← История

История · id 8384

العرب في العصور القديمة

لطفي عبد الوهاب

Полный текст (524 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

"وهي مرحلة التوحيد"، أن أشير إلى ظاهرة جديرة بالاهتمام، وهي أن اتجاهًا نحو التوحيد الذي لم يكتمل كان قد بدأ يظهر في مجتمع شبه الجزيرة العربية إلى جانب وجود المعبودات التي عرفها العرب في أثناء وجود هذه المراحل، وهو اتجاه يرجع ظهوره إلى فترة مبكرة. وفي هذا الصدد فقد ظهر معبود تحت اسم "الله" في سورية ثم رفعه السوريون إلى مرتبة الإله الأكبر. وقد انتقلت عبادته إلى اللحيانيين "شمالي الحجاز" بهذه الصفة "صفة كبير الآلهة" عن طريق التعامل التجاري على أرجح تقدير، ثم انتشرت في فترات لاحقة، وبدرجات متفاوتة، في كل أرجاء شبه الجزيرة تقريبا كما يتضح من عدد كبير من النقوش المنتشرة فيها، والتي ترد فيها أسماء مثل: سعد الله، ووهب الله، وزيد الله، وحرم الله، ومرء الله، كما ترد فيها ابتهالات مثل: "يا الله اهدني" و"يا الله مكني من تحقيق الخلاص" و"يا الله امنحه السلام" و"يا الله ارفع عنه ما يسوءه" وهكذا أ.

стр. 422

والذي يؤكد أن هذه النقوش تشير إلى الاتجاه نحو التوحيد، وإن لم يكن قد اكتمل بعد كما ذكرت من لحظات، هو المضمون الذي تحتوي عليه بعض هذه النقوش، والصفة التي ترد في البعض الآخر لوصف المعبود الله. وعلى سبيل المثال فإن هناك نقشًا لحيانيًّا مبكرًا نقرأ فيه "عبد مناة الصادق، امنحه يا الله العمر الطويل والحظ السعيد" وهو تعبير يشير بوضوح إلى عبادة المعبودة "مناة" من جهة ولكنه يشير من جهة أخرى إلى أن "الله" هو المعبود الرئيسي دون منازع. كذلك فإن هناك نقشين ثموديين ترد فيهما صفة "الأبتر" بعد ذكر المعبود "الله" وهي صفة تشير إلى من لا ولد له وهو المعنى المباشر الذي سار عليه أحد الباحثين المعاصرين، كما أن باحثًا آخر رأى فيها معنى "الوحيد" والصفتان من صفات التوحيد دون شك وتردان في القرآن الكريم بهذا المعنى التوحيدي ب. وقد ظهر المعبود "الله" بهذه الصفة التي تمثل خطوة أولى على سبيل التوحيد في نقوش اللحيانيين منذ القرن الخامس ق. م. وعند الثموديين في نقوش ترجع إلى القرنين الثالث والرابع بعد الميلاد. ولا نعرف متى بدأت عبادة "الله" بهذه الصفة في الحجاز، ولكن على أي الأحوال يبدو أنها كانت قد سادت وتمكنت في قبيلة قريش على الأقل قبل ظهور الدعوة الإسلامية, ودليل ذلك أن الإشارة إليه ترد في القرآن الكريم في عدد من الآيات مثل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ والسؤال هنا موجه إلى الجاهليين من قريش قبل أن يسلموا، ومن ثم يكون المقصود بلفظة "الله" هنا هو المعبود الجاهلي وليس الله كما يعرفه المسلمون. والصفة الأساسية لهذا المعبود وهي

стр. 423

أنه على رأس المعبودات الأخرى عند أهل قريش تظهر من آيات قرآنية أخرى من بينها: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ومن الواضح أن "الله" الذي يتحدث عنه القرشيون الجاهليون هو "الله" المعبود الجاهلي الذي كانت عبادته قائمة إلى جانب المعبودات الصغر، وهو ما يتطابق مع النص اللحياني الذي سبقت الإشارة إليه ج. ثم نأتي بعد ذلك إلى المرحلة الرابعة التي وجدت جبنا إلى جنب في بعض أقسام شبه الجزيرة مع واحدة أو أخرى من هذه العبادات السابقة. وهذه المرحلة تمثلها عقائد التوحيد وهي

стр. 424

المسيحية واليهودية ثم الحنيفية التي كانت نوعًا من عقائد التوحيد التي تبتعد عن تفصيلات هاتين الديانتين لتتبع خطوطًا رئيسة بسيطة ظهرت في عقيدة إبراهيم ﵇ وهنا كذلك نجد أن هذه الأديان الثلاث تجاوزت مع مراحل أخرى من مراحل التطور الديني في عدد من أقسام شبه الجزيرة. ففي العربية الجنوبية تجاورت المسيحية واليهودية مع مرحلة عبادة الكواكب وأصبحت اليهودية في عهد "ذو نواس" "الربع الأول من القرن السادس الميلادي" عقيدة رسمية يدين بها الحاكم. وفي إمارة اللخميين تجاورت المسيحية عند الشعب مع الوثنية عند الأسرة الحاكمة التي لم تشذ عنها إلا في حالة حاكم واحد هو النعمان الثالث أبو قابوس "حوالي ٥٨٠-٦٠٢م" الذي اعتنق المسيحية. وفي الحجاز تجاورت العقائد التوحيدية الثلاثة مع المراحل الأولى للتطور الديني حيث عبادة الأحجار والأشجار وتقديس الكهوف والينابيع، وحيث عبادة الكواكب التي كانت قد تحولت إليها في صورة من الصور عبادات اللات والعزى ومناة في الفترة الأخيرة قبل الإسلام، وفي إمارة الغساسنة، كانت الأسرة الحاكمة والرعية قد تحولت إلى المسيحية بعد ظهور هذه الأسرة في عصر الإمبراطورية البيزنطية. أما الظاهرة الثانية التي نلاحظها على تطور العقائد الدينية في شبه الجزيرة في عصر ما قبل الإسلام، فهي تخص انتشار العقائد التي وجدت في المنطقة. وفي هذا المجال نلمس عددا من التأثيرات الدينية التي تعرضت لها المنطقة والتي أتت من المناطق المجاورة لها، وهي ظاهرة لا تبدو غريبة في العصور القديمة التي عرفت هجرة العقائد الدينية أو التأثيرات والأساطير المرتبطة بها من منطقة إلى منطقة أخرى, "إذ كانت هجرة العقائد الدينية أو انتشار تأثيراتها تقابل انتقال العقائد السياسية وتأثيراتها في العصر الحاضر من منطقة إلى مناطق أخرى" كما حدث في انتقال الأساطير المتصلة بعشتار وتموز "إنانّا ودموزي" من وادي الرافدين لتظهر في أساطير برسيفوني وأدونيس في العقائد الدينية اليونانية،

стр. 425

وكما حدث في انتقال عبادة آمون المصرية إلى بلاد اليونان وانتقال عبادة إيزيس المصرية كذلك إلى العالم اليوناني الروماني. وفي هذا المجال، وفيما يخص شبه الجزيرة العربية، نجد عددا من الأمثلة. ففي دولة الأنباط نجد المعبود "ذو شارة" الذي رأينا أنه كان يتمثل في حجر مكعب كبير أسود، ينظر إليه في العصر المتأغرق "ما بعد الإسكندر الأكبر المقدوني" على أنه إله الكروم التي يرجح أن زراعتها قد وجدت طريقها إلى المنطقة من بلاد اليونان في تلك الفترة، ومن ثم فقد أدخلت على عبادته خصائص من عبادة الإله "ديونيسوس DIONYSOS" أو باخوس BACCHOS وهو أحد أسماء هذا الإله الأخير "الذي كان إلها للكروم عند اليونان". كذلك نجد في مملكة تدمر الإله "بل" وهو بابلي الأصل يأخذ مكانه على قمة المجمع الإلهي التدمري٤٥، والإله "بعل شامين" "سيد السموات" الذي تشير تسميته ذاتها إلى خصائص الإله آنو الذي عرفته منطقة وادي الرافدين إلهًا للسماء. أما اليهودية التي وجدت طريقها إلى بعض المناطق في العربية الشمالية مثل: تيماء والحجاز وإلى العربية الجنوبية حيث انتشرت بشكل خاص في ظل المملكة الحميرية الثانية "بعد ٣٠٠م" ووصل انتشارها إلى أقصاه في الفترة المبكرة من القرن السادس الميلادي كما مر بنا، فقد يرجع انتشارها في شبه الجزيرة في نسبة منه إلى فرار عدد من العبرانيين إلى القسم الشمالي من شبه الجزيرة بوجه خاص على أثر تدمير الوالي الروماني بيتوس لأورشليم "القدس"

стр. 426

في ٧٠م. ولكن مع ذلك فهناك دليلان يشيران إلى أن هذا الانتشار لم يكن يشكل هجرة عبرانية واسعة إلى المنطقة بقدر ما كان يشكل تأثيرا دينيا يهوديا عرف طريقه إليها بطريقة ما رغم الطبيعة العنصرية المتقوقعة المعروفة عن هذه الديانة, أحدهما: هي أن أغلب الأسماء التي وصلت إلينا عن يهود شبه الجزيرة العربية ليست أسماء عبرانية، وإنما أسماء عربية أو آرامية لأشخاص يبدو أنهم اتخذوا اليهودية دينًا لهم لسبب أو لآخر٤٦. والدليل الآخر هو أن الشاعر الوحيد من بين عدد من الشعراء اليهود الذين تحدث الكتاب العرب عن وجودهم في شبه الجزيرة العربية، والذي ترك لنا قدرا من الشعر يصلح أن يكون ديوانا، وهو السموأل بن عادياء الذي يبدو أنه كان أحد أثرياء تيماء، لا نجد في شعره ما يجعله يختلف في تصوراته أو منطلقات هذه التصرفات عن تصورات العرب الوثنيين ومنطلقاتها٤٧. الأمر الذي يجعلنا نشك في أنه كان عبرانيًّا، بقدر ما يوحي بأنه كان عربيًّا اتخذ الديانة اليهودية في عمومها التي كانت تهمه "وربما فعل ذلك هو وغيره" حين وجد أن قيم الحياة الوثنية الشائعة في شبه الجزيرة لم تعد تغطي القيم الاجتماعية أو الروحية التي كان يحس بحاجته إليها. أما عن اليهودية في اليمن خاصة, فأرجح أنها انتشرت هناك للسبب نفسه إلى جانب سبب آخر هو ما وصل إليه رجال الدين في العربية الجنوبية من سطوة تحولوا معها إلى طبقة لها امتيازاتها الواسعة التي كانت تزحف على سلطات الملك ذاته في بعض الأحيان كما رأينا، على سبيل المثال، في حالة المملكة السبئية الثانية حين انتزع رجال الدين الصلاحيات الدينية من سلطان الملك. وقد كانت هذه السطوة التي تمتع بها رجال الدين تساند الطبقة الأرستقراطية

стр. 427

من محتكري امتلاك غابات الطيوب والتجارة في نتاجها٤٨. وأمام التقسيم الطبقي الحاد الذي وجد في المجتمع كان من السهل أن ينتقل قسم من المجتمع إلى عقيدة دينية جديدة يلتف حولها في دفاع طبقي عن نفسه. أما المسيحية فقد دخلت تأثيراتها من خارج شبه الجزيرة كذلك, ومن المرجح أنها نجحت في الانتشار في العربية الجنوبية للسبب ذاته الذي رأيناه في انتشار اليهودية. وقد بدأت المسيحية في الواقع تتسرب إلى العربية الجنوبية في فترة مبكرة عن طريق بعض رجال الدين المسيحيين الذين فروا أمام الاضطهادات الدينية في سورية في فترات لا نعرف تحديدها. ولكن أول بعثة دينية مسيحية نسمع عنها إلى العربية الجنوبية أرسلها الإمبراطور البيزنطي قسطنطين في ٣٥٦م تحت قيادة ثيوفيلوس إندوس theophilus indus لأسباب سياسية تتعلق بمحاولة مد النفوذ البيزنطي إلى اليمن في فترة اشتد فيها الصراع البيزنطي الفارسي حول السيطرة على منطقة الشرق الأوسط وتخومه. أما عن المسيحية عند الغساسنة فقد جاءت نتيجة تفاعل بين تأثيرات خارجية ومعطيات محلية، فقد كانت إمارة الغساسنة إمارة تابعة للدولة البيزنطية في فترة كانت هذه الدولة خلالها تعتبر نفسها مسئولة عن المسيحية وانتشارها, والمسيحيين في العالم الشرقي. ومن هنا انتشرت العقيدة المسيحية بين الغساسنة, ولكن الطابع المحلي السوري الذي يتناسب مع اتجاهات المنطقة المحيطة على أكثر من صعيد أعطاها المذهب المونوفيزي أو مذهب أصحاب الطبيعة الواحدة. وشيء مماثل يمكن أن يقال عن انتشار المسيحية بين بعض طبقات الشعب في الحيرة "وليس على المستوى الحكومي إلا في مثال واحد هو النعمان الثالث" فقد انتشرت المسيحية هناك من مصدر سوري، فإذا وصلنا إلى

стр. 428

داخل الجزيرة وجدنا تسربات مسيحية إلى الحجاز من الحيرة ومن سورية ومن بيزنطة التي عرف التجار العرب طريقهم إليها بشكل أو بآخر. يشهد على ذلك بعض الأسماء العربية في المنطقة في الفترة السابقة للإسلام مثل: داود وعيسى وسليمان٤٩. على أننا يجب ألا نبالغ في هذه التأثيرات المسيحية في المنطقة، إذ يبدو أن انتشارها لم يكن واسعًا. وفي هذا المجال فنحن نجد بعض إشارات التوحيد في أشعار الجاهليين الذين ينتمون إلى هذه المنطقة مثل أشعار أمية بن أبي الصلت ونسمع عن اعتناق للمسيحية عند بعض الأفراد البارزين في المجتمع الحجازي مثل ورقة بن نوفل وربما كانوا كذلك ولكن من المحتمل كذلك أن يكونوا من هذه الفئة التي لم تعد الوثنية البدائية تغطي تطلعاتهم نحو قيم اجتماعية وروحية أكثر تطورا وتقدما فعمدوا إلى اعتناق خطوط توحيدية عامة في عقيدة إبراهيم ﵇ وسموا بالحنيفية٥٠.

стр. 429

ب- الظروف المحيطة بالحياة الدينية: فإذا تركنا العقائد الدينية ذاتها، سواء فيما يخص تطورها أو انتشارها, وانتقلنا إلى الحديث عن الظروف التي أحاطت بممارستها نجد ظاهرتين واضحتين. وإحدى هاتين الظاهرتين هي المركز القوي أو المؤثر الذي تمتع به رجال الدين في أكثر من قسم من أقسام شبه الجزيرة كما نستطيع أن نستنتج بوضوح سواء من المخلفات الأثرية أو من الكتابات التي تركها لنا الكتاب الكلاسيكيون. وأحد المؤشرات إلى هذا الوضع هو العدد الكبير من المعابد الذي عرفته منطقة العربية الجنوبية على سبيل المثال. لقد كانت كثرة عدد المعابد في مدن هذه المنطقة وبذخها إحدى الظواهر التي شدت انتباه الكتاب الكلاسيكيين

стр. 430

أو التجار والجنود والبحارة اليونان والرومان الذين أخذ عنهم هؤلاء الكتاب معلوماتهم في بعض الأحيان. وهنا نجد الكاتب الروماني بلينيوس يحدثنا عن عدد هائل من المعابد في مدن هذه المنطقة، فمدينة شبوه SABOTA عاصمة حضرموت بها ٦٠ معبدًا, ومدينة تمنع Thomna عاصمة قتبان بها ٦٥ معبدًا. ولم يكن الأمر قاصرا على هذا العدد الهائل من المعابد، بل يبدو أن شيئا غير قليل من البذخ والعناية كان ظاهرا في بناء هذه المعابد, إذ كان هذا يصل في مستواه إلى مستوى ما يبذل في بناء القصور الملكية ذاتها كما نستنتج من حديث الجغرافي اليوناني سترابون الذي يتحدث عن مدن العربية الجنوبية التي "يزينها جمال المعابد والقصور الملكية". ونحن نجد مصداقا لهذا الكلام في آثار معبد المقه، إله القمر عند السبئيين, التي كشفت عنها في أواسط هذا القرن البعثة المصرية برئاسة أحمد فخري ثم استكملت أعمال التنقيب البعثة الأمريكية برئاسة وندل فيليبس٥١. وشيء قريب من هذا نجده في مدينة تدمر التي كان مجمعها الإلهي يزيد على عشرين معبودا، ولا بد أن عددا كبيرا من المعابد التي بنيت على قدر كبير من البذخ كانت تزينها، إذ رغم ما أصابها من تدمير شامل على يد الجيش الروماني بقيادة الإمبراطور أورليانوس aurehanus في ٢٧٣م لا يزال مستوى البذخ المعماري الذي تميزت به مبانيها يطل علينا من بقاياها الأثرية،

стр. 431

كما لا يزال هناك عدد من بقايا معابدها ومبانيها الدينية الأخرى مثل معبد "بل" ومعبد "بعل شمين" والأبراج الجنائزية المضلعة "المربعة", وعدد من التوابيت التي وجدت في مغارة الجديدة، تزينها مناظر من النحت البارز تشهد بعظمة المستوى الفني وبالعناية الفائقة التي كانت تبذل في المجال الديني٥٢. ومثل هذه العناية التي بلغت مبلغ البذخ بالمعابد تشير دون شك إلى مدى القوة التي كان يتمتع بها رجال الدين في تلك المناطق, وهي قوة يبدو أنها كانت موجودة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. فعلى الصعيد الاقتصادي كان لرجال الدين حق معلوم من محصول اللبان ابتداء من جمعه ومرورًا بتسويقه وانتهاء بنقله. وهنا يحدثنا الكاتب الروماني بلينيوس عن الالتزام الشديد بالمراسم الدينية التي كانت تصاحب جمع اللبان، كما يذكرنا أن أحمال هذه السلعة المجزية كان لا يسمح لها بأن توضع في سوق شبوه "عاصمة حضرموت" قبل أن يحصل رجال الدين منها على الحصة المخصصة للإله، والشيء ذاته كان يحدث عندما تمر القوافل التجارية بهذه الأحمال في منطقة قتبان، فهنا كذلك كان لرجال الدين حصة من الطيوب لا بد من الوفاء بها٥٣. ولنا أن نتصور مقدار الثروة التي كان يحصل عليها رجال الدين من "حقهم" في هذه الطيوب إذا أدخلنا في اعتبارنا عاملين: أحدهما هو مستوى البذخ الذي كانت عليه المعابد التي رأينا كيف أنها كانت من نفس مستوى القصور الملكية، والآخر هو الأثمان الباهظة التي كانت تباع بها الطيوب في العصر القديم كما رأينا في مناسبة سابقة، وهكذا قد لا نبتعد كثيرًا عن الصواب إذا قلنا: إن طبقة رجال الدين كانت، إلى جانب ما تحرقه من هذه الطيوب

стр. 432

بالضرورة في المعابد، كانت تحصل على دخل كبير من التجارة التي كان لا بد أن تمارسها في هذا المجال. ولعل هذه القوة الاقتصادية هي التي انعكست على الصعيد السياسي في واحدة على الأقل من هذه الممالك العربية الجنوبية، وهي مملكة سبأ، التي رأينا رجال الدين فيها ينتزعون الصلاحيات الدينية من يد الملوك بعد أقل من قرن ونصف قرن من قيام هذه المملكة، لينفردوا بها "منذ حوالي ٦١٠ ق. م" نحو خمسة قرون كاملة٥٤. وقد كان السلطة المترتبة على الصلاحيات الدينية في العصر القديم هي إحدى السلطات الرئيسة في نظم الحكم في المجتمعات المستقرة. والمركز الذي كان يتمتع به رجال الدين في ممالك العربية الجنوبية، سواء من الناحية الاقتصادية أو من الناحية السياسية، نجد شبيهًا له في العربية الشمالية في مملكة تدمر. فهنا كذلك نجد رجال الدين على قدر كبير من القوة والنفوذ في هاتين الناحيتين. وعلى سبيل المثال فالكهنة الذين كانوا يقومون على معبد الإله بل "كبير الآلهة" وتابعيه الإله يرحبول "إله الشمس في أحد مظاهره" والإله عجلبول "إله القمر" كانوا لا يسمحون لأحد أن يدخل ضمن صفوفهم إلا إذا كان ينتمي إلى الأرستقراطية التجارية في تدمر. كذلك كانت موافقتهم لازمة لتعيين كبار الموظفين في الدولة، وهكذا فإن النصوص التي تشير إلى أن الإله يرحبول قد سمى أحد الأشخاص ليشغل إحدى هذه الوظائف معناها في الحقيقة أن مجموعة هؤلاء الكهنة قد اختاروا هذا الشخص للوظيفة المسماة٥٥. أما الظاهرة الأخرى أو الظرف الآخر الذي اتصل بالحياة الدينية في شبه

стр. 433

الجزيرة العربية في العصور السابقة للإسلام فهو ظاهرة الارتباط الشديد بين التغييرات الاجتماعية والسياسية من جانب والتغييرات الدينية من جانب آخر، وقد ظهرت شدة هذا الارتباط في كثير من الأحيان في التصدي العنيف الذي كانت تلقاه أية محاولة للتغيير الديني. وليس هذا غريبًا في الواقع في مجتمعات العصر القديم التي كان الدين يقوم فيها بدور أساسي كقاعدة تقوم عليها الأوضاع الاجتماعية والسياسية "سواء في ذلك النظم السياسية أو حتى العلاقات السياسية الخارجية"، ومن هنا فقد كانت أية محاولة للتغيير في العقيدة الدينية معناها في الحقيقة محاولة للتغيير في واقع العلاقات الاجتماعية وما تقوم عليه من علاقات الإنتاج وما تؤدي إليه من نظم سياسية تبلور هذه العلاقات وتعطيها شرعيتها اللازمة لاستقرارها, كما كانت تؤثر كذلك في العلاقات السياسية الخارجية في مجتمع دولي يشتد فيه التوتر والصراع بين القوى الكبرى المتصارعة التي كانت بدورها ترى في الدين عامل اقتراب وتوافق أو عامل ابتعاد وتصادم حسب الظرف المطروح. وقد مر بنا في هذا الصدد العنيف الذي تعرض له أصحاب الدعوات الدينية في أقوام عاد وثمود ومدين وسبأ. وقد رأينا في هذه الدعوات أن كلًّا من هذه الدعوات كانت تستقطب طبقة من المجتمع الذي ظهرت فيه هي طبقة المستضعفين على حد وصف القرآن الكريم لها في مواجهة طبقة أخرى من المتسلطين الذين كانوا يملكون موارد الثروة في المجتمع. كما رأينا الجدل العنيف الذي كان يقوم بين الطرفين حول الدعوة الدينية التي كان يبشر بها هؤلاء الرسل والأنبياء والتي يبدو واضحًا من سياق وصفها ووصف الجدل الذي أثارته بين طبقتي المجتمع أنها كانت تستهدف تعديل النظام الاجتماعي وإحداث تغيير في توزيع موارد الثروة أو النظم التي كانت تحكم الانتفاع بهذه الموارد بصورة أو بأخرى٥٦.

стр. 434

ويبدو واضحا أن هذه الأوضاع الاجتماعية كانت متداخلة إلى حد كبير مع الأوضاع الدينية السائدة ومستندة إليها ومتساندة معها لإبقاء الأمور على ما كانت عليه بحيث انتهت الدعوات الدينية المذكورة إلى الإخفاق. والصراع ذاته نجده في حالة الدعوة الإسلامية حيث نجد رسولها محمدًا ﷺ وأتباعه يتعرضون لشيء مماثل من الجدل العنيف ومن التضييق والاضطهاد الذي وصل إلى محاولة التصفية الجسدية لصاحب الدعوة. ولا شك أن جانبًا من نجاح الدعوة الإسلامية، يرجع إلى مقابلة الرسول ﷺ للخطط بخطط مثلها وتصديه للقوة بقوة مثلها، ومن بين ذلك هجرته هو وأتباعه من مكة إلى يثرب "المدينة المنورة" حيث وجد أنصارًا يتصدون معه لقريش, ومنها تصديه هو وأتباعه لقريش في عدد من الغزوات عند المواقع التي تقطع على القرشيين طرقهم التجارية, ومنها نجاحه في مهادنتهم عند اللزوم في صلح الحديبية ومنها فتحه لمكة التي كانت معقد الخطوط التجارية بين وادي الرافدين من جهة وبين سورية واليمن من جهة أخرى. ولكن بقيت فكرة التصدي للدعوة الدينية التي كانت تستهدف تغيير النظم الداخلية في المجتمع هي الفكرة المسيطرة على مسار الأمور طوال وقت الدعوة وحتى نجاحها "وقد كانت حرب الردة التي نشبت بعد موت الرسول ﷺ هي دون شك انتفاضة أخيرة للتصدي للدعوة الدينية الجديدة حتى بعد نجاحها". ونحن نجد أمثلة أخرى لهذا العنف الذي واكب التغيرات الدينية في شبه الجزيرة العربية في الفترة السابقة لظهور الإسلام. ففي ٥٢٣م نجد "ذو نواس" الحاكم الحميري اليهودي يتصدى للمسيحيين في نجران ويقدم على إحراق عدد كبير منهم في حادثة الأخدود التي ورد ذكرها في القرآن الكريم, لسبب ربما كان مرتبطا بالسياسة الوطنية ضد التدخل الحبشي في المنطقة ومن ثم اعتبر ذو نواس المسيحيين من نفس عقيدة الأحباش أو خشي أن ينحازوا إليهم. وبعد ذلك بحوالي نصف قرن، في ٥٧٠ أو ٥٧١م نجد محاولة من الحبشة لهدم

стр. 435

الكعبة في عام الفيل المشهور, على أساس أن الكعبة كانت تمثل المركز الأول للعبادات الوثنية في شبه الجزيرة ومن ثم فهناك خطر من جانبها على انتشار أي نفوذ مسيحي يمهد الطريق لنفوذ حبشي في الحجاز بكل ما يعنيه هذا من سيطرة حبشية على طرق التجارة التي كانت مكة هي معقدها كما مر بنا٥٧. والشيء ذاته نجده في تفاصيل مختلفة في علاقات الإمبراطورية البيزنطية بإمارة الغساسنة والإمبراطورية الساسانية "الفارسية" باللخميين "المناذرة". ففي حالة الغساسنة نجد أن حكام هذه الإمارة يتبنون المذهب المسيحي المونوفيزي "مذهب الطبيعة الواحدة" وهو مذهب مخالف للمذهب السائد في القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية. وقد قبل الأباطرة البيزنطيون هذا الوضع على شيء من المضض تمشيًا مع قبول الأمر الواقع طالما ظل انتفاعهم مستمرًّا بولاء الغساسنة في مجال التصدي لأية تحرشات من جانب الإمبراطورية الفارسية أو من جانب أمراء الحيرة الداخلية في نفوذها. ولكن حين بدأ حماس الغساسة لتدعيم مذهبهم الديني المسيحي يظهر بشكل متواتر وملحوظ منذ عهد الحارث "الثاني" بن جبلة "حوالي ٥٢٩-٥٦٩م" بدأت الشكوك تساور البيزنطيين, وهكذا أمر الإمبراطور البيزنطي تيبريوس الثاني tiberius II بالقبض على المنذر بن الحارث الذي خلفه على الإمارة في أثناء افتتاحه لكنيسة في "حوارين" بين دمشق وتدمر حوالي ٥٨٠م، وذلك رغم ما قام به هذا الأمير الغساني من تصدٍّ للأمراء اللخميين وصل إلى حد إحراقهم للحيرة، عاصمتهم, قبل ذلك بقليل في السنة ذاتها، وقد اقتيد المنذر إلى القسطنطينية، ثم سجن في صقلية. أما في حالة اللخميين من أمراء الحيرة، فنحن نجدهم لا يعتنقون المسيحية ويبقون على وثنيتهم رغم انتشار المسيحية في مجتمع الحيرة ورغم أن إحدى

стр. 436

الأميرات وهي هند "أم عمرو بن هند" كانت قد اعتنقت هذه العقيدة, وكان الاستثناء الوحيد بين هؤلاء الحكام هو النعمان الثالث أبو قابوس "حوالي ٥٨٠-٦٠٢م". ومن المرجح أن عدم إقدام هؤلاء الأمراء على اعتناق المسيحية هو عدم إثارة شكوك الإمبراطورية الفارسية ضدهم حيث إن المسيحية هي العقيدة الرسمية للإمبراطورية البيزنطية وهي العدو اللدود للفرس. وحت حين اعتنق النعمان الثالث هذه العقيدة نجد أنه اعتنقها على المذهب النسطوري المونوفيزي "الذي لا تدين به الإمبراطورية البيزنطية" ومن ثم يصبح أقرب المذاهب إلى القبول لدى حكام الإمبراطورية الفارسية.

стр. 437

الباب: العاشر: العلاقات الخارجية المرحلة الأولى: ظهور الهوية العربية بدايات غير محددة ... الباب العاشر: العلاقات الخارجية ١- المرحلة الأولى: ظهور الهوية العربية: أ- بدايات غير محددة: قبل القرن العاشر ق. م. لا نكاد نعرف شيئا واضحا عن أية علاقات خارجية يظهر فيها العرب كمجموعة بشرية لهم هوية محددة، سواء تحت اسمهم العام كعرب، أو تحت اسم أو آخر ينتمي لمنطقة أو أخرى من المناطق التي تنقسم إليها شبه الجزيرة العربية. وكل ما نعرفه في هذا الصدد إما إشارات قد تشمل العرب وغيرهم، أو إشارات قد تكون إلى العرب ولكن تحت تسميات أخرى وفي مناطق ربما نزحوا إليها من موطنهم في شبه الجزيرة، أو ذكر لأقوام من شبه الجزيرة كانت لهم تحركات في مجال هذه العلاقات ولكنهم إما يدخلون تحت الصفة السامية العامة، وإما يلتفون حول هوية جماعية يكاد يقتصر نصيبها من الصفة العربية على انتمائها للمنطقة التي أصبحت فيما بعد تسمى باسم بلاد العرب. وعلى سبيل المثال, فإن النقوش المصرية القديمة طوال عهد الفراعنة ابتداء من الألف الثالثة ق. م. وحتى الفتح الفارسي لمصر في أواسط الألف الأولى ق. م.

стр. 438

لا ترد فيها لفظة "ع ر ب" أو "أر ب" أو أية لفظة أخرى قريبة من هذا النطق، رغم وفرة هذه النقوش وغزارتها، ورغم كثرة أسماء الشعوب التي وردت ضمن هذه النقوش ممن احتكت بهم مصر في صورة أو أخرى في المراحل العديدة التي مر بها تاريخها في هذه الفترة. ومع ذلك فقد عرفت مصر في عهد الفراعنة طريقها إلى كل منطقة الهلال الخصيب التي تشكل التخوم الشمالية لشبه الجزيرة العربية في صور متعددة من العلاقات التجارية أو السياسية أو العسكرية. وكل ما نحظى به من إشارات في النقوش المصرية فيما يخص الموضوع الذي نحن بصدد الحديث عنه هو تسميات عامة مثل تسمية "عامو" أي: الآسيويين أو "تاعاموا" أي: أرض الآسيويين التي كانت تطلق على سكان أو مناطق الصحراء الشرقية وسورية وفلسطين والقسم الشمالي من شبه الجزيرة العربية، ومثل "تا - نثر" التي كانت تشير إلى الأراضي الواقعة إلى شرقي وادي النيل بوجه عام والتي كان مدلولها يتسع باتساع معرفة المصريين بالمناطق التي تشملها هذه الأراضي ونشاطهم فيها حتى شمل في عصر الدولة الحديثة المناطق الممتدة شرقي مصر عبر المنطقة السورية حتى شمال العراق, ومن ثم كان من الممكن أن يضم الامتدادات لشبه الجزيرة العربية١. أما الألفاظ المحددة التي وردت في هذه النقوش والتي قد تشير إلى بعض المجموعات العربية، فهي الأخرى لا تعطينا صورة مباشرة في هذا المجال؛ فلفظة "خبسيتو" التي ترد ضمن نقوش الدير البحري "في صعيد مصر" في أثناء وصف البعثة التجارية المصرية التي وصلت في عهد الملكة حتشبسوت "أواسط الألف الثانية ق. م" إلى بلاد بونت "الصومال والحبشة حاليًا" يرى بعض

стр. 439

الباحثين أنها نطق مصري لكلمة حبشات، وهي اسم قبائل ذات أصل عربي جنوبي كانت تسكن منطقة مهرة في جنوبي بلاد العرب وهاجرت إلى الساحل الإفريقي للبحر الأحمر واستقرت في المنطقة وأعطتها اسمها "الحبشة". ولفظة "جنبتيو" التي تصف جماعة جاءوا إلى مصر في عهد تحتمس الثالث "١٤٩٠-١٤٣٦ق. م" تحمل إليه هدايا من الصمغ العطري ومن البخور، يرجح أحد الباحثين أنها تشير إلى القتبانيين، أحد الأقوام التي كانت تقطن العربية الجنوبية في العصور القديمة. أما قبائل الهكسوس التي غزت القسم الشمالي من المنطقة السورية حوالي ١٧٠٠ ق. م. واستقرت فيه قرنا كاملا قبل أن يطردها فراعنة الأسرة الثانية عشرة، فلم يستقر الباحثون حتى الآن على هويتهم، فقد يكونون أحد شعوب المنطقة السورية أو خليطًا من هذه الشعوب قد يكون بينها عرب أو لا يكونون، وربما ضمت إلى جانبها مجموعات من شعوب أخرى من الشمال كانت تطاردها أمامها في أثناء إحدى تحركات الشعوب التي عرفت المنطقة عددًا منها في العصور القديمة٢. والشيء ذاته نجده فيما يخص وادي الرافدين، فهنا نجد القبائل الآمورية تتسرب من منطقة الهلال الخصيب شبه الصحراوية، وربما من المنطقة السورية كذلك؛ لتقيم لها مواقع حصينة في مدينة بابل وعدد من المدن الأخرى المجاورة في أواخر الألف الثالثة ق. م. ثم سيطروا على كل وادي الرافدين في النصف الأول من القرن الثامن عشر ق. م. كذلك نجد الملك الآشوري تجلات بيليسر الأول "١١١٤-١٠٧٦" ق. م يجتاح مدينة تدمر "التي

стр. 440

أصبحت مقر المملكة أو إمارة عربية في عصر لاحق". ولكن هذه المدينة كانت في عصر هذا الملك مدينة آمورية "تقع في بلاد آمورو" كما يشير النقش الذي وردت فيه. وهكذا نجد أنفسنا هنا كذلك لا نستطيع أن نتبين هوية العرب كمجموعة بشرية لها شخصيتها الجماعية المحددة. فالآموريون لا نستطيع أن نضفي عليهم أكثر من هوية سامية، فهم إحدى المجموعات التي تنطبق عليها هذه التسمية، وقد يكونون شديدي القرب من المجموعة العربية، ولكنهم ليسوا هذه المجموعة ذاتها٣. ولكن القرن العاشر ق. م. والقرون التي تليه بدأت تشهد تطورًا محسوسًا في هذا الصدد. فمنذ ذلك القرن تظهر الهوية المحددة للعرب بشكل واضح في العلاقات مع شعوب المنطقة المجاورة لشبه الجزيرة، مثل العبرانيين والآشوريين والبابليين "الدولة البابلية الحديثة" والفرس. وحقيقة إن هذه الهوية قد لا تظهر كتسمية مباشرة للعرب، وإنما تظهر بشكل استنتاجي انتسابًا إلى مكان أو آخر أو قوم أو آخر من الأماكن والأقوام التي وجدت في شبه الجزيرة العربية، مثل سبأ والسبئيين "سواء أكان المقصود هو سبأ الموجودة في جنوبي شبه الجزيرة أم إحدى مستوطناتها في الشمال التي اتخذت الاسم نفسه" ومثل الدادانيين "أهل منطقة دادان - العلا الحالية". كذلك فإن الحالات التي تتخذ فيها هذه الهوية صورة تسمية مباشرة للعرب أو بلاد العرب، فإن هذه التسمية لا تعني لغويا أكثر من البدو أو البادية التي يسكنها البدو، كما هو الحال مثلًا في تسمية "عربيم" أو "عربئيم" بمعنى عرب، أو "مسّاها عرب" بمعنى بلاد العرب، في أسفار التوراة والتلمود عند العبرانيين، وكما هو الحال في تسمية "أريبي" أو "أرابي" أو ألفاظ أخرى مقاربة لها في النطق بمعنى عرب أو "ماتوا أريبي" بمعنى بلاد العرب عند الآشوريين والبابليين،

стр. 441

أو تسمية "عربانه" أو أزبابه" في النصوص الفارسية. وأخيرا فإن التسمية المباشرة للعرب أو لبلاد العرب كانت تشير في كل الحالات، عند هذه الشعوب، إلى قبائل القسم الشمالي من شبه جزيرة العرب. ولكن مع كل هذه الملاحظات، فقد كانت كل هذه النصوص تدل على مجموعة بشرية أصبحت لها هوية أو شخصية جماعية محددة في مجال الاحتكاكات أو العلاقات الخارجية مع الشعوب المذكورة٤.

стр. 442

ب- العلاقات مع العبرانيين: ونحن نجد هذه الصورة المحددة منذ القرن العاشر في أول علاقات نسمع عنها بين العرب وجيرانهم, وهي العلاقات مع العبرانيين. لقد وجدت قبل ذلك، في عهد الملك داود، إشارات في التوراة إلى معاملات مع العرب، ولكنها كانت معاملات فردية لا نسمع فيها إلا عن أفراد مثل "أوبيل الإسماعيلي" أي: المنتمي إلى بني إسماعيل، أو "يازيز الهجري" "نسبة إلى الهِجْر أو الحِجْر في مدائن صالح"٥. أما في القرن العاشر فنجد المعاملات العربية تتحول عن هذه الصورة الفردية لتصبح معاملات منطقة كاملة. وفي هذا النطاق تدور العلاقة بين ملكة سبأ والملك سليمان "٩٧٠-٩٣٧ ق. م" ملك العبرانيين. إن النصوص التي تشير إلى هذه العلاقة نلمس منها في وضوح

стр. 443

محاولة من ملكة السبئيين لإقامة علاقات ودية مع هذا الملك تجاوزًا أو تخطيًّا لعلاقات يبدو من هذه النصوص أنها كانت على شيء من التوتر أو التأزم ومن ثم فهناك مصالح متعارضة لكلا الطرفين، وتحاول ملكة سبأ أن تخفف من حدة هذا التعارض الذي يضرب بمصلحة مملكتها. وقد رأينا في مناسبة سابقة أن مثل هذا التعارض لا يمكن أن يكون مفهومًا إذا كانت سبأ المقصودة هي مملكة سبأ الموجودة في القسم الجنوبي لشبه الجزيرة العربية. إذ في مثل هذه الحال لا توجد حدود مشتركة أو مصالح مهددة أو ضغوط سياسية أو غيرها، وإنما تصبح كل هذه الأمور أو بعضها واردة إذا كان بين المملكتين نوع من التجاور أو الاقتراب يجعل توتر العلاقات لسبب أو لآخر أمرا واردا. ونحن نجد في الواقع مدينة في الشمال تحمل اسم سبأ كلك ويرد ذكرها في النصوص الآشورية على أنها واقعة في أقصى الغرب بالنسبة للآشوريين، أي على حدود المنطقة السورية "بالمفهوم الجغرافي لهذه التسمية" ومن ثم تكون على حدود أو قرب حدود مملكة العبرانيين التي كان يتربع سليمان على عرشها. وقد قامت هذه المدينة ونمت حول واحدة أو أكثر من المستوطنات التي أقامها في شمالي شبه الجزيرة التجار السبئيون الجنوبيون شأنهم في ذلك شأن المعينيين، على سبيل المثال، الذين فعلوا شيئًا مماثلًا في الشمال٦. سبأ المذكورة إذن, هي سبأ الشمالية والقضية المطروحة هي قضية تعارض بين المصالح. فإذا أدخلنا في اعتبارنا أن سبأ مدينة تجارية تحصل على موردها الاقتصادي الرئيسي من تحكمها في أحد المواقع التي يمر بها الخط التجاري الذي تمر به القوافل المحملة بالطيوب وغيرها من السلع الآتية من جنوبي شبه الجزيرة ومتجهة إلى موانئ البحر المتوسط في الشمال، أصبح من الطبيعي أن

стр. 444

نستنتج أن نقطة التعارض بين مصالح المملكتين المتجاورتين هي نقطة مصالح تجارية مهددة بطريقة أو بأخرى. ونحن نجد في الواقع في سياسة الملك سليمان ما يؤدي إلى وجود هذا التعارض. لقد أراد هذا الملك أن يتبع سياسة اقتصادية يحول بها مملكته من الزراعة إلى الصناعة بما يستتبعه هذا من مواد أولية يحصل عليها من أسواق خارجية. كما أراد أن يدعم هذا الاتجاه الاقتصادي بانتهاج نشاط تجاري بحري لا يجعله تحت رحمة الخط البري التجاري القادم من الجنوب وإنما يترك له حرية الحركة المباشرة مع الأسواق التي يريد أن يتاجر معها. ونحن نجد في نصوص التوراة إشارة واضحة إلى هذا الاتجاه حين نعرف أنه اتخذ ميناء عصيون جابر "بجوار ميناء أيلة" على رأس خليج العقبة مرفأ أساسيا يبتدئ منه أو ينتهي إليه هذا النشاط التجاري، وحين نجده يلجأ إلى الملك حيرام، ملك صور، بالعمال والبحارة لبناء أسطول تجاري ولتسيير هذا الأسطول التجاري في البحر الأحمر، وحين نعرف كذلك، أنه وصل بنشاطه التجاري البحري هذا إلى "أوفير" التي يرجح أنها كانت ميناء على الشواطيء الشرقية لشبه الجزيرة العربية، إن لم يكن, حسب رأي بعض الباحثين، إحدى الموانئ الهندية. بل أكثر من هذا نجد هذا الملك يحاول إغراء حيرام ملك صور باستخدام هذا الخط التجاري البحري الجديد بدلًا من طريق مصر للاتجار مع بلاد العرب, في محاولة يبدو واضحًا أنها كانت تستهدف تنشيط هذه الطريق البحرية التجارية على حساب أية طرق أخرى في المنطقة٧. ومثل هذا الاتجاه من جانب سليمان كان كفيلًا أن يؤثر تأثيرا ضارا على موقع تجاري مثل الموقع الذي تحتله مملكة سبأ الشمالية، ومن هنا تثور مخاوف ملكة السبئيين التي كان هذا الموقع التجاري هو المورد الاقتصادي

стр. 445

الأساسي، إن لم يكن الوحيد بالنسبة لمملكتها، ونفهم موقف التوتر الذي ثار بينها وبين سليمان من جهة، كما نفهم سبب الهدية السخية التي تظهر بين محتوياتها الطيوب والذهب والفضة والأحجار الكريمة، كمحاولة لإقامة علاقات, يمكن أن نصفها بلغة العصر الحديث أنها علاقات حسن جوار تصل من خلالها إلى اتفاق يحفظ لها مصالحها التجارية، وهكذا نجد في هذا الاتفاق أول مثال يصل إلى أيدينا حتى الآن لعلاقات خارجية عربية لا تتم في صورة معاملات فردية، وإنما تتم على مستوى مجموعة عربية منظمة في هيئة دولة لها مصالح محددة وهي تسعى بطريقة أو بأخرى لمعالجة علاقاتها بجيرانها لحماية هذه المصالح. ومنذ ذلك الوقت نسمع عن علاقات خارجية عربية مع العبرانيين يقوم بها العرب كمجموعة ذات هوية واضحة تتحرك انطلاقًا من مصالح اقتصادية محددة وترتب عليها خطا سياسيا محددا. وقد مر بنا في مناسبة سابقة تحالف قام بين العرب والفلسطينيين ضد مملكة يهوذا "إحدى المملكتين التي انقسمت إليهما مملكة سليمان" في عهد الملك يهورام "٨٥١-٨٤٣ ق. م" انتهى باجتياح هذه المملكة وإنزال أضرار فادحة بالقصر الملكي وبالبيت المالك. كما رأينا كذلك موقفا آخر في العلاقات الخارجية بين العرب والعبرانيين في عهد عزّيّا ملك يهوذا أو اليهودية "٧٧٩-٧٤٠ ق. م" تنعكس فيه الآية فينتصر على تكتل فلسطيني - عربي، يظهر فيه، إلى جانب الفلسطينيين، تجمع عربي مكون من العمُّونيين والمعينيين وعرب "جور بعل" الذين عرفنا أنهم كانوا أهل منطقة ربة عمون "عمان الحالية" ومملكة المعينيين الشماليين في منطقة العلا الحالية بالقسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة العربية، ومنطقة أخرى مجاورة للملكة العبرية، أما المناسبة الثالثة التي تظهر فيها هذه العلاقات فترجع إلى القرن الخامس ق. م. حين عاد العبرانيون من السبي البابلي. وهنا نجد عددا من الزعماء العرب من بينهم طوبيا العموني وجشم العربي يقفون

стр. 446

موقف التوجس من نحميا اليهودي حين حصل على إذن من أرتحَشْتا الإمبراطور الفارسي "٦٤٦-٤٢٤ ق. م" ببناء سور حول أورشليم "القدس". ورغم أن هذا التوجس لم يعبر عن نفسه إلى تصد إيجابي للزعيم اليهودي وإنما ظهر في هيئة معارضة ومناورات من جانب هؤلاء الزعماء قابله الزعيم اليهودي بمناورات مماثلة وانتهى الأمر ببناء السور الذي كان يريد بناءه, إلا أنه في الوقت ذاته يشير إلى أن العرب لم تزل هويتهم قائمة ومتمثلة في إدراك مصالحهم التي تصوروا أن بناء هذا السور قد يضر بها بشكل أو بآخر، ولكن يبدو أن الأمر لم يكن بأيديهم بالدرجة الأولى، فالإمبراطور الفارسي، وهو صاحب الأمر والنهي في المنطقة في ذلك الوقت على هذه المنطقة التي كانت قد دخلت ضمن إمبراطوريته، كان قد أعطى الإذن ببناء السور، من ثم فلم يكن هناك مجال واسع لتحرك عربي أو تكتل عربي يصل إلى مستوى التصدي وبخاصة إذا أدركنا أن الطرف الآخر، وهو الزعيم العبري، كان هو الآخر في وقف مماثل لا يملك فيه أن يقدم أو يؤخر كثيرًا٨.

стр. 447

ج- العلاقات مع القوى الشرقية: وأنتقل الآن إلى صعيد آخر للعلاقات الخارجية للعرب، وهو الصعيد الذي ظهر عليه موقفهم إزاء منطقة وادي الرافدين حيث الدولة الآشورية ومن بعدها الدول الكلدانية "أو الدولة البابلية الحديثة" وإزاء الإمبراطورية الفارسية التي مدت سيطرتها إلى منطقة الشرق الأدنى بأكمله في غضون القرن السادس ق. م. وتكمن أهمية العلاقات العربية الخارجية في هذا الاتجاه ليس في ظهور الهوية الواضحة للعرب فحسب، وإنما في تطورها تدريجيا نحو التبلور بحيث اتخذ تحركها في هذا المجال أكثر من صورة وظهر في أكثر من اتجاه. وقد كانت أولى العلاقات العربية في هذا الاتجاه الشرقي مع الآشوريين,

стр. 448

كما وردت في عدد كبير من النقوش المسمارية التي سجل عليها ملوك الدولة الآشورية إنجازاتهم العسكرية والسياسية مع جيرانهم. وأول نص تظهر فيه إشارة للعرب في هذا المجال يعود إلى عهد الملك شلمنصر الثالث "٨٥٨-٨٢٤ ق. م". وفي هذا النص الذي يرجع إلى السنة السادسة من حكمه يتحدث عن تحركاته العسكرية ضد المنطقة السورية، يذكر لنا الملك الآشوري أنه توجه إلى منطقة القرقار؛ لمواجهة تجمع كونه ملك دمشق, ظهرت فيه إلى جانب قوات الملك الدمشقي قوات من حماة وإرواد ومدن سورية أخرى، وكان من بين القوى المتحالفة مع ملك دمشق ضد الملك الآشوري "ألف عربي من راكبي الجمال بزعامة جنْدِبو"٩. ونحن نستطيع أن ندرك المغزى الحقيقي لظهور العرب في هذا النص إذا نظرنا إليه من أكثر من جانب, فهذا النص يأتي بعد ظروف شدت اهتمام الدولة الآشورية بشكل قوي طوال قرن بأكمله، هو القرن العاشر ق. م. تجاه المنطقة الواقعة على الحدود الغربية لهذه الدولة، حيث كانت تتعرض لهجمات متكررة من القبائل والممالك الآرامية؛ الأمر الذي اضطر الآشوريين إلى العمل العسكري المستمر للقضاء على هذه الهجمات الآرامية وعلى بقايا المستعمرات الحيثية في المنطقة، ودفع بهم "أي: الآشوريين" إلى مد هذا العمل العسكري إلى داخل الأراضي السورية كما يظهر من النصوص الآشورية التي ترجع إلى عهد الملك تجلات بيليسر الأول "١١١٤-١٠٧٦ ق. م" والملك آشور ناصر بال الثاني "٨٨٣-٨٥٩ ق. م" ١٠.

стр. 449

وقد تمكن الآشوريون خلال هذا العمل العسكري المتواصل طيلة القرن العاشر من السيطرة على القسم الشمالي والأوسط من منطقة الهلال الخصيب التي تصل بين وادي الرافدين وسورية وأصبح في مقدورهم التوغل في المنطقة السورية نفسها، ولكن يبدو أن المنطقة البدوية التي كانت تقع على التخوم الجنوبية لمنطقة الهلال الخصيب بدأت تسترعي اهتمام الملوك الآشوريين، الذين وجدوا في هذه المنطقة ما يستدعي الحرص على السيطرة عليها أو على الأقل على عمل فرض الأمن في أرجائها منعًا لسكانها من أي تحرك سياسي أو عسكري؛ نظرا لمرور بعض الخطوط التجارية بها, وقد كان هذا التحرك السياسي والعسكري واردا فعلا, والدليل على ذلك هو اشتراك تجمع من هذه القبائل البدوية بزعامة جندبو العربي في الحلف العسكري الذي كونه الملك الدمشقي. أما الجانب الثاني الذي يضيف إلى مغزى ظهور العرب في النص المذكور فهو أن هذا الظهور في حد ذاته يشير إلى أن هذه القبائل البدوية لم تعد مجرد قبائل متفرقة تعيش بعيدا عن مجرى الأحداث في المنطقة، ولكنها أصبحت تجمعات تشير إلى أكثر من معنى على الصعيدين السياسي والعسكري. فألف محارب من راكبي الجمال هم أكبر من طاقة قبيلة واحدة، ومن ثم فهم يمثلون تجمعا قبليا بلغ من التنظيم السياسي قدرًا يمكن من تكوين هذه القوة العسكرية١١. كذلك فإن هذه التجمعات القبلية في المنطقة لا بد أنها قد أصبح لها قدر محسوس من الفعالية؛ ومن ثم أصبح موقفها من هذا الحدث أو ذاك أمرا يحسب حسابه، فالحلف العسكري الدمشقي ضم قوات تابعة لتسعة ملوك من بينهم, إلى جانب ملك دمشق، ملوك حماة وإرواد ومدن سورية أخرى، واشتراك جندبو العربي بتجمعه القبلي مع هؤلاء الملوك وعلى مستواهم أمر يصبح له دلالته في ضوء هذا الاعتبار.

стр. 450

أما الجانب الثالث الذي يدعم من مغزى هذا الظهور السياسي والعسكري من جانب العرب في العلاقات الدولية في المنطقة فنستطيع أن ندركه إذا تذكرنا أن تجمعا عربيا مماثلا "ولعله كان نفس التجمع أو تجمعا مجاورا له أو متداخلا معه" قد تحالف مع الفلسطينيين في نفس الفترة لاجتياح مملكة يهوذا "أو يهودية" على عهد الملك العبري يهورام "٨٥١-٨٤٣ ق. م." وإذا أدخلنا في اعتبارنا أن هذا التحالف قد تم لأسباب اقتصادية تدور حول مرور الخطوط البرية التجارية في أراضي هذه القبائل العربية١٢. ومعنى هذا أن هذه القبائل كانت لها مصلحة حيوية في تحديد مواقفها إزاء الأحداث والعلاقات التي كانت تدور في المنطقة آنذاك. وقد استمرت الحملات التي قام بها الآشوريون على المنطقة طوال العصر الآشوري الذي انتهى بسقوط الدولة الآشورية في ٦١٢ ق. م. وكان قسم أساسي من هذه الحملات موجهًا إلى التجمعات العربية التي يبدو من النصوص الآشورية أنها لم تكن سهلة المراس، الأمر الذي يشير إلى إدراكها المحدد لمصالحها التجارية في المنطقة وإلى اتساع هذه المصالح بما يدفعها إلى اتخاذ المواقف كلما شعرت بتحرك قد يؤدي إلى تهديد هذه المصالح. وتشير هذه النصوص إلى تطورين يمثلان مرحلتين جديدتين في العلاقات الآشورية العربية "بعد المرحلة التي يمثلها نص شلمنصر الثالث الذي ظهر فيه جندبو الزعيم العربي" تتخذ خلالهما هذه العلاقات أبعادا أكثر حدة وأكثر تكثيفا. وأولى هاتين المرحلتين الجديدتين نجد فيها أن الملوك الآشوريين لم يقتصروا في معالجتهم للتجمعات العربية على الحملات العسكرية وإنما بدءوا يتجهون، إلى جانب ذلك، إلى سياسة يمكن أن نسميها سياسة الاحتواء السياسي من الداخل، عن طريق التدخل في تنصيب الزعماء العرب الذين يثقون في ولائهم

стр. 451

على هذه التجمعات القبلية. وجدير بالذكر هنا أن هؤلاء الزعماء أصبح يشار إليهم في النصوص الآشورية التي ترجع إلى هذه المرحلة على أنهم ملوك أو "ملكات" لبلاد العرب, وليس مجرد إشارة بدون لقب كما رأينا في حالة جندبو العربي، وهو أمر قد يدل على أن تنظيم التجمعات القبلية العربية قد أصبح أكثر رسوخًا. وهكذا نرى الملك الآشوري أسرحدون "٦٨٠-٦٦٩ ق. م." يعين الملكة العربية "تاربوا" التي نشأت في قصر والده سنحاريب ملكة على العرب. ونجده في مناسبة ثانية، بعد أن توفي حزائيل الملك العربي، ينصب ابنه ياتع ملكًا. كما نجده في مناسبة ثالثة يعفو عن ملك مدينة يادع الذي استطاع أن يهرب من وجه جيوش الملك الآشوري في إحدى حملاته، فيعفو عنه هذا ويعينه ملكًا على بلاد "بازو"١٣. أما من جانب العرب فقد بدا موقفهم في هذه المرحلة الجديدة أكثر إيجابيةً من المرحلة السابقة, فلم يعد موقفهم قاصرا على التصدي لحملات الملوك الآشوريين أو الهرب في بعض الأحيان من وجهها, وإنما بدءوا ينتهزون فرص التخلخل الذي بدأ يصيب الدولة الآشورية من الداخل والتي اتخذت شكل نزاعات على العرش صاحبتها ثورات داخلية في بعض الأحيان. ففي عهد الملك سنحاريب "٧٠٤-٦٨١ ق. م." قام أحد الزعماء الكلدانيين في بابل، وهو مردوخ بلادان، بثورة ضد الملك. ويحدثنا سنحاريب في نقش سجل عليه انتصاره على هذا الثائر أن من بين الأقوام التي اشتركت في تدعيم هذه الثورة عربًا وآراميين وكلدانيين وأن هؤلاء, بما فيهم العرب المشار إليهم، كانوا يسكنون مدن الوركاء ونفر وكيش وسبار. وحقيقة إن هذه المناطق تقع داخل وادي الرافدين، أي: ضمن حدود الدولة الآشورية، إلا أن الملك يذكر أنه في أثناء عودته إلى عاصمته حارب مجموعة من القبائل يعدد

стр. 452

أسماءها وهم قبائل من البدو. ويستنتج أحد الباحثين المعاصرين أن أسماء هذه القبائل ترجح أن الملك سلك في عودته إلى آشور "العاصمة" طريقًا في البادية محاذية لنهر الفرات ليلقي الروع في نفوس القبائل التي أيدت الثائر مردوخ بلادان وينتزع منهم الولاء للآشوريين١٤. وإذا كانت هذه المرحلة قد تميزت بهذا التدخل الإيجابي من جانب القبائل العربية الملاصقة لوادي الرافدين عن طريق مساندة الزعماء الثائرين ضد الملك الآشوري سنحاريب في داخل البلاد, فإن المرحلة التالية التي بدأت في عهد الملك الآشوري آشور بانيبال "٦٦٨-٦٣٣ ق. م." أخذت فيها العلاقات العربية مع الدولة الآشورية بعدا جديدا. ففي أثناء الثورة التي قام بها "شمش شوم أوكن" حاكم بابل ضد أخيه الملك آشور بانيبال، نجد تجمعا قبليا عربيا يشترك مع الأخ الثائر ضد أخيه الملك, ولكن العرب الذين قاموا بدعم الثورة ضد الملك ليسوا من قبائل البادية الملاصقة لنهر الفرت كما حدث في عهد الملك سنحاريب, وإنما يزحف التجمع العربي القبلي هذه المرة من منطقة بعيدة في النصف الغربي من شمالي شبه الجزيرة العربية، وهي منطقة دومة الجندل وتيماء، تحت قيادة الملك العربي ياتع الذي يبدو أنه لم يكتفِ بدعم الثورة بقواته، وإنما لعب دورًا أساسيًّا في تكوين حلف ضم قوات زعماء أو ملوك عرب آخرين "من بينهم ملك اسمه أبو ياتع" لهذا الغرض، كما "حرض كل سكان البلاد العربية للالتحاق به"١٥. كذلك نجد أحد الملوك المشتركين في هذا الحلف "وهو أبو ياتع الذي أسلفت الإشارة إليه" يواصل تحديه للملك الآشوري ويزيد على ذلك فيسعى في أكثر

стр. 453

من مناسبة لاستمالة الأنباط في "أقصى الطرف الغربي للهلال الخصيب" إلى جانبه في عدائه للملك آشور بانيبال، وبعد عدد من المحاولات ينجح أبو ياتع في استمالة الأنباط لمحاربة الآشوريين, لا لصد هجمات آشور بانيبال، ولكن هذه المرة لمهاجمة حدود الدولة الآشورية ذاتها بتدعيم من "نانتو" زعيم الأنباط١٦. وقد سقطت الدولة الآشورية في ٦١٢ ق. م. تحت ضربات القوتين المتحالفتين؛ الكلدانيين من "بابل" والميديين "من إيران". وبسقوط هذه الدولة قامت الدولة الكلدانية "أو الدولة البابلية الحديثة" في وادي الرافدين، وبدأ تطور جديد في العلاقات الخارجية العربية مع هذه المنطقة. وإذا كانت العلاقات الخارجية بين العرب ومنطقة وادي الرافدين قد اتخذت في عهد الآشوريين منطلقًا اقتصاديًّا يحاول فيه الآشوريون بسط نفوذهم على المواقع الأساسية للطرق التجارية البرية في الغرب من جهة، ويحاول العرب، ضمن الأقوام الأخرى أحيانا ووحدهم في أحيان أخرى، أن يقابلوا هذا الاتجاه الآشوري بتصدٍّ وصل إلى درجة الإيجابية الهجومية في بعض المناسبات من جهة أخرى، فإن ظروف الدولة البابلية الحديثة قد دفعتها إلى اتخاذ موقف من علاقاتها مع العرب لم يصل إليه الآشوريون من قبل، وكان محور هذه الظروف هو الوضع الاقتصادي المتدهور الذي وجدت الدولة الجديدة نفسها مقبلة عليه. وقد كان هناك سببانِ أديا إلى هذا الوضع, وأول هذين السببين هو أن سقوط الدولة الآشورية أتاح فرصة ذهبية أمام عدد من القبائل العربية

стр. 454

للسيطرة على عدد من المواقع الحيوية على الطريق التجارية الرئيسة التي كانت تربط بين جنوبي شبه الجزيرة العربية وشماليها، وأهم هذه القبائل هم الأنباط الذين نجحوا في الاستقرار في المنطقة المحيطة بالبتراء "جبل سعير" بعد أن زحزحوا القبائل الأيدومية من هذه المنطقة ودفعوا بهم نحو الشمال. وهكذا استطاع الأنباط "الذين رأيناهم يشتركون مع أبي ياتع في الهجوم على حدود الدولة الآشورية في عهد بانيبال" في أن يسيطروا من موقعهم الجديد ومن عاصمتهم التي تحصنها التكوينات الحجرية من ثلاث جهات، على عقدة رئيسة تتحكم في الطرف الشمالي من الخط التجاري المذكور. أما السبب الثاني فهو أن الميديين "الذين اشتركوا في إسقاط الدولة الآشورية" ما لبثوا أن ركزوا أنفسهم في القسم الشمالي الغربي من إيران، وأبعدوا بذلك الدولة البابلية الحديثة عن الطرق التجارية الآتية من شرق وشمال إيران، وهي الطرق التي كانت تجد طريقها قبل ذلك نحو الغرب إلى وادي الرافدين في عهد الآشوريين؛ وهكذا منع الميديون عن الدولة الجديدة في وادي الرافدين موردا اقتصاديا لا يمكن إغفاله أو الإقلال من أهميته١٧. ويبدو أن هذا التدهور الاقتصادي استمر تدريجيًّا وبشكل منتظم حتى بلغ أقصاه في الشطر الأخير من عهد الدولة البابلية الحديثة، إذ تشير أسعار المواد في العقدين الأخيرين اللذينِ سبقا سقوط بابل أمام الزحف الفارسي "في ٥٣٩ ق. م." إلى ارتفاعها إلى الضعف, ولنا أن نتصور ما يمكن أن يتركه هذا التضاعف على الواقع المعيشي والاقتصادي في المنطقة١٨. وأمام هذا التدهور من جهة، والازدهار الاقتصادي من جهة أخرى في

стр. 455

المواقع العربية المسيطرة على الخطوط التجارية البرية, وبخاصة الخط الذي يخترق شبه الجزيرة العربية من الشمال إلى الجنوب, نجد نابونائيد "نابونيدوس nabonidus عند الكتاب الكلاسيكيين" يتجه بأنظاره إلى الغرب ويقرر نقل مقر إمبراطوريته إلى واحة تيماء التي تشكل موقعا حيويا على الطريق التجاري الذي يصل شمالي شبه الجزيرة بجنوبها. وكان ذلك في السنة السابعة من حكمه أي: في ٥٤٩ ق. م. وأقام بها نحو عشر سنوات قبل أن يعود إلى بابل في ٥٣٩ ق. م. وهي السنة التي سقطت فيها بابل في أيدي الفرس الأخمينيين. وقد كان انتقال الملك البابلي إلى قلب شبه الجزيرة دون شك أمرًا جديدًا لم يكن في حسبان القبائل العربية التي اعتادت أن تتعامل مع ملوك من وادي الرافدين, إما يأتون إليها في حملات ينتهي أثرها في كثير من الأحيان بعودة هؤلاء الملوك إلى عاصمة دولتهم، أو يقضون فترات بعيدينَ عن هذه القبائل إذا ما شغلهم إقرار الأمور في داخل وادي الرافدين، وبخاصة في أوقات الاضطراب والثورات، عن الالتفات بشكل حاسم إلى محاولات العرب للسيطرة على المواقع المهمة على الخطوط التجارية مما أغراهم في بعض المناسبات بنقض عهودهم مع الملوك الآشوريين أو حتى بمحاولة الاعتداء على حدود الدولة الآشورية كما مر بنا. وهكذا حين انتقال نابونائيد للإقامة في تيماء نجد موقف العرب يبدو واضحًا في جهتين محددتين، سواء إزاء اتخاذه لهذه المدينة مقرًّا له, أو إزاء إخضاعه لعدد آخر من المدن الواقعة على الخط التجاري الشمالي الجنوبي بعد ذلك. فمن جهة نجد بعض قبائل العرب تتصدى له مباشرة وهو موقف يتضح لنا من أحد النقوش التي نجد فيها هذا الملك يقدم على قتل أمير تيماء وعلى ذبح قطعان الماشية التي يمتلكها سكان المدينة وضواحيها، ومن نقش آخر، رغم تلف بعض سطوره، نفهم أن سكان بعض المناطق العربية تعرضوا للملك وحاولوا أن ينهبوا ممتلكاته ولكنه نجح في القضاء على بعضهم وتشتيت البعض الآخر مما اضطرهم للخضوع له, ومن الجهة الأخرى يبدو أن

стр. 456

سكان بعض المناطق آثروا قبول الأمر الواقع، إذ يقول الملك: "إن بلاد العرب وكل الملوك الذين أبدوا عداءهم، أرسلوا لي برسلهم طالبين السلم وحسن العلاقات"١٩. وهناك ملاحظتان على إقامة نابونائيد في تيماء والأماكن التي وصل إليها وسيطر عليها, وأولى الملاحظتين هي أن المدن التي يذكرها في هذا الصدد تقع على الخط التجاري الشمالي الجنوبي مما يؤكد هدفه الاقتصادي من نقل مقر حكمه إلى تيماء. فإلى جانب هذه المدينة يذكر الملك أن هذه المدن هي دادانو، فاداكو، هيبرا، ياديهو، باتريبو٢٠. وفيما يخص دادان فإن هذه المدينة "وهي العلا الحالية" كانت أحد المواقع الرئيسة التي اتخذها المعينيون الشماليون مقرًّا لهم، وهيبرا هي خيبر، وفداكو هي فدك الواحة الخصبة الواقعة إلى شمالي خيبر, كذلك فإن ياديهو، كما يظهر من نطقها, هي يادع، وهي منطقة بين فدك وخيبر. أما ياتريبو فهي يثرب التي تغير اسمها إلى المدينة المنورة بعد هجرة الرسول ﷺ إليها. وأما الملاحظة الثانية فهي أن يثرب تشكل آخر عمق في شبه الجزيرة العربية وصل إليه أي ملك من ملوك الدول التي قامت في وادي الرافدين. ثم أختم الحديث عن علاقات العرب بالقوات الشرقية بعرض سريع لهذه العلاقات مع الإمبراطورية الفارسية. وفي هذا الصدد نجد الفرس يبدءون في مد نفوذهم على المناطق العربية بعد أن انتهوا من إسقاط بابل في ٥٣٩ ق. م. ففي أحد النقوش التي ترجع إلى عهد الملك قورش الثاني "٥٥٧ -٥٢٩ ق. م."

стр. 457

نجد هذا الملك الفارسي يذكر أن كل ملوك المنطقة الممتدة بين البحر الأدنى "الخليج" والبحر الأعلى "البحر المتوسط" قد دانوا له بالولاء, وأنهم قدموا إلى بابل حاملينَ معهم جزية كبيرة وقبَّلوا قدميه, ويذكر من بينهم "كل ملوك الأراضي الغربية، الذين يسكنون الخيام"٢١. والنص صريح فهو يشير إلى كل هؤلاء الملوك، ومن ثم فرؤساء القبائل والتجمعات العربية القبلية "إلى جانب المناطق العربية الحضرية" قد خضعت لسلطان هذا الإمبراطور الفارسي. غير أن تطورًا في العلاقات الفارسية العربية يبدو أنه حدث بين الشطر الأخير من القرن السادس ق. م. حين أخضع الملك قورش الثاني "٥٥٧-٥٢٩ ق. م." هذه المنطقة بعد سقوط بابل في ٥٣٩ ق. م., وبين أواسط القرن الخامس ق. م. إذ يذكر لنا المؤرخ اليوناني هيرودوتس "الذي عاش في أواسط هذا القرن" في أكثر من مناسبة ما يفيد أن العرب كان لهم وضع خاص, وعلى سبيل المثال فنحن نجد هيرودوتس herodotos المؤرخ اليوناني يذكر لنا في أثناء حديثه عن الولايات، أن "الولاية الخامسة "من ولايات الإمبراطورية الفارسية" تمتد بين بوسيدونيون على الشاطئ السوري ... وبين مصر، ما عدا القسم الذي يسكنه العرب فهم لا يدفعون ضريبة" ثم يعدد في موضع آخر أسماء الشعوب التي لم تكن تدفع ضرائب للإمبراطور الفارسي ولكنها تقدم هدايا له, ويذكر من بينها العرب الذين كانوا "يقدمون ما يساوي ألف وزنة talentum من الطيوب سنويا"٢٢. ويبدو واضحًا من المقارنة بين النقش الفارسي وبين نصوص المؤرخ هيرودوتس أن المنطقة التي احتلها الفرس على عهد قورش الثاني تعرض فيها

стр. 458

النفوذ الفارسي لشيء غير قليل من التخلخل, إذ يذكر المؤرخ اليوناني أن الإمبراطور الفارسي دارا "٥٢١-٤٨٩ق. م." أخضع كل آسيا، ما عدا العرب "الذين لم يقدموا له طاعة العبودية" ولكنه كان مرتبطًا معهم برباط الصداقة حيث أمَّنوا لقمبيز "إمبراطور فارس من ٥٢٩-٥٢١ ق. م." الطريق إلى مصر "التي ما كان ليستطيعَ دخولها لولا موافقة -يقصد حسن نية- العرب" ويؤكد هذا القول في مواضع أخرى يذكر فيها أن العرب ساعدوا قمبيز عندما أراد احتلال مصر بأن أمنوا له الطرق وزودوه بالماء وتبادلوا معه العهود٢٣. وهكذا تكون العلاقة بين الفرس والعرب في هذه الفترة علاقة من نوع خاص، فالعرب في المنطقة القريبة من مصر هم الذين يسيطرون على مسالك الطرق الصحراوية المؤدية من المنطقة السورية "بالمفهوم الجغرافي" إلى مصر؛ ومن ثم فلا يمكن السيطرة عليهم سيطرة كاملة بالطرق التنظيمية التقليدية, ولكن الفرس في الوقت ذاته محتاجون إلى خدماتهم في تأمين الطرق أمام القوات الفارسية وإرشاد هذه القوات وتزويدها بالمياه على الطريق. وهكذا يتحول مفهوم العلاقة بين الفرس والعرب إلى خدمات متبادلة وعهود متبادلة، ويشير هيرودوتس في صراحة محددة إلى أن العرب حافظوا على عهودهم مع الفرس٢٤. غير أن المناطق العربية الواقعة في أقصى الشمال من شبه الجزيرة العربية لم تكن المناطق الوحيدة التي تعرض لها الفرس في شبه الجزيرة، ففي نص من عهد الإمبراطور الفارسي حشويرش "خشيارشاه الذي عرفه الكتاب اليونان باسم XERXES ٤٨٥-٤٦٥ ق. م." نجد هذا الإمبراطور يشير بشكل مباشر إلى امتداد حكمه على بلاد العرب, إذ يذكر بين قائمة الأماكن التي امتد حكمه إليها "ماكا والبلاد العربية" و "ماكا" هي دون شك ماكاي MAKAE التي يأتي ذكرها عند الكتاب الكلاسيكيين, كتسمية لقسم من الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية "عُمَان الحالية",

стр. 459

وهي التي عرفت في النصوص الأكدية "في وادي الرافدين" قبل ذلك باسم ماكان أو ماجان وهي "بالجيم الجافة"٢٥. أما بلاد العرب في هذا النص فيبدو بالمقارنة مع النصوص الآشورية أنها تعني المناطق الواقعة في شمالي شبه الجزيرة بين وادي الرافدين والمنطقة السورية, وإن كان لنا أن نستثني من هذا التعميم، المناطق التي كانت تسكنها القبائل العربية في جنوبي المنطقة السورية التي رأينا أن العلاقة بينها وبين الفرس كانت علاقة من نوع خاص.

стр. 460

المرحلة الثانية: العلاقات مع القوات الغربية الاسكندر الأكبر والدول المتأغرقة ... ٢- المرحلة الثانية: العلاقات مع القوات الغربية: أ- الإسكندر الأكبر والدول المتأغرقة: وقد بقيت السيطرة الفارسية على منطقة الشرق الأدنى حتى الشطر الأخير من القرن الرابع.ق. م. وفي خلال هذه السيطرة لنا أن نتصور أن علاقاتهم بالعرب في شبه الجزيرة بقيت على ما هو عليه بما في ذلك علاقتهم "الخاصة" مع العرب الموجودين في أقصى الطرف الشمالي من القسم الشمالي الغربي لشبه الجزيرة العربية في المنطقة الواقعة بين القسم الجنوبي لسورية والحدود المصرية. ولكن الشطر الأخير من القرن الرابع ق. م. شهد بداية مرحلة جديدة من علاقات العرب بالعالم الخارجي ظهر على امتدادها اتجاهان واضحان: الأول هو أن هذه العلاقات اتخذت اتجاها غربيا بالدرجة الأولى، وبخاصة في العصر المتأغرق عصر الدول التي قامت على أنقاض إمبراطورية الإسكندر في أول القرن الثالث ق. م. وامتدت حتى ظهور العصر الإمبراطوري الروماني في العقود الأخيرة من القرن الأول ق. م. وفي عصر الإمبراطورية الرومانية. أما
следующие страницы →