← История

История · id 8384

العرب في العصور القديمة

لطفي عبد الوهاب

Полный текст (524 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

السياسة البيزنطية إزاء الإمبراطورية الفارسية ومن ثم إزاء كل من إمارتي الغساسنة واللخميين. أما النطاق الآخر الذي دار فيه حديث المؤرخ عن العرب فإنه يتعلق من جهة بأحوال العرب فيتحدث عن أماكن سكناهم في المناطق المزروعة بالنخيل أو في فلسطين وعن أحد أعيادهم الدينية وعن اشتراكهم كجنود سواء مع القوات الفارسية أو الرومانية "البيزنطية" وهكذا٣٢، كما يتعلق من جهة أخرى بشخصيتهم كمجموعة بشرية. وفي هذا الصدد يصف بروكوبيوس العرب بعدد من الأوصاف يبدو فيها شيء من التحامل على العرب في عديد من المواضع، وإذا كان يظهر من حديثه في بعض الأحيان أن العرب الذين يقصدهم هم عرب البادية في شمالي شبه الجزيرة العربية وفي بعض الأحيان في جنوبها "وهو بسبيل حديث عام من شبه الجزيرة" إلا أنه يبدو في أحيان أخرى أنه يتحدث عن العرب عموما بما في ذلك عرب الغساسنة واللخميين والمسئولين فيهم. وفي هذا الصدد نجده يصف العرب في الحرب بأنهم يجيدون السلب والنهب ولكنهم لا يجيدون اقتحام المدن وبأنهم كثيرا ما يشنون الحروب فيما بينهم، وبأنهم لا يأتي ذكرهم حين تعقد المعاهدات، وفي مناسبتين ذكر عن بعض قبائلهم أنهم برابرة barbaroi وأنهم من أكلة لحوم البشر٣٣ anthropophagoi.

стр. 247

وإذا كانت بعض هذه الأوصاف يمكن تسبيبها، مثل شن العرب للحرب فيما بينهم، بما شاهده المؤرخ من صراع بين الغساسنة والمناذرة. فإن الحديث لا يبدو مقنعًا في إنكار قدرة العرب على اقتحام المدن ووصف البرابرة الذي أطلقه على العرب وبخاصة إذا تذكرنا أن المؤرخ عاش في القرن السادس الميلادي وهو القرن الذي عرفت فيه إمارة الغساسنة وإمارة اللخميين في الحيرة قدرا ملموسا من التقدم في النواحي المعمارية والدينية والثقافية عموما من جهة، ومن جهة أخرى فهو القرن السابق مباشرة لظهور الدعوة الإسلامية التي كانت نقطة التفجير للتوحيد السياسي والديني لشبه الجزيرة العربية وللفتوحات العربية التي سقطت أمامها الإمبراطورية الفارسية وقسم كبير من الإمبراطورية البيزنطية. وفي هذا الصدد فإن حديث المؤرخ وملاحظاته عن العرب يبدو متناقضًا مع هذه الإنجازات التي أرى أن بوادرها لا بد أن تكون واردة في القرن السادس الذي عاش فيه وهو القرن السابق مباشرة لهذه الإنجازات, وهو تناقض إما أن نرده إلى تحامل أو تعالٍ من المؤرخ أو إلى تقصير في فهم أو تفسير ما كان يدور حوله من أحداث وتيارات.

стр. 248

الكتابات العربية في العصر الاسلامي صعوبات أمام الاعتماد على هذه الكتابات ... ٢- الكتابات العربية في العصر الإسلامي: أ- صعوبات أمام الاعتماد على هذه الكتابات: وأنتقل الآن إلى الحديث عن الكتابات العربية التي ظهرت في العصر الإسلامي والتي تناولت، فيما تناولته، ذكر أحوال شبه الجزيرة العربية ومجتمعاتها قبل ظهور الإسلام. وهنا تعترض الباحث عدة صعوبات, وأول هذه الصعوبات هي عدم معاصرة أصحاب هذه الكتابات لما كانوا يكتبون عنه، وعدم المعاصرة هذا يمتد، فيما يخص الحديث عن بعض أخبار العرب وأحوالهم، عبر سبعة عشر قرنًا، فالعرب بدءوا يظهرون على مسرح التاريخ كمجموعة بشرية لها هويتها الجماعية ونظمها وعلاقاتها الخارجية منذ القرن العاشر ق. م. على أقل تقدير. فعلاقات مملكة سبأ بسليمان ملك اليهودية ترجع، كما ترويها التوراة وكما حققها المؤرخون إلى القرن العاشر ق. م. والنصوص الآشورية التي تسجل علاقات الملوك الآشوريين بالعرب يرجع أولها إلى العام السادس من عهد شلمنصر الثالث "٨٥٨-٨٢٤ ق. م" أي إلى أواسط القرن التاسع ق. م. ويبدأ الحديث المفصل عن العرب وشبه جزيرة العرب عند أول الكتاب الكلاسيكيين "اليونان والرومان" في أواسط القرن الخامس ق. م. هذا بينما يبدأ أول تدوين لأخبار العرب السابقين للإسلام على عهد معاوية بن أبي سفيان في أواسط القرن الأول الهجري أي: في أواخر القرن السابع الميلادي٣٤. ومثل هذه المسافة الزمنية الطويلة بين وقوع الأحداث وتدوينها أمر يضعف بالضرورة من قيمة هذه الكتابات، وبخاصة

стр. 249

إذا أضفنا إلى ذلك أن كتاب العرب في العصر الإسلامي لم يقتصروا على التأريخ للعرب منذ ظهورهم على مسرح الأحداث التاريخية كقوم لهم هويتهم الخاصة في القرن العاشر ق. م. بل تخطوا ذلك إيغالًا في الماضي ليتحدثوا عن العرب منذ عهد سام بن نوح الذي ذكروا أن العرب ينتسبون إليه, أي: إنهم دفعوا بالحديث في أغوار الماضي إلى عهود أقل ما توصف به أن من يتناولها لا يعرف في الحقيقة شيئا عنها. وهذه المحاولة من جانب كتاب العصر الإسلامي لا تنحصر في كاتب أو كاتبين، بل نجدها عندهم جميعًا، ابتداء من عبيد بن شرية في أواسط القرن الأول الهجري "أواخر القرن السابع الميلادي" إلى ابن خلدون الذي توفي في أوائل القرن التاسع الهجري "أوائل القرن الخامس عشر الميلادي". وفي الواقع فإن هذا الكاتب الأخير، الذي اشتهر بمذهبه النقدي، يبدي شيئًا من التردد في قبول هذا الاتجاه عند المؤرخين الإسلاميين، وبخاصة فيما يتعلق بتتبع أنساب العرب من جيل إلى الجيل الذي يسبقه, توصلًا في النهاية إلى بدايات ضاربة في أعماق الماضي، لتشككه في إمكان التوصل في معرفة الأنساب القديمة، كما يبدي تشككه كذلك في صحة الأخبار المتعلقة بالعصور العربية الأولى كما رواها من سبقه من الكتاب. ولكنه رغم ذلك يلخص كل ما ورد من هذه الأخبار القديمة ويحاول أن يرجح بعضها على بعض, كما يقدم لنا تنسيبًا مفصَّلًا للعرب يرتفع بأحد شقيهم إلى قحطان ويرتفع بالآخر إلى عدنان٣٥. وهكذا لا يستطيع ابن خلدون، رغم مذهبه النقدي، أن يتخلص من وطأة الاتجاه الذي تصدى له فتنغمر ملاحظاته، حسب تعبير باحث معاصر "وسط سيل الأخبار المتضاربة، ويظهر تأريخه

стр. 250

لهذه الأجيال من العرب وكأنه تاريخ تقليدي لا يختلف كثيرا عن تواريخ سابقيه"٣٦. والملاحظة العامة الثانية على الكتابات العربية التي ظهرت في العصر الإسلامي فيما يتعلق بتاريخ شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، تخص مسألة المصادر التي اعتمدوا عليها, أو كان من المفترض أن يعتمدوا عليها طالما أنهم لم يعاصروا الفترة التي يكتبون عنها. وأذكر هذا وفي ذهني ما عمد إليه بعض الكتاب الكلاسيكيين الذين كتبوا عن أحوال شبه الجزيرة في أوقات سابقة لزمنهم فحرصوا على أن يذكروا مصادرهم من الكتاب السابقين الذين كانوا معاصرين لما كتبوا عنه، كما هو الحال عند سترابون الجغرافي اليوناني الذي حرص حرصا كاملا على أن يذكر لنا كلما تطرق إلى فترة سابقة لعصره أن يرد ما ذكره إلى إراتوستنيس أو أريستوبولوس أو أرتميدوروس أو غيرهم ممن عاصروا ما كتبوا عنه بل عاينوه على الطبيعة في أغلب الأحوال إن لم يكن في كل الأحوال٣٧. أما فيما يخص مسألة المصادر عند كتاب العصر الإسلامي فهم إما لا يذكرونها على الإطلاق وهو الأمر السائد في كتاباتهم، أو أنهم يذكرون بعض المصادر الفارسية أو البيزنطية، ولكن في مجال الحديث عن ملوك الفرس والبيزنطيين وليس عن أحوال شبه الجزيرة، كما فعل حمزة الأصفهاني الذي دون تأريخه في أواسط القرن الرابع الهجري "العاشر الميلادي"، أو أن يتخذوا مصدرا لهم الأخباريين الأول مثل عبيد بن شرية أو ابن الكلبي من كتاب صدر الإسلام وهؤلاء لم يعاصروا ما كتبوا عنه٣٨.

стр. 251

وفي هذا الصدد يجب أن نتوقف عند اثنين من أصحاب الكتابات العربية ذكروا لنا شيئا عن مصادر كتاباتهم، وأول هذين هو وهب بن منبه "توفي في ١١٠هـ-٧٢٨م" وهو يهودي الأصل ومن ثم فربما كان على علم بالمصادر العبرانية المعاصرة لأحوال وأحداث شبه الجزيرة في الفترة السابقة للإسلام، وهو أمر يجعلنا نتوقف قليلا عند هذه الحقيقة، ولكنا لا نلبث أن نتردد في قبول ما يذكره لنا من أخبار العرب القدامى حين نجده يقول: "قرأت ثلاثة وتسعين كتابا مما أنزل الله على الأنبياء"٣٩. وهو تقرير غير صادق بالضرورة ومن ثم يصح الاعتماد على الأخبار المبنية عليه أمرا غير وارد. أما الكاتب الثاني فهو الهمداني "توفي بعد ٣٤٠هـ-٩٥١م" صاحب كتاب الإكليل، الذي يبدو من بعض ما ورد في كتابه أنه كان على معرفته بالخط المسند ومن ثم كان بمقدوره، افتراضا أن يقرأ النقوش الموجودة على الآثار القائمة باليمن على عصره، وهو يورد فعلا بعض هذه النقوش في لغة عربية فصيحة مسجوعة. ولنا بشكل مبدئي، أن نأخذ ما يورده على أنه الترجمة العربية الفصيحة للنص المكتوب باللغة أو اللهجة الحميرية أو المعينية الجنوبية، ولكن اعتمادنا على مصادره يبدأ في الاهتزاز عندما يذكر لنا عن أحد القصور، وهو قصر شحرار, "وفي بعض مساندها هذان البيتان بحرف المسند: شحرار قصر العلا المنيف ... أسه تبع ينوف يسكنه القيل ذي معاهر ... تخر قدامه الأنوف٤٠

стр. 252

وسبب ترددنا في الثقة بمصادره هو أن أعدادًا كبيرة من النصوص العربية الجنوبية تزيد على أربعة آلاف نص قسم قد تم العثور عليها وقراءتها حتى الآن، ولكن ليس بينها نص واحد مكتوب باللغة العربية الفصيحة وليس بينها نص واحد مكتوب بالشعر. وحقيقة إن اللغة العربية الشمالية ربما كانت معروفة في الجنوب في الفترة الجاهلية القريبة من ظهور الإسلام كلغة عامة في المعاملات التجارية والمباريات الشعرية التي يشترك فيها أشخاص من مختلف أنحاء شبه الجزيرة إلى أشخاص اللغات أو اللهجات المحلية٤١، ولكن ليس هناك ما يدعو إلى استخدام هذه اللغة العامة في كتابة نقش رسمى محلي مثل النص الذي نتحدث عنه. ويبقى أمامنا في هذا الصدد الافتراضات: فإما ألا يكون الهمداني على معرفة بالخط المسند وأنه كان يعرف هذه النقوش مما يسمعه عنها فحسب، أو أنه كان يعرف الخط المسند ثم يتصرف في ترجمته تصرفا يجعله يصوغ هذه الترجمة نثرا مسجوعا أو شعرا في بعض الأحيان، بما يستتبعه هذا بالضرورة من الابتعاد، بنسب متفاوتة، عن المضمون الأساسي للنص، ومن ثم يضعف من قيمته كمصدر تاريخي. وفي الواقع فإن القارئ لأخبار العرب الجاهليين في كتابات العصر الإسلامي، وبخاصة الأخبار التي تروي أحداثًا أو مواقفَ تسبق ظهور الإسلام بفترة طويلة، لا بد أن يسترعي انتباهه أسلوب القصص الشعبي الذي يسود هذه الكتابات، وهو أسلوب يصل إلى نغمة الحديث الأسطوري كلما أوغل هؤلاء الكتاب في الحديث عن الماضي حتى وصلوا إلى آدم ﵇ أبي الإنسانية. وهذا الأسلوب القصصي يعترف به ضمنًا عبيد بن شرية، أول الأخباريين العرب, في روايته عن أخباره التي كان يسامر بها معاوية بن أبي سفيان كل ليلة، إذ يبدو أن الصفة الأساسية لهذه الأخبار هي أن تكون

стр. 253

"عجيبة" كما نجد الخليفة يطلب إلى سميره أن يدعمها بأشعار، فيجيبه عبيد إلى طلبه بأشعار يضعها على لسان عاد أو ثمود أوغيرهما من القبائل العربية البائدة بلسان عربي فصيح، وهو أمر لا يمكننا أن نقبله أو نعتمد عليه، فقوم عاد لم تصلنا أية آثار أدبية عنهم شعرا ونثرا، وثمود وصلتنا نقوش كثيرة بلهجتهم، أو بالأحرى بلهجاتهم المختلفة، وكلها لهجات غير اللغة العربية الفصيحة٤٢. ويبدو أن هذا الأسلوب الذي يميل إلى صفة القصص الشعبي في رواية أخبار العرب في العصر السابق للإسلام "وفي الواقع أخبار غير العرب كذلك" قد بدأ يشعر به كتاب الفترة المتأخرة "زمنيًّا" في العصر الإسلامي "رغم أنهم لم يتجنبوه". فالطبري مثلا يبدي هذا الشعور "فما يكن في كتابي هذا من خير ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو لا يستسيغه سامعه, من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قِبَلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا،

стр. 254

وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا"٤٣. أما ابن خلدون فيعلن صراحة عن هذه الكتابات أن أصحابها "نحوا فيها منحى القصَّاص، وجروا على أساليبهم، ولم يلتزموا فيها الصحة ولا ضمنوا لنا الوثوق بها، فلا ينبغي التعوُّل عليها، وتترك وشأنها"٤٤. وتأسيسًا على ذلك أصل إلى رأي مؤداه: أن الكتابات العربية التي ظهرت في العصر الإسلامي بقدر ما تعتبر المصدر الأول والأساسي فيما يتعلق بالعصر الإسلامي ذاته، وهو الذي يمثل الفترة المعاصرة التي عايشها أصحاب هذه الكتابات، بقدر ما تفقد، في عمومها القيمة التاريخية اللازمة للاعتماد عليها كمصدر من مصادر التعرف على أحوال شبه الجزيرة في العصور السابقة للإسلام؛ وذلك لسببين: الأول هو معالجة الكتابة عن هذه الفترة بأسلوب الأساطير أو بأسلوب القصص الشعبي الذي لا يدخل في نطاق الكتابة العلمية.

стр. 255

ب- استثناءات ممكنة من هذا التعميم: على أن هناك استثناءات لهذا التعميم، يمكن الاعتماد فيها، بدرجات متفاوتة، على بعض ما جاء في هذه الأخبار. ومن بين هذه ما ذكره عبيد بن شرية عن بعض ملوك الحيرة والغساسنة القريبين من ظهور الإسلام، وعن الحملة التي أرسلت من اليمن في عهد السيادة الحبشية إلى الحجاز بهدف تهديم الكعبة "يوم الفيل" وعن سنوات القحط والجفاف وأيام العرب وعدد من الأصنام والطقوس العربية الجاهلية؛ وذلك لأن عبيد بن شرية كان مخضرمًا

стр. 256

أدرك الجاهلية والإسلام، ومن ثَمَّ قد كان معاصرًا لهذه الأحداث أو على الأقل قريبًا منها. كذلك من بين ما يمكن أن نعتمد عليه في هذه الكتابات ما جاء في "كتاب الأصنام" لابن الكلبي٤٥ "توفي ٢٠٤هـ - ٨١٩م" عن عبادات العرب في الجاهلية والمعلومات التي أوردها في هذا الصدد عن الأحجار المقدسة والأصنام والأنصاب والأوثان، وعن بيوت العبادات التي كانت تحظى بتعظيم العرب مثل الكعبة وكعبة نجران، وعن طقوس العبادة والحج القديم، وعن اليهودية والنصرانية والحنيفية "وهي بقايا ديانة إبراهيم وإسماعيل ﵉" التي كانت منتشرة في بعض أقسام شبه الجزيرة. واعتمادنا على "كتاب الأصنام" في هذا المجال هو اعتماد قائم لأن آثار بيوت العبادة السابقة لظهور الإسلام ظلت قائمة في الفترة الإسلامية "وفي الواقع فإنها ظلت قائمة حتى اكتشفها ودرسها علماء الآثار والتاريخ في الوقت الحاضر، مثل معبد المقة، إله القمر عند السبئيين، الذي كان لا يزال يعرف باسم محرم بلقيس على نحو ما فصلت في مناسبة سابقة". ومن ثم فإن الحديث عن الشعائر والطقوس التي كانت متصلة بها كان أمرًا واردًا، والشيء ذاته يقال عن الجزء الثامن من كتاب "الإكليل" للهمداني٤٦ "وهو أحد أجزاء أربعة وصلتنا من هذا الكتاب هي الأجزاء الأول والثاني والثامن والعاشر" وفيه ذكر لآثار اليمن: قصورها ومدنها وسدودها وحصونها وهياكلها، فإلى جانب أن هذه الآثار التي وصفها كانت لا تزال عندما كتب عنها، فإن الكاتب نفسه رجل يمنيٌّ لديه فرصة معاينة هذه الأبنية وفحصها على الطبيعة وفرصة فهمها والتعرف الواسع بها وبما يحيط بها من أجواء ربما أكثر من غيره من الكتاب. ومن بين ما يدخل ضمن هذه المصادر العربية التي يمكن أن نستقي منها

стр. 257

قسمًا من أحوال شبه الجزيرة العربية في عصر ما قبل الإسلام، المعلومات ذات الطابع الجغرافي، مثل المعلومات التي وردت عند عبيد بن شرية عن بعض مناطق شبه الجزيرة مثل: الأحقاف والحجر ووادي القرى واليمامة. ومن بينها كذلك كتاب "صفة جزيرة العرب" للهمداني٤٧ "ولعله أهم ما كتب في هذا المجال" إذ نجد فيه، إلى جانب حديث الكاتب عن الآثار، وصفا جغرافيا لمناطق شبه الجزيرة وأسمائها التي عرفت في وقت ذكر الكاتب لها، وهي أسماء كانت هذه الأماكن تعرف بها في الجاهلية دون شك، وتحديد لمواقع هذه الأماكن يساعد الباحث في التعرف عليها سواء بالمقارنة مع مع جاء في كتب الكلاسيكيين التي كانت معاصرة لعصر ما قبل الإسلام أو بالمواقع الأثرية التي لا يفتأ المنقبون الأثريون يكشفون عنها من وقت وآخر.

стр. 258

الباب السابع: الشعر الجاهلي ١- الشعر كمصدر تاريخي: الحديث عن العلاقة بين التاريخ والشعر ينسحب في الواقع على العلاقة بين التاريخ وكل ألوان الأدب، سواء أكانت هذه قصة أو رواية أو مسرحية أو أي عمل أدبي آخر. وإنما قصرت الحديث هنا على الشعر فحسب لسبب بسيط هو أن الشعر يشكل اللون الأدبي الغالب، أو لعلة اللون الوحيد الذي تبقى لنا بشكل واضح ومباشر, من ألوان الأدب العربي في الفترة السابقة لظهور الإسلام. والسؤال الذي يطرح نفسه بالضرورة في بداية الحديث هو: كيف نعتمد على الشعر كمصدر من مصادر التاريخ؟ وهو سؤال منطقي, فالتاريخ في جوهره هو الكشف عن حقائق الماضي تمهيدًا لتحليلها وتفسيرها وتقويمها "أعني تقييمها حسب الخطأ الشائع في صياغة الكلمة" والأسلوب الذي يصطنعه المؤرخ في الكشف عن هذه الحقائق هو تمحيص أو تحقيق المادة التي يحصل عليها من مصدر أو آخر من المصادر المتاحة له سواء أكانت هذه المادة تتعلق بأحداث أم مواقف أم اتجاهات أم تيارات، وهذا يبدو لأول وهلة مختلفًا، إن لم يكن مناقضًا لطبيعة الشعر "والأدب بوجه عام". وهي

стр. 259

طبيعة تدخل فيها بالضرورة عوامل العاطفة والانفعال والتصور والخيال والانطباع الفردي الذي يختلف من شاعر أو أديب لشاعر أو أديب آخر بدرجات متفاوتة قد تصل إلى التعارض أو حتى إلى التناقض في بعض الأحيان. وتكمن الإجابة على هذا السؤال في أن دراسة التاريخ الآن قد أصبحت في المقام الأول دراسة مجتمعات ولم تعد تقتصر على التعرف على حياة الأفراد في ذاتهم لتتخذ من هذه الحياة محورا أو هدفا أساسيا، سواء أكان هؤلاء الأفراد حكاما أم زعماء أم قوادا أم مصلحين أم مفكرين أم متآمرين أم كانت لهم أية صفة أخرى. فالأفراد وحدهم، إذا جاز لنا أن نتصورهم بمعزل عن المجتمع والعصر الذي يوجدون فيه -وهو تصور مستحيل- لا يستطيعون أن يسيِّروا أو يغيروا مجتمعا, مهما كانت شخصيتهم أو قدراتهم الذاتية، وإنما يتم هذا التسيير أو التغيير عندما يتجاوبون، تأثرا وتأثيرا، مع ظروف المجتمعات التي يعيشون فيها بما تضمه من موارد وأفكار وتقاليد وترسبات وتفاعلات وطبقات وتناقضات، ومع ظروف العصر الذي يعيشون فيه بما في ذلك من تيارات واتجاهات وتطورات. وما دام الأمر كذلك فلا بد أن تدور الدراسة التاريخية في نطاق المجتمع, وأن تتناول كل جوانبه: ظروفه الاقتصادية، تكويناته الطبقية، فئاته الاجتماعية، القيم التي تسوده، معتقداته، مثله العليا، علاقاته الداخلية فيما بين طبقاته وفئاته، مواقفه الخارجية من المجتمعات الأخرى، بل أكثر من هذا يصبح من واجبنا أن نتعرف على هذا المجتمع في حياته اليومية في حله وترحاله، بيئته الجغرافية بتضاريسها ومناخها، الجفاف الذي يعاني منه والمطر الذي ينتظره، النباتات التي تقدمها أرضه أو التي يقوم بزراعتها في هذه الأرض، الدواب التي يعتمد عليها والدروب التي يسلكها، وحتى الملابس التي يرتديها وأدوات العمل والقتال والزينة التي يستخدمها، فهذه كلها احتياجات تؤثر

стр. 260

على مسلك أفراد هذا المجتمع. وهم في سبيل تأمينها أو الحصول عليها ينهجون هذا النهج أو ذاك أو يتصلون بهذا الشعب أو ذاك، وقد يكون اتصالهم هذا وديا سليما، وقد يكون عنيفا يتخذ درجات متفاوتة من التصادم قد تصل إلى الحرب السافرة. كذلك فإن هوية المجتمع أو شخصيته تصبح, في هذا الصدد، قسمًا من أقسام الدراسة التاريخية لا يمكن تجاهله، متى بدأ هذا المجتمع في الظهور؛ فكرته عن الأصل الذي انحدر منه، الأساطير التي تحيط بهذا الأصل ومدى اقتناعه بها، تطلعاته وتصوراته وقدرته على المواءمة بينها وبين العالم الذي يعيش فيه ويحتك به، ومن ثم مدى استعداده لاستيعاب الحركة التاريخية والتطورات الحضارية أو مسايرتها أو حتى التخلف عنها. وإذن فالباحث أمام وضع لا يجوز له فيه أن يقتصر على السجلات الحكومية التي تعبر عن أحوال فرد أو أفراد أو فئة أو طبقة حاكمة وما اختارت أن تسجله بطريقة أو أخرى عن أعمالها وعلاقاتها، وإنما لا بد له أن يضم إلى هذا المصدر مصادر أخرى من نوع آخر. وما دمنا نتحدث عن ذلك فليس أمامنا إلا ما تركه المجتمع بكل أفراده وطبقاته وطوائفه ليعبر به، في شكل أو في آخر، عن كل هذه الصور والظروف والمعاملات والعلاقات -وهنا يبرز دور الأدب كواحد من هذه المصادر الرئيسية، فمن خلاله يستطيع الفرد الذي أوتي مقدرة التعبير الأدبي، أن يرسم ملامح المجتمع الذي يحيط به، ومواقفه ومعاناته وآماله في صورة أو أخرى من الصور العديدة التي يتخذها الأدب لنفسه- وقد كان الشعر هو الصورة البارزة التي اتخذها الأدب العربي في عصر ما قبل الإسلام. ولا يجوز لنا في هذا الصدد أن ننظر إلى تعبير الشاعر على أنه تعبير ذاتي فرد، مهما كانت الاعتبارات التي تغرينا، للوهلة الأولى, بهذه النظرة، فالشاعر جزء من المجتمع بكل ظروفه وتفاعلاته، وإذا كان التعبير الشعري

стр. 261

يصل إلينا من خلال الانطباع الذاتي أو المعاناة الشخصية للشاعر, فإن هذا الانطباع أو هذه المعاناة تتم في إطار التجربة التي يعيشها ويمارسها المجتمع الذي يوجد فيه الشاعر, ولا يملك الشاعر في هذه الحال إلا أن يكون جزءًا منها مهما اختلفت طريقة التعبير عنها من شاعر لآخر. على أننا ونحن بصدد التأريخ للمجتمع, لا نأخذ, ولا ينبغي أن نأخذ، الشعر كما هو على أنه حقائق تاريخية أو حضارية؛ فالشاعر قد يبالغ وقد يتخيل وهو حتى إذا تحدث عن حقائق فهو يبرزها لنا من خلال انفعاله الخاص بها. ولكن رغم ذلك فهناك عدد من الحقائق الثابتة نستطيع أن نستخلصه من الشعر عن أحوال المجتمع, إذا تخطينا المبالغات والتخيلات والانفعالات الخاصة. ومن بين هذه الحقائق, الاتجاهات العامة التي تسود المجتمع مثل القيم التي تحكمه وطبيعة تصوره لها ومن ثم الدوافع التي تعيننا على تفسير عدد من تصرفات هذا المجتمع. وفي هذا المجال فنحن قد لا نفهم عددا من العلاقات القبلية قبل الإسلام أو على الأقل لا نفهم كل الأبعاد التي وصلت إليها دون أن نعرف تصور مجتمع ما قبل الإسلام لمعنى الشرف أو الرابطة العصبية أو لممارسة الثأر -وكلها معانٍ تبرز في وضوح من خلال الشعر الجاهلي. كذلك نستطيع أن نفهم اضطرار عرب البادية إلى الارتحال المستمرِّ نتيجة لظروف الجفاف التي سيطرت على شبه الجزيرة العربية من خلال وصف الأطلال والبكاء عليها والحنين إلى العلاقات التي تمت في ظل ما كان بها من جوار ولقاءات يجد البدوي نفسه مضطرًّا إلى التضحية بها أمام واقع الوضع الاقتصادي الذي يدفعه إلى السعي وراء الكلأ وانتجاعه حيثما كان. كذلك نحن نستطيع أن ندرك في وضوح كثير مدى ما تتركه ندرة المطر في شبه الجزيرة على تصرفات القبائل وعلاقاتها فيما بينها إذا عرفنا أن شاعرًا مثل عمرو بن كلثوم يجد من بين دواعي فخره أن قبيلته ترد عين الماء أولًا فتنعم بالماء الصافي ولا تترك لغيرها من القبائل إلا ما تبقى من الكدر والطين وهكذا.

стр. 262

وليست الاتجاهات العامة هي كل ما نستخلصه من الشعر, وإنما نعرف منه إلى جانب ذلك أشياء أخرى لا يملك الشاعر أن يغير فيها شيئا ولا يوجد ما يدعوه إلى ذلك؛ لأنها من صميم بيئته، مثل الحيوانات التي يعتمد عليها في تنقله رعيا أو تجارة أو حربا، ومثل الملابس التي يتخذها الرجال والنساء ومثل البيوت "أو الخيام" وطريقة بنائها أو إقامتها، ومثل الآلهة والمعتقدات والشعائر والطقوس، ومثل أسماء الأماكن التي يقيمون فيها أو يرتحلون إليها، سواء أكانت مدنا أم قرى أم مواضع، ومثل الطرق التي كانوا يسلكونها في تنقلاتهم والمعالم التي تحيط بها أو تطل عليها، ومثل الأسواق التي كانوا يلتقون فيها لقضاء معاملاتهم، ومثل المواقع أو الأيام التي تركت أثرًا في حياتهم، وفيض آخر إلى جانب كل هذا عن تفاصيل حياتهم وممارستهم اليومية تعيننا مرة أخرى على تفهم تصرفاتهم وعلاقاتهم. هذه هي قيمة الشعر كمصدر أساسي من مصادر التاريخ, نترك منه ما يشوبه الخيال، وما يعبر من خلاله الشاعر عن الانفعال المؤقت أو عن الانطباع الشخصي، أو ما نرى فيه شيئا من المبالغة التي تنتج عن المثالية والميل الطبيعي نحو البطولة وهو ميل من الطبيعي أن ننتظره في الشعر، ونستطيع أن نتحقق منه عن طريق المقارنة بما تصل إليه أيدينا من مصادر أخرى مثل النقوش والآثار وكتابات المؤرخين والرحالة والجغرافيين حتى نصل إلى أقرب نقطة ممكنة من الحقيقة التاريخية. وفي هذا المجال، فإن تصوير أحوال شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام اعتمادًا على ما تركه لنا شعراء الجاهلية, ليس بدعا أو أمرا غير عادي؛ فقد اعتمد مؤرخو الحضارة اليونانية وتاريخها على ما جاء في ملحمتي الإلياذة والأوديسية المنسوبتين إلى الشاعر اليوناني هوميروس Homeros بعد تمحيصه ومقارنته بالمصادر الأثرية والتاريخية

стр. 263

الأخرى١. بل لعل الشعر الجاهلي كان أوفر حظًَّا من شعر هوميروس فيما يخص إمكانات التمحيص عن طريق المقارنة، فلم يكن هناك في العصر الذي تغطيه أشعار هوميروس في العصر المبكر من ظهور المجتمع اليوناني مؤرخون معاصرون يمكن الاعتماد في المقارنة على ما تركوه لنا من كتابات، وما وجد من نقوش قليلة لم يمكن التوصل إلى مدلول حروفها إلا خلال السنوات القليلة الماضية وبشكل غير مستقر٢. وهكذا لم يكن أمام مؤرخي الحضارة اليونانية إلا الاعتماد على الآثار بشكل أساسي في هذه المقارنة. أما الشعر الجاهلي فلدينا للتحقق مما أشار إليه أو جاء فيه مصادر أخرى إلى جانب الآثار، من بينها النقوش وكتابات المؤرخين والجغرافيين والرحالة والموسوعيين اليونان والرومان ومن بينها القرآن الكريم والحديث الشريف والتوراة والتلمود على سبيل المثال. وكلها تعيننا على تمحيص هذا الشعر وتحقيقه والتأكد من المعلومات التي يقدمها لنا.

стр. 264

ورغم ما بين شعر هوميروس، وبين الشعر الجاهلي من مواطن الخلاف في التركيب أو التكوين الفني، إلا أن أوجه الشبه كثيرة إذا ما نظرنا إلى كل منهما على أنه مصدر تاريخي وحضاري, فالإلياذة والأوديسية مكونتان من أناشيد ومقطوعات شعرية تماثل المقطوعات التي يمكن أن نقسم إليها المعلقات أو القصائد الجاهلية من حيث إن كلًّا منها يرسم منظرا أو موقفا يصور جانبا من جوانب الحياة في المجتمع الذي ينتمي إليه. فوصف هوميروس في النشيد الثامن عشر من ملحمة الإلياذة لعدد من الثيران وبعض كلاب الرعي وقطيع من الغنم في أحد المناظر المرسومة على درع أخيليوس Achileus، يقابله وصف الحصان وسرب من بقر الوحش في معلقة امرئ القيس أو وصف الناقة في معلقة طرفة بن العبد، والمنظر الذي يتعلق بدفع الدية لأهل القتيل في النشيد نفسه من الإلياذة يقابله وصف لدفع الدية بين بني عبس وبني ذبيان في معلقة زهير بن أبي سلمى٣. وإلى جانب هذه المناظر المتقابلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بين شعر هوميروس والشعر الجاهلي توجد عشرات من المناظر تصور طريقة كل من المجتمع اليوناني المبكر والمجتمع اليوناني في شتى مناحي الحياة وممارستها.

стр. 265

٢- اعتراضات على الشعر الجاهلي كمصدر تاريخي: الشعر إذن، في حد ذاته، مصدر من مصادر الكتابة التاريخية لا يقل شأنًا عن غيره من المصادر، فإذا كانت السجلات الحكومية هي وثيقة الطبقة

стр. 266

الحاكمة، فإن الشعر هو وثيقة الشعب والمجتمع بأكمله, على أن الشعر الجاهلي تعرض لقضية ينبغي أن نتوقف عندها لأنها تمسه من الأساس وتتعرض لقيمته كمصدر لمعرفة أحوال شبه الجزيرة العربية في الفترة السابقة للإسلام. فقد أثار بعض الباحثين اعتراضًا مؤداه أن أغلب هذا الشعر، إن لم يكن كله، لا ينتمي إلى العصر الجاهلي بحال، وإنما هو موضوع أو منحول، نحله الرواة في القرنين الثاني والثالث الهجريَّيْنِ ثم نسبوه إلى الشعراء الجاهليين، وقد دار حول هذه القضية جدل طويل، أخذًا وردًّا، امتد على القسم الأكبر من النصف الأول للقرن الحالي، وكان أول من أثار الاعتراض منذ أوائل القرن هو المستشرق د. س. مارجوليوث D. S. Margoliouth. والدعوى التي يقدمها مارجوليوث هي أن الشعر بالصورة التي عرفها العرب بعد ظهور الإسلام لم يكن معروفًا في الجاهلية، وحقيقة إن أشخاصا وجدوا في الجاهلية وأطلق عليهم اسم "الشعراء" وقد جاءت في القرآن الكريم سورة كاملة بهذا الاسم، ولكن الإشارات القرآنية إلى هذه الفئة تفيد أن هؤلاء كانوا فئة من الكهان يتنبئون بالغيب ويعبِّرون عن ذلك بألفاظ مبهمة، ومن ثم يصبح المقصود بالشعر هو هذه الصفة أو المهنة الدينية وليس الموهبة أو الصنعة الفنية التي تدخل ضمن أبواب الأدب. ويقدم المستشرق لتأكيد دعواه هذه مجموعتين من الأدلة٤.

стр. 267

وقد تعرض في المجموعة الأولى من هذه الأدلة إلى الطرق التي يفترض أن الشعر الجاهلي انتقل من خلالها إلى علماء العرب من الإخباريين والرواة في القرنين الثاني والثالث للهجرة، كما تعرض لهؤلاء الإخباريين والرواة أنفسهم. ففيما يخص طرق انتقال الشعر الجاهلي يذكر أن هذا لا يكون إلا بالكتابة أو بالرواية. أما الكتابة فهو يشك فيها, فالقرآن الكريم يذكر أن الجاهليين لم يكن لهم كتاب "سماوي" يقرءونه كما كان الحال عند اليهود والنصارى، ولو كان الشعر الجاهلي مكتوبا لكان لهم كتاب أو أكثر من الكتب السماوية. وأما الرواية فهناك أكثر من سبب يؤدي إلى الشك فيها فالشعر الجاهلي فيه عدد كبير من القصائد الطويلة, ومثل هذه القصائد تفترض وجود رواة محترفين حتى يستوعبوها, ويعوها في ذاكرتهم وينقلها جيل منهم إلى الجيل الذي يليه -وليس هناك ما يثبت وجود هؤلاء الرواة المحترفين. كذلك فإن موقف القرآن الكريم الذي اتسم بالقسوة على الشعراء واتهام أتباعهم بالغواية واتهامهم هم أنفسهم بالكذب من حيث إنهم يقولون ما لا يفعلون -كل هذا يدعو إلى نسيان الشعر الجاهلي حتى إذا افترضنا وجود مثل هذا الشعر. وأخيرًا فإن الشعر الجاهلي "المفترض في رأي مارجوليوث" يخلد الروح القبلية بما يضمه من قصائد تفتخر فيها القبائل بانتصاراتها على غيرها، ومن ثَمَّ فإن الإسلام الذي كان يدعو إلى الوحدة ويعمل على تحقيقها بكافة الوسائل لا يمكن أن يشجع التغني بهذا الشعر أو العمل على إبقائه متداولًا في المجتمع الإسلامي الأول. وهذا سبب آخر يدعو إلى نسيانه أو الإعراض عنه٥.

стр. 268

أما عن علماء العرب في القرنين الثاني والثالث الهجريين ممن ذكروا الشعر الجاهلي أو قاموا على روايته فهم إما الإخباريون وهؤلاء لا يعتمد على ما ذكروه من شعر؛ إذ إن بعضهم أورد شعرًا لآدم بينما عزا البعض الآخر شعرًا غنائيًّا لإسماعيل وكلا الأمرين غير معقول، وإما الرواة من أمثال حمَّاد وجناد وخلف الأحمر وأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وأبي عمرو الشيباني وابن إسحاق "صاحب السيرة" والمبرِّد، وهؤلاء لا يطمئن المستشرق إليهم لسببين رئيسيين: أولهما أن هؤلاء العلماء كان بعضهم يشكك في أمانة البعض الآخر في الرواية, ومثل هذه الاتهامات لا تجعلنا نعرف أين الشعر المنحول وأين الشعر الصحيح "إذا كان ثمة شعر جاهلي". والسبب الثاني هو أنه على فرض أن بعض ما رواه هؤلاء الرواة شعر صحيح أو يعتقدون أنه شعر صحيح فأين مصدره؟ لقد كان الإسلام متشددًا مع الوثنية تشددًا لا يعرف التهاون أو الكَلَل وقد ناصبها العداء بشكل انتهى إلى حروب أهلية سافرة سواء في أثناء الدعوة "غزوات الرسول ﷺ أو بعد الدعوة "حرب الردة" داخل شبه الجزيرة، فمن غير المعقول أن يشجع الشعر الجاهلي الذي يتغنى بأمجاد المجتمع الوثني. كذلك فإن أعدادا كبيرة من سكان شبه الجزيرة قد تركوها في فترة الفتوح الإسلامية ليستقروا في مواطن جديدة أدخلتهم في أجواء جديدة استوعبت اهتماماتهم وانشغلوا بالمواءمة بين أنفسهم وبين ظروفها, الأمر الذي يشجع اندثار ما كان قد علق بأذهانهم من الشعر الجاهلي على افتراض وجوده أصلا٦. أما المجموعة الثانية من الأدلة فيتعرض فيها المستشرق إلى الشعر الجاهلي على أكثر من صعيد. فعلى صعيد الوزن الذي تجده فيما بين أيدينا من الشعر

стр. 269

المنسوب إلى الجاهلية، فإن هذا الوزن يفترض مقدمًا أن يكون الشعر الجاهلي تاليًا لنزول القرآن وليس سابقا له كما يجب أن يكون. والسبب في ذلك أن تطور الفن الأدبي يسير من غير المنتظم إلى المنتظم، أي: يسير من النثر العادي، إلى نثر يظهر فيه السجع وشيء من الوزن ثم إلى الشعر الموزون وزنا كاملا. ونحن نرى أن القرآن الكريم فيه كثير من السجع وفيه قدر ظاهر من الوزن، ولكنه لا يصل إلى مرحلة الوزن الكامل، ومن هنا يصبح في افتراض وجود شعر جاهلي قبل نزول القرآن الكريم تناقضٌ مع تطور الفن الأدبي. ويدعم المستشرق دليله هذا بدليل آخر من حيث إن الوزن يمثل الموسيقى الشعرية فيذكر أن القرآن لم يذكر الموسيقى من مستحدثات العصر الأموي، ومن ثم فمن الصعب أن نتصور وجود شعر جاهلي بهذا الانتظام والتنوع في إيقاعه الموسيقي الذي يمثله وزن الشعر٧. وعلى صعيد المعاني التي تناولها الشعر الجاهلي، فإن في بعض قصائده إشارات إلى القصص الديني مثل وصف نوح بالأمانة، واستعمالات لغوية إسلامية مثل: الحياة الدنيا ويوم القيامة ويوم الحشر والركوع والسجود ومثل هذه الإشارات لم تكن معروفة بين الجاهليين، كما أن مثل هذه الاستعمالات لم تكن شائعة أو ربما لم يكن بعضها معروفا في مجتمعهم. كذلك لا توجد في أشعار المسيحيين من شعراء الجاهلية أو من كانوا على صلة ببلاط الملوك المسيحيين "مثل ملوك الغساسنة" إشارات إلى الكتاب المقدس عند المسيحيين أو إلى تعاليم المسيحية إلا فيما ندر. وأخيرًا فإن القَسَم الذي يرد في هذه الأشعار هو دائما بالله على نمط ما جاء في القرآن الكريم، كما أن ترديد أي صدى من جانب هؤلاء الشعراء لكتاب مقدس، إنما هو ترديد لصدى القرآن

стр. 270

الكريم، وليس مصدرا آخر غيره، وإذن فهو شعر وضع بعد الإسلام وليس شعرا قيل قبل الإسلام٨. أما على صعيد اللغة التي صِيغ بها الشعر الذي يفترض أن يكون جاهليا, فإن مارجوليوث يذكر أن الشعر الجاهلي كله ورد بلغة واحدة هي لغة القرآن الكريم وهو يجد صعوبة في التوفيق بين هذه الظاهرة وبين ظاهرة أخرى وهي الاختلاف بين لغة القبائل الشمالية في مجموعها وبين اللغة الحِمْيَرِيَّة في الجنوب، ثم الاختلاف بين لهجات القبائل فيما بينها، كذلك يجد من الصعب أن نتصور وجود لغة واحدة مشتركة بين العرب في الجاهلية، فظهور الإسلام ونزول كتابه باللهجة التي نزل بها من لهجات الشمال العربي هو الذي وَحَّد العرب وكان أحد مظاهر هذه الوحدة هو الالتفاف حول لغة القرآن الكريم ويدعم المستشرق دعواه في هذا المجال فيقول: إنه لو كنا نبحث في وثائق نثرية "وليس في قصائد شعر" جاءت بلغة عربية واحدة "رغم اختلاف اللغات واللهجات في شبه جزيرة العرب قبل الإسلام" لقلنا: إنها إما ترجمت إلى اللغة الجديدة الموحدة أو إنها تدرجت من طور إلى طور آخر. ولكن الشعر فيه من الوزن والصنعة الفنية المعقدة ما يجعل ترجمته إلى لغة جديدة أو انتقاله من طور لغوي إلى طور آخر، مع محافظته على وزنه وعلى صنعته الفنية، أمرا مستحيلا٩. هذه هي الدلائل التي ساقها مارجوليوث في كتاباته ليخلص منها إلى أن الشعر الجاهلي الذي بين أيدينا لا ينتمي في الحقيقة إلى العصر الجاهلي, وإنما نحله الرواة في القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة ثم نسبوه إلى أسماء جاهلية. وقد عضد هذا الافتراض عالم عربي هو الدكتور طه حسين في كتابه "في

стр. 271

الشعر الجاهلي" الذي أعاد طبعه تحت عنوان "في الأدب الجاهلي". ويوافق الدكتور طه حسين على ما قدمه الأستاذ مارجوليوث من أدلة واستنتاجات ويساندها بمزيد من التفصيلات ثم يضيف إليها شواهد جديدة تدعم شكه في وجود شعر جاهلي، وهو شك يكاد يصل عنده إلى نفي وجود هذا الشعر الجاهلي. وأهم هذه الشواهد الجديدة أن الشعر الجاهلي "المفترض في رأيه" لا يمثل الحياة الدينية أو العقلية أو السياسية أو الاقتصادية عند عرب الجاهلية. فمن الناحية الدينية يلاحظ الكاتب الكبير أن الشعر الجاهلي لا يكاد يتطرق إلى حياة دينية تبين عقائد الجاهليين واعتزازهم أو تمسكهم بها, ومع ذلك فالقرآن الكريم يشير إلى حياة دينية قوية عند هؤلاء القوم، وهي حياة يتشبثون بها، ويدعوهم تشبثهم هذا، حسبما نقرأ في عديد من الآيات القرآنية، إلى أن يجادلوا عنها، فإذا لم يغنهم الجدل لجئوا إلى الكيد للرسول ﷺ وأتباعه ثم إلى اضطهادهم، وقريش لا يمكن أن تفعل هذا بأبنائها لو لم يكن لها من الدين إلا ما يمثله هذا الشعر الذي ينسب إلى الجاهليين١٠. كذلك فإن هذا الجدل ذاته التي تفننت فيه قريش إبرازًا لحججها وتحدياتها الفكرية يمثل ذكاء وحياة عقلية متقدمة لا يمكن أن توجد لديهم إذا كانوا على ما يظهره لنا الشعر الجاهلي من غلظة وجفاء١١. والتناقض ذاته نجده فيما يتصل بالحياة السياسية عند الجاهليين, لقد كانت العلاقات الدولية بين الفرس والبيزنطيين "الروم" تحيط بهم وتؤثر عليهم ويهمهم تتبعها فيما يتعلق بتجارتهم مع بلاد الشام التي كانت تحت حكم البيزنطيين ومن ثم كان

стр. 272

انتصار أو انكسار واحدة أو الأخرى من هاتين القوتين أمرًا له قيمة في حياة قريش. وقد جاءت في القرآن إشارة تفيد هذا المعنى وتشير إلى العلاقة بين الفرس والروم وإلى رحلة الشتاء والصيف. وإحدى هاتين الرحلتين كانت إلى الشام حيث الروم والأخرى إلى اليمن حيث الحبش، ومع ذلك فإن شيئا من هذه الحياة التي يظهر فيها الاهتمام بمجريات الأمور السياسة لا يظهر في الشعر الجاهلي١٢. أما عن الحياة الاقتصادية فيلاحظ الدكتور طه أن القرآن يقسم عرب الجاهلية إلى قسمين: هما الأثرياء المتعنتون الذين روجوا الربا ومنعوا الصدقة جشعًا وبخلًا, والمعدمون المستضعفون الذين لا يملكون أمام هؤلاء شيئًا, والصراع بين هاتين الطبقتين يصبح من ثم شيئا واردا أو على الأقل تصبح المعاناة من الطبقة المعدمة تصبح ظاهرة محسوسة، ومع ذلك فالشعر الجاهلي يقف من كل هذا موقفا صامتًا مع أن المعاناة التي يتمخص عنها مثل هذا الصراع هي موضوع الشاعر في المقام الأول. ومع ذلك فإننا لا نرى شيئا من هذا في الشعر الجاهلي١٣، بل لا نرى إلا حديثًا عن الكرم لدرجة التبذير مع أن البخل كان موجودًا وهو وارد على الأقل إلى جانب الكرم. وأخيرًا فموقف الشعر الجاهلي يكرر نفسه فيما يتعلق بالحياة الاجتماعية للعرب في الجاهلية. وهنا يلاحظ الكاتب أن هذا الشعر لا يعني إلا بحياة البادية وعلاقاتها ولا يكاد يذكر حياة البحر، فإذا ذكرها فهو ذكر الجاهل الذي لا يكاد يعرف عنها شيئًا. ومع ذلك فإن القرآن يمنُّ على العرب بأن سخر لهم البحر وجعل لهم فيه منافع كثيرة١٤. وهكذا يؤكد طه حسين أن الشعر الجاهلي لم يكن له وجود وأنه من

стр. 273

وضع الرواة أو من نقل عنهم الرواة في القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة. ثم يقدم السبب الذي يعتقد أنه دفع هؤلاء الرواة إلى ما أقدموا عليه، فيرد ذلك إلى حركة الشعوبية التي ظهرت آنذاك وهي حركة حاول فيها الشعوبيون أن يحطوا من شأن العرب والعروبة فنحلوا شعرا يصف العرب بالبداوة والغلظة والتخلف نسبوه إلى العصر الجاهلي، وقابل ذلك أنصار العروبة بأن نحلوا بدورهم شعرًا يمجد العرب وصفاتهم ونسبوه هم الآخرون إلى الجاهليين وهكذا تكوَّن رصيد الشعر الجاهلي١٥.

стр. 274

٣- ردود على هذه الاعتراضات: هذه هي جملة الآراء التي يحاول أصحابها أن ينكروا وجود شعر لدى العرب في العصر الجاهلي، وأن يثبتوا أن ما وصل إلينا عن طريق الرواة في هذا الصدد لم يكن شعرا جاهليا وإنما كان شعرا منحولا وضعه هؤلاء الرواة أو من نقل عنهم هؤلاء الرواية في عصر لاحق للعصر الجاهلي بعدة قرون. على أن الأدلة والشواهد التي ساقوها هي أدلة مردود عليها, سواء فيما يتصل باللغة التي قيل بها الشعر الجاهلي أو بالشعر نفسه أو بالطريقة التي انتقل بها إلى الرواة من علماء القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة أو بهؤلاء العلماء الرواة أنفسهم. ولكن قبل مناقشة هذه الأدلة والشواهد أجد من اللازم أن أشير إلى بديهية مؤداها أن أية مجموعة من الشعر في أي مجتمع وفي أي عصر، حتى في العصور التي أصبحت فيها الكتابة هي الوسيلة الأساسية لجمع الآثار الأدبية وحفظها، معرضة بسبب التداول لقدر من التغيير في بعض الكلمات أو العبارات أو الأبيات, بل إلى النقصان والزيادة ليس في أبيات فحسب وإنما في قصائد كاملة. وهذا التغيير أو النقصان أو الزيادة يكون واردا بشكل أكثر في العصور التي تعتمد أساسًا على الرواية الشفهية في نقل الشعر من جيل

стр. 275

لجيل، أو التي تطغى فيها الرواية على التدوين الكتابي للشعر، أو حتى إذا سارت جبنا إلى جنب مع هذا التدوين. وأسوق على هذا مثالين, أحدهما هو الإلياذة والأوديسية المنسوبتان إلى هوميروس, وهما ترجعان إلى أواسط القرن التاسع ق. م. ومع ذلك فقد انتقلتا عن طريق الرواية عبر ما يقرب من قرنين أو ربما أكثر من ذلك قبل أن يتم تدوينهما بصورة نهائية. بل إن الملحمتين ذاتهما حين تمت صياغتهما في أواسط القرن التاسع ق. م. كانت هذه الصياغة لا تزيد كثيرا على إعطاء حبكة فنية وأدبية لمقطوعات شعرية قيلت على مدى ثلاثة قرون أخرى قبل ذلك١٦. أما المثل الثاني فهو قصائد شكسبير التي لا تزال نسبة عدد مما تضمه من مقطوعات وقصائد إلى الشاعر موضع نقاش حتى الآن، رغم أن الفترة التي كتب فيها شكسبير "الشطر الأخير من القرن السادس عشر وأوائل القرن الذي يليه" كان التسجيل الكتابي هو الوسيلة الأساسية للتدوين دون منازع. وأنتقل الآن إلى مناقشة الأدلة والشواهد التي ينكر أصحابها وجود الشعر الجاهلي مبتدئًا بتلك التي تتعلق باللغة من حيث إنه كان في الجزيرة العربية قبل الإسلام لغتان أساسيتان هما: لغة القبائل الشمالية بلهجاتها في الشمال واللغة الحِمْيَرية في الجنوب, وهو أمر يستغرب معه ورود الشعر الجاهلي بلغة قبائل

стр. 276

الشمال فحسب، بل بلهجة واحدة من لهجاتها هي التي نزل بها القرآن الكريم، وفي الرد على هذا يقول أحد الباحثين: إن توحد اللغتين: القحطانية أو الحميرية في الجنوب، والعدنانية في الشمال -بعد ظهور الإسلام ببضع عشرات من السنين- لا يمكن أن يتيسر في الحقيقة إلا إذا كان هناك تقارب شديد بين اللغتين في الفترة السابقة للإسلام, كان أحد مظاهره وجود لغة أدبية مشتركة بين شعراء الجزيرة العربية في العصر الجاهلي١٧. وأود أن أدعم هذا الرأي بشاهدين يجعلان وجود مثل هذه اللغة المشتركة أمرًا واردًا إلى حد كبير، والشاهد الأول هو أن الاتصال المباشر كان اتصالا نشطا وكثيفا بين أقسام شبه الجزيرة العربية وبخاصة بين شماليها وجنوبيها عن طريق القوافل التجارية المستمرة على مدار السنة, وقد كانت مكة بالذات هي الموقع الذي تلتقي عنده أهم طريقين من هذه الطرق التجارية، وهما الطريق المؤدية من اليمن في الجنوب إلى سورية في الشمال، والطريق التي تبدأ من مكة وتتجه اتجاها شرقيا وشماليا شرقيا لتصل إلى رأس الخليج ومن ثم إلى وادي الرافدين. وقد كانت أولى هاتين الطريقين بالذات، وهي الطريق القادمة من الجنوب، على نشاط غير عادي, فهي لا تقتصر على حمل البخور -أهم سلعة في ذلك العصر- إلى سورية وإلى موانئها على البحر المتوسط ومن ثم إلى الشواطئ الأوروبية لهذا البحر، بل كانت تزيد على ذلك حمل السلع الآتية من الهند إلى هذه الشواطئ والتي كانت تصل إلى عدن بحرا ثم يُنقل قسم قليل منها بهذه الطريق البرية إلى الشمال١٨. ومثل هذا النشاط التجاري الكثيف المستمر كان معناه اتصالًا دائمًا بين التجار وتجمعًا حول لغة وسيطة مشتركة للتعامل والتفاهم، وفي هذا الصدد تكون لهجة قريش في مكة هي

стр. 277

المرشحة لأن تكون هذه اللغة طالما أن مكة هي نقطة التوقف والمحط التجاري الأساسي للقوافل الآتية من الشمال والجنوب والشرق, وهي التي تتم فيها الصفقات والمعاملات والخدمات وما يستتبعه كل هذا من بعض الشعائر الدينية أو الابتهالات أو التضحيات التي يقوم بها هؤلاء التجار تقربا من معبوداتهم والتماسًا لمباركة هذه الآلهة عند الكعبة التي كانت تقوم بساحة هذه المدينة لا تفرق بين واحد أو آخر من هذه المعبودات. أما الشاهد الثاني، فهو أن انتشار لغة عن طريق التجارة أمر له سابقة قوية في تاريخ منطقة الشرق الأدنى، وأشير هنا إلى اللغة الآرامية التي حملها التجار الآراميون من دمشق منذ أواسط القرن الثامن الميلادي لتنتشر حتى تصبح اللغة السائدة في منطقة الهلال الخصيب. لقد دخلت هذه اللغة منطقة آشور ليصبح المتحدثون بها من الآشوريين أكثر من المتحدثين باللغة الآشورية نفسها، واستمرت كذلك بعد سقوط الدولة الآشورية "٦١٢ ق. م" وقيام الدولة البابلية الحديثة على أنقاضها. كذلك بلغ من انتشار هذه اللغة في منطقة الهلال الخصيب أن اتخذها الفرس لغة رسمية للمعاملات الإدارية في أثناء سيطرة الإمبراطورية الفارسية على هذه المنطقة ابتداء من أوائل القرن السادس ق. م "٥٣٠ ق. م. وما بعدها". بل لقد بلغت كثافة هذا الانتشار أن حلت بين العبرانيين كلغة للتداول والتفاهم محل لغتهم العبرية. ويكفي دليلًا على ذلك أنها كانت اللغة التي اتخذها السيد المسيح للتبشير بدعوته بين قومه من العبرانيين١٩. وقد كان أحد الأسباب الرئيسية في انتشار اللغة الآرامية بين شعوب منطقة الهلال الخصيب أن لغات هذه الشعوب كانت سامية ومن ثم من فصيلة هذه اللغة. فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يصبح واردا بشكل أكثر وأقوى أن يطغى قسم من اللغة العربية على قسم آخر من اللغة نفسها إذا توفر

стр. 278

العنصر أو العامل التجاري النشط كما كانت الحال عند الآراميين الذين انتشرت لغتهم نتيجة لنشاطهم التجاري فحسب رغم أن السيادة العسكرية والسياسية كانت في أيدي حكومات لشعوب أخرى سواء من الآشوريين أو البابليين أو الفرس. وأنقل الحديث الآن إلى مناقشة المنكرين لوجود الشعر الجاهلي فيما يخص الشعر ذاته، وأول نقطة في هذا الصدد تتصل بالرأي القائل: إن الشعر العربي لا يمكن أن يسبق نزول القرآن الكريم بل لا بد أن يكون لاحقًا له طالما أن القرآن قد تضمنت بعض عباراته شيئًا من الإيقاع أو الوزن، بينما الشعر كله موزون، وذلك تمشيا مع افتراض مؤداه أن تطور الفن الأدبي يسير من غير المنتظم إلى المنتظم. والرد الذي أقدمه هو أن هذا الافتراض لا يتمشى مع الظواهر الأدبية أو الاجتماعية المؤكدة. فمن ناحية الظواهر الأدبية نجد أن الشعر أسبق في الظهور في المجتمعات من النثر, ودليلنا على ذلك هو ملحمتا الإلياذة والأوديسية التي أسلفت الإشارة إليهما، فقد كانت هذه الأشعار هي أول بادرة في أدب اليونان، وكانت ثاني هذه البوادر ملحمتان شعريتان أخريان هما "الأعمال والأيام" و"سلالة الآلهة" للشاعر هزيودوس٢٠, ولم ينضج النثر الفني عند اليونان إلا بعد ذلك بعدة قرون. والسبب في سبق الشعر على النثر هو أن الشعر بوزنه "أو إيقاعه" وقافيته أقرب إلى الالتصاق بالذاكرة من النثر إذ هو يساعدها على استيعابه أكثر مما يفعل الكلام المنثور, والسبب الثاني هو أن الإيقاع أقرب إلى الفطرة. ودليلنا الاجتماعي على ذلك هو أن المجتمعات البدائية كانت ولا تزال تعبر عن نفسها برقصات إيقاعية، والإيقاع الذي تمثله الدقة والحركة في الرقص هو ذات الإيقاع الذي يمثله الوزن في الشعر.

стр. 279

أما النقطة الثانية في هذا المجال فهي ما أورده المنكرون للشعر الجاهلي من أن به بعض المعاني أو الألفاظ والإشارات الدينية التي وردت في القرآن الكريم ومثل هذه المعاني والألفاظ أو الإشارات تفترض في رأيهم أن يكون ما وصلنا من الشعر الجاهلي قد وضع في فترة لاحقة لنزول القرآن الكريم. وفي هذا المجال رد أحد الباحثين على ورود بعض المعاني القرآنية في الشعر الجاهلي بأنه من الجائز أن ينطق العرب بحكمة ثم يأتي القرآن بهذه الحكمة ويبرزها على وجه أبلغ وأرقى٢١. وهو أمر أراه واردًا فالقرآن الكريم نزل إصلاحا للمجتمع بما فيه من أفكار وممارسات، وإذا كان من الطبيعي أن يقف في وجه الفكرة أو الممارسة الخاطئة، فمن الطبيعي كذلك أن يدعم الفكرة أو الممارسة السليمة. وأود أن أضيف هنا، فيما يخص ورود بعض استعمالات الألفاظ القرآنية مثل الركوع والسجود وغيرهما في الشعر الجاهلي أن القرآن الكريم نزل لكي يفهمه ويقتنع به الجاهليون، ومن ثم لا بد أن يستخدم ألفاظًا يعرفون ويمارسون استعمالها ومضمونها ومن غير الوارد أن ينزل بألفاظ غريبة عليهم، وفي هذا المجال فإن القرآن يحرص في مناسبات عديدة على أن يذكر بهذه الحقيقة وهي أنه نزل بلسان عربي يعقله أو يفهمه سامعوه أو أنه نزل بلسان عربي "مبين"، أي: إن هدفه هو الإيضاح والإبانة، وما كان لهذا الإيضاح أن يتم لو كانت ألفاظ القرآن غريبة على الجاهليين٢٢. وأما عن إشارة مثل وصف نوح بالأمانة التي وردت في شعر النابغة, فإن النابغة إن لم يكن نصرانيا فقد كان على صلة دائمة ببلاط الغساسنة وهم نصارى, ومن ثم يعرفون أسفار "العهد القديم" أو التوراة التي يرد فيها

стр. 280

ذكر لنوح ووصف له بالأمانة٢٣، والشيء ذاته يقال عن بقية الإشارات أو الألفاظ الدينية التي يوردها أصحاب هذا الرأي، ولعل أهم إشارة بينها هي الإشارة إلى "الله" عند عدد من شعراء الجاهلية. والحقيقة الثابتة في هذا الصدد هي أن "الله" كمعبود لم يكن غريبًا عن شبه الجزيرة

стр. 281

العربية قبل ظهور الإسلام، فقد ورد "الله" بهذه الصفة في جنوبي شبه الجزيرة وشماليها ووسطها في نقوش لحيانية وثمودية وصفوية ومعينية ترجع أول مجموعة منها إلى القرن الخامس ق. م. أي: قبل ظهور الإسلام بأكثر من ألف سنة, وتشير بعض هذه النصوص التي ترجع إلى هذه الفترة المبكرة إلى أن "الله" قد احتل مركز الصدارة بين المعبودات الأخرى، كما تشير آيات القرآن الكريم إلى أن أهل مكة الذين جادلوا الرسول ﷺ قبل أن يتحولوا إلى الإسلام كانوا يعرفون "الله" بصفته أكبر الآلهة، وأنهم كانوا يتشفعون لديه ويتزلفون إليه ببقية الآلهة الأخرى "الصغيرة"أ. ثم أنتقل إلى نقطة ثالثة فيما يخص مضمون الشعر الجاهلي الذي رأى منكرو وجوده أن ما بين أيدينا منه لا يصور الحياة في المجتمع الجاهلي في جوانبها المتعددة، ومن ثم فهو لا يمكن أن يكون أصيلًا، ولكنه منحول. وفيما يخص أحد هذه الجوانب، حسبما يرون، فإن ما وصلنا من الشعر الجاهلي خالٍ من الإشارة إلى المعتقدات والممارسات الدينية الوثنية، وإن هذا أمر لا يتصل إزاء ما نعرفه من القرآن الكريم من أن أهل قريش كانوا حريصين على عقيدتهم وأنهم جادلوا عنها ووصل تشبثهم بها إلى درجة الكيد للرسول ﷺ ثم إلى اضطهاده هو وأتباعه. وأود أن أذكر هنا أن هذه الملاحظة من جانب المعارضين لأصالة الشعر الجاهلي الموجود بين أيدينا صادقة في عمومها من حيث ندرة الإشارة إلى العقائد والممارسات الوثنية على الأقل إن لم يكن من خلوه منها تمامًا، ب, ولكن في مقابل ذلك ينبغي أن ندخل في اعتبارنا

стр. 282

موقف الإسلام الذي كان من المنطقي أن يتخذ موقفا متشددا إزاء كل ما يتصل بالوثنية أو يذكر بها أو يغري بالعودة إليها، ومن بين ذلك مواضع الشعر التي تمجِّد الوثنية وتتغنى بها، ومن ثم فلنا أن نتصور أن أي أبيات وردت فيها إشارات واضحة إلى العقائد أو الممارسات الدينية الجاهلية كان من الطبيعي أن تُسقَط من رواية الشعر الجاهلي بعد ظهور الإسلام، وهو موقف يمكن أن نجد له شبيها في ابتعاد الفن العربي في العصر الإسلامي عن النحت خشية أن تذكِّر التماثيل المنحوتة بأوثان الجاهلية، مع أن هذا الفن كان موجودا ومزدهرا في عدد من أقسام شبه الجزيرة العربية لفترات طويلة في المرحلة السابقة للإسلام ج. على أن الأمر لا يقف عند هذا في الرد على منكري أصالة الشعر الجاهلي من هذا الجانب, فاختفاء الإشارة الظاهرة المباشرة إلى العقائد والممارسات الوثنية في الشعر الجاهلي ليس دليلا على خلو هذا الشعر منها. وفي هذا الصدد فإن الشعر، أي شعر، لا يمكن تفسيره على أنه تعبير حسي مباشر عن الأشياء والكائنات والمشاعر، فالشاعر ابن بيئته بكل ما لها من أبعاد، سواء في ذلك البعد المادي أو الحسي الذي يتمثل في العالم المحسوس المباشر أو البعد السيكولوجي الذي يتمثل في التركيب

стр. 283

النفسي للفرد والمجتمع نتيجة للظروف الخاصة التي تحيط بهما، أو البعد الميثولوجي الذي يتمثل في المعتقدات الأسطورية التي عبَّرت مجتمعات العصور القديمة من خلالها عن تصورها لعلاقاتها بالعالم المحيط بها بكل ما فيه من مظاهر طبيعية وكونية ومن قوى إلهية تحكم كل هذه المظاهر وتحركها وتوجهها. وقد تمثلت هذه المعتقدات في قدر غزير من الأساطير التي شكلت قسمًا أساسيًّا من تراث المجتمعات القديمة، وبوجه خاص قبل نزول الأديان السماوية التي حددت للأفراد والمجتمعات الأصول التي تلتزم بها في تصورها للقوى الإلهية. وقد شكل الشعر مجالا أساسيا ظهرت فيه هذه الأساطير في هيئة صور عبَّر المجتمع من خلالها عن القوى الإلهية التي تتحكم في مظاهر الخلق والحياة والموت والبعث والأمومة والخصوبة وغيرها من المظاهر التي تحيط به، د. والمجتمع الجاهلي لم يكن، ويصبح من المناقض لطبيعة الأشياء أن نتصور أنه كان, بدعًا في هذا المجال، فقد كان مجتمعا له تصوراته الميثولوجية التي يعبر من خلالها عن القوى الإلهية التي يؤمن بها، والشعر الذي وصلنا من هذا المجتمع فيه قدر كبير من هذا التصوير, بل إن الصورة غلبت على التعبير اللغوي في هذا الشعر بحيث أصبحت ركنا أساسيا أو أصلًا من أصول التعبير الشعري الجاهلي. وحقيقة إن الشراح الذين تناولوا الشعر الجاهلي بالتفسير في العصر الإسلامي "ولا يزال يتبعهم عدد من الباحثين في الوقت الحاضر" قد قصروا جهودهم في تفسير هذه الصور والتشبيهات أو المجازات والاستعارات التي تضمنتها على البعد الحسي المباشر, فإذا قال شاعر: إن المرأة تشبه الشمس كان

стр. 284

تفسيرهم أن الشبه بين الاثنين هو البهاء، وإذا شبهت بالظبي فإن ذلك لطول جيدها وهذه علامة جمال، فإذا كان التشبيه بالمهاة فإن ذلك سببه الحور في العينين وهكذا، هـ. ولكن يبقى هذا التفسير قاصرًا على بعد واحد من أبعاد الشعر، ويبقى هناك البعدان الآخران لتفسير هذا الشعر حتى نفهمه على وجهه الكامل، وهما البعد السيكولوجي والبعد الميثولوجي -ومن خلال التفسير الذي يتصل بهذا الأخير "الميثولوجي" يجب أن نبحث عن الأساطير التي تضم المعتقدات الدينية للمجتمع الجاهلي من خلال الصور التي يزخر بها شعر هذا المجتمع، ومن خلال التفسير الذي يتصل بالبعد السيكولوجي يجب أن نستكمل صورة هذه المعتقدات. وقد قدم باحث معاصر تفسيرًا ميثولوجيًّا مقنعًا لعدد من الصور التي ترمز إلى الشمس وإلى الزهرة كمعبودين من الثالوث الكواكبي الذي شاعت عبادته في مجتمع شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، و. وابتدأ الباحث من أمر ثابت هو أن الشمس صورت في النقوش السامية الشمالية في صورة امرأة عارية تعبيرًا عن الأنوثة والخصوبة وأن عديدا من الدمى أو التماثيل الصغيرة التي عثر عليها المنقبون الأثريون في عدد

стр. 285

من المناطق "من بينها مناطق تسكنها شعوب سامية" تمثل الآلهة الأم في هيئة امرأة لا تتضح معالم وجهها وإنما تتضخم أعضاء جسمها التي تتصل بالخصوبة والأمومة، ز. وانتهى إلى أن الشعر الجاهلي يضم قدرًا كبيرًا من الصور التي تمثل المرأة والتشبيهات التي شبهت بها في صورة مثالية ترمز إلى الشمس الآلهة الأم من جهة، وإلى الزهرة الآلهة البنت التي تقابل إنانا في وادي الرافدين وعشتار في سورية وأفروديتي عند اليونان وفينوس عند الرومان من جهة أخرى، بكل ما يرتبط بصورها هذه من مواقف الحب الجسدي التي تزخر بها أساطير هذه المجتمعات. وأول ما يلاحظه الباحث في هذا المجال هو أن الأوصاف التي يقدمها الشعراء الجاهليون لصاحباتهم أو محبوباتهم يجمعون فيها كل الصفات المثالية للمرأة الجميلة "وفي بعض الأحيان يجمع الشاعر منهم كل هذه الصفات في قصيدة واحدة كما فعل امرؤ القيس في وصف صاحبته فاطمة، وقيس بن الحطيم في وصف صاحبته عمرة": قدها، شعرها، وجهها, نظرتها، فمها، لعابها, ترائبها، خصرها، سيقانها، رائحتها، مشيتها، وهكذا. وفي هذا الصدد نلاحظ أمرين: أحدهما هو أن كل تفاصيل الجمال الواردة نمطية لا تختلف من شاعر لشاعر وهو أمر غير معقول؛ إذ لا يتصور أن تكون كل صاحبات الشعراء نسخة مكررة, والأمر الثاني هو أنه من غير المعقول أن تجتمع كل تفاصيل الجمال
следующие страницы →