العربية السعودية في واحة البدع "التي تعرف باسم مغاير شعيب، في نهاية وادي الأبيض المسمى: عفل، على الجانب الشرقي لخليج العقبة ويبعد عن تبوك ١٧٠ كيلومترا إلى الغرب" وفي مدائن صالح "١٥ كيلومترا شمالي العلا" وهي التي عرفها الكتاب الكلاسيكيون باسم "إجرا" egra وجاءت في القرآن الكريم باسم "الحجر" كحاضرة ثمود، وقوم نبي الله صالح.
ونحن نستطيع أن نستنتج من هذا النوع من العمارة الذي ظهر في هذه المنطقة عددًا من الحقائق: من بينها امتداد المنطقة التي شملها حكم الأنباط الذين تميزوا بهذا النوع من العمارة. ومن بينها التأثر بالطراز اليوناني - الروماني في العمارة بشكل ظاهر، فواجهات هذه القطع المعمارية واجهات pedaments يونانية، رومانية وكذلك الإفريز Freeze المستطيل الذي يلي الواجهة إلى أسفل وكذلك الأعمدة التي تلي الإفريز نزولا لتحيط بباب المعبد أو الضريح. كذلك نلمس في هذا النوع من المعمار ظهورا جانبيا ولكنه ملموس للشخصية العربية المعمارية "وبخاصة في مدائن صالح في القسم الجنوبي من هذه المنطقة" وهي الشخصية التي بلغت أوجها في الطراز المعماري في العصر الإسلامي. فمن جهة نجد أن الواجهة التي تتخذ في الطراز اليوناني شكلا مثلثا ذا جانبين لهما زوايا حادة، ورأس له زاوية منفرجة، تظهر في بعض الأحيان القليلة في هذه المنطقة وقد اختفى التدبيب من زاوية الرأس فصار لها شكل قوس بيضاوي، ثم نجدها في أحيان قليلة أخرى في عدد من الطاقات NICHES وقد اتخذت قوسا نصف دائري هو القوس الذي يظهر في العمارة العربية بعد ذلك، كذلك نجد أقسام الإفريز التي كانت تتخذ في الإفريز اليوناني شكل مساحات مربعة أو مستطيلة metops تملؤها صور من النحت البارز تمثل قصصا من الأساطير اليونانية, وتفصل بين كل قسم والآخر ثلاثة خطوط رأسية متجاورة triglyphs تبقى كما هي في الإفريز العربي "النبطي" ولكن يظهر فيها تغيير جزئي، فبدلا من النحت البارز الذي يمثل القصص اليونانية ينحت
стр. 142
شكل زهرة ذات ست أو ثماني وريقات في أغلب الأحيان "لعلها مقدمة النجمة المثمنة في الزخرفة الإسلامية فيما بعد"٦.
стр. 143
ب- النحت والمخربشات:
وأنتقل الآن إلى الحديث عن النوع الثاني من الآثار وهو النحت الذي يتخذ شكل تماثيل، والنحت البارز الذي يتخذ شكل صور أو زخارف بارزة على واجهات أو جدران المباني أو المسلات. ومن أمثلة هذه الآثار في شبه الجزيرة العربية تمثال حجري عثر عليه قرب القلعة الموجودة في جزيرة تاروت التي تكاد تلاصق الشاطئ الغربي للخليج عند القطيف. والتمثال له دلالة حضارية كبيرة بالنسبة لتاريخ هذه المنطقة، فهو يشبه التماثيل السومرية التي وجدت في جنوبي العراق والتي يرجع تاريخها إلى نحو ثلاثة آلاف سنة ق. م. وهذا يدل على اتصال وثيق بين هذا القسم من شبه جزيرة العرب وبين حضارة وادي الرافدين في هذه الفترة المبكرة٧، وهو اتصال له ما يؤيده من البقايا الفخارية المتشابهة التي عثر عليها في المنطقتين كما سنرى بعد قليل، بما يحمله هذا من معانٍ وما قد يلقيه من أضواء على بعض الجوانب الخاصة بأصل الحضارة السومرية أو بتأثيراتها. كذلك عثر في المعبد اللحياني في الخريبة "مدينة العلا القديمة قرب مدائن صالح في القسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة" على تمثال صغير "طوله متر واحد" يبدو نسخة مصغرة من التماثيل المصرية القديمة سواء في وقفته المتصلبة أو في الذراعين الملتصقين بجانبي الجسم أو في اليدين المقبوضتين. ولم تظهر دراسة مفصلة عن هذا التمثال حتى الآن، ولكنه يشير بشكل واضح إلى تسرب التأثير الفني المصري بشكل أو بآخر إلى المنطقة٨.
стр. 144
أما المثال الثالث الذي أقدمه في هذا الصدد فهو تمثال برونزي عثر عليه ضمن مجموعة من التماثيل في مدينة "تمنع" في قتبان وهي من الأقسام السياسية التي قامت في جنوبي شبه جزيرة العرب وهو تمثال لطفل يمتطي أسدا، والطفل يمسك في يده اليمنى بلجام وفي يده اليسرى بشيء يشبه القفل بينما يرفع الأسد رجله اليمنى وكأنه يهم بالحركة. وفي هذا التمثال نجد أثر الفن اليوناني بارزًا إلى حد كبير سواء في عري الطفل، والعري ظاهرة شائعة في التماثيل اليونانية، أو في ملامح وجهه أو في ليونة الحركة الخارجية "التي تميز الفن اليوناني عن فنون الشرق الأدنى القديم مثل الفن المصري أو الفن الآشوري". ونحن نستطيع أن نستنتج من هذا التمثال، الذي يرجع صنعه إلى القرن الأول ق. م. أو القرن الأول الميلادي، تأثيرا يونانيا على المثال العربي في هذه المنطقة من شبه الجزيرة, جاء نتيجة احتكاك اتخذ صورة أو أخرى بين اليونان وجنوبي شبه الجزيرة, وبخاصة إذا عرفنا أن اليونان كانوا قد بدءوا يزاولون الملاحة في البحر الأحمر منذ العصر المتأغرق "القرون الثلاثة الأولى ق. م" بتشجيع من ملوك البيت الحاكم البطلمي في مصر، ثم استمر نشاطهم البحري بعد ذلك في عصر الإمبراطورية الرومانية "ابتداء من ٢٧ ق. م" بعد أن عمل الأباطرة الرومان منذ بداية قيام الإمبراطورية الرومانية على فرض نفوذهم بطريق أو بأخرى على مدخل البحر الأحمر عند مضيق باب المندب "أقصى الطرف الجنوبي لهذا البحر" كمنطقة تتحكم في الطريق التجارية بين موانئ البحر المتوسط "ثم برا إلى البحر الأحمر ثم اختراقا لهذا البحر حتى جنوبيه" والمحيط
стр. 145
الهندي. وفي خلال هذا النشاط البحري التجاري بما فيه من مبادلات كان المجال مفتوحا لوصول بعض الدمى اليونانية التي قلدها الفنان العربي الجنوبي٩.
وأنهي الحديث عن الآثار المنحوتة في شبه الجزيرة العربية بمثال من النحت البارز يمثله شاهد مقبرة من تيماء "القسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة" "يرجع إلى أواسط الألف الأولى ق. م" وقد نحتت على هذا الشاهد صورة الإله "هلال" إله القمر التمودي وقد ظهر في النحت شخص يقدم قرابين إلى الإله١٠، ونستطيع بشكل بسيط ومباشر أن نستنتج من النحت الموجود على هذا الشاهد حقيقتين: إحداهما أن الثموديين، أو الفرع الشمالي منهم, كانوا يقيمون بشكل مستقر، وليس بشكل عابر لتجارة أو غيرها، في هذه المنطقة. أما الحقيقة الثانية فهي نوع العبادة التي كان يمارسها هؤلاء الثموديون في هذه المنطقة, وما يمكن أن يكون لها من صلة بعبادات الأقوام الذين وجدوا في المناطق المجاورة أو الذين احتكوا بهم في صورة أو في أخرى.
وإذا كان النحت بنوعيه، النحت المستدير "التماثيل" والنحت البارز يقدم لنا الشيء الكثير عن حياة العرب في شبه الجزيرة في العصر السابق للإسلام, فإن المخربشات التي تركها السكان على صخور الجبال, وإن كانت أقل منها
стр. 146
شأنًا من الناحية الفنية، إلا أنها لا تقل عنها في قيمتها كمصدر نستقي منه أحوال المجتمع العربي في ذلك العصر. وهناك في الواقع أمثلة عديدة لهذه المخربشات التي نقشها السكان بشكل غير متقن أو بشكل عفوي وبسيط وسريع في أغلب الأحيان. وسأختار عددًا منها من المنطقة الوسطى في شبه الجزيرة, يعطينا فكرة عن بعض جوانب المجتمع الذي كان يوجد في هذه المنطقة. وأول مجموعة من هذه المخربشات نجد منظرين منها على جبل برمة في القسم الشمالي الشرقي من هذه المنطقة، وهي تضم منظرا لعنزة في حركة قافزة ومنظرا آخر يظهر فيه جمل وما يشبه النعامة. بينما نجد منظرا ثالثا في وادي ماسل يضم عددا من النعام. والمنظر الأول الذي تظهر فيه العنزة يعبر عن حياة الرعي التي سادت هذه المنطقة، بينما يعبر المنظر الثاني الذي يظهر فيه الجمل عن وسيلة المواصلات الأساسية لسكان المنطقة. أما النعامة فيبدو رغم انقراضها الآن بشكل كلي أو يكاد يكون كليا، أنها كانت من الحيوانات أو الطيور الشائعة في عصر ما قبل الإسلام شيوعًا جعلها أو جعل التشبيه بها يظهر بشكل متواتر في أشعار الجاهليين من أمثال امرئ القيس ولبيد بن ربيعة والحارث بن حلزة اليشكري وعنترة بن شداد والنابغة الذبياني وعامر بن الطفيل وعبيد بن الأبرص١١.
والمجموعة الثانية من هذه المخربشات منحوتة على صخور جبل برَّاقة "حوالي ٣٠ كيلومترًا شمالي موقع الدوادمي" وفي أحد مناظرها نجد صورة
стр. 147
لجمل تحيط به من جميع الجهات صورة مكررة أربع مرات هي عبارة عن دائرة وإلى جانبها خط مقوَّس بعض الشيء١٢. إن هذه هي صورة "الوسْم" أو العلامة التي كانت تتخذها كل قبيلة تمييزًا لها عن القبائل الأخرى، وربما كان للشكل الذي يتخذه هذا الوسم سبب أسطوري وربما كان مجرد اتفاق تعبيري بين أفراد القبيلة، ولكنه يبرز للباحث حرص كل قبيلة على الترابط فيما بينها، وعلى ألا تذوب شخصيتها في المحيط الواسع الذي تتجاور فيه القبائل في منطقة أو أخرى من مناطق شبه الجزيرة العربية. ومنه تستطيع أن تدرك مدى تغلغل النزعة الانفصالية التي عبرت عن نفسها في شكل العصبية القبلية والتي سادت المنطقة "وفي الواقع أغلب مناطق شبه الجزيرة العربية" بشكل حاد في الفترة السابقة لظهور الإسلام.
أما المجموعة الثالثة من المخربشات فنجدها على بعض الصخور الموجودة في وادي ماسل "٧٠ كيلومترا جنوبي الدوادمي". وفي أحد مناظرها تظهر صورة متجاورة لعدد من الأشخاص يقومون بحركات إيقاعية تمثل مشهدا راقصا. وقد يشير هذا المشهد إلى جانب من الحياة الترفيهية التي كان يعمد إليها سكان المنطقة من حين إلى حين, ولكن يبدو كذلك وربما كان هذا هو الأرجح إذا قارناه ببعض المظاهر الأخرى ذات الطابع الديني، أنه يعبر عن رقصة تتصل ببعض الشعائر الدينية، ربما كانت جزءا من ابتهالات يقدمها أبناء القبيلة لإلههم حتى ينزل المطر في هذه المنطقة التي ربما مرت بها بعض السنوات المتعاقبة دون مطر١٣.
стр. 148
ج- الفخار والعملة:
والبقايا الفخارية هي الأخرى تشكل مصدرًا على جانب كبير من الأهمية
стр. 149
في تصوير حضارة المجتمع الذي كان يوجد في شبه الجزيرة في الفترة السابقة للإسلام. ولعل الفخار يصور هذه الحضارة أكثر من غيره من أنواع الآثار الأخرى. فالفخار في العصور القديمة كان السلعة أو الأداة التي تستخدم أكثر من أي شيء آخر في الحياة اليومية. فمذ كانت تصنع أواني الطعام، والأوعية اللازمة لحفظ أو تخزين بعض أنواع المؤن مثل الزيت والنبيذ، كما كانت تصنع المزهريات وأوعية البخور التي تستخدم في الطقوس الدينية سواء في المعابد أو في أماكن الاجتماعات، ومنه كذلك كانت تصنع بعض الدمى الصغيرة لأغراض دينية أو في الحياة اليومية. وعلى هذا فوجود كميات من الفخار في أحد المواقع يشير إلى أن هذا الموقع كانت توجد فيه حياة مستقرة وأنه لم يكن مجرد معبر أو محط تجاري، وبخاصة إذا وجد في المنطقة بقايا أثرية أخرى تدل على وجود مستوطنات أو قرى أو مناطق سكنية على قدر ظاهر من الاتساع. وسأختار في هذا الصدد مجموعتين من الفخار كُشف عنهما في منطقة ساحل الخليج في القسم الشرقي من شبه الجزيرة, وإحدى هاتين المجموعتين وجدت في موقع الدوسرية "على شاطئ الخليج جنوبي الجبيل" وفي بعض المواقع القريبة منها. وفي هذه المواقع عثر على بقايا فخار ينتمي من حيث طرازه وطريقة حرقه وألوانه وزخرفته إلى المرحلة الحضارية التي عرفت باسم ثقافة "العُبَيْد" "نسبةً إلى موقع العبيد قرب الطرف الجنوبي للعراق" التي عرفتها منطقة وادي الرافدين حوالي ٤٠٠٠-٣٥٠٠ق. م١٤. وهذه المجموعة، بوصفها هذا، تعتبر مؤشرا آخر "إلى جانب ما رأيناه في مجال النحت" إلى الصلة الحضارية الوثيقة, تأثرا أو تأثيرا، مع هذه المرحلة الحضارية المبكرة في وادي الرافدين. وهذا بدوره معناه صلة من نوع ما قد تكون صلة تجارية أو هجرة بشرية مثلا. أما الثانية فقد وجدت في موقع "تاج" "غربي الجبيل نحو الداخل" وفي جزيرة تاروت وهي أوعية فخارية
стр. 150
يونانية الطراز ترجع إلى العصر السلوقي "فترة ما بعد الإسكندر، القرون الثلاثة الأخيرة ق. م" وتشير إلى ما تركته الفترة التي سيطر فيها السلوقيون على هذه المنطقة من تأثير حضاري يوناني١٥.
وأعرض الآن بشكل سريع إلى نوع آخر من الآثار كثيرًا ما ألقى الضوء على عدد من جوانب الحياة في مجتمع "أو مجتمعات" شبه الجزيرة العربية في الفترة السابقة للإسلام, وهو العملة. وسأتعرض هنا لثلاث قطع من العملة على سبيل التوضيح؛ والقطعة الأولى عملة سبئية من الفضة ترجع إلى القرن الثالث أو القرن الثاني ق. م. ونحن نجد على وجه هذه القطعة من العملة رأس الآلهة أثينة اليونانية وقد تدلى من أذنها قرط بينما ظهر على خدها حرف النون بالخط السبئي. أما ظهر العملة فقد ظهرت عليه صورة بومة وصورة هلال وغصن زيتون به ورقتان في وسطهما حبة زيتون, ثم الحرفان الأولان من أثينا "الألف والثاء" مكتوبان بالخط اليوناني.
ونحن نستطيع أن نبدأ استنتاجنا للحقائق التي تقدمها هذه القطعة من العملة من مجرد وجود عملة سبئية في تلك الفترة، إذ معنى ذلك أن العلاقات التجارية للمنطقة مع الخارج كانت قد بلغت مرحلة متطورة من النشاط والكثافة أصبح معها استخدام العملة بدلا من المقايضة أمرا واردا إن لم يكن في الواقع أمرا محتوما. كذلك نجد المواصفات العامة لهذه القطعة من العملة تحاكي مواصفات العملة الأثينية التي كانت قد بلغت ذروتها مع ذروة النشاط التجاري لمدينة أو دولة أثينا ابتداء من فترة التوسع الإمبراطوري لهذه الدويلة في غضون النصف الأول من القرن الخامس ق. م. بحيث أصبحت في القرن التالي "الرابع" ق. م. عملة دولية تحتذى في عدد من مواصفاتها. والطراز الأساسي للعملة الأثينية تظهر فيه صورة الآلهة أثينة على وجه العملة بينما يوجد
стр. 151
على ظهر العملة رسم البومة "التي تبرز في بعض الأساطير اليونانية المتصلة بهذه الآلهة". والهلال وغصن الزيتون ذو الورقتين وفي وسطهما حبة الزيتون "إشارة إلى اعتبار شجرة الزيتون شجرة مباركة في الفولكلور الأثيني" والحروف الأولى من اسم الآلهة١٦. والمحاكاة السبئية للعملة الأثينية تصل في تفصيلها إلى إظهار القرط متدليا من أذن الآلهة وإلى إبراز أوراق الزيتون فوق الشريط أو العصابة التي يتحلى بها شعرها. ومعنى هذه المحاكاة من جانب السبئيين للعملة الأثينية أن المعاملات بين منطقة اليمن وبين الأثينيين كانت قد خطت شوطا ملموسا عند ظهور هذه العملة السبئية "القرن الثالث أو القرن الثاني ق. م" إما بالطريق البرية من اليمن إلى الموانئ السورية حيث كان النشاط التجاري الأثيني على أكثفه في القسم الشرقي للبحر المتوسط قبل القرن الثالث ق. م. وإما عن طريق البحر الأحمر ابتداء من هذا القرن حيث بدأ التجار اليونان "ومن بينهم الأثينيون" يصلون إلى الموانئ اليمنية.
أما ظهور حرف النون بالخط السبئي على خد الآلهة أثينة فأفترض أنه الحرف الأول من اسم الملك الحاكم في سبأ وقت سك هذه القطعة من العملة. ونحن نجد في الواقع ملكينِ سبئيينِ يبدأ اسم كل منهما بهذا الحرف، أحدهما هو نشاكرب "يهنعم بن ذمر علي ذرح" الذي حكم حوالي عام ٢٥٠ ق. م "أي في أواسط القرن الثالث ق. م" والثاني هو نصرم "يهنعم" الذي حكم في حدود عام ٢٠٠ ق. م. "أي في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الثاني ق. م." وأود أن أزيد هنا إلى أن ظهور حرف النون السبئية على خد الآلهة الأثينية يشير إلى نوع من التطور النقدي عند السبئيين، فالعملة الأثينية "بعد أن أصبحت عملة دولية في القرن الرابع ق. م. على نحو ما أسلفت" كانت تستخدم أو تسك كما هي في عدد من البلاد دون إضافة أو تغيير في محتوى النقوش الموجودة
стр. 152
على وجهيها، ومن هنا فإن زيادة حرف النون السبئية يشكل تطورا لهذا الوضع، وأفترض في هذا الصدد أن تكون العملة السبئية قد ابتدأت بمحاكاة كاملة للعملة الأثينية في القرن الرابع ق. م. ثم وصلت إلى الرسوخ الذي يعكس ازدهارا اقتصاديا واضحا مكَّن سبأ من أن تزيد في عملتها هذا الملمح الذي يعبر عن تطور محلي١٧.
أما المثال الثاني الذي أعرض له في مجال الحديث عن العملة كمصدر من مصادر تاريخ شبه الجزيرة العربية في العصور السابقة للإسلام فهو قطعة برونزية سبئية كذلك، تظهر على وجهها صورة لرأس رجل وخلفه شكل صغير يبدو كأنه قرص شمس ثم علامة شخصية، أما ظهرها فتظهر عليه صورة رأس رجل "يبدو من ملامحه ومن طريقة تصفيف الشعر أنها للرجل نفسه" وإلى جانبها نقش بالخط السبئي يقرأ: كرب إلى وتر. ونحن نجد في هذه القطعة من العملة تطورا عن العملة السابقة, فالوجه المرسوم لم يعد مجرد تقليد لوجه مرسوم على عملة أجنبية، وإنما أصبح الآن وجها للحاكم ذاته، والنقش الموجود لم يعد محاكاة لخط أجنبي ليس له معنى بالنسبة لسكان أو حتى لتجار المنطقة، وإنما أصبح اسمًا لملك المنطقة متكوبًا بلغة المنطقة وخطها؛ ومن ثم فإن هذه القطعة من العملة لا بد أن يكون تاريخها لاحقا للعملة السابقة. وهذه الحقيقة في حد ذاتها تساعدنا إلى حد ما في التعرف على شخصية الملك الذي تحمل العملة صورته. فنحن نعرف من النقوش التي وصلت إلينا اسم ملكين سبئيين يحملان نفس الاسم: أحدهما كرب إل وتر "بن ذمر علي بين",
стр. 153
وقد حكم في أوائل القرن الرابع ق. م. "حوالي ٣٩٠ ق. م" والآخر كرب إل وتر "يهنعم بن وهب آل يحز" الذي حكم في أواسط القرن الثاني ق. م. "حوالي ١٦٠ ق. م"١٨. وطالما أن قطعة العملة التي نحن بصدد الحديث عنها لا بد ,كما رأينا، أن تكون لاحقة في تاريخها لقطعة العملة السابقة التي يرجع تاريخها إلى القرن الثالث أو الثاني ق. م. فيترتب على ذلك أن الملك المقصود هو صاحب الاسم الثاني. وأخيرا فإن قرص الشمس يشير بشكل مرجح إلى عبادة الشمس التي كانت إحدى عبادات ثلاثة منتشرة في المنطقة وهي عبادة الكواكب: الزهرة عشتار والشمس "ذات حمم" والقمر "إلمقه".
ثم أنتقل إلى المثال الثالث، وهو قطعة عملة برونزية من بترا "البتراء" عاصمة الأنباط في القسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة العربية، ونجد على وجه هذه العملة صورة نصفية لأحد الأباطرة الرومان، وهذا يظهر بالاستنتاج من مظهره وملبسه كما يظهر بالتأكيد من النقش اليوناني الذي يحيط بالجزء الأكبر من الصورة وهو: الحاكم المطلق قيصر ترايانوس. أما الوجه الآخر فنجد على محيطه نقشًا كتب باليونانية كذلك وهو: مدينة بترا, بينما تظهر في وسطه صورة إلهة لا بد أنها اللات - مناتو، إلهة هذه المدينة. ونحن نعرف من هذه العملة أنها ترجع إلى وقت حدوده هي ٩٨-١١٧م، وهي فترة حكم الإمبراطور الروماني ترايانوس "تراجان"، ومن ثم فإن إمارة أو مملكة الأنباط التي كان لها كيانها المستقل، قد أصبحت ولاية رومانية إما في خلال حكم هذا الإمبراطور أو قبله. وهنا نجد بالمقارنة مع كتابات الجغرافي اليوناني سترابون، الذي كتب في أواخر القرن الأول ق. م. وأوائل القرن الأول الميلادي, أن إمارة الأنباط كانت قد فقدت استقلالها قبل الفترة التي
стр. 154
كتب فيها أو على الأقل في أثنائها، فهو يشير في حديثه إلى تبعية بلاد الأنباط لروما في "الوقت الحالي" مشيرا إلى الوقت الذي كان يكتب فيه. ولكنا نعرف من الكاتب الروماني بلينيوس plinius "الذي عاش وكتب بعد سترابون" أن هذه البلاد كانت لا تزال مستقلة في وقته "٢٤/٢٣-٧٩م".
وفي الواقع فإن إمارة الأنباط لم تصبح ولاية رومانية إلا منذ عام ١٠٥م حين ضمها تراجان إلى الإمبراطورية الرومانية, وبعد ذلك التاريخ أصبحت تعرف باسم "ولاية العربية الصخرية" arabia petraea١٩, وفي هذه الحال يصبح حديث سترابون معناه في الحقيقة أن إمارة الأنباط قبل ١٠٥م كانت داخلة في دائرة النفوذ الروماني ولكن دون أن تتحول بشكل رسمي إلى ولاية رومانية. وما دام النقش والصورة الموجودان على قطعة العملة يؤكدان تبعية المنطقة "رسميا" للإمبراطور الروماني، فيكون تاريخ ضرب هذه العملة يقع بين عام ١٠٥م وعام ١١٧م "وهو آخر عهد تراجان" على وجه التحديد، ونستطيع عندئذٍ أن نقول: إن أية صفقة أو معاملة تتصل بها هذه القطعة من العملة تقع ضمن هذه الاثني عشر عامًا الممتدة بين ١٠٥م و١١٧م.
كذلك نستطيع أن نستنتج من هذه العملة شيئا آخر، فاللغة التي كتب بها النقشان الموجودان على وجهيها هي اللغة اليونانية, ومع ذلك فاللغة الرسمية للإمبراطورية الرومانية هي اللغة اللاتينية. وإذن فلا بد من سبب لهذا التناقض
стр. 155
الظاهر. ونحن في الواقع لسنا بحاجة إلى أن نذهب بعيدا في البحث عن هذا السبب فالثقافة اليونانية هي التي كانت تسيطر على هذه المنطقة طوال العصر المتأغرق "الهللنستي" الذي بدأ مع خلفاء الإسكندر في بداية القرن الثالث ق. م, وفي هذا العصر كانت اللغة اليونانية هي لغة المعاملات بشكل أساسي سواء في الثقافة أو الإدارة أو التجارة. وقد استمرت هذه اللغة لغةً للمعاملات حتى بعد أن دخلت المنطقة في دائرة السيطرة الرومانية. ولما كان الرومان واقعيين وعمليين في سياستهم فقد أبقوا على هذه اللغة بشكل رسمي في الولايات الرومانية, وهكذا سكت هذه العملة وقد ظهرت النقوش التي عليها باليونانية وليست باللاتينية.
стр. 156
النقوش
نقوش عن الاحوال الداخلية لشبه الجزيرة
...
٢- النقوش:
أ- نقوش عن الأحوال الداخلية لشبه الجزيرة:
وبعد هذا الحديث السريع عن بعض الأمثلة من أنواع الآثار المختلفة التي وجدت أو عثر عليها في شبه الجزيرة, أقدم الآن بعض أمثلة من النقوش، سواء منها ما عثر عليه بشبه الجزيرة أو في بلاد أخرى احتكت بها أو تعاملت معها بشكل أو بآخر وسجلت هذه الاحتكاكات أو هذه المعاملات نقوشها. وقد سبق أن ذكرت أن وجود عدد من النقوش بلغات مختلفة في إحدى المناطق يشير عادة إلى أن هذه المنطقة كانت نقطة التقاء أو مرور في هذه المنطقة, عادة ما يكون تجاريا، للفئات أو المجموعات التي تتحدث بهذه اللغات. ونحن نجد منطقة لها هذه الصفة في القسم الشمالي الأوسط من شبه الجزيرة, ففي واحة الجوف وغيرها من المواقع الأثرية عثر على عديد من النقوش النبطية والثمودية واللحيانية والمعينية والسبئية, كما تتكرر الظاهرة ذاتها في المنطقة الشمالية الغربية في شبه الجزيرة حيث نجد في موقع العلا عددًا من النقوش
стр. 157
الدادانية والمعينية واللحيانية والثمودية والنبطية٢٠. ويلاحظ هنا أن النقوش المعينية من أندر النقوش في هذه المنطقة؛ لأنها مقصورة إلى حد كبير على جنوبي شبه الجزيرة. ونحن نستطيع أن ندرك مغزى تجمع هذه النقوش المختلفة اللغات في هذه المنطقة إذا تذكرنا أن هذه المنطقة يمر بها الخط التجاري البري الذي كان يتفرع من خط القوافل الطولي "الذي كان يخترق شبه الجزيرة من الجنوب إلى الشمال" جنوبي العلا ليصل إلى وادي الرافدين في منطقة تقع عند مدينة النجف الحالية.
كذلك مر بنا أن انتشار نقوش بلغة واحدة في مناطق عديدة من شبه الجزيرة يعني أن المتحدثين بهذه اللغة ينتشرون في كل هذه المنطقة, وهو أمر نجده واضحا في انتشار النقوش الثمودية "النجدية والتيمائية" على امتداد واسع يشمل وسط شبه الجزيرة حيث نجد نقوشا ثمودية كثيرة على واجهة جبل برمة وفي موقع البيجادية شرقي الدوادمي، ويمتد نحو الغرب لنجد مجموعة أخرى من هذه النقوش حول مدينة الطائف، وإلى الشمال حيث نجد مجموعة ثالثة على جبل ياطب وجبل المليحية, وإلى المنطقة الشمالية الغربية حيث نجد بعض هذه النقوش على جبل غنيم تدلنا على أنه المكان الأصلي والأول لعبادة صلم الوثنية, ثم بعدد من المواقع في المنطقة الشمالية الغربية من شبه الجزيرة، من بينها عدد من النقوش على واجهة أحد الجبال في وادي عكمة شمالي العلا, ونقش على جدار في منظر بني عطية بالقرب من القرية٢١.
وبعض النقوش قد تقدم لنا معلومات تساعدنا على معرفة مدى الارتباط أو الاتصال بين لغة ولغة, ومن أمثلة ذلك النقوش المعينية السبئية "وهي نقوش
стр. 158
بلغة جنوبية كما أسلفت" التي وجدت بموقع إثرا في منطقة قريات الملح في القسم الشمالي الأوسط من شبه الجزيرة والتي يحاول الباحثون اللغويون أن يجدوا فيها همزة الوصل بين لغة الجنوب ولغة الشمال, ومثل النقش الذي اكتشفه جوزف هاليفي في نقب الحجر بمنطقة نجران "عام ١٧٧٢م" ومن هذا النقش عرف الباحثون اللغويون أن اللغة الجنوبية في شبه جزيرة العرب قريبة من اللغة الأكدية "البابلية والآشورية" واللغة الحبشية في بعض الجوانب مثل تكوين الأسماء وتصريف الأفعال وبعض المفردات والضمائر, ولكن وجود جمع التكسير بها يجعلها تقترب أكثر من لغة العرب الشماليين واللغة الحبشية. كذلك فإن الخط الذي كتب به النقش الذي نحن بصدد الحديث عنه كان البداية لمعرفة العلاقة بين الخط العربي الجنوبي وبين الخط الذي كتبت به بعض النقوش التي عثر عليها في سيناء, وهو الخط الذي يمثل حلقة الوصل بين الأبجدية الفينيقية والأبجدية المصرية القديمة التي أخذت عنها الأبجدية الفينيقية وطورتها٢٢.
كذلك نعرف من بعض النقوش معلومات عن الأحوال والنظم والقوانين والعبادات التي كانت سائدة في منطقة أو أخرى من شبه الجزيرة. وفي هذا المجال فقد تم العثور حتى الآن في اليمن وحدها على حوالي ٤ آلاف نقش يرجع أقدمها إلى القرن التاسع أو الثامن ق. م. على أقل تقدير، ويمكن تصنيفها إلى عدة أنواع؛ فبعضها يتصل بنذور قدمها بعض الأشخاص إلى الآلهة "إلمقه" و"عشتار" و"شمس" وقد نقشوها على لوحات من البرونز وضعوها في معابد هذه الآلهة, ومنها نتعرف على جانب من عبادات المنطقة، وبعضها منقوش على جدران المعابد وبعض المباني العامة ليسجل ويخلد أسماء المهندسين المعماريين الذين أسهموا في بنائها، ومن هذه النقوش "إلى جانب
стр. 159
البقايا الأثرية نفسها" نعرف إلى أي حد ازدهر فن المعمار في اليمن بحيث حرص المهندسون المعماريون أو القائمون على هذه المباني على الربط بين أسمائهم وبين العمل المعماري الذي قاموا به أو أسهموا فيه بشكل أو بآخر. ومن بين هذه النقوش كذلك مجموعة تسجل أحداثا تاريخية مثل ذكر حملة عسكرية أو تسجيل انتصار, ومجموعة تسجل أوامر الشرطة والأوامر الإدارية الداخلية التي نتعرف من خلالها على اتجاهات الحكومات التي قامت في المنطقة في تنظيم مجتمعهم وإشاعة الاستقرار فيه, ثم مجموعة لها قيمتها بالنسبة لدارس النظم السياسية وهي تسجل بعض القوانين التي تكشف النقاب عن تطور دستور طويل عرفته المنطقة، وأخيرا هناك عدد من النقوش الجنائزية الموجودة على عدد من المقابر والتي تشير إلى بعض الشعائر والطقوس والأسماء التي تعطينا فكرة عن تقاليد السكان في هذا المجال, إلى جانب بعض المعلومات التي قد تساعدنا الأسماء الموجودة في النصوص على التوصل إليها بشكل غير مباشر عن طريق المقارنة مع نصوص أخرى.
ومن بين هذه النقوش اليمنية -على سبيل المثال- نص وجد منقوشا على حجر في الحائط الجنوبي لمنزل كشف الأثريون عنه في "تمنع" في وادي بيهان "في قتبان", والمنزل يدعى منزل "يَشَف". والنص يذكر شراء بعض أشخاص لهذا المنزل حسب القواعد والقوانين المرعية التي كانت سائدة في عهد الملك "شَهْرياجل يُهَرْجِبْ" ملك قتبان وعمه الوصي على العرش فرع كرب, والتي تباركها الآلهة "والنص يعدد هذه الآلهة". ومن تفصيلات النص يمكن للباحث أن يعرف شيئا عن عبادات منطقة قتبان وآلهتها، وعن بعض أنواع العمارة التي كانت سائدة في الفترة التي نقش فيها هذا النص, إذ إن النص يذكر لنا تفصيلات المبنى وغرفه وملحقاته، وعن نظام تسجيل العقارات، ثم نستطيع القول عن طريق المقارنة مع نصوص أخرى ظهر فيها اسم الملك المذكور في النص، أن هذا النص يرجع إلى أوائل القرن الأول ق. م.
стр. 160
على أكبر تقدير، وأخيرا فنحن نستطيع أن نعرف بمقارنة هذا النص مع نصوص أخرى أن انقلابا أو اغتصابا للعرش قد حدث في هذه الفترة٢٣.
стр. 161
ب- نقوش عن العلاقات الخارجية لشبه الجزيرة:
أما عن النقوش التي تعرفنا بالعلاقات الخارجية لشبه جزيرة العرب فسأقدم ثلاثة يمثل كل واحد منها نوعا من هذه العلاقات. والنقش الأول عثر عليه في وادي ماسل بالمنطقة الوسطى من شبه الجزيرة، وهو نقش سبئي يرجع تاريخه إلى ٥١٦م كتب باسم معديكرب يعفر بمناسبة حملته ضد المنذر الثالث ملك الحيرة "وهي إمارة عربية في القسم الشمالي الشرقي لشبه الجزيرة"٢٤.
وذكر هذه الحملة في هذا النص يساعد على توضيح العلاقات الدولية التي
стр. 162
كانت سائدة في ذلك الوقت. ودون دخول في التفاصيل فقد كان هناك صراع سياسي اقتصادي ديني متعدد الأطراف, ظهر فيه البيزنطيون والفرس والحبش واليمنيون ووجود وفاق أو خلاف بين هؤلاء الأطراف كان أمرًا يخضع لكثير من التغير من ظرف إلى ظرف، ومن هنا فإن احتكاكا أو اتصالا بين ملك اليمن وملك الحيرة "الذي كان تابعا للإمبراطور الفارسي" كان أمرا واردا.
والنقش الثاني واحد من عدد كبير من النقوش تشير إلى العرب أو إلى شبه الجزيرة العربية، عثر عليها بين السجلات الخاصة بملوك الدولة الآشورية والدولة البابلية الحديثة، ويعود أولها إلى عهد الملك الآشوري شلمنصر الثالث "٨٥٨-٨٢٤ ق. م" وآخرها إلى عهد نابونائيد "٥٥٥-٥٣٩ ق. م" آخر ملوك الدولة البابلية الحديثة. والنقش الذي نحن بصدد الحديث عنه يرجع إلى عصر الملك آشور بانيبال "٦٦٨-٦٣٣ ق. م" وفي هذا النقش يتحدث الملك عن حملة قام بها ضد "يواتع ملك العربية" ويذكر أنه قام بهذه الحملة ضده لأن يواتع قد تجاهله ولم يرسل له الجزية المقررة عليه. وبعد أن يصف آشور بانيبال سير الحملة وتفاصيل المعركة يختم نقشه بأن يذكر أنه انتصر على يواتع وسكان العربية الذين ثاروا معه وأنه سحق هؤلاء الثوار وأحرق خيامهم. أما يواتع نفسه فقد فر إلى أرض النبط٢٥. والنقش يلقي ضوءًا على التيارات التي كانت سائدة في شمالي شبه الجزيرة العربية في ذلك الوقت، وهي منطقة أصبحت معبرا بين الدولة الآشورية واتجاه توسعها نحو سورية. ويبدو من النص أن العرب في هذه المنطقة العبورية كانوا قد اعترفوا بنوع من التبعية للملوك الآشوريين، ولكنها لم تكن تبعية لينة العريكة، وإنما كان فيها شد وجذب من حين إلى حين، كما يظهر لنا كذلك أن هذا الملك العربي الذي ربما كان مجرد شيخ لقبيلة قوية أو رئيسا
стр. 163
لمجموعة متحالفة من القبائل في المنطقة، كانت له علاقات خارجية من النوع الذي يمكن أن نسميه علاقات حسن جوار مع منطقة الأنباط الموجودة تجاه الغرب.
ثم أشير إلى أقدم نقش عربي وجد في مصر، وهو نقش يرجع إلى العصر البطلمي "٣٠١-٣٠ ق. م" ومدون بالخط العربي الغربي على تابوت التاجر المعيني "زيد إبل". والتابوت محفوظ في المتحف المصري بالقاهرة، وفي هذا النقش يتحدث زيد إبل عن معاملات بينه وبين كهنة المعابد المصرية نراه في ثنائها يقدم إلى هذه المعابر مقادير من المر وقصب الطيب مقابل أقمشة مصرية. ويذكر أنه استخدم سفينة في استيراد هذه المحاصيل العربية، كما يشير إلى دين عليه يستحق الوفاء في شهر حتحور. وفي موضع آخر في النص يشير إلى أنه وفَّى بكل ديونه في شهر كيهك. ويختم زيد إبل حديثه بنوع من الدعاء إلى الآلهة يبدو منه أن يبتهل إليها لكي تضفي حمايتها على تابوته, وهو يجمع في هذا الدعاء بين الإله المصري "أوزير - حابي" "وهو يورده في النص بنطق معرب هو أثر حف" وبين آلهة موطنه الأصلي٢٦.
стр. 164
ويستطيع دارس هذا النقش أن يتعرف من خلاله على مجموعة من الحقائق ومن بين هذه الحقائق على سبيل المثال مدى العلاقة الوثيقة التي كانت تربط بين هذا التاجر العربي وبين الكهنة المصريين، وهذه العلاقة الوثيقة يمكن أن نوائم بينها وبين عدد كبير من النقوش التي كتبت بلغة عربية جنوبية أو لغة عربية شمالية، وهي نقوش عثر على أعداد كبيرة منها في الصحراء المصرية الشرقية بين نهر النيل والبحر الأحمر, وتشير إلى نزوح عدد من سكان شبه الجزيرة العربية إلى هذه المنطقة في عهد البطالمة. كذلك بمقدورنا أن نستنتج من هذا النص اندماج هذا التاجر العربي في الحياة المصرية "وهو اندماج يمكن أن يكون واردا في حالة عدد كبير من العرب النازحين إلى مصر في تلك الفترة", فنحن نرى هذا التاجر يتقدم بدعائه وابتهالاته لا إلى آلهته فحسب، بل كذلك إلى إله مصري. ثم هو لا يذكر هذا الإله المصري باسمه الذي كان شائعا بين اليونان المقيمين في مصر "وفي الواقع بين اليونان في خارج مصر، وقد كانت عبادة هذا الإله شائعة بينهم كذلك" وهو سرابيس، ولكنه يذكره باسمه المصري أوزير-حابي "بعد أن عربه إلى أثرحف" مما يشير إلى أن اندماج هذا التاجر لم يكن مع اليونان وإنما مع المصريين. بل لقد ذهب بعض الباحثين، بناء على هذا الاندماج، إلى أن "زيد إبل" أصبح في الواقع كاهنا في المعابد المصرية، وأن الكهنة المصريين قبلوا انخراطه في سلك رجال الدين المصريين، ورأوا في هذا ما ييسر عليهم الحصول على حاجتهم من البخور والطيوب اللازمة لأداء الشعائر والطقوس الدينية بشكل مباشر دون وساطة السوق التي ترفع وساطتها من ثمن هذه السلع بالضرورة.
وأخيرا فإن النقش يكشف لنا عن حقيقة مهمة هي أن المواصلات في هذه الفترة بين عرب شبه الجزيرة العربية وبين مصر لم تكن قاصرة على الطريق البري، وإنما كانت تتم كذلك عن الطريق البحري عبر البحر الأحمر، وفي الواقع نحن نعرف أن المواصلات البحرية عبر البحر الأحمر كانت قائمة,
стр. 165
فقد وجدت أو أقيمت في مصر موانئ على شاطيء البحر الأحمر من الناحية المصرية مثل ميناء ميوس هرموس وميناء بيرينيكي "رأس بناس حاليا" وميناء القصير، كما أقام اليونان على الساحل الشرقي للبحر الأحمر من ناحية شبه الجزيرة العربية ميناء "ليوكي كومي" أو القرية البيضاء "الوجه حاليا"، ولكن الجديد الذي يقدمه لنا النص هو أن الطرق البحرية بين هذه الموانئ المتقابلة على البحر الأحمر بين مصر وشبه الجزيرة العربية لم تكن حكرًا على البحار اليونان وإنما كان الملاحون العرب يستخدمونها كذلك. ولهذه الحقيقة التي يكشفها النص أهميتها فإن النقوش العربية العديدة التي عثر عليها في صحراء مصر الشرقية كلها تقريبا نقوش مقتضبة؛ ومن ثم لم تتسع للإشارة إلى عدد من الحقائق، من بينها هذه الحقيقة.
стр. 166
ج- تقويم عام للنقوش:
وفي ختام الحديث عن النقوش أود أن أشير إلى أن هذا النوع من النصوص هو عادة أدق في تصويره للحقيقة التاريخية من غيره من النصوص، مثل تلك التي ترد ضمن كتابات تاريخية قد لا يكون كاتبها معاصرًا للأحداث التي يؤرخ لها أو قد يكون منحازًا، لسبب أو لآخر، لأحد الأطراف التي يكتب عنها. ولكن النقوش، من جهة أخرى، تكون عادة أقل شمولا من حيث إعطاء صورة متكاملة للمجتمع ككل، أو لفترة زمنية على شيء من الطول، فالنقش، في أغلب الأحوال، يتناول حدثا واحدا وقد لا يزيد على بضعة سطور في كثير من الأحيان وهو أمر نلمسه, على سبيل المثال، في الغالبية العظمى من النصوص اليمنية "السبئية أو الحميرية أو المعينية".
كذلك, فرغم دقة النقوش في تصوير الحقيقة بالنسبة لبعض الكتابات الأخرى، إلا أنه لا ينبغي لنا أن نأخذ ما تقدمه هذه النقوش كقضية مسلم بصحتها في كل الحالات، وربما كان من المؤشرات السليمة في الاعتماد على
стр. 167
ما تقدمه لنا النقوش، هو أن نطمئن إليها إذا كانت تتحدث عن مسائل في الحياة اليومية العادية، كتسجيل عقار، أو صفقة تجارية, أو الإشارة إلى قانون, أو تقديم قربان لإله أو لعدد من الآلهة. ولكننا يجب أن نكون على شيء من الحذر إذا كان النقش يشير إلى ملك أو حاكم يتحدث عن منجزاته وبخاصة إذا كان الأمر يتعلق بانتصارت أحرزها على خصومه أو أعدائه، فالملوك أو الحكام في العصر القديم "وفي الواقع كل العصور" يميلون إلى المبالغة في تمجيد أنفسهم وأعمالهم إذا كان الحكم فرديا. وعلى سبيل المثال فإننا حين نسمع من أحد النصوص الآشورية التي تخص علاقة الآشوريين بالعرب أن الملك تجلات بيليسر الثالث "٧٤٤-٧٢٧ ق. م" قد اجتاح ١٥ مدينة للملك إيديبعلي العربي، فإننا يجب أن نتوقف قليلا، فهذه "المدن" قد لا تكون في الواقع أكثر من تجمعات بسيطة من الخيام. كذلك حين يذكر هذا الملك ذاته أنه قتل "ربما يقصد غَنَمًا" من الملكة سمسي، ملكة بلاد العرب، ٣٠ ألف جمل فإننا يجب أن نتوقف مرة أخرى؛ فالملكة سمسي ليست ملكة لكل بلاد العرب، وإنما هي رئيسة لقبيلة أو ربما لعدد من القبائل المتحالفة على أكثر تقدير، و٣٠ ألف جمل هو عدد مبالغ فيه دون شك في مثل هذه الدائرة الضيقة٢٧. ولكن هذه المبالغات، التي هي في الواقع من طبيعة
стр. 168
الأشياء، لا تلغي قيمة النقش، أو حتى تقلل من هذه القيمة إلى حد ملموس، فالباحث لا يعتمد في دراسته على نقش واحد، وإنما يقارنه بغيره من النقوش أو المصادر الأخرى المتعلقة بالحدث أو الموقف الذي يكتب عنه، ومن هذه المقارنة يستطيع في أغلب الأحوال أن يقترب إلى حد كبير من الحقيقة التاريخية.
стр. 169
الباب الخامس: المصادر الدينية
مدخل
...
الباب الخامس: المصادر الدينية
إذا كانت الآثار التي تركتها مجتمعات شبه الجزيرة العربية هي السجل الفعلي الذي نعرف من خلاله ما أنجزته هذه المجتمعات "في حدود ما نعثر عليه من هذه الآثار", وإذا كانت النقوش التي خلفها بعض أفراد أو فئات من هذه المجتمعات تعرفنا بما ذكره هؤلاء عن أنفسهم أو عن ظروفهم ومواقفهم وعلاقاتهم، فإن نوعا آخر من المصادر يعطينا زاوية أخرى أساسية للتعرف على مجتمعات شبه الجزيرة في الفترة السابقة لظهور الإسلام, وهذا النوع هو المصادر التي وصلتنا عن طريق التدوين الكتابي, والتي فيها ذكر لأحوال هذه المجتمعات.
وينقسم هذا النوع من المصادر إلى قسمين رئيسيين: أولهما ديني, ويضم القرآن الكريم والتوراة, اللذين وصلا إلينا في هذه الصورة المكتوبة، ثم الأفكار الوثيقة الصلة بهذين الكتابين المنزلين, وهي الحديث الشريف الذي يضم مجموعة التعليمات والتعليقات التي نطق بها الرسول ﷺ وتنوقلت عن طريق الرواية حتى تم تدوينها فيما بعد، ثم التلمود الذي يمثل مجموعة الأحكام والشروح والروايات المتصلة بالتوراة التي تواترت هي الأخرى شفاها بعض الوقت ثم سجلها بعض أحبار اليهود كتابةً بعد ذلك. أما القسم
стр. 170
الثاني من هذه المصادر التي وصلتنا عن طريق التدوين الكتابي فهي الكتابات التي تركها لنا الأقدمون من المؤرخين والجغرافيين والرحالة وكتاب الموسوعات العلمية وغيرهم من أصحاب القلم.
стр. 171
القرآن الكريم
مدخل
...
١- القرآن الكريم:
وأتحدث في هذا الباب من الدراسة عن أول هذين النوعين من المصادر وهو المصادر الدينية، وفي مقدمتها يأتي القرآن الكريم، فهو كلام الله الذي لا يرقى إليه الشك من جهة, ثم هو الكتاب الذي لم يتطرق إليه تبديل أو تحريف على مر العصور من جهة أخرى. وربما ذهب بعض الباحثين إلى أن القرآن الكريم، رغم ما يرويه من أحداث ومواقف تاريخية، لا يهدف في المقام الأول إلى تسجيل تاريخ المجتمعات القديمة في حد ذاتها، وإنما يستهدف إرساء القيم الروحية التي تربط الإنسان بالله, والقيم الاجتماعية التي تنظم علاقة الإنسان بالمجتمع، ومن ثم فإن الأحداث أو المواقف التي يرويها لا تعدو أن تكون أمثلة هدفها الحقيقي هو إظهار العبرة المستفادة من تاريخ هذه المجتمعات. وهكذا جاءت بعض الإشارات التاريخية في القرآن الكريم مقتضبة أو عابرة أو جاء تصويرها بشكل يمتزج فيه تسجيل الحدث أو الموقف بالعرض الوجداني له.
وأود أن أرد على هذا الانطباع السائد بين بعض الباحثين من ناحيتين، تتصل إحداهما بالشكل وتتصل الأخرى بالمضمون. وفيما يتصل بالشكل فإن الإشارة المقتضبة أو العابرة إلى بعض الأحداث أو المواقف لا ينتقص من قيمتها في شيء، فالمصادر جميعا وحدة متكاملة، تتساند فيما بينها في استكمال الحقيقة التاريخية، سواء أكانت هذه المصار آثارًا أم نقوشًا أم كتبًا سماوية أم كتاباتٍ تاريخية أم غيرها، بل إن سطرا واحدا أو عدة كلمات من سطر نعثر عليه في أحد هذه المصادر قد تستكمل لنا حقيقة ناقصة أو تقدم تصورا
стр. 172
جديدا لهذه الحقيقة أكثر اقترابا إلى الصواب. كذلك فيما يتصل بالشكل فإن المصدر التاريخي ليس من اللازم في كل الأحوال أن يكون سجلا مباشرا للأحداث أو المواقف، بل ربما كان الاستنتاج غير المباشر هو السبيل الوحيدة الواردة أمام الباحث في كثير من الأحيان, ودور الباحث هو أن يستخلص الحقيقة التاريخية التي يبحث عنها من الإطار الذي جاءت ضمنه أو الصورة التي عرضت بها. فقد تأتي الحقيقة متناثرة داخل عدة نصوص دينية أو قانونية أو سياسية أو قصصية أو غيرها, كما قد تعرض في صورة تقريرية أو تقديرية أو يمتزج فيها العرض التقريري بالعرض الوجداني أو حتى قد يداخلها الخيال في بعض الأحيان دون أن يقف هذا عائقا حقيقيا أمام استخلاصها.
وأما فيما يتعلق بالمضمون فإن القرآن الكريم، إلى جانب قداسة إشارته إلى كل الحقائق، فإنه يشير إلى عدد من الأحداث والمواقف الخاصة بمجتمع شبه الجزيرة العربية، والمعاصرة لنزوله أو التي سبقت ذلك بوقت قصير أو طويل ولكنها كانت لا تزال موجودة، بدرجات متفاوتة بين التعميم والتفصيل في وعي سكان شبه الجزيرة، ومن ثم فإن القرآن الكريم يبين لنا بشكل نابض مدى انفعال هذا المجتمع بهذه الأحداث والمواقف. كذلك فإن القرآن الكريم في محاولته تصحيح عدد من الأوضاع والممارسات التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي عند نزوله يعطينا فكرة واضحة عن هذه الأوضاع والممارسات وعن الدوافع التي أدت بهذا المجتمع إلى اتخاذها طريقا له وإلى التمسك بها والمجادلة عنها والتعنت في سبيل المحافظة عليها. وهي دوافع يسهب القرآن الكريم في عرضها وتفصيلها؛ ومن ثم يحصل الباحث على صورة تاريخية حية للصراع الذي شهده هذا المجتمع في نهاية العصر الجاهلي بين أسلوبين للحياة, أحدهما هو ما كان قائما فعلا والآخر هو ما كانت الدعوة الإسلامية بسبيل تقديمه.
стр. 173
أ- أمثلة لأقوام شبه الجزيرة في القرآن:
وفي الواقع فإن القرآن الكريم تعرض لأحوال المجتمع أو المجتمعات
стр. 174
التي كانت موجودة في شبه الجزيرة العربية وألقى أضواء على عديد من جوانبها وسأكتفي هنا، على سبيل المثال لا الحصر، بالإشارة إلى عدد من هذه الجوانب. فقد عرفنا القرآن الكريم بعدد من الأقوام التي كانت موجودة في شبه الجزيرة، فإلى جانب قريش التي كانت موجودة وقت نزوله في أوائل القرن السابع الميلادي -واستمرت بعد ذلك- كانت هناك أقوام أخرى سابقة مثل عاد وثمود وسبأ. وفيما يخص عاد فيشير القرآن الكريم إلى عاد الأولى التي وجدت ثم اندثرت وإلى عاد أخرى اندثرت كذلك. ونحن نستطيع أن نتتبع الإشارة هذه ونستكمل بها ما جاء في مصادر أخرى, فعاد الأولى التي أرسل الله إليها هودًا ﵇ كانت موجودة في جنوبي شبه الجزيرة العربية حسبما نستنتج من ارتباط اسمها بالأحقاف١, وهي منطقة صحراوية تقع في العربية الجنوبية، كذلك يشير القرآن الكريم في موضعين آخرين إلى وجود آخر لعاد في فترة غير بعيدة قبل نزوله، وفي أحد هذين الموضعين إلى منطقة تنطبق أوصافها على القسم الشمالي الغربي لشبه الجزيرة العربية كمكان لإقامتهم٢. وإذن فنحن أمام وجودين لقوم عاد في مكانين مختلفين, أحدهما في الجنوب عند الأحقاف والآخر في الشمال الغربي، وفي زمانين مختلفين أحدهما لا نعرفه على وجه التحديد والآخر في وقت غير بعيد قبل نزول القرآن.
стр. 175
ونحن في الواقع نستطيع أن نستكمل هاتين الإشارتين إلى حد كبير من مصادر الكتاب الكلاسيكيين، إذ نجد ذكرا لقوم عاد يظهر في النصف الأول من القرن الثاني الميلادي على الخارطة التي رسمها جغرافي يوناني من مصر هو بطلميوس كلاوديوس PtOLEMAIOS CLAUDIOS "كتب بين ١٢١، ١٥١م" الذي عرفه الجغرافيون العرب باسم بطلميوس القلوذي. ويظهر قوم عاد في هذه الخارطة تحت اسم OADITAE في شمالي شبه الجزيرة العربية في المنطقة الواقعة إلى شرقي خليج العقبة٣ "وهي المنطقة التي ينطبق عليها الوصف الذي جاء في القرآن الكريم, والذي كان التجار العرب في الواقع يمرون به جيئة وذهابا في خط القوافل الذي يصل شبه الجزيرة العربية بالمنطقة السورية". ومعنى هذا أن عادًا الثانية قد تواجدت بشكل ظاهر يلفت نظر هذا الجغرافي ابتداء من النصف الأول من القرن الثاني على الأقل, ويبقى أمامنا تحديد الفترة التي اختفت فيها عاد الأولى.
وهنا نلجأ مرة ثانية إلى الكتاب الكلاسيكيين، وفي هذا المجال لا نجد ذكرا لقوم عاد فيما تركه لنا الكاتب الموسوعي الروماني بلينيوس plinius في أواسط القرن الثاني الميلادي "٥٤/٢٣-٧٩م" رغم أن هذا الكاتب تعرض باستفاضة لشبه جزيرة العرب وحرص على أن يذكر في عرضه المستفيض أكبر عدد من الأماكن والأقوام الموجودة في شبه الجزيرة، بل لقد ذكر عددًا من المواقع كان موجودا ثم اندثر قبل زمنه, وهو يجد في حرصه هذا نقطة اعتداد علمي يذكر القارئ بها٤. فإذا توغلنا قليلا في الماضي إلى أوائل القرن الأول الميلادي والنصف الأخير من القرن الأول ق. م. لا نجد ذكرا لهؤلاء القوم في كتابات الجغرافي اليوناني إسترابون "٦٣/ ٦٤
стр. 176
ق. م -٢١م على الأقل" رغم اهتمامه بوجه خاص بالقسم الشمالي الغربي لشبه الجزيرة وذكره اثنين من الأقوام الموجودة بها٥. فإذا تابعنا التوغل في الماضي نجد أن قوم عاد لا يظهرون في كتابات أرتميدوس في أواخر القرن الأول ق. م. "ظهرت بعض كتاباته في ١٠٤-١٠١ ق. م" أو في كتابات الجغرافي اليوناني إراتوسثنيس, عرفه الجغرافيون العرب باسم إراتسطين الذي عاش بين ٢٧٥ و١٩٤ ق. م. ومن ثم نستطيع أن نقول: إنه بدأ يكتب منذ أوائل القرن الثاني ق. م.٦. وهكذا نستطيع أن نستنتج من هذه المقارنة بين القرآن الكريم وبين ما ذكره الكتاب الكلاسيكيون أن عادا الأولى كانت قد اختفت من جنوبي شبه الجزيرة العربية ابتداء من النصف الأول من القرن الثاني ق. م على الأقل.
أما عن وجود مكانين مختلفين لعاد الأولى وعاد الثانية فتفسير ذلك هو الهجرات التي عرفها عرب الجنوب إلى شمالي شبه الجزيرة، وهي هجرات قد تكون بسبب تغير مناخ المنطقة نحو الجفاف بشكل تدريجي ابتدأت آثاره تظهر بوضوح منذ القرن الثالث ق. م. كما يذهب بعض الباحثين, أو قد تكون لها أسباب أخرى٧. ولكن الثابت هو أن هجرات قد تمت من الجنوب إلى الشمال بشكل أو بآخر, وأن بعض هذه الهجرات اتخذ شكل مستوطنات أقامها التجار أو الحكام الجنوبيون في شمال الجزيرة كمحطات تجارية لقوافلهم في البداية, ولكن هذه المستوطنات لم تلبث أن تحولت إلى كيانات قائمة بذاتها تتصرف وتقيم علاقاتها مع المدن أو الدول المحيطة أو القريبة منها في ضوء ظروفها الخاصة. وقد كان بعض هذه المستوطنات يتخذ اسم القوم
стр. 177
أو البلد الذي جاء منه المستوطنون في البداية. ومن أمثلة ذلك مدينة جَرَش التي لا تزال قائمة في العربية الجنوبية "الآن في القسم الغربي من المملكة العربية السعودية" وسميَّتها مدينة جرش في الشمال "الآن في المملكة الأردنية"، تقعان على خط القوافل التجارية الذي كان يمتد بين اليمن وسورية، إحداهما على شوطه اليمني والأخرى على شوطه السوري. ومن أمثلتها كذلك المستوطنات التي أقامتها سبأ في الشمال واتخذت واحدة منها على الأقل الاسم ذاته وكانت لها مواقف خاصة بها إزاء محور الدفع والجذب بين الآشوريين في وادي الرافدين ودويلات المنطقة السورية في الغرب في القرن الثامن ق. م. كما نظر إليها الرومان في أواخر القرن الأول ق. م. على أنها كيان قائم بذاته٨.
وفي ضوء هذا كله يبدو أمرا متفقا مع الظروف التي سادت شبه الجزيرة العربية أن تفترض أن قوم قد هاجرت منهم جاليات أقامت لها مستوطنات في شمالي شبه الجزيرة، ثم تعرض القوم الأصليون في الجنوب إلى ظروف الجفاف وظروف مناخية أخرى مصاحبة مثل الأعاصير المدارية العنيفة التي تعرفها المنطقة الاستوائية, والتي قد تستمر أياما عددية متوالية تدمر فيها مناطق بأكملها وتغطيها بالرمال إذا كانت أرض هذه المناطق أرضا رملية٩. ولنا أن نتصور أن مستوطنات عاد في القسم الشمالي من شبه الجزيرة، التي ابتدأت قليلة وبسيطة في عدد سكانها, لم تلبث أن ازدهرت وتزايد عدد سكانها
стр. 178
حتى أصبحت تشكل قوما ملحوظين منذ أوائل القرن الأول من النصف الثاني، يسترعي وجودهم نظر عالم جغرافي مثل بطلميوس كلاوديوس وهو يضع خارطة للمنطقة، وبخاصة إذا كان هؤلاء يشغلون منطقة تمر بها خطوط القوافل التجارية الواصلة من شبه الجزيرة إلى المنطقة السورية، وهي المنطقة التي وضعهم فيها هذا العالم الجغرافي بالفعل. ولنا كذلك أن نقول: إن هذا الازدهار قد استمر فترة ربما امتدت ثلاثة أو أربعة قرون ثم اندثرت هذه المستوطنات العادية الشمالية لأسباب تتعلق بالعوامل الطبيعية أو بالمنافسات التجارية وما يصحبها من غارات "كما سنرى في أثناء الحديث على ثمود" أو لأسباب أخرى، بحيث لم يعد لها ولا لقوم عاد وجود ظاهر عند نزول القرآن الذي يشير إلى عاد على أنهم قوم قد اندثروا أو اندثرت أماكن إقامتهم قبل ذلك بقليل.
وإذا كنا نستطيع أن نتابع أوضاع قوم عاد من خلال آيات القرآن الكريم مستكملين الحديث من خلال المصادر الكلاسيكية, فالشيء ذاته ينطبق على قوم ثمود. إن القرآن الكريم يشير في مواضع عديدة إلى أرض الثموديين على أنها واحة غنية بالمياه الجوفية وما يترتب على ذلك من ثروة زراعية "جنات وعيون وزروع ونخل"١٠، وهي إشارة نجدها كذلك عند الكاتب الكلاسيكي إراتوسثنيس الذي يقسم سكان المناطق الغربية "من شبه الجزيرة" المتاخمة لسواحل البحر الأحمر فيصف المنطقة الشمالية منها "وهي المنطقة التي نحن بصدد الحديث عنها" بأنها منطقة بها قدر من الزراعة. فإذا أضفنا إلى ذلك أن المنطقة تمر بها خطوط القوافل التجارية المتجهة من شبه الجزيرة إلى المنطقة السورية، استطعنا أن ندرك ما يشير إليه القرآن الكريم من ثروة الثموديين "أو بالأحرى ثروة الطبقة الأرستقراطية الزراعية التجارية من الثموديين" التي تبدو في الإشارة إلى عدد القصور الذي أصبح ظاهرة
стр. 179
تسترعي الانتباه وإلى النشاط المعماري الذي جعهلم ينحتون في الجبال "بيوتا" "وهي في الواقع أضرحة ومعابد تتخذ شكل البيوت فعلا ولا تزال قائمة حتى الآن في منطقة مدائن صالح -نبي ثمود". وقد اندثر الثموديون كقوم لهم كيانهم في فترة سبقت قيام الدعوة الإسلامية بفترة غير طويلة حسبما يتبين لنا من آيات الكتاب الكريم١١.
ونحن نستطيع في الواقع أن نتتبع الثموديين في عدد من المصادر الأخرى, فهم يظهرون في نقش آشوري يعود إلى حكم الملك سرجون في الشطر الأخير من القرن الثامن ق. م. "٧٢١-٧٠٥ ق. م", على أنهم "أو أن قسما منهم" يسكنون في المنطقة الشمالية لشبه جزيرة العرب. ثم نجد عددا من النقوش الثمودية منتشرة في عدد من مناطق شبه الجزيرة العربية وتعود إلى القرون الثلاثة من الخامس إلى الثالث ق. م. ثم نجد الثموديين بعد ذلك في كتابات بلينيوس في أواسط القرن الأول الميلادي تحت اسم tamudaei ثم على خارطة بطلميوس كلاوديوس "القلوذي" في النصف الأول من القرن الثاني م. تحت اسم thamudenoi ومتعاصرين مع قوم عاد الذين يضعهم بطلميوس على خارطته إلى الشمال من الثموديين١٢، ولما كان القرآن
стр. 180
الكريم يجعلهم "خلفاء من بعد عاد" ويشير إلى ما تبوءوه من مركز وثروة في منطقتهم، فبإمكاننا أن نستنتج من ذلك أن الثموديين استمروا بعد تعاصرهم مع العاديين فترة أخرى قبل أن يندثروا كقوم لهم سطوتهم أو مركزهم كأرستقراطية متحكمة في المنطقة الغنية التي كانوا يقيمون بها. ونحن لا نستطيع أن نضع وقتا محددا لاندثار الثموديين أو اختفائهم كقوم لهم عددهم وسطوتهم، إذ نحن نعود نسمع عنهم بعد بطلميوس الجغرافي في كتابات الكلاسيكيين ابتداء من يوسيبيوس eusebios "حوالي ٢٦٠-٣٤٠م" وانتهاء عند بروكوبيوس prokopios الذي توفي في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي "٥٦٥م" وصمت الكتاب الكلاسيكيين عن ذكر الثموديين طوال هذه الفترة التي تبلغ ثلاثة قرون تقريبا لا يثبت لنا بالضرورة شيئًا عن وجود هؤلاء القوم أو عدم وجودهم، إذ قد يكون هذا الصمت ناتجا عن عدم اهتمام هؤلاء الكتاب بشكل خاص بذكر تفصيلي لأقوام المنطقة الشمالية من شبه الجزيرة العربية. ولكن الثابت هو أن الثموديين كانوا قد اندثروا قبل عهد الرسول ﷺ وأن اندثارهم تم قبل ذلك بفترة غير طويلة. فقد كانت بقايا مساكنهم، حسبما يذكر القرآن الكريم, لا تزال قائمة يستطيع أن يستشهد بها الرسول ﷺ وهو في صدد محاجَّته للجاهليين وإقناعهم بالدعوة الوليدة١٣.
وغير عاد وثمود يحدثنا القرآن الكريم عن أقوام عربية أخرى مثل قوم سبأ. وفي هذا المجال يشير إلى سيل العرم الذي اجتاح هذه المنطقة وكان سببًا في كثير من الآثار السيئة التي عانت منها. والمنطقة في الواقع كانت معرضة لهذا النوع من السيول الناتجة عن الأمطار الموسمية الغزيرة وكان سكانها يعمدون إلى جمع مياه هذه الأمطار خلف جدران السدود التي أقيمت لهذا الغرض، وأهم هذه السدود هو سد مأرب، عاصمة سبأ, ولا تزال بقايا