ق. م -٢١م على الأقل" رغم اهتمامه بوجه خاص بالقسم الشمالي الغربي لشبه الجزيرة وذكره اثنين من الأقوام الموجودة بها٥. فإذا تابعنا التوغل في الماضي نجد أن قوم عاد لا يظهرون في كتابات أرتميدوس في أواخر القرن الأول ق. م. "ظهرت بعض كتاباته في ١٠٤-١٠١ ق. م" أو في كتابات الجغرافي اليوناني إراتوسثنيس, عرفه الجغرافيون العرب باسم إراتسطين الذي عاش بين ٢٧٥ و١٩٤ ق. م. ومن ثم نستطيع أن نقول: إنه بدأ يكتب منذ أوائل القرن الثاني ق. م.٦. وهكذا نستطيع أن نستنتج من هذه المقارنة بين القرآن الكريم وبين ما ذكره الكتاب الكلاسيكيون أن عادا الأولى كانت قد اختفت من جنوبي شبه الجزيرة العربية ابتداء من النصف الأول من القرن الثاني ق. م على الأقل.
أما عن وجود مكانين مختلفين لعاد الأولى وعاد الثانية فتفسير ذلك هو الهجرات التي عرفها عرب الجنوب إلى شمالي شبه الجزيرة، وهي هجرات قد تكون بسبب تغير مناخ المنطقة نحو الجفاف بشكل تدريجي ابتدأت آثاره تظهر بوضوح منذ القرن الثالث ق. م. كما يذهب بعض الباحثين, أو قد تكون لها أسباب أخرى٧. ولكن الثابت هو أن هجرات قد تمت من الجنوب إلى الشمال بشكل أو بآخر, وأن بعض هذه الهجرات اتخذ شكل مستوطنات أقامها التجار أو الحكام الجنوبيون في شمال الجزيرة كمحطات تجارية لقوافلهم في البداية, ولكن هذه المستوطنات لم تلبث أن تحولت إلى كيانات قائمة بذاتها تتصرف وتقيم علاقاتها مع المدن أو الدول المحيطة أو القريبة منها في ضوء ظروفها الخاصة. وقد كان بعض هذه المستوطنات يتخذ اسم القوم
стр. 177
أو البلد الذي جاء منه المستوطنون في البداية. ومن أمثلة ذلك مدينة جَرَش التي لا تزال قائمة في العربية الجنوبية "الآن في القسم الغربي من المملكة العربية السعودية" وسميَّتها مدينة جرش في الشمال "الآن في المملكة الأردنية"، تقعان على خط القوافل التجارية الذي كان يمتد بين اليمن وسورية، إحداهما على شوطه اليمني والأخرى على شوطه السوري. ومن أمثلتها كذلك المستوطنات التي أقامتها سبأ في الشمال واتخذت واحدة منها على الأقل الاسم ذاته وكانت لها مواقف خاصة بها إزاء محور الدفع والجذب بين الآشوريين في وادي الرافدين ودويلات المنطقة السورية في الغرب في القرن الثامن ق. م. كما نظر إليها الرومان في أواخر القرن الأول ق. م. على أنها كيان قائم بذاته٨.
وفي ضوء هذا كله يبدو أمرا متفقا مع الظروف التي سادت شبه الجزيرة العربية أن تفترض أن قوم قد هاجرت منهم جاليات أقامت لها مستوطنات في شمالي شبه الجزيرة، ثم تعرض القوم الأصليون في الجنوب إلى ظروف الجفاف وظروف مناخية أخرى مصاحبة مثل الأعاصير المدارية العنيفة التي تعرفها المنطقة الاستوائية, والتي قد تستمر أياما عددية متوالية تدمر فيها مناطق بأكملها وتغطيها بالرمال إذا كانت أرض هذه المناطق أرضا رملية٩. ولنا أن نتصور أن مستوطنات عاد في القسم الشمالي من شبه الجزيرة، التي ابتدأت قليلة وبسيطة في عدد سكانها, لم تلبث أن ازدهرت وتزايد عدد سكانها
стр. 178
حتى أصبحت تشكل قوما ملحوظين منذ أوائل القرن الأول من النصف الثاني، يسترعي وجودهم نظر عالم جغرافي مثل بطلميوس كلاوديوس وهو يضع خارطة للمنطقة، وبخاصة إذا كان هؤلاء يشغلون منطقة تمر بها خطوط القوافل التجارية الواصلة من شبه الجزيرة إلى المنطقة السورية، وهي المنطقة التي وضعهم فيها هذا العالم الجغرافي بالفعل. ولنا كذلك أن نقول: إن هذا الازدهار قد استمر فترة ربما امتدت ثلاثة أو أربعة قرون ثم اندثرت هذه المستوطنات العادية الشمالية لأسباب تتعلق بالعوامل الطبيعية أو بالمنافسات التجارية وما يصحبها من غارات "كما سنرى في أثناء الحديث على ثمود" أو لأسباب أخرى، بحيث لم يعد لها ولا لقوم عاد وجود ظاهر عند نزول القرآن الذي يشير إلى عاد على أنهم قوم قد اندثروا أو اندثرت أماكن إقامتهم قبل ذلك بقليل.
وإذا كنا نستطيع أن نتابع أوضاع قوم عاد من خلال آيات القرآن الكريم مستكملين الحديث من خلال المصادر الكلاسيكية, فالشيء ذاته ينطبق على قوم ثمود. إن القرآن الكريم يشير في مواضع عديدة إلى أرض الثموديين على أنها واحة غنية بالمياه الجوفية وما يترتب على ذلك من ثروة زراعية "جنات وعيون وزروع ونخل"١٠، وهي إشارة نجدها كذلك عند الكاتب الكلاسيكي إراتوسثنيس الذي يقسم سكان المناطق الغربية "من شبه الجزيرة" المتاخمة لسواحل البحر الأحمر فيصف المنطقة الشمالية منها "وهي المنطقة التي نحن بصدد الحديث عنها" بأنها منطقة بها قدر من الزراعة. فإذا أضفنا إلى ذلك أن المنطقة تمر بها خطوط القوافل التجارية المتجهة من شبه الجزيرة إلى المنطقة السورية، استطعنا أن ندرك ما يشير إليه القرآن الكريم من ثروة الثموديين "أو بالأحرى ثروة الطبقة الأرستقراطية الزراعية التجارية من الثموديين" التي تبدو في الإشارة إلى عدد القصور الذي أصبح ظاهرة
стр. 179
تسترعي الانتباه وإلى النشاط المعماري الذي جعهلم ينحتون في الجبال "بيوتا" "وهي في الواقع أضرحة ومعابد تتخذ شكل البيوت فعلا ولا تزال قائمة حتى الآن في منطقة مدائن صالح -نبي ثمود". وقد اندثر الثموديون كقوم لهم كيانهم في فترة سبقت قيام الدعوة الإسلامية بفترة غير طويلة حسبما يتبين لنا من آيات الكتاب الكريم١١.
ونحن نستطيع في الواقع أن نتتبع الثموديين في عدد من المصادر الأخرى, فهم يظهرون في نقش آشوري يعود إلى حكم الملك سرجون في الشطر الأخير من القرن الثامن ق. م. "٧٢١-٧٠٥ ق. م", على أنهم "أو أن قسما منهم" يسكنون في المنطقة الشمالية لشبه جزيرة العرب. ثم نجد عددا من النقوش الثمودية منتشرة في عدد من مناطق شبه الجزيرة العربية وتعود إلى القرون الثلاثة من الخامس إلى الثالث ق. م. ثم نجد الثموديين بعد ذلك في كتابات بلينيوس في أواسط القرن الأول الميلادي تحت اسم tamudaei ثم على خارطة بطلميوس كلاوديوس "القلوذي" في النصف الأول من القرن الثاني م. تحت اسم thamudenoi ومتعاصرين مع قوم عاد الذين يضعهم بطلميوس على خارطته إلى الشمال من الثموديين١٢، ولما كان القرآن
стр. 180
الكريم يجعلهم "خلفاء من بعد عاد" ويشير إلى ما تبوءوه من مركز وثروة في منطقتهم، فبإمكاننا أن نستنتج من ذلك أن الثموديين استمروا بعد تعاصرهم مع العاديين فترة أخرى قبل أن يندثروا كقوم لهم سطوتهم أو مركزهم كأرستقراطية متحكمة في المنطقة الغنية التي كانوا يقيمون بها. ونحن لا نستطيع أن نضع وقتا محددا لاندثار الثموديين أو اختفائهم كقوم لهم عددهم وسطوتهم، إذ نحن نعود نسمع عنهم بعد بطلميوس الجغرافي في كتابات الكلاسيكيين ابتداء من يوسيبيوس eusebios "حوالي ٢٦٠-٣٤٠م" وانتهاء عند بروكوبيوس prokopios الذي توفي في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي "٥٦٥م" وصمت الكتاب الكلاسيكيين عن ذكر الثموديين طوال هذه الفترة التي تبلغ ثلاثة قرون تقريبا لا يثبت لنا بالضرورة شيئًا عن وجود هؤلاء القوم أو عدم وجودهم، إذ قد يكون هذا الصمت ناتجا عن عدم اهتمام هؤلاء الكتاب بشكل خاص بذكر تفصيلي لأقوام المنطقة الشمالية من شبه الجزيرة العربية. ولكن الثابت هو أن الثموديين كانوا قد اندثروا قبل عهد الرسول ﷺ وأن اندثارهم تم قبل ذلك بفترة غير طويلة. فقد كانت بقايا مساكنهم، حسبما يذكر القرآن الكريم, لا تزال قائمة يستطيع أن يستشهد بها الرسول ﷺ وهو في صدد محاجَّته للجاهليين وإقناعهم بالدعوة الوليدة١٣.
وغير عاد وثمود يحدثنا القرآن الكريم عن أقوام عربية أخرى مثل قوم سبأ. وفي هذا المجال يشير إلى سيل العرم الذي اجتاح هذه المنطقة وكان سببًا في كثير من الآثار السيئة التي عانت منها. والمنطقة في الواقع كانت معرضة لهذا النوع من السيول الناتجة عن الأمطار الموسمية الغزيرة وكان سكانها يعمدون إلى جمع مياه هذه الأمطار خلف جدران السدود التي أقيمت لهذا الغرض، وأهم هذه السدود هو سد مأرب، عاصمة سبأ, ولا تزال بقايا
стр. 181
هذا السد قائمة في مكانها حتى الآن. كذلك تشير لنا النقوش التي عثر عليها في المنطقة أن جدران هذا السد تصدعت في أكثر من مناسبة، إذ تذكر لنا هذه النقوش أن ترميمات لسد مأرب تمت في عهد شرحبيل يعفر في أواسط القرن الخامس الميلادي "٤٤٩-٤٥٠م" ثم في عهد أبرهة حاكم اليمن من قِبَلِ نجاشي الحبشة، في أواسط القرن الذي يليه "٥٤٣م" وإذا كان السيل الذي أعقبه هذا الترميم الأخير قد تم في فترة قريبة من ظهور الدعوة الإسلامية بحيث كانت أخباره لا تزال ماثلة في أذهان الجاهليين الذين نزلت آيات القرآن الكريم لتذكرهم بها، فإن أخبار التصدعات والترميمات الأخرى السابقة لهذه المناسبة الأخيرة لا بد أن تكون شيئا وَعَتْه ذاكرة العرب كتاريخ على مر القرون في أثناء رحلاتهم التجارية بين اليمن والشام، فالقحط الذي يصيب منطقة مشهورة بخصبها مثل اليمن "الشهيرة بثروتها الزراعية وما يترتب عليها من رخاء" بعد أن تفقد المياه التي كان سد مأرب يحفظها للانتفاع بها في مواسم الجفاف لا بد أن يؤثر على منتجات اليمن التي تحملها القوافل التجارية وتبادل بها سلعا أخرى، ومن ثم فلا بد أن يكون تصدع السد شيئا بارزا يتناقله القادمون من اليمن والذاهبون إليه، بل إن مثل هذا الحدث يتحول في الواقع إلى تاريخ يروونه ويحددون به مواعيد الأحداث التي وقعت قبله أو بعده. وإذا كان التصدع الأخير قد حدث في عصر سيادة الحبش على المنطقة فإن أذهان العرب لا بد أنها كانت تعي تصدعات أخرى في السد حدثت حين كان السبئيون هم أصحاب السيطرة على المنطقة١٤.
стр. 182
على أن هذه الإشارة ليست الوحيدة إلى سبأ والسبئيين في القرآن الكريم، فهناك إشارة أخرى إلى زيارة ملكة سبأ إلى سليمان النبي. ونحن نعرف أن سليمان كان ملك يهوذا وأنه حكم في الشطر الأوسط من القرن العاشر "٩٧٠-٩٣٧ق. م.". ولكن ربما كانت سبأ المقصودة هنا ليست سبأ الموجودة في اليمن، وإنما مدينة سبأ الموجودة في الشمال الغربي لشبه الجزيرة العربية، التي كانت على أرجح وجه إحدى المستوطنات التي أقامها التجار السبئيون على خط القوافل من اليمن إلى سورية. وقد مر بنا أن هذه المدينة مذكورة في سجلات بعض الملوك الآشوريين على أنها إحدى المدن الموجودة في القسم الشمالي من شبه الجزيرة على مقربة من المنطقة السورية. وفي الواقع فإن هذا الافتراض هو الأرجح، وقد يدعمه ما نستخلصه من الآيات القرآنية التي وردت فيها زيارة هذه الملكة إلى سليمان النبي، فبعد مقدمات متوترة بينهما تظهر في لهجة الكتاب الذي أرسله سليمان إليها، وفي اتجاه مستشاري الملكة نحو مقابلة التهديد بالقوة العسكرية، تنتهي الأمور بأن تتخذ الزيارة شكلا وديا بين حاكمين، ومن ثم نستطيع أن نصفها بأنها محاولة منطقية من جانب الملكة السبئية لتحسين علاقاتها بحاكم آخر يبدو أنه كان يحسب حسابه في مجال العلاقات الخارجية، وبخاصة إذا تذكرنا أن مدينة سبأ كانت تحصل على ثروتها من تجارة العبور "الترانزيت" عن طريق القوافل التجارية البرية في المقام الأول، وأن علاقات حسن الجوار تصبح، نتيجة لذلك, أمرا واردا إن لم يكن في الواقع أمرا حيويا بالنسبة لها، وإذا تذكرنا إلى جانب ذلك أن سليمان قد أنشأ أسطولا وأنه كان بسبيل اعتماد سياسة تجارية بحرية عن طريق البحر الأحمر، لا بد أن تؤثر تأثيرا ضارا على نشاط الخط التجاري البري، سواء بحكم طبيعة الأشياء، أو بضغوط مقصودة من جانب سليمان نفسه تعرقل الخط التجاري البري لصالح خطه البحري. كذلك مما يدل على أن إشارة القرآن الكريم إلى سبأ الشمالية وليست إلى سبأ الجنوبية أن سجلات الملوك في العربية الجنوبية، سواء من السبئيين أو غير السبئيين لا
стр. 183
تضم حالة واحدة فيها اسم لملكة، بينما تظهر أسماء لعدة ملكات في العربية الشمالية من بينها ملكتان لمنطقتين اجتاحهما الملك الآشوري تجلات بيليسر الثالث "٧٤٤-٧٢٧ ق. م" في غاراته على القسم الشمالي من شبه الجزيرة, وملكتان أخريان على عهد ملك آشوري آخر هو أسارحدون "٦٨٠-٦٦٩ ق. م". وقد ظهرت أسماء هذه الملكات في النقوش الآشورية التي سجلت أعمال هذين الملكين١٥.
стр. 184
ب- أمثلة عن الحياة الدينية في شبه الجزيرة:
ويعرفنا القرآن الكريم كذلك ببعض جوانب الحياة الدينية التي عرفتها مجتمعات شبه الجزيرة في العصور السابقة للإسلام، وببعض ما كان يدور حول هذه الحياة الدينية أو يتصل بها من صراعات وممارسات. فمن بين العبادات، على سبيل المثال، عبادات ودّ "القمر" والشمس والشعرى، وقد سادت هذه في العربية الجنوبية ومستوطناتها في القسم الشمالي من شبه الجزيرة. وهذا يثير في ذهن الباحث بعض القضايا المتصلة بهذا الموضوع فربما تكون عبادة هذه الكواكب تلقائية انبثقت من المنطقة، وربما يكون بعضها، مثل عبادة الشمس، نتيجة تأثير جاء من بعض الحضارات المحيطة
стр. 185
بالمنطقة مثل الحضارة المصرية القديمة حيث عبدت الشمس تحت اسم الإله رع أو حضارة وادي الرافدين حث كان الإله شمس أحد الآلهة الرئيسية. كذلك عرف عرب شبه الجزيرة عبادة نسر وهو أيضا من عبادات الجنوب، وعبادات أخرى مثل عبادات سواع ويغوث ويعوق وبعل. كذلك يذكر القرآن الكريم عبادة اللات التي أشار المؤرخ اليوناني هيرودوتس HERODOTOS "أواسط القرن الخامس ق. م" إلى شيوعها عند العرب والتي قرن هذا المؤرخ بينها وبين عبادة أفروديتي aphrodite عند اليونان، كما يذكر القرآن الكريم عبادة العُزَّى، وعبادة مناة. ويبدو من الألفاظ الواردة في الإشارة القرآنية أن هذه الآلهة الثلاثة السابقة كانت تشكل عند العرب ثالوثا لها١٦، وهي الفكرة التي قد تشير إلى فكرة التثليث التي كانت سائدة في بعض بلاد الشرق الأدنى في العصور القديمة مثل إيزيس وأوزيريس وحورس في مصر القديمة، وهي الفكرة التي ظلت سائدة حتى ظهرت في بعض مذاهب العقيدة المسيحية بعد ذلك.
أما عن الصراعات التي كانت تدور في مجال الحياة الدينية، فهنا يتحدث القرآن الكريم في مواضع عديدة عن عدد من حركات الإصلاح التي ظهرت في صورة دعوات دينية قام بها عدد من الأنبياء في عدد من مناطق شبه الجزيرة
стр. 186
قبل قيام الدعوة الإسلامية مثل دعوة هود في قوم عاد الأولى في العربية الجنوبية، ودعوة أو حركة إصلاح أخرى في سبأ الجنوبية لا يذكر لنا القرآن الكريم اسم صاحبها وإن كان يذكر رفض السبئيين لها، ثم دعوة صالح في قوم ثمود ودعوة شعيب في أهل مدين، ودعوة أخرى لعاد الثانية لم يذكر صاحبها أو نبيها, وكل من هذه الدعوات الأخيرة قامت في القسم الشمالي من شبه الجزيرة. ثم يذكر كيف لقيت هذه الدعوات تصديا عنيفا من جانب هذه الأقوام بحيث لم يكتب لها النجاح أو الانتشار. ونحن ندرك من سياق الآيات القرآنية أن الذين عارضوا هذه الدعوات أو رفضوها أو حاربوها يشكلون طبقات أرستقراطية يشير القرآن الكريم إلى سطوتها وبطشها وأنها كانت تستعين على ذلك بثرائها العريض. ويشير القرآن الكريم بشكل مباشر إلى المورد الاقتصادي الزراعي الذي كانت هذه الطبقات تستمد منه ثروتها كما يشير بشكل ضمني إلى مورد آخر لهذه الثروة وهو المورد التجاري الذي نستنتجه من موقع هذه الأقوام أو المدن سواء على الخط التجاري الذي كان يربط جنوب شبه الجزيرة بشاطئ الخليج وبوادي الرافدين, وهو الخط الذي يمر بمنطقة الأحقاف حيث موطن عاد الأولى، أو على الخط التجاري الموازي للبحر الأحمر في غربي شبه الجزيرة وهو الخط الذي كانت تسيطر عليه مواقع الأقوام والمدن الأخرى. كما يشير القرآن إلى مورد صناعي لهذه الثروة نتعرف منه على بعض نشاط يتعلق بالتعدين وصهر المعادن وبعض الصناعات القليلة المتصلة به١٧.
стр. 187
أما عن بعض الممارسات التي تمت في داخل هذا المحيط الديني، فيعطينا القرآن الكريم مثلًا لها مما دار في منطقة الأخدود التي كانت في منطقة اليمن قديما "الآن في نجران في القسم الجنوبي الغربي من المملكة السعودية" حيث يشير إلى اضطهاد ديني عنيف أُحْرِق فيه عدد من الناس أحياء بسبب تمسكهم بعقديتهم. وتتوقف الإشارة القرآنية عند وصف هؤلاء بأنهم مؤمنون دون أن تفصل في التعريف بعقيدتهم وبالأسباب التي أدت إلى إحراقهم, ربما لأن الحادثة كانت أشهر من أن تعرف عند قيام الدعوة الإسلامية وبخاصة إذا أدخلنا في اعتبارنا أن اضطهادا بهذا العنف كانت أخباره تنتقل بالضرورة مع القوافل التجارية التي تمر بالمنطقة جيئة وذهابا بصفة مستمرة. ومثل هذه الإشارة السريعة نجدها كذلك في الحديث عن "أصحاب الفيل" دون ذكر لمن قام بها أو للدوافع التي أدت إلى القيام بها. ربما لأنها كانت لا تزال ماثلة في الأذهان, إذ لم يكن قد مر عليها عند نزول الرسالة أكثر من أربعين عاما أو نحو ذلك ومعنى هذا أن عددا من الذين عاصروا الرسول ﷺ كانوا شهودا عيانا لها. ونحن نستكمل من مصادر أخرى أن حادثة الأخدود كان
стр. 188
سببها أن حاكم اليمن "وهو ذو نواس" الذي كان قد اعتنق اليهودية قد حاول أن يرغم على اعتناقها نصارى نجران فلما رفضوا أقدم على تعذيبهم بهذه الوسيلة "حوالي ٥١٢م" وأن سبب حادثة الفيل هو أن الحبش المسيحيين الذين جاءوا إلى اليمن لنصرة المسيحيين هناك احتلوا اليمن بعد ذلك وأرادوا أن يوجهوا ضربة إلى مركز العبادة الوثنية في شبه الجزيرة آنذاك وهو الكعبة, فوجه حاكمهم على اليمن، وهو أبرهة، عددًا من قواته العسكرية مع فيل أو بعض الفيلة لهدم الكعبة "حوالي ٥٧٠م"١٨.
стр. 189
ج - مثال لتكوين المجتمع في شبه الجزيرة:
وليس الحديث عن الأقوام التي ظهرت في شبه الجزيرة العربية وعن أحوالهم الدينية هو كل ما نستطيع أن نستخلصه، أو نستخلص إشارات عنه, من القرآن الكريم, وإنما تتطرق الآيات القرآنية إلى ما يعطينا فكرة عن الاهتمامات والعلاقات التي كانت تظهر في الشقين الرئيسيين للسكان في شبه الجزيرة العربية, وهما سكان المدن وسكان البادية. ومكة إحدى المدن التي يرد ذكرها في القرآن الكريم مؤكدا صفتها الدينية الموغلة في القدم، وهي صفة اكتسبتها في العصور السابقة للإسلام من وجود الكعبة بها، ومشيرا في موضع آخر إلى الأمن الذي كانت تتمتع به، وهو أمن نستطيع أن نرده إلى هذه الصفة الدينية وإلى صفة أخرى هي أنها كانت معقد الخطوط التجارية الرئيسية نحو الشام في الشمال واليمن في الجنوب ووادي الرافدين في الشمال الشرقي، وهو وضع يفرض الأمن بين أصحاب القوافل التجارية كإجماع على ضرورة حيوية بالنسبة لمصالحهم. كذلك نسمع من القرآن الكريم عن الصلح الذي تم بين الرسول ﷺ وبين قريش في المنطقة المحيطة بمكة
стр. 190
فنعرف بذلك الملابسات التي تم فيها هذا الصلح الذي كان يمثل إحدى مراحل الحوار الدقيق والتداخل المتوازن بين الأوضاع القديمة والأوضاع الجديدة التي شهدتها نهاية العصر الجاهلي, وهو حوار كان لا يمكن أن يتم بهذه الصورة إلا بين سكان المدن، وقد كان الطرفان المتحاوران من سكان المدن. أما الإشارة القرآنية الأخيرة إلى مكة فتلقي، رغم اقتضابها، ضوءًا على جانب أساسي من جوانب الحياة بها, وهو "الإيلاف" أو الاتفاقات التي كان المكيون حريصين على إبرامها مع غيرهم حتى يؤمنوا حركتهم التجارية في "رحلة الشتاء والصيف"، وهي اتفاقات، سواء أكانت داخلية في شبه الجزيرة أم خارجية مع الدول التي تصل إليها القوافل التجارية، يبدو واضحا من هذه الإشارة أنها كانت تعود عليهم بقدر كبير من الاستقرار الذي يتمثل في عاملين رئيسيين هما: الرخاء والأمان١٩.
كذلك هناك الإشارات العديدة إلى يثرب التي اكتسبت بعد هجرة الرسول ﷺ إليها اسم المدينة المنورة، وفي هذه الإشارات نرى وصفًا دقيقا ونابضا لعدد من الاتجاهات المعارضة أو المبطنة أو المتأرجحة التي أحاطت بالدعوة الإسلامية الوليدة والتي تعطي صورة تاريخية مجسمة لمجتمع الجاهلية وهو يعيش لحظاته الأخيرة أمام مد جديد. إننا نرى هنا بقايا الطموحات القديمة التي يتشبث بها أصحابها ولا يريدون أن يعترفوا بوضع جديد من شأنه أن يقضي على هذه الطموحات, ومن هنا فهم يعملون الرجوع إلى المدينة
стр. 191
لإخراج الرسول ﷺ منها إخراج العزيز للذليل حسب تصورهم آنذاك. كذلك نجد في داخل المدينة عددًا من مروجي الإشاعات ضد الدعوة الجديدة أو "المرجفين" حسبما يسميهم القرآن الكريم وعددًا من المنافقين الذين لم يتخلصوا بعد من روابط العصر الذي يمر بلحظاته الأخيرة ولكنهم لا يجرءون على معاداة التيار الصاعد الجديد. ثم هناك الذين انضموا إلى الدعوة الجديدة ولكن ليست لديهم الشجاعة الكافية لتحمل المصاعب أو المخاطر التي يستتبعها هذا التحول الذي أقدموا عليه، ربما باقتناع غير كامل، ومن هنا فهم يتعللون أمام صاحب الدعوة الجديدة بخوفهم على بيوتهم وأسرهم. وهكذا يمضي الوصف لنجد فيه تصويرا مجسدا للحظة تاريخية معاصرة للوقت الذي نزل فيه القرآن الكريم يمر بها مجتمع يعيش منعطف تحول كبير تلتقي عنده نهاية عصر وبداية عصر٢٠.
ثم أنقل الحديث إلى الإشارت القرآنية التي تتصل بالشق الآخر من سكان شبه الجزيرة العربية، هؤلاء هم الأعراب الذين لا يقيمون في المدن بشكل أساسي، وإنما تكون إقامتهم في البادية أو حول المدن. هكذا تذكر لنا هذه الإشارات، كما تلقى ضوءًا, على نفسية هؤلاء الأعراب وعلى تصرفاتهم ودوافعهم، فهم لا "يؤمنون" أو يرتبطون بقيم ثابتة، وإنما صفتهم الأساسية هي "الكفر" بهذه القيم أو على أقل تقدير مجاراتها عن "نفاق" وسوء نية فيقولون "بألسنتهم ما ليس في قلوبهم" وهم ينشغلون عن هذه القيم الثابتة بالمصالح المادية التي تمثلها "أموالهم وأهلوهم". كذلك فهم قوم لا يحفظون عهدا ولا يُركن إلى وعد قطعوه على أنفسهم ولا يرون بأسا في أن "يقولوا" أو يتخلوا في اللحظة الحاسمة عمن يعتمد عليهم، أما أسلم طريق للتعامل
стр. 192
معهم فهي الترغيب "بالأجر الحسن" أو الترهيب "بالعذاب الأليم"٢١.
ولا يقتصر القرآن الكريم، كمصدر لمجتمع شبه الجزيرة العربية في العصر السابق للإسلام، على هذه الجوانب السابقة وإنما يتجاوزها ليعطي فكرة محددة عن المنطقة فيما يتعلق بعدد من الجوانب الأخرى، فالكتابة، بغض النظر عن مدى انتشارها، معروفة، وكذلك القلم والصحف "بمعنى الأوراق المكتوب عليها"، والرق الذي يكتب عليه. كذلك فإن مجتمع شبه الجزيرة لا يجهل عددا من جوانب اللهو مثل الصيد الذي تستخدم فيه الجوارح, ومثل استخدام الخيل لأغراض "الزينة" التي قد تشير إلى بعض أنواع السباق أو الألعاب الأخرى٢٢.
وأما فيما يخص شبه الجزيرة نفسها فمناخها معرض لرياح قائظة هي "السموم" وتجتاحه في بعض الأحيان أعاصير مدارية قد تكون مدمرة سواء في سرعتها أو فيما تذروه من رمال أو حصى، وهي لهذا توصف بعدة أوصاف: فهي "الطاغية" مرة، و"الذاريات" في موضع آخر, و"الحاصب" من الريح مرة ثالثة, وبالريح العقيم التي لا تذر شيئا في موضع رابع وهي "الصيحة" أو "الصاعقة" أو "ريح صرصر عاتية" في آيات قرآنية أخرى. كما تتعرض المنطقة لهزات أرضية في بعض المناسبات مثل "الرجفة" التي تعرض لها أهل
стр. 193
مدين ومثل الإشارة إلى خسف الأرض في مناسبات أخرى وهكذا. كذلك فإن وسائل المواصلات البعيدة بين بلد وبلد يستخدم فيها الجمل الذي يشير إليه القرآن الكريم مرة بشكل صريح ومرة أخرى بشكل ضمني، كما تستخدم الفلك في المواصلات البحرية، أما النقل القريب فتستخدم فيه البغال والحمير، وأما الخيل فهي وسيلة الحرب الأساسية٢٣.
стр. 194
٢- الحديث الشريف:
كان القرآن الكريم، إذن، هو المصدر الديني الأول لتاريخ العرب قبل الإسلام؛ لأنه لا يرقى إليه الشك, ولأنه, كما أسلفت الإشارة في بداية هذا الحديث, معاصر لمجتمع شبه الجزيرة العربية في نهاية العصر الجاهلي، ثم لأنه لم يتعرض لأي تحريف أو تبديل. وإذا كان القرآن الكريم هو المصدر الديني الأول، فإن المصدر الديني الإسلامي الذي يليه هو الحديث، وهو الأقوال المروية عن الرسول ﷺ وأهمية الحديث كمصدر تاريخي للمجتمع العربي قبل الإسلام تنسحب بالضرورة إلى المرحلة الأخيرة من المراحل التي مر بها هذا المجتمع، وهي المرحلة التي عاصرت ظهور الدعوة الإسلامية، ومن ثم يصبح الحديث مطابقا لها من الناحية الزمنية. كذلك فإن الحديث رغم اهتمامه بالأحكام الدينية وقوانين المجتمع الإسلامي في المقام الأول إلا أنه
стр. 195
تضمن، إلى جانب هذه الأحكام والقوانين، قدرًا من أخبار الجاهليين. كذلك فنحن نستطيع أن نستنتج بشكل مباشر أو غير مباشر بعض ممارسات المجتمع الجاهلي من خلال التعاليم التي تتضمنها هذه الأحاديث النبوية.
وعلى سبيل المثال فقد جاء في أحد الأحاديث: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" , قيل: يا رسول الله, أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "بأن تنهاه عن ظلمه" والحديث في محاولة لتغيير مفاهيم المجتمع الجاهلي، يشير إشارة مباشرة إلى العصبية العشائرية أو القبلية التي كانت تحكم هذا المجتمع والتي نراها في كثير مما وصلنا من أشعار الجاهليين. وعلى سبيل مثال آخر فقد جاء في أحد الأحاديث: "إخوانكم خولكم, فأطعموهم مما طعمتم وألبسوهم مما لبستم" وفي الحديث حض صريح لحسن معاملة الخدم، الذين كانوا في أغلب الأحوال عبيدا. ونحن نستطيع أن نستنتج منه سوء معاملة هذه الطبقة ومن ثم نعرف شيئا عن العلاقات الطبقية في المجتمع الجاهلي القريب من الإسلام، وهي علاقات يذكرها القرآن الكريم، فيما يخص طبقة العبيد, في أكثر من آية ويشير إلى ما كانت تتسم به من قسوة وتسلط٢٤.
على أن هناك عدة اعتبارت ينبغي أن ندخلها في حسابنا ونحن نعتمد على الحديث كمصدر لتاريخ المجتمع العربي في الفترة السابقة للإسلام, وأول هذه الاعتبارات يتعلق بطريقة انتقاله إلينا، فالحديث ظل ينتقل بالرواية الشفوية على امتداد قرنين كاملين حتى جمع ودون على عهد عمر بن عبد العزيز في أواخر القرن الثاني الهجري, وهو أمر قد يؤدي إلى شيء من الزيادة أو
стр. 196
النقصان في هذه الأحاديث أو إلى التغيير في بعض ألفاظها مما قد يستتبع تغييرًا في المعنى المحدد المقصود منها, وهذا على عكس ما حدث في حالة القرآن الكريم الذي كانت آياته وسوره، كما رأينا في مناسبة سابقة، تسجل عند نزولها مما لا يدفع مجالا لأي تغيير فيها، وحتى إذا كان رواة الحديث ثقاتٍ فإن هذا وحده لا يكفي، فالحديث ليس رواية فحسب ولكنه، حسبما يؤكد المتخصصون فيه، "رواية ودراية"، أي أن الذي يروي الحديث لا يكفي أن يكون صادقا وحريصا في روايته فحسب، بل ينبغي كذلك أن يكون على علم بالأحاديث المروية سواء فيما يخص معناها أو ألفاظها أو الملابسات التي قيلت فيها والغرض المقصود منها يوم قولها، فالحديث قد يكون صحيحا وثابتا وقاله الرسول ﷺ فعلا، ولكنه منسوخ، أي أبطل العمل به في عهد الرسول نفسه٢٥. وحتى لو افترضنا أن بعض الأحاديث قد دونت فعلا قبل عهد عمر بن عبد العزيز، وهو أمر وارد إذا أدخلنا في اعتبارنا أن المجتمع الإسلامي الأول كان على معرفة بالكتابة وأدواتها، مهما ضاق نطاق هذه المعرفة، فإن هذا لا يغير من الأمر شيئا فيما يخص الدراية بالأحاديث عامة وفيما يتعلق بالأحاديث المنسوخة بوجه خاص. كذلك يجب أن ندخل في اعتبارنا أن الفترة التي سبقت جمع الحديث وتدوينه، وهي التي تمتد عبر القرنين الأول والثاني للهجرة، كانت فترة مشحونة بالتيارات والنزاعات السياسية التي قد تتداخل أحيانا مع اعتبارات دينية، ومن ثم يصبح نحل بعض الأحاديث من قبل فئة أو أخرى أمرا واردا في سبيل تبرير موقف أو دحض موقف مضاد٢٦.
وقد كان هذا دون شك هو الذي أدى إلى شيء من الاختلاف بدرجات
стр. 197
متفاوتة سواء في عدد الأحاديث أو ألفاظها في عدد من مجموعات الحديث التي نذكر من بينها: الموطأ للإمام مالك "توفي ١٧٩هـ" وجامع الصحيح للبخاري "ت٢٥٧هـ" وصحيح مسلم "ت٢٦٢هـ" وسنن أبي داود "ت٢٧٥هـ" وسنن الترمذي "ت٢٧٩هـ" ومسند الإمام أحمد بن حنبل "ت قبل ٣٠٣هـ". هذا التفاوت يدفع الباحث في الواقع إلى قدر كبير من الحرص وهو بصدد الاعتماد على الحديث كمصدر تاريخي لمجتمع شبه الجزيرة قبل الإسلام ومن هنا فلعل خير سبيل نعتمده في هذا المجال هو ما ذهب إليه مفكر عربي معاصر من أننا نستطيع الاعتماد على الحديث "إذا كان موافقا لما ورد في القرآن الكريم"٢٧.
стр. 198
٣- التوراة والتلمود:
وإلى جانب القرآن الكريم والحديث الشريف، وهما المصادر الدينية العربية التي نتعرف من خلالها عن أحوال شبه جزيرة العرب ومجتمعها، هناك مصدران دينيان غير عربيين هما التوراة والتلمود. والتوراة وهي الكتاب المقدس عند اليهود، والتلمود يعتبر تكملة للتوراة ويشمل مجموعة الأحكام والشروح والروايات المتصلة بها والتي تواترت شفاهًا بعض الوقت قبل أن يدونها بعض أحبار اليهود في فترة لاحقة. وقيمة التوراة والتلمود كمصدرين من مصادر تاريخ العرب قبل الإسلام هي أنهما يتحدثان عن علاقة العبرانيين بالعرب في مواضع عديدة من جهة، كما أنهما معاصران لفترة ما قبل الإسلام من جهة أخرى. وأود أن أشير، هنا كذلك، أن ما يذكره هذان المصدران الدينيان قد يكون مقتضبا أو عابرا في بعض الأحيان وأن على الباحث أن يستكمل الحقيقة التاريخية بالمقارنة مع المصادر الأخرى مثل الآثار والنقوش والكتابات الكلاسيكية "اليونانية واللاتينية"، كما أود أن أقول: إن فترة
стр. 199
الرواية الشفهية التي مرت بها أحكام التلمود "وربما بعض أسفار التوراة" قبل أن تدون، لا بد أن ندخلها في اعتبارنا ونحن نعتمد على ما جاء بهما من أخبار ونقارنها بالمصادر الأخرى. وأخيرا فإن كلمة "العرب" في التوراة والتلمود تعني البدو أو عرب الصحراء أساسا وحتى حين يرد داخل المدن فإن المقصود بهم في هذه الحال هو البدو الذين نزحوا إلى هذه المدينة لسبب أو لآخر، أما سكان الحضر من شبه الجزيرة العربية فإن هذين المصدرين يشيران إليهما كأهل هذه المنطقة أو تلك كأن يقال: "أهل سبأ" أو "سكان أرض تيماء" أو "الدادانيون" "وهم سكان منطقة العلا الحالية بشمالي غربي شبه الجزيرة"، أو كأن ينسب شخص إلا مدينة "هجر" "وهي التي ترد باسم "الحجر" في القرآن الكريم ومكانها ميناء الوجه حاليا قرب مدينة العلا أو مدائن صالح" على سبيل المثال٢٨.
وسأقدم في السطور التالية بعضا من الجوانب التي اشتملت عليها حياة سكان شبه الجزيرة العربية كما تصورها التوراة والتلمود وكيف نحاول أن نستكمل صورتها التاريخية. وأول هذه الجوانب يخص المناطق شبه الصحراوية
стр. 200
من شبه الجزيرة وعلاقة سكانها بالمناطق المستقرة المتاخمة لها، والمنطقة هي منطقة "عوص" التي كان يقطنها أيوب وآله من "بني قِدم". ونستنتج من التوراة أنها منطقة شبه صحراوية تجمع بين الرعي والزراعة، إذ تذكر أن أيوب كان يملك سبعة آلاف من الغنم وثلاثة آلاف من الإبل وعددا من البقر يكفي لفلاحة خمسمائة فدان من الأرض الزراعية وخمسمائة أتان. كذلك تذكر التوراة أن الكلدانيين قد هاجموا هذه المنطقة وأخذوا الجمال وتركوا وراءهم عددا كبيرا من القتلى من بين السكان، بينما أغار السبئيون عليها وأخذوا البقر والأتن٢٩.
ولنحاول الآن أن نحدد مكان منطقة "عوص". وفي هذا المجال نجد اختلافا في الرأي بين الباحثين، فبعضهم يرى أنها منطقة حوران في سورية، وبعضهم يرى أنها تقع في منطقة الحجاز، وهو رأي قد يغري به وجود موضع حتى الآن يدعى "عيص" في المجاز فعلا "شمال غربي المدينة وشمال ينبع النخل"، وبعضهم يضعها في مناطق أخرى٣٠، فأين إذن منطقة "عوص" على وجه التحديد؟ إن التوراة أطلقت على سكانها "بني قدم"، وهو وصف يعني سكان الشرق أي: السكان الذين يقطنون إلى شرقي العبرانيين, وهذه طريقة في تحديد الأماكن تتمشى مع ما اتبعته الأقوام القديمة في هذا الصدد "كما كان أبناء وادي الرافدين، على سبيل المثال، يسمون القبائل البدوية القاطنة إلى غربهم قبائل أمورو أي: قبائل الغرب" كذلك فالمنطقة تقع في متناول غارات الكلدانيين. والكلدانيون من سكان وادي الرافدين وقد أقاموا حكمًا لهم هناك بعد أن اشتركوا في إسقاط حكم الآشوريين في ٦١٢ ق. م. وإذن فمنطقة عوص قريبة من وادي الرافدين أو على الأقل
стр. 201
تقع في المجال الذي تجتاحه قوات وادي الرافدين في طريق غاراتها المعتاد على المنطقة السورية. من جهة أخرى فإن السبئيين الذين أغاروا على منطقة عوص لا يمكن أن يكونوا قوات مملكة سبأ التي كانت في اليمن، فلا يعقل أن يتكبد هؤلاء مشقة اختراق شبه الجزيرة من جنوبيها إلى شماليها لكي يغيروا على منطقة يأخذون منها عددًا من البقر والأتن. وإذن فسبأ المقصودة هنا هي مستوطنة سبأ التي أقامها السبئيون في شمالي شبه الجزيرة والتي يرد ذكرها في عدد من النصوص الآشورية٣١. وهكذا نستطيع أن نقول: إن منطقة "عوص" المذكورة هي منطقة تقع في البادية الشمالية من شبه الجزيرة والتي تمتد بين وادي الرافدين والمنطقة السورية، وأن الحادثة التي ترويها التوراة تمثل نوعا من الاحتكاكات التي كانت تحدث بين البدو والمناطق المستقرة التي يوجدون على تخومها وأن الحدث المذكور قد يكون نوعا من الغارات التأديبية على هؤلاء البدو لسبب أو لآخر.
وقد ذهب بعض المعلقين، سواء من القدامى أو المحدثين، ومن بينهم ابن عزرا، العالم اليهودي الذي عاش في القرن الثاني عشر، إلى أن أيوب وقومه كانوا من العرب، استدلوا على ذلك بما وجدوه في بعض الأسماء والألفاظ والتعابير التي وردت في سفر أيوب الذي يضم هذا الحدث، وهي تشير في رأيهم إلى أثر عربي واضح, بل إن بعض الباحثين ذهبوا إلى أن هذا السفر ربما كان ترجمة لأصل عربي مفقود، وعلى أي حال فالذي يهمنا في الموضوع هو أن المنطقة التي عاش فيها قوم أيوب تقع في شبه الجزيرة
стр. 202
العربية وأن الحدث المروي يمثل علاقة هذه المنطقة شبه الصحراوية بجيرانها٣٢.
على أن أغلب الإشارات الواردة في التوراة، فيما يخص موضوعنا، تبين لنا عددا من الجوانب التي اتسمت بها العلاقات بين العرب والعبرانيين، سواء أكان العرب المقصودون من البدو أم من أهل الحضر. وهي علاقات كانت تسير في بعض الأحيان في طريق العنف السافر الذي ينتصر فيه أحد الطرفين مرة وينتصر الطرف الآخر مرة، وتسير في طريق المؤامرات أحيانا أخرى، أو في طريق العلاقات التجارية في أحيان ثالثة. فالتوراة تذكر لنا مثلا أن الفلسطينيين والعرب "الذين بقرب الكوشيين" هاجموا مملكة يهوذا على عهد ملكها يورام أو يهورام "٨٥١-٨٤٣ ق. م" ويبدو من سياق الحديث أنه كان هجوما عنيفا اكتسحوا فيه المملكة، فقد هاجموا قصر الملك وسبوا نساءه وأسروا كل أبنائه فيما عدا واحدًا ونهبوا أمواله، وهنا تقف أمام الباحث صعوبة، فالكوشيون عادة يعني الأحباش أو سكان منطقة السودان، ومن هنا ذهب أحد الباحثين إلى أن العرب الذين بقرب الكوشيين هم أهل اليمن، بينما ذهب باحث آخر إلى أنهم عرب سيناء على أساس أنهم بقرب المصريين اعتبارا بأن المصريين من الحاميين ومن ثم يكونون هم المقصودون بالكوشيين٣٣.
ولكن الرأيين مردود عليهما، وفيما يخص الرأي الأول، فإن التوراة حين ترد فيها لفظة العرب تعني الصحراء أي البدو، واليمن كانت
стр. 203
منطقة حضر وكانت النظرة إليها في العصور القديمة دائما بهذا الوصف الحضري رغم وجود بعض المناطق البدوية فيها بالضرورة، وسكانها يذكرون في التوراة على أنهم "سبئيون من أرض بعيدة" كما سنرى في مناسبة مقبلة، وحتى إذا دخلنا في باب الافتراض الجدلي فإن اليمنيين لا يمكن أن يكونوا هم المقصودون فليس هناك أي احتمال لاشتراك بدو اليمن مع الفلسطينيين في مهاجمة مملكة يهوذا لا من جانب المصلحة المشتركة ولا من جانب جوار "غير موجود" بينهما. أما فيما يخص الرأي الثاني الذي يجد في هؤلاء العرب القريبين من الكوشيين عربا من سيناء "على اعتبار أن المصريين هم الكوشيون" فالاحتمال ضعيف، إذ إن الألفاظ الدالة على المصريين وعلى أرض مصر واردة ومتكررة في التوراة ولو كان العرب المقصودون في النص هم عرب سيناء لأشارت التوراة إلى المصريين بالتحديد وليس إلى الكوشيين، وإذن يبقى هناك تفسيران محتملان، أولهما أن العرب المقصودين بهذا الوصف هم من جيران الفلسطينيين بحكم ظرف الحادث الوارد في النص ولكنهم كانوا من القبائل اليمنية المهاجرة إلى الشمال والتي عاشت في الشمال حياة بدوية. وأما التفسير الثاني، وهو الأبسط والأرجح في رأيي، فهو أن يكون الوصف مجرد استخدام مجازي للفظة "الكوشيين" وكان النص يريد أن يقول: إن الفلسطينيين لم يكونوا وحدهم في الهجوم وإنما كانت معهم قبائل بدوية "من كل حدب وصوب" أو "من كل فج عميق" أو من "آخر الدنيا" وهي صيغة مبالغة في التعبير واردة في اللغات السامية٣٤.
ونحن في الواقع نستطيع أن ندرك السبب الذي من أجله تم هذا التحالف بين هذه القبائل العربية القريبة من مملكة يهوذا وبين الفلسطينيين إذا رجعنا إلى
стр. 204
الوراء قليلا لنرى ما تقوله التوارة عن عهد سليمان "٩٧٠-٩٣٧ ق. م". فقد وجه سليمان اهتمامه إلى ناحية التجارة البحرية واتخذ ميناء عصيون جابر "بجوار ميناء إيلات" على البحر الأحمر مرفأً أساسيا لهذه التجارة. وقد كان هذا دون شك ضربة للموانئ الفلسطينية على شاطئ البحر المتوسط، كما كان في الوقت ذاته ضربة إلى الأطراف الشمالية للطرق البرية التي توصل إلى موانئ الفلسطينيين، وهي الأطراف التي تمر بالضرورة في أراضي العرب المحيطين بفلسطين وتعتبر موردا اقتصاديا حيويا بالنسبة لهم٣٥.
مثال آخر من الأمثلة التي تقدمها التوراة في تصوير هذه العلاقات العنيفة بين العرب والعبرانيين نرى فيه الملك عزيّا ملك يهوذا وقد حارب الفلسطينيين والعرب المقيمين بمنطقة "جُور بَعْل" والمعونيين وهدم أسوار مدنهم وأخذ جزية من العمونيين٣٦. وهنا تقابلنا مشكلة تحديد هذه الأماكن الثلاثة, جور بعل وأرض المعونيين وأرض العمونيين. فلفظة "جور" تعني في العبرية "مسكن" ومن ثم فمنظمة جور بعل معناها الحرفي مسكن بعل وتشير بذلك إلى منطقة تسود فيها عبادة هذا الإله والمنطقة السورية بأكملها كانت تعرف عبادة هذا الإله. لقد ذهب أحد الباحثين إلى أن المنطقة توجد على حدود الحجاز الشمالية، وليس من المستبعد، قياسا، أن تكون هذه العبادة قد انتشرت من سوريا إلى الحجاز, فالعقائد الدينية المرتبطة بعدد من الآلهة القديمة انتشرت في أحيان عديدة خارج المناطق التي ظهرت بها، كما أن طرق القوافل التي تربط بين الحجاز وسورية كان من الممكن أن تساعد على انتقال
стр. 205
هذه العبادة إلى الحجاز٣٧. ولكن مع ذلك فإننا نتوقع منطقيا وقياسيا أن يشير اسم "مسكن بعل" إلى منطقة يكون بها المركز الرئيسي لعبادة هذا الإله كما كانت مدينة "عين شمس" أو "هيليوبوليس" heliopolis "وهي ترجمة يونانية للمكان نفسه تحت اسم "مدينة الشمس"" تعني المركز الأساسي لعبادة "رع" إله الشمس في مصر القديمة. ومن ثم فاحتمال أن تكون الحجاز، أو منطقة تقع على حدودها الشمالية، هي منطقة جور بعل يبقى في خير الأحوال احتمالا ضعيفا. هذا، بالإضافة إلى أن منطقة الحجاز تظل منطقة بعيدة عن المنطقة التي دار فيها الحدث المذكور ومن ثم يظل احتمال المصلحة المباشرة التي تدعو أهلها إلى أن يكونوا طرفًا في المعركة احتمالا بعيدا. كذلك ذهب باحث آخر إلى أن جور بعل قد تشير إلى صخرة بعل، ومن ثم فتكون مدينة بترا petra "البتراء" ومعناها في اليونانية "الصخرة" هي المدينة المرشحة لأن تكون جور بعل٣٨. وهذا الاحتمال يبقى واردا ولكن دون تأكيد وإنما كل ما نستطيع أن نصل إليه في هذا الصدد هو أن نقول: إن منطقة جور بعل هي منطقة قريبة من حدود مملكة يهوذا حتى تكون لها مصلحة مباشرة تجعلنا نفهم فهما مقبولا أن تكون طرفا في المعركة مع ملك يهوذا, أي أنها في أقصى الشمال الغربي من شبه الجزيرة العربية.
أما عن المعونيين، فيكاد يكون من الأرجح أنهم المعينيون، ولكنهم من المنطلق ذاته، ليسوا دولة معين التي كانت موجودة باليمن، وإنما هم جماعة منهم كانوا قد أسسوا مستوطنة أو مستوطنات في الشمال "على نمط السبئيين" واستقروا في منطقة ديدان "العلا الحالية في القسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة العربية" وأقاموا هناك مملكة معينية شمالية. وأما عمون التي يبدو أنها اشتركت في الحلف ولكنها لم تشترك في المعركة الفعلية ومن ثم اكتفى
стр. 206
ملك يهوذا بأن يفرض جزية عليها دون تهديمها، فهي ربة عمون التي كانت تقع جنوبي عمان الحالية بمسافة قصيرة على الخط التجاري٣٩.
وإذن فنحن أمام حلف قوامه الفلسطينيون والقبائل العربية المجاورة لهم وعمان والمعينيون الشماليون. ومن مواقع المشتركين في هذا الحلف نستطيع أن نتعرف على هوية التحالف بينهم. إن للفلسطينيين موانئ على ساحل البحر المتوسط حيث تصب نهايات الخط التجاري الآتي من جنوبي شبه الجزيرة العربية، والقبائل العربية في جور بعل تمر بها نهايات هذا الخط التجاري التي توصل في أشواطها الأخيرة إلى الموانئ الفلسطينية، وعمون تقع في طريق هذه القوافل، أما المعونيون "وهم المعينيون كما رأينا"، وموقعهم إلى الجنوب قليلا، فبأرضهم يمر الخط التجاري المذكور، بالإضافة إلى ميناء تجارية لهم على البحر الأحمر هي ميناء إجرا "الحجر" أو الوجه حاليا. وهذا الحلف تجمعه مصلحة مشتركة هي المصلحة التجارية، ونحن نستطيع أن ندرك الحجم الحقيقي لهذا التحالف التجاري الحربي إذا عرفنا من التوراة أن عزيا ملك يهوذا استولى على المدن والموانئ الفلسطينية وأعاد بناء إحدى هذه الموانئ على الأقل وهي ميناء أشدود، وأنه أراد أن يحدث تغييرا جذريا في الخطوط التجارية البرية التي كانت تصل إلى الموانئ الفلسطينية وذلك بعد أن استعاد ميناء إيلات "على رأس خليج العقبة"٤٠ وهو أمر يستطيع من خلاله أن
стр. 207
يجعل هذه الميناء نهاية الطريق التجارية الآتية من البحر الأحمر وبداية للطرق التجارية إلى موانئ الشاطئ الفلسطيني وهكذا تصبح ميناء إيلات منافسا خطيرا لميناء الحجر المذكور والتي كان المعينيون يعتمدون عليها في تجارتهم البحرية إلى جانب اعتمادهم على خط القوافل في تجارتهم البرية.
أما المثال الثالث الذي سأقدمه من التوراة كمصدر من مصادر التعرف على العلاقات بين عرب شبه الجزيرة "أو بالأحرى أطرافها الشمالية الغربية" وبين العبرانيين، وفيه يتعادل الفريقان بشكل أو بآخر، فهو يرجع إلى فترة ما بعد عودة العبرانيين من السبي البابلي، وفيها نجد نحميا اليهودي يطلب من ارتَحَشْتا الإمبراطور الفارسي "٤٦٤-٤٢٤ ق. م" أن يسمح له ببناء سور حول القدس. وهنا تذكر التوراة أن نحميا وجد معارضة من عدد من زعماء المنطقة من بينهم طوبيا العموني وجشم العربي, ولكن هذه المعارضة لا تتمخض عن مواجهة عسكرية كما رأينا في المناسبتين السابقتين وإنما تقتصر على مؤامرات وحيل من الطرفين تنتهي بنجاح نحميا في بناء السور الذي يريده٤١. ونحن نستطيع أن نفهم ما جاء في التوراة إذا نظرنا إلى الوضع السياسي الذي كانت تمر به المنطقة بأكملها، وهو أنها قد أصبحت في ذلك الوقت جزءًا من الإمبراطورية الفارسية التي شملت كل بلاد الشرق الأدنى ومن ثَمَّ لم يكن هناك مجال لمواجهة عسكرية وإنما لمؤامرات داخلية لا تصل إلى حد هذا النوع من المواجهة، وبخاصة إذا كان الإمبراطور الفارسي هو الذي أعطى الإذن ببناء السور.
ولا تقتصر التوراة كمصدر تاريخي على التعريف بعلاقات العرب والعبرانيين
стр. 208
في مجال الاحتكاكات الحربية والمؤامرات السلمية، وإنما تتعداها لتحدثنا عن علاقات تجارية تدخل فيها السياسة أو عن علاقات تجارية عادية. ونحن نجد في هذا المجال إشارة إلى أن السبئيين في العربية الجنوبية كانوا يشترون العبيد من خارج البلاد كأيدٍ عاملة ربما للعمل في مزارعهم أو كعمال أو للخدمة في بيوت الطبقة التجارية الأرستقراطية التي كانت تسيطر على البلاد. فالتوراة تورد تهديدا من جانب يَهْوه "اسم الله عند العبرانيين" يتوعد فيه صور وصيدون وجميع بقاع فلسطين بأن يبيع بنيهم وبناتهم بأيدي يهوذا للسبئيين، لأمة بعيدة "وهذا يعني أن هؤلاء لم يكونوا من سبأ الشمالية القريبة من العبرانيين، إنما من تجار مملكة سبأ التي كانت موجودة في اليمن"، وذلك ردا على ما فعلوه حين باعوا "بني يهوذا وبني أورشليم لبني الياوانيين"، وهم اليونان٤٢. كذلك نجد تجار سبأ "الجنوبية أو الشمالية" يتجرون مع العبرانيين بالطيوب والذهب والأحجار الكريمة و"بالأنسجة الفاخرة" وتشير التوراة كذلك إلى أهل وَدَان "العلا" الذين كانوا يتجرون مع العبرانيين "بالنمارق للركوب" وربما يقصد بذلك نوع من الأثاث، بينما تشير إلى العرب "القبائل البدوية" على أن تجارتهم مع العبرانيين كانت في الماعز والأغنام٤٣, كما نجد مثلا مرجحا من أمثلة العلاقة التجارية بين العبرانيين والعرب في عهد سليمان إذ تذكر لنا التوراة أن سليمان في محاولته لتقوية مملكته وإشاعة الرخاء في أرجائها قد وجه عنايته إلى النشاط التجاري البحري فأنشأ أسطولًا تجاريًّا في عصيون جابر٤٤ على خليج العقبة "غربي
стр. 209
إيلات". قام برحلات تجارية إلى عدد من الأماكن من بينها "أوفير" التي أتى منها هذا الأسطول بكميات وفيرة من الذهب، والرأي الراجح بين الباحثين استنادا إلى بعض ما جاء في التوراة من أسماء الأقوام أو الأماكن وتحديد موقعها، واستنادا إلى مصادر أخرى أن "أوفير" تقع في شبه الجزيرة العربية على السواحل الشرقية أو الجنوبية. وأود أن أؤيد هذا الترجيح بما ذكره هيرودوتوس herodotus شيخ المؤرخين اليونان الذي كتب في أواسط القرن الخامس ق. م. وبما أورده سترابون strabo الجغرافي اليوناني "أواخر القرن الأول ق. م. وأوائل القرن الأول م" عن وجود الذهب في شكله الخالص في شبه الجزيرة العربية٤٥.
وأخيرا فإن التلمود، وهو الكتاب المكمل للتوراة، يتحدث عن عدد من جوانب الحياة عند العرب وإن كان على الباحث أن يستنتج ذلك بشكل غير مباشر في أغلب الأحوال من حديث كتاب التلمود عن المسائل الفقهية والتشريعية -وهي الموضوع الأساسي لهذا الكتاب- والتي تتطرق إلى ما يجوز وما لا يجوز العمل به في المعاملات بين العبرانيين والعرب، كذلك يجب أن ندخل في اعتبارنا ونحن بصدد الاعتماد على التلمود أن عددا من الأمثلة التي يوردها وهو بسبيل الحديث عن هذه المعاملات تشير إلى عرب سيناء وليس إلى سكان شبه الجزيرة العربية. كما أن هذا الكتاب يشير إلى العرب كثيرا تحت اسم
стр. 210
"طييعة" و"طيافة" والنسبة في هذه الأشكال هي إلى قبيلة "طي" العربية المعروفة التي يذهب أحد الباحثين إلى أنها كانت قد أصبحت في وقت تدوين التلمود من أشهر القبائل العربية وأعظمها قوة بحيث غلب اسمها على بقية أسماء القبائل العربية, فأصبح هذا الاسم يطلق على بقية هذه القبائل المجاورة٤٦.
وأختم الحديث بعرض أمثلة سريعة من حديث التلمود عن العرب وحياتهم وعاداتهم. ففي مجال العقائد والعبادات يذكر هذا الكتاب أن العرب كان لهم معبود هو "نشرا" ونحن نجد ذكر هذا المعبود يرد كذلك في القرآن الكريم على نحو ما أشرت في مناسبة سابقة, وأن مواسم حج الأعراب لم تكن ثابتة وإنما كانت تتغير من حين لآخر حسب ما يجدّ في مواسم السنة. ويشير التلمود إلى حياة الأعراب فيذكر أنهم كانوا دائمي التنقل في البادية. وأما عن عاداتهم فيذكر أن رجال العرب كانوا يعمدون إلى وضع اللثام على وجوههم في أثناء السفر على سبيل الوقاية من الزوابع الرملية، كما كان نساء العرب يغطين وجوههن عند الخروج إلى الأماكن العامة، وهي عادة يرى أحد الباحثين أنها ربما كانت تخص نساء العرب المقيمين في المدن، كما أن بين ما أشار إليه التلمود من صفات العرب هو قدرتهم الخارقة على التعرف على مواضع الماء في الصحراء بمجرد شم الرمال٤٧، وهذه دون شك من نوع الحاسة السادسة التي أوجدتها عند العرب ظروف الجفاف التي سيطرت على شبه الجزيرة والتي أكسبت العرب بالضرورة هذا النوع من الخبرة التي لا يمكن الاستغناء عنها تحت هذه الظروف.
стр. 211
الباب السادس: المصادر الكتابية
مدخل
...
الباب السادس: المصادر الكتابية
بعد أن تعرفنا على المصادر الدينية لتاريخ شبه الجزيرة العربية في العصور السابقة لظهور الدعوة الإسلامية، وهي مصادر وصلتنا في صورة مدونة، أنقل الحديث إلى القسم الثاني من هذه المصادر المدونة، وأقصد به الكتابات التي تركها لنا الأقدمون من المؤرخين والجغرافيين والرحالة وكتاب الموسوعات العلمية وغيرهم من أصحاب القلم. وهذا القسم الثاني من المصادر المدونة نستطيع أن نميز فيه بين مجموعتين من الكتابات: الأولى هي ما حرره الكتاب الكلاسيكيون أو الكتاب اليونان والرومان "الذين كتبوا باليونانية واللاتينية"، وتستمد كتاباتهم قيمتها من معاصرة هؤلاء الكتاب لمجتمعات شبه الجزيرة العربية في الفترات السابقة لظهور الإسلام، ومن التزامهم بدرجات متفاوتة، ولكنها ملموسة في كل الأحوال، بالتحقيق العلمي والعملي لما كتبوا عنه, وهو تحقيق كانوا يملكون في الواقع مادته الرئيسية "حتى إذا صرفنا النظر عن أية ظروف ومقومات أخرى" بحكم معاصرتهم هذه للأحداث والأحوال والمواقف التي تخص المنطقة التي يكتبون عنها. أما المجموعة الثانية من الكتابات فهي الكتابات العربية التي تركها لنا كتاب العصر الإسلامي، وهذه يعوزها بالضرورة عنصر المعاصرة "الذي يتميز به هؤلاء الكتاب حين يكتبون عن تاريخ العصر الإسلامي ذاته" ومن ثم فهي تعتمد على ذكر
стр. 212
الروايات والتصورات الشائعة، في أثناء فترة تدوينها، عن مرحلة تاريخية سابقة لهذا التدوين بقرون عديدة.
стр. 213
الكتاب الكلاسيكيون
كتاب المرحلة المبكرة
...
١- الكتاب الكلاسيكيون:
أ- كتاب المرحلة المبكرة:
وتبدأ الكتابات الكلاسيكية عن أحوال شبه الجزيرة العربية بشكل أساسي في أواسط القرن الخامس ق. م. وإن كانت هناك إشارات عن العرب فيما تركه لنا اليونان الأوائل، على أن هذه الإشارات ضئيلة ولا تتعدى في الواقع خمس إشارات: اثنتان منها تردان في ملحمة الأوديسية المنسوبة إلى هوميروس homeros الذي يعتمد في شعره على تراث يوناني ينتهي عند أواسط القرن التاسع ق. م. وواحدة في أشعار هزيودوس hesiodos، وهي أشعار ترجع إلى ما بعد هذه الفترة بما يقرب من قرن، واثنتان في مسرحيتين للشاعر المسرحي إيسخيلوس aeschylos وترجعان إلى العقود الأولى من القرن الخامس ق. م. ولكن هذه الإشارات جميعا، فوق أنها مبتورة تأتي كل منها في لفظة واحدة، فإن اثنتين من بينها دلالتهما غير محددة، وواحدة غير ثابتة، ولكن مع ذلك، فإن هذه الضآلة في عدد الإشارات أو في نوعيتها لها دلالة تاريخية فيما يخص شبه الجزيرة العربية, وهذه الدلالة هي أن مجتمع شبه الجزيرة لم يكن بينه وبين اليونان آنذاك اتصال مباشر، ومن ثم كان الحديث عنهم في كتابات اليونان في تلك الفترة حديثا غامضا أو شبه أسطوري١.
стр. 214
على أن أول ذكر مفصل ومطول عن العرب وشبه الجزيرة العربية عند
стр. 215
الكلاسيكيين يرجع, كما أسلفت، إلى أواسط القرن الخامس ق. م. ونجده عند المؤرخ اليوناني هيرودوتوس herodotus الملقب بأبي التاريخ أو شيخ التاريخ٢. وهيرودوتوس لا يقصر تسمية بلاد العرب arabia على شبه الجزيرة العربية، ولكنه يطلقها، إلى جانب شبه الجزيرة، على كل القسم الداخلي من سورية "بادية الشام" وعلى شبه جزيرة سيناء وصحراء مصر الشرقية التي تقع بين النيل والسواحل الغربية للبحر الأحمر والتي تعرف أحيانا باسم صحراء العرب٣. ولكن ليس من العسير على الباحث أن يدرك أن هذا المؤرخ يتحدث عن شبه الجزيرة حين ينصب حديثه عليها بالتخصيص وهو أمر ندركه حين يقول, على سبيل المثال: إن بلاد العرب هي أقصى البلاد المعمورة في العالم نحو الجنوب٤, أو حين يقول على سبيل مثال آخر: إن أريج الطيوب يملأ جو هذه البلاد٥. كذلك فإن حديثه عن