وإذا نوى بغسله الطهارتين أو الحدث أو أطلق أو الصلاة ونحوهما مما يحتاج لوضوء وغسل أجزأ عنهما.
وعنه لا يجزئ الغسل عن الوضوء. وقال في الاختيارات: وإذا نوى الجنب الحدثين، أو الأكبر وأطلق، أو الصلاة، ونحوها، ارتفع قاله الأزجي ١. وإذا تيمم للحدثين، وللنجاسة على بدنه أجزأ عنهما لما سبق.
وإن نوى بعضها فليس له إلا ما نوى، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" ٢.ويسن لجنب غسل فرجه، والوضوء لأكل، ومعاودة وطء، لحديث: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءاً" ٣ رواه مسلم ٤ وزاد الحاكم: "فإنه أنشط للعود".
ولرجل دخول الحمام بسترة مع الأمن من الوقوع في محرم، ويحرم على المرأة بلا عذر.
стр. 37
باب التيمم
وهو من خصائص هذه الأمة، ولم يجعله الله طهورا لغيرها، وهو أيضا بدل
طهارة الماء لكل ما يفعل بها عند العجز عنه.
وله شروط أربعة:
أحدها: العجز عن استعمال الماء، إما لعدمه لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ٥.
стр. 38
أو لخوف الضرر من استعماله لمرض أو برد شديد، وجرح، لقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ ١ الآية، ولحديث عمرو بن العاص، رواه أبو داود، أو خوف العطش على نفسه، حكاه ابن المنذر إجماعا، أو تعذر إلا بثمن كثير يزيد على ثمن المثل. وإن أمكنه استعماله في بعض بدنه لزمه استعماله، وتيمم للباقي، لحديث أبي هريرة وفيه: "وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ٢.
الثاني: دخول الوقت، وقال الشيخ تقي الدين: التيمم يرفع الحدث، وهو مذهب أبي حنيفة، وهو رواية عن أحمد. وقال في الفتاوى المصرية: التيمم لوقت كل صلاة حتى يدخل وقت الأخرى أعدل الأقوال ٣.
الثالث: النية، لحديث عمر ٤، فإن تيمم لفريضة فله فعلها، وفعل ما شاء من الفرائض والنوافل حتى يخرج وقتها; لأنها طهارة أباحت فرضا فأباحت سائر ما ذكرنا، شبه الوضوء.
الرابع. التراب: فلا يتيمم إلا بتراب له غبار; لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ ٥، قال ابن عباس "الصعيد تراب الحرث، والطيب الطاهر" وقوله: ﴿امْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ٦، و"من" للتبعيض.
стр. 39
وقال في الاختيارات ويجوز التيمم بغير التراب من أجزاء الأرض إذا لم يجد ترابا، وهو رواية عن أحمد ١. ويبطل التيمم بما تبطل به الطهارة بالماء، وبالقدرة على استعمال الماء، لحديث أبي ذر وفيه: "التراب كافيك ما لم تجد الماء" ٢ الحديث أخرجه الترمذي ٣.
فصل
وصفة التيمم: أن يضرب بيده على الصعيد الطيب فيمسح بها وجهه، لحديث عمار، متفق عليه ٤. وإن تيمم بأكثر من ضربة أو مسح أو أكثر جاز، لحديث ابن الصمة.
وقال في الاختيارات: الجريح إذا كان محدثا حدثا أصغر فلا يلزمه مراعاة الترتيب، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره، فيصح أن يتيمم بعد كمال الوضوء، بل هذا هو السنة، والفصل بين أبعاض الوضوء بتيمم بدعة.
ولا يستحب نقل التراب معه للتيمم، وقاله طائفة من العلماء خلافا لما نقل عن أحمد ٥. وإذ كان على وضوء وهو حاقن، فإنه يحدث ثم يتيمم; إذ الصلاة وهو غير حاقن أفضل من الصلاة بالوضوء وهو حاقن. انتهى.
ولا يكره لعادم الماء وطء زوجته. قال في الإنصاف: واختاره الشيخ
стр. 40
تقي الدين، وقال أيضا في الاختيارات: ومن أبيح له التيمم فله أن يصلي به أول الوقت، ولو علم وجود الماء آخر الوقت.
وقال: قاله غير واحد من العلماء، ومسح الجرح بالماء أولى من مسح الجبيرة إن خاف غسله، وهو خير من التيمم، ونقله الميموني عن أحمد. انتهى ١.
стр. 41
باب إزالة النجاسة الحكمية
يجزئ في غسل النجاسات كلها إذا كانت على الأرض، وما اتصل بها من الحيطان غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة، ويذهب لونها، وريحها، لحديث: "صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء" ٢ متفق عليه ٣.
ويجزئ في نجاسة كلب وخنزير سبعا إحداهن بالتراب، لحديث: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا، إحداهن بالتراب" ٤ رواه مسلم ٥.
ويجزئ في سائر النجاسة غيرها ثلاث منقية، لقوله ﷺ : " إنما يجزئ أحدكم إذا ذهب إلى الغائط ثلاثة أحجار منقية" ٦، وعنه سبع مرات قياسا على نجاسة الكلب. وعنه: مرة قياسا على نجاسة الأرض.
وقال في الاختيارات: ويكفي غلبة الظن في إزالة نجاسة المذي وغيره، وهو قول في مذهب أحمد. ورواية عنه في المذي ٧.
стр. 42
وإذا تنجس ما يضره الغسل كثيات الحرير، والورق، وغير ذلك: أجزأ مسحه في قول أكثر العلماء. وأصله الخلاف: في إزالة النجاسة بغير الماء.
وتطهر الأجسام الصقيلة كالسيف والمرآة ونحوهما بالمسح، وهو مذهب مالك وأبو حنيفة.. ويطهر النعل بالدلك في الأرض إذا أصابته نجاسة، وهو رواية عن أحمد. وذيل المرأة يطهر بمروره على طاهر يزيل النجاسة، وتطهر الأرض المتنجسة بالشمس والريح، وهو مذهب أبي حنيفة، لكن عند أبي حنيفة يصلي عليها ولا يتيمم بها، والصحيح: أنه يصلي عليها، ويتيمم بها، لأنه قد ثبت في الحديث الصحيح عن عمران: "أن الكلاب كانت تقبل وتدبر تبول في مسجد النبي ﷺ ١، ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك" ومن المعلوم أن النجاسة لو كانت باقية لوجب غسل ذلك.
وتجوز الصلاة عليها والتيمم منها ولو لم تغسل، ولا يجب غسل الثوب من المدة ٢ والقيح والصديد، ولم يقم دليل على نجاسته. وحكى أبو البركات عن بعض أهل العلم طهارته. والأقوى في المذي أنه يجزئ فيه النضح، وهو إحدى الروايتين.
ويجوز الانتفاع بالنجاسات، وسواء في ذلك شحم الميتة وغيره ٣، وهو قول الشافعي، وأومأ إليه أحمد في رواية عن ابن منصور، ويعفى عن يسير النجاسة حتى بعر فأر ونحوه في الأطعمة، وهو قول في مذهب أحمد.
стр. 43
ولو تحققت نجاسة طين الشوارع عفي عن يسيره لمشقة التحرز منه، ذكره بعض أصحابنا.
وما تطاير من غبار السرجين النجسة ونحوه ولم يتمكن من الاحتراز منه عفي عنه. اهـ. والله أعلم.
стр. 44
باب الحيض
وهو شرعا دم طبيعة وجبلة يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، خلقه الله لغذاء الولد وتربيته.
ويمنع عشرة أشياء:
١. وجوب الصلاة.
٢. فعل الصيام; ولا يسقط وجوبه ١، لحديث عائشة: "كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" ٢ متفق عليه ٣.
٣. الطواف بالبيت.
٤. قراءة القرآن، لقوله ﷺ : "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن" ٤ رواه أبو داود ٥. وقال في الاختيارات: ويجوز للحائض الطواف بالبيت عند الضرورة.
ويجوز لها أيضا قراءة القرآن بخلاف الجنب، وهو مذهب مالك. وحكي رواية عن أحمد ٦.
стр. 45
٥. ومس المصحف; لقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ١.
٦. اللبث في المسجد، لقوله ﷺ : "لا تدخل المسجد الحائض، ولا الجنب" رواه أبو داود ٢.
٧. الوطء. قال في الاختيارات: ويحرم الوطء في الفرج، فإن فعل فعليه كفارة دينار. وإن تكرر من الزوج الوطء في الفرج فرق بينهما، كما إذا وطأ في الدبر، ولم ينزجر في الفرج; لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ٣.
٨. وسنة الطلاق، لحديث ابن عمر ٤.
٩. والاعتداد بالأشهر; لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٥.
١٠. فعل الصلاة ٦.
ويوجب الغسل، ويثبت به البلوغ; لقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ٧" فإذا انقطع الدم أبيح فعل الصوم
стр. 46
والطلاق، ولا يباح سائرها حتى تغتسل. فإذا كان كذلك فقد دعت الحاجة إلى معرفته، ويجوز الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج، كحديث عائشة: "كان يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض" ١ متفق عليه ٢.
فصل
وأقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر. وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما; لحديث علي "أنه سئل عن امراة ادعت انقضاء عدتها في شهر، قال لشريح: قل فيها. فقال: إن جاءت ببطانة من أهلها يشهدون أنها حاضت في شهر ثلاث مرات" الحديث ٣.
وليس لأكثره حد ٤ وعنه أكثره خمسة عشر يوما، لقول النبي ﷺ : "تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي" ٥: وأقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين، لقول عائشة: "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة" ٦، وأكثره ستون، وعنه أكثره خمسون سنة. وقال الشيخ تقي الدين:
стр. 47
لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره، ولا لطهر بين حيضتين، بل ما تستقر عادة للمرأة فهو حيض. انتهى ١.
والمستبرأة إذا رأت الدم لوقت تحيض لمثله جلست، فإذا انقطع في أقل من يوم وليلة فليس بحيض، وإن جاوز ذلك فلم يعبر أكثر الحيض فهو حيض فتجلسه كاليوم والليلة. وعنه إذا زاد على يوم وليلة روايات أربع:
إحداهن: هذه المذكورة.
والثانية: تغتسل عقب اليوم والليلة وتصلي، ثم تفعل ذلك في الشهر الثاني والثالث، فإن كان في الأشهر كلها مرة واحدة انتقلت إليه وأعادت ما صامت.
والثالثة: تجلس ستا أو سبعا، لأنه غالب حيض النساء.
والرابعة: تجلس عادة نسائها، واختار الشيخ تقي الدين أن المبتدأة تجلس في الثاني ولا تعيد. انتهى ٢. ولا تلتفت لما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثا. وعند الشيخ نصر الله: من غير تكرار قاله في الإنصاف ٣.
فصل
وإن عبر أكثر الحيض فالزائد استحاضة، وعليها أن تغتسل عند آخر الحيض. والمستحاضة في حكم الطاهرات في وجوب العبادات، وفعلها. فإذا أرادت الصلاة فلتغسل فرجها، وما أصابها من الدم حتى إذا استأنفت عصبت فرجها، واستوثقت بالنداء وصلت.
стр. 48
ومن به سلس البول في معنى المستحاضة. ولا فرق بينهما.
فإذا استمر بها الدم في الشهر الآخر فإن كانت معتادة فحيضها أيام عادتها، لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: "دعي الصلاة الأيام التي كنت تحيضين، ثم اغسلي وصلي" ١ متفق عليه ٢.
وإن لم تكن معتادة ولها تمييز عملت به، لحديث فاطمة وفيه: "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" ٣ متفق عليه ٤.
وإن كانت مبتدأة، أو ناسية لعادتها، ولا تمييز لها فحيضتها من كل شهر ستة أيام أو سبعة، وعنه تجلس عادة نسائها. وعنه أقله. وعنه أكثره.
وقال في الاختيارات: والمستحاضة ترد إلى عادتها، ثم إلى تمييزها، ثم إلى عادة النساء كما جاءت في كل واحدة سنة. وقد أخذ الإمام أحمد بهذه السنن الثلاث قال: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث وذكرها ٥.
والصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، وبعد الطهر لا يلتفت إليهما،
стр. 49
قاله أحمد وغيره; لقول أم عطية: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الحيض شيئا" ١. ومن رأت يوما دما ويوما نقاء: فالدم حيض، والنقاء طهر، ما لم يعبر مجموعهما أكثره، فإن عبر أكثره فهو استحاضة.
والحامل لا تحيض; لقوله ﷺ في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ" ٢، إلا أن يكون قبل ولادتها بيومين، أو ثلاثة فنفاس.
وقال في الاختيارات: والحامل قد تحيض، وهو مذهب الشافعي، وحكي رواية عن أحمد. ويجوز التداوي لأجل وجود الحيض إلا في قرب رمضان لتفطره، والأحوط أن المرأة لا تستعمل دواء يمنع نفوذ الحمل في مجاري الحمل انتهى ٣.
стр. 50
باب النفاس
وهو الدم الخارج بسبب الولادة، وحكمه حكم الحيض فيما يحرم ويجب ويسقط به، لأنه دم حيض مجتمع، وأكثره أربعون يوما، لحديث أم سلمة وفيه: "كانت النساء تقعد على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوما" رواه أبو داود، والترمذي ٤.
وقال: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين: أن
стр. 51
النساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلي. وليس لأقله حد: أي وقت؛ فمتى رأت الطهر فهي طاهر تغتسل وتصلي، كالحيض.
وقال في الاختيارات: ولا حد لأقل النفاس، ولا أكثره، ولو زاد على الأربعين وانقطع فهو نفاس، لكن إن اتصل فهو دم فساد، وحينئذ فأربعون منتهى الغالب ١. انتهى.
فإن عاد في مدة الأربعين فهو نفاس. وعنه أنه مشكوك فيه تصلي، وتصوم وتقضي الصوم احتياطا، لأن الصوم واجب بيقين فلا يجوز تركه لعارض مشكوك فيه. ويفارق الحيض المشكوك فيه، وهو ما زاد على الست والسبع في حق الناسية، فإنه يتكرر، ويسن قضاؤه. والنفاس بخلافه.
ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد الطهر.
قال أحمد: ما يعجبني، لحديث عثمان بن أبي العاص ٢. والله أعلم.
انتهى كتاب الطهارة. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.