← История

История · id 8384

العرب في العصور القديمة

لطفي عبد الوهاب

Полный текст (524 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لشبه الجزيرة١٠. وقد كان هذا القسم الأخير من التقسيم الكلاسيكي، وهو "العربية الميمونة أو المباركة" هو القسم الذي اقتصر عليه تصور الجغرافيين العرب في العصر الإسلامي ثم قسموه إلى خمس مناطق، وأكرر هنا ما سبق أن أشرت إليه وهو أن هذه المناطق تعكس بالضرورة تصور العرب قبل الإسلام لشبه الجزيرة العربية من ثم فهو استمرار لهذا التصور١١. وأولى هذه المناطق الخمسة هي منطقة الحجاز، وقد أطلقها الجغرافيون العرب على المنطقة التي تمتد فيها سلسلة جبال السراة التي رأيناها تخترق شبه الجزيرة من شماليها إلى جنوبيها، وسبب تسميتها بالحجاز عند العرب هو أنها تحجز بين المنطقة الضيقة التي توجد إلى غربيها نحو ساحل البحر الأحمر، والمنطقة الفسيحة التي تمتد شرقي هذه الجبال حتى الخليج. وقد اشار الكتاب العرب إلى عدد غير قليل من الأودية التي تتخلل هذه المنطقة الجبلية والتي يوجد بها عدد من العيون المائية. ومن بين هذه الأودية وادي نخال الذي يقع بين مكة والمدينة, ووادي القِرى الذي يقع بين المدينة والعلا "ديدان القديمة" وكان يمر به طريق القوافل الرئيسي قبل الإسلام, وبه واحة ونهر صغير "يقعان غرب آثار ديدان" وكان يتصل بهذا الوادي واديان آخران هما وادي جزل في الشمال ووادي حمض في الجنوب. ومن بينها كذلك وادي بدا الذي يوجد قرب أيلة "العقبة الحالية، على

стр. 107

رأس خليج العقبة"١٢. والمنطقة الثانية في التقسيم العربي لشبه الجزيرة هي منطقة "تهامة" وهي المنطقة الضيقة المنخفضة التي تقع بين جبال الحجاز والبحر الأحمر، وقد كانت كلمة تهامة عند العرب تعني الأرض المنخفضة، وهي كلمة يبدو أن العرب اشتقوها من طبيعة هذه المنطقة. أما التسمية ذاتها فهي تسمية ترد في النصوص العربية الجنوبية السابقة للإسلام في صورة "تهمت" أو "تهتم" وربما كانت لها علاقة بكلمة "تيهوم" العبرانية، كما يرى أحد الباحثين احتمال اشتقاقها من كلمة تيامتو tiamtu التي تعني البحر في البابلية, وإن كنت أستبعد هذا الرأي الأخير١٣. ثم تأتي المنطقة الثالثة وهي "اليمن" وتقع في الركن الجنوبي الغربي لشبه جزيرة العرب. وتخترق جبال السراة اليمن حتى البحر عند حدودها الجنوبية. ويتخلل المنطقة سواء في المناطق السهلية أو في الهضبة المطلة على عدن عدد من

стр. 108

الوديان الجافة تنساب فيها المياه في الموسم المطير، وربما كانت هذه بقايا أنهار قديمة ولكنها جفت على مر القرون، ويرد اسم اليمن في النصوص العربية الجنوبية السابقة للإسلام في صورة "يمنت" أو "يمنات" أما الجغرافيون العرب في العصر الإسلامي فقد رد بعضهم تسمية اليمن إلى تيامن العرب بها على أساس أنها تقع إلى يمين الأرض "بالنسبة للشخص الذي يقف وظهره إلى البحر ونظره إلى امتداد شبه الجزيرة" بينما تقع الشام ناحية الشمال "بكسر الشين" أي إلى اليسار كما ذكر البعض الآخر أن سبب هذه التسمية يرجع إلى اليُمْن والخير لما فيها من زراعة ونخيل وثمار١٤. ولعله من الوارد في هذا المقام أن نذكر بأن تسمية arabia eudameon اليونانية وتسمية arabia felix اللاتينية وهما التسميتان اللتان أطلقهما الكتاب الكلاسيكيون على المنطقة تعنيان -كلتاهما- العربية السعيدة أو الميمونة, بينما تضيف التسمية اللاتينية إلى هذه المعاني معنى "العربية الخصبة". والمنطقة الرابعة في تقسيم العلماء العرب لشبه جزيرة العرب هي منطقة العروض. وهي تغطي الامتداد الذي يبدأ من الأطراف الشرقية لليمن ثم يستمر في اتجاه شرقي وشمالي شرقي حتى يصل إلى اليمامة وشواطئ البحرين "وإن كان أحد هؤلاء الجغرافيين يجعل اليمامة من أقسام نجد". والمنطقة تتكون من صحارٍ وسهول ساحلية، وفيها عدد قليل من الواحات التي نجمت عن سقوط القليل من المطر أو عن وجود بعض العيون التي تبلغ نحو ٤٠ عينًا. ومن بين مدنها "هجر" التي عرفها الكتاب الكلاسيكيون باسم إجرا egra، والعقير ولعلها كانت المدينة التجارية المهمة التي عرفها هؤلاء الكتاب باسم جرهاء gerrha. وإذا اعتبرنا اليمامة "وهي المنطقة التي تلي البحرين من

стр. 109

ناحية الغرب" قسمًا من أقسام العروض، فإننا نجدها الآن منطقة صحراوية وإن كانت الدلائل تشير إلى أنها كانت منطقة مأهولة في العصور السابقة, فقد وجدت ببعض جهاتها مواقع أثرية بها بقايا أبنية ضخمة لعلها كانت قصورا وهو أمر محتمل إذا أدخلنا في اعتبارنا أن خطا تجاريا كان يمر عبر اليمامة هو درب اليمامة. ومما يشجع هذا الاحتمال أن الأخبار المتواترة تذكر أن المنطقة كانت ذات عيون وآبار ومراعٍ, مزارع وجدت ولا يزال بعضها يوجد في أوديتها. ومن بين هذه الأودية العرض أو العارض, وهو يخترقها من الشمال للجنوب, ووادي الفقي ووادي حنيفة وعرض شمام١٥. وخامس أقسام شبه جزيرة العرب، حسب التقسيم العربي، هو منطقة نجد التي تشكلها الهضبة الوسطى في شبه الجزيرة. ويقسمها علماء العرب إلى قسمين: نجد العالية، وهي ما ولي الحجاز وتهامة؛ ونجد السافلة "أي المنخفضة" وهي ما ولي العراق, وقد جاء هذا التقسيم نتيجة تكوينها الطبيعي الذي يبدأ مرتفعا في الغرب ثم ينحدر بلطف حتى يصل إلى منطقة العروض في الشرق. ويتكون سطح الهضبة من عدد من التلال التي يبلغ ارتفاعها بضع مئات من الأقدام، كما يوجد بها عدد من الأودية أهمها: وادي الرمة ذو الأرض الطباشيرية في ناحيته الشمالية والأرض الرملية في ناحيته الجنوبية. ويبدو أن منطقة نجد كانت أكثر خصوبةً في الماضي منها في الحاضر؛ إذ يرى بعض الباحثين المحدثين أنه كانت توجد في بعض أجزائها أشجار وغابات ولا سيما في "الشربة" جنوبي وادي الرمة وفي "وجرة"١٦.

стр. 110

٢- المناخ: هذا عن سطح شبه الجزيرة العربية بحدوده وأقسامه الطبيعية، وعن تصور العرب والشعوب المجاورة لهم أو المتصلة أو المهتمة بهم وببلادهم لهذه الحدود والأقسام الطبيعية. ونستمر الآن في الحديث عن بقية الملامح الجغرافية لشبه الجزيرة، وأول ما يسترعي انتباهنا في هذا المجال هو المناخ الذي يميل بشكل ملحوظ إلى الجفاف, والذي يسيطر على أغلب أقسام المنطقة بشكل عام. وقد يبدو هذا غريبا إذا أدخلنا في اعتبارنا أن شبه جزيرة العرب تحيط بها ثلاثة امتدادات مائية, هي الخليج العربي في الشرق والمحيط الهندي في الجنوب والبحر الأحمر في الغرب, وهي امتدادات مائية يبدو للوهلة الأولى أنها كفيلة, بما ينتج عنها من بخر، أن تجعل المنطقة أميل إلى الرطوبة المسببة للمطر، ولكن بعض العوامل الطبيعية حالت دون هذه النتيجة المفترضة؛ ومن ثم أدت إلى الجفاف الذي أصبح السمة المناخية الغالبة لشبه الجزيرة. وأول هذه العوامل الطبيعية هو أن اثنين من هذه الامتدادات المائية، وهما الخليج في الشرق والبحر الأحمر في الغرب, لا يشكلان في حقيقة الأمر إلا سطحين ضيقين إذا قيسا ببعض البحار الداخلية مثل البحر المتوسط أو البحر الأسود, أو بالمسطحات المائية الهائلة مثل المحيطات، ومن هنا فإن أثرهما من حيث الرطوبة غير كافٍ لكسر حدة الامتداد الصحراوي الجاف وفي استمراريته المتوافرة عبر الكتلة الإفريقية الآسيوية الهائلة. أما المحيط الهندي الذي يغسل الشواطئ الجنوبية لشبه الجزيرة فرغم ما يوفره من كمية بخر هائلة إلا أن رياح السموم الحارقة "وتسمى أحيانا بالسهام أو الهفوف"، وهي العامل الطبيعي الثاني تستوعب أغلب هذا البخر وتحول دون تحوله إلى أمطار؛ ومن ثم تقضي على أثره. وتبلغ درجة الحرارة المترتبة على هذه الرياح حول ٥٥ درجة مئوية في عمومها مع اختلاف بسيط بين منطقة وأخرى كما هو الحال، على سبيل المثال، بين مكة التي ترتفع فيها درجة الحرارة بشكل

стр. 111

ملحوظ، والمدينة التي تقع إلى شماليها والتي تخف فيها درجة الحرارة بشكل نسبي. كما توجد بعض الاستثناءات في المناطق المرتفعة كما هو الحال في صنعاء "باليمن" التي ترتفع إلى ٧٠٠٠ قدم فوق سطح البحر وتعتدل فيها الحرارة بصورة تجعل جوها من أحسن أجواء شبه الجزيرة. ولا عجب، بعد هذا، أن يرتاح أغلب سكان شبه جزيرة العرب إلى الريح الشرقية التي أسموها ريح الصبا، وهي ريح معتدلة الحرارة، وهو ارتياح عبر العرب عنه في أشعارهم بشكل واضح سواء في كثرة الأشعار التي يذكرون فيها هذه الريح أو في نوعية إبداء هذا الارتياح الذي يصل إلى ما يقرب من التغزل في كثير من الأحيان. ثم يأتي بعد هذين العاملين اللذين أديا إلى الجفاف الغالب على شبه جزيرة العرب العامل الثالث وهو وجود المناطق المرتفعة بمحاذاة السواحل وعلى مقربة منها، بحيث تصد القدر الأكبر من الرياح المحملة بالسحاب، ومن ثم تفرغ حمولتها من المطر، إذا توفرت الظروف الطبيعية لتحويل هذا السحاب إلى مطر، إلا في أماكن قليلة أو في حالات عارضة١٧. وقد كانت نتيجة هذه العوامل الثلاثة المؤدية إلى الجفاف أو المساعدة عليه أن أغلب المسطح الأرضي الذي تمتد عليه شبه جزيرة العرب أصبح بادية صحراوية قد لا يصيبها المطر لفترات طويلة كما هو الحال في منطقة الحجاز "بتحديدها الحالي" التي قد يستمر فيها الجفاف ثلاث سنوات متعاقبة. بينما قسم بسيط من هذا المسطح هو وحده الذي ينعم بالمطر بدرجات متفاوتة، وإذا كان هذا المطر ينهمر غزيرا في بعض الأحيان, إلا أن هذه الغزارة ليست لها صفة الاستمرار، ومن هنا فإن شبه الجزيرة بكاملها ليس فيها نهر واحد تمكن من أن يشق مجراه، نتيجة لغزارة الأمطار، حتى يصل إلى شواطئ المنطقة، وإنما توجد بدلا من الأنهار، شبكة الوديان التي تنحتها هذه المناسبات

стр. 112

العارضة من المطر الغزير ثم ينحسر المطر فتجف الوديان وتشكل، بمرور الزمن، شبكة الطرق الطبيعية التي عرفها سكان شبه الجزيرة في تنقلهم وراء الكلأ أو في هجراتهم أو اتخذوا منها خطوطا لقوافلهم التجارية. وليس بغريب، نتيجة لهذا الجفاف العام في شبه جزيرة العرب، أن تكون إحدى تسميات المطر عند العرب هي "الغيث" التي توحي بمفهوم الإغاثة من الإقفار الناتج عن الجفاف، أو أن نسمع بين الممارسات الدينية للعرب عن صلوات "الاستسقاء" و"الاستمطار" حتى ينزل المطر ليسقي الأرض فيحيي النبت لصالح الإنسان والحيوان على السواء. أما هذا المطر فإنه، إلى جانب قلته، لا يصيب المناطق التي ينزل فيها بمعدل واحد من الوفرة أو الانتظام ففي اليمن ومنطقة عسير ينزل منه قدر منتظم يسمح بالزراعة الدائمة في بعض الوديان التي تمتد إلى مسافة ٢٠٠ ميل من الشاطئ إلى الداخل، وفي مساحات أخرى على الشاطئ ولكنها ليست بهذا الامتداد. بل إن المطر قد ينزل على بعض المناطق الجبلية فيحولها السكان إلى مناطق زراعية، كما يفعل سكان "الجبل الأخضر" في اليمن حيث تصطدم السحب المثقلة بالبخار بقمم هذا الجبل فتفرغ ما بها من أمطار على جوانبه ويعمد سكان المنطقة إلى تسوية جوانب الجبل على هيئة مدرجات تستقبل مسطحاتها مياه المطر وتحتفظ بها ومن ثم يمكن زراعتها، بدلا من أن تنزل الأمطار جميعها إلى أسفل الجبل. وقد أدى هذا الوضع في اليمن بالذات إلى تنوع النباتات التي تتناسب مع الأجواء المختلفة، بين الجو المعتدل في المرتفعات, والجو الدافئ في الأماكن الأقل ارتفاعا، والجو الحار الرطب في الوديان المنخفضة. ولكن هذا النوع من الأمطار لم يكن من حظ مناطق أخرى، ففي القسم الشمالي من النفود، وفي القسم الشمالي الشرقي من الحجاز "بحدوده الحالية" تنزل كميات من المطر ولكنها لا تعادل أمطار اليمن وعسير سواء من حيث

стр. 113

الوفرة أو الانتظام. وقد أدى هذا إلى ظهور بعض الواحات التي قد يستمر بعضها دون البعض الآخر. ودليلنا على هذا عدد من الواحات, أكبرها تشغل مساحتها عشرة أميال مربعة، لا تزال باقية في القسم الشمالي من الحجاز، بينما عدد آخر من الواحات التي كانت موجودة في المنطقة إما اندثر أو اضمحل مثل واحة "فَدَك" "تعرف حاليا باسم الحائط" التي كان لها شأن في صدر الإسلام, ولكنها لم تعد الآن على ما كانت عليه من الخصوبة آنذاك. على أن هذه الأمطار، على عدم وفرتها أو انتظامها في كل المناطق بنسب متساوية، قد تهطل في بعض الأحيان بغزارة غير معتادة فتتحول إلى سيول قد تؤدي شدة تدفقها إلى إغراق بعض السكان أو إلى تدمير بعض معالم العمران كما كان يحدث في بعض الأحيان في مكة والمدينة، وفيما يخص مكة فقد كاد أحد هذه السيول أن يهدم الكعبة في دفقة من دفقاته العنيفة، ولكن مع ذلك فلم تكن كل هذه السيول شرا محضا، فقد عمل السكان أو الحكومات على السيطرة عليها عن طريق بناء سدود تختزن مياهها للانتفاع بها في أوقات الجفاف, وأشهر هذه السدود هو سد "مأرب" في اليمن. وإن لم يكن هذا هو السد الوحيد، فقد وجد الرحالة آثار سدود قديمة في بعض مواضع في الحجاز ونجد والعربية الجنوبية تعود إلى ما قبل العصر الإسلامي١٨.

стр. 114

٣- النبات والحيوان: وقد ظهر أثر هذا الجو الذي يسوده الجفاف, إلى جانب ملوحة أجزاء

стр. 115

كبيرة من أرض شبه الجزيرة العربية في النباتات التي عرفتها المنطقة, فلم تتسم هذه النباتات بوفرة أصنافها أو بترف نوعياتها. هذا وقد توزعت هذه النوعيات على مناطق مختلفة من شبه الجزيرة تبعا لمقدار خصوبة الأرض أو نوع تربتها، وتبعا لحظها من الرطوبة والحرارة، كما أن عددًا منها لم يكن أصيلًا في المنطقة وإنما أدخل إليها من بلاد أخرى في فترة أو أخرى من فترات التاريخ. كذلك يبدو أن عرب شبه الجزيرة قد تعرفوا على بعض طرق الزراعة في مجال حرث الأرض أو ري المزروعات من مناطق خارج شبه الجزيرة، وهو أمر قد تشير إليه بعض الألفاظ التي اتخذها أهل الحجاز ونجد في هذا المجال؛ من بينها على سبيل المثال وصف "بعل" للنباتات التي لا تحتاج إلى ري يقوم به الإنسان، والإله بعل كان إله الينابيع والأرض الباطنية في المنطقة السورية، وقد دخلت عبادة بعل إلى المنطقة في العصر الجاهلي من سورية. كذلك لفظة "أكار" بمعنى حارث الأرض، والكلمتان من أصل آرامي. وفي مجال الحبوب عرف سكان البلاد زراعة القمح في اليمن وفي بعض الواحات، كما عرفوا زراعة الأرز في عمان والحسا، وفي مناطق متفرقة عرفوا زراعة الذرة كما زرعوا الشعير كطعام أو علف للخيل. كذلك في مجال الفواكه كان عدد منها معروفًا في شبه الجزيرة، فقد ورد ذكر بعضها في القرآن الكريم مثل: التين والزيتون والأعناب والرمان. ومن بين هذه فإن زراعة الكروم "الأعناب" نبتت في مواطن كثيرة من بينها الطائف "في الحجاز" واليمن ومنها كانوا يعصرون نبيذ الزبيب, ويرى البعض أنها دخلت الحجاز من منطقة الشام في القرن الرابع الميلادي. أما الزيتون فيرى أحد الباحثين أن الحجاز لم يعرفه إطلاقا، بينما يرى باحث آخر أن ورود ذكره في القرآن الكريم يدل على وجوده في هذه المنطقة، وربما يكون قد وجد في العصر القديم ثم اندثرت زراعته مع اندثار بعض الواحات، كما سبق لنا أن رأينا، إما بسبب زحف الجفاف على هذه الواحات, وإما بسبب هجرة بعض

стр. 116

القبائل أو أعداد منها من الحجاز إلى مناطق أخرى مع عصر الفتوح الإسلامية، أو لانصرافهم عن الزراعة واشتغالهم بالتجارة أو غيرها, كذلك فإن ذكر الزيتون في القرآن إذا كان يشير إلى معرفة عرب الحجاز بهذه الفاكهة, فإن هذا ليس معناه وجودها في هذه المنطقة بالضرورة فربما عرفها سكان البلاد عن طريق المبادلات التجارية التي نقلت إليهم ثمراتٍ وسلعًا -بل وأفكارًا- كثيرة لم يتعرفوا عليها إلا من خلال هذه المبادلات. أما عن الأشجار، فقد كانت الشجرة الأولى في شبه جزيرة العرب هي النخلة، التي انتفع سكان المنطقة بكل جزء منها؛ فهي التي تحمل التمر أكثر الفواكه شيوعا وتنوعا في الانتفاع به عند العرب. فالتمر "مع الحليب" هو الطعام الأساسي لعرب البادية إذا استثنينا بعض المناسبات التي يتناولون فيها شيئا من لحم الجمل. وليس من الغريب في هذا المقام, إذن, أن يجعله سكان البادية أحد العنصرين الأساسيين للحياة حين يعبر عن حصوله على "الأسودين" وهما التمر والماء كهدف يسعى دائما إلى تحقيقه. ومن التمر يستخرجون كذلك الدبس والنبيذ، وبعض أجزاء النخلة يتخذونه دواء يتطببون به. ومن هنا فقد اكتسبت شجرة النخيل عند عرب شبه الجزيرة أهمية خاصة بل وصلت إلى قدر كبير من التبجيل في كثير من الأحيان. ومن مظاهر هذه الأهمية أن ثروة الرجل إذا كانت تقاس بما كان يملك من جمال فإنها كانت تقاس كذلك بما كان يملك من نخيل. كذلك اهتم السكان بزراعة أنواع كثيرة من النخيل تحمل أنواعا مختلفة من التمر، وفي هذا المقام نجد الكتاب العرب يعدون مائة نوع من التمر في المدينة وحولها وحدها. وفي مجال الحديث عن نخيل شبه الجزيرة يستشهد أحد المؤرخين المسلمين بحديث يحث فيه الرسول ﷺ على تبجيل النخلة؛ لأنها "من طينة آدم" وسواء أكان الحديث صحيحا أم منحولا فهو يشير إلى الفكرة التي كانت سائدة لدى العرب عن أهمية هذه الشجرة، وهي أهمية يبدو أنها لم تقتصر على العرب وحدهم وإنما

стр. 117

شاركهم فيها بعض الشعوب السامية, حيث نرى مواضع عديدة في التوراة والتلمود تشير إلى نوع من التقديس لشجرة النخيل١٩. ومن الأشجار التي كانت على جانب كبير من الأهمية في بعض أجزاء شبه الجزيرة العربية، أشجار البخور واللبان التي كانت تنمو على الساحل

стр. 118

الجنوبي لشبه الجزيرة. وقد اكتسبت هذه الشجرة أهمية خاصة في العصر القديم حين كان إحراق الطيوب يشكل قسما أساسيا من الطقوس أو الشعائر الدينية في كل العالم القديم. ليس فقط على صعيد المناسبات الرسمية، وإنما كذلك على صعيد الحياة اليومية, وحين كان اللبان يستخدم في كثير من الأغراض الطبية. وقد كانت هذه الأشجار هي السلعة الأساسية التي تحملها القوافل التجارية من جنوبي شبه الجزيرة لتجد طريقها إلى أسواق مصر والشام، ثم لتجد طريقها من موانئ الشام بوجه خاص إلى بلاد اليونان والرومان الذين كانوا يستخدمون كميات هائلة من الطيوب واللبان للأغراض الدينية والطبية ولأغراض الزينة التي تقوم مقامها الآن الروائح العطرية. ولكن إذا كانت الأشجار, النخيل والبخور واللبان، قد وجدت في شبه جزيرة العرب تربة ومناخا ملائمين لظهورها, فإن حظ هذه البلاد كان أقل في مجال الأشجار الكبيرة التي تصلح لاستخراج الأخشاب اللازمة في بناء السفن والمعابد والبيوت. وربما وجد في بعض العصور قدر من هذه الأشجار في المناطق الجبلية والمناطق القريبة منها, حيث كان يغزر هطول الأمطار مما يؤدي إلى ظهور الأحراج والغابات في بعض مناطق اليمن مثلا. وربما كان يوجد مثل هذه الغابات في مناطق الحجاز وهو أمر قد يشير إلى تعبد أهل هذه المنطقة لإله اسمه "ذو غابة". ولكن إذا كان شيء من هذا قد وجد فلا بد أنه قل بدرجة واضحة في أواخر العصور القديمة حيث نجد سكان شبه الجزيرة يستوردون الأخشاب التي يحتاجون إليها من مناطق مثل الهند وإفريقيا. ولكن على أي الأحوال فإن أشجارا أخرى أقل من هذه في قيمة خشبها أو صلاحيته للأغراض المذكورة، مثل أشجار الأثل والطلح "الذي يستخرج منه الصمغ العربي" والأراك والغضا "الذي كان يحرق للحصول على الفحم" والسنط والسمح وغيرها٢٠.

стр. 119

وننتقل الآن إلى الحيوانات التي عرفها العرب في شبه جزيرتهم قبل ظهور الإسلام. وأول ما يطعالنا في هذه المملكة الحيوانية بالضرورة هو الجمل. وقد بدأ الساميون يعرفون الجمل في القرن الثاني عشر ق. م. ولكنه اقترن باسم العرب منذ أن بدأ اسم "العرب" يظهر في مجال الاحتكاكات الدولية بين الشعوب المجاورة لهم وبينهم. فابتداء من أواسط القرن التاسع ق. م تظهر الجمال كجزء من الغنائم التي حصل عليها ملوك الآشوريين كلما كان العرب، وحدهم أو مع غيرهم من الشعوب، هدفا لحملات هؤلاء الملوك. والشيء ذاته نجده في النصوص الفارسية فيما يخص علاقة الفرس بالعرب. وحين قام الملك الفارسي حشويرش "الذي عرفه اليونان باسم إكسركسيس XERXES" بحملته على بلاد اليونان في أوائل القرن الخامس "٤٨٠ق. م" كان جنود الفصائل العربية في جيشه يركبون الجمال٢١. وفي واقع الأمر فإن اقتران الجمل باسم العرب ليس شيئا عفويا؛ فالجمل بالنسبة لأهل البادية هو رمز الحياة التي لا يستطيع العرب أن يتصوروها بدونه, فالعربي يشرب لبن الناقة -أنثى الجمل- حتى يوفر المياه "ولنتذكر أن المياه عزيزة في البادية" للماشية التي يعيش عليها بما فيها الجمل نفسه. وهو يأكل لحم الجمل ويغطي نفسه برداء مصنوع من جلده، ويصنع خيمته من وبره ويستخدم بعره وقودا في أغراض الطهي أو التدفئة, ومن بوله يتخذ دواء لبعض الأمراض بما فيها الأمراض التي تصيب الشعر, ولا يقتصر دور الجمل في حياة عرب البادية على ذلك, إذ هو وسيلتهم الأساسية للمواصلات ووسيلتهم

стр. 120

الوحيدة للمواصلات البعيدة، إذ هو الحيوان الوحيد المؤهل لنقل الأحمال الثقيلة لمسافات بعيدة بحكم تكوين خفه الذي يساعده على المسير في الرمال بحمولته الثقيلة دون أن يغوص فيها، وبحكم قوته واحتماله وصبره الشديدين. فهو يستطيع أن يحمل أربعة أطنان ويقطع بها ٦٠ ميلًا في اليوم في الصحراء كما يستطيع أن يسافر عشرين يوما بدون ماء في درجات الحرارة العالية, وأكثر من ذلك إذا أعطي شيئا من الكلأ الأخضر, وإلا فهو يستطيع أن يواصل سفره خمسة أيام أخرى قبل أن يموت. ومن هذا المنطلق نقدر دور الجمل في الحركة التجارية الواسعة التي مارسها العرب بشكل نشط قبل الإسلام والتي كانت قوافل الجمال تحمل خلالها منتجات شبه الجزيرة من البخور واللبان والطيوب إلى خارج المنطقة لتعود بالسلع التي يحتاجها أهل البلاد، الأمر الذي شكل المورد الاقتصادي الأول عند سكان شبه الجزيرة والمصدر الأساسي لثروتهم. ومن هذا المنطلق كذلك نستطيع أن نقول: إن الجمل بصفاته هذه، كان عاملًا أساسيًّا في تسهيل مهمة العرب في أثناء الفتوح التي تمت بعد غروب العصر الجاهلي, وظهور الدعوة الإسلامية. وفي مقدورنا أن نتبين الأهمية الكبيرة التي أضفاها عرب شبه الجزيرة على الجمل من ظاهرتين أساسيتين: إحداهما هي أن ثروة العربي كانت تقدر بعدد ما يملكه من جمال "إلى جانب ما كان يملكه من نخيل" على أساس أن الجمل يمثل أثمن سلعة في البادية. ومن هذا المنطلق كذلك كان الجمل يشكل ما يمكن أن نسميه العملة الصعبة في المعاملات, إذا جاز لي أن أستخدم تعبيرا معاصرا. فالمهر الذي يدفع لأهل العروس، والدية التي يتقاضاها أهل القتيل, والربح الذي يحصل عليه لاعب الميسر كانت كلها تقدر بعدد من الجمال. أما الظاهرة الثانية التي تشير إلى أهمية الجمل في حياة العرب في عصر ما قبل الإسلام فهي هذا العدد الهائل من الأسماء والصفات التي أعطيت للجمل "أو الناقة" فيما يخص أنواعه ودرجات لونه ومراحل نموه وطرق سيره وهي

стр. 121

أسماء تظهر بشكل واضح في أشعار العرب في العصر الجاهلي٢٢. وإذا كان القرآن الكريم "كمصدر نستقي منه جانبًا من معلوماتنا عن حياة العرب في العصر السابق للإسلام" قد ألمح إلى الجمل كوسيلة نقل لحمل الأثقال إلى مسافات وبلاد بعيدة، فقد أشار إلى الخيل والبغال والحمير كدواب للركوب أو الزينة. وفي هذا المجال فإن الحمار هو أقدم هذه الدواب جميعًا، فقد عرفه الساميون من فترات بالغة في القدم كوسيلة للنقل. وهو يظهر في وادي الرافدين على سبيل المثال مع بداية تاريخهم. بل إنهم حين بدءوا يعرفون الجمل سموه "في اللغة الأكدية" حمار البحر "ربما إشارة إلى أنه أتى من الشاطئ العربي لمنطقة الخليج" وفي هذا الوصف وحده دليل على أن معرفتهم بالحمار كانت أقدم بكثير. والقبائل العربية البدوية كانت متاخمة لوادي الرافدين ومن ثم فإن معرفة أحد الجانبين للحمار كانت تعنى بالتبعية معرفة الجانب الآخر له. ولكن الحمار كان بالضرورة وسيلة نقل لا تلبي في قطع المسافات الطويلة وبخاصة في رمال البادية، ومن ثم فإن استخدامه لا بد أنه كان محدودا وقاصرا على الحضر وأماكن الاستقرار كدابة لركوب العوام. ولعل هذه الصفة هي التي جعلت العرب تضعه في مرتبة أدنى بكثير من مرتبة

стр. 122

الجمل كما يظهر في أشعارهم٢٣. ويأتي الحصان بعد الحمار من حيث قدم التعرف عليه من جانب عرب شبه الجزيرة، وإذا كانت أنواعه الجيدة قد اقترنت باسم العرب، إلا أنه حيوان دخيل على العرب وبقية الشعوب السامية على السواء، فقد كان أول من دجَّنه وحوله بذلك إلى حيوان أليف هم الرعاة من القبائل الآرية "الهندوأوروبية" في بعض المناطق التي تقع إلى شرقي بحر الخزر, ثم استورده الكاشيون "من المجموعات التي استقرت في وادي الرافدين" والحيثيون "في آسيا الصغرى" وأدخلوه إلى غربي القارة الآسيوية في أواسط الألف الثانية ق. م. ومن سوريا عرف طريقه إلى شبه جزيرة العرب في الفترة السابقة للعصر الميلادي. ولكن الحصان لم يصبح في الواقع أداة نقل في المقام الأول عند عرب شبه الجزيرة. وإنما استفاد العرب من سرعته ومن بعض صفاته الأخرى في الغارات التي كانت تقوم بها القبائل فيما بينها في العصر السابق للإسلام. أما فيما عدا ذلك فقد كان دابة ترف بالنسبة للعرب، إذ كانت مهمة إطعامه والعناية به تشكل عبئا بالنسبة لأهل البادية, ومن ثم فقد كان اقتناؤه لا يتيسر إلا لمن كان على قدر من الثراء، وكان يعتبر في الواقع مظهرا من مظاهر هذا الثراء وما يتصل به من ممارسات. فالحصان كان يستخدم، إلى جانب الغزوات أو الغارات، في بعض أنواع الرياضة مثل: الصيد والسباق الذي يبدو أنه كان

стр. 123

هواية وصلت عند عرب الجاهلية إلى قدر كبير من التفصيل والتفنن والإتقان٢٤. وأخيرا يأتي البغل كدابة ركوب أو نقل. ويشير كتاب السير من العلماء المسلمين إلى أن أول بغلة رئيت في الإسلام كانت بعد هجرة الرسول ﷺ مما يستنتج منه أن هذه الدابة كانت نادرة الاستخدام في العصر الجاهلي. ولكن يبدو، إذا صحت رواية هؤلاء الكتاب، أن حديثهم لا يشمل شبه الجزيرة بأكملها، ولعلهم، وهو الأرجح، كانوا يقصدون منطقة الحجاز؛ إذ إن الحديث يدور عن بغلة أهداها المقوقس للرسول -صلى الله عليه وسلم٢٥. واستند في هذا الافتراض إلى بعض القرائن: فمن جهة نجد أن ذكر البغال

стр. 124

ورد في سورة النحل وهي سورة مكية والسور المكية نزلت قبل هجرة الرسول إلى المدينة، بينما التراسل بين الرسول ﷺ وبين المقوقس لم يتم إلا بعد أن استقرت الدعوة الإسلامية في أعقاب الهجرة إلى المدينة. ومن جهة أخرى فإن شبه الجزيرة العربية كانت بها أقسام صخرية أو جبلية مثل منطقة الأنباط في شمالي غربي شبه الجزيرة التي أطلق عليها الكتاب الكلاسيكيون اسم "بلاد العرب الصخرية" Arabia petraea لكثرة ما بها من صخور "بل إن عاصمتهم -البتراء- هي مدينة كاملة واسمها هو في حد ذاته ترجمة حرفية لكلمة petra اللاتينية التي تعني الصخرة أو الحجر" وكذلك مثل بعض مرتفعات اليمن. ومثل هذه المناطق الوعرة أو المرتفعة لا يمكن للجمل أن يسير فيها أو يتسلقها، والبغل قادر على ذلك ومن ثم لا يمكن الاستغناء عنه كدابة للركوب أو لحمل الأثقال التي يستطيع البغل أن يحمل قدرًا لا بأس به منها. كذلك فإن البغل كان معروفا في منطقة فلسطين ومن هنا فإن الانتفاع به على الأقل في المناطق الصخرية القريبة من فلسطين يصبح أمرا واردا. أما عن بقية الحيوانات المستأنسة التي عرفتها شبه جزيرة العرب في الجاهلية فهي الأغنام والماعز والكلاب اللازمة للحراسة بالضرورة والقطط. وغير هذه كانت توجد الحيوانات البرية مثل الأسد الذي كان موجودا في الجاهلية وكانت له عدة أسماء يتسمى بها العرب ولكنه انقرض الآن, والفهد وبعض الزواحف والهوام مثل الثعابين والحيات التي يبدو أنها كانت منتشرة بشكل ظاهر في شبه الجزيرة٢٦ وبعض أشباه الزواحف مثل الضب، وحيوانات

стр. 125

أخرى مثل القرود التي لا تزال موجودة في المناطق الجبلية باليمن حتى الآن, ثم الجراد وبعض الطيور الجارحة مثل العقاب والباز والنسر والصقر والبومة, وعدد من الطيور الأخرى مثل الغراب والهدهد والعندليب والقطا، وهذه الأخيرة يبدو أنها نالت استحسان عرب الجاهلية لسبب أو لآخر "لعله جمالها أو وداعتها إلى جانب استخدامها كطعام شهي" فخلَّدوها في أشعارهم.

стр. 126

القسم الثاني: المصادر الباب الرابع: الاثار والنقوش مدخل ... الباب الرابع: الآثار والنقوش قبل أن أبدأ الحديث عن الآثار والنقوش كمصدر أساسي لمن يقدم على التأريخ لشبه الجزيرة العربية في الفترة السابقة للإسلام أود أن أقول: إني أقصد بالمصادر كل ما يمكن أن تصل إليه أيدينا من أصول نستطيع عن طريقها أن نرسم صورة واضحة في حدود الإمكان لمجتمع شبه الجزيرة في تلك الفترة في كل جوانب حياته، سواء في ذلك نشاطه الاقتصادي والموارد التي كان يعتمد عليها في ممارسة هذا النشاط، أو تكوينه الاجتماعي بطبقاته وفئاته، أو معتقداته وعباداته التي كان يؤمن بها ويتصرف بدرجات متفاوتة في دائرة اقتناعه بها، أو نظمه السياسية التي كانت تربط بين أفراده وما تمليه ظروفهم من تكتلات صغيرة أو كبيرة قد تكون عشيرة أو قبيلة أو مجموعة قبائل أو إمارة أو مملكة, أو علاقاته الخارجية بالمجتمعات الأخرى التي تحيط به ويحتك بها في صورة أو في أخرى، ثم الوسائل التي كان يصطنعها، أو كانت ظروفه توجهه إلى اصطناعها، لكي يعبر عن نفسه أو بالأحرى عن محصلة انطباعه بتجربته في كل هذه الجوانب، سواء أكان ذلك عن طريق الفن أم الأدب أم غير ذلك.

стр. 127

١- قيمة الآثار والنقوش في التاريخ لشبه الجزيرة: والآثار والنقوش تأتي في مقدمة هذه المصادر، فهي التعبير المادي الملموس الذي تركه لنا مجتمع شبه الجزيرة العربية "أو من احتكوا به" عن ممارسات هذا المجتمع في كل الجوانب التي أسلفت ذكرها. فالآثار تنقسم إلى أنواع عديدة من بينها، في مجال المعمار، بقايا المنازل والقصور والمعابد والأضرحة والحصون والسدود والبوابات والأسوار والمسلات وغيرها، وفي مجال النحت نجد التماثيل بكافة أنواعها سواء أكانت كاملة أم نصفية أم دمًى صغيرة أم زخارف بالنحت البارز، ثم هناك الرسوم التي تركها سكان بعض المناطق في شبه الجزيرة على شكل مخربشات على صخور الجبال، والفخار الذي كان يشغل حيزا كبيرا في الحياة اليومية وبخاصة في مجتمعات الحضر في شبه الجزيرة "وفي الواقع في كل مجتمعات العصور القديمة" سواء اتخذ شكل أوعية أو أوانٍ أو غير ذلك. وإلى جانب ذلك هناك بطبيعة الحال أدوات العمل اليومي وأدوات الزينة. ثم المسكوكات أو العملة التي كان يتداولها هذا المجتمع في قضاء حاجاته ومعاملاته وبخاصة إذا أدخلنا في اعتبارنا أن التجارة بما فيها من معاملات نقدية كانت تشكل موردا أساسيا من موارده الاقتصادية. ثم نصل في نهاية المطاف إلى النقوش التي تركها لنا سكان شبه الجزيرة في أكثر من منطقة على جدران المعابد أو الأضرحة أو صخور الجبال أو النصب أو الألواح التذكارية, التي أراد بعض الأفراد أو الحكام أن يخلدوا بها حدثا أو موقفا يرغبون في تخليده لسبب أو لآخر. ونحن نستطيع أن نستنتج الشيء الكثير عن حياة مجتمع شبه الجزيرة من كل نوع من هذه الآثار. ففي مجال المعمار, على سبيل المثال، يشير موقع الحصن أو السور الممتد حول المدينة إلى أن المنطقة التي يوجد بها في حاجة إلى دفاع من نوع خاص؛ لأنها تقع في منطقة تتعرض فيها للخطر من جانب مجتمع مجاور

стр. 128

لديه اتجاهات توسعية, أو لأن المنطقة "التي قد لا تشكل في حد ذاتها مطمعا" تقع في معبر قد تجتاحه دولة مجاورة في طريقها للاعتداء على أرض دولة أخرى مجاورة. والحجارة التي تستخدم في بناء هذا الحصن أو هذا السور لها أكثر من دلالة، ومن بين ما تدل عليه مدى الاهتمام بتحصين الموقع, وهذا نستطيع أن نعرفه من حجم الحجارة وسمك السور أو سمك جدران الحصن، كذلك هي تدلنا على مدى قدرة أفراد المجتمع في هذا الموقع على السيطرة على الحجر صقلًا وترتيبًا, وعلى مدى تأثرهم في طراز البناء بغيرهم أو مدى تعبيرهم عن شخصيتهم الخاصة. والشيء ذاته يمكن أن نقوله بتفاصيل مختلفة عن بقية أنواع المعمار، فأساسات أو بقايا المنزل أو القصر الذي يجده المنقِّب الأثري في أثناء حفائره تشير، بين أشياء كثيرة, إلى المستوى الاقتصادي أو الطبقي لمن كانوا يسكنون هذا المنزل أو القصر، والمعبد يبين لنا، إلى جانب طرازه ومدى ما فيه من شخصية فنية محلية أو تأثير خارجي، نوع العبادة التي كان يمارسها سكان المنطقة التي أقيم فيها هذا المعبد, وشيئا عن المعبود الذي تدور حوله، وربما شيئا عن الطقوس أو الشعائر التي كانت تتصل بهذا المعبود وهكذا. والتماثيل أو النحت البارز أو الرسوم والمخربشات هي الأخرى نستطيع أن نستنطقها الكثير مما كان يدور في مجتمع شبه الجزيرة قبل ظهور الإسلام, كما نستطيع أن نتعرف من العملة على أكثر من جانب من جوانب الحياة التي كان يمارسها، فالكتابة التي تظهر على أحد وجهي العملة قد تعطينا اسم الحاكم أو صفته والرسم الذي قد يوجد على الوجه الآخر له دلالته سواء صور معبودا أو حيوانا يقدسه المجتمع أو طائرا أو نباتا له أهميته في الحياة اليومية. والعملة الأجنبية التي نعثر عليها نستطيع أن نعرف منها مثلا أن قدرًا من التعامل كان قائما بين مجتمع شبه الجزيرة والدولة صاحبة هذه العملة، وعدد ما يعثر عليه من قطع هذه العملة الأجنبية يعطينا فكرة عن مدى كثافة المعاملات مع هذه

стр. 129

الدولة. كذلك فنوعية المعدن الذي سكّت منه العملة يزودنا بفكرة عن رسوخ الوضع الاقتصادي أو عدم رسوخه, إذا كانت هذه العملة ذهبا أو فضة أو بروزا وهكذا. ثم نأتي إلى النقوش, وهذه عبارة عن نصوص تركها لنا مجتمع شبه الجزيرة في العصور السابقة للإسلام, إما محفورة بشكل سريع على واجهات الصخور, أو محفورة بشكل منظم، وعادة ما يكون منمقا، على جدران المعابد أو المنازل أو على واجهات الأضرحة أو شواهد القبور، أو مختومة على ألواح أو رُقُم طينية تحرق بعد أن تسجل عليها هذه النصوص؛ كي تكتسب شيئًا من الصلابة التي تضمن لها البقاء فترات طويلة دون أن تتعرض للتفتت أو التآكل. وهذه النصوص تتراوح في طولها، فقد تكون سطورا قليلة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة أو قد تمتد لتشمل عدة فقرات طويلة. كذلك فهذه النقوش قد توجد في مناطق داخل شبه الجزيرة العربية، كما قد توجد في مناطق داخل بلاد أخرى كانت على صلة بشكل أو بآخر بمجتمع شبه الجزيرة، ومن ثم ترد في نصوص لشبه الجزيرة معلومات عنها. والنقوش لها أكثر من دلالة تضعها أمام من يريد التعرف على مجتمع ما قبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية. وعلى سبيل المثال فإن انتشار نصوص بلغة أو لهجة معينة في عدد من المناطق يشير إلى انتشار الفئة أو المجموعة التي تتحدث بهذه اللغة أو اللهجة في الأماكن التي وجدت فيها هذه النقوش, أو يشير على الأقل إلى تواجد -بصفة أو بأخرى- لهذه المجموعة في تلك الأماكن. ووجود نقوش بلغات مختلفة في منطقة واحدة يشير عادة إلى أن هذه المنطقة كانت نقطة التقاء أو مرور للمجموعات التي كانت تتحدث بهذه اللغات, وهو لقاء أو مرور يتم لغرض عادة ما يكون تجاريًّا. كذلك قد يشير أحد النقوش إلى حدث معين قد يكون غزوة قام بها حاكم منطقة بعيدة إلى المنطقة التي اكتشفت فيها النقش, وقد يكون ابتهالًا من أحد حكام أو أفراد منطقة

стр. 130

معينة إلى إله من آلهتها، فنعرف من ذلك اسم هذا الحاكم أو الشخص واسم الإله أو الآلهة التي كانت عبادتها تسود هذه المنطقة وهكذا. وتعمل الآن في حقل الكشف عن الآثار والنقوش في شبه الجزيرة العربية مجموعة من الهيئات العلمية المتخصصة, تتكون كل منها في أغلب الأحوال من فريق متكامل يمثل التخصصات المختلفة, يوجد فيه المنقب الأثري والمتخصص اللغوي والجغرافي والرسام والمهندس المعماري، وهذه الهيئات التي تنتمي إلى بلاد مختلفة تؤدي مجهوداتها هذه إلى توضيح الصورة التاريخية لشبه الجزيرة أمام الباحثين يوما بعد يوم. على أننا ندين في الواقع ببداية الاهتمام بتاريخ شبه الجزيرة العربية وبداية التعرف العلمي على آثارها ونقوشها إلى عدد من العلماء الأوروبيين والعرب والأمريكيين كان لمجهوداتهم الأولى، التي عرضتهم لكثير من المصاعب والمخاطر "وهي مخاطر أودت بحياة عدد منهم في بعض الأحيان" أكبر الأثر في قيام واستمرار العمل العلمي القائم الآن في هذا المجال. وقد كان عمل هؤلاء الرواد مختلطا في أغلب الأحوال بين الآثار والكشف عن النقوش القديمة حسبما تتيسر الظروف. ولا أهدف في هذه الكلمة التمهيدية إلى حصر أسمائهم أو أعمالهم وإنما أود أن أعرض بشكل سريع إلى التعريف بالمراحل التي سارت فيها هذه الكشوف بهدف إعطاء هيكل عام لها. وقد كان أول هؤلاء هو كارستن نيبور karsten niebuhr, الجغرافي الدانماركي الذي قام هو وخمسة أفراد آخرين في بعثة أرسلها ملك الدانمارك للكشف عن آثار اليمن بين ١٧٦١، ١٧٧٢, وقد هلك زملاؤه الخمسة وبقي هو ليضع كتابا ضمنه نتاج العمل الذي قامت به البعثة، ورغم أن الكتاب يحتوي على قدر كبير من تفاصيل الرحلة ذاتها مما قد لا يهم الباحث في تاريخ شبه الجزيرة، إلا أن هذا الكتاب كان له أثرانِ مهمانِ: أولهما هو أنه نبه

стр. 131

أذهان العلماء إلى إمكانية وأهمية العمل في حقل التعرف على آثار ونقوش اليمن, وثانيهما هو الخريطة المفصلة التي ظهرت في هذا الكتاب لتبين مواقع وأماكن لم يكن يعرف بها أحد من قبل, الأمر الذي يسر الأمور بشكل ظاهر لمن أتى بعده من العلماء. أما المرحلة الثانية فيمثلها توماس أرنو Thomas Arnaud الصيدلي الفرنسي الذي زار اليمن في ١٨٤٣ وكشف، بين أشياء أخرى, عن ٥٦ نقشًا. وأهمية رحلته العلمية هو إقبال المستشرقين على فك رموز الخط العربي الجنوبي الذي أطلقوا عليه بشكل عام في البداية اسم الحروف الحميرية. ثم تلت ذلك خطوتان هما تمكن هؤلاء المستشرقين من تقسيم هذه الحروف بشكل تخصيصي إلى ثلاث مجموعات هي الحروف الحميرية والحروف المعينية والحروف السبئية. أما الخطوة الثانية فهي التمكن من ترجمة كل النقوش التي اكتشفت في العربية الجنوبية حتى ذلك الوقت ثم جمعها والتعليق عليها في موسوعة النقوش السامية Corpus Inscriptionum Semiticarum. وتتمثل المرحلة الثالثة في مجهودات عالمين آخرين هما الفرنسي جوزيف هالفي Joseph Halevy الذي وصل إلى نجران وصنعاء في ١٨٧٠, وتمكن من اكتشاف ٦٨٦ نقشًا من ٣٧ موقعًا، وإدوارد جلازر Edward Glaser العالم النمساوي الذي قام بأربع رحلات إلى اليمن بين ١٨٨٢، ١٨٩٤ كانت حصيلتها ألفي نص. وأهمية جهود هذين العالمين هي هذا العدد الهائل من النقوش التي عثروا عليها وسجلوها, وبفضل هذا العدد من النقوش تمكن المهتمون بدراسة تاريخ هذا القسم من شبه الجزيرة من التعرف الأعمق على خصائص اللغات العربية الجنوبية القديمة ومقارنتها بغيرها من اللغات السامية بما يستتبعه هذا من التوصل إلى معرفة عدد من العلاقات الداخلية والخارجية في صدد الاتصالات بين هذه المنطقة وغيرها من مناطق العالم القديم. والمرحلة التالية في مجال التعرف على تاريخ اليمن القديم يمثلها من بين

стр. 132

آخرين, عالمان مصريان هما العالم الجغرافي سليمان حزين الذي زار المنطقة ضمن بعثة ثلاثية أرسلتها جامعة القاهرة في ١٩٣٦ أصدر على أثرها بحثين أحدهما عن الخطوط التجارية في شبه الجزيرة في العصر الروماني, والآخر عن التغيرات المناخية التي أدت إلى الهجرات من جنوبي شبه الجزيرة إلى شماليها في العصور القديمة. والثاني عالم أثري هو أحمد فخري الذي قام برحلة علمية أثرية إلى المنطقة في ١٩٤٨, تمكن خلالها, إلى جانب نتائج أخرى، من دراسة معبد إلمقه، إله القمر السبئي الموجود في مأرب دراسة علمية وافية صدرت في ثلاثة أجزاء في ١٩٥٢. أما العالم الآخر الذي يمثل هذه المرحلة، فهو العالم الأثري الأمريكي وندل فيليبس wendell phillips الذي ترأس بعثة أمريكية أثرية إلى اليمن ١٩٥٢ تمكن على أثرها من الكشف على الفناء الأمامي لمعبد إلمقه. وإلى جانب هذه المجهودات العلمية الخاصة بالعربية الجنوبية كانت هناك مجهودات موازية في القسم الشمالي من شبه الجزيرة, من بينها ما قام به العالم التشيكوسلوفاكي ألويس موسيل alois musil الذي تمكن في خلال رحلاته إلى نجد والحجاز، وبخاصة المواقع التي كانت تمر بها خطوط القوافل التجارية. ومن بين هذه المجهودات كذلك ما قام به المستشرق الفرنسي رينيه دوسو rene dussaud الذي ظهرت نتائج تحقيقاته في دراسة عن نفاد الأقوام العربية والنشاط التجاري والسياسي العربي إلى داخل المنطقة السورية*.

стр. 133

امثلة من المخلفات الأثرية مدخل ... ٢- أمثلة من المخلفات الأثرية: وسأعرض في هذه السطور إلى المخلفات والنقوش التي تتصل بشبه الجزيرة العربية, لا على سبيل الحصر، فهذا يتجاوز طاقة الباحث كما يخرج عن نطاق هذه الدراسة التقديمية، ولكن عن طريق تقديم نماذج من كل نوع من هذه الآثار والنقوش يمكن أن تعطي صورة عامة متكاملة في حدود المستطاع تصلح مدخلًا للتعرف على أحوال المجتمع العربي في عصور ما قبل الإسلام.

стр. 134

أ- الآثار المعمارية: ولتكن بداية الحديث عن الآثار المعمارية. ومن بين المعالم البارزة في هذا الصدد معبد العوَّام الذي اكتشفت آثاره باليمن على مسافة ٤ كيلومترات جنوبي صرواح "غربي مأرب، عاصمة الدولة البيئة القديمة"١. إن هذا العبد على قدر ظاهر من الفخامة، سواء في مساحته أو في تفاصيل بنائه، فالقسم الأساسي منه بيضاوي الشكل يصل محيطه إلى ألف قدم "وتره الطويل ٣٧٠ قدمًا ووتره الصغير ٢٥٠ قدمًا"، ويفضي إليه فناء مربع "حوالي ٧٢ × ٥٧

стр. 135

قدمًا" تمتد بإزاء جدرانه من الداخل مجموعة من ٣٢ عمودا مربعا, وفي وسط هذا الفناء المربع عثر على تمثال لرأس ثور من المرمر على هيئة ثور وهو أحد الأوصاف التي عرف بها إله القمر إلمقه، بينما تفضي نهايته إلى ثمانية أعمدة طويلة كل منها عبارة عن كتلة واحدة منحوتة من الحجر المصقول، ما عدا اثنين يتكون كل منهما من قطعتين, الواحدة فوق الأخرى. وهذا بينما يظهر على الجدران قدر كبير من الزخرفة الدقيقة على هيئة نوافذ وهمية. أما القسم الأساسي البيضاوي من المعبد فإن جدرانه تصل في سمكها إلى ١٣ قدما ونصف قدم. ورغم أن هذه الجدران قد تهدمت أجزاء منها بحيث لا نستطيع أن نتعرف على ارتفاعها الأصلي إلا أن ما تبقى منها يصل في بعض المواضع إلى ارتفاع ٢٧ قدما، وتدل بقايا من معدن البرونز في المعبد على أن أبوابه والدرج المفضي إليه كانت مغطاة بهذا المعدن. هذا وقد عثر في المعبد على عدد من النقوش سواء على الحجر أو على صفائح من البرونز بها ابتهالات مقدمة إلى الإله إلمقه. أما تاريخ البناء فإن الأساليب المعمارية المتعددة التي تظهر في جدران المعبد تدل على أنه بني على مراحل تمتد من القرن الثامن إلى القرن الخامس ق. م. وأول ما يسجله دارس التاريخ في صدد هذا الموقع الأثري هو أن منطقة سبأ كانت لا تشذ عن بقية مناطق العربية الجنوبية في عبادة القمر الذي كانت عبادته شائعة في هذه المناطق تحت أسماء مختلفة كجزء من عبادة الكواكب التي كان يجمعها ثالوث: الزهرة والقمر والشمس. كذلك تدلنا العناية الفائقة ببناء هذا المعبد، سواء من حيث بناؤه "أو بناؤه وترميمه" على مدى ثلاثة قرون أو من حيث تفاصيل البناء ذاته على مدى الاهتمام بالحياة الدينية في العربية الجنوبية، وهي ظاهرة استرعت أنظار عدد من الكتاب الكلاسيكيين من بينهم، على سبيل المثال، الكاتب الروماني بلينيوس PLINIUS الذي

стр. 136

يحدثنا "في أواسط القرن الأول الميلادي" عن بعض مناطق الجنوبية العربية فيذكر أن القتبانيين Gebanitae كانت إحدى مدنهم وهي ثمنه Thomna تضم ٦٥ معبدا، وأن سابوته "شبوه" Sabota عاصمة الحضرميين Artamitae كان بها ٦٠ معبدا. وهذه الظاهرة في حد ذاتها من ظواهر حياة الاستقرار التي تسود المناطق ذات الاقتصاد الزراعي المنتظم, ونحن نلاحظها على سبيل المثال في مصر وفي وادي الرافدين, وقد كانا من الحضارات القائمة على الاقتصاد الزراعي المستقر. كذلك تدلنا ضخامة البناء وفخامته على مدى البذخ والثروة التي كانت تتمتع بها منطقة سبأ. وفي هذا نعود مرة أخرى إلى شهادة الكاتب الروماني بلينيوس الذي يذكر لنا أن أغنى أقوام العربية الجنوبية هم السبئيون "بسبب خصوبة غاباتهم في إنتاج الطيوب, وبسبب مناجم الذهب -التي توجد لديهم- وأراضيهم الزراعية التي تعتمد على الري -المنظم- وإنتاجهم للعسل والشمع" كما يدل الطراز المعماري للمعبد، بما يظهر فيه من إتقان في مبانيه وأعمدته وزخرفته, على مدى ما وصل إليه اليمنيون من تقدمٍ فنيٍّ في الفترة التي مر بها بناء هذا المعبد على الأقل، وهي تمتد، كما رأينا، عبر ثلاثة قرون, من القرن الثامن إلى القرن الخامس ق. م. وهو تقدم يدل على قدر من الرخاء كان لا يزال سائدا, حسبما تشير شهادة بلينيوس، في القرن الأول الميلادي٢

стр. 137

وأخيرا، وليس آخرا، فإن الباحث في التاريخ قد يستنتج من الشكل البيضاوي للمعبد عدة أشياء، ربما كان أحدها أن هذا الشكل يساعد في حراسة المعبد، بما فيه من ثروة "تشير إليها بعض الأوعية الذهبية التي عثر عليها المنقبون الأثريون بداخله", ضد غارات البدو الذين كانوا يقطنون الأماكن الصحراوية في اليمن، إذ في حالة الشكل البيضاوي لا تكون هناك زوايا في البناء تحجب الرؤية عمن يقومون بحراسة المعبد، وهو استنتاج يمكن أن يتمشى مع ظاهرة أخرى عرفها الطراز المعماري في اليمن في حالة بناء المنازل، قد كانت هذه تبنى على ارتفاع يتكون من عدة طوابق حتى يكون عنصر الارتفاع عاملا يساعد على السيطرة على البدو المغيرين. مثال آخر من الآثار المعمارية نأخذه من الموقع الأثري الذي تم الكشف عنه تحت التل الكبير في منطقة الفاو "جنوبي بلدة السليل" في وسط شبه الجزيرة العربية، بالقرب من ملتقى سلسلة جبال طويق مع وادي الدواسر "على بعد ٧٠٠ كيلومتر تقريبا إلى الجنوب الغربي من مدينة الرياض", ومن أبرز المعالم الأثرية التي أظهرها معول المنقب الأثري في هذا الموقع سوق تجارية كبيرة تشكل مركزا تجاريا متكاملا يرجع إلى أكثر من ألفي عام، أي إلى القرن الأول ق. م. على أقل تقدير، وهنا يؤكد لنا الموقع الأثري بشكل محدد ما كنا نعرفه بشكل عام من الكتاب الكلاسيكيين "اليونان والرومان" عن وجود طريق للقوافل التجارية بين اليمن في جنوبي غربي شبه الجزيرة ومدينة جرهاء Gerrha "التي يعتقد أنها كانت تقوم حول ميناء العقير الحالي إلى الشمال الشرقي من الهفوف حسبما تشير البحوث الأثرية التي تمت في الفترة الأخيرة" في شمالي شبه الجزيرة. وربما يكون من المعلومات ذات المغزى في هذا الصدد أن الجغرافي اليوناني الذي عرفنا لأول مرة عن وجود هذا الخط التجاري، وهو سترابون Strabo, كان يكتب في الشطر الأخير من

стр. 138

القرن الأول ق. م. والشطر الأول من القرن الأول الميلادي، أي حوالي الفترة التي يرجع إليها تأسيس هذا المركز التجاري في منطقة الفاو٣. وفيما يخص عمارة الأسوار التي تحيط بالمدن أقدم مثالين: أحدهما السور القديم الذي توجد آثاره عند مدينة تاج الحالية في المنطقة الشرقية لشبه الجزيرة على مقربة من شاطئ الخليج, والسور الذي يبلغ عرضه ثمانية أمتار

стр. 139

وطوله ٣٠٠٠ متر يرجع إلى فترة الحكم السلوقي الذي بدأ في أول القرن الثالث ق. م. ويمثل السور دون شك اهتماما كبيرا بتحصين هذا الموقع وهو أمر نستطيع أن نفهمه إذا عرفنا أن هذه الفترة شهدت قيام حكم البيت السلوقي "نسبة إلى سلوقس seleukos أحد قواد الإسكندر وأحد خلفائه" في وادي الرافدين والمنطقة المطلة على الخليج وسط صراعات عنيفة كان أحد أسلحتها، إلى جانب المواجهة العسكرية، هو السلاح الاقتصادي الذي دفع السلوقيين إلى تأمين تجارة الخليج. أما المثال الآخر الذي أقدمه لهذه الأسوار فهو السور القديم الذي لا تزال آثاره باقية إلى ارتفاع أربعة أمتار في بعض الأماكن حول مدينة تيماء في القسم الشمالي الغربي من شبه جزيرة العرب. وهذا السور يفسر لنا أهمية الموقع الذي كانت تشغله هذه المدينة في العصور القديمة، فالمدينة كانت تقع في الطريق بين وادي الرافدين وسورية, أي: في المنطقة التي شهدت اجتياح القوات العسكرية الآشورية لسورية, ومؤامرات ملك دمشق وأحلافه ضد الآشوريين، وهو صراع نعرفه من عدد من النصوص الآشورية، وظل مستمرا بشكل أو بآخر في عهد الدولة البابلية الحديثة التي اتخذ آخر ملوكها "وهو نابونائيد، نابونيدوس Nabonidos عند الكتاب الكلاسيكيين" من تيماء مقرا له حين اضطربت الأمور في بابل٤.

стр. 140

أما عن الآثار المعمارية التي تتصل ببناء السدود، فلعل أبرزها بقايا سد مأرب في اليمن الذي كانت تحجز مياه الأمطار وراءه بحيث يمكن التحكم فيها من خلال عيون تفتح وتغلق حسب الحاجة، ومن هذه السدود كذلك سد السملّقي الموجود بأعلى وادي ليّه من ضواحي مدينة الطائف على مسافة ٣٥ كيلومترًا جنوبي المدينة المنورة بمنطقة الحجاز في شرقي شبه الجزيرة، وقد استمر وجوده في العصر الإسلامي ولا تزال معظم جوانبه قائمة، وسد الحصين الواقع إلى جنوبي خيبر في المنطقة الشمالية الغربية لشبه الجزيرة، ويمتاز هذان السدان الأخيران بطراز واحد هو طراز البناء المتدرج أي الذي يظهر فيه جسم السد على هيئة مدرجات. وعمارة السدود في المجتمع العربي قبل الإسلام تدلنا على أحد الشواغل الأساسية التي كانت تشغل سكان هذا المجتمع الذي كان "ولا يزال" يخلو من الأنهار بشكل تام، ومن هنا تصبح موارده المائية الوحيدة هي العيون أو الينابيع المبعثرة بشكل غير كافٍ في أغلب الأحوال في أرجاء شبه الجزيرة أو الأمطار التي تسقط بشكل موسمي؛ ومن ثم يصبح تجميعها والتحكم فيها في بقية مواسم السنة أمرا واردا في المناطق التي يسقط فيها قدر معقول من الأمطار يبرر الإقدام على بناء هذه السدود٥. ثم نلاحظ في نهاية الحديث عن الآثار المعمارية، نوعا من الأبنية ظهر بوجه خاص في القسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة العربية "التي يقع قسم منها الآن في المملكة العربية السعودية وقسم في جنوبي الأردن" التي تكثر التكوينات الصخرية في عديد من مناطقها، وهو نوع من العمارة لا يتم عن طريق البناء، وإنما عن طريق النحت في هذه التكوينات الصخرية بحيث ينتهي هذا النحت في شكل غرف وأبواب وواجهات كبيرة وأعمدة وزخارف. ونحن نجد أمثلة كثيرة لمعابد وأضرحة نحتت في الصخر في مدينة البتراء "في جنوبي الأردن" التي كانت عاصمة لدولة الأنباط، وفي شمالي غربي المملكة

стр. 141

العربية السعودية في واحة البدع "التي تعرف باسم مغاير شعيب، في نهاية وادي الأبيض المسمى: عفل، على الجانب الشرقي لخليج العقبة ويبعد عن تبوك ١٧٠ كيلومترا إلى الغرب" وفي مدائن صالح "١٥ كيلومترا شمالي العلا" وهي التي عرفها الكتاب الكلاسيكيون باسم "إجرا" egra وجاءت في القرآن الكريم باسم "الحجر" كحاضرة ثمود، وقوم نبي الله صالح. ونحن نستطيع أن نستنتج من هذا النوع من العمارة الذي ظهر في هذه المنطقة عددًا من الحقائق: من بينها امتداد المنطقة التي شملها حكم الأنباط الذين تميزوا بهذا النوع من العمارة. ومن بينها التأثر بالطراز اليوناني - الروماني في العمارة بشكل ظاهر، فواجهات هذه القطع المعمارية واجهات pedaments يونانية، رومانية وكذلك الإفريز Freeze المستطيل الذي يلي الواجهة إلى أسفل وكذلك الأعمدة التي تلي الإفريز نزولا لتحيط بباب المعبد أو الضريح. كذلك نلمس في هذا النوع من المعمار ظهورا جانبيا ولكنه ملموس للشخصية العربية المعمارية "وبخاصة في مدائن صالح في القسم الجنوبي من هذه المنطقة" وهي الشخصية التي بلغت أوجها في الطراز المعماري في العصر الإسلامي. فمن جهة نجد أن الواجهة التي تتخذ في الطراز اليوناني شكلا مثلثا ذا جانبين لهما زوايا حادة، ورأس له زاوية منفرجة، تظهر في بعض الأحيان القليلة في هذه المنطقة وقد اختفى التدبيب من زاوية الرأس فصار لها شكل قوس بيضاوي، ثم نجدها في أحيان قليلة أخرى في عدد من الطاقات NICHES وقد اتخذت قوسا نصف دائري هو القوس الذي يظهر في العمارة العربية بعد ذلك، كذلك نجد أقسام الإفريز التي كانت تتخذ في الإفريز اليوناني شكل مساحات مربعة أو مستطيلة metops تملؤها صور من النحت البارز تمثل قصصا من الأساطير اليونانية, وتفصل بين كل قسم والآخر ثلاثة خطوط رأسية متجاورة triglyphs تبقى كما هي في الإفريز العربي "النبطي" ولكن يظهر فيها تغيير جزئي، فبدلا من النحت البارز الذي يمثل القصص اليونانية ينحت

стр. 142

شكل زهرة ذات ست أو ثماني وريقات في أغلب الأحيان "لعلها مقدمة النجمة المثمنة في الزخرفة الإسلامية فيما بعد"٦.

стр. 143

ب- النحت والمخربشات: وأنتقل الآن إلى الحديث عن النوع الثاني من الآثار وهو النحت الذي يتخذ شكل تماثيل، والنحت البارز الذي يتخذ شكل صور أو زخارف بارزة على واجهات أو جدران المباني أو المسلات. ومن أمثلة هذه الآثار في شبه الجزيرة العربية تمثال حجري عثر عليه قرب القلعة الموجودة في جزيرة تاروت التي تكاد تلاصق الشاطئ الغربي للخليج عند القطيف. والتمثال له دلالة حضارية كبيرة بالنسبة لتاريخ هذه المنطقة، فهو يشبه التماثيل السومرية التي وجدت في جنوبي العراق والتي يرجع تاريخها إلى نحو ثلاثة آلاف سنة ق. م. وهذا يدل على اتصال وثيق بين هذا القسم من شبه جزيرة العرب وبين حضارة وادي الرافدين في هذه الفترة المبكرة٧، وهو اتصال له ما يؤيده من البقايا الفخارية المتشابهة التي عثر عليها في المنطقتين كما سنرى بعد قليل، بما يحمله هذا من معانٍ وما قد يلقيه من أضواء على بعض الجوانب الخاصة بأصل الحضارة السومرية أو بتأثيراتها. كذلك عثر في المعبد اللحياني في الخريبة "مدينة العلا القديمة قرب مدائن صالح في القسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة" على تمثال صغير "طوله متر واحد" يبدو نسخة مصغرة من التماثيل المصرية القديمة سواء في وقفته المتصلبة أو في الذراعين الملتصقين بجانبي الجسم أو في اليدين المقبوضتين. ولم تظهر دراسة مفصلة عن هذا التمثال حتى الآن، ولكنه يشير بشكل واضح إلى تسرب التأثير الفني المصري بشكل أو بآخر إلى المنطقة٨.

стр. 144

أما المثال الثالث الذي أقدمه في هذا الصدد فهو تمثال برونزي عثر عليه ضمن مجموعة من التماثيل في مدينة "تمنع" في قتبان وهي من الأقسام السياسية التي قامت في جنوبي شبه جزيرة العرب وهو تمثال لطفل يمتطي أسدا، والطفل يمسك في يده اليمنى بلجام وفي يده اليسرى بشيء يشبه القفل بينما يرفع الأسد رجله اليمنى وكأنه يهم بالحركة. وفي هذا التمثال نجد أثر الفن اليوناني بارزًا إلى حد كبير سواء في عري الطفل، والعري ظاهرة شائعة في التماثيل اليونانية، أو في ملامح وجهه أو في ليونة الحركة الخارجية "التي تميز الفن اليوناني عن فنون الشرق الأدنى القديم مثل الفن المصري أو الفن الآشوري". ونحن نستطيع أن نستنتج من هذا التمثال، الذي يرجع صنعه إلى القرن الأول ق. م. أو القرن الأول الميلادي، تأثيرا يونانيا على المثال العربي في هذه المنطقة من شبه الجزيرة, جاء نتيجة احتكاك اتخذ صورة أو أخرى بين اليونان وجنوبي شبه الجزيرة, وبخاصة إذا عرفنا أن اليونان كانوا قد بدءوا يزاولون الملاحة في البحر الأحمر منذ العصر المتأغرق "القرون الثلاثة الأولى ق. م" بتشجيع من ملوك البيت الحاكم البطلمي في مصر، ثم استمر نشاطهم البحري بعد ذلك في عصر الإمبراطورية الرومانية "ابتداء من ٢٧ ق. م" بعد أن عمل الأباطرة الرومان منذ بداية قيام الإمبراطورية الرومانية على فرض نفوذهم بطريق أو بأخرى على مدخل البحر الأحمر عند مضيق باب المندب "أقصى الطرف الجنوبي لهذا البحر" كمنطقة تتحكم في الطريق التجارية بين موانئ البحر المتوسط "ثم برا إلى البحر الأحمر ثم اختراقا لهذا البحر حتى جنوبيه" والمحيط

стр. 145

الهندي. وفي خلال هذا النشاط البحري التجاري بما فيه من مبادلات كان المجال مفتوحا لوصول بعض الدمى اليونانية التي قلدها الفنان العربي الجنوبي٩. وأنهي الحديث عن الآثار المنحوتة في شبه الجزيرة العربية بمثال من النحت البارز يمثله شاهد مقبرة من تيماء "القسم الشمالي الغربي من شبه الجزيرة" "يرجع إلى أواسط الألف الأولى ق. م" وقد نحتت على هذا الشاهد صورة الإله "هلال" إله القمر التمودي وقد ظهر في النحت شخص يقدم قرابين إلى الإله١٠، ونستطيع بشكل بسيط ومباشر أن نستنتج من النحت الموجود على هذا الشاهد حقيقتين: إحداهما أن الثموديين، أو الفرع الشمالي منهم, كانوا يقيمون بشكل مستقر، وليس بشكل عابر لتجارة أو غيرها، في هذه المنطقة. أما الحقيقة الثانية فهي نوع العبادة التي كان يمارسها هؤلاء الثموديون في هذه المنطقة, وما يمكن أن يكون لها من صلة بعبادات الأقوام الذين وجدوا في المناطق المجاورة أو الذين احتكوا بهم في صورة أو في أخرى. وإذا كان النحت بنوعيه، النحت المستدير "التماثيل" والنحت البارز يقدم لنا الشيء الكثير عن حياة العرب في شبه الجزيرة في العصر السابق للإسلام, فإن المخربشات التي تركها السكان على صخور الجبال, وإن كانت أقل منها
следующие страницы →