ﷺ من كيفية الصلاة، وبهذا تتحقق الموافقة والمتابعة للرسول ﷺ . ولسائل أن يسأل: ما الحكمة من اشتراط هذين الشرطين لصحة العبادة؟. والجواب عن ذلك من عدة وجوه: ١ - أن الله أمر بإخلاص العبادة له وحده؛ فعبادة غيره معه شرك به، قال - تعالى -: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩] .

стр. 78

٢ - أن الله - تعالى - اختص نفسه بالتشريع؛ فهو حقه وحده، ومن تعبد بغير ما شرع الله فقد شارك الله في تشريعه. ٣ - أن الله أكمل لنا الدين، فالذي يخترع عبادة من عنده يكون مستدركاً على الدين، متهماً له بالنقص. ٤ - أنه لو جاز للناس أن يتعبدوا بما شاءوا كيفما شاءوا - لأصبح لكل إنسان طريقته الخاصة بالعبادة، ولأصبح - ت حياة الناس جحيماً لا يُطاق؛ إذ يسود التناحر والتنافر؛ لاختلاف الأذواق، والدين إنما يأمر بالاتفاق والائتلاف. أنواع العبادة: أنواع العبادة كثيرة كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإماطة الأذى عن الطريق، والإحسان إلى الأيتام والمساكين وابن السبيل والحيوان، وغير ذلك. ومن أنواع العبادة: الذكر، والدعاء، والاستعاذة بالله، والاستعانة به، والتوكل عليه، والتوبة، والاستغفار. ومنها: الصبر، والشكر، والرضا، والخوف، والمحبة، والرجاء، والحياء. فضائل العبادة: العبادة في الإسلام هي الغاية المحبوبة لله، والمرضية له، التي خلق لأجلها الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وهي التي مدح القائمين بها، وذم المستكبرين عنها. والعبادة في الإسلام لم تشرع للتضييق على الناس، ولا لإيقاعهم في الحرج،

стр. 79

وإنما شرعت لحِكَمٍ عظيمة، ومصالح كثيرة، لا يحاط بعدّها وحصرها. فمن فضائل العبادة: أنها تزكي النفوس، وتطهرها، وتسمو بها إلى أعلى درجات الكمال الإنساني. ومن فضائلها: أن الإنسان محتاج إليها أعظم الحاجة، بل هو مضطر لها أشد الضرورة؛ فالإنسان بطبعه ضعيف، فقير إلى الله، وكما أن جسده بحاجة إلى الطعام والشراب - فكذلك قلبه وروحه بحاجة إلى العبادة والتوجه إلى الله، بل إن حاجة قلبه وروحه إلى العبادة أعظم بكثير من حاجة جسده إلى الطعام والشراب؛ فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، ولا صلاح لهما إلا بالتوجه إلى الله بالعبادة؛ فلا تطمئن النفوس في الدنيا إلا بذكر الله وعبادته، ولو حصل للعبد لذَّات أو سرور بغير الله فلا يدوم، وقد يكون ذلك الذي يتلذذ به لا لذة فيه ولا سرور أصلاً. أما السرور بالله والأُنس به فهو سرور لا ينقطع ولا يزول؛ فهو الكمال، والجمال، والسرور الحقيقي؛ فمن أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية لله وحده؛ ولهذا فإن أهل العبادة الحقة هم أسعد الناس، وأشرحهم صدراً. ولا يوجد ما يسكن إليه العبد ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه حقاً إلا الله. ومن فضائل العبادة: أنها تسهل على العبد فعل الخيرات، وترك المنكرات، وتسليه عند المصائب، وتخفف عليه المكاره، وتهون الآلام، فيتلقاها بصدر منشرح، ونفسٍ مطمئنة.

стр. 80

ومن فضائلها: أن العبد يتحرر بعبوديته لربه من رق المخلوقين، والتعلق بهم، وخوفهم، ورجائهم؛ وبهذا يكون عزيز الجانب، مرفوع الرأس، عالي القدر. وأعظم فضائلها: أنها هي السبب الأعظم لنيل رضا الله، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.

стр. 81

الردة عن الإسلام مر بنا فيما مضى حديث عن الحرية وأن الإسلام يكفل الحريات ويحفظها ويضبطها بالضوابط التي تجعل منها أداة خير وتعمير ولا معول هدم وتدمير. ومما ينافي هذه الحرية الردة عن الإسلام بعد الدخول فيه ومما يحفظ هذه الحرية منع الداخل في الإسلام أن يرتد عنه. ولهذا قال النبي ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث إحداها: التارك لدينه المفارق للجماعة". وقال ﵊: "من بدل دينه فاقتلوه". وقت المرتد ليس من التدخل في الشؤون الشخصية ولا من الإرهاب بل إن الردة وإصرار المرتد عليها ضرر على الآخرين كما سيأتي بيان ذلك. وإنما جبر على البقاء في الإسلام وحكم بقتله إذا رفض لأسباب وحكم عظيمة منها: أن تركه على الردة سيكون سببا في هد بنيان نظام الأمة وتخلخل خير أمة أخرجت للناس فالمبيح قتله هو الكفر بعد الإيمان وهو نوع خاص من الكفر فإنه لو لم يقتل ذلك لكان الداخل في الدين يخرج منه فقتله حفظ لأهل الدين وللدين فإن ذلك يمنعهم من النقص ويمنعهم من الخروج

стр. 82

بخلاف من لم يدخل فيه. ومما ينبغي أن يعلم أن الإسلام جاء بما يسمى بحفظ الضروريات الخمس وحرم التعدي عليها وهي: الدين والنفس والعرض والعقل والمال وأهم هذه الضروريات الدين. وإذا كان التعدي على النفس أو العرض أو العقل أو المال يعد جرما عظيما فإن التعدي على الدين بالردة أعظم منه وأشد. وذلك لما مضى ذكره من الأسباب وأن من ارتد عن الإسلام بعد دخوله فيه وإدراكه له كان خارجا عن الحق والمنطق ومنكرا للدليل والبرهان وحائدا عن العقل السليم والفطرة السوية. وحين يصل الإنسان إلى هذا المستوى يكون قد هوى إلى أقصى دركات الانحطاط. ومثل هذا الإنسان لا ينبغي المحافظة على حياته ولا الحرص على بقائه لأن حياته ليست لها غاية كريمة ولا مقصد نبيل. وبالجملة فإن الارتداد عن الإسلام خروج على العقيدة وشذوذ عن الجماعة وإضعاف للأمة وتكثير لسواد الأعداء وإفشاء لأسرار المسلمين. ثم إن في جعل عقوبة المرتد إباحة دمه زاجرا للأمم الأخرى عن الدخول في الدين نفاقا لأهله وباعثا لهم على التثبيت من أمره فلا يدخلونه إلا على بصيرة وسلطان مبين لأن الداخل في الدين نفاقا يتعسر عليه الاستمرار على الإسلام وإقامة شعائره.

стр. 83

وإذا نظرت في تاريخ الإسلام الطويل تبحث عن حال من ارتدوا بعد الإسلام لا تجد من ارتد عن الدين رغبة عنه وسخطة عليه. وإذا وجدت فلا تجد سوى طائفتين: منهم من دخل الإسلام منافقا قضى وطره أو انقطع أمله انقلب على وجهه خاسرا وذلك كحال من يسلم لمكيد يقصد بها الصد عن دين الله كما حصل من بعض اليهود في أول عهد الدعوة حينما تمالأ نفر منهم بأن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره من أجل إحداث بلبلة في صفوف المؤمنين لأن اليهود أهل كتاب فإذا حصل منهم الردة وقع في بعض النفوس الضعيفة أن هؤلاء اليهود لو لم يتبينوا خطأ هذا الدين لما رجعوا عنه. ومنهم من لم يعرف حقائق الدين ولم يتلق عقائده ببراهين تربط على قلبه ليكون من الموقنين فمتى عرضت له شبهة من الباطل تزلزلت عقيدته وأصبح في ريبه مترددا. وقد يكون ممن يريد إطلاق العنان لشهواته أيا كانت فلا يريد أن يقف الدين عائقا له عن ذلك. ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا لاصدد أن للإنسان قبل أن يؤمن بالإسلام الحق في أن يؤمن أو يكفر فإذا رغب في اعتناق أي دين من الأديان فلا اعتراض عليه ويبقى له حق الحياة والأمن والعيش بسلام. وإذا رغب في الإسلام ودخل فيه وآمن به فعليه أن يخلص له ويتجاوب معه.

стр. 84

فإذا ارتد عن الإسلام بعد ذلك ونبذ قواعده وسفه شعائره ومقدساته – فهل من حقه أن يطالب المسلمين بأن يهيؤا له الحياة الكريمة؟! إن محاولة إقناع المسلمين بهذا الوضع سفه وضلال. وأخيرا فإن المرتد لا تثبت ردته إلا بشهادة اثنين أو اعترافه أو نطقه بذلك. وإذا ثبتت ردته طولب بالعودة والرجوع إلى الدين. وإذا أصر فليس لأي أحد أن يقوم بقتله وإنما ذلك لولي أمر المسلمين.

стр. 85

مكانة المرأة في الإسلام لقد رفع الإسلام مكانة المرأة، وأكرمها بما لم يكرمها به دين سواه؛ فالنساء في الإسلام شقائق الرجال، وخير الناس خيرهم لأهله؛ فالمسلمة في طفولتها لها حق الرضاع، والرعاية، وإحسان التربية، وهي في ذلك الوقت قرة العين، وثمرة الفؤاد لوالديها وإخوانها. وإذا كبرت فهي المعززة المكرمة، التي يغار عليها وليها، ويحوطها برعايته، فلا يرضى أن تمتد إليها أيد بسوء، ولا ألسنة بأذى، ولا أعين بخيانة. وإذا تزوجت كان ذلك بكلمة الله، وميثاقه الغليظ؛ فتكون في بيت الزوج بأعز جوار، وأمنع ذمار، وواجب على زوجها إكرامها، والإحسان إليها، وكف الأذى عنها. وإذا كانت أماً كان برُّها مقروناً بحق الله - تعالى - وعقوقها والإساءة إليها مقروناً بالشرك بالله، والفساد في الأرض. وإذا كانت أختاً فهي التي أُمر المسلم بصلتها، وإكرامها، والغيرة عليها. وإذا كانت خالة كانت بمنزلة الأم في البر والصلة. وإذا كانت جدة، أو كبيرة في السن زادت قيمتها لدى أولادها، وأحفادها، وجميع أقاربها؛ فلا يكادر يرد لها طلب، ولا يُسَفَّه لها رأي. وإذا كانت بعيدة عن الإنسان لا يدنيها قرابة أو جوار كان له حق الإسلام العام من كف الأذى، وغض البصر ونحو ذلك. وما زالت مجتمعات المسلمين ترعى هذه الحقوق حق الرعاية، مما جعل للمرأة

стр. 86

قيمة واعتباراً لا يوجد لها عند المجتمعات غير المسلمة. ثم إن للمرأة في الإسلام حق التملك، والإجارة، والبيع، والشرء، وسائر العقود، ولها حق التعلم، والتعليم، بما لا يخالف دينها، بل إن من العلم ما هو فرض عين يأثم تاركه ذكراً أم أنثى. بل إن لها ما للرجال إلا بما تختص به من دون الرجال، أو بما يختصون به دونها من الحقوق والأحكام التي تلائم كُلاً منهما على نحو ما هو مفصل في مواضعه. ومن إكرام الإسلام للمرأة أن أمرها بما يصونها، ويحفظ كرامتها، ويحميها من الألسنة البذيئة، والأعين الغادرة، والأيدي الباطشة؛ فأمرها بالحجاب والستر، والبعد عن التبرج، وعن الاختلاط بالرجال الأجانب، وعن كل ما يؤدي إلى فتنتها. ومن إكرام الإسلام لها: أن أمر الزوج بالإنفاق عليها، وإحسان معاشرتها، والحذر من ظلمها، والإساءة إليها. بل ومن المحاسن - أيضاً - أن أباح للزوجين أن يفترقا إذا لم يكن بينهما وفاق، ولم يستطيعا أن يعيشا عيشة سعيدة؛ فأباح للزوج طلاقها بعد أن تخفق جميع محاولات الإصلاح، وحين تصبح حياتهما جحيماً لا يطاق. وأباح للزوجة أن تفارق الزوج إذا كان ظالماً لها، سيئاً في معاشرتها، فلها أن تفارقه على عوض تتفق مع الزوج فيه، فتدفع له شيئاً من المال، أو تصطلح معه على شيء معين ثم تفارقه. ومن إكرام الإسلام للمرأة: أن أباح للرجل أن يعدد، فيتزوج بأكثر

стр. 87

من واحدة، فأباح له أن يتزوج اثنتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً، ولا يزيد عن أربع بشرط أن يعدل بينهن في النفقة، والكسوة، والمبيت، وإن اقتصر الزوج على واحدة فله ذلك. هذا وإن في التعدد حكماً عظيمة، ومصالح كثيرة لا يدركها الذين يطعنون في الإسلام، ويجهلون الحكمة من تشريعاته، ومما يبرهن على الحكمة من مشروعية التعدد مايلي: ١ - أن الإسلام حرم الزنا، وشدَّد في تحريمه؛ لما فيه من المفاسد العظيمة التي تفوق الحصر والعد، والتي منها: اختلاط الأنساب، وقتل الحياء، والذهاب بالشرف وكرامة الفتاة؛ إذ الزنا يكسوها عاراً لا يقف حده عندها، بل يتعداه إلى أهلها وأقاربها. ومن أضرار الزنا: أن فيه جناية على الجنين الذي يأتي من الزنا؛ حيث يعيش مقطوع النسب، محتقراً ذليلاً. ومن أضراره: ما ينتج عنه من أمراض نفسية وجسدية يصعب علاجها، بل ربما أودت بحياة الزاني كالسيلان، والزهري، والهربس، والإيدز، وغيرها. والإسلام حين حرَّم الزنا وشدَّد في تحريمه فتح باباً مشروعاً يجد فيه الإنسان الراحة، والسكن، والطمأنينة ألا وهو الزواج، حيث شرع الزواج، وأباح التعدد فيه كما مضى. ولا ريب أن منع التعدد ظلم للرجل وللمرأة؛ فمنعه قد يدفع إلى الزنا؛ لأن عدد النساء يفوق عدد الرجال في كل زمان ومكان، ويتجلى ذلك في أيام

стр. 88

الحروب؛ فَقَصْر الزواج على واحدة يؤدي إلى بقاء عدد كبير من النساء دون زواج، وذلك يسبب لهن الحرج، والضيق، والتشتت، وربما أدى بهن إلى بيع العرض، وانتشار الزنا، وضياع النسل. ٢ - أن الزواج ليس متعة جسدية فحسب: بل فيه الراحة، والسكن، وفيه - أيضاً - نعمة الولد، والولد في الإسلام ليس كغيره في النظم الأرضية؛ إذ لوالديه أعظم الحق عليه؛ فإذا رزقت المرأة أولاداً، وقامت على تربيتهم كانوا قرة عين لها؛ فأيهما أحسن للمرأة: أن تنعم في ظل رجل يحميها، ويحوطها، ويرعاها، وترزق بسببه الأولاد الذين إذا أحسنت تربيتهم وصلحوا كانوا قرة عين لها؟ أو أن تعيش وحيدة طريدة ترتمي هنا وهناك؟!. ٣ - أن نظرة الإسلام عادلة متوازنة: فالإسلام ينظر إلى النساء جميعهن بعدل، والنظرة العادلة تقول بأنه لابد من النظر إلى جميع النساء بعين العدل. إذا كان الأمر كذلك؛ فما ذنب العوانس اللاتي لا أزواج لهن؟ ولماذا لا ينظر بعين العطف والشفقة إلى من مات زوجها وهي في مقتبل عمرها؟ ولماذا لا ينظر إلى النساء الكثيرات اللواتي قعدن بدون زواج؟. أيهما أفضل للمرأة: أن تنعم في ظل زوج معه زوجة أخرى، فتطمئن نفسها، ويهدأ بالها، وتجد من يرعاها، وترزق بسببه الأولاد، أو أن تقعد بلا زواج البتة؟. وأيهما أفضل للمجتمعات: أن يعدد بعض الرجال فيسلم المجتمع من تبعات العنوسة أو ألا يعدد أحد، فتصطلي المجتمعات بنيران الفساد؟.

стр. 89

وأيهما أفضل: أن يكون للرجل زوجتان أو ثلاث أو أربع أو أن يكون له زوجة واحدة وعشر عشيقات، أو أكثر أو أقل؟. ٤ - أن التعدد ليس واجباً: فكثير من الأزواج المسلمين لا يعددون؛ فطالما أن المرأة تكفيه، أو أنه غير قادر على العدل فلا حاجة له في التعدد. ٥ - أن طبيعة المرأة تختلف عن طبيعة الرجل: وذلك من حيث استعدادها للمعاشرة؛ فهي غير مستعدة للمعاشرة في كل وقت، ففي الدورة الشهرية مانع قد يصل إلى عشرة أيام، أو أسبوعين كل شهر. وفي النفاس مانع - أيضاً - والغالب فيه أنه أربعون يوماً، والمعاشرة في هاتين الفترتين محظورة شرعاً، لما فيها من الأضرار التي لا تخفى. وفي حال الحمل قد يضعف استعداد المرأة في معاشرة الزوج، وهكذا. أما الرجل فاستعداده واحد طيلة الشهر، والعام؛ فبعض الرجال إذا منع من التعدد قد يؤول به الأمر إلى الزنا. ٦ - قد تكون الزوجة عقيماً لا تلد: فيُحْرَمُ الزوج من نعمة الولد، فبدلاً من تطليقها يبقي عليها، ويتزوج بأخرى ولود. وقد يقال: وإذا كان الزوج عقيماً والزوجة ولوداً؛ فهل للمرأة الحق في الفراق؟. والجواب: نعم فلها ذلك إن أرادت. ٧ - قد تمرض الزوجة مرضاً مزمناً: كالشلل وغيره، فلا تستطيع القيام على خدمة الزوج؛ فبدلاً من تطليقها يبقي عليها، ويتزوج بأخرى.

стр. 90

٨ - قد يكون سلوك الزوجة سيئاً: فقد تكون شرسة، سيئة الخلق لا ترعى حق زوجها؛ فبدلاً من تطليقها يبقي الزوج عليها، ويتزوج بأخرى؛ وفاء للزوجة، وحفظاً لحق أهلها، وحرصاً على مصلحة الأولاد من الضياع إن كان له أولاد منها. ٩ - أن قدرة الرجل على الإنجاب أوسع بكثير من قدرة المرأة: فالرجل يستطيع الإنجاب إلى ما بعد الستين، بل ربما تعدى المائة وهو في نشاطه وقدرته على الإنجاب. أما المرأة فالغالب أنها تقف عن الإنجاب في حدود الأربعين، أو تزيد عليها قليلاً؛ فمنع التعدد حرمان للأمة من النسل. ١٠ - أن في الزواج من ثانية راحة للأولى: فالزوجة الأولى ترتاح قليلاً أو كثيراً من أعباء الزوجية؛ إذ يوجد من يعينها ويأخذ عنها نصيباً من أعباء الزوج. ولهذا، فإن بعض العاقلات إذا كبرت في السن وعجزت عن القيام بحق الزوج أشارت عليه بالتعدد. ١١ - التماس الأجر: فقد يتزوج الإنسان بامرأة مسكينة لا عائل لها، ولا راع، فيتزوجها بنيَّة إعفافها، ورعايتها، فينال الأجر من الله بذلك. ١٢ - أن الذي أباح التعدد هو الله : فهو أعلم بمصالح عباده، وأرحم بهم من أنفسهم. وهكذا يتبين لنا حكمة الإسلام، وشمول نظرته في إباحة التعدد، ويتبين لنا جهل من يطعنون في تشريعاته.

стр. 91

ومن إكرام الإسلام للمرأة أن جعل لها نصيباً من الميراث؛ فللأم نصيب معين، وللزوجة نصيب معين، وللبنت وللأخت ونحوها نصيب على نحو ما هو مُفَصَّل في موضعه. ومن تمام العدل أن جعل الإسلام للمرأة من الميراث نصف ما للرجل، وقد يظن بعض الجهلة أن هذا من الظلم؛ فيقولون: كيف يكون للرجل مثل حظ الأنثيين من الميراث؟ ولماذا يكون نصيب المرأة نصف نصيب الرجل؟. والجواب أن يقال: إن الذي شرع هذا هو الله الحكيم العلم بمصالح عباده. ثم أي ظلم في هذا؟ إن نظام الإسلام متكامل مترابط؛ فليس من العدل أن يؤخذ نظام، أو تشريع، ثم ينظر إليه من زاوية واحدة دون ربطه بغيره، بل ينظر إليه من جميع جوانبه؛ فتتضح الصورة، ويستقيم الحكم. ومما يتبين به عدل الإسلام في هذه المسألة: أن الإسلام جعل نفقة الزوجة واجبة على الزوج، وجعل مهر الزوجة واجب على الزوج - أيضاً -. ولنفرض أن رجلاً مات، وخلَّف ابناً، وبنتاً، وكان للابن ضعف نصيب أخته، ثم أخذ كل منهما نصيبه، ثم تزوج كل منهما؛ فالابن إذا تزوج فإنه مطالب بالمهر، والسكن، والنفقة على زوجته وأولاده طيلة حياته. أما أخته فسوف تأخذ المهر من زوجها، وليست مطالبة بشيء من نصيبها لتصرفه على زوجها، أو نفقة بيتها أو على أولادها؛ فيجتمع لها ما ورثته من أبيها، مع مهرها من زوجها، مع أنها لا تُطَالب بالنفقة على نفسها وأولادها. أليس إعطاء الرجل ضعف ما للمرأة هو العدل بعينه إذاً؟

стр. 92

هذه هي منزلة المرأة في الإسلام؛ فأين النظم الأرضية من نظم الإسلام العادلة السماوية، فالنظم الأرضية لا ترعى للمرأة كرامتها، حيث يتبرأ الأب من ابنته حين تبلغ سن الثامنة عشرة أو أقل؛ لتخرج هائمة على وجهها تبحث عن مأوى يسترها، ولقمة تسد جوعتها، وربما كان ذلك على حساب الشرف، ونبيل الأخلاق. وأين إكرام الإسلام للمرأة، وجعلها إنساناً مكرماً من الأنظمة التي تعدها مصدر الخطيئة، وتسلبها حقها في الملكية والمسؤولية، وتجعلها تعيش في إذلال واحتقار، وتعدها مخلوقاً نجساً؟. وأين إكرام الإسلام للمرأة ممن يجعلون المرأة سلعة يتاجرون بجسدها في الدعايات والإعلانات. وأين إكرام الإسلام لها من الأنظمة التي تعد الزواج صفقة مبايعة تنتقل فيه الزوجة؛ لتكون إحدى ممتلكات الزوج؟ حتى إن بعض مجامعهم انعقدت؛ لتنظر في حقيقة المرأة وروحها أهل هي من البشر أو لا؟!. وهكذا نرى أن المرأة المسلمة تسعد في دنياها مع أسرتها وفي كنف والديها، ورعاية زوجها، وبر أبنائها سواء في حال طفولتها، أو شبابها، أو هرمها، وفي حال فقرها أو غناها، أو صحتها أو مرضها. وإن كان هناك من تقصير في حق المرأة في بعض بلاد المسلمين أو من بعض المنتسبين إلى الإسلام - فإنما هو بسبب القصور والجهل، والبُعد عن تطبيق

стр. 93

شرائع الدين، والوزر في ذلك على من أخطأ - والدين براء من تبعة تلك النقائص. وعلاج ذلك الخطأ إنما يكون بالرجوع إلى هداية الإسلام وتعاليمه؛ لعلاج الخطأ. هذه هي منزلة المرأة في الإسلام على سبيل الإجمال: عفة، وصيانة، ومودة، ورحمة، ورعاية، وتذمم إلى غير ذلك من المعاني الجميلة السامية. أما الحضارة المعاصرة فلا تكاد تعرف شيئاً من تلك المعاني، وإنما تنظر للمرأة نظرة مادية بحتة، فترى أن حجابها وعفتها تخلف ورجعية، وأنها لابد أن تكون دمية يعبث بها كل ساقط؛ فذلك سر السعادة عندهم. وما علموا أن تبرج المرأة وتهتكها هو سبب شقائها وعذابها. وإلا فما علاقة التطور والتعليم بالتبرج وإظهار المفاتن، وإبداء الزينة، وكشف الصدور، والأفخاذ، وما هو أشد؟!. وهل من وسائل التعليم والثقافة ارتداء الملابس الضيقة والشفافة والقصيرة؟!. ثم أي كرامة حين توضع صور الحسناوات في الإعلانات والدعايات؟! ولماذا لا تروج عندهم إلا الحسناء الجميلة، فإذا استنفذت السنوات جمالها وزينتها أهملت ورميت كأي آلة انتهت مدة صلاحيتها؟!. وما نصيب قليلة الجمال من هذه الحضارة؟ وما نصيب الأم المسنة، والجدة، والعجوز؟. إن نصيبها في أحسن الأحوال يكون في الملاجئ، ودور العجزة والمسنين؛ حيث لا تُزار ولا يُسأل عنها.

стр. 94

وقد يكون لها نصيب من راتب تقاعد، أو نحوه، فتأكل منه حتى تموت؛ فلا رحم هناك، ولا صلة، ولا ولي حميم. أما المرأة في الإسلام فكلما تقدم السن بها زاد احترامها، وعظم حقها، وتنافس أولادها وأقاربها على برها - كما سبق - لأنها أدَّت ما عليها، وبقي الذي لها عند أبنائها، وأحفادها، وأهلها، ومجتمعها. أما الزعم بأن العفاف والستر تخلف ورجعية - فزعم باطل، بل إن التبرج والسفور هو الشقاء والعذاب، والتخلف بعينه، وإذا أردت الدليل على أن التبرج هو التخلف فانظر إلى انحطاط خصائص الجنس البشري في الهمج العراة الذين يعيشون في المتاهات والأدغال على حال تقرب من البهيمية؛ فإنهم لا يأخذون طريقهم في مدارج الحضارة إلا بعد أن يكتسوا. ويستطيع المراقب لحالهم في تطورهم أن يلاحظ أنهم كلما تقدموا في الحضارة زادت نسبة المساحة الكاسية من أجسادهم، كما يلاحظ أن الحضارة الغربية في انتكاسها تعود في هذا الطريق القهقرى درجة درجة حتى تنتهي إلى العري الكامل في مدن العراة التي أخذت في الانتشار بعد الحرب العالمية الأولى، ثم استفحل داؤها في السنوات الأخيرة. وهكذا تبين لنا عظم منزلة المرأة في الإسلام، ومدى ضياعها وتشردها إذا هي ابتعدت عن الإسلام.

стр. 95

تساؤل وبعد أن تبيَّن لك أيها القارىء الكريم من خلال الصفحات الماضية عظمةُ دين الإسلام، وشموله، وعدله، ومدى حاجة البشرية إليه - قد يخطر ببالك تساؤل فتقول: إذا كان الإسلام بهذه العظمة والشموع والعدل - فلماذا لا نرى أهله في مقدمة الأمم في هذا العصر؟ ولماذا نرى كثيراً منهم بعيداً عن الاتصاف بما يأمر به الدين؟ وما مدى صحة ما يقال بأن الإسلام دين تطرف، وإرهاب؟. والجواب عن ذلك يسير بحمد الله، وذلك من عدة وجوه: ١ - أن حال المسلمين في عصورهم المتأخرة لاتمثل حقيقة الإسلام: فمن الظلم وقصور النظر أن تُجْعَلَ حالُ المسلمين في هذه العصور المتأخرة - هي الصورة التي تمثل الإسلام، فيُظنَّ أن الإسلام لم يَرْفَعْ عنهم الذلة، ولا التفرق، ولا الفقر؛ فعلى من يريد الحقيقة بعدل وإنصاف أن ينظر إلى دين الإسلام من خلال مصادره الصحيحة من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه سلف الأمة الصالح، وأن ينظر إلى الإسلام من خلال الكتب التي تتحدث عنه بعدل وعلم، فسيتبين له أن الإسلام يدعو إلى كل صلاح ديني ودنيوي، وأنه يحث على الاستعداد لتعلم العلوم النافعة، وأنه يدعو إلى تقوية العزائم، وجمع الكلمة. ثم إن انحرافات بعض المنتسبين إلى الإسلام - قَلَّتْ أو كثرت - لا يجوز بحال من الأحوال أن تحسب على الدين، أو أن يعاب بها، بل هو براء منها، وتبعة الانحراف تعود على المنحرفين أنفسهم؛ لأن الإسلام لم يأمرهم بذلك؛ بل نهاهم

стр. 96

وزجرهم عن الانحراف عما جاء به. ثم إن العدل يقتضي بأن يُنظر في حال القائمين بالدين حق القيام، والمنفذين لأوامره وأحكامه في أنفسهم وفي غيرهم؛ فإن ذلك يملأ القلوب إجلالاً ووقاراً لهذا الدين وأهله؛ فالإسلام لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من الإرشاد والتهذيب إلا حثَّ عليها، ولا رذيلة أو مفسدة إلا صدَّ عن سبيلها، وبذلك كان المعظمون لشأنه، المقيمون لشعائره في أعلى طبقة من أدب النفس، وتربيتها على محاسن الشيم، ومكارم الأخلاق، يشهد لهم بذلك القريب والبعيد، والموافق والمخالف. أما مجرد النظر إلى حال المسلمين المفرِّطين في دينهم، الناكبين عن صراطه المستقيم - فليس من العدل في شيء، بل هو الظلم بعينه. ٢ - أن تأخر المسلمين سببه البعد عن الدين: فلم يتأخر المسلمون عن ركب الحضارة، ولم يتفرقوا ويُسْتذلوا إلا عندما فرطوا في دينهم، ونسوا حظاً مما ذُكِّروا به. فالإسلام دين الرقي، والتقدم، والزكاء، وعندما كان المسلمون متمسكين بدينهم حق التمسك دانت لهم أمم الأرض قروناً متطاولة، فنشروا فيها لواء الحكمة، والعدل، والعلم. وهل ترقت أمم الأرض، وبزَّت غيرها في الصناعات والاختراعات المذهلة إلا بعد أن استنارت عقول أهليها بعلوم المسلمين بعد الحروب الصليبية؟. ألم تكن تلك الأمم في القرون التي يسمونها القرون المظلمة في غاية الجهل، والهمجية؟.

стр. 97

ألم يكن المسلمون هم سادة الخلق آنذاك؟. ألم تكن مدنية الإسلام هي المدنية الزاهرة الحقيقية؛ حيث كان روحها الدين والعدل، والرحمة، حتى لقد شملت بظلها الظليل، وإحسانها المتدفق جميع الناس حتى المخالفين والأعداء؟. فهل أخَّر المسلمين دينُهم الحقُّ؟ وهل منعهم من الرُّقي الحقيقي؟ وهل نفع الآخرين كُفْرُهم بالله في تلك القرون الطويلة؛ إذ كانوا هم الأذلين المخذولين؟. ثم لما قصَّر المسلمون في التمسك بدينهم، وقصَّروا في الأخذ بالأسباب الموصلة إلى خيري الدنيا والآخرة - حلَّ بهم التفكك والدمار. ثم إن التقدم المادي لا يكفي وحده، بل لابد معه من الدين الحق الذي يزكي النفوس، ويرتقي بالأخلاق؛ فها هي أمم الكفر لما ارتقت في علوم المادة وأغفلت جانب الروح - ها هي تتخبط في تيهها وضلالها؛ فهل أغنت عنها تلك المدنية المادية فتيلاً؟ ألم تكن حضارتها قائمة على الظلم، والجشع، والاستبداد، والاستعباد، والتسلط على الأمم الضعيفة؟ ألم ينتشر فيهم الخيانة، والسرقة، والانتحار، والقتل، والأمراض النفسية، والجنسية وغيرها؟. فهذا أكبر برهان على أن الرقي المادي ينقلب ضرراً على أهله إذا خلا من الدين الحق الذي تستنير به العقول، وتزكو به النفوس.

стр. 98

٣ - أن القول بأن الإسلام دين تطرف وإرهاب مردود على من قاله: فهو محض افتراء، ومحاولة للصد عنه؛ فالإسلام دين الرحمة، والرفق، والتسامح، وما السيف الذي يأمر الإسلام بانتضائه للجهاد في سبيل الله إلا كمبضع طبيب ناصح يشرط به جسم العليل؛ لينزف دمه الفاسد؛ حرصاً على سلامته؛ فليس الغرض من الجهاد في الإسلام سفك الدماء، وإزهاق الأرواح، وإنما الغرض منه إعلاء كلمة الله، وتخليص البشرية من عبادة البشر، ودلالتهم على عبادة رب البشر، كي يعيشوا حياة كريمة. وأمة الإسلام خير أمة أُخْرِجَت للناس، وخير أمة جاهدت في سبيل الله فانتصرت، وغلبت فرحمت، وحكمت فعدلت، وساست فأطلقت الحرية من عقالها، وفجَّرت ينابيع الحكمة بعد نضوبها. واسأل التاريخ؛ فإنها قد استودعته من مآثرها الغُرِّ ما بَصُرَ بضوئه الأعمى، وازدهر في الأرض ازدهار الكواكب في كبد السماء. فماذا فعل المسلمون حين انتصروا على خصومهم؟ هل تكبَّروا، وتسلطوا، واستبدوا؟ وهل انتهكوا الأعراض، وقتلوا الشيوخ، والنساء، والأطفال؟. ماذا فعل النبي ﷺ عندما انتصر على خصومه الذين كانوا يؤذونه أشد الأذى؟ ألم يكن يصفح عنهم؟ ويمنَّ عليهم بالسبي والأموال؟. وماذا فعل المسلمون عندما انتصروا على كسرى وقيصر؟ هل خانوا وغدروا؟ هل تعرَّضوا للنساء؟ وهل أساءوا للرهبان في الأديرة؟ وهل عاثوا في الأرض فساداً؟ وهل هدموا المنازل، وقطعوا الأشجار؟.

стр. 99

وماذا فعل صلاح الدين لما انتصر على الصليبيين الذين فعلوا بالمسلمين الأفاعيل، ونكَّلوا بهم أيَّما تنكيل؟ فماذا فعل بهم صلاح الدين لما انتصر عليهم؟ ألم يصفح عن قائدهم؟ ويعالجه؟ ويطلق سراحه؟. فهذه المواقف النبيلة وأمثالها كثير في تاريخ المسلمين، مما كان له أبلغ الأثر في محبة الناس للإسلام، والدخول فيه عن قناعة ويقين. أفغير المسلمين يقوم بهذا؟ آلغرب يقدم مثل هذه النماذج؟. الجواب ما تراه، وتسمعه؛ فمن أين خرج هتلر، وموسوليني، ولينين، وستالين، ومجرمو الصرب؟ أليست أوربا هي التي أخرجت هؤلاء وأمثالهم من الشياطين الذين قتلوا الملايين من البشر، ولاقت منهم البشرية الويلات إثر الويلات؟. ألا يعد أولئك هم طلائع حضارة أوربا؟ فَمَنِ الهمج القساة العتاة إذاً؟. ومن المتطرفون الإرهابيون حقيقة؟. ثم من الذين صنعوا القنابل النووية، والعنقودية، والذرية، والجرثومية، وأسلحة الدمار الشامل؟. ومن الذين لوَّثوا الهواء بالعوادم، والأنهار بالمبيدات؟. ومن الذين يسلكون الطرق القذرة التي لا تمت إلى العدل، ولا إلى شرف

стр. 100

الخصومة بشيء؟. من الذين يُعَقِّمون النساء؟ ويسرقون أموال الشعوب وحرياتهم، ومن الذين ينشرون الإيدز؟. أليس الغرب، ومن يسير في ركابهم؟. ومن الذي يدعم اليهود وهم في قمة التسلط والإرهاب؟. هذه هي الحقيقة الواضحة، وهذا هو الإرهاب والتسلط. أما جهاد المسلمين لإحقاق الحق، وقمع الباطل، ودفاعهم عن دينهم، وأنفسهم وبلادهم فليس إرهاباً، وإنما هو العدل بعينه. وما يحصل من بعض المسلمين من الخطأ في سلوك سبيل الحكمة فقليل لا يكاد يذكر بجانب وحشية الغرب، وتبعته تعود على من أخطأ السبيل ولا تعود على الدين، ولا على المسلمين. وقد يكون لهذا مسوغاته في بعض الأحيان؛ فظلم الكفار عليهم قد يوجد مثل هذه التصرفات. وهكذا ينبغي للعاقل المنصف؛ أن ينظر إلى الأمور كما هي بعيداً عن الظلم والتزوير والنظرة القاصرة. وبعد هذا فإن كان للإنسان عجب من شيء فإن عجبه من الأوربيين،

стр. 101

والأمريكان؛ حيث لم يكتشفوا حقيقة الدين الإسلامي فيما اكتشفوه، وهو أجلُّ من كل ما اكتشفوه، وأضمن للسعادة الحقيقية من كل ما وصلوا إليه؛ فهل هم جاهلون بحقيقة الإسلام حقاً؟ أو أنهم يتعامون ويصدون عنه؟!. وإن كانت الأولى فهي مصيبة وإن كانت الثانية فهي مصيبتان!.

стр. 102

خاتمة ودعوة وبعد أن تبيَّن لك عظمة دين الإسلام، وأنه الطريق الوحيد للنجاة عند الله وأن الدخول فيه واجب على كل أحد - هذه دعوة لك بدخول دين الإسلام، ولك أن تسأل عن كيفية الدخول فيه، والجواب عن ذلك أن الإنسان يدخل في الإسلام بفطرته، وأصل خلقته؛ فكل مولود على وجه الأرض يولد على الفطرة، وهي دين الإسلام؛ فالمولود يولد مقراً بخالقه، محباً له، متوجهاً إليه. فإذا بقي على هذه الفطرة فهو مسلم على الأصل، ولا يحتاج إلى تجديد الدخول في الإسلام إذا بلغ وعقل. أما إذا نشأ بين أبوين غير مسلمين، واعتنق دينهما الباطل، أو كان معتنقاً أي دين غير الإسلام كان واجباً عليه أن يتخلى عن دينه السابق، ويدخل في دين الإسلام؛ فيشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم يبدأ بتعلم ما يقيم به شعائر دينه من إقامة الصلاة ونحو ذلك مما مضى ذكره سابقاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.