← История

История · id 8384

العرب في العصور القديمة

لطفي عبد الوهاب

Полный текст (524 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

سكان بعض المناطق آثروا قبول الأمر الواقع، إذ يقول الملك: "إن بلاد العرب وكل الملوك الذين أبدوا عداءهم، أرسلوا لي برسلهم طالبين السلم وحسن العلاقات"١٩. وهناك ملاحظتان على إقامة نابونائيد في تيماء والأماكن التي وصل إليها وسيطر عليها, وأولى الملاحظتين هي أن المدن التي يذكرها في هذا الصدد تقع على الخط التجاري الشمالي الجنوبي مما يؤكد هدفه الاقتصادي من نقل مقر حكمه إلى تيماء. فإلى جانب هذه المدينة يذكر الملك أن هذه المدن هي دادانو، فاداكو، هيبرا، ياديهو، باتريبو٢٠. وفيما يخص دادان فإن هذه المدينة "وهي العلا الحالية" كانت أحد المواقع الرئيسة التي اتخذها المعينيون الشماليون مقرًّا لهم، وهيبرا هي خيبر، وفداكو هي فدك الواحة الخصبة الواقعة إلى شمالي خيبر, كذلك فإن ياديهو، كما يظهر من نطقها, هي يادع، وهي منطقة بين فدك وخيبر. أما ياتريبو فهي يثرب التي تغير اسمها إلى المدينة المنورة بعد هجرة الرسول ﷺ إليها. وأما الملاحظة الثانية فهي أن يثرب تشكل آخر عمق في شبه الجزيرة العربية وصل إليه أي ملك من ملوك الدول التي قامت في وادي الرافدين. ثم أختم الحديث عن علاقات العرب بالقوات الشرقية بعرض سريع لهذه العلاقات مع الإمبراطورية الفارسية. وفي هذا الصدد نجد الفرس يبدءون في مد نفوذهم على المناطق العربية بعد أن انتهوا من إسقاط بابل في ٥٣٩ ق. م. ففي أحد النقوش التي ترجع إلى عهد الملك قورش الثاني "٥٥٧ -٥٢٩ ق. م."

стр. 457

نجد هذا الملك الفارسي يذكر أن كل ملوك المنطقة الممتدة بين البحر الأدنى "الخليج" والبحر الأعلى "البحر المتوسط" قد دانوا له بالولاء, وأنهم قدموا إلى بابل حاملينَ معهم جزية كبيرة وقبَّلوا قدميه, ويذكر من بينهم "كل ملوك الأراضي الغربية، الذين يسكنون الخيام"٢١. والنص صريح فهو يشير إلى كل هؤلاء الملوك، ومن ثم فرؤساء القبائل والتجمعات العربية القبلية "إلى جانب المناطق العربية الحضرية" قد خضعت لسلطان هذا الإمبراطور الفارسي. غير أن تطورًا في العلاقات الفارسية العربية يبدو أنه حدث بين الشطر الأخير من القرن السادس ق. م. حين أخضع الملك قورش الثاني "٥٥٧-٥٢٩ ق. م." هذه المنطقة بعد سقوط بابل في ٥٣٩ ق. م., وبين أواسط القرن الخامس ق. م. إذ يذكر لنا المؤرخ اليوناني هيرودوتس "الذي عاش في أواسط هذا القرن" في أكثر من مناسبة ما يفيد أن العرب كان لهم وضع خاص, وعلى سبيل المثال فنحن نجد هيرودوتس herodotos المؤرخ اليوناني يذكر لنا في أثناء حديثه عن الولايات، أن "الولاية الخامسة "من ولايات الإمبراطورية الفارسية" تمتد بين بوسيدونيون على الشاطئ السوري ... وبين مصر، ما عدا القسم الذي يسكنه العرب فهم لا يدفعون ضريبة" ثم يعدد في موضع آخر أسماء الشعوب التي لم تكن تدفع ضرائب للإمبراطور الفارسي ولكنها تقدم هدايا له, ويذكر من بينها العرب الذين كانوا "يقدمون ما يساوي ألف وزنة talentum من الطيوب سنويا"٢٢. ويبدو واضحًا من المقارنة بين النقش الفارسي وبين نصوص المؤرخ هيرودوتس أن المنطقة التي احتلها الفرس على عهد قورش الثاني تعرض فيها

стр. 458

النفوذ الفارسي لشيء غير قليل من التخلخل, إذ يذكر المؤرخ اليوناني أن الإمبراطور الفارسي دارا "٥٢١-٤٨٩ق. م." أخضع كل آسيا، ما عدا العرب "الذين لم يقدموا له طاعة العبودية" ولكنه كان مرتبطًا معهم برباط الصداقة حيث أمَّنوا لقمبيز "إمبراطور فارس من ٥٢٩-٥٢١ ق. م." الطريق إلى مصر "التي ما كان ليستطيعَ دخولها لولا موافقة -يقصد حسن نية- العرب" ويؤكد هذا القول في مواضع أخرى يذكر فيها أن العرب ساعدوا قمبيز عندما أراد احتلال مصر بأن أمنوا له الطرق وزودوه بالماء وتبادلوا معه العهود٢٣. وهكذا تكون العلاقة بين الفرس والعرب في هذه الفترة علاقة من نوع خاص، فالعرب في المنطقة القريبة من مصر هم الذين يسيطرون على مسالك الطرق الصحراوية المؤدية من المنطقة السورية "بالمفهوم الجغرافي" إلى مصر؛ ومن ثم فلا يمكن السيطرة عليهم سيطرة كاملة بالطرق التنظيمية التقليدية, ولكن الفرس في الوقت ذاته محتاجون إلى خدماتهم في تأمين الطرق أمام القوات الفارسية وإرشاد هذه القوات وتزويدها بالمياه على الطريق. وهكذا يتحول مفهوم العلاقة بين الفرس والعرب إلى خدمات متبادلة وعهود متبادلة، ويشير هيرودوتس في صراحة محددة إلى أن العرب حافظوا على عهودهم مع الفرس٢٤. غير أن المناطق العربية الواقعة في أقصى الشمال من شبه الجزيرة العربية لم تكن المناطق الوحيدة التي تعرض لها الفرس في شبه الجزيرة، ففي نص من عهد الإمبراطور الفارسي حشويرش "خشيارشاه الذي عرفه الكتاب اليونان باسم XERXES ٤٨٥-٤٦٥ ق. م." نجد هذا الإمبراطور يشير بشكل مباشر إلى امتداد حكمه على بلاد العرب, إذ يذكر بين قائمة الأماكن التي امتد حكمه إليها "ماكا والبلاد العربية" و "ماكا" هي دون شك ماكاي MAKAE التي يأتي ذكرها عند الكتاب الكلاسيكيين, كتسمية لقسم من الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية "عُمَان الحالية",

стр. 459

وهي التي عرفت في النصوص الأكدية "في وادي الرافدين" قبل ذلك باسم ماكان أو ماجان وهي "بالجيم الجافة"٢٥. أما بلاد العرب في هذا النص فيبدو بالمقارنة مع النصوص الآشورية أنها تعني المناطق الواقعة في شمالي شبه الجزيرة بين وادي الرافدين والمنطقة السورية, وإن كان لنا أن نستثني من هذا التعميم، المناطق التي كانت تسكنها القبائل العربية في جنوبي المنطقة السورية التي رأينا أن العلاقة بينها وبين الفرس كانت علاقة من نوع خاص.

стр. 460

المرحلة الثانية: العلاقات مع القوات الغربية الاسكندر الأكبر والدول المتأغرقة ... ٢- المرحلة الثانية: العلاقات مع القوات الغربية: أ- الإسكندر الأكبر والدول المتأغرقة: وقد بقيت السيطرة الفارسية على منطقة الشرق الأدنى حتى الشطر الأخير من القرن الرابع.ق. م. وفي خلال هذه السيطرة لنا أن نتصور أن علاقاتهم بالعرب في شبه الجزيرة بقيت على ما هو عليه بما في ذلك علاقتهم "الخاصة" مع العرب الموجودين في أقصى الطرف الشمالي من القسم الشمالي الغربي لشبه الجزيرة العربية في المنطقة الواقعة بين القسم الجنوبي لسورية والحدود المصرية. ولكن الشطر الأخير من القرن الرابع ق. م. شهد بداية مرحلة جديدة من علاقات العرب بالعالم الخارجي ظهر على امتدادها اتجاهان واضحان: الأول هو أن هذه العلاقات اتخذت اتجاها غربيا بالدرجة الأولى، وبخاصة في العصر المتأغرق عصر الدول التي قامت على أنقاض إمبراطورية الإسكندر في أول القرن الثالث ق. م. وامتدت حتى ظهور العصر الإمبراطوري الروماني في العقود الأخيرة من القرن الأول ق. م. وفي عصر الإمبراطورية الرومانية. أما

стр. 461

الاتجاه الثاني الذي اختلفت فيه هذه المرحلة عن المرحلة الخارجية فلم يعد قاصرًا على القسم الشمالي لشبه الجزيرة العربية، وإنما أصبح ينتظم كل شبه الجزيرة، بما فيها قسمها الجنوبي, وبخاصة المنطقة الجنوبية الغربية منه حيث منطقة إنتاج الطيوب ونقطة الانطلاق في تجارتها وهمزة الوصل في خطوط المواصلات بين الشرق والغرب في العالم القديم. ولعلنا نستطيع أن ندرك الأبعاد الحقيقية ولو بشكل جزئي لهذه المرحلة إذا رجعنا قليلًا إلى الوراء، ففي النصف الأول من القرن الخامس ق. م. بعد الصدام العسكري بين اليونان والإمبراطورية الفارسية "٤٩٠ و٤٨٠ ق. م." وهو أول صدام كبير بين اليونان والعالم الخارجي بدأ اليونان يظهرون قدرا متزايدا من الاهتمام بشئون العالم الشرقي الذي وصلت صورته إلى عقر دارهم في أثناء هذه الحروب التي دارت معاركها على الأراضي اليونانية أو في المياه اليونانية التي تفصل بين بلاد اليونان وبين الساحل الغربي لشبه جزيرة آسيا الصغرى حيث يوجد آخر امتداد غربي لولايات الإمبراطورية الفارسية, وكان أحد مظاهر الاهتمام هو التحقيقات التاريخية historiae التي شكلت كتابات المؤرخ اليوناني هيرودوتس في أواسط القرن الخامس ق. م. التي ظهر الحديث فيها عن شئون شبه الجزيرة العربية بشكل واضح، وهي كتابات أعقبتها احتكاكات أخرى سياسية وعسكرية بين اليونان والفرس وكتابات أخرى لرحالة مؤرخين وعلماء يونانيين بدأت فيها الكتابات عن شئون شبه الجزيرة تنتقل من دائرة المعلومات الموسوعية العامة إلى دائرة الحديث المتخصص وبخاصة عن الموارد الاقتصادية لهذه المنطقة، وأهمها، بطبيعة الحال، هو الطيوب. ثم جاء الشطر الأخير من القرن الرابع ق. م. بتطور جديد وحاسم في

стр. 462

العلاقات الدولية بين الغرب والشرق هي الفتوحات العسكرية التي قام بها الإسكندر الكبير ملك مقدونيا. لقد نقلت هذه الفتوحات علاقات الغرب بالشرق من مجرد مواجهات عسكرية محدودة أو علاقات سياسية في صورة أو في أخرى، بين الغرب والشرق لم تؤثر كثيرًا على الوضع القائم في علاقات هذين الجانبين، إلى مواجهة حاسمة سيطرت قوات الإسكندر على أثرها على الإمبراطورية الفارسية وبعض الأراضي المجاورة لها، أي: على أقسام كبيرة من منطقتي الشرق الأدنى والأوسط أحدقت بحدود شبه الجزيرة العربية ودفعت بالإسكندر إلى التفكير في غزو هذه المنطقة والاستعداد الفعلي لتنفيذ ذلك حتى تكتمل له حلقة الاتصال البحري الذي كان يرى فيه تدعيمًا لدائرة سيطرة عالمية شملت مناطق من الشرق والغرب. ورغم أن الحملة المزمعة لم تخرج إلى حيز التنفيذ بسبب الموت المفاجئ للإسكندر في ٣٢٣ ق. م. إلا أن الاستعدادات التي اتخذها بهدف القيام بهذه الحملة تمت عن آخرها. وفي هذا الصدد نجد الإسكندر يرسل عددًا من أعوانه، من بينهم قائده البحري أناكسكراتيس anaxikrates؛ ليجمعوا له كل المعلومات الممكنة عن الساحل الغربي وجزء من الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة، كما يرسل ثلاثة قواد بحريين آخرين، الواحد تِلْوَ الآخر؛ لاستكشاف الساحل للجزيرة وصل أحدهم وهو هييرون hieron إلى نقطة يعتقد أنها عند منطقة رأس الخيمة الحالية٢٧. وقد كان اهتمام الإسكندر بشبه الجزيرة العربية بداية لعلاقة نشطة بين اثنين من الدول المتأغرقة التي قامت على أنقاض إمبراطورية الإسكندر، هما دولة السلوقيين في سورية ودولة البطالمة في مصر من جانب، وبين شبه الجزيرة

стр. 463

العربية من جانب آخر. وقد جاء هذا الاهتمام نتيجة للصراع العنيف الطويل الذي شَبَّ بين خلفاء الإسكندر، وبخاصة بين هذين البيتين الحاكمين، وهو صراع استخدمت فيه كل أنواع الأسلحة بما فيها السلاح الاقتصادي على وجه التخصيص؛ ومن هنا يبدأ الاهتمام بمنطقة شبه الجزيرة العربية. فالسلوقيون الذين دخلت منطقة وادي الرافدين ضمن ملكهم لبعض الوقت، أقاموا عددًا من المستوطنات بين الفرات ومدينة جرهاء "على شاطئ شبه الجزيرة العربية المطل على الخليج" كما عقدوا اتفاقية مع هذه المدينة لتمدهم بالتوابل والطيوب لقاء عدم سيطرتهم السياسية عليها٢٨. أما عن البطالمة فنحن نجد بطليموس فيلادلفوس philadelphos "٣٠٨-٢٤٦ ق. م." ثاني ملوك هذه الأسرة الحاكمة، يرسل أرستون ariston ليستكشف له ساحل شبه الجزيرة العربية المطل على البحر الأحمر حتى المداخل الجنوبية لهذا البحر "مضيق باب المندب حاليا" حتى يتعرف على أصلح الأماكن التي تسهِّل له طريق المواصلات البحرية التي تخدم مصالحه التجارية التي شكلت قسما بارزا من اهتماماته إزاء الصراع الاقتصادي والسياسي والعسكري العنيف الذي كان سمة منطقة الشرق الأدنى والقسم الشرقي للبحر المتوسط في ذلك الوقت. كذلك نجد هذا الملك يعمل على اعتراض "طريق الطيوب والتوابل" الذي يصل بين العربية الجنوبية والبتراء "في الشمال" عاصمة الأنباط عقابًا لهم بسبب انضمامهم إلى جانب السلوقيين في الصراع البطلمي السلوقي، فيعقد اتفاقية مع اللحيانيين الذين كانوا يسيطرون على ديدان dedan "العلا الحالية" جنوبي مملكة الأنباط، كذلك نستطيع أن نتبين خطوة أخرى في هذا الاتجاه العام فيما أقدم عليه بعض التجار اليونان "من ميلتوس miletos على الساحل الغربي لشبه جزيرة آسيا الصغرى" من إقامة مستوطنة أمبيلوني ampelone على الساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية كميناء بحرية لمدينة

стр. 464

ديدان لصالح الملك ذاته. كما اهتم البطالمة، إلى جانب ذلك بتأسيس أو تشجيع ورعاية عدد من المستوطنات اليونانية على الساحل الغربي لشبه الجزيرة؛ لتأمين الخط التجاري البحري في البحر الأحمر٢٩. وقد كانت نتيجة ذلك كله أن الخط الجديد للمواصلات التجارية البحرية في البحر الأحمر ازدهر على حساب القسم الشمالي من الخط التجاري البري الطولي في شبه الجزيرة؛ مما أثر على اقتصاديات مملكة الأنباط. وفي هذا المجال يذكر لنا سترابون الجغرافي اليوناني، أن السلع التي كانت تأتي بحرًا إلى ميناء ليوكي كومي leuke kome "القرية البيضاء" على القسم الشمالي من ساحل شبه الجزيرة المطل على البحر الأحمر،" في داخل منطقة الأنباط" ومنها برًّا إلى البتراء حيث تجد طريقها إلى الموانئ الفينيقية، أصبحت تصل الآن رأسًا "بالطريق البحري" إلى ميناء ميوس هورموس myos homos على الساحل المصري المقابل، ومنها بالطريق البري إلى النيل عند منطقة طيبة، ثم عن طريق النيل إلى الأسكندرية٣٠. وقد كانت نتيجة هذا التأثير السيئ "ولو بشكل جزئي" على اقتصاديات الأنباط ما أدى بهؤلاء إلى مهاجمة السفن التجارية التي تقلع من الموانئ المصرية، ولكنهم كفوا عن ذلك "بعدما أدبهم المصريون" حسب تعبير سترابون٣١.

стр. 465

ب- العلاقات مع الإمبراطورية الرومانية: ولكن الدول المتأغرقة، بما فيها مصر وسورية، كانت قد بدأت في التدهور لتحل محلها على المسرح الدولي قوة جديدة، وهي روما التي كان ظهورها كقوة قد بدأ بشكل تدريجي منذ القرن الثالث ق. م. وحين أطلت العقود الأخيرة من القرن الأول ق. م. كانت هذه القوة، التي صبحت الآن

стр. 466

إمبراطورية, قد بدأت تفصل في أمور المناطق المتاخمة لسواحل البحر المتوسط في الشرق وفي الغرب. وقد اتجهت الإمبراطورية الرومانية بأنظارها إلى شبه الجزيرة العربية لسببين رئيسيين: أولهما هو الرخاء الكبير الذي كان يسود المجتمع الروماني آنذاك، وهو رخاء كان أحد مظاهره استهلاك غير عادي في حجمه من جانب المجتمع الروماني للطيوب والتوابل التي كان قسم منها يأتي من العربية الجنوبية، بينما يمر القسم الباقي الذي يأتي من مناطق أخرى بشواطئ العربية الجنوبية, ليصل عن الطرق البرية أو البحرية من هناك إلى أصحاب رءوس الأموال "أو طبقة الفرسان equites كما كانت تُدْعَى في روما آنذاك" التي كانت تسيطر على جوانب كثيرة من الاقتصاد الروماني، من بينها التجارة الخارجية التي كانت في أغلبها تجارة شرقية والتي كانت أغلى سلعها هي الطيوب والتوابل. وإلى جانب ذلك فقد كانت هناك ظروف أخرى وجهت نظر روما إلى شبه الجزيرة العربية وموانئها, فبعد استيلاء روما على سورية وتحويلها إلى ولاية رومانية نجحت في ٣٠ ق. م في غزو مصر وتحويلها بدورها إلى ولاية أخرى من ولاياتها، وهنا شعرت روما أنها بحاجه إلى تدعيم هذه الحدود الشرقية لإمبراطوريتها إزاءَ غارات المناطق الواقعة على الأطراف الغربية لشبه الجزيرة العربية، والتي كانت تهدد هذه الحدود الشرقية سواء في أرضها أو مواصلاتها. كذلك كانت هناك قوة شرقية كبيرة، وهي الدولة الفرثية "البارثية" في إيران، التي كانت في حالة صراع شبه دائم مع الرومان، استمر سجالًا ابتداء من القرن الأول ق. م. وقد تسبب هذا العداء في تهديد الفرثيين للطريق التجارية البرية الواقعة في أقصى الشمال من شبه الجزيرة العربية التي كانت تربط روما بالشرق الأقصى مرورًا بآسيا الصغرى، ومن هنا اتجه الرومان إلى معالجة هذا الوضع بطريقتين، إحداهما هي البحث عن وسيلة لتأمين هذا الخط البري الواقع في شمالي شبه الجزيرة بشكل أو بآخر,

стр. 467

والثانية بتعويض هذه الطريق بالسيطرة في حدود الإمكان على المناطق التي تمر بها الطريق التجارية البحرية من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي، والتي يشكل القسم الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة العربية نقطة حيوية تتحكم عند نقطة التقاء البحر بالمحيط٣٢. وفي إطار هذه الظروف جميعًا كانت تدور علاقات الرومان بالتجمعات أو التكوينات السياسية في شبه الجزيرة العربية، وهي علاقات تعرضت من خلالها روما إلى ثلاث مناطق في شبه الجزيرة هي، حسب الترتيب الزمني: اليمن أو المنطقة الجنوبية الغربية، ومملكة الأنباط في القسم الشمالي الغربي، ثم مملكة تدمر في أقصى الشمال. وكان أول نشاط الرومان في هذا المجال هو الحملة التي أرسلها أغسطس augustus, أول الأباطرة الرومان، إلى منطقة سبأ في العربية الجنوبية عام ٢٥ ق. م. تحت قيادة إيليوس جالوس aelius gallus الوالي الروماني على مصر آنذاك. ويذكر لنا سترابون أن هناك اعتبارين وراء هذه الحملة: أحدهما هو السيطرة على مداخل البحر الأحمر إما عن طريق كسب العرب إلى صفه أو إخضاعه لهم. والاعتبار الآخر هو ما سمعه أغسطس عن الثروة الهائلة لهذه المنطقة التي تكثر بها الطيوب والتوابل؛ الأمر الذي أغراه بإرسال هذه الحملة حتى يتمكن من "أن يتعامل معهم كأصدقاء أغنياء أو أن يسيطر عليهم كأعداء أغنياء"٣٣ وهو تعليل يوضح تفاصيل كثيرة وصحيحة تدور كلها حول هذين الاعتبارين، كما يذكر سترابون عاملًا شجع أغسطس على هذه الحملة، وهو ما وعده به الأنباط من مساعدة في تنفيذها عن طريق إرشاد القائمين عليها إلى طرقات المنطقة وتعريفهم بأرضها٣٤.

стр. 468

وقد أبحر إيليوس جالوس بحملة من ميناء أرسينوي arsinoe المصرية عند الطرف الشمالي الشرقي لخليج القلزم "السويس حاليًا" ونزل بجنوده في ليوكي كومي leuke kome التي تقع على خط عرض ٢٥ شمالًا على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وهي آخر موانئ الأنباط جنوبًا على هذا الساحل، ومن هنا كان على الحملة أن تقطع المسافة الباقية إلى سبأ عن طريق الصحراء وهي مسافة تصل إلى ١٤٠٠ كيلومتر أو تزيد. وقد تعرضت الحملة على طول هذه المسافة إلى مصاعب لم تكن في حساب القائد الروماني، منها قلة المياه على الطريق وقلة مواد التموين, ومنها كذلك الأمراض المتوطنة التي تعرض لها قسم كبير من الجنود, ثم عدم توفر الطرق الصالحة لسير تشكيلات كبيرة من الجنود مما جعل هذه الحملة تستمر في طريقها ستة أشهر كاملة قبل أن تصل إلى حدود سبأ, بكل ما تعنيه هذه المدة الطويلة من صعوبات سواء اتخذت هذه الصورة تكاليف مادية أو هبوطًا في الروح المعنوية للجنود. وحين وصلت هذه الحملة أخيرًا إلى سبأ لم تستطع أن تحقق هدفها الأساسي وهو الاستيلاء على عاصمة المملكة التي كان أغسطس يرمي إلى السيطرة عليها فقد وصل جالوس إلى مدينة يدعوها المؤرخ بلينيوس ماربه mariba "وربما تكون مأرب العاصمة" وبعد حصار دام ستة أيام اضطر أن يعود أدراجه؛ إذ لم يكن لديه من الماء ما يكفي لاستهلاك جنوده في حصار أطول من هذا، وبذلك تكون الحملة قد انتهت دون تحقيق هدفها العسكري. كذلك نسمع عن حملة رومانية أخرى أرسلها الإمبراطور أغسطس عن طريق البحر في وقت لاحق "ربما بعد عشرين سنة" إلى هذه المنطقة تحت قيادة ابنه بالتبني جايوس قيصر gaius caesar. ويبدو أن هذه الحملة لم تستغرق وقتا أو جهدا كبيرا إذ يذكر لنا الكاتب الروماني بلينيوس أن هذا القائد "لم يفعل أكثر من إلقاء نظرة سريعة على بلاد الغرب"٣٥.

стр. 469

ولكن يبدو مع ذلك أن كلًّا من الحملتين, أو إن الحملتين في مجموعهما, قد حققتا الهدف الاقتصادي والسياسي بالنسبة لروما. وهناك أكثر من دليل يشير إلى هذه النتيجة, فمن جهة يذكر لنا كاتب يوناني وصل إلينا كتابه وإن لم يصلنا اسمه أن "قيصر" أخضع عدن ٣٦eudaemon. وسواء أكانت تسمية "قيصر" تعني جايوس قيصر قائد الحملة البحرية أو تشير إلى أغسطس الذي كان يشار إليه عادة باسم قيصر، فالنتيجة واحدة. كذلك يذكر لنا بلينيوس أن جايوس قيصر قد "حصل على شهرة واسعة"٣٧ من وراء هذه الحملة, وهو حديث يدل على أن روما حققت هدفًا ملموسًا من وراء حملته. فإذا تذكرنا أنه لم يفعل في هذه الحملة أكثر من مجرد الظهور على سواحل الغربية الجنوبية يكون معنى هذا أن الحملة الأولى لم تكن فاشلة تماما في جانبها السياسي بحيث إن مجرد ظهور القوة الرومانية مرة أخرى بعد نحو عشرين سنة -وهي المدة المرجحة بين الحملتين- كان كافيا في حد ذاته لإخضاع عدن "حتى ولو أخذنا هذا الإخضاع بأقل معانيه وهو حصول روما على امتيازات في هذه الميناء". وأما الشاهد الأخير فهو شاهد أثري مؤداه أن حوالي نصف العملة الرومانية التي وجدت في الهند ترجع إلى عهد كل من الإمبراطور أغسطس والإمبراطور تيبريوس Tiberius ثاني الأباطرة الرومان. ومعنى هذا أن التجارة الرومانية مع الهند قد نشطت نشاطا كبيرا في هذه الفترة٣٨, وغني عن البيان أن نقطة الوسط في طريق التجارة بين روما والهند تشغلها السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية، الأمر الذي يدل على أن روما، إن لم تكن قد وضعت المنطقة تحت نفوذها, تكون قد حصلت على تسهيلات تجارية كبيرة في موانيها.

стр. 470

هذا فيما يخص علاقة روما بجنوبي شبه الجزيرة العربية. أما في القسم الشمالي من شبه الجزيرة، فقد احتكت روما، كما أسلفت، بمنطقتين أساسيتين إحداهما مملكة الأنباط والأخرى مملكة تدمر. وفيما يخص مملكة الأنباط فإن أول ظهور واضح لها في مجال السياسة الخارجية كان في مجال العلاقات مع الإمبراطورية الرومانية. وفي هذا المجال نجد أن الرومان يعتمدون على الوزير النبطي سللايوس syllaeus "الشلاء أو الصلاء" ليرشد القوات الرومانية في طريقها إلى العربية الجنوبية. وقد عانت الحملة الرومانية كثيرًا، كما رأينا، من هذه الطريق التي استمر السير فيها ستة أشهر كاملة، قبل الوصول إلى هدفها، وهو أمر أثار الشك عند أحد الكتاب الذين عاصروا الحملة وهو سترابون الذي كان صديقا شخصيا لقائدها الروماني إيليوس جالوس, فيذكر لنا هذا الكاتب أن الوزير النبطي قد تعمد تضليل الحملة، وأنه كان يهدف من وراء ذلك إلى القضاء عليها أو إفشال هدفها بعد أن تكون قد دمرت بعض المدن التي قد تبدي شيئًا من المقاومة، ومن ثم يتمكن سللايوس بعد ذلك من فرض سيادته على كل المنطقة معتمدًا في مخططه هذا على ضعف شخصية الملك النبطي عبيدة Obodas. ثم ينهي الكاتب حديثه باكتشاف روما, بعد إخفاق الحملة، لأهداف سللايوس وإعدامه عقابًا على مجموعة أخطاء من بينها هذه الخديعة٣٩. وقد كان الوزير النبطي سللايوس رجلا ذا شخصية قوية فعلا، وربما أقدم على هذه الخديعة، وربما لم يقدم عليها كما يذهب بعض الباحثين٤٠, ولكن تبقى في النهاية حقيقة لا تقبل الجدل وهي أن روما قد حاكمته وأعدمته

стр. 471

فعلا، ومعنى هذا أنها وجدت من حقها ومن سلطانها أن تقدم على هذا التصرف، وهو تصرف نرجح أمامه أن مملكة الأنباط، رغم عدم تبعيتها من الناحية الرسمية لروما، إلا أنها في ضوء هذا الظرف لا بد أنها كانت داخلة في دائرة نفوذ الإمبراطورية الرومانية. ويدعم هذا الترجيح أن الكاتب نفسه "سترابون" يذكر في موضع آخر من كتابه أن الأنباط كانوا قد أصبحوا في الوقت الذي كتب فيه "أواخر القرن الأول ق. م. وأوائل القرن الأول الميلادي" من رعايا روما٤١ رغم أن مملكة الأنباط لم تصبح ولاية رومانية من الناحية الرسمية إلا بعد ذلك بقرن وربع تقريبًا. ويؤكد دخول مملكة الأنباط في دائرة النفوذ الروماني في الفترة التي نحن بصدد الحديث عنها "الربع الأخير من القرن الأول ق. م" أن الإمبراطور أغسطس كاد يطيح بالحارثة "aretas عند الرومان" الملك النبطي الذي اعتلى العرش بعد موت عبيدة؛ لأنه لم يستأذنه قبل اعتلاء العرش٤٢. ويرجع السبب الذي أدى بالإمبراطورية الرومانية إلى مد نفوذها على مملكة الأنباط إلى ظروف تتعلق بإقرار الأمور على الحدد الشرقية لهذه الإمبراطورية. وهي ظروف كانت تستوجب من أغسطس موقفا حازما على هذه الحدود؛ إذ كان للسلام السائد في هذه المنطقة ألا يتعرض لأية هزات في غير صالح روما. فقُبَيْل هذه العلاقات الرومانية النبطية كانت هناك ظروف في المنطقة تحمل بذور الاضطراب على الحدود الرومانية في الشرق. فالعلاقات بين سلّلايوس، الوزير النبطي، وبين هيرودوس herodos، ملك يهوذا "اليهودية" كانت قد تعقدت بعض الشيء مما أدى بالوزير النبطي إلى أن يحرِّض على قيام بعض الحركات الثورية ضد هيرودوس, الأمر الذي دفع

стр. 472

هذا الأخير إلى مهاجمة الأراضي النبطية٤٣. وكان طبيعيًّا في وسط هذه الظروف المشحونة بالاضطرابات أن يتخلخل نفوذ روما بعض الشيء في المنطقة مما أغرى سللايوس باغتيال أحد المسئولين الرومان, ومن هنا نستطيع أن نفهم التصرف الذي أقدم عليه أغسطس وهو فرض النفوذ الروماني على مملكة الأنباط إقرارًا للأمور على الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية، وهو أمر كان من الأهداف الأولى لهذا الإمبراطور. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد كان الفرثيون لا يفتئون من حين لآخر يحاولون توسيع حدود إمبراطوريتهم "الإمبراطورية الفارسية" أو مناطق نفوذها نحو الغرب على حساب حدود الإمبراطورية الرومانية ومناطق نفوذها كما كان الفرثيون يهددون بالذات الطرق التجارية التي تصل روما بالشرق الأقصى. ومن هنا كانت البتراء، عاصمة الأنباط، سواء بموقعها الذي تحصنه التكوينات الصخرية المرتفعة من أغلب جهاتها، أو بموقعها التجاري الحيري على الخط التجاري الذي يصل بين شمالي شبه الجزيرة العربية وجنوبيها، موقعًا يشكل نقطة إغراء بالنسبة لروما، سواء في التحرز ضد أي اجتياح فارسي، أو من حيث ضمان التحكم في أحد الخطوط التجارية الرئيسة. وهكذا ابتدأت تبعية المملكة النبطية بهذا الشكل غير الرسمي ليصل الأمر إلى ضم روما لهذه المملكة كولاية من ولاياتها تحت اسم "الولاية العربية" provincia arabia في ١٠٥م على عهد الإمبراطور الروماني ترايانوس٤٤. ثم نأتي إلى المنطقة الثالثة "من مناطق شبه الجزيرة العربية" التي كانت لها علاقات مع الإمبراطورية الرومانية وهي تدمر. وأول مناسبة نسمع فيها عن علاقات بين هذه المدينة والإمبراطورية الرومانية هي في ١٧م على عهد

стр. 473

الإمبراطور تيبريوس "١٤-٣٧م" ففي هذه السنة نجد قرارات رومانية تتعلق بالجمارك الخاصة بهذه المدينة٤٥. أما عن السبب الذي أدى بدخول تدمر في دائرة النفوذ الروماني فيكمن في عاملين متداخلين يتعلقان، كما سبق أن رأينا في حالة مملكة الأنباط، بوجود الخطر الفارسي في الشرق. إن توترًا كان يشوب العلاقات الرومانية الفارسية بشكل يكاد يكون مستمرًّا، وكان هذا التوتر يعبر عن نفسه في شكلين متكاملين. والشكل الأول هو محاولة دائبة من جانب الفرس لقطع الطرق التجارية التي تصل الإمبراطورية الرومانية بتجارة الشرق الأقصى عبر آسيا الوسطى، أو على الأقل تهديد هذه الطرق. وأما الشكل الثاني فهو انفجار هذا التوتر بشكل مسلح, كثيرا ما كان يقع على الحدود الفاصلة بين الإمبراطوريتين الكبيرتين. وقد كانت تدمر تقع فيما يمكن أن نسميه المنطقة الحرام الواقعة قرب هذه الحدود: إلى شرقيها يقع وادي الرافدين الذي يسيطر عليه الفرس, وإلى غربيها تقع سورية التي يسيطر عليها الرومان، ثم في وسط موقعها يمر الخط التجاري المهم الذي يوصل بين الشرق والغرب في أقصى الشمال من شبه الجزيرة العربية. ولعل هذا الموقع الحساس في نقطة الوسط بين الإمبراطوريتين هو الذي حدد شكل العلاقة بين روما وبين هذه الواحة في قلب الصحراء، بحيث اختلفت هذه العلاقة عما رأيناه بين روما وبين مملكة الأنباط. ذلك أن منطقة الأنباط كانت تقع على الحدود المباشرة للإمبراطورية الرومانية، ومن هنا كانت روما تستطيع أن تلجأ معها إلى سياسة العصا الغليظة، سواء في حالة التبعية غير المباشرة أو التبعية الرسمية كولاية رومانية كما رأينا في أكثر من مثال في أثناء الحديث عن هذه العلاقة. ولكن الوضع كان مختلفًا في حالة تدمر فهي على الحدود بين الخصمين اللدودين ومن ثم يصبح من السهل عليها إذا

стр. 474

ضغط عليها طرف أكثر من اللازم, أن تنقل ولاءها للطرف الآخر. ومن هنا فإن سياسة الإمبراطورية الرومانية إزاءها اتسمت منذ البداية بشيء غير قليل من الليونة التي تركت لهذه المدينة كثيرًا من الاستقلال في الحركة المستقلة رغم تبعيتها للإمبراطورية الرومانية, سواء بشكل غير رسمي أو بشكل رسمي بعد ذلك. وفي ضوء هذا المفهوم نجد تدمر هي والمدن الصغيرة التابعة لها, تنتقل من النفوذ الروماني الصامت إلى تبعية واضحة للإمبراطورية الرومانية على عهد الإمبراطور هادريانوس hadrianus "١١٧-١٣٨م" وعلى أثر زيارة قام بها هذا الإمبراطور للمدينة في ١٣٠م تدشن هذه التبعية ليصبح اسم المدينة بالميرا هادريانا palmyra hadriana "أي: تدمر الهادريانية، إذ كان اسم تدمر عند الرومان هو بالميرا, أي: مدينة النخيل بسبب الأعداد الهائلة من النخيل التي كانت موجودة بها". ثم نجد الإمبراطور سبتميوس سيفيروس septimius severus "١٩٣-٢١١ م" يحولها هي والمدن التابعة لها إلى مدن لها وضع مدن الولايات الرومانية، وأخيرًا تصبح تدمر في أوائل القرن الثالث الميلادي ولاية رومانية رسمية. ولكن في كل هذه الأحوال اكتفت روما بالتبعية الاسمية من جانب هذه المدينة تاركة لها قدرًا يكاد يكون كاملًا من الاستقلال الإداري الذي وصل إلى درجة الحكم الذاتي٤٦.وقد قابلت المدينة هذا الموقف من جانب روما بشيء كثير من الولاء في خدمة مصالح الإمبراطورية الرومانية. ففي أثناء الصراع الطويل الذي نشب بين الرومان والساسانيين "الذين خلفوا حكم الفرثيين في الإمبراطورية الفارسية" وقفت تدمر في جانب الرومان ووصل الأمر في ٢٦٠م إلى موقف من جانب تدمر ظهر فيه قدر كبير من الإيجابية إزاء الرومان. ففي ذلك العام

стр. 475

نجد الإمبراطور الفارسي شابور الأول يغزو قسمًا كبيرًا من سورية -التي كانت ولاية رومانية- ويأسر الإمبراطور الروماني فاليريانوس valerianus, وهنا يتدخل أذينة "أوديناتوس odenatus عند الرومان" أمير تدمر لصالح الرومان وينجح في مطاردة الإمبراطور الفارسي شابور إلى حدود عاصمة طيسفون ctesiphon "المدائن فيما بعد، طاق كسرى الآن على حدود بغداد". وكانت النتيجة التي ترتبت على ذلك هي مزيد من الثقة الرومانية التي جعلت الرومان يعطون هذا الأمير التدمري في ٦٦م سلطة فعلية على بعض الولايات الرومانية وهي سورية والعربية الشمالية وربما أرمينية، وإن كانت السلطة الاسمية التي أضفاها عليه الإمبراطور الروماني جالينيوس٤٧ galienus "٢٥٣-٢٦٨ م"٤٧. ولكن مع ذلك فإن المنطلق الأساسي للسياسة الرومانية إزاء تدمر كان بطبيعة الحال هو المصلحة الرومانية في المقام الأول. وعلى هذا فحين شكت روما في بعض تصرفات البيت الحاكم التدمري نجد هذا الأمير "أذينة" وابنه يغتالان في حمص، على أرجح الظن, بتدبير من روما. ويتكرر موقف روما المنبثق من مصالحها في عهد الملكة الزباء "زينوبيا zenobia" التي خلفت زوجها أذينة كوصية على ابنها الصغير وهب اللات "فابالاتوس VABALATUS". وقد سبق أن رأينا في مناسبة سابقة أن الرومان وسعوا نطاق سلطتها مكافأة لها على رعاية مصالح الإمبراطورية الرومانية؛ لتمتد، إلى جانب تدمر، إلى سورية وشمالي الجزيرة العربية. ولكن حين حاولت هذه الملكة الطموحة أن تنتهز انشغال الإمبراطور الروماني أورليانوس aurelianus في بعض الحروب لتمد نفوذها على بعض المناطق في مصر وفي آسيا الصغرى عاجلها الإمبراطور

стр. 476

واجتاحت قواته مدينتها ودمرتها في ٢٧٢م وأخذت الملكة أسيرة لتسير في موكب النصر الإمبراطوري في روما٤٨.

стр. 477

المرحلة الثالثة: العرب بين قوى الشرق والغرب مدخل ... ٣- المرحلة الثالثة: العرب بين قوى الشرق والغرب: طوال المرحلة التي ابتدأت في العقود الأخيرة قبل الميلاد وامتدت حتى الشطر الأخير من القرن الثالث الميلادي رأينا العلاقات العربية تتجه أساسا نحو الغرب، حيث الإمبراطورية الرومانية بنشاطها العسكري والسياسي الدائب. ورغم وجود الإمبراطورية الفارسية في تحفز دائم نحو الشرق ومتاخمة حدودها لحدود الإمبراطورية الرومانية عبر القسم الشمالي من شبه الجزيرة العربية، إلا أن شبه الجزيرة دارت بشكل أو بآخر في دائرة النفوذ الروماني، وفي قسم من المنطقة على الأقل، وهو القسم الشمالي، جاء الوقت الذي دخلت فيه في تبعية مباشرة للإمبراطورية الرومانية التي أدارت معها حوارا دائما، إذا جاز لي أن أستخدم هذا التعبير المجازي، في ليونة مرة وفي ضغط أو عنف مرة، وأولتها ثقتها في بعض الأحيان، ووضعتها في ظل الشك في أحيان أخرى حتى جاء عام ٢٧٢م الذي دمر فيه الإمبراطور الروماني أورليانوس مملكة تدمر لتختفي هذه المدينة ككيان سياسي من المسرح التاريخي.

стр. 478

أ- الإمارات العربية الحدّية: وقد شهدت الفترة التي تلت هذا الحدث واستمرت حتى ظهور الدعوة الإسلامية في بدايات القرن السابع الميلادي, ظروفًا من نوع جديد أدت إلى اتخاذ العلاقات العربية الخارجية اتجاهين جديدين. وأول هذين الاتجاهين هو أن الصراع بين القوتين الكبيرتين اللتين تحيطان بشبه الجزيرة العربية من الشرق ومن الغرب، رغم استمرار ما بينهما من توتر كان يصل إلى الصدام العسكري السافر في بعض الأحيان "كما حدث على سبيل المثال في أواسط القرن السادس

стр. 479

حين هاجم الإمبراطور الفارسي خسرو "كسرى" أنوشروان أراضي الإمبراطورية الرومانية فاجتاح سورية وأسقط أنطاكية ودمرها عن آخرها"٤٩، إلا أن ظروفًا جديدة كانت قد ظهرت في غضون القرن الثالث الميلادي أدت إلى اعتماد هاتين الإمبراطوريتين على إمارتين عربيتين حديتين, كل منهما تتبع قوة من القوتين الكبيرتين وتدافع عن حدود هذه القوة في مجابهة القوة الأخرى، وفي بعض الأحيان كان الأمر ينتهي بأن ينحصر الصراع بين هاتين الإمارتين نفسيهما, دفاعًا عن مصالح القوى الكبرى. وقد انقسمت الظروف التي أدت إلى هذا الوضع إلى قسمين بعضها خارجي يخص الدولتين الكبيرتين, وبعضها داخلي يخص شبه الجزيرة. وفيما يخص الظروف الخارجية نجد أن كلًّا من هاتين القوتين شهد تغييرات في غضون القرن الثالث والذي يليه كان لها أثرها على اتجاه كل منهما. ففي الغرب كانت القبائل الجرمانية المتبربرة قد بدأت مواقعها ووقعها على حدود الإمبراطورية الرومانية وتلت ذلك فترة من التدهور انتهت بتقسيم الإمبراطورية من الناحية الفعلية في عهد الإمبراطور قسطنطين "٣٠٦-٣٣٧م" الذي اتخذ بيزنطة "على مداخل البحر الأسود" عاصمة له بعد أن أعاد تسميتها لتصبح القسطنطينية. ثم انتهى الأمر بتكريس رسمي لهذا التقسيم الفعلي في ٣٩٥م. كما شهدت هذه الإمبراطورية الرومانية الشرقية التي بدأت تعرف باسم الإمبراطورية البيزنطية عددًا من الصراعات العسكرية على عرش الإمبراطورية أثر إلى حد ملموس على فاعليتها في مجال الصراع الخارجي. أما فيما يخص الإمبراطورية الفارسية فكانت قد شهدت اضطرابا داخليا حول الحكم انتهى بسقوط الأسرة الحاكمة الفرثية وقيام الأسرة الساسانية مكانها في ٢٢٦م لتنشغل بعد ذلك بعض الوقت في تثبيت دعائم حكمها في الداخل وسيطرتها على إمبراطوريتها في الخارج.

стр. 480

فإذا نظرنا إلى داخل شبه الجزيرة العربية وجدنا تحركات من نوع آخر تأخذ مجراها في منطقة الهلال الخصيب في القسم الشمالي من شبه الجزيرة, ففي غربي هذا القسم كانت بعض القبائل التي ربما جاءت مهاجرة من اليمن قد بدأت تستقر على الحدود السورية وهم بنو غسان. بينما كانت تجمعات قبلية أخرى قد بدأت تستقر في القسم الشرقي من الهلال الخصيب على الحدود الغربية للفرات وهم بنو تنوخ الذين كانوا ينتمون إلى تجمع أكبر هو قبائل اللخميين. وانتهى الأمر، كما مر في مناسبة سابقة إلى أن أصبح كل من هذين التجمعين القبليين يشكل كيانا أساسيا يمكن أن نسميه دولة أو إمارة، ما لبثت أن دخلت في علاقة تبعية مع الدولة الكبيرة المتاخمة لها، فالغساسنة دخلوا في دائرة النفوذ البيزنطي والتنوخيون "أو اللخميون" دخلوا في دائرة النفوذ الفارسي. وقد أدت كل من الإمارتين دورها كدولة حدية تحمي حدود القوة الكبيرة التي تتبعها ضد غارات الإمارة الأخرى كما حدث في الشطر الأوسط من القرن السادس الذي شغلته سلسلة من الحروب الضارية بين كل من الحارث "الثاني" بن جبلة الغساني، والمنذر "الثالث" بن ماء السماء اللخمي, ولكن مع ذلك فإن دور هاتين الإمارتين لم يكن كلمة تبعية للدولتين الكبيرتين. ففي عام ٥٦٣م، على سبيل المثال, نجد الحارث الثاني يذهب إلى القسطنطينية وينتزع من الإمبراطور البيزنطي يوستنيانوس "جستنيان" الأول موافقة على تعيين يعقوب البردعي أسقفًا للعرب السوريين على المذهب المونوفيزي رغم مخالفة هذا المذهب للمذهب الرسمي البيزنطي، رغم أن الدولة البيزنطية كانت تعتبر نفسها حامية لهذا المذهب في العالم المسيحي، كذلك نجد المنذر الأول اللخمي "٨١٤-٨٦٢م" يقوم بدور يتخطى حدود التبعية الإمبراطورية الفارسية, فيتدخل في شئون العرش الفارسي ذاته، كما حدث

стр. 481

حين فرض على رجال الدين الفرس أن يتوجوا بهرام "الذي كان ربيبًا لوالده" في مواجهة منافس قوي من أمراء البيت الحاكم الإمبراطوري٥٠. ولكن مع ذلك فإن هذا القدر من حرية الحركة بالنسبة لأمراء هاتين الإمارتين يبدو أنه لم يكن واردًا إلا في حالات إما تعتمد على الشخصية القوية لأحد هؤلاء الأمراء أو ترتبط بظروف تخلخل مؤقت في الأسرة الحاكمة في إحدى الدولتين الكبيرتين. أما الخط الأساسي الذي أثبت نفسه بصفة متواترة فقد كان دائما حرص هاتين الدولتين على إزاحة أي أمير من هؤلاء الأمراء من الطريق إذا بدأت تصرفاته تثير الشك في مدى ولائه للدولة التي يتبعها. وقد مر بنا في مناسبة سابقة موقف الإمبراطور البيزنطي تيبريوس الثاني الذي ساق كلًّا من الحارث الثاني وابنه النعمان إلى السجن في المنفى حين بدأ الشك يساوره في تصرفات كل منهما, كما رأينا، على الجانب الآخر, الإمبراطور الفارسي يعين بعد النعمان الثالث اللخمي أميرا من طيء هو إياس بن قبيصة "٦٠٢-٦١١م" ويعين إلى جانبه مقيما فارسيا أخذ في قبضته زمام الأمور ليصبح الأمير العربي مجرد من أية سلطة فعلية٥١.

стр. 482

ب- الدين والسياسة في الصراع الدولي: وأنتقل الآن إلى الحديث عن الاتجاه الثاني الذي سارت فيه العلاقات الخارجية العربية في المرحلة التي نحن بصدد الحديث عنها. وهذا الاتجاه يشكله تداخل العامل الديني في نسيج هذه العلاقات الخارجية وهو أمر بدأ يظهر بوضوح خاص في القرن السادس الميلادي في الصراع الثنائي بين الفرس والبيزنطيين على السيطرة على القسم الجنوبي من شبه الجزيرة العربية، وفي هذا الصراع تدخل الحبشة كقوة من الدرجة الثانية تساند سياسة الحكومة البيزنطية

стр. 483

وتنفذها، وإن كانت الأمور لا تثبت دائمًا على هذا الوضع فتتخذ هذه الدولة مواقف تبدو فيها كأنها بدأت تعمل لحسابها. ونحن نجد مثالًا على ذلك في حادثة الأخدود حين أحرق "ذو نواس" الملك الحميري اليهودي في ٥٢٣م عددًا كبيرًا من المسيحيين في فترة الصراع الديني الذي نشب بين المسيحية واليهودية في نجران. لقد أرسل المسيحيون يستنجدون بالإمبراطور البيزنطي يوستين "جستن justin" الأول الذي كان يعتبر نفسه حاميا للمسيحية والمسيحيين أينما وجدوا. لقد كتب يوستين إلى نجاشي الحبشة، وهو ملك أقرب دولة مسيحية للمنطقة ليخف لنجدة المسيحيين, وكان بذلك يعمل في حقيقة الأمر على مد نفوذه على العربية الجنوبية حتى يبعدها عن نفوذ الإمبراطورية الفارسية التي كانت تسعى جاهدة لأن تجد لنفسها موطأ لقدم في المنطقة. وقد تدخلت القوات الحبشية وانتصرت في مناسبتين؛ مرة في ٥٢٣م تحت قيادة أرباط، ومرة في ٥٢٥م تحت قيادة أبرهة. ولكن الأحباش الذين دخلوا كمنجدين بقوا كمستعمرين لمدة نصف قرن حتى ٥٧٥م٥٢. وقد شهد هذا العام تكملة، ولكن من الجانب الآخر، لهذا الصراع الديني السياسي المتداخل الذي عرفته العلاقات العربية في الفترة التي نحن بصدد الحديث عنها. فنحن نسمع في ذلك العام عن حركة وطنية يقودها سيف بن ذي يزن وهو من سلالة البيت الحاكم الحميري قبل الاستعمار الحبشي، وفي هذه الحركة يحاول هذا الأمير أن يستنجد بالإمبراطور البيزنطي لإنهاء الحكم الحبشي، ولكن دون جدوى، فسياسة بيزنطة هي محاولة احتواء العربية الجنوبية عن طريق دولة مسيحية صديقة حتى تبعد المنطقة عن النفوذ الفارسي. وهنا يتوجه الأمير العربي حيث ينجح، عن طريق أمير الحيرة في الحصول

стр. 484

على نجدة من الإمبراطور الفارسي الذي وجد في هذا الموقف فرصة لمد النفوذ الفارسي إلى المنطقة. وهنا مرة أخرى كما حدث في حالة التدخل الحبشي، بدأ الفرس كمنجدين وانتهى الأمر بهم كمستعمرين، وتحولت العربية الجنوبية إلى ولاية "ستربية" فارسية حتى عام ٦٢٨م٥٣. على أن أمورًا أخرى كانت قد بدأت تجد في وسط شبه الجزيرة في ذلك الوقت, ففي أوائل القرن السابع كان الرسول ﷺ قد بدأ يرسي في منطقة الحجاز، الدعوة الإسلامية الوليدة. وقد قدر لهذه الدعوة أن تغير مجرى التاريخ لقرون طويلة تالية، وأن تغير معه كل ما يتصل بالمجال الدولي من علاقات وأبعاد.

стр. 485

الملاحق اللوحات ... ١- اللوحات المصادر: - مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية، إدارة الآثار والمتاحف، المملكة العربية السعودية، ١٣٩٥هـ - ١٩٧٥م. - breasted, j.h.: ancient times, A History of the Early World, boston ١٩٤٤. - Broadman, J.: Greek Art, London, ١٩٦٤. - Hitti, Ph. K.: History of the Arabs "٧ thed.", london, ١٩٦١. - kammerer, A.: Petra et la nabatene "Atlas" Paris, ١٩٣٠. - Wendell, Ph.: qataban and sheba, london, ١٩٥٥. - Rachewiltz, B. de: An introduction to egyptian Art, london, ١٩٦٦. - Roux, G.: Ancient Iraq "Pleican ed." ١٩٦٦.

стр. 486

١- أ: رسم تخطيطي لبهو الأعمدة في معبد المقه عن: qataban and sheba

стр. 487

١-ب: رسم تخطيطي لمعبد المقه في مأرب عن: qataban and sheba

стр. 488

٢-أ: آثار السوق التجارية في موقع الفاو عن: آثار السعودية ٢-ب: منظر عام لآثار الأخدود عن: آثار السعودية

стр. 489

٣- أ: قسم من بقايا سورتاج "منطقة الخليج" عن: آثار السعودية: ٣-ب: قسم من بقايا سور تيماء "شمال غرب شبه الجزيرة" عن: آثار السعودية

стр. 490

٤-أقسم من سد مأرب عن: qataban and sheba

стр. 491

٤-ب: سد السملقي "قرب الطائف". عن: آثار السعودية.

стр. 492

٤-ج: فتحة لتصريف المياه في سد الحصين جنوب خيبر. عن: آثار السعودية. ٥-أ: البتراء الضريح الكبير المسمى "الخزنة". عن: Petra et la nabatene.

стр. 493

٥-ب: رسم يدوي لمدخل ضريح منحوت في الصخر- مداين صالح عن: Petra et la nabatene. ٥-ج: رسم يدوي مقارن لواجهة معبد زيوس في أوليمبيا "اليونان" عن: Greek Art.

стр. 494

٥-د: منظر عام لضريح منحوت في الصخر في خربة العلا. عن: آثار السعودية. ٥-هـ: تفصيل في الإفريز بواجهة ضريح في مداين صالح. عن: آثار السعودية.

стр. 495

٥-و: تدرج في فن العمارة النبطية نحو القوس العربي. عن: آثار السعودية. ٥-ز: طاقة في مداين صالح تظهر بداية القوس العربي. عن: آثار السعوية.
следующие страницы →