← История

История · id 8384

العرب في العصور القديمة

لطفي عبد الوهاب

Полный текст (524 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المنشآت. وأخيرا فإن الباحث يحاول تدعيم نظريته هذه التي ترد زحف الإقفار على الأراضي الخصبة نتيجة لتدهور الحكومات وانصرافها عن شئون العمران وليس إلى عوامل الجفاف الطبيعي بأمثلة من لتقدم الذي حدث في عدد من البلاد العربية بعد القرن التاسع عشر والذي كانت نتيجته إنشاء عدد من المدن في مناطق صحراوية واسترجاع قدر كبير من الأراضي المقفرة وتحويلها إلى أراضي مزروعة عن طريق حفر الآبار وشق القنوات وتعمير القرى. وينتهي هذا الباحث من أدلته إلى أن فكرة الهجرات الدورية الكبيرة من شبه جزيرة العرب ليس لها ما يبررها, فليس هناك من يثبت مثلا أن العبرانيين أو الهكسوس قد جاءوا من شبه الجزيرة، كما أن الحديث عن أن قبائل يمنية هاجرت إلى تخوم الشام والعراق وأسست هناك إمارتي الغساسنة والمناذرة قول لا تؤيده المصادر الكلاسيكية "اليونانية واللاتينية" أو السريانية التي تشير بوضوح إلى أن هذه التخوم كانت مناطق عامرة بالسكان تعيش على الموارد التجارية نتيجة لمرور خطوط القوافل بهذه المنطقة، وأن الحكومتين اللتين قامتا هناك أسسهما زعماء أو رؤساء قبائل من المنطقة ذاتها دون أن نضطر إلى افتراض يخرج بنا عن حدودها, كذلك فهو يرى أن الفتوح الإسلامية لم تشكل هجرة كبيرة بالمعنى المتعارف عليه انطلقت من شبه الجزيرة. وفي رأيه أن القوات التي فتحت العراق والمنطقة السورية لم تقتصر على القبائل الحجازية أو النجدية، وإنما أسهمت فيها قبائل من نصارى العراق وسورية رأوا أن المقاتلين المسلمين من بني جلدتهم, فانحازوا إليهم رغم اختلاف الدين ضد الفرس والبيزنطيين. وفي رأي هذا الباحث عدد من نقاط القوة دون شك, وبخاصة فيما يتعلق باعتراضه على فكرة الهجرات الدورية الكبيرة, وفي ذكره لعامل القلاقل المحلية

стр. 72

التي قد تدعو إلى هجرات صغيرة غير منتظمة. على أني أجد في رأيه عددًا من نقاط الضعف أود أن أرد عليها في إيجاز, وأول هذه النقاط هي أن تجاهل نظرية كسبب أساسي للإقفار اعتمادا على أن البحوث الجيولوجية التي تمت في شبه الجزيرة العربية محدودة سواء في عددها أو في عدد المناطق التي أجريت فيها ليس كافيًا لتجاهل العلاقة بين الجفاف والإقفار كسبب ونتيجة مترابطين ترابطا وثيقا. ودليلنا على هذا هو أن المنطقة المقفرة لا تقتصر على شبه الجزيرة وحدها بحيث يمكن أن نرد الإقفار إلى إهمال الحكومات فحسب، فشبه الجزيرة العربية تشكل جزءا واحدا من امتداد صحراوي مقفر كبير يمتد من الشواطئ الغربية الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي غربا إلى نهر الإندوس في الهند شرقا لا يخفف من حدته إلا منطقتان كانت الأنهار الكبيرة فيهما قد نحتت مجراها واستقرت عليه قبل حلول عصر الجفاف, وهما وادي النيل في مصر ووادي دجلة والفرات في العراق. ونحن لا نستطيع أن ندعي أن كل هذا الامتداد الصحراوي "الذي يضم إلى جانب شبه الجزيرة العربية، الصحراء الغربية إلى غربي النيل والصحراء الشرقية -وتسمى أحيانا صحراء العرب- إلى شرقي هذا النهر، ثم هضبة إيران" قد جاء إقفاره نتيجة لضعف الحكومات وانصرافها عن الاهتمام بالموارد الحيوية للبلاد, فقد كانت بعض هذه الصحاري ضمن حدود دول شهدت فترات من القوة والوحدة والتماسك والازدهار مثل مصر وفارس. ومع ذلك بقيت الامتدادات الصحراوية والمقفرة كما هي دون أن تمتد إليها الخصوبة. أما الاستشهاد بأن يد الإنسان قد تمكنت بعد القرن التاسع عشر من انتزاع مساحات من الأرض المقفرة الصحراوية في البلاد العربية وإدخالها في دائرة الخصوبة والزراعة والعمران فردنا عليه هو أن إمكانات العلم الحديث قد أتاحت لإنسان القرن العشرين قدرًا من السيطرة على الطبيعة لم يكن متاحا له في العصور القديمة, سواء في تعمير الأراضي المقفرة أو في غيرها من المجالات.

стр. 73

وحتى مع ذلك فإن مساحات الأراضي المقفرة التي أمكن استصلاحها ومد العمران إليها لا تشكل حتى الآن نسبة على قدر كبير من الضآلة إذا قورنت بمساحة الامتدادات التي لا تزال على إقفارها في هذه البلاد. وأخيرا، وليس آخرا، فإن استشهاد الباحث بما حدث في حالة اليمن في القرن السادس الميلادي هو استشهاد محدود زمنًا ومكانًا؛ فشبه الجزيرة العربية، وإن كانت تخضع في عمومها لظروف جغرافية واحدة، فإن أقسامها المختلفة تختلف فيما بينها في حظ كل منها من هذه الظروف، سواء في ذلك عامل الجفاف الذي لم يكن متماثلا في كل أقسام شبه الجزيرة, وإنما كان يقسو أحيانا قسوة بالغة يظهر أثرها واضحا في حياة الارتحال والتفكك, وتخف قسوته أحيانا فتحظى بعض المناطق بأنصبة متفاوتة من الماء والخصوبة, أو عامل الموقع الذي يتأثر بالضرورة بطرق المواصلات والخطوط التجارية، كما يتأثر بالقوى والعلاقات الدولية المحيطة به في فترة أو في أخرى من فترات الحركة التاريخية النشطة غالبا المتراخية في بعض الأحيان، بين القوى الشرقية والغربية المتصارعة والتي ظهر صراعها بشكل خاص في المنطقة التي تشغل نقطة الوسط بين هذه القوى، وهي منطقة الشرق الأوسط، وشبه الجزيرة العربية. وقد كانت نتيجة كل ذلك اختلافًا في طبيعة القوام السياسي بين منطقة ومنطقة، ابتداءً بالقوام القبلي ومرورًا بالتجمعات أو الأحلاف القبلية وبالإمارات وانتهاءً بالقوام الناضج للدولة في بعض المناطق -وهو وضع طبع شبه الجزيرة العربية في عصور ما قبل الإسلام بطابعها المميز الذي تجاورت وتناوبت فيه الحضارة باستقرارها وثروتها وعمرانها وثقافتها وأديانها السماوية، مع البداوة بترحالها وفقرها وقفرها وتخلفها ووثنيتها البدائية.

стр. 74

الساميون والعرب مدخل ... ٣- الساميون والعرب: هذا هو مجمل الآراء التي دارت حول الموطن المفترض للشعوب التي

стр. 75

أصبحت تسمى بالشعوب السامية على امتداد القرنين الأخيرين. وقد ناقشت ما جاء فيها من شواهد وأدلة وما أثارته من ردود واعتراضات مبينا موقفي من كل منها نفيا أو احتمالا أو ترجيحا. ولعل كثرة ما دار حول هذه القضية من نقاش ورد ونقد واعتراض هو خير دليل على أن الحديث عنها لا يزال بعيدا عن مرحلة الرأي المؤكد المسلم به.

стр. 76

أ- ملاحظات حول فكرة موطن أصلي للساميين: على أني أود، رغم ذلك، أن أورد في ختام هذا الحديث عددًا من الملاحظات سبق أن أشرت إلى بعضها، حتى أخلص إلى تصور أرى أنه -في غياب أي دليل فاصل وقاطع في هذا الموضوع- يتفادى على الأقل عددا من نقاط الضعف أو الاعتراضات التي ظهرت في المناقشات التي دارت حوله حتى الآن. وأولى هذه الملاحظات هي أن افتراض موطن أصلي انطلقت منه هجرات كبيرة، كونت الشعوب التي تتحدث اللغات السامية ليس أمرا ضروريا أو لازما لتفسير التشابه أو التقارب بين هذه اللغات؛ فاللغات أداة تعامل وتداول تنتقل وتؤثر وتتأثر بالحركة والاختلاط والتجاور والتبادل، والهجرات جزء من هذا كله ولكنها ليست كل شيء ولا يمكن أن ينظر إليها على أنها تشكل العامل الوحيد الذي يؤدي إلى ما بين أية مجموعة من اللغات من تشابه أو تقارب. والملاحظة الثانية هي أن الارتباط بين الهجرات الدورية أو الكبيرة وبين الجفاف والإقفار الذي حل بالمناطق التي انطلقت منها هذه الهجرات أمر وارد, ولكنه لا يشكل مع ذلك حكما عاما أو قاعدة متواترة، فهناك من الشواهد التاريخية ما يثبته, لكن هناك كذلك ما ينفيه، وعلى سبيل المثال فمن

стр. 77

الشواهد التي تؤيده الهجرات التي انطلقت في القرن الثاني عشر ق. م. من سهوب آسيا الوسطى بسبب عوامل الإقفار والقحط المترتب عليه. واندفعت غربا لكي تستقر في بعض مناطق آسيا الصغرى والقسم الشرقي من أوروبا وليفر أمامها عدد من الشعوب أو الأقوام التي حاولت أن تستقر في مناطق مختلفة على الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط, وقد عرفت هذه الشعوب في التاريخ القديم باسم شعوب البحر٣١. ومن هذه المنطقة "آسيا الوسطى" كذلك انطلقت في القرن الرابع الميلادي قبائل الهون التي أغارت على الحدود الشمالية الشرقية للإمبراطورية الرومانية واستقرت في عدد من مناطق أوروبا الشرقية. والمنطقة نفسها شهدت في القرن الحادي عشر الميلادي انطلاق القبائل التركية التي استقرت في آسيا الصغرى والشريط الساحلي الأوروبي لمداخل البحر الأسود لتؤسس الدولة العثمانية فيما بعد. ولكن مع ذلك فالتاريخ يقدم لنا، من الجانب الآخر، أمثلة لا يرتبط فيها الجفاف والإقفار بالهجرات الكبيرة أو الدورية, فهناك مناطق انطلقت منها هجرات كبيرة دون أن تتعرض لأي جفاف أو إقفار، وأوضح مثل على ذلك هو هجرات القبائل الجرمانية المتبربرة التي اتجهت من مواطنها الأصلية في شمالي أوروبا لتجتاح حدود الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الميلادي، على أن المنطقة التي جاءوا منها لم تتعرض لجفاف أو للإقفار. كذلك هناك مناطق أصابها الجفاف والإقفار ولم يؤدِّ ذلك إلى هجرة سكانها، وعلى سبيل المثال فقد عرفت مصر عدة فترات من الجفاف والقحط نتيجة لعدم فيضان النيل كانت كل فترة منها تمتد عدة سنوات،

стр. 78

من بينها فترة على الأقل في العصر القديم ظلت ذكراها متواترة إلى أن أشار إليها القرآن الكريم, وفترة أخرى في العصر الوسيط ذكرها المؤرخون المسلمون. وكان المصريون حسب الانطباع الذي يتركه لدينا القرآن وحسبما سجل المؤرخون المسلمون، يقاسون مقاساة شديدة, ومع ذلك فلم يترك المصريون موطنهم الأصلي ويهاجروا إلى مناطق جديدة. والشيء ذاته نجده في وادي الرافدين، فقد عرفت هذه المنطقة فترات مشابهة من الجفاف والقحط في عصورها المختلفة نتيجة لانخفاض منسوب المياه في نهري دجلة والفرات في وقت الفيضان، وقد وعت ذاكرة السكان في وادي الرافدين القحط, والشدة التي تعرض لها سكان البلاد في تلك الفترات منذ القدم وسجلها التراث الشعبي العراقي القديم فيما تركوه من ملاحم في عصر السومريين والبابليين، ولكن هذه الملاحم لم تذكر ولو مرة واحدة شيئًا عن هجرة سكان وادي الرافدين أو عن تفكيرهم في الهجرة٣٢. والملاحظة الثالثة هي أنه ليس هناك سبب حقيقي يدعو إلى الافتراض أن كل الشعوب المتحدثة باللغات السامية قد هاجرت بالضرورة من موطن صحراوي أو أن هذه الشعوب قضت في أطوارها الأولى حياة بدوية, والدليل الذي أسوقه في هذا الصدد هو وضع "الأكديين" في وادي الرافدين في العصور القديمة. لقد كان هؤلاء الأكديون شعبا ساميا يقطن المنطقة الزراعية الوسطى في وادي الرافدين التي تمتد بين نهري دجلة والفرات من نهر في الجنوب إلى هيت وسامراء في الشمال تقريبا، وقد ظهروا بشكل قوي على مسرح تاريخ وادي الرافدين ابتداء من عهد الملك سارجون الأكدي "حوالي

стр. 79

٢٣٧١-٢٣١٦ ق. م" وإن كان هذا لا يعني أنهم لم يكونوا موجودين في المنطقة قبل ذلك. وقد كانت منطقتهم أكّد تقع إلى شمالي المدن السومرية التي ظهرت منذ فجر التاريخ في جنوب الوادي ورغم أن تداخلا حدث بين الأكديين وبين السومريين قبل عهد سارجون كما يشير إلى ذلك عدد من الألفاظ السومرية التي تبناها الأكديون وعدد من الألفاظ الأكدية السامية التي تبناها السومريون "وهم شعب كان يتحدث لغة لا علاقة لها بالمرة باللغات السامية" إلا أننا لا نجد نصا سومريا واحدا -على كثرة ما عثر عليه من هذه النصوص- يصف الأكديين بأنهم أعداء أو غزاة أو بدو، وهذا يشير إلى أنهم لم يكونوا وافدين إلى المنطقة من الصحراء, وإنما كانوا مستقرين فيها مثلما كان السومريون مستقرين في الجنوب. وفي الواقع فإن هذا الاستقرار يشير إليه أكثر من دليل, فقد كان الأكديون -رغم اختلاف اللغة- يمارسون نفس نمط الحياة الذي كان يمارسه السومريون "ولا غرابة في ذلك فالشعبان تحيط بهما ظروف طبيعية واحدة". فهم يعيشون مثلهم حياة حضرية في المدن والقرى ويشاطرونهم نفس أسلوب الحياة ونفس المعتقدات الدينية. وحين أصبحت السيادة على المنطقتين للأكديين منذ عهد الملك سارجون غيرت هذه السيادة تاريخ وادي الرافدين بأكمله، ولكنه رغم ذلك لم تغير الشخصية السومرية لحضارة وادي الرافدين. ومن بين الجوانب الكثيرة التي تشير إلى هذه الحقيقة جانب المعتقدات الدينية التي ظلت كما هي في مضمونها، وجانب الملاحم البطولية التي ظلت تتخذ محورا لها أبطالا سومريين وجانب الأساطير التي كانت في عهد السياسية الأكدية مجرد ترجمة للأساطير السومرية في أغلب الأحيان٣٣.

стр. 80

ب- تصور مطروح حول هذه الفكرة: وبعد هذه الملاحظات المبدئية، وفي ضوئها، انتقل الآن إلى التصور

стр. 81

الذي أريد أن أقدمه في مسألة الشعوب الناطقة باللغات السامية, إن الناظر إلى المنطقة التي استقرت فيها هذه الشعوب يجد أنها تشكل امتدادًا واحدًا متكاملًا, يضم شبه الجزيرة العربية ووادي الرافدين والصحراء السورية والمنطقة السورية، وحتى منطقة الحبشة التي تقع عبر البحر الأحمر لا يمكن اعتبارها في الحقيقة خارجة عن هذا الامتداد إذا أدخلنا في اعتبارنا أن الذي يفصل بينها وبين شبه الجزيرة العربية هو المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو مدخل ضيق مليء بالجزر التي تشكل اتصالا بين الحبشة والطرف الجنوبي الغربي لشبه جزيرة العرب أكثر مما يشكل انفصالا بينهما. ومن الثابت جغرافيا أن هذه المنطقة كانت قبل نهاية عصر البلايستوسين "حوالي ١٠٠٠ ق. م" منطقة خضراء آهلة بالسكان, ولنا أن نتصور أن هؤلاء السكان -بحكم تجاورهم وانتمائهم إلى منطقة واحدة- كانوا يتحدثون بلغات متقاربة أو بلهجات متقاربة من لغة واحدة. ومن الثابت جغرافيا كذلك أن عصر الجفاف قد حل بهذه المنطقة "كما حل بامتداداتها في الشرق إلى نهر الإندوس في الهند, وفي الغرب إلى شواطئ المحيط الأطلسي" بحيث أدى الجفاف المستمر إلى إقفار المنطقة وتحولها إلى صحراء فيما عدا بعض المناطق التي سمحت ظروفها الجغرافية ببقاء الخضرة والخصوبة لسبب أو لآخر -مثل وادي الرافدين الذي كان فيه نهرَا دجلة والفرات قد نحتا مجراهما فتكون الوادي الخصب بينهما وأصبحا مصدرا لري هذا الوادي، ومثل بعض المناطق الأخرى في جنوب غربي شبه الجزيرة وعلى الساحل السوري وفي الحبشة, حيث تقوم المرتفعات بصد الرياح المحملة بالأمطار القليلة أو الكثيرة فتسقط هذه الأمطار على قلتها أو كثرتها في هذه المناطق لتعطيها نسبا متفاوتة من الخصوبة. ونتيجة لذلك فإن سكان المناطق التي استطاعت أن تتفادى نتائج الجفاف وتبقى على شيء من الخصوبة ظلوا مستقرين في مناطقهم الأصلية ومارسوا حياة الاستقرار بكثافات مختلفة

стр. 82

حسب حظ مناطقهم من الماء ومن ثم من الخصوبة، في وادي الرافدين والساحل السوري ومنطقة اليمن والحبشة والواحات التي تحيط بالعيون والينابيع المتناثرة في المناطق الصحراوية الواسعة في شبه جزيرة العرب أو على تخومها الشمالية، أما سكان المناطق المقفرة فقد تراجعوا أمام زحف الصحراء إلى تخوم المناطق الخضراء المتبقية ليعيشوا حياة بدوية تقوم على الرعي, ومن ثم الارتحال حيثما تنمو الأعشاب من منطقة إلى منطقة, ومن موسم إلى موسم. ويقدم لنا أحد الباحثين تصورا منطقيا وتاريخيا لما كان يمكن أن يجري في هذه المناطق الحدية الواقعة بين مناطق الخصوبة والاستقرار من جهة ومناطق البداوة والارتحال في الفترة السابقة لظهور الجمل في مناطق الشعوب السامية في غضون القرن الثاني عشر ق. م. حين كان الحمار لا يزال هو دابة النقل عند هذه الشعوب. وهو يذكر لنا في هذا المجال أن البدو كانوا على علاقة وثيقة ومستمرة مع المزارعين في المناطق الخصبة, فالمزارعون يشترون منهم بعض الأغنام ويزودونهم في مقابلها بالحبوب والتمر والأدوات والأسلحة والسلع الأخرى التي يحتاجون إليها في حياتهم اليومية, والصورة العامة لهذا التبادل هي أن أفرادا أو جماعات من الجانبين كانت تلتقي بشكل منتظم في القرى أو الأسواق الواقعة عادة خارج أسوار المدن، يتبادلون سلعهم ويتبادلون معها، دون شك، أحاديثهم وأفكارهم، وبعدها يعود البدو إلى مراعيهم التي ربما لم تبتعد عن هذه الأسواق والقرى إلا بضعة أميال، وفي بعض الأحيان فإن بعض الأفراد من البدو قد يتركون قبيلتهم لكي يعملوا في المدن إما كجنود مرتزقة أو كحرفيين أو كتجار. وفي أحيان أخرى فإن أسرة من البدو أو عشيرة أو قبيلة بكاملها قد تحصل على قطعة من الأرض داخل المنطقة المزروعة، إما يستولون عليها استيلاء أو يقدمها إليهم أصحاب الأراضي الزراعية أو حكوماتهم، وفيها يمارس البدو حياة الزراعة إلى جانب رعي الأغنام.

стр. 83

وفي ضوء هذه الظروف كان يحدث كثيرا أن تمد حكومات المناطق الزراعية سيطرتها في صورة أو في أخرى إلى القبائل البدوية ليستخدموهم كجنود مرتزقة أو مساعدة بشكل خاص كلما احتاجوا إليهم. ولكن الوضع قد ينعكس في أوقات الاضطرابات أو القلق السياسي فتشن القبائل البدوية بشكل فردي أو جماعي الغارات على المجتمعات الزراعية المستقرة وتنهب مدنها وتحتل مساحة صغيرة أو كبيرة من أراضيها تنتهي بالاستقرر فيها. وهكذا يأتي هذا الباحث إلى ختام تصوره التاريخي ليذكر أن استقرار البدو في المناطق الزراعية كان، على هذا النحو، تطورا بطيئا ويكاد يكون مستمرا مع فترات تدخل مسلح من حين لآخر. وهو في هذا كله لم يتم نتيجة لحركات "هجرات" كبيرة من قلب الصحراء إلى المناطق الزراعية، وإنما اتخذ شكل انتقال على مدى مكاني قصير أو متوسط في المناطق الحدية الواقعة بين الأراضي الزراعية حيث الاستقرار, والأراضي العشبية البدوية٣٤. وهذا التصور وارد إلى حد كبير. ورغم اقتصار الباحث في حديثه على الفترة السابقة لظهور الجمل في حياة الشعوب السامية، إلا أنه بالإمكان أن يغطي، بشكل جانبي، الفترة التالية لظهور الجمل كدابة نقل تصلح للمسافات البعيدة. وفي الواقع فإن ظهور الجمل في حياة البدو من الممكن أن يزيد من حجم هذا الاتصال بين سكان المناطق الواقعة حول العيون والينابيع في قلب الصحراء وبين المناطق الخصبة المرزوعة. وقد يتم هذا عن طريق التعامل التجاري بين أطراف شبه الجزيرة العربية وهو أمر وجد فعلا فظهرت خطوط القوافل التجارية لتصل بين سكان شبه الجزيرة العربية والمناطق المتاخمة لها في وادي الرافدين والمنطقة السورية، وقد ساعد على هذا دون شك الموقع المتوسط لشبه الجزيرة الذي كانت تمر بشماله الخطوط التجارية البرية الآتية

стр. 84

من الشرق الأقصى والذي كانت تمر على شواطئه الخطوط البحرية من المحيط الهندي والموانئ اليمنية في الجنوب الغربي لشبه الجزيرة العربية, ومنها تنتقل بالطرق البرية إلى الساحل السوري في الشمال ومنه إلى الشواطئ المتعددة للبحر المتوسط، وهي طرق لم تندثر حتى بعد أن نشطت الحركة التجارية في البحر الأحمر. هذه الحركة التجارية التي كانت تجعل أجزاء شبه الجزيرة العربية على اتصال دائم مع المناطق المتاخمة لها -كانت دون شك استمرارا موسعا لما كان يحدث في الفترة السابقة من تداخل بين مناطق البداوة والحضارة قبل أن يظهر الجمل في أفق الشعوب السامية. وقد كان هذا كله وسيلة لاتصال مستمر بين هذه الشعوب لا يجعل لغاتها تنفصل عن بعضها إلى نقطة اللا عودة أو حتى إلى نقطة الاختلاف الكبير -وهو اتصال لم تقتصر مقوماته على هذه التحركات السلمية، وإنما امتد ليشمل تحركات من نوع آخر كانت تتم بشكل توسعي، سياسي وعسكري، وكانت تتخذ عادة شكل حروب وغارات تقوم بها القوات الآشورية والبابلية الحديثة بشكل خاص على المناطق الواقعة إلى غربيها, وفي أثناء هذه التوسعات سواء أكانت مؤقتة أو طويلة الأجل كانت في حد ذاتها نوعا من استمرار الصلة، وإن تم بشكل عنيف، داخل دائرة هذه الشعوب٣٥. وشيء مثل هذا يمكن أن يقال بتفاصيل أخرى عن العلاقة بين جنوب غربي شبه الجزيرة ومنطقة الحبشة عبر مضيق باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر وبخاصة في القرن السادس الميلادي.

стр. 85

ونحن نستطيع أن ندرك مدى استمرار الصلة بين هذه الشعوب "بغض النظر عن الصورة التي تتخذها هذه الصلة" ومن ثم استمرار التقارب بين لغاتها, إذا أضفنا إلى كل هذا أن المنطقة بأكملها كانت تقع بين القوات أو الإمبراطوريات الكبيرة؛ في الشرق حيث الفرس, وفي الغرب حيث الدول المتأغرقة التي قامت في بداية القرن الثالث على أنقاض إمبراطورية الإسكندر الأكبر، ثم الإمبراطورية الرومانية ثم الإمبراطورية البيزنطية, وأن هذه الإمبراطوريات كانت في صراع شبه دائم إن لم يكن دائما فعلا في علاقاتها، وأن هذا الصراع كان يمتد في بعض الأحيان لكي يدخل فيه طرف ثالث مثل دولة الحبشة "وبخاصة في فترة الصراع بين البيزنطيين والفرس". وفي خلال كل هذا كان سكان المنطقة ينشطون بأشكال وصور مختلفة حسب نوعية الظروف التي تبرز من مرحلة إلى مرحلة، فتقوم لهم دول مستقلة مثل مملكة تدمر أو مملكة الأنباط أو إمارات تابعة أو شبه تابعة مثل إمارة المناذرة في الحيرة وإمارة الغساسنة في الشام، وتنشط الخطوط التجارية من حين لآخر إذا تمخضت كل هذه العلاقات أو بعضها عن ظروف مواتية، أو تنشط المواجهات العسكرية في ظروف أخرى، فيتم الاتصال سلاما أو عنفا, ولكنه في كلتا الحالين محافظ على استمرار التقارب بين لغات هذه الشعوب. وأخيرا، وليس آخرا, فنحن نستطيع أن نضيف إلى كل ما سبق ذكره عاملين سبق أن أشرت إلى أحدهما بشكل جانبي, وأحد العاملين هو دون شك الاضطرابات التي كانت تحدث في بعض المناطق مثل اليمن لتصيب الاستقرار والموارد الاقتصادية فيهاجر بعض أبناء المنطقة إلى مناطق أخرى بحثًا عن الأمن والاستقرار وعن موارد جديدة. أما العامل الآخر الذي لا ينبغي أن نستبعده احتمالا، أو حتى ترجيحا, في ضوء ظروف الجفاف والقحط التي يمكن، إذا اشتدت وطأتها، أن تدفع بأعداد منظمة أو شبه منظمة من السكان إلى

стр. 86

ترك مناطقهم إلى مناطق أخرى أكثر خصبًا وبخاصة بعد ظهور الجمل في حياة الشعوب السامية, وإن كنت أبادل فأقول: إن تحديد هذه الهجرات وترتيبها في أزمان محددة واستقرارها في مناطق محددة هو أمر لا نملك أن ندعمه بشواهد تاريخية قاطعة حتى الآن. وهكذا أصل إلى نهاية النقاش لأذكِّر بأن الحديث عن الشعوب السامية, ومن بينها العرب، ليس حديثا عن شعوب تنتمي إلى عنصر واحد وتنحدر من أصل واحد لهذا العنصر، وإنما هو حديث عن شعوب تتقارب لغاتها إلى حد واضح في عدد من الجوانب المهمة، من بينها جذور ألفاظها وطريقة تكوين هذه الألفاظ وتصريفها ومن بينها الأسماء الدالة على تكوين الأسرة وعلى التنظيمات السياسية والعلاقات الاجتماعية والمعتقدات الدينية -وكلها, كما هو ظاهر، تدور حول تكوين المجتمع وحركته، ومن ثم تدل على احتكاك مستمر بين هذه الشعوب. على أن هذا كله لا يدفعنا، وليس هناك مبرر علمي أو تاريخي لأن يدفعنا، إلى افتراض موطن أصلي لهذه الشعوب انطلقت منه في صورة هجرات دورية كبيرة منتظمة إلى بقية أرجاء المنطقة التي استقرت فيها بشكل نهائي، وإنما التصور الذي يتعارض مع المنطق والذي يتفادى كثيرا من النقد العلمي والتاريخي هو أن التشابه الذي نراه بين لغات هذه الشعوب حتى الآن هو نتيجة لتعامل مستمر اتخذ أشكالًا متعددة. ومن بين أشكال هذا التعامل، التداخل البطيء الذي كان يتم بين المناطق البدوية والمناطق الزراعية التي تقع على تخومها في الفترة السابقة لظهور الجمل كدابة نقل تملك الإمكانات المناسبة للتنقلات البعيدة سواء من حيث الأحمال أو الاحتمال٣٦. ومن بينها احتمال هجرات كبيرة من حين لآخر

стр. 87

بسبب اشتداد القحط أو بسبب اختلال الأمن وتدهور العناية بالموارد الاقتصادية في منطقة أو أخرى. ومن بينها كذلك ما دار داخل المنطقة من علاقات سلمية أو حربية بين المناطق الواقعة في داخلها. وإلى جانب كل هذا كان هناك الموقع المتوسط الذي تشغله المنطقة بين الشرق والغرب, فكانت ممرا تجاريا نشطا بينهما، وهو ممر اشتركت فيه بقوافلها بكل ما تمثله هذه القوافل من معاملات واتصالات بين شعوبها، كما تأثرت بسبب هذا الموقع المتوسط، بالقوات الكبرى التي ظهرت في الشرق أو في الغرب بكل ما يستتبعه هذا من تحركات ولقاءات سلمية أو حربية كانت المنطقة في خلالها همزة وصل في كثير من الأحيان.

стр. 88

ج- العرب وفكرة الأصل السامي: هذا، إذن، هو التصور الذي أطرحه فيما يخص الساميين أو الشعوب السامية وأصلهم وصلتهم بشبه جزيرة العرب، وهنا نصل إلى سؤال أخير: أين موقع العرب من هذه الشعوب السامية؟ لقد بدأ الحديث عن أصل العرب بين الإخباريين أو كتَّاب الأخبار الأول في صدر الإسلام عند اثنين من هؤلاء هما عبيد بن شرية الجرهمي وهو يمني, ووهب بن منبه وهو يمني كذلك، وجاء الحديث ضمن ما رواه هذان الإخباريان عن أصل الشعوب الموجودة من عرب وغير عرب، واستمر هذا الحديث في الكتابات العربية في العصر الإسلامي عدة قرون زادت فيها تفاصيله وتشعبت وتداخلت حتى لخصها وصنفها ابن خلدون في أواخر القرن الثامن الهجري "أواخر القرن الرابع عشر الميلادي" في الجزء الثاني "الذي يلي جزء المقدمة" من تاريخه المعروف "العبر وديوان المبتدأ والخبر". ودون دخول في تفاصيل الأنساب التي ربطها هؤلاء الكتاب بالعرب وفي اختلافاتهم في هذه الأنساب, فقد اتفقوا بشكل عام إلى تقسيم العرب إلى

стр. 89

طبقتين أساسيتين هما العرب البائدة ومن بينهم قبائل عاد وثمود وطسم وجديس, وقد باد هؤلاء لسبب أو لآخر, وعرب باقية, وهؤلاء بدورهم قسمهم الكتاب من إخباريين ومؤرخين إلى طبقتين: العرب العاربة أي أصحاب اللسان العربي الأول, الذين أخذوا عن هؤلاء اللغة العربية واصطنعوها لسانا لهم. والذي يهمنا في صدد الحديث الحالي هو ما ورد في هذه الكتابات من محاولات لربط العرب عرقيا، أي عن طريق تسلسل النسب وقرابة الدم بالأصل السامي، وهي محاولات يظهر من بينها, على سبيل المثال، ما ذكره عبيد بن شرية في أثناء حديثه عن أبناء نوح ﵇ من أن أحد أبنائه وهو "سام" كان له ابنان، أحدهما إرم وإليه وإلى بنيه ينتسب العرب٣٧. وما ذكره عدد من الكتاب الآخرين, مثل البلاذري والمسعودي، من أن العرب العاربة ينتسبون إلى قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح٣٨. ورغم أن هذه الكتابات ظهرت جميعا بعد انتهاء العصر الجاهلي وظهور الدعوة الإسلامية، بل كان ظهور بعضها بعد الإسلام بعدة قرون كما أسلفت، ورغم أن بعضها على الأقل تحيط به شكوك كثيرة سواء فيما يخص الملابسات التي أحاطت بالكتابة نفسها أو بمضمون هذه الكتابة أو فيما يخص الاختلافات بين أصحاب هذه الكتابات٣٩, إلا أن نقطة أساسية لا بد

стр. 90

أن نعترف بها قبل البدء في مناقشة هذا الانتساب العرقي بين العرب وبين سام بن نوح، وهذه النقطة هي أن العرب كانوا حريصين على ظاهرة النسب في عمومها، وعلى وجه الخصوص في العصر الجاهلي, وهو أمر نلمسه بشكل واضح في الشعر الجاهلي وما فيه من مواضع كثيرة يفخر فيها شعراء الجاهلية بانتسابهم إلى عشيرة أو قبيلة معينة, أو يهجون فيها عشيرة أو قبيلة أخرى. وفي الواقع فإن هذه الظاهرة كانت من طبيعة الأشياء في شبه جزيرة العرب بكل ما أحاط بها من ظروف طبيعية تجعل العصبية رابطة أساسية تتكتل أو تلتف حولها كل مجموعة من المجموعات التي انقسم إليها سكانها، تلتف حولها القبائل البدوية في تلمسهم لأسباب الحياة تسابقا وتصارعا فيما بينها حول منابت العشب ومنابع الماء أو إغارة على قبائل الحضر المستقرة، وتتكتل حولها قبائل أو عشائر الحضر سواء في تصديقهم، عنفا أو سلاما، لغارات البدو، أو في صراعهم فيما بينهم داخل المدينة الواحدة أو داخل الإمارة أو المملكة الواحدة في صراعها حول الاستئثار بزمام السلطة وما يعنيه هذا من خير كثير في وقت لم يكن فيه سكان شبه الجزيرة قد عرفوا التكتل حول إيديولوجيات سياسية, ومن ثم كان التصور الوارد هو التكتل حول العصبية التي تقوم على أساس من رابطة العرق أو رابطة الدم والانتماء إلى أصل واحد سواء أكان حقيقيا أو موهوما. ونحن نلمس هذا التمسك بأرومة الدم أو الأصل الواحد في احتفاظ عدد من الأقوام أو المجموعات التي سكنت بعض أقسام شبه الجزيرة العربية بأسمائها حتى بعد أن تنتقل، لسبب أو لآخر, من مواطنها الأصلية إلى مواطن أخرى بعيدة عنها, فقوم عاد الذين يشير القرآن الكريم إلى موطنهم الأصلي في منطقة الأحقاف في القسم الجنوبي من شبه الجزيرة تحت اسم عاد الأولى، لا نلبث أن نراهم، سواء في القرآن الكريم أو في الكتابات الكلاسيكية في موطنهم الجديد في القسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة, محتفظين باسمهم القديم, والثموديون الذين لا تزال نقوشهم قائمة حتى الآن في المنطقة الوسطى نراهم، هم الآخرون، وقد احتفظوا باسمهم في المنطقة الشمالية

стр. 91

الغربية، مرة أخرى في المصادر القرآنية والكلاسيكية٤٠. والشيء ذاته ينطبق على السبئيين، وهم من عرب الجنوب الذين أسسوا في الشمال مدنا أو مستوطنات تحت اسم سبأ مؤثرين بذلك إلى إيثارهم لتسميتهم كقوم على أية معطيات مكانية قد توحي باسم جديد. وإذن فتصور الرابطة العرقية كنقطة تكتل بين المجموعات التي سكنت شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام "وفي الواقع حتى بعد ظهور الإسلام رغم كل ما حملت الدعوة الإسلامية من قيم جديدة تتجاوز القبلية والعنصرية عموما" هو تصور قائم، ومن ثم يصبح الحديث عن الأنساب عند العرب أمرا واردا، وهو حديث يصل التشبث به في الواقع إلى ما يتجاوز أنساب البشر في بعض الأحيان إلى محاولة لتنسيب الخيل ذاتها٤١. ولكن، مع ذلك، فالحديث عن تأصيل النسب شيء، والمغالاة في هذا التأصيل شيء آخر، وفي هذا الصدد قد يكون من المعقول والمنطقي أن يعرف أبناء أسرة أو عشيرة نسبهم بشيء من الدقة النسبية إلى حدود معينة, أما أن يدفع هذا النسب تأصيلا إلى عهد سام بن نوح "وفي بعض الأحيان إلى عهد آدم٤٢، الأب الأول للبشرية" فأمر لا بد أن يدخل فيه قدر كبير من النحت والخيال. وفي الواقع فإنه لا يوجد مما تركه له سكان شبه الجزيرة قبل الإسلام، سواء في مجال الآثار أو المخلفات المادية، أو في مجال النقوش والشعر، ما يشير إلى اعتقادهم في هذا النسب الذي يصل إلى سام بن نوح، كما أن محاولة تأصيل هذا النسب بين كتاب العصر الإسلامي قد أوقعت هؤلاء الكتاب في قدر غير

стр. 92

قليل من الحرج والتناقض وما يؤدي إليه هذا من تخريجات وتبريرات من بينها, على سبيل مثال واحد، ما عمد إليه بعضهم في سد الفجوة بين أجيال العرب العاربة والمستعربة٤٣. والتصور الذي أطرحه أعود فيه إلى ما سبق أن ذكرته في هذا الحديث وهو أن نقاء العناصر أو الأجناس أمر لم يعد واردًا من الناحية العلمية الآن؛ ومن ثم فإن محاولة تنسيب العرب إلى أصل معين، سواء إلى سام أو إلى غير سام، تخرج بدورها عن نطاق التحديد العلمي. وأزيد هنا أن محاولات التنسيب والتأصيل العرقي كانت طريقة سائدة في العصور القديمة, كما حدث, على سبيل المثال, عندما حاول الرومان تنسيب -أن ينسبوا- رومولوس ROMOLUS المؤسس الأسطوري لمدينة روما إلى البطل الطروادي إينياس aeneas "الذي قد يكون بدوره بطلا أسطوريا". بل لقد وصلت هذه المحاولات عند عدد من الشعوب إلى تنسيب الآلهة ذاتها, كما حدث في ملحمة "إينوما إيليش" "حينما في العلا" التي تروي أسطورة الخلق عند البابليين، أو في ملحمة "ثيوجونيا" theogonia "سلالة الآلهة" التي حاول فيها الشاعر اليوناني هزيودوس hesiodos أن يفصل فيها نسب الآلهة عند اليونان٤٤. فإذا أضفنا إلى هذا الاتجاه العام ما ذكرته عن تمسك عرب شبه الجزيرة في الجاهلية

стр. 93

برابطة العصبية التي كانت تتمثل في رابطة عرقية ذات انطباع عميق في تصور العرب، تصبح لدينا البذرة الأولى لفكرة التنسيب التي ظهرت في الكتابات العربية بعد الإسلام. وقد وجد العرب أنفسهم بعد الإسلام أمام تحديات حضارية جديدة, فالفتوح الإسلامية وضعتهم وجها لوجه أمام حضارات قديمة مستقرة لا بد أنها دفعتهم أمام تأكيد هويتهم أمام هذه الحضارات وهو أمر نجد صداه فيما يذكره الكتاب العرب في العصر الإسلامي من صفات يتميز بها العرب عن غيرهم٤٥ -الأمر الذي نجده في شكل أوسع في أثناء ظهور الحركة الشعوبية في العصر العباسي حين أخذ الفرس يمجدون أصلهم ويتعالون به على العرب, فكان رد الفعل عند العرب أن قابلوا ذلك بتمجيد مماثل للأصل العربي وللصفات العربية. وفي مجال تأكيد الهوية يصبح تأصيل النسب أمرًا واردًا بالدرجة الأولى. أما عن إرجاع هذا النسب إلى سام بن نوح فهو يمثل عنصر الإسرائيليات التي بدأت تتسرب إلى الكتابات العربية آنذاك, وبخاصة إذا عرفنا أن عددا من الكتاب كانوا إما من أصل يهودي أو متأثرين بالكتابات والأخبار الإسرائيلية، مثل عبيد بن شريه الجرهمي ووهب بن منبه وأبي عبيدة معمر بن المثنى التميمي٤٦. وهكذا تصبح الكتابات العربية التي ظهرت في العصر الإسلامي عن أنساب العرب وردها إلى سام بن نوح نتاجا طبيعيا للظروف التي أحاطت

стр. 94

بعرب شبه الجزيرة سواء في العصر السابق لظهور الإسلام, أو بعد ظهور الدعوة الإسلامية وفترة الفتوحات العربية. وهي كتابات عكست تصور العرب آنذاك, ولكننا لا يمكن أن ننظر إليها الآن كحقائق علمية, وإن كانت من جهة أخرى لا تخلو من فائدة فيما تعكسه من اختلافات بين عرب الجنوب وعرب الشمال في شبه الجزيرة, وهو اختلاف له أصوله من حيث الغنى والفقر والحضارة والبداوة وأسلوب الحياة بوجه عام، كما تعكس لنا ذكريات، مهما كانت باهتة في أذهان العرب آنذاك، عن أقوام من شبه الجزيرة ظهروا في بعض الفترات ثم هاجروا أو اندثروا وبعضهم، رغم وحدة المقام في شبه الجزيرة العربية, كانوا يتحدثون بلهجات أخرى غير اللهجة التي أصبحت لغتهم العربية. ولعل كل ما يمكن أن نصل إليه في هذا الموضوع بشكل محدد هو أن عرب شبه الجزيرة الذين سبق أن رينا كيف أسهمت الظروف في تبلور شخصيتهم أو هويتهم الجماعية بشكل تدريجي في الفترة السابقة للإسلام، كانوا عند ظهور الإسلام قد بدءوا يشعرون بشكل محدد بأنهم قوم لهم صفة عربية محددة سواء كمجموعة بشرية لها صفات عامة تجمعها وتميزها عن غيرها، أو كأصحاب لغة عامة موحدة تجمع بينهم رغم اختلاف لهجاتهم المحلية، وأن لديهم انطباعا عاما يعتقدون من خلاله أنهم ينحدرون من سلالة إبراهيم ﵇ وقد أكد القرآن الكريم هاتين الفكرتين بشكل يدل على أن عرب شبه الجزيرة كان لديهم هذا الانطباع٤٧.

стр. 95

الباب الثالث: شبه جزيرة العرب: الملامح العامة ١- الموقع والسطح والأقسام الطبيعية: تقع شبه جزيرة العرب في القسم الجنوبي من القارة الآسيوية، وهي أقصى منطقة من هذه القارة في هذا الاتجاه، وتحدها مياه البحار من الشرق والجنوب والغرب, ومع هذا فقد سماها علماء العرب "جزيرة العرب"، وهي تسمية فيها تجاوز علمي ظاهر. وأحد الأسباب التي جعلتهم يقدمون على هذا التجاوز هو وجود نهر الفرات الذي يدخل المنطقة في قسمها الشمالي الغربي قرب شواطئ البحر المتوسط ثم يمتد في اتجاه جنوبي شرقي حتى يصبَّ في مياه الخليج في القسم الشمالي الشرقي لشبه الجزيرة، وهو أمر دفع هؤلاء العلماء إلى النظر إلى المنطقة بشكل تجاوزي على أنها جزيرة. كذلك كان بين هذه الأسباب أن المنطقة تشبه جزيرة بشرية يتحدث سكانها باللغة العربية وتحدها "غير الحدود البحرية" مجموعات بشرية تتحدث بلغات أخرى؛ مما حدا بأحد هؤلاء العلماء إلى أن يقول: إن المنطقة "تسمى جزيرة العرب؛ لأن اللسان العربي فيها شائع وإن تفاضل"١.

стр. 96

ورغم قلة عدد السكان في شبه جزيرة العرب بشكل ظاهر, إلا أنها أكبر شبه جزيرة في كل قارات العالم على السواء. وتبلغ مساحتها ما يقرب من ربع مساحة القارة الأوروبية بأكملها أو ثلث مساحة الولايات المتحدة الأمريكية. أما عن تفاصيل موقعها فيحدها من الشرق الخليج العربي الذي عرف في نصوص وادي الرافدين باسم "البحر الأدنى" و"النهر المر" و"البحر المالح" و"بحر الشروق الكبير", وعرفه الكتاب الكلاسيكيون "اليونان والرمان" باسم "الخليج الفارسي" أو "البحر الفارسي". أما في الجنوب فتطل شواطئ شبه الجزيرة على المحيط الهندي الذي عرفه الكتاب الكلاسيكيون باسم "البحر الأحمر" "وهي الترجمة العربية للفظة erythre thalassa اليونانية" أما في الغرب فتغسل شواطئ شبه الجزيرة مياه البحر الأحمر الذي أطلق عليه الكتاب الكلاسيكيون الاسم نفسه. كما سموه كذلك باسم "خليج العرب" بينما عرفوا طرفه الشمالي من ناحية شبه جزيرة العرب باسم "خليج أيلة" أو "خليج الأيلانيين" نسبة إلى "إيلات"، أو "إيلوت" وهي التسمية العبرية لميناء العقبة٢.

стр. 97

والبحر الأحمر الذي يفصل بين شبه الجزيرة من جهة والقارة الإفريقية من جهة أخرى يمثل في الواقع الجزء الأكبر من أخدود أو هبوط أرضي حدث في العصر الجيولوجي الثالث, ويعتبر في ضوء هذه الحقيقة امتدادا طبيعيا لوادي الأردن والبحر الميت ووادي عربة من ناحية الشمال. أما ساحله الذي تطل عليه شبه الجزيرة فأغلب مناطقه من الشعب أو الصخور المرجانية المتشعبة التي لا تصلح لأن تقوم فيها موانئ لرسو السفن مما صعب الملاحة وحدا بالعرب إلى أن يديروا ظهرهم لهذا البحر بشكل عام. وأخيرا ففي أقصى الجنوب من هذا البحر توجد أضيق أماكنه وهي المنطقة المعروفة باسم مضيق "باب المندب" الذي ينتشر فيه عدد من الجزر فتجعل الانتقال بين الطرف الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة وبين الشاطئ الإفريقي أمرا ميسورا، وقد كان هذا بالفعل هو سبب الاتصال الوثيق بين اليمن والحبشة في الفترة التي نحن بصدد الحديث عنها, سواء أكان اتصالا وديا في مجال النشاط التجاري والثقافي أم نشاطا عدائيا في مجال التدخل السياسي أو الغزو والسيطرة العسكرية. أما الحدود الشمالية والشمالية الشرقية لشبه الجزيرة فهي المنطقة الصحراوية التي تمتد بين وادي الرافدين والمنطقة السورية, والتي تقع إلى جنوبي امتداد الهلال الخصيب. والقسم الشرقي من هذه المنطقة وهو القسم المتاخم لوادي

стр. 98

الرافدين يعرف باسم بادية السماوة بينما يعرف القسم الغربي المتاخم لسورية باسم بادية الشام. وهذه البادية الأخيرة توجد عند أطرافها من ناحية الجنوب الغربي بعض مناطق صخرية على شيء من الاتساع مثل المنطقة التي ظهرت فيها مدينة بترا petra "البتراء" عاصمة الأنباط، والتي كانوا يتحكمون من موقعها في خط القوافل التجاري إلى سورية. وفي حدود هذا الإطار نجد أن العمود الفقري لشبه الجزيرة هو سلسلة من الجبال تمتد من جنوبي سورية في الشمال إلى اليمن في الجنوب موازية لساحل البحر الأحمر وقريبة منه، وهي جبال السراة. وهي سلسلة يصل ارتفاعها إلى ٩٠٠٠ قدم في منطقة مدين في القسم الشمالي الغربي لشبه الجزيرة, وفي الوسط "الحجاز الحالية" إلى ١٠٠٠ قدم وإلى أكثر من ١٢.٠٠٠ قدم في اليمن، وهذه السلسلة الجبلية تنحدر انحدارا شديدا نحو الغرب حيث المنخفض الساحلي الذي تغسله مياه البحر الأحمر، بينما تنحدر بتدرج وامتداد كبير عبر كل القسم الشرقي لشبه الجزيرة. وفي وسط هذا الامتداد المتدرج الكبير مع اتجاه بسيط نحو الشمال تقع هضبة نجد التي يبلغ متوسط ارتفاعها ٢٥٠٠ قدم, كما توجد بها سلسلة من الجبال هي جبال شمّر، تصل إحدى قممها، وهي جبل أجأ، إلى ٥٥٥٠ قدمًا فوق مستوى البحر. أما عن بقية شبه الجزيرة فنحن نجد شريطا من الأرض المنخفضة على طول السواحل الجنوبية والشرقية تليها نحو الداخل سلاسل جبلية تصل إلى ارتفاعات متفاوتة، ومن بين هذه المرتفعات يصل الجبل الأخضر في عُمان إلى ٩٩٠٠ قدم مشكلًا بذلك استثناء واضحا للاتجاه الشرقي المتدرج لسطح شبه الجزيرة٣. وفيما عدا السلاسل الجبلية والمناطق المرتفعة, وأهمها نجد أو الهضبة الوسطى الشمالية, فإن بقية الأرض تتكون من امتدادات مقفرة أو مناطق

стр. 99

معشبة وهذه الأخيرة تسمي الدارات. والدارة منطقة سهلية على شيء من الاستدارة تحيط بها التلال وتحتوي على قدر من المياه الجوفية ينبثق في شكل عيون أو ينابيع٤. ومن المناطق العشبية التي تكثر فيها الدارات بادية السماوة "غربي العراق" وبادية الشام "شرقي سورية" رغم ما قد توحي به تسمية "البادية" في بعض الأحيان من صفة صحراوية تغري بالاعتقاد في إقفارها الكامل. أما المناطق الصحراوية المقفرة فيمكن تقسيمها من حيث تكوينها, إلى ثلاثة أقسام, وأحد هذه الأقسام أو التكوينات هو منطقة النفود. والمنطقة تشكل امتدادا صحراويا واسعا يقع بشكل مستعرض في القسم الشمالي من شبه الجزيرة ويبلغ طوله نحو ٤٥٠ كيلومترًا مبتدئا بواحة تيماء في الغرب ومتجها نحو الشرق، بينما يبلغ عرضه نحو ٢٥٠ كيلومترًا من الجوف شمالا إلى جبال شمر جنوبا, وتمتد المنطقة من الغرب إلى الشرق في انخفاض تدريجي يصل إلى نحو ١٥٠مترا. وبفعل الرياح تتخذ الرمال التي تغطي المنطقة شكل تموجات رملية أحيانا بينما تتخذ شكل كثبان في أحيان أخرى, ورغم جفاف المنطقة فإنها تتعرض من حين لآخر لشتاء ممطر فتغطيها "وبخاصة في الأماكن ذات الرمال الحمراء" الأعشاب والنباتات والزهور التي يقصدها الأعراب لأسباب الرعي, كما تنبت فيها بعض النباتات المرتفعة القوية السيقان "مثل بعض أنواع الغضا" يتخذها البدو حطبا يستخدمونه في أغراض حياتهم اليومية. ولكن هذه الفترات من الاخضرار لا تستمر إلا أسابيع قليلة، تجف بعدها أمام رياح السموم الحارقة التي تهبُّ من الشرق والجنوب في أواخر فصل الربيع وفي أشهر الصيف٥.

стр. 100

أما القسم أو التكوين الثاني فيعرف باسم الدهناء أو الأرض الحمراء، وهو مسطح شائع من الرمال الحمراء يبتدئ من النفود في الشمال ويمتد في شكل قوس كبير عبر مسافة تزيد على ٦٠٠ ميل نحو الجنوب الشرقي دخولا في المنطقة المعروفة باسم الربع الخالي والجزء الغربي من الدهناء يعرف أحيانا باسم الأحقاف "أي الكثبان الرملية". وربما كانت مياه الخليج تغمرها في يوم من الأيام إذ يوجد فيها امتداد فرعي صغير للخليج يمتد إلى جنوبي قطر كما توجد فيها رواسب من النوع الذي يوجد في قاع البحر. وحين تسقط الأمطار في المنطقة بشكل موسمي تنبت الأعشاب التي يقصدها البدو لأسباب الرعي لعدة شهور في السنة, ولكنها تجف تماما في أشهر الصيف بحيث لا يصبح فيها مجال للحياة. ويبدو أن المنطقة كانت أقل إقفارًا في مجال الحياة ومجال السكان لفترة طويلة أو قصيرة قبل الإسلام, لسببين أحدهما أنها كانت أكثر مطرا أو عيونا ومن ثم كانت أكثر خصبا, وثانيهما أنها كانت تمر بها بعض الطرق التي تسلكها الخطوط التجارية من جنوبي شبه الجزيرة إلى شواطئ الخليج, ومن بين الشواهد التي قد تدل على ذلك آثار عدد من القرى القديمة في منطقة وبار "جنوبي غرب رمال يبرين أو جبرين" وإشارة القرآن الكريم إلى منطقة الأحقاف كموطن لقوم عاد كما يدل على نشاط الخط التجاري الذي يمر بها بيت شعر للأعشى يشير فيه إلى قوافل الجمال التي كانت تمر بالدهناء إلى شاطئ الخليج حيث يحمِّلها التجار بالسلع التي كانت توجد في سوق "دارين" إحدى موانئ جزيرة تاروت "تقع إلى شمالي قطر الآن" وتعود بعدها وقد حملت من هذه السلع شيئا كثيرا٦.

стр. 101

ثم نأتي إلى القسم أو التكوين الثالث من المناطق الصحراوية وهو ما يعرف باسم "الحرار" أو "الحرات" "جمع حرة" وهي الأراضي التي تغطيها حجارة بركانية سوداء، بعضها هو أفواه البراكين ذاتها، والبعض الآخر ناتج من تفتت الحمم أو اللافه "سماها العرب اللابه أو اللوبه" التي قذفت بها هذه البراكين ثم بردت وتفتتت بمرور الزمن وثوران البراكين ظاهرة عرفتها شبه الجزيرة العربية منذ العصور السحيقة كما عرفتها المناطق المقابلة لها سواء في الحبشة أو في عدد من الأماكن الأخرى على السواحل الشرقية للقارة الإفريقية, وقد ظل بعض هذه الحرار ثائرا أو ثار بشكل متقطع بعد العصر الإسلامي, مثل حرة "النار" التي كانت لا تزال ثائرة في عهد عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين. وكانت آخر مناسبة ثارت فيها البراكين في شبه جزيرة العرب في أواسط القرن الثالث عشر الميلادي "١٢٥٦م" حين ثارت إحدى الحرات في شرقي المدينة لعدة أسابيع وامتدت الحمم التي قذف بها حتى توقفت على مسافة بضعة كيلو مترات قليلة من المدينة, وكانت ثورة هذه الحرة فيما يبدو مظهرا من مظاهر الهزات الأرضية والانفجارات البركانية التي عرفتها بعض المناطق في غربي آسيا في أواخر القرن الثاني عشر وخلال القرن الذي يليه. وتوجد الحرار في شبه الجزيرة العربية على امتداد المنطقة الغربية من الجنوب قرب باب المندب حتى تلتقي بالمنطقة التي توجد فيها الحرار في سورية في منطقة حوران. كما توجد في بعض المناطق الوسطى في شبه الجزيرة مثل المنطقة الشرقية الجنوبية من هضبة نجد, وقد عد أحد علماء العرب ٢٩ من هذه الحرار, كما أضاف إليها الرحالة المحدثون عددا آخر. ومن بين الحرات التي عرفها العرب حرة تبوك حرة النار قرب خيبر "وكلتاهما في شمالي غربي شبه الجزيرة", وحرة واقم التي تقع إلى شرقي المدينة, وحرة وبرة التي تقع على بعد ثلاثة أميال غربي المدينة في أول الطرق المؤدية إلى مكة, وحرة

стр. 102

ضروان في اليمن٧. وفي حدود هذه الملامح السريعة لحدود شبه جزيرة العرب, تعرفت دول وشعوب العالم القديم على شبه الجزيرة وحاولوا تصورها في أقسام تتفق بشكل أو بآخر مع اهتماماتهم السياسية أو الاقتصادية أو مع معلوماتهم الجغرافية، كما قسمها علماء العرب في العصر الإسلامي إلى أقسام تعكس تصور سكان شبه الجزيرة أنفسهم لهذا التقسيم في العصر السابق للإسلام, وتعتبر دون شك استمرارا لهذا التصور. وفي هذا المجال فإننا نجد أنه في خلال الفترة الأولى التي بدأت فيها الدول والشعوب المحيطة بشبه الجزيرة العربية تهتم بالمنطقة، وهي فترة تمتد بين أواسط القرن التاسع ق. م. والنصف الثاني من القرن السادس ق. م. كانت هذه الدول والشعوب تُعنى بالقسم الشمالي فحسب من بلاد العرب, مع اختلاف في مدى امتداد هذا القسم من الشرق إلى الغرب أو عمقه من الشمال إلى الجنوب. ففي عهد الملوك الآشوريين ابتداء من حكم الملك شلمنصر الثالث "٨٥٨-٨٢٤ق. م" كانت بلاد العرب حينما تذكر في سجلات هؤلاء الملوك تعني أقصى القسم الشمالي لشبه الجزيرة. وهو القسم الذي يشكله المعبر بين وادي الرافدين وسورية. وفي آخر عهد الدولة البابلية الحديثة نجد أن هذا التصور يتسع بعض الشيء, إذ نجد الملك نابونائيد "٥٥٦-٥٣٩ق. م. وهو الذي عرفه اليونان باسم نابونائيد NABONIDOS" يقيم بين السنة السابعة والسنة الحادية عشرة من حكمه في مدينة تيماء التي توجد جنوبي هذا المعبر "في القسم الشمالي

стр. 103

الغربي لشبه جزيرة العرب" كما يصل بحملاته جنوبا حتى يصل إلى يثرب "المدينة فيما بعد" وبذلك يكون قد دفع تصور البابليين عن بلاد العرب إلى حدود هذه المدينة٨. أما اليونان فقد عرفوها في أواسط القرن الثامن, أو بالأحرى أشاروا إلى المنطقة ضمنا عن أنها بادية الشام فحسب، وهو تصور كان سائدًا عند الآراميين كذلك، حسبما نستنتج من أحد النصوص الآرامية التي ترجع أحداثها إلى النصف الأول من القرن الثامن ق. م. فإذا وصلنا إلى الفترة بين أواخر القرن السادس وأواسط القرن الخامس وجدنا تصور الفرس لبلاد العرب يتراجع، على ما يبدو، إلى تصور الآشوريين، أي: إلى المعبر الصحراوي بين وادي الرافدين وسورية رغم ما يبدو في نص أكدي من عهد أحشويرش الإمبراطور الفارسي "٤٨٥-٤٦٥ ق. م." مما قد يشير إلى توسع في هذا التصور خارج هذه المنطقة٩.

стр. 104

ولكن الفترة التي تبدأ بأواسط القرن الخامس ق. م. تشهد تغيرا كبيرا في تصور بلاد العرب لدى الشعوب والدول التي اهتمت لسبب أو لآخر بالمنطقة. ويبدو هذا التغير واضحا فيما تركه لنا الكتاب الكلاسيكيون "اليونان والرومان" سواء من بينهم المؤرخون أو الرحالة أو الجغرافيون أو الكتاب الموسوعيون. وقد كان أول من ظهر في كتاباته هذا التغير الواضح في تصور حدود شبه الجزيرة هو هيرودوتس herodotos أول المؤرخين "أو أبو التاريخ حسبما لقبه شيشرون cicero الخطيب والسياسي الروماني الشهير الذي عاش في القرن الأول ق. م". فقد كان هذا المؤرخ هو أول من دفع بحدود بلاد العرب لكي تشمل كل شبه الجزيرة العربية وإن كان قد زاد على هذه الحدود بعض المناطق التي تقع إلى خارجها. وهو تصور يتأرجح بين شبه الجزيرة وهذه المناطق الواقعة إلى خارجها "مع اختلاف في امتداد هذه المناطق الخارجية" حتى استقر نهائيا على شبه الجزيرة بما في ذلك المنطقة الصحراوية الشمالية الواقعة على الحدود الجنوبية لمنطقة الهلال الخصيب "أي بما في ذلك بادية العراق وبادية الشام" في كتابات بطليموس كلاوديوس ptolemaios klaudios التي قام بها في خلال النصف الأول من القرن الثاني الميلادي، وهو الكاتب اليوناني المصري الذي عرفه العلماء العرب في العصر الإسلامي باسم بطليموس الجغرافي. ولم يقتصر الكتاب الكلاسيكيون على تقديم التحديد العام لشبه جزيرة العرب، وإنما تعدوا ذلك إلى تقسيمها إلى مناطق طبيعية, قسموها بدورها إلى أقسام تضم الأماكن الزراعية أو الرعوية أو التي يعيش أهلها على التجارة.

стр. 105

كما وصفوا تضاريسها وشواطئها ومناخها وسكانها ونباتها وحيوانها. وحين وصل هذا التقسيم العام إلى أدق ما وصل إليه عند الكتاب الكلاسيكيين كان يضم ثلاث مناطق: المنطقة الأولى أطلقوا عليها اسم "العربية الصحراوية" arabia erema وهي القسم الأكبر من الناحية الشرقية من الامتداد الصحراوي الذي يتوسط وادي الفرات شرقا وسورية غربا. و"العربية الصخرية" arabia petraea وتضم القسم الغربي من هذا الامتداد وتقع في وسطها مدينة البتراء petra المنحوتة في الصخر قرب وادي موسى في الأردن حاليا, التي اتخذها الأنباط عاصمة لهم في القرن الأول ق. م. والقرن الأول الميلادي قبل أن يدخلوا ضمن الإمبراطورية الرومانية. ولنا أن نتصور أن القسم كان حدوده تتقلص أو تتسع بالضرورة حسب الظروف السياسية, فقد وصل نفوذ الأنباط إلى دمشق أحيانا في الشمال، كما امتدت منطقة نفوذهم الجنوبية إلى المنطقة التي تعرف بمدائن صالح في الوقت الحاضر "في القسم الشمالي الغربي من المملكة السعودية الآن" تدلنا على ذلك الآثار النبطية التي توجد في هذه المنطقة الآن والتي تعتبر امتدادا لآثار البتراء سواء من حيث نحتها في الصخر أو في الطراز المعماري لها. أما القسم الثالث والأخير من هذه المناطق الطبيعية التي قسم الكتاب الكلاسيكيون بلاد العرب إليها فقد أسموه "العربية الميمونة أو المباركة" arabia eudaemon وهو القسم الذي يقع إلى الجنوب من خط وهمي يمتد من الطرف الشمالي للخليج العربي "أو الفارسي حسب التسمية الكلاسكية آنذاك" في الشرق, إلى رأس خليج العقبة "خليج أيلة في الكتابات القديمة" أو إلى نقطة على الشاطئ الشرقي لهذا الخليج. وقد سماها الكتاب الكلاسيكيون بهذا الاسم لوفرة مواردها، سواء أكانت هذه موارد زراعية وبخاصة في الركن الجنوبي الغربي لشبه الجزيرة العربية "منطقة اليمن" أم كانت موارد تجارية من نقل السلع بين الأطراف المختلفة

стр. 106

لشبه الجزيرة١٠. وقد كان هذا القسم الأخير من التقسيم الكلاسيكي، وهو "العربية الميمونة أو المباركة" هو القسم الذي اقتصر عليه تصور الجغرافيين العرب في العصر الإسلامي ثم قسموه إلى خمس مناطق، وأكرر هنا ما سبق أن أشرت إليه وهو أن هذه المناطق تعكس بالضرورة تصور العرب قبل الإسلام لشبه الجزيرة العربية من ثم فهو استمرار لهذا التصور١١. وأولى هذه المناطق الخمسة هي منطقة الحجاز، وقد أطلقها الجغرافيون العرب على المنطقة التي تمتد فيها سلسلة جبال السراة التي رأيناها تخترق شبه الجزيرة من شماليها إلى جنوبيها، وسبب تسميتها بالحجاز عند العرب هو أنها تحجز بين المنطقة الضيقة التي توجد إلى غربيها نحو ساحل البحر الأحمر، والمنطقة الفسيحة التي تمتد شرقي هذه الجبال حتى الخليج. وقد اشار الكتاب العرب إلى عدد غير قليل من الأودية التي تتخلل هذه المنطقة الجبلية والتي يوجد بها عدد من العيون المائية. ومن بين هذه الأودية وادي نخال الذي يقع بين مكة والمدينة, ووادي القِرى الذي يقع بين المدينة والعلا "ديدان القديمة" وكان يمر به طريق القوافل الرئيسي قبل الإسلام, وبه واحة ونهر صغير "يقعان غرب آثار ديدان" وكان يتصل بهذا الوادي واديان آخران هما وادي جزل في الشمال ووادي حمض في الجنوب. ومن بينها كذلك وادي بدا الذي يوجد قرب أيلة "العقبة الحالية، على

стр. 107

رأس خليج العقبة"١٢. والمنطقة الثانية في التقسيم العربي لشبه الجزيرة هي منطقة "تهامة" وهي المنطقة الضيقة المنخفضة التي تقع بين جبال الحجاز والبحر الأحمر، وقد كانت كلمة تهامة عند العرب تعني الأرض المنخفضة، وهي كلمة يبدو أن العرب اشتقوها من طبيعة هذه المنطقة. أما التسمية ذاتها فهي تسمية ترد في النصوص العربية الجنوبية السابقة للإسلام في صورة "تهمت" أو "تهتم" وربما كانت لها علاقة بكلمة "تيهوم" العبرانية، كما يرى أحد الباحثين احتمال اشتقاقها من كلمة تيامتو tiamtu التي تعني البحر في البابلية, وإن كنت أستبعد هذا الرأي الأخير١٣. ثم تأتي المنطقة الثالثة وهي "اليمن" وتقع في الركن الجنوبي الغربي لشبه جزيرة العرب. وتخترق جبال السراة اليمن حتى البحر عند حدودها الجنوبية. ويتخلل المنطقة سواء في المناطق السهلية أو في الهضبة المطلة على عدن عدد من

стр. 108

الوديان الجافة تنساب فيها المياه في الموسم المطير، وربما كانت هذه بقايا أنهار قديمة ولكنها جفت على مر القرون، ويرد اسم اليمن في النصوص العربية الجنوبية السابقة للإسلام في صورة "يمنت" أو "يمنات" أما الجغرافيون العرب في العصر الإسلامي فقد رد بعضهم تسمية اليمن إلى تيامن العرب بها على أساس أنها تقع إلى يمين الأرض "بالنسبة للشخص الذي يقف وظهره إلى البحر ونظره إلى امتداد شبه الجزيرة" بينما تقع الشام ناحية الشمال "بكسر الشين" أي إلى اليسار كما ذكر البعض الآخر أن سبب هذه التسمية يرجع إلى اليُمْن والخير لما فيها من زراعة ونخيل وثمار١٤. ولعله من الوارد في هذا المقام أن نذكر بأن تسمية arabia eudameon اليونانية وتسمية arabia felix اللاتينية وهما التسميتان اللتان أطلقهما الكتاب الكلاسيكيون على المنطقة تعنيان -كلتاهما- العربية السعيدة أو الميمونة, بينما تضيف التسمية اللاتينية إلى هذه المعاني معنى "العربية الخصبة". والمنطقة الرابعة في تقسيم العلماء العرب لشبه جزيرة العرب هي منطقة العروض. وهي تغطي الامتداد الذي يبدأ من الأطراف الشرقية لليمن ثم يستمر في اتجاه شرقي وشمالي شرقي حتى يصل إلى اليمامة وشواطئ البحرين "وإن كان أحد هؤلاء الجغرافيين يجعل اليمامة من أقسام نجد". والمنطقة تتكون من صحارٍ وسهول ساحلية، وفيها عدد قليل من الواحات التي نجمت عن سقوط القليل من المطر أو عن وجود بعض العيون التي تبلغ نحو ٤٠ عينًا. ومن بين مدنها "هجر" التي عرفها الكتاب الكلاسيكيون باسم إجرا egra، والعقير ولعلها كانت المدينة التجارية المهمة التي عرفها هؤلاء الكتاب باسم جرهاء gerrha. وإذا اعتبرنا اليمامة "وهي المنطقة التي تلي البحرين من

стр. 109

ناحية الغرب" قسمًا من أقسام العروض، فإننا نجدها الآن منطقة صحراوية وإن كانت الدلائل تشير إلى أنها كانت منطقة مأهولة في العصور السابقة, فقد وجدت ببعض جهاتها مواقع أثرية بها بقايا أبنية ضخمة لعلها كانت قصورا وهو أمر محتمل إذا أدخلنا في اعتبارنا أن خطا تجاريا كان يمر عبر اليمامة هو درب اليمامة. ومما يشجع هذا الاحتمال أن الأخبار المتواترة تذكر أن المنطقة كانت ذات عيون وآبار ومراعٍ, مزارع وجدت ولا يزال بعضها يوجد في أوديتها. ومن بين هذه الأودية العرض أو العارض, وهو يخترقها من الشمال للجنوب, ووادي الفقي ووادي حنيفة وعرض شمام١٥. وخامس أقسام شبه جزيرة العرب، حسب التقسيم العربي، هو منطقة نجد التي تشكلها الهضبة الوسطى في شبه الجزيرة. ويقسمها علماء العرب إلى قسمين: نجد العالية، وهي ما ولي الحجاز وتهامة؛ ونجد السافلة "أي المنخفضة" وهي ما ولي العراق, وقد جاء هذا التقسيم نتيجة تكوينها الطبيعي الذي يبدأ مرتفعا في الغرب ثم ينحدر بلطف حتى يصل إلى منطقة العروض في الشرق. ويتكون سطح الهضبة من عدد من التلال التي يبلغ ارتفاعها بضع مئات من الأقدام، كما يوجد بها عدد من الأودية أهمها: وادي الرمة ذو الأرض الطباشيرية في ناحيته الشمالية والأرض الرملية في ناحيته الجنوبية. ويبدو أن منطقة نجد كانت أكثر خصوبةً في الماضي منها في الحاضر؛ إذ يرى بعض الباحثين المحدثين أنه كانت توجد في بعض أجزائها أشجار وغابات ولا سيما في "الشربة" جنوبي وادي الرمة وفي "وجرة"١٦.

стр. 110

٢- المناخ: هذا عن سطح شبه الجزيرة العربية بحدوده وأقسامه الطبيعية، وعن تصور العرب والشعوب المجاورة لهم أو المتصلة أو المهتمة بهم وببلادهم لهذه الحدود والأقسام الطبيعية. ونستمر الآن في الحديث عن بقية الملامح الجغرافية لشبه الجزيرة، وأول ما يسترعي انتباهنا في هذا المجال هو المناخ الذي يميل بشكل ملحوظ إلى الجفاف, والذي يسيطر على أغلب أقسام المنطقة بشكل عام. وقد يبدو هذا غريبا إذا أدخلنا في اعتبارنا أن شبه جزيرة العرب تحيط بها ثلاثة امتدادات مائية, هي الخليج العربي في الشرق والمحيط الهندي في الجنوب والبحر الأحمر في الغرب, وهي امتدادات مائية يبدو للوهلة الأولى أنها كفيلة, بما ينتج عنها من بخر، أن تجعل المنطقة أميل إلى الرطوبة المسببة للمطر، ولكن بعض العوامل الطبيعية حالت دون هذه النتيجة المفترضة؛ ومن ثم أدت إلى الجفاف الذي أصبح السمة المناخية الغالبة لشبه الجزيرة. وأول هذه العوامل الطبيعية هو أن اثنين من هذه الامتدادات المائية، وهما الخليج في الشرق والبحر الأحمر في الغرب, لا يشكلان في حقيقة الأمر إلا سطحين ضيقين إذا قيسا ببعض البحار الداخلية مثل البحر المتوسط أو البحر الأسود, أو بالمسطحات المائية الهائلة مثل المحيطات، ومن هنا فإن أثرهما من حيث الرطوبة غير كافٍ لكسر حدة الامتداد الصحراوي الجاف وفي استمراريته المتوافرة عبر الكتلة الإفريقية الآسيوية الهائلة. أما المحيط الهندي الذي يغسل الشواطئ الجنوبية لشبه الجزيرة فرغم ما يوفره من كمية بخر هائلة إلا أن رياح السموم الحارقة "وتسمى أحيانا بالسهام أو الهفوف"، وهي العامل الطبيعي الثاني تستوعب أغلب هذا البخر وتحول دون تحوله إلى أمطار؛ ومن ثم تقضي على أثره. وتبلغ درجة الحرارة المترتبة على هذه الرياح حول ٥٥ درجة مئوية في عمومها مع اختلاف بسيط بين منطقة وأخرى كما هو الحال، على سبيل المثال، بين مكة التي ترتفع فيها درجة الحرارة بشكل
следующие страницы →