← История

История · id 8384

العرب في العصور القديمة

لطفي عبد الوهاب

Полный текст (524 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

العربية قبل ظهور الإسلام، فقد ورد "الله" بهذه الصفة في جنوبي شبه الجزيرة وشماليها ووسطها في نقوش لحيانية وثمودية وصفوية ومعينية ترجع أول مجموعة منها إلى القرن الخامس ق. م. أي: قبل ظهور الإسلام بأكثر من ألف سنة, وتشير بعض هذه النصوص التي ترجع إلى هذه الفترة المبكرة إلى أن "الله" قد احتل مركز الصدارة بين المعبودات الأخرى، كما تشير آيات القرآن الكريم إلى أن أهل مكة الذين جادلوا الرسول ﷺ قبل أن يتحولوا إلى الإسلام كانوا يعرفون "الله" بصفته أكبر الآلهة، وأنهم كانوا يتشفعون لديه ويتزلفون إليه ببقية الآلهة الأخرى "الصغيرة"أ. ثم أنتقل إلى نقطة ثالثة فيما يخص مضمون الشعر الجاهلي الذي رأى منكرو وجوده أن ما بين أيدينا منه لا يصور الحياة في المجتمع الجاهلي في جوانبها المتعددة، ومن ثم فهو لا يمكن أن يكون أصيلًا، ولكنه منحول. وفيما يخص أحد هذه الجوانب، حسبما يرون، فإن ما وصلنا من الشعر الجاهلي خالٍ من الإشارة إلى المعتقدات والممارسات الدينية الوثنية، وإن هذا أمر لا يتصل إزاء ما نعرفه من القرآن الكريم من أن أهل قريش كانوا حريصين على عقيدتهم وأنهم جادلوا عنها ووصل تشبثهم بها إلى درجة الكيد للرسول ﷺ ثم إلى اضطهاده هو وأتباعه. وأود أن أذكر هنا أن هذه الملاحظة من جانب المعارضين لأصالة الشعر الجاهلي الموجود بين أيدينا صادقة في عمومها من حيث ندرة الإشارة إلى العقائد والممارسات الوثنية على الأقل إن لم يكن من خلوه منها تمامًا، ب, ولكن في مقابل ذلك ينبغي أن ندخل في اعتبارنا

стр. 282

موقف الإسلام الذي كان من المنطقي أن يتخذ موقفا متشددا إزاء كل ما يتصل بالوثنية أو يذكر بها أو يغري بالعودة إليها، ومن بين ذلك مواضع الشعر التي تمجِّد الوثنية وتتغنى بها، ومن ثم فلنا أن نتصور أن أي أبيات وردت فيها إشارات واضحة إلى العقائد أو الممارسات الدينية الجاهلية كان من الطبيعي أن تُسقَط من رواية الشعر الجاهلي بعد ظهور الإسلام، وهو موقف يمكن أن نجد له شبيها في ابتعاد الفن العربي في العصر الإسلامي عن النحت خشية أن تذكِّر التماثيل المنحوتة بأوثان الجاهلية، مع أن هذا الفن كان موجودا ومزدهرا في عدد من أقسام شبه الجزيرة العربية لفترات طويلة في المرحلة السابقة للإسلام ج. على أن الأمر لا يقف عند هذا في الرد على منكري أصالة الشعر الجاهلي من هذا الجانب, فاختفاء الإشارة الظاهرة المباشرة إلى العقائد والممارسات الوثنية في الشعر الجاهلي ليس دليلا على خلو هذا الشعر منها. وفي هذا الصدد فإن الشعر، أي شعر، لا يمكن تفسيره على أنه تعبير حسي مباشر عن الأشياء والكائنات والمشاعر، فالشاعر ابن بيئته بكل ما لها من أبعاد، سواء في ذلك البعد المادي أو الحسي الذي يتمثل في العالم المحسوس المباشر أو البعد السيكولوجي الذي يتمثل في التركيب

стр. 283

النفسي للفرد والمجتمع نتيجة للظروف الخاصة التي تحيط بهما، أو البعد الميثولوجي الذي يتمثل في المعتقدات الأسطورية التي عبَّرت مجتمعات العصور القديمة من خلالها عن تصورها لعلاقاتها بالعالم المحيط بها بكل ما فيه من مظاهر طبيعية وكونية ومن قوى إلهية تحكم كل هذه المظاهر وتحركها وتوجهها. وقد تمثلت هذه المعتقدات في قدر غزير من الأساطير التي شكلت قسمًا أساسيًّا من تراث المجتمعات القديمة، وبوجه خاص قبل نزول الأديان السماوية التي حددت للأفراد والمجتمعات الأصول التي تلتزم بها في تصورها للقوى الإلهية. وقد شكل الشعر مجالا أساسيا ظهرت فيه هذه الأساطير في هيئة صور عبَّر المجتمع من خلالها عن القوى الإلهية التي تتحكم في مظاهر الخلق والحياة والموت والبعث والأمومة والخصوبة وغيرها من المظاهر التي تحيط به، د. والمجتمع الجاهلي لم يكن، ويصبح من المناقض لطبيعة الأشياء أن نتصور أنه كان, بدعًا في هذا المجال، فقد كان مجتمعا له تصوراته الميثولوجية التي يعبر من خلالها عن القوى الإلهية التي يؤمن بها، والشعر الذي وصلنا من هذا المجتمع فيه قدر كبير من هذا التصوير, بل إن الصورة غلبت على التعبير اللغوي في هذا الشعر بحيث أصبحت ركنا أساسيا أو أصلًا من أصول التعبير الشعري الجاهلي. وحقيقة إن الشراح الذين تناولوا الشعر الجاهلي بالتفسير في العصر الإسلامي "ولا يزال يتبعهم عدد من الباحثين في الوقت الحاضر" قد قصروا جهودهم في تفسير هذه الصور والتشبيهات أو المجازات والاستعارات التي تضمنتها على البعد الحسي المباشر, فإذا قال شاعر: إن المرأة تشبه الشمس كان

стр. 284

تفسيرهم أن الشبه بين الاثنين هو البهاء، وإذا شبهت بالظبي فإن ذلك لطول جيدها وهذه علامة جمال، فإذا كان التشبيه بالمهاة فإن ذلك سببه الحور في العينين وهكذا، هـ. ولكن يبقى هذا التفسير قاصرًا على بعد واحد من أبعاد الشعر، ويبقى هناك البعدان الآخران لتفسير هذا الشعر حتى نفهمه على وجهه الكامل، وهما البعد السيكولوجي والبعد الميثولوجي -ومن خلال التفسير الذي يتصل بهذا الأخير "الميثولوجي" يجب أن نبحث عن الأساطير التي تضم المعتقدات الدينية للمجتمع الجاهلي من خلال الصور التي يزخر بها شعر هذا المجتمع، ومن خلال التفسير الذي يتصل بالبعد السيكولوجي يجب أن نستكمل صورة هذه المعتقدات. وقد قدم باحث معاصر تفسيرًا ميثولوجيًّا مقنعًا لعدد من الصور التي ترمز إلى الشمس وإلى الزهرة كمعبودين من الثالوث الكواكبي الذي شاعت عبادته في مجتمع شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، و. وابتدأ الباحث من أمر ثابت هو أن الشمس صورت في النقوش السامية الشمالية في صورة امرأة عارية تعبيرًا عن الأنوثة والخصوبة وأن عديدا من الدمى أو التماثيل الصغيرة التي عثر عليها المنقبون الأثريون في عدد

стр. 285

من المناطق "من بينها مناطق تسكنها شعوب سامية" تمثل الآلهة الأم في هيئة امرأة لا تتضح معالم وجهها وإنما تتضخم أعضاء جسمها التي تتصل بالخصوبة والأمومة، ز. وانتهى إلى أن الشعر الجاهلي يضم قدرًا كبيرًا من الصور التي تمثل المرأة والتشبيهات التي شبهت بها في صورة مثالية ترمز إلى الشمس الآلهة الأم من جهة، وإلى الزهرة الآلهة البنت التي تقابل إنانا في وادي الرافدين وعشتار في سورية وأفروديتي عند اليونان وفينوس عند الرومان من جهة أخرى، بكل ما يرتبط بصورها هذه من مواقف الحب الجسدي التي تزخر بها أساطير هذه المجتمعات. وأول ما يلاحظه الباحث في هذا المجال هو أن الأوصاف التي يقدمها الشعراء الجاهليون لصاحباتهم أو محبوباتهم يجمعون فيها كل الصفات المثالية للمرأة الجميلة "وفي بعض الأحيان يجمع الشاعر منهم كل هذه الصفات في قصيدة واحدة كما فعل امرؤ القيس في وصف صاحبته فاطمة، وقيس بن الحطيم في وصف صاحبته عمرة": قدها، شعرها، وجهها, نظرتها، فمها، لعابها, ترائبها، خصرها، سيقانها، رائحتها، مشيتها، وهكذا. وفي هذا الصدد نلاحظ أمرين: أحدهما هو أن كل تفاصيل الجمال الواردة نمطية لا تختلف من شاعر لشاعر وهو أمر غير معقول؛ إذ لا يتصور أن تكون كل صاحبات الشعراء نسخة مكررة, والأمر الثاني هو أنه من غير المعقول أن تجتمع كل تفاصيل الجمال

стр. 286

"حتى بصرف النظر عن نمطيته" في امرأة واحدة، وهكذا لا يمكن أن تكون الأوصاف التي يقدمها هذا الشاعر أو ذاك هي أوصاف صاحبته بالذات, وأزيد على هذين الأمرين أمرًا ثالثًا متصلًا بهذا الأمر الثاني, وهو أن الشاعر غير مجبر على وصف كل تفصيلة من تفاصيل جسم صاحبته أو صفاتها، إذا لم تكن كل هذه التفاصيل جميلة "وهو الأمر الطبيعي" ولكن الشعراء دأبوا مع ذلك على وصف كل هذه التفاصيل", ومن ثم فإن المعقول والممكن هو أن تكون الصورة المقدمة هي صورة "المرأة المثال" التي لا يمكن أن تكون إلا صورة مجسدة من الآلهة المعبودة بكل ما في هذه الآلهة من أوصاف وصفات مثالية، وكأن الشاعر يقول: إن صاحبتي آلهة في جمالها. ويدعم هذا الافتراض صور التقديس التي تحيط بالمرأة، بشكل أو بآخر, عند ذكرها في عديد من المناسبات عند شعراء الجاهلية، فهي عند امرئ القيس تضيء الظلام كأنها "منارة ممسي راهب متبتل"، وعند ابن الخطيم "تمشي كمشى الزهراء" كما أنها قد "نمتها اليهود إلى قبة دوين السماء بمحرابها", وعمرو بن معد يكرب يمشي "حولها ويطوف فيها" وحتى الأعشى الذي يتهكم بالمرأة، ح، يتحدث عن "محرابها" وعن قومها الذين "يمشون حول قبابها" درءًا للمتطفلين وحذرًا من أن "يطاف ببابها" وهكذا. كذلك يدعم ربط صورة المرأة المثالية بالشمس المعبودة الأوصاف

стр. 287

التي ترد في الشعر الحاهلي والتي تربط بين لون الشمس ولون المرأة، فطرفة بن العبد يرى أن فم صاحبته قد "سقته إياه الشمس" كما يرى أن وجهها "نقي اللون" "كأن الشمس ألقت رداءها عليه". كذلك نجد الشعراء في هذا الصدد يرون من علامات الجمال فيمن يتغزلون فيهن أن يميل لونهن إلى الصفرة "التي هي لون الشمس" سواء أكانت هذه الصفرة طبيعية أم نتيجة لاستخدام طيوب التجميل، فصاحبة امرئ القيس "كبكر مقاناة البياض بصفرة" وصاحبة ابن الخطيم تبدو "كأنما شفَّ وجهها نزف" فبدا شاحبا مصفرا, يتغزل في فتاة لا تزال "غريرة" في عنفوان صباها فيذكر أنها "كالحقة الصفراء". كذلك نجد وصفًا من أوصاف المرأة يتردد كثيرا فيما وصل إلينا من الشعر الجاهلي، ويصل بين المرأة والشمس من جهة, والزهرة من جهة أخرى، وهو النور الذي يبرز مقترنًا بالندى "والإشارة واضحة إلى الفجر حيث مقدمات الشروق" حين يتحدث طرفة عن فم صاحبته عند ابتسامها فيخيل إليه "كأن منوّرًا تخلل حد الرمل دعص له ندى"، كما نجد أن صاحبة امرئ القيس "تضيء الظلام بالعشاء"، كما "يضيء الفراشَ وجهُها لضجيعها" وهكذا. ثم يخلص الأستاذ الباحث بعد ذلك إلى الصفة الموضوعية الأساسية, وهي صفة الخصوبة التي تمثلها أشعة الشمس وأمومة المرأة. وهنا نجد الشعراء الجاهليين يشبهون المرأة بالغزالة والمهاة والنخلة والظبية وهي في حالات الأمومة وما يتصل بذلك من فكرة الإخصاب، فهم يقدمون المرأة في عدد من الصور من بينها "الظبية الخذول" "أي: التي خذلت صواحبها وأقامت على رعاية ولدها"، والمهاة المطفلة "أي: كثيرة الأولاد"، والنخلة الموسقة "أي: التي نضج ثمرها ونضج حملها" وبيضة الخدر، ط،

стр. 288

وكلها معانٍ تتردد, على سبيل المثال، في معلقة امرئ القيس وفي قصيدته التي يبدؤها بقوله: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي, وأود أن أضيف في صدد الحديث عن المرأة رمزًا للأمومة أن امرأ القيس لا ينسى هذه الصفة حتى وهو يستمتع حسيا بصاحبته، وكأنه يريد أن يقرن "المرأة المثال" بالشمس آلهةً للأمومة، وبالزهرة آلهةً للحب الحسي حين يقول، والإشارة هنا إلى ابن صاحبته: إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحوَّلِ ثم يختم الباحث حديثه بتدعيم استنتاجه بأن صور المرأة التي يعرضها الشعراء الجاهليون هي في حقيقتها صور للمرأة المثالية التي ترمز لعبادة الشمس، فيذكر أن المرأة شبهت بالغزالة "وهي ترد كحيوان مقدس في عدد من الروايات والأشعار" وأن اللغويين جعلوا الغزالة اسما من أسماء الشمس "القاموس المحيط، مادة: غزل"، وأن قرون الغزالة تظهر في الشعر الجاهلي متصلة بالشمس في بعض أبيات، ي، بداية واحد منها هي "حتى إذا ذَرَّ قرن الشمس" وبداية آخر هي "حتى إذا ظن في قرن شمس غالبة" كما تظهر أحيانا كوصف لشعر المرأة حين يصف المرقش أبكارًا في الحي بأنها "لم تعقر قرونها لشجو" وحين يقول سويد بن أبي كاهل والإشارة إلى صاحبته: "وقرونًا سابغًا أطرافها". وأخيرا، فقد يكون من خير ما يجمع بين المرأة والغزالة والشمس هذا البيت: تمنح المرأة وجهًا ضاحكًا ... مثل قرن الشمس في الصحو ارتفع هذا عن التفسير الميثولوجي الذي يربط بين المرأة في صورتها المثالية وبين الشمس المعبودة الأم والزهرة المبعودة الأنثى. وهو تفسير أراه

стр. 289

مقنعًا في دلالته على أن الشعر الجاهلي لم يكن خلوًّا من الحديث عن المعتقدات الدينية في مجتمع شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، ومن ثم تسقط حجة المعارضين لأصالة هذا الشعر التي أقاموها على أساس أنه خلو من الإشارة إلى هذه المعتقدات. ولعل خير ما أختم به التدليل على أصالة الشعر الجاهلي، فيما يخص هذا الجانب من حياة المجتمع العربي الجاهلي، هو التفسير السيكولوجي الذي قدمه باحث معاصر آخر عن شعر امرئ القيس، ك. ومن خلال هذا التفسير يرى الباحث، بعد استقرائه لما نعرف عن حياة امرئ القيس، أنه افتقر إلى حنان الأمومة في طفولته بشكل واضح، ومن ثم فهو "يفتقد دفء الأمومة، ويحن إلى المرأة الأم" ل وهو يفصح عن هذا المعنى الذي يتلمسه حين يتحدث عن محبوبته فيدخل في وصفه فكرة الأمومة والطفولة حين يقول: تصد وتبدي عن أسيل وتتَّقي ... بناظرة من وحش وجرة مُطفل وهو يعود مرة أخرى إلى هذا المعنى بتحديد أكثر وأعمق من حيث الدلالة النفسية عندما يقول: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعًا ... فألهيتها عن ذي تمائم مُغْيَل وهو بيت يرى فيه الباحث إشارة واضحة إلى أن الشاعر كان يتوق إلى التعبير عن أنه كان يخيل موقع الطفولة من حبيبته، وذلك بعد أن يلهيها عن طفلها وحملها ورضاعها إلهاء، فنحن هنا أمام شاعر يبحث عن دفء الأمومة في المرأة أكثر مما يبحث عن أي شيء آخر، م. على أن الباحث يرى أن معنى الأمومة لا يقتصر ذكره في شعر امرئ القيس على هذا السياق العام، وإنما يقرنه الشاعر في شكل واضح

стр. 290

ومحدد بإضفاء القدسية الدينية على المرأة كأنثى وكأم في الوقت ذاته، ن، حين يقول في وصف فتاتين: هما نعجتان من نعاج تبالة ... لدى جؤذرين أو كبعض دُمى هَكِرْ فهنا معنى الأمومة واضح من تشبيه تعلق الفتاتين بمن يحبانهما بتعلق البقرتين بجؤذريهما. ولكن المغزى الديني للأمومة يبدو كذلك واضحا من تشبيههما بالدمى، والدمية هي الصنم، وهكر مدينة باليمن "حيث شاعت عبادة الشمس كواحدة من الثالوث الكواكبي" وفي بعض الروايات اسم لدير بها "لسان العرب، مادة: هكر". وهكذا يتطابق التفسير السيكولوجي لموقف امرئ القيس من المرأة الذي يرى الباحث أنه "يجمع بين الاشتهاء الجسدي والشعور الروحي العميق بقدسية الأمومة في نسق واحد" وبين التفسير الميثولوجي الذي ظهر منه أن الصور التي ظهرت فيها المرأة في الشعر الجاهلي كانت فيها في حقيقة الأمر رمزا لأمومة مقدسة على المستوى الديني للإلهتين المعبودتين: الشمس في أمومتها من جهة، والزهرة في أنوثتها من جهة أخرى, لتصبح هذه الصور إشارات إلى المعتقدات الدينية التي وردت في الشعر الجاهلي. وأنقل الحديث الآن، بعد معالجة الجانب الديني في الشعر الجاهلي، إلى الجانب الثاني الذي افتقده منكرو أصالة ما وصل إلينا من هذا الشعر، وهو الحياة العقلية؛ فغياب هذا المظهر، حسبما ذكروا، يتناقض مع قدرة الجاهليين على مجادلة الرسول ﷺ وهو جدال ظهر فيه شيء كثير من الوعي والذكاء. وهنا يرد أحد الباحثين بأن الشعر الجاهلي ليس في الحقيقة خلوا من هذه الحياة العقلية٢٥ ونحن في الواقع نجد في عدد

стр. 291

من مواضع الشعر الجاهلي ما يؤكد هذا الرد. ويكفي أن ننظر، على سبيل المثال, في الأبيات الأخيرة من معلقة زهير بن أبي سلمى أو في بعض الأبيات التي جاءت في قصيدة النابغة الذبياني التي يتحدث فيها عن وشاية ضده لدى النعمان بن المنذر أمير الحيرة لكي نتأكد من هذا الرد٢٦. كما أضيف إلى هذا التأييد أننا يجب ألا ننتظر من الشعر أن يغلب عليه الطابع العقلاني وإلا نكون قد أخرجناه عن طبيعته. والحديث عن الجوانب الأخرى للحياة في العصر الجاهلي، وهي الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وهو ما ينكر المعارضون وجوده، أو على الأقل وجوده بشكل واعٍ, هو الآخر حديث مردود عليه. ففي الجانب السياسي نجد العلاقة مع الروم "البيزنطيين" واضحة ومفصلة في شعر امرئ القيس وهو يصف رحلته إلى بلاد الروم ليلتقي بالقيصر، ويعرفنا بالسبب الذي دعاه إلى هذه الرحلة ويصف لنا الطريق التي قطعها إلى هناك عبر سورية, ويحدد لنا الأماكن التي مر بها على هذه الطريق وما الذي ينتظره من قيصر, بل يزيد على ذلك ليذكر احتمال نجاحه أو فشله بعد هذه الرحلة. والأعشى يحدثنا عن جانب آخر من علاقات شبه جزيرة العرب بالقوى الدولية الموجودة آنذاك؛ فيشير، على سبيل المثال، إلى الصراع بين الحبشة والإمبراطورية الفارسية على اليمن وهكذا٢٧. والشيء ذاته يقال عن الجانب الاقتصادي من الحياة الجاهلية، فالشعر الجاهلي لم يقتصر على تصوير الجود والكرم والإسراف الذي يشير إلى الثروة، ولم يتجاهل المعاناة من الحرمان والتعبير عن هذه المعاناة وعن الهوة السحيقة التي

стр. 292

تفصل بين الطبقات, وأمامنا في هذا المجال مجموعة من الشعر الجاهلي الذي يعرف بشعر الصعاليك وفيها تظهر المرارة التي أحستها هذه الطبقة المحرومة في شعر الشّنْفَرى أحد هؤلاء الشعراء, وفيها كذلك ما كان يلجأ إليه أفراد هذ الطبقة من ممارسات من بينها السرقة من أجل سد الرمق، واللجوء للحيلة لتحقيق الهرب من ملاحقة الطبقة المسيطرة التي لم تكن تتورع عن التصفية الجسدية في سبيل إحكام سيطرتها على موارد الإنتاج، وهو موقف يصوره تأبط شرًّا "شاعر آخر من شعراء الصعاليك" تصويرًا يعبر, رغم ما يشيع فيه من روح مرحة ساخرة, عن هذه الهوة الساحقة بين طبقات المجتمع الجاهلي٢٨. ولا يقصِّر شعر الجاهليين في تصوير الحياة الاجتماعية إلى جانب النواحي الأخرى من حياة المجتمع الجاهلي. فرغم أن الأغلبية الساحقة من الصور التي يقدمها لنا هذا السفر هي عن حياة البادية، إلا أن حياة البحر تظهر في عدد من الصور, وإن كان هذا العدد ضئيلًًا، ولا غرابة في هذا الإقلال من صور الحياة البحرية في الشعر الجاهلي، فابتداء من القرن السادس الميلادي، وهو القرن الذي ترجع إليه أغلب قصائد الشعراء الجاهليين كان هناك ركود في النشاط البحري لعرب شبه الجزيرة، أمام سيطرة اليونان على الخطوط الملاحية بين البحر المتوسط والمحيط الهندي٢٩. ومع هذه الظروف التي أدت إلى الإقلال من الشعر البحري، فإن ما قدمه لنا هذا الشعر من الصور لا يكتفي بالنظرة العامة أو التشبيه العابر، ولكنه يتجاوز ذلك إلى عدد من التفاصيل

стр. 293

نجدها في شعر طرفة بن العبد والمثقب العبدي، وهي تفاصيل تتناول أسماء بعض أجزاء السفينة وطريقة سيرها وتحديد الطرق المائية التي تتخذها والمرافئ التي تتوقف عندها أو تمر بها, بل نحن نجد اسمًا لأحد الملاحين العرب، يبدو أنه كان مشهورًا آنذاك، ضمن هذه التفاصيل٣٠. ثم أنقل الحديث الآن إلى مناقشة ما أورده أصحاب الرأي المعارض لوجود الشعر الجاهلي فيما يخص صحة روايته ومدى أمانة العلماء من رواة القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة. وفي هذا الصدد أشير إلى ما أسلفت ذكره من أن الرواية قد تؤدي إلى تغيير أو تحوير أو زيادة أو نقصان، ولكنها لا تصل إلى أن يندثر الشعر اندثارًا كاملًا، بل لا تصل إلى أن تتغير الأفكار أو المواضيع الأساسية للشعر تغيرا كاملا. وقد رأينا أن الإلياذة والأوديسية قد تداولها اليونان على هيئة مقطوعات وأناشيد متفرقة منذ القرن الثاني عشر ق. م. قبل أن يتم إخراجها في صورة معلقتين في أواسط القرن التاسع ق. م. ثم ظلت تنتقل بالرواية الشفهية حتى دونت بعد ذلك بقرنين أو أكثر, ومع ذلك فلم تندثر ولم تتغير مواضيعها وأفكارها. وأزيد هنا أن كل كشف أثري قام به المنقبون الأثريون منذ القرن الماضي حتى الآن كان يؤكد جانبا آو آخر مما جاء في هاتين الملحمتين، بل إن كشوفا أثرية أخرى في مناطق غير يونانية وتخص حضارات غير يونانية لا تفتأ تؤكد علاقات بين اليونان وبين هذه الحضارات أشارت إليها بعض مقطوعات الملحمتين -وهكذا يبقى الشعر اليوناني الذي ضمته الملحمتان حتى الآن مصدرا أساسيا لحياة اليونان في العصر الذي يمتد عبره هذا الشعر٣١.

стр. 294

والشيء ذاته ينطبق, بالقياس، على الشعر الجاهلي الذي لم تستمر روايته مدة تضاهي في طولها المدة التي استمرت فيها رواية أشعار الملحمتين اليونانيتين -قد يتغير فيه شيء من هنا أو يزاد عليه أو ينقص منه شيء من هناك ولكن يظل محوره كما هو وتظل خطوطه الأساسية كما هي دون تغيير, ونحن إذا نظرنا في الواقع إلى عدد من القصائد الجاهلية ولتكن بعض القصائد الطوال التي اشتهرت باسم المعلقات سنجد فيها مصداقًا لهذا الحكم, فكل منها تظهر فيها شخصية الشاعر الخاصة به, المستقلة عن غيره، بكل محورها وملامحها. فرغم أن أغلب الشعراء اشتركوا في بكاء الأطلال والتغزل في المحبوبة, ووصف البادية والناقة والفرس، إلا أن كل شاعر كانت له نقطة اهتمامه واتجاهه الذي يميزه عن الآخرين، فامرؤ القيس هو شاعر اللهو والسعي وراء مُلْك يريد أن يحصل عليه ولكنه لا يعطي ذلك من الجد ما هو جدير به ويكاد يقدم اليأس من تحقيق بغيته على الإصرار على الوصول إليها. والنابغة هو شاعر البلاط والاعتذاريات الذي ينتقل من بلاط إلى البلاط الذي يناصبه العداء, ثم يعود إلى أمير البلاط الأول ليعتذر ويقدم خضوعه وولاءه من جديد, وعمرو بن كلثوم هو شاعر الانفعال الغاضب والعصبية القبلية التي لا تعرف للآخرين حقوقًا, وزهير بن أبي سلمى هو شاعر التعقل والسلام والمصالحة بين المتحاربين "من عبس وذبيان" والتحذير من الحقد ومن ويلات الحرب وأهوالها والحكمة المتأنية الهادئة، والحارث بن حلزة هو شاعر المهاترة والتشهير بخصومه والتزلف إلى صاحب السلطان والدس لديه ضد القبيلة المعادية لقبيلته. ونستطيع أن نذكر الشيء ذاته عن الفرق بين الشعراء الذين

стр. 295

كانوا يتغنون بالإسراف والإفراط في الشراب مثل طرفة وزهير, والشعراء الصعاليك الذين كانوا يئنون من شظف العيش ويفضلون صحبة وحوش البادية على بني قومهم مثل الشنفرى وتأبط شرًّا, وهكذا٣٢. كذلك فيما يخص الحديث عن رواية العصر الجاهلي فإن هناك أكثر من سبب يدعونا إلى تصديقها في جملتها بغض النظر عن أية تفصيلات جانبية فيها. فالقبائل العربية في العصر الجاهلي كانت حريصة كل الحرص على القصائد التي تسجل انتصاراتها وكانت تعتبرها أغلى ما تملك وترويها جيلًا بعد جيل. بل لقد كان لكل قبيلة راويتها الذي يعني بالاحتفاظ في ذاكرته بهذه القصائد وبخاصة في البادية التي لم يكن شيوع الكتابة فيها بمثل ما كان عليه في الحضر. ونحن نستطيع في الواقع أن نرى أثر ما تميزت به رواية الشعر الجاهلي من قوة واستمرار فيما نراه من أشعار القرن الأول الهجري مثل جرير والفرزدق وذي الرمة. لقد استخدم هؤلاء ذخيرة الشعراء الجاهليين مرارا متكررة متناولين الموضوعات ذاتها والأسلوب ذاته. حقيقة إنهم قد يقدمون على تحوير هنا أو تحسين هناك، ولكن يبقى التزامهم بهذه التقاليد الشعرية الجاهلية دون تغيير. وقد كان هذا في الواقع منتظرًا، إذ لم توجد فجوة زمنية بين شعراء الجاهلية وشعراء القرن الأول الهجري، وما دمنا قد وصلنا إلى شعراء القرن الأول ورواية الشعر الجاهلي على قوتها، فقد أصبحنا إذن على عتبة القرن الثاني، وهو عصر العلماء الرواة الذين وصل إلينا عن طريقهم الشعر الجاهلي٣٣. ومع ذلك فإن الدلائل تشير إلى أن الرواية لم تكن وحدها هي وسيلة

стр. 296

حفظ الشعر، فقد عرف الجاهليون الكتابة. ولا أشير هنا إلى النقوش التي اكتشفت في شبه الجزيرة العربية والتي كتبت بخط مغاير للخط العربي الذي استمرت الكتابة به بعد ظهور الإسلام، وهي نقوش موغلة في القدم بعض الشيء. وإنما أشير إلى النقوش التي كتبت بهذا الخط الأخير الذي أخذ يتدرج في شكله ابتداء من القرن الثالث الميلادي حيث نجد بعض كلمات هذه النقوش مماثلة للخط العربي المعروف في العصر الإسلامي، ومرورا بالقرن الرابع حيث تزيد نسبة هذه الكلمات بشكل غالب، إلى القرن السادس حيث يطغى استعمال هذا الخط على النقوش لكي يظهر بعد ذلك وحده في النقوش التي ترجع إلى عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم٣٤. وقد يوجد من يقول: إن النقوش وحدها لا تنهض دليلًا على انتشار الكتابة فيما قبل الإسلام على نطاق واسع أو حتى على نطاق محسوس، فالنقوش التي عثر عليها تشير كلها تقريبا إلى ملوك "قد لا تعني كلمة ملك هنا أكثر من رئيس قبيلة" وقد نفذت لتخليد مناسبات مهمة، ومن ثم فهي لا تشير إلى ممارسة يومية على المستوى الشعبي, وفي الواقع فقد أشار القرآن الكريم إلى العرب إشارة مباشرة على أنهم أميون ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . وقد شاع معنى الأمية منذ العصر الإسلامي على أنه عدم الإلمام بالقراءة والكتابة ومن ثم أصبح التصاق هذا الوصف بعرب الجاهلية أمرا واردًا٣٥. ومع ذلك فالأمية التي تذكرها الآية الكريمة لا تعني الجهل بالقراءة والكتابة

стр. 297

وإنما تعني الجهل بما جاء في الكتب السماوية من قيم روحية وأخلاقية واجتماعية, والنصف الثاني من الآية يشير إلى هذا المعنى بشكل واضح، وهو معنى يؤكده القرآن في ثلاث آيات أخرى يفرق فيها بين أهل الكتاب وبين الأميين, وفي إحدى هذه الآيات يزيد على هذه التفرقة إشارة مباشرة إلى أن بعض هؤلاء "الأميين" كانوا يكتبون ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ, فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ٣٦. وفي الواقع فإن ممارسة الكتابة في المجتمع الجاهلي أمر يؤكده القرآن بشكل متكرر متواتر، والقرآن الكريم إلى جانب وصفه ككتاب من عند الله لا يرقى الشك إلى ما جاء فيه، هو كذلك وثيقة ظهرت في هذا المجتمع الجاهلي وكانت آياته تدون في عهد الرسول أي: في وقت نزولها كما جمعت هذه الآيات المدونة في عهد الخليفة عثمان بن عفان بعد سنوات من موت الرسول ﷺ ولا يقتصر القرآن على الإشارة إلى الكتابة ولكنه يشير إلى الكتب والكتاب وما كانوا يتخذونه من أدوات الكتابة. وفي هذا الصدد يرد ذكر الكتابة ٥١ مرة, وسطور الكتابة ثلاث مرات، والكتاب ٢٦١ مرة، والكتَّاب مرتين, والقلم ثلاث مرات؛ منها مرة يقسم فيها به وتسمى سورة باسمه، والصحف ثماني مرات والرق الذي يكتب عليه مرة واحدة٣٧. وأبادر هنا فأقول: إننا لا نستطيع أن نقول: إن هذه الممارسة للكتابة في العصر الجاهلي كانت أمرا شائعا في كل أقسام المجتمع. ففي مجال المعاملات التجارية يذكر القرآن ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ وهي إشارة تدل

стр. 298

على أن قلة من القوم هم الذين كانوا يعرفون الكتابة. وهو قول تؤكده آية أخرى ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ٣٨ وهي إشارة تفيد كذلك أن الكتابة كانت منتشرة بين أهل الحضر في المدن حيث يقيم التجار أكثر منها في البادية التي تمر بها القوافل التجارية في أثناء سفرها. ولكن مع ذلك تبقى ممارسة الكتابة في المجتمع الجاهلي قائمة ويبقى عدد الذين يعرفون الكتابة كافيًا لتدوين العقود والديون وبقية المعاملات بين التجار في مجتمع كانت التجارة تشغل فيه حيزًا أساسيًّا بين الموارد الاقتصادية. وهنا أعود إلى حفظ الشعر عن طريق الكتابة فأقول: إنه إذا كان العرب حريصين على تسجيل معاملاتهم التجارية عن طريق الكتابة، فإن حرصهم لن يقل عن ذلك، إن لم يزد عليه في الواقع، على تدوين أشعارهم. فالقبائل، كما أسلفت، كانت تنظر إلى القصائد التي تعدد أمجادها على أنها سجل لتخليد هذه الأمجاد، وهو أمر يتضح لنا من فخر القبائل بانتصاراتها وتمييز الأيام التي حدثت فيها هذه الانتصارات على غيرها من الأيام على أنها أيام مشهودة ومشهورة يعرفها الجميع دون حاجة إلى استيضاح أو تفصيل٣٩، وما دام الكتاب أو من يعرفون الكتابة موجودين فيبدو أمرا طبيعيا ومنطقيا أن تلجأ إليهم هذه القبائل لتسجل القصائد التي يرد فيها ذكر هذه الانتصارات -وهو أمر يصبح واردا بشكل أكثر إذا أدخلنا في اعتبارنا أن بعض هذه القصائد كان يكتب على امتداد أكثر من مناسبة كما هو واضح، على سبيل المثال، في معلقة عمرو بن كلثوم، وما دام الأمر كذلك فإنه يصبح طبيعيا أن

стр. 299

يحرص الشعراء الكبار، على الأقل, على تدوين قصائدهم التي نجدها مليئة بما يفخرون به من فروسية وبطولة وكرم وإباء، يتشبثون بذكر ذلك كله بمناسبة وبغير مناسبة ويصلون في حرصهم هذا إلى قدر كبير من المبالغة كأنما يريدون أن يسمعوا كل قبائل العرب بهذه الأمجاد. ويبقى الحديث في نهاية هذا الموضوع عن الرواة من علماء القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة وما دار بينهم من اتهامات يشكك من خلالها كل فريق في رواية الفريق الآخر. وعلى سبيل مثال واحد من هذه الاتهامات فقد نُسب إلى المفضل بن محمد الضبي، صاحب "المفضليات" أنه قال عن حماد الراوية: إنه "رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ثم يدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق, فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟! ". ويرد أحد النقاد من المستشرقين وهو تشارلز لايال charles lyail على هذا الحديث المنسوب إلى المفضل، أنه على افتراض أن المفضل قال ذلك فعلًا -حسبما يروي صاحب الأغاني- وحتى لو سلمنا بأن حمادًا كان ينحل الشعر فيشبه شعر الشاعر الحقيقي بحيث يستحيل التمييز بين الأصيل والمنحول، فكيف أمكن أن يعرف أنه منحول إذا لم يكن هناك من يعرف القصيدة في صورتها الأولى من غير ما أضيف إليها من زيادات موضوعة؟!. فإذا أدخلنا في اعتبارنا أن المفضل كان من أعلم الناس بالشعر وأقدرهم على تمييز صحيحه من منحوله يصبح الاستنتاج السليم هو أن المفضل نفسه كان يعرف الشعر الصحيح. ثم يستطرد المستشرق في رده ليقول: إن حمادًا إذا كان يحاكي الشعر القديم فإن ذلك يدل على وجود أصل يحاكيه حماد، فإذا قلنا: إن ما بين أيدينا ليس سوى الصور المنحولة, وإنه لم يتبق شيء من الأصل نفسه فإن ذلك أمر لا يقره الفهم السليم للأمور٤٠.

стр. 300

ومما يمكن أن نضيفه في هذا الصدد إلى رأي المستشرق، رأي نادى به أحد العلماء العرب وهو ابن جني في كتابه "الخصائص" يشير فيه إلى الخصومة بين العلماء الرواة من أهل البصرة وأهل الكوفة, وهي الخصومة التي أدت إلى تبادل قدر كبير من الاتهامات فيما بينهم، ومؤدى هذا الرأي هو أن هذه الاتهامات المتبادلة في حد ذاتها أمر يدعو إلى حرص هؤلاء العلماء والرواة على تحري الدقة فيما ينسبونه إلى الشعراء من شعر. والسبب في ذلك هو أنه "إذا سبق إلى أحدهم ظنه، أو توجهت نحوه شبهة سُبَّ بها وبُرئ إلى الله منه لمكانها"٤١. وفي الواقع فإنه لا ينبغي لنا أن نبالغ في صحة هذه الاتهامات المتبادلة بين العلماء الرواة من أهل الكوفة وأهل البصرة. فإن سبب هذه الاتهامات يمكن أن نفهمه بسهولة إذا عرفنا أن علماء كل من المدينتين كانوا يشكلون منهجا أو مذهبا خاصا بهم في معالجتهم لرواية الشعر ومن ثم لقبول بعض القصائد واستبعاد البعض الآخر. فمنهج علماء البصرة كان فيه اتجاه نحو استخراج القواعد والقوانين التي يرون أنها تصلح قاعدة تقاس عليها صحة الشعر أو زيفه ومن ثم كانوا ميالين بالضرورة إلى التضييق في اختيارهم، التزامًا بما وضعوه من قواعد لا يمكن الخروج عنها، أما الكوفيون فقد كان منهجهم قائما على فهم روح اللغة واستبطان طبيعتها، ومن ثم فقد كانوا يقبلون صحة القصيدة طالما لم تخالف هذه الروح أو تغاير هذه الطبيعة دون التقيد بقواعد تعليمية مقننة، ومن هنا فقد كانوا يميلون نحو التوسيع. وطبيعي أن يؤدي هذا الاختلاف العلمي بين المدرستين الفكريتين إلى شيء من الاتهامات المتبادلة من حين إلى حين٤٢.

стр. 301

وفي ضوء هذا الاعتبار, وفي ضوء ما أسلفت الإشارة إليه من أن تدوين الشعر الجاهلي أو تدوين بعض منه على الأقل, ومن أن الرواية "أو الرواية والتدوين" كانت مستمرة بين العصر الجاهلي والقرن الأول الهجري كما سبق أن رأينا ذلك لدى شعراء هذا القرن الذين أسلموه إلى العلماء والرواة ابتداء من القرن الثاني، فإني أؤيد ما ذهب إليه أحد الباحثين العرب المعاصرين المتخصصين في الشعر الجاهلي من "أن بعض ... المدونات الشعرية الأولى قد وصلت إلى علماء الطبقة الأولى من الرواة، وأنهم اعتمدوها مصدرًا من مصادر تدوينهم لهذه الدواوين التي رواها عنهم تلاميذهم, وأن هؤلاء العلماء الرواة في القرن الثاني الهجري كانوا يعتمدون -هم وتلاميذهم- نسخًا متكوبة من هذه الدواوين في مجالس علمهم وحلقات دروسهم، وأن الشيخ منهم كان يقرأ شعر الشاعر من نسخته، أو يقرؤها أحد تلاميذه، ثم يعقب الشيخ على الشعر بالشرح والنقد والتحقيق والتمحيص"٤٣. ويستطرد الباحث ليذكر أنه إلى جانب هذه المدونات كانت هناك الرواية بطبيعة الحال، يحصل عليها العالم من شعراء من قبيلة الشاعر تناقلوها جيلًا بعد جيل، كما كان هناك تداول العلماء الرواة فيما بينهم يعرف الواحد منهم من الآخر ما قد يكون على علم به من قصائد أخرى أو يعرف منه أن شعرا قد نسب إلى أحد الشعراء خطأ أو نحله هذا الشاعر عمدا, ثم يقرأ هذا على تلاميذه ويتناقشون فيه وينتهي إلى أن يزيد أو ينقص في مدونته من شعر في ضوء كل هذا. "ثم جاء علماء الطبقة الثالثة ومن تلاهم من العلماء -بين منتصف القرن الثالث ونهاية القرن الخامس الهجري- فوجدوا بين أيديهم نسخا متعددة لديوان واحد، رويت كل نسخة عن واحد من علماء الطبقة الأولى في البصرة أو الكوفة، فصنع هؤلاء العلماء المتأخرون نسخا جديدة أفرغوا فيها جميع روايات العلماء السابقين، وأشاروا في مواطن كثيرة إلى أن

стр. 302

هذه القصيدة من رواية فلان أو فلان, أو أن هذه الأبيات لم يروها فلان, أو أن فلانًا قال: إن هذه القصيدة أو تلك الأبيات ليست لهذا الشاعر وتنسب إلى شاعر غيره يسميه"٤٤.

стр. 303

٤- حول مجالات الشعر الجاهلي: وأختم هذا الحديث بكلمة سريعة أضمنها بعض الملاحظات التي ينبغي أن ندخلها في اعتبارنا ونحن بصدد الاعتماد على الشعر الجاهلي كمصدر من المصادر التاريخية التي نتعرف خلالها على أحوال شبه جزيرة العرب في العصر السابق للإسلام, ثم بعض المجالات التي نستطيع أن نتعرف من خلالها على حياة هذا المجتمع الجاهلي في جوانبه المختلفة. وأولى الملاحظات في هذا الصدد هي أن الشعر الجاهلي لا يغطي إلا فترة قصيرة من عصر ما قبل الإسلام. فبينما ظهر العرب في علاقاتهم الخارجية كمجموعة بشرية لها هويتها أو شخصيتها الجماعية منذ القرن العاشر ق. م. على الأقل، أي: قبل ظهور الدعوة الإسلامية بستة عشر قرنا أو يزيد، نجد ما وصلنا من هذا الشعر لا يتخطى بدايات القرن السادس الميلادي أي: إنه يغطي قرنا واحدا قبل العصر الإسلامي. ومن ثم فالإشارات التي ترد فيه عن أحوال مجتمع شبه الجزيرة قبل الإسلام يجب أن نتعامل معها وفي ذهننا هذا الاعتبار. وهنا أود أن أشير إلى نوع هذا التعامل. فإذا كانت الإشارة إلى حدث، مثل يوم أو آخر من أيام العرب التي تغنوا بها في مواضع عديدة من هذا الشعر, فإن قدرًا كبيرًا من التدقيق يصبح واردًا لتحديد المسافة الزمنية التي وقع فيها هذا الحدث، وفي هذا المجال تصبح الاستعانة بمصادر أخرى "كلما أمكن ذلك" أمرا واجبا، سواء كانت هذه المصادر نقوشا أو نصوصا أو آثارا تعطينا قرينة أو ملابسة تساعدنا على هذا التحديد، كما هو الحال، على سبيل

стр. 304

المثال، في إشارة امرئ القيس إلى رحلته إلى بيزنطة٤٥ التي يمكن أن نتعرف على تاريخها بصورة يمكن أن تكون محددة بقدر لا بأس به إذا تعرفنا على التيارات السياسية التي كانت تحيط بشبه الجزيرة في النصف الأول من القرن السادس الميلادي. والشيء ذاته ينطبق على الخلاف الذي نشب بين بكر وتغلب وتحاكمت فيه القبيلتان إلى عمرو بن هند أمير الحيرة، وهو الخلاف الذي كان فيه عمرو بن كلثوم متكلمًا باسم تغلب والحارث بن حلزة اليشكري متكلمًا باسم قبيلة بكر، والذي فتك فيه عمرو بن كلثوم بالأمير. أما إذا كانت الإشارة الواردة في إحدى القصائد تتعلق بعادة أو تقليد أو عبادة أو نوع من الثياب أو الأدوات أو السلاح, فإن التقيد بحدود القرن السادس الميلادي يصبح أمرًا غير ضروري في هذا الصدد, فهذه المجالات وإن كانت تتغير من زمن إلى زمن, إلا أن تغيرها يكون أمرا يساعد الباحث في أن يتعرف على مدى التغيير أو التطور الذي حدث. وهنا نجد في المصادر الكلاسيكية شيئا كثيرا عن العادات والتقاليد والنظم السياسية أو الاجتماعية التي كانت سائدة في عدد كبير من أقسام شبه الجزيرة يمكن من خلاله أن نسبر غور أي تطور في مجال أو آخر من هذه المجالات، اعتمادا على معرفتنا بالوقت الذي كتبت فيه هذه المصادر الكلاسيكية. هذا علمًا بأن هذا التعرف يمكن أن يتم كذلك عن طريق ما يمكن أن نستنتجه من الآثار أو من بعض النقوش أو من المصادر الدينية. كما أشير في ختام هذه الملاحظة إلى أن التغير أو التطور لا يتم بالضرورة بنفس السرعة أو البطء في كل المجالات, فالعصبية القبلية، على سبيل المثال, أمر لا يكاد يتغير عبر العصور حيث إنها ركيزة حيوية من الشام أو من العراق٤٦ في فترة من الفترات التي تكون فيها

стр. 305

الخطوط التجارية نشطة بين هاتين المنطقتين ومن ثم يصبح استيراد مثل هذه الثياب أمرا واردا وهكذا. والملاحظة الثانية التي أود أن أوردها في مجال الاعتماد على الشعر الجاهلي كمصدر لأحوال شبه الجزيرة في العصر السابق للإسلام, هي أن رغم كل ما ثبت لنا من أن الشعر الجاهلي وجد وازدهر ولم يكن منحولا في فترة لاحقة للعصر الجاهلي، إلا أن هذا لا يعني أن كل قصيدة وردت في هذا الشعر هي قصيدة أصيلة, أو أن كل بيت من أبيات هذه القصائد هو بيت أصيل بالضرورة، فاحتمال التغيير أو الزيادة في الأبيات أو في القصائد يظل أمرا محتملا، ومن ثم يجب أن يدخل الاعتبار, والسبيل المعقولة التي نقترب بها من الاطمئنان في هذا الصدد هي مقارنة هذا الشعر ببعضه حتى يكتسب الباحث تصورا عاما للمجتمع الجاهلي تتواتر فيه إشارات أو أبعاد معينة فيصبح ما يتواءم معها أصيلًا وما لا يتواءم معها دخيلًا أو منحولًا أو على الأقل يجب التوقف عنده تحقيقا وتمحيصا. أما الملاحظة الثالثة فهي تخص ما سبق أن أشرت إليه في بداية الحديث من المبالغة المنتظرة في الشعر سواء أكان هذا شعرًا يخص المجتمع العربي الجاهلي أم في الواقع أي مجتمع آخر. وأود هنا أن أضيف كلمة أو كلمتين تخص معنى المبالغة, ففي بعض الأحيان تكون هذه المبالغة من النوع العادي الذي يسهل إدراكه بشيء من الاحتراس، كما هو الحال، مثلًا، في قول عمرو بن كلثوم: ملأنا البر حتى ضاق عنا ... ونحن البحر نملؤه سفينا بينما نعرف أن القرن السادس الميلادي الذي ظهر فيه عمرو بن كلثوم كزعيم لقبيلته تغلب لم يكن في الواقع فترة ازدهار بالنسبة للنشاط البحري

стр. 306

العربي مثل بعض الفترات التي سبقته٤٧. ولكن في أحيان أخرى قد تتخذ هذه المبالغة شكلا آخر، فقد نجد شاعرا يسمعنا صوت العقل والتروي والحكمة التي قد تصور موقفه بعد الحدث، أو تصور ما كان يود أن يكون عليه موقفه، بينما ما حدث فعلا قد يكون أقل تعقلًا أو روية أو حكمة في بعض الأحيان أو حتى في أغلبها. كذلك يجدر بالباحث الذي يريد تصوير حياة المجتمع العربي الجاهلي من خلال الشعر الجاهلي أن يتوقف قليلًا قبل أن يعطي بعض الصفات التي تظهر في هذا الشعر أبعادها الحقيقية. فصفة الكرم التي تتردد كثيرا في الشعر الجاهلي هي صفة حقيقية, بل إنها صفة تدعو إليها طبيعة شبه الجزيرة فعلا، وهي طبيعة قد تقسو على المتنقل في الصحراء لسبب أو لآخر بحيث تنقطع عنه موارده أحيانا، ومن ثم يصبح اعتماده على كرم الآخرين في بعض الحالات أمرا حيويا، ومن ثم فإن احتمال ورود هذا الموقف يجعل هناك نوعا من التفاهم الجماعي، حتى ولو كان صامتًا، على أن الكرم أو قِرَى الضيف دعامة أساسية في هذا المجتمع الذي قد يكون فيه أي فرد مهما كان مركزه عرضة لهذا الموقف. ولكن مع ذلك ففي بعض الأحيان قد يكون الكرم أقرب إلى البذخ الطبقي منه إلى هذا النوع من الكرم الحقيقي، وهو تصور يستطيع الباحث أن يستنتجه إذا ما سمع من الطرف الآخر بعض ما تركه لنا صعاليك العرب من شعر يئنون فيه أنينا مسموعا من الضيق الذي يعيشون فيه ومن تقاعس الطبقة الثرية القادرة عن مد يد المعونة إليهم٤٨. أما المجالات التي يمكن أن نعتمد فيها على الشعر الجاهلي, في حدود هذه الملاحظات، فإنها تشمل كل جانب من جوانب الحياة في المجتمع العربي

стр. 307

قبل الإسلام، ومن الممكن أن نتعرف منه على تصور متكامل أو قريب من المتكامل لهذا المجتمع. فنحن نسمع في هذا الشعر عن قدر كبير من الأسماء، من بينهم ملوك أو أمراء ورؤساء قبائل وأشخاص ينتمون إلى كل طبقة أو فئة من طبقات المجتمع الجاهلي وفئاته. وقد لا يفيدنا التعرف على بعض هذه الأسماء في بعض الأحيان، ولكن عددا منها يمكن أن نعتمد عليه، إذا أخذناه مع الملابسات التي تحيط به، في تكوين صورة عن العلاقات التي ضمها هذا المجتمع. كذلك فإن أسماء الرهوط والقبائل تساعدنا في تصور التكوين القبلي والعشائري الذي يشكل المقوم الأساسي من مقومات الحياة في شبه الجزيرة في الفترة السابقة لظهور الدعوة الإسلامية، وهو في الواقع مقوم ظل واردًا حتى بعد ظهور هذه الدعوة وظهور الدولة الموحدة عند استتبابها. كذلك فنحن نتعرف من هذا الشعر على قدر كبير من الأماكن والبلدان والمحالِّ والآبار، بل أكثر من ذلك في تعرفنا على عدد من الأماكن نلمس اهتمام سكان شبه الجزيرة بالتكوينات التي يتسم بها سطح المنطقة، الأماكن المرتفعة والمنخفضة والدارات والحرَّات والبطون والكثبان، وهو اهتمام له ما يبرره، إذ هو الذي يحدد المناطق الصالحة للسكنى أو لمضارب الخيام، كما يحدد مسار القوافل وأماكن الرعي، وهو من ثم يساعد الباحث التاريخي على التعرف على مناطق العمران وتوزيعها، وعلى اتجاه الطرق التجارية أو المسالك بين قسم وآخر أو قبيلة وأخرى في شبه الجزيرة -الأمر الذي يساعد في إعطاء تصور كامل لحركة المجتمع الذي كان يقطن المنطقة في الفترة السابقة للإسلام. وإلى جانب هذا، فهناك الأيام والمعارك التي سجلها الشعر الجاهلي في عديد من قصائده التي وصلت إلينا مثل: حرب السباق "حرب داحس والغبراء" ويوم بارق بين شيبان وتغلب, ويوم الجفار بين تميم بكر, ويوم حليمة بين

стр. 308

الغساسنة والمناذرة, ويوم خزازي بين نزار واليمن, ويوم عراعر بين عبس وكلب, ويوم ذي قار بين شيبان والفرس وغيرها. كذلك هناك الأسلحة التي نستطيع أن نتعرف على أنواعها مما جاء في الشعر الجاهلي مثل: البيضة والترس والدرع وتفاصيلها وأنواعها مثل: البدن والحلق والدلاص والزعف والقد واللأمة والماذية، والأسماء التي أعطاها عرب الجاهلية للرمح مثل: الأسل والأسنة والخطي، وتلك التي أعطوها للسيف مثل: الأبيض والباتر والحسام والمهند والعضب والفيصل والقضيب والمشرفي واليماني والهندواني, إلى آخر هذه الأوصاف التي يلقي عدد منها ضوءًا على المناطق التي كانت تصنع فيها أو تستورد منها وعلى الطراز التي كانت تتبع في صناعتها. ولا أريد أن أستطرد في ذكر كل الجوانب التي تطرق إليها الشعر الجاهلي كمرآة لحياة المجتمع؛ يتطرق في الواقع إلى كل جوانب الحياة في هذا المجتمع, وإنما أشير إلى ما تبقى منها مجرد إشارة في نهاية هذا الحديث. فبعضها يخص أنواع المعبودات والمعتقدات والتقاليد والعادات، وبعضها يخص الكواكب والأبراج، وقد كان العلم بها أو تصورها بشكل أو بآخر أمرا مهما بالنسبة لمجتمع شبه الجزيرة, التي كانت مراقبة النجوم في سمائه الصافية أمرا أساسيا لتحديد الاتجاه في الامتدادات الصحراوية المتشابهة في كثير من الأحيان، بينما كانت قراءة الطالع ممارسة متعارفًا عليها للتنبؤ بأحداث المستقبل حتى التصور السائد في هذا المجتمع. وأخيرا فهناك أنواع النبات والحيوان التي عرفها مجتمع شبه الجزيرة في العصر الجاهلي والتي لا تكاد تخلو منها قصيدة من قصائده، وهنا يستطيع الباحث أن يعرف مدى أهمية بعض هذه الحيوانات بالنسبة لابن المجتمع العربي الجاهلي بتتبعه مدى الترداد في ذكر هذا الحيوان أو ذاك أو التفصيل في ذكر أحواله وأنواعه وحركاته ومراحل نموه وألوانه وهكذا، كما هو الحال، على سبيل المثال، فيما يخص الإبل والخيل والظباء.

стр. 309

القسم الثالث: المجتمع الباب الثامن: الوضع الاقتصادي مدخل ... الباب الثامن: الوضع الاقتصادي الوضع الاقتصادي في شبه جزيرة العرب في العصور السابقة لظهور الإسلام تبرز فيه ظاهرة واضحة هي تنوع الموارد. وهذه الظاهرة جاءت نتيجة لعاملين: الأول هو تنوع طبيعة الأرض والمناخ التي انعكست في تدرج تظهر فيه المناطق الصحراوية التي لا تصلح إلا للرعي المتنقل حيث تصل الطبيعة إلى أقساها سواء في قلة الخصوبة أو في ندرة المطر ويصبح بقاء أهل البادية في منطقة معينة لموسم معين رهن بظهور بعض العشب من حين لآخر، وتظهر فيه مناطق أخرى أقل قسوة في طبيعتها من هذه، فيكثر العشب لفترات طويلة نسبيا ومن ثم يقترب أهل البادية من الرعاة إلى صفة الإقامة الثابتة في المناطق التي توجد فيها مراعيهم، مثل المناطق التي توجد على حافة الهلال الخصيب مجاورة لوادي الرافدين من جهة وللمنطقة السورية من جهة أخرى. كذلك تظهر في هذا التدرج الطبيعي بعض الواحات أو مجموعات الواحات التي يوجد فيها عدد من العيون أو الينابيع التي تُمَكِّن من قدر لا بأس به من الزراعة، مثل بعض الواحات الموجودة في نجد أو الحجاز أو القسم الشمالي الغربي لشبه الجزيرة، كما تظهر أخيرا المناطق التي تحظى بتربة خصبة وتغزر فيها الأمطار الموسمية مثل القسم الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة حيث تجود

стр. 310

الزراعة في أكثر من موسم وتوجد الغابات الطبيعية أو المزروعة من أشجار الطيوب والبخور في منطقة اليمن. ثم كان هناك, إلى جانب هذا التدرج النباتي، بعض المعادن التي وجدت في مناطق متفرقة في أرض شبه الجزيرة. أما العامل الثاني الذي أضاف إلى هذا التنوع في الموارد فهو الموقع الجغرافي الذي تحتله شبه جزيرة العرب برًّا وبحرًا بين مناطق الشرقين الأوسط والأقصى في الشرق من جهة، وبين المناطق المطلة على البحر المتوسط في الغرب من جهة أخرى. وهكذا كانت المعبر الطبيعي، وفي بعض الأحيان المنطلق الطبيعي، لقوافل التجارة البرية والبحرية بين المنطقتين. وقد زاد من قيمة المورد التجاري الناتج عن هذا الوضع البري والبحري الوسيط، عنصر تاريخي يتصل ببعض الأوضاع التي كانت سائدة في العصر القديم. ففي ذلك العصر كانت الطيوب والبخور تشكل سلعة أساسية لا غنى عنها في الحياة اليومية سواء في التزيين أو في الطقوس والشعائر الدينية في المنزل والمعبد والصفقات التجارية والاجتماعية السياسية والمباريات الرياضية واحتفالات الزواج والمراسم الجنائزية، وفي الواقع كل ما يقدم عليه الأفراد أو المجتمع من ممارسات. وقد كانت شبه جزيرة العرب إما منتجة لهذه الطيوب وإما وسيطًا تجاريًّا يستوردها، هي وغيرها من السلع، من جهة ليصدرها إلى الجهة الأخرى.

стр. 311

الرعي الرعي والرعاة ... ١- الرعي: أ- الرعي والرعاة: ولنبدأ بالحديث عن الرعي الذي كان يشكل بنوعيه، الثابت والمتنقل، المورد الاقتصادي، أو مورد الإنتاج الرئيسي في القسم الأكبر من شبه الجزيرة العربية بحكم الطبيعة الجغرافية للمنطقة. وفي هذا الصدد كان رعي الإبل هو النوع الأساسي من الرعي في الأماكن التي يقل فيها العشب في المناطق الموغلة في الصحراء حيث يندر الماء، ومن ثم يصبح التنقل وراء مناطق العشب ضرورة

стр. 312

أساسية في حياة الرعاة. فالجمل، كما مر بنا في حديث سابق١، له صفات تلائم هذه الطبيعة الجغرافية أكثر من غيره، أهمها: الصبر على العطش لأيام طويلة، وثانيتها: قدرته على السير في المناطق الرملية بسبب طبيعة التكوين الإسفنجي التي تتميز بها أخفافه مما يعطيه ميزة في هذا المجال على غيره من الدواب، وثالثة هذه الصفات: قدرته الفائقة على نقل قدر من الأحمال تعجز عن نقلها هذه الدواب الأخرى، وهكذا كانت الإبل الحليف الأول لرعاة البادية في تنقلهم، ومن حليبها ولحمها وإلى جانب ما يحصلون عليه من تمر من هنا وهناك, كان غذاؤهم الرئيسي. أما الأماكن الغنية بالعشب القريبة من الماء والواقعة على حواف السهول الزراعية، سواء على تخوم وادي الرافدين أو المنطقة السورية أو اليمن، فكان يكثر فيها رعي الغنم أساسًا، والخيول والماشية في بعض الأحيان؛ بسبب افتقار هذه الدواب لميزات الإبل، سواء فيما يخص تحمل العطش أو القدرة على السير في المناطق الرملية لمسافات طويلة أو على نقل أحمال ثقيلة. وقد كانت أرض المراعي مشاعًا بين القبيلة حيثما تستقر في مناطق العشب لفترة تطول أو تقصر، وهو أمر أملته ظروف الطبيعة والتعايش معها، وهكذا أصبح قانونا ملازما لرعاة البادية سواء في العصور السابقة للإسلام أو حتى بعد ظهور الإسلام حيث نجده ينعكس في حديث للرسول ﷺ يقول فيه: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ". ولكن هذه الملكية العامة أو المشاع لم تمنع من وجود أراضٍ بداخلها تدخل في نطاق الملكية الخاصة "طوال الفترة التي توجد فيها القبيلة في منطقة أو أخرى من مناطق العشب", هذه الأراضي هي "الأحماء" التي كان الانتفاع بها قاصرا على بعض أفراد أو مجموعات القبيلة، كل حمى منها يدخل في نفوذ زعيم أو آخر هو وأتباعه من زعماء القبيلة، ترعى إبله فيها وحدها، إلى جانب الانتفاع بأراضي الرعي

стр. 313

المشاع التي ترعى فيها إبل القبيلة بأكملها. ولنا أن نتصور أن هذا الحق كان يتمتع به رئيس القبيلة أو من كان لهم؛ لسبب أو لآخر، نوع من البأس أو السطوة أو النفوذ فيها. ولكن على أي الأحوال فإن ملكية أراضي المراعي، سواء في ذلك الأرض المشاع أو الأحماء الخاصة كانت بالضرورة ملكية مؤقتة. فهي ملكية تستمر طالما وجد عشب في المنطقة, فإذا تركت القبيلة أرضها انتجاعا لعشب في منطقة أخرى وحلت محلها قبيلة أخرى صارت الأرض ملكا لهذه القبيلة الجديدة، والوضع ذاته يقال إذا ضعفت قبيلة وتمكنت قبيلة أخرى من إجلائها عن أرضها؛ فتصبح الأرض ملكا للقبيلة الغالبة٢.

стр. 314

ب- الموارد المكملة لحياة الرعاة: على أن الرعي, إذا كان يشكل المورد الأساسي لرعاة البادية العربية، فإنه لم يكن بأية حال هو موردهم الوحيد، وإنما كان هناك إلى جانبه ما يمكن أن نسميه موارد مساعدة؛ فرعاة البادية كانوا يحومون في كثير من الأحيان حول الواحات التي تقع بالقرب من الأراضي التي يرعون فيها ويحصلون بطريقة أو بأخرى على جزء من محصول التمر الذي ينتجه النخيل في الواحات، إما عن طريق القوة الساخرة بشق غارات على هذه الواحات ونهب جزء من محصولها أو عن طريق القوة المقنعة بفرض نسبة يحصلون عليها من هذا التمر لقاء عدم تعرضهم لسكان هذه الواحات أو لحمايتهم من أي مغيرين آخرين٣. كذلك كانت قبائل البادية تنتفع بمرور القوافل التجارية في أرضها فتحصل القبيلة على أجر معلوم من هذه القوافل لقاء إرشادها وتوقفها وتقويم ما تحتاج إليه من خدمات على طول الطرق التي تقع عبر أرضها ولقاء حمايتها في أثناء

стр. 315

مرورها في هذه الطرق. وفي هذا الصدد يذكر لنا الكاتب اليوناني أرتميدوروس في أوائل القرن الأول ق. م. مشيرا إلى قوافل البخور والطيوب الآتية من جنوبي شبه الجزيرة أن "سكان كل منطقة كانوا يسلمونها لسكان المنطقة التي تليهم حتى تصل "هذه القوافل" إلى سورية"٤ -وواضح أن حديث الكاتب يشير إلى إرشاد هذه القوافل وخدمتها وحمايتها في أثناء عبورها في أرض كل قبيلة لقاء مقابل مادي لذلك. أما الدور الثالث الذي كان يقوم به رعاة البادية كمورد مساعد لموردهم الاقتصادي الأساسي "وهو الرعي" فقد كان الوساطة بين البادية والحضر, وهو دور كان يتطور في بعض الأحيان ليصل إلى حجم أكبر بكثير من الحجم الذي ابتدأ به. وقد كان الرعاة الذين يقومون بهذه الوساطة هم أهل البوادي التي تتاخم المناطق السهلية الواسعة الخصبة أو التي على قدر من الخصوبة والتي كانت تقوم بها الدول المتاخمة للصحراء سواء في وادي الرافدين أو المنطقة السورية. حقيقة إن حكومات هذه الدول كانت تحترس من غارات أهل البادية بإقامة مناطق للحراسة، ولكن كان يسمح لهؤلاء البدو بالقيام بنوع من التبادل التجاري مع المدن الواقعة عند الحدود, يحملون إليها بعض نتاج البادية من الأغنام أو وبر الجمال الذي يصلح لبعض أنواع النسيج ليبادلوا بها بعض السلع التي يحتاج إليها أهل البادية، وفي بعض الأحيان يتطور هذا التعامل، على نحو ما أشرت في حديث سابق، فيحصل هؤلاء البدو على نوع من الإقامة في بعض الأراضي الواقعة على حدود الدولة، وقد يزاولون الزراعة أو بعض المهن في هذه الأراضي، كما قد ينخرطون كجند مرتزقة في قوات هذه الدولة٥. وقد وصل حجم هذه الوساطة إلى ذروته حين كانت الدول

стр. 316

المتاخمة لشبه الجزيرة العربية تعتمد على مناطق البادية المتاخمة لها فتتخذ منها مناطق تابعة تصد عنها أية غارات خارجية، سواء أجاءت هذه الغارات من القبائل البدوية أو دول أخرى. ومثل هذا حدث في حالة الإمبراطورية الفارسية التي كانت تسيطر على منطقة وادي الرافدين, وفي حالة الدولة البيزنطية التي كانت تسيطر على المنطقة السورية. لقد حولت كل من الإمبراطوريتين المنطقة البدوية المتاخمة لها إلى إمارة تابعة لها؛ الإمبراطورية تساعدها وتساندها ماديا وفي مقابل ذلك تقوم هذه الإمارة بالتصدي لأية غارات من الجانب الآخر "أو من بدو الصحراء" على حدودها. وهكذا قامت إمارة المناذرة على الحدود الغربية لوادي الرافدين، وإمارة الغساسنة على الحدود الشرقية للمنطقة السورية، في حدود هذا المفهوم الذي أشرت إليه.

стр. 317

الزراعة والمحاصيل الطبيعية المورد الزراعي ... ٢- الزراعة والمحاصيل الطبيعية: أ- المورد الزراعي: المورد الثاني من الموارد الاقتصادية أو موارد الإنتاج في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام هو الزراعة. وفي هذا المجال فهناك تصور سائد مؤداه أن الزراعة كانت موردًا متدنيًا في العصر السابق للإسلام، ونحن نجد في الواقع ما يؤيد هذا التاريخ في الشعر الجاهلي. بل إن شاعرًا جاهليًّا ليس أقل من الأعشى الكبير، أحد شعراء المعلقات الذين تباهى العرب بشعرهم، يصف لنا مدى ازدرائه للزراعة والذين يعملون فيها حين يعبر عن بني إياد بأنهم يعيشون على هذه المهنة المتدنية -في نظره- ويصور لنا هؤلاء القوم وقد أخذوا ينتظرون موسم الحصاد وهم لا يجدون من عمل يقومون به سوى الجلوس خلف أبواب

стр. 318

موصدة يعالجون القمل وتشدهم إلى الأرض قيود لا يملكون معها فكاكًا٦. وربما كان أحد الأسباب الكامنة وراء هذا التصور هو أن الزراعة -وبخاصة زراعة الحبوب- دخلت بعض أقسام شبه الجزيرة العربية من مناطق أخرى، ومن ثم اعتبرت مهنة دخيلة بينما ظل الرعي دائما هو المورد الأساسي والعمل به هو المهنة الأصيلة. ونحن نجد في الواقع ما قد يؤيد مثل هذا التصور في وجود بعض ألفاظ عربية من أصل آرامي في مجال الزراعة؛ فلفظة "حارث" العربية مأخوذة من "آرس" الآرامية، و"بيدر" مأخوذة من "إدّر" و"أكّار" وهو العامل الذي يعمل في الحقل هي ذاتها اللفظة الآرامية، ولفظة "نير" مأخوذة من "نيدرا"، ولفظة "ناطور" وهو الحارس الذي يحرس الكروم هو "ناطورا" في الآرامية، ولفظة "قمح" مأخوذة من "قمحنو"، هذا بينما ريّ "البعل" في العربية هو الري الذي يعتمد على ماء المطر "الذي يرسله بعل، إله الآراميين"٧. ولكننا إذا تتبعنا هذا التصور نجد أنه كان في حقيقة الأمر قاصرًا على البدو وحدهم وأن الزراع لم يكونوا يعتنقون هذا التصور. وفي هذا الصدد فنحن نجد بين النصوص العربية الجنوبية القديمة التي عثر عليها المنقبون الأثريون

стр. 319

في اليمن ألفاظًا كثيرة تشير إلى المحصولات الزراعية أو إلى منتجاتها والمعاملات الخاصة بها. فلفظة "قمح" تقابلها لفظة "بُرّ" ولفظة "طحين" تقابلها لفظة "دققم" أي الدقيق، كما ترد في هذه النصوص لفظة "دق" بمعنى الحب الذي يتبقى في الأرض بعد التذرية، ولفظ "علص" بمعنى درس الحبوب أو بمعنى الحقل أو المزرعة. هذا بينما نجد ألفاظا أخرى عديدة غير منقولة عن الآرامية أو غيرها من لغات المناطق الواقعة خارج شبه الجزيرة, تشير إلى أنواع أخرى من الثمار أو المحاصل أو إلى عقود لتأجير الأرض بغرض الزراعة وهكذا٨. وهذه النصوص بما فيها من تسميات ومعاملات تشير جميعًا إلى أن الحياة الزراعية في القسم الجنوبي من شبه الجزيرة كانت حياة طبيعية أصيلة لا ترد الألفاظ الدالة عليها من خارج البلاد وإنما تشكل موردا أصليا من موارد الإنتاج ليس فيه مجال لأن يتعالى أحد عليه أو يحط من شأنه أو شأن المشتغلين به. كذلك ربما يتبادر إلى الذهن أن هذه النصوص العربية الجنوبية قد تشير إلى أن وجود الحياة الزراعية كمورد اقتصادي أساسي أمر قاصر على القسم الجنوبي من شبه الجزيرة. ولكن شهادة الكتاب الكلاسيكيين في أواخر القرن الثالث ق. م. وأوائل القرن الذي يليه، ثم شهادة القرآن الكريم في أوائل القرن السابع الميلادي، أي: بعد ذلك بعشرة قرون كاملة، ما يثبت أن تصور الحياة الزراعية كمورد اقتصادي أساسي في شبه الجزيرة العربية كلها كان تصورا قائما وراسخا. وفي هذا المجال نجد الجغرافي اليوناني إراتوسثينس "إراتسطين الجغرافي عند العرب" يصف شبه الجزيرة في الفترة التي اشتهر

стр. 320

وكتب خلالها "٢٧٥-١٩٤ق. م." فيذكر عن بلاد العرب الميمومة "وهي شبه الجزيرة، اتجاهًا نحو الجنوب، فيما يلي رأس خليج العقبة -أيلة- غربا, ورأس الخليج العربي "الفارسي" شرقا" أن "أول قوم يقطنون بلاد العرب الميمونة، فيما يلي السوريين وأهل يهودية, هم قوم يعملون بالفلاحة، وبعد هؤلاء نجد الأرض رملية جرداء تنتج قليلًا من أشجار النخيل وبعض الأشجار الشوكية وأشجار الطرفاء MYRIKE، ويعمد أهلها إلى حفر الآبار ليحصلوا على مياه الري.... أما المناطق التي تقع في أقصى الجنوب في المنطقة المقابلة للحبشة فترويها أمطار الصيف وتبذر أرضها مرتين كل عام"٩. وهو حديث كما نرى، يشير إلى درجات متفاوتة من الزراعة، مبتدئا بالزراعة العادية في الشمال، ومثنيا بالخفيفة في الوسط، ومنتهيا بالزراعة المكثفة في الجنوب. أما آيات القرآن الكريم، الذي يشير إلى أحوال شبه الجزيرة العربية في أواخر العصر الجاهلي، فهي تتواتر لتثبت لنا أن الزراعة كانت موردا أساسيا ومرموقا في الوقت نفسه بين الموارد الاقتصادية لشبه الجزيرة العربية بأكملها, وقد عبرت الآيات القرآنية عن ذلك بأكثر من طريقة. فمن جهة نجد القرآن الكريم يتحدث عن الأطوار المتعددة التي يمر بها الزرع, ابتداء بإعداد الأرض وانتهاء بنضج المحصول، فهو يشير إلى حرث الأرض بداية ثم نمو الحبوب في باطن الأرض ثم الري واستواء الزرع على سيقانه ثم تركيب السنابل ثم الحصاد. كذلك يشير بوجه عام إلى الزرع واختلاف أنواعه، ثم يعدد بشكل مفصل بعض هذه الأنواع مثل: الحب والنخيل والأعناب وعدد من الفواكه الأخرى. كذلك يشير في عدد كبير من الآيات إلى قيمة الزراعة كمورد اقتصادي أساسي مرموق، فنجد إبراهيم ﵇ يحس بوطأة المكان الذي اتخذه لذريته -وهو مكان غير ذي زرع- ويبتهل إلى الله أن يرزق
следующие страницы →