المملكة العربية السعودية - وزارة التعليم
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - قسم القرآن وعلومه
استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره جمعاً ودراسة
رسالة: مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في القرآن وعلومه
إعداد: رقية بنت محمد بن سالم باقيس
إشراف: د عبد الرحمن بن ناصر اليوسف، الأستاذ في قسم القرآن الكريم وعلومه
المناقشان: أ. د. يوسف بن عبد العزيز الشبل، د. فهد بن مبارك الوهبي
العام الجامعي: ١٤٣٥/ ١٤٣٦ هـ
تاريخ التسجيل: ٥/ ١١/ ١٤٣٢ هـ
تاريخ المناقشة: ٢١/ ٦/ ١٤٣٧ هـ
نتيجة المناقشة: ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى.
стр. 2
شكر وتقدير
الحمد لله حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ثم الصلاة والسلام على أشرف من بعث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين، أما بعد:
فإنه من باب الاعتراف بالجميل وإرجاع الفضل إلى أهله، لا يسعني إلا أن أشكر الله العلي القدير، وأحمده حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه على ما سهّل لي من أسباب العلم، ويسّر لي من وسائل تحصيله، وأسأله سبحانه المزيد من فضله وإحسانه.
ثم أتقدم بالشكر والتقدير وخالص الدعاء بالأجر والثواب لوالدي غفر الله له وجزاه عني خير الجزاء، والشكر لوالدتي حفظها الله وإخوتي على ما قاموا به من إعانتي لمواصلة تحصيلي العلمي.
وشكر خاص لمن شاطرني همي في هذا البحث وكان سندا وعونا لي بعد الله، زوجي الذي شجعني ولم يجعل البحث عائقاً في بداية حياتي الزوجية، فجزاه الله خيرا على ما قدم.
والشكر والتقدير لكل من كان له إسهام برأي أو مشورة أو توجيه أو نصيحة أو تزويد بمراجع أو دعاء أو غير ذلك من وجوه الإعانة، وهم كثير.
وأخص بالشكر والتقدير فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: عبد الرحمن بن ناصر اليوسف، حفظه الله ونفع به، على قبوله الإشراف على هذه الرسالة، حيث لم يدخر جهداً في توجيهي، وإرشادي، فجزاه الله عني خير الجزاء.
وأتقدم بالشكر والتقدير للجنة المناقشة الكريمة المكونة من فضيلة الأستاذ الدكتور يوسف بن عبد العزيز الشبل، أستاذ التفسير في قسم القرآن بجامعة الإمام، وفضيلة الدكتور فهد بن مبارك الوهبي، أستاذ التفسير في جامعة طيبة، اللذان تفضلا بقبول مناقشة هذه الرسالة، وتقويمها وإثرائها بملاحظاتهما القيمة، فشكر الله لهما وأسأله سبحانه أن يجزيهما عني خير الجزاء
كما أتقدم بالشكر لجامعتي الحبيبة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ممثلة في كلية أصول الدين، وقسم القرآن وعلومه، على ما هيأت لي من أسباب التحصيل العلمي منذ بداية دراستي الجامعية، فجزا الله أساتذتي ومشائخي وكل من عمل وخطط لوصولنا لهذه المرحلة خير ما يجزي به عباده المحسنين.
وأخيراً، فإن هذا البحث عمل بشري، لا يسلم من الخطأ والزلل، فما كان فيه من صواب فهو فضل من الله وتوفيقه، وما كان فيه من خطأ وزلل فمن نفسي والشيطان، واستغفر الله منه.
وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، ويتقبله قبولا حسنا، وأن يرحم والدينا ومن علّمنا، إنه على كل شيء قدير، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
стр. 3
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، وخالق الخلق أجمعين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه الذين ساروا على نهجه في اتباع القرآن الكريم، وكانوا به يهتدون.
أمَّا بعد:
فإن غاية الإنسان في هذه الدنيا هو تحقيقُ العبودية لله رب العالمين، إذ عليها مناط التكليف، وإليها دعت الرسالات السماوية كلها، والعلم من أشرف مقامات العبودية إذا كان متعلقاً بنصوص الوحيين الشريفين (القرآن الكريم والسنة الشريفة) إذ هما أصل العلوم ومنبعها.
وعلم التفسير من أجَلِّ العلوم وأنفعها وأشرفها، لتعلقه بكلام الله جل وعلا، وكل ما كان متصلاً بالتفسير ومتعلقا به كان له من القدر والمنزلة بقدر تعلقه به.
ولما كان الأمر كذلك؛ انْبَرى علماء الإسلام في شتى الأقطار لدراسة كلامِ رب العالمين، ونذروا حياتهم لخدمة الكتاب المبين، حتى استخرجوا دُرَرَه، واقتنصوا شوارده، ونهلوا من معينه، وارتشفوا من سلسبيله العذب.
وكان من بين هؤلاء الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ صاحب " تفسير المنار" الذي أراد منه أن يكون القارئ المتدبر للقرآن يهتدي به، ويتخذه وسيلة للنهوض بإصلاح الأمة وتجديد شبابها، الذي هو المقصود بذاته (١).
وقد ضمَّن الشيخ تفسيره عصارة ذهنه، ونتاج قراءته واطلاعه، وأَودَعه من الفوائد المتعددة والمباحث القيمة حتى صار مرجعاً مليئًا بالفوائد والعلوم، فالكتاب موسوعة علمية قرآنية قيِّمة.
ومن هنا وقع اختياري على موضوع الاستنباط عند هذا الشيخ الجليل، وذلك أن علم الاستنباط من العلوم المتعلقة بالقرآن العظيم، إذ هو استخراج ما خفي من المعاني، ويحتاج إلى إعمال العقل الذي يحتاجه المستنبط حال الاستنباط، ولا يحصل هذا إلا بتأمل وتدبر كتاب الله.
وفي إبراز المعاني المتوصل إليها بالاستنباط هدايات قرآنية عقدية، وفقهية، وأصولية، وتربوية ينتفع بها الناظر إليها والعامل بها.
فكان لجمع مواضع الاستنباط عند الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ إبرازاً لهذا العلم من وجه، وبياناً لبراعة المفسر من وجه آخر، لذا عقدت العزم على جمع هذه الاستنباطات ودراستها تحت عنوان:
стр. 4
أهمية الموضوع، وأسباب اختياره:
١. القيمة العلمية لعلم الاستنباط إذ به يظهر رسوخ العلماء ومقدرتهم البارعة على استخراج المعاني الجليلة، وترسيخ القيم السامية.
٢. المكانة العلمية للشيخ محمد رشيد رضا ﵀ حيث يعد من العلماء الذين تبحروا في مختلف العلوم الشرعية وخاصة التفسير، إذ يُعدّ من مؤسسي مدرسة التفسير الحديث. وقد أثنى عليه ثلة من العلماء المعتبرين، منهم الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ إذ قال: "تأثرتُ بمنهاجِ الشيخِ محمد رشيد رضا ﵀ لأنهُ جيدٌ في عقدِ المسائل، وفي إتحافِهِ الفكريِ" (١)، ومنهم أيضا الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ (٢) والشيخ المفسر عبد الرحمن الدوسري ﵀.
٣. مكانة " تفسير المنار" بين كتب التفسير لاهتمامه بالقضايا العلمية والتربوية.
٤. عناية الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ بالقضايا الاجتماعية وإبرازه لها من خلال آيات الكتاب العزيز، وهو مما تدعو الحاجة الملحّة إليه في وقتنا الحاضر.
٥. الإسهام في إثراء المكتبة القرآنية بكتاب مستقل يضم كل ما يتعلق بالاستنباط عند الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في التفسير.
أهداف البحث:
١. الكشف عن منهج الشيخ محمد رشيد رضا في الاستنباط.
٢. جمع استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ التفسيرية ودراستها.
٣. بيان القيمة العلمية لاستنباطات الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ وبيان ما لتلك الاستنباطات وما عليها وموقف العلماء منها.
٤. إبراز علم الاستنباط عند الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ من وجه، وبراعته فيه من وجه آخر.
حدود البحث:
درست استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ من أول سورة الفاتحة إلى الآية ٥٢ آخر آية فسرها من سورة يوسف، وقد بلغت قرابة ٢٠٠ استنباط.
стр. 5
الدراسات السابقة:
بحسب ما اطلعت عليه من خلال البحث في الإنترنت، والتواصل مع قواعد المعلومات في المراكز البحثية كمركز الملك فيصل للدراسات والأبحاث، والجامعات في المملكة، وسؤال أهل الاختصاص من الباحثين والمتخصصين، تبين لي أن موضوع الاستنباط عند الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ لم تسبق دراسته.
إلا أن هناك بعض الرسائل العلمية المتعلقة بجهود الشيخ، ولكن في جوانب أخرى:
١. قواعد التفسير من خلال تفسير المنار لمحمد رشيد رضا بين التجديد والمحافظة، الهادي لمراني علوي، المغرب، كلية الآداب ١٩٩٤ م.
٢. الاتجاه العقلي في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا، فوزية المشتوي، جامعة عين شمس ١٩٩٠ م.
٣. التفسير المقاصدي عند الشيخ محمد رشيد رضا من خلال "تفسير المنار"، فاطمة الزهراء الخمامي، دكتوراه، كلية الآداب: ظهر المهراز: فاس، ١٩٩٩ م.
٤. جهود الشيخ محمد رشيد رضا في التفسير: دراسة لتفسيره المنار، مصطفى بن عبد الله، أكاديمية الدراسات الإسلامية بجامعة ملايا، ٢٠٠٦ م.
٥. رشيد رضا المفسر، حسيب حسن السامرائي، جامعة الأزهر، ١٩٧٠ م.
٦. مفهوم السنن الإلهية عند محمد رشيد رضا من خلال تفسيره المنار، حازم زكريا محيي الدين، ماجستير.
ويتبين مما سبق أن هذا الموضوع لم يفرد بالبحث، وأحسب أن إفراد هذا الموضوع من موضوعات علوم القرآن والتفسير بالجمع والدراسة من خلال تفسير له مكانته القيّمة والعالية، كتفسير الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ سيكون إضافة، أرجو أن تكون ضمن سلسلة الخدمات التي عنيت بهذا التفسير القيّم.
خطة البحث:
تتكون خطة البحث من: مقدمة وتمهيد، وقسمين، وخاتمة، وفهارس.
المقدمة؛ وفيها: أهمية الموضوع وأسباب اختياره، وأهداف البحث، وحدوده، والدراسات السابقة، وخطة البحث، ومنهجه.
التمهيد ويشمل: لمحة موجزة عن الشيخ محمد رشيد رضا ﵀.
القسم الأول: الدراسة، وتتضمن تفسير الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ ومنهجه في الاستنباط من خلال تفسيره، وفيه تمهيد وأربعة فصول:
التمهيد: بيان مفهوم الاستنباط والفرق بينه وبين التفسير.
الفصل الأول: التعريف بتفسيره ومنهجه ﵀ فيه. وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: التعريف " بتفسير المنار".
المبحث الثاني: منهج الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره.
المبحث الثالث: مزايا تفسير المنار.
المبحث الرابع: المآخذ على تفسير المنار.
الفصل الثاني: أقسام الاستنباط عند الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الاستنباط، باعتبار موضوع المعنى المستنبط.
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: الاستنباطات العقدية.
المطلب الثاني: الاستنباطات في علوم القرآن.
المطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية والفقهية.
المطلب الرابع: الاستنباطات اللغوية والبلاغية.
المطلب الخامس: الاستنباطات التربوية والسلوكية.
المطلب السادس: الاستنباطات الاجتماعية.
стр. 6
المطلب السابع: الاستنباطات في السياسة الشرعية.
المبحث الثاني: الاستنباط، باعتبار ظهور وخفاء النص المستنبط منه، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه.
المطلب الثاني: الاستنباط باعتبار خفاء النص المستنبط منه.
المبحث الثالث: الاستنباط، باعتبار الإفراد والتركيب، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الاستنباط باعتبار الإفراد.
المطلب الثاني: الاستنباط باعتبار التركيب.
الفصل الثالث: طرق دلالات الاستنباط عند الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص.
المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم.
المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام.
المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن.
المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران.
المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.
الفصل الرابع: القيمة العلمية لاستنباطات الشيخ محمد رشيد رضا. وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تأثر الشيخ محمد رشيد رضا باستنباطات المفسرين قبله، وموقفه منها.
المبحث الثاني: مميزات استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا، وأثرها فيمن بعده.
القسم الثاني: جمع استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا التفسيرية ودراستها حسب ترتيب سور المصحف وآياته.
стр. 7
الخاتمة:
وفيها أهم النتائج والتوصيات.
الفهارس وتشمل:
١. فهرس الآيات القرآنية.
٢. فهرس الأحاديث النبوية.
٣. فهرس الأعلام.
٤. ثبت المصادر والمراجع.
٥. فهرس السور والاستنباطات
٦. فهرس الموضوعات.
منهج البحث:
سلكت بعد توفيق الله وعونه في القسم الدراسي المنهج الوصفي التحليلي لشخصية المفسر وتفسيره، والاستنباطات عنده.
كما سلكت في القسم الآخر المنهج الاستقرائي التحليلي في استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ متبعة ما يلي:
أ - ذكر الآية المستنبط منها، وبيان وجه الاستنباط.
ب - تحليل الاستنباط من خلال بيان نوع دلالة الآية عليه.
ت - الحكم عليه بعد موازنة قوله بأقوال غيره من العلماء.
متبعة في ذلك ما يلي:
• كتابة الآيات القرآنية بالرسم العثماني، مع عزوها إلى سورها بأرقام آياتها.
• تخريج الأحاديث من مظانها، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فاكتفي بذلك، وإن كان في غيرهما أخرجه من مظانه، وأذكر أقوال العلماء في الحكم عليه.
• عزو النصوص والآراء.
• توثيق المعاني اللغوية من المعاجم المعتمدة مع ذكر المادة والجزء والصفحة.
• توثيق المعاني الاصطلاحية من كتب المصطلحات الخاصة بها أو من كتب الفن الذي يتبعه المصطلح.
• توثيق النصوص والأقوال.
• التعريف بالأعلام الذين ورد ذكرهم، عدا المشهورين، ومن ورد في نقولات أهل العلم.
• التعريف بالفرق والأماكن والبلدان.
• وضع الفهارس الفنية اللازمة.
стр. 8
التمهيد
لمحة موجزة عن الشيخ محمد رشيد رضا ﵀.
كان ﵀ متعدد الجوانب والمواهب، فكان مفكرًا إسلاميًا غيورًا على دينه، وصحفيًا نابهًا أنشأ مجلة (المنار) ذات الأثر العميق في الفكر الإسلامي، وكاتبًا بليغًا، ومفسرًا نابغًا، ومحدثًا متقنًا في طليعة محدثي العصر، وأديبًا لغويًا، وخطيبًا مفوهًا تهتز له أعواد المنابر، وسياسيًا يشغل نفسه بهموم أمته وقضاياها، ومربيًا ومعلمًا يروم الإصلاح ويبغي التقدم لأمته.
كان رائداً من رواد الإصلاح الإسلامي الذين بزغوا في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وعملوا على النهوض بأمتهم؛ حتى تستعيد مجدها الغابر، وقوتها الفتية على هدى من الإسلام، وبصر بمنجزات العصر (١).
اسمه ونسبه:
هو العلامة محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بَهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني البغدادي الأصل الحسيني النسب (٢).
من نسب السادة الأشراف؛ يذكر أن أجداد الشيخ محمد رشيد ينحدرون من العترة النبوية الشريفة وهم من الأشراف الحسينين وأصلهم من الحجاز وانتقلوا إلى العراق ونزلوا النجف ثم نزحوا من العراق إلى الشام وسكنوا قرية القلمون على سيف البحر بقرب طرابلس الشام (٣).
مولده:
ولد في السابع والعشرين من شهر جمادى الأولى عام ألف ومائتين واثنين وثمانين للهجرة، الموافق الثامن عشر من شهر تشرين الأول سنة ألف وثمانمائة وخمسة وستين ميلادية في قرية قلمون، الواقعة على شاطئ البحر على بعد زهاء خمسة كيلومترات إلى الجنوب من طرابلس الشام، هذه القرية كانت تسمى بسيدة القرى والمزارع، ونشأ في بيت علم وتقوى، وترعرع في أسرة متديّنة تنتسب إلى الإمام الحسين بن علي (٤).
стр. 9
نشأته:
نشأ وتعلم في مدرسة قلمون قواعد الحساب والخط والقراءة بما فيها قراءة القرآن الكريم، ثم دخل المدرسة الرشدية بطرابلس الشام وهي مدرسة ابتدائية تابعة للدولة العثمانية وكان التعليم فيها باللغة التركية فمكث بها سنة ثم تركها والتحق بالمدرسة الوطنية الإسلامية وهي مدرسة أنشأها الشيخ حسين الجسر الأزهري ﵀ سنة (١٢٩٩ هـ) (١)، وكانت أرقى من المدرسة السابقة، والتعليم فيها بالعربية، وتهتم بتدريس العلوم العربية والشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية، غير أن هذه المدرسة أغلقتها السلطات العثمانية، فانتقل إلى المدارس الدينية بطرابلس وبقي فيها حتى تحصل على الشهادة العالية، ثم واصل تعليمه ودراسته الحرة على أستاذه الشيخ حسين الجسر واتصل بحلقاته ودروسه حتى تخرج على يديه وكتب له الشيخ الجسر الإجازة بالتدريس سنة خمس عشرة بعد الثلاثمائة وألف من الهجرة.
وبجانب ذلك تلقى العلوم العربية والأدبية والتصوف على الشيخ (عبد الغني الرافعي (٢) ﵀، والشيخ (محمد القاوقجي الكبير (٣) ﵀، وتلقى علم الحديث وفقه الشافعية على الشيخ (محمود نشابة (٤) ﵀.
стр. 10
وقد أقبل في تلك الفترة على كتب الأخلاق والتصوف، وخصوصاً كتاب أبي حامد الغزالي "إحياء علوم الدين" الذي كان له أكبر الأثر في دينه وأخلاقه وعلمه وسلوكه (١).
ثم وسع دائرة اهتماماته الفكرية فاطلع على شيء من الثقافة الغربية من خلال قراءته لبعض الكتب الأجنبية المترجمة مثل كتاب "الاجتماع" وغيره، ومن الكتب التي أثرت في أفكاره، وأضافت إلى ثقافته عنصراً مميزاً دفعه إلى الانشغال بقضايا الأخلاق والفكر والتأريخ "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق" لمسكويه و"مقدمة ابن خلدون" (٢).
شيوخه:
كما تقدم، فإن الشيخ محمد رشيد طلب العلم على يد كبار الشيوخ في القلمون وطرابلس منهم (٣):
١. الشيخ حسين الجسر (٤): وهو من أكابر علماء سورية في عصره، وذلك حينما دخل المدرسة الوطنية الإسلامية بطرابلس، فلما ألغيت استمر في تعلمه عليه حتى تخرج وكتب له الشيخ حسين سنة ١٣١٥ هـ الإجازة في التدريس.
٢. الشيخ محمود نشابة (٥): أخذ عنه فقه الشافعية، وعلم الحديث، وكان أول ما أخذ عنه في الحديث: الأربعين النووية حيث قال: قرأتها وضبطتها حتى أجازني بها كتابة.
٣. الشيخ عبد الغني الرافعي (٦): حضر عنده بعضاً من شرح كتاب نيل الأوطار للقاضي الشوكاني، ولكنه يقول: استفدت كثيرا من معاشرته في العلم والأدب والتصوف.
عقيدته (٧):
الشيخ محمد رشيد رضا إمام من أئمة أهل السنة والجماعة، سار على نهجهم واقتفى أثرهم، ودافع عن العقيدة الصافية، ووقف في وجه أعدائها، كما بين ذلك الباحث تامر محمود في بيان عقيدة الشيخ محمد رشيد رضا في رسالته: (منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة).
стр. 11
إلا أن الشيخ محمد رشيد كانت له بداية في التصوف بحسب البيئة التي نشأ فيها وتأثر بعلمائها، فقد كان رشيد رضا قد بدأ التصوف حين كان يُقرئه شيخه حسين الجسر بعض كتب الصوفية ومنها بعض الفصول من الفتوحات المكية، ودرس على شيخه أبي المحاسن القاوقجي، ونال الإجازة في كتاب دلائل الخيرات، ثم بان له أن هذا الكتاب أغلبه أكاذيب على النبي ﷺ فتركه، وأقبل على قراءة أذكار وأوراد في الصلاة على النبي ﷺ ثابتة.
فسلك الطريقة النقشبندية (١)، ويذكر الشيخ محمد رشيد ﵀ في هذا المجال أن الذي حبب إليه التصوف هو كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، وقطع أشواطاً كبيرة فيها، ثم يقول: "ورأيت في أثناء ذلك كثيراً من الأمور الروحية الخارقة للعادة كنت أتأول الكثير منها وعجزت عن تأويل بعضها" (٢)، ثم يقول: "ولكن هذه الثمرات الذوقية غير الطبيعية لا تدل على أن جميع وسائلها مشروعة أو تبيح ما كان منها بدعة، كما حققت ذلك بعد" (٣).
وقد عبر عن هذه التجربة الصوفية بعد سنوات طويلة جداً في التصوف بقوله: " إنني قد سلكت الطريقة النقشبندية، وعرفت الخفي والأخفى من لطائفها وأسرارها، وخضت بحر التصوف ورأيت ما استقر باطنه من الدرر، وما تقذف أمواجه من الجيف، ثم انتهيت إلى مذهب السلف الصالحين، وعلمت أن كل ما خالفه فهو ضلال مبين" (٤).
ثم أنكر على أهل هذه الطرق، فناصبوه العداء، حتى وقعت بين يديه صحيفة العروة الوثقى التي كان يصدرها الأستاذان جمال الدين الأفغاني (٥)، والشيخ محمد عبده (٦)، فأعجب بها وأقبل على قراءتها فكانت بمثابة تغيير جذري في طريقة تفكيره وأهدافه في الحياة، فقال: "هي التي وجهت نفسي للسعي في الإصلاح العام بعد أن كنت لا أفكر إلا فيما بين يدي، وأرى كل الواجب علي أن أظهر في دروسي العقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة، وأنا لا أعلم سبب الفساد الذي فعل في العقائد والأخلاق ما فعل، ودفع المسلمين إلى مزالق الزلل، حتى هدتني العروة الوثقى، إلى المناشئ والعِلل" (٧).
стр. 12
وقال: "كنت أقلب في أوراق والدي فرأيت عددين من جريدة العروة الوثقى فقرأتهما بشوق ولذة ففعلا في نفسي فعل السحر، وكان كل عدد منها كسلك من الكهرباء اتصل بى فأحدث في نفسي من الهزة والانفعال والحرارة والاشتعال ما قذف بي من طور إلى طور ومن حال إلى حال-ويصف الطورين والحالين فيقول- كان همي قبل ذلك محصورا في تصحيح عقائد المسلمين ونهيهم عن المحرمات وحثهم على الطاعات وتزهيدهم في الدنيا، فتعلقت نفسي بعد ذلك بوجوب رشاد المسلمين عامة إلى المدنية والمحافظة على ملكهم ومباراة الهمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات وجميع مقومات الحياة فطفقت استعد لذلك استعداداً" (١).
واشتهر حبه وتعلقه الشديد بالأفغاني ومحمد عبده حتى صار الثناء عليهما يعتبر تقربا إليه، وكتب الأفغاني وهو في الآستانة كتابا أبان له فيه ما يكنّه له من محبة وتأييد وسأله إن كان يقبله مريدا يتلقف الحكمة منه وتلميذا يقوم ببعض الخدمة.
كان الشيخ محمد عبده في الشام منفيا من مصر والتقى به السيد رشيد مرتين في طرابلس في مناسبتين قصيرتين كان نتيجتهما زيادة إعجاب السيد رشيد بالإمام ورغبته في الاتصال به، وبعد أن توفي الأفغاني سنة ١٣١٤ هـ، عزم الشيخ محمد رشيد على الرحيل إلى مصر للاتصال بوارث علمه وحكمته الأستاذ الإمام محمد عبده لتلقي الحكمة منه، ولازمه حتى توفي.
ثم بدأ يتحول تدريجيا بعد وفاة أستاذه محمد عبده، من منهج المدرسة العقلية الحديثة إلى منهج السلف، وهو وإن لم يتحول تحولا كاملا إلا أنه كان في ازدياد إلى أن أدركته الوفاة.
وتبدو مظاهر هذا التحول عن سيرة سلفه التي ساروا عليها فيما يلي:
أولا: من خلال منهجه في التفسير؛ فقد نص في تفسيره على أنه "خالف منهج أستاذه بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة سواء كان تفسيرا لها أو في حكمها وفى تحقيق بعض المفردات والجمل اللغوية والمسائل الخلافية بين العلماء، وفى الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة وفى بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر أو يقوي حجتهم على خصومهم من الكفار والمبتدعة أو يحل بعض المشكلات التي أعيا حلها بما يطمئن به القلب وتسكن إليه النفس" (٢).
وقال أيضا: " (وأقول) أنا مؤلف هذا التفسير: إنني ولله الحمد على طريقة السلف وهديهم، عليها أحيا وعليها أموت إن شاء الله -تعالى-، وإنما أذكر من كلام شيخنا، ومن كلام غيره، ومن تلقاء نفسي بعض التأويلات لما ثبت عندي باختباري الناس أن ما انتشر في الأمة من نظريات الفلاسفة ومذاهب المبتدعة المتقدمين والمتأخرين، جعل قبول مذهب السلف واعتقاده يتوقف في الغالب على تلقيه من الصغر بالبيان الصحيح وتخطئة ما يخالفه، أو طول ممارسة الرد عليهم، ولا نعرف في كتب علماء السنة أنفع في الجمع بين النقل والعقل من كتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله تعالى-، وإنني أقول عن نفسي: إنني لم يطمئن قلبي بمذهب السلف تفصيلا إلا بممارسة هذه الكتب.
стр. 13
فنحن قد سمعنا بآذاننا شبهات على بعض الآيات والأحاديث لم يسهل علينا دفعها وإقناع أصحابها بصدق كلام الله وكلام رسوله إلا بضرب من التأويل، وأمثال تقربها من عقولهم ومعلوماتهم أحسن التقريب، وقد غلط كثير من علماء الكلام والمفسرين في بيان مذهب السلف وفي معاني التفويض والتأويل، وتجد تفصيل ذلك لنا في أوائل تفسير سورة آل عمران، كما أخطأ من قالوا: إن الدليل العقلي هو الأصل فيرد إليه الدليل السمعي ويجب تأويله لأجل موافقته مطلقا، والحق كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كلا من الدليلين إما قطعي وإما غير قطعي، فالقطعيان لا يمكن أن يتعارضا حتى نرجح أحدهما على الآخر، وإذا تعارض ظني من كل منهما مع قطعي وجب ترجيح القطعي مطلقا، وإذا تعارض ظني مع ظني من كل منها رجحنا المنقول على المعقول؛ لأن ما ندركه بغلبة الظن من كلام الله ورسوله أولى بالاتباع مما ندركه بغلبة الظن من نظرياتنا العقلية التي يكثر فيها الخطأ جدا؛ فظواهر الآيات في خلق آدم مثلا مقدم في الاعتقاد على النظريات المخالفة لها من أقوال الباحثين في أسرار الخلق وتعليل أطواره ونظامه ما دامت ظنية لم تبلغ درجة القطع.
وينبغي أن تعلم أيها القارئ المؤمن: أن من الخير لك أن تطمئن قلبا بمذهب السلف ولا تحفل بغيره" (١).
ثانيا: عنايته بكتب السلف وطبعها في مطبعة المنار وذلك بطبع كتب ابن تيمية وابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب ونحوهم وهو أمر اشتهر به السيد رشيد والمنار حتى سماه خصومه بالوهابي.
وبذل جهدا كبيرا في الدفاع عن العقيدة المتمثلة في دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب فكتب مقالات عديدة في الدفاع عنها بل تجاوز هذا إلى تأليف كتاب:
١. السنة والشيعة أو الوهابية والرافضة، رد فيه على خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الشيعة والرافضة.
٢. الوهابيون والحجاز، وهو مجموعة مقالات كتبها حينما هاجم خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية ووصفوها بالابتداع والخروج عن الإسلام، شرح فيها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومبادئها وأهدافها وحالة أتباعها في عصره وأنهم لا يرجى غيرهم في إعادة ما للمسلمين من عزة ومجد.
ونشاطه في طبع كتب السلف وتحقيقها والتعليق عليها بما يوضحها ويجلوها للناس أمر لا يخفى، وكان لها الأثر الكبير في تحوله إلى مذهب السلف وتأثره بهم عن طريق كتبهم.
ثالثا: الخصومة بينه وبين أتباع المدرسة العقلية الحديثة من تلاميذ الشيخ محمد عبده، فقد أدركوا تحوله عن منهج شيخه وجرت بينه وبينهم مناقشات حادة، ففي الصحف كثيرا ما هاجموه وهاجموا آراءه الجديدة ومن هؤلاء الأستاذ محمد حسين، والشيخ عبد العزيز جاويش والأستاذ محمد فريد وجدي.
стр. 14
رابعا: أن علاقة السيد رشيد بالإنجليز لم تكن كعلاقة الأفغاني وعبده المريبة بهم، فقد كان السيد رشيد يعلن حربه للاستعمار بجميع أشكاله الإنجليزي والفرنسي والإيطالي.
خامسا: أنه لم يدخل الماسونية (١) بل كان يحذر منها ومن الانتساب إليها ومن رواجها بين المسلمين، وكان إذا عاب أحد عنده الأفغاني أو محمد عبده بدخول الماسونية اكتفى بقوله: "نعم هما داخلان في الماسونية ولكن أنا لم أدخل فيها" (٢).
سادسا: حربه لجمعية الاتحاد والترقي (٣) التي خلعت السلطان عبد الحميد بعد ما تكشفت له أهدافها التي ترمى إليها من القضاء على الخلافة الإسلامية وتأسفه على الخلافة الإسلامية، ووصفه لجمعية الاتحاد والترقي بأنها جمعية الأحمرين الدم والذهب ووصف مصطفى كمال أتاتورك بالإلحاد والمروق من الدين الإسلامي وأخذ يدعو بعد هذا بشدة إلى إعادة الخلافة الإسلامية وألّف في ذلك كتابه (الخلافة أو الإمامة العظمى).
ومن هذا ندرك مدى مخالفة السيد رشيد رضا لسيرة أستاذيه الأفغاني ومحمد عبده ولم يكن هذا التحول فجائيا بل كان التدرج واضحا في سيره، فقد كان يزداد تقربا إلى منهج السلف كلما امتد به العمر إلى أن توفاه الله (٤).
وقال صاحب كتاب منهج الشيخ محمد رشيد في العقيدة: " لقد تبين لي من خلال عرض منهج وآراء رشيد رضا في العقيدة أنه كان متأثراً بعدة مدارس مختلفة، منها مدرسة شيخه محمد عبده الفلسفية، ومدرسة ابن تيمية السلفية، وبناءً على ذلك تعددت الآراء فيه، فعدّه بعضهم محسوباً على هؤلاء وعده آخرون على هؤلاء، وكل نظر إلى جانب واحد، ولكني أقول إحقاقاً للحق إن الذي غلب على رشيد رضا، لا سيما في آخر حياته ـ هو المنهج السلفي المتأثر فيه بمؤلفات ابن تيمية ومدرسته" (٥).
стр. 15
ومن خلال هذا يتضح أن الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: سلفي المذهب، إضافة إلى أنه صرح في تفسيره بذلك فقال: "قال المغوون لهم من أهل الطرائق القدد بلسان حالهم أو مقالهم: إن صاحب المنار معتزلي منكر لكرامات الأولياء، وما هو بمعتزلي ولا أشعري، بل هو قرآني سني" (١).
أما ما وقع فيه من انحرافات في العقيدة عموما فتبعاً لشيخه محمد عبده، وقد استطاع التخلص مما كان عليه شيخه من العقيدة الأشعرية فنراه يرد عليه، إضافة إلى أنه أظهر المذهب السلفي فيما جمعه في تفسيره، فقد أثبت في معظم الصفات مذهب السلف ودافع عنه، وإن كان وقع في التأويل في بعض الصفات، فهو يعتبر من الذين غلبت عليهم الصفة السلفية (٢).
تلامذته:
أنشئت في عهده مدرسة "دار الدعوة والإرشاد" وكانت هذه المدرسة هي مما دعا إليه في مجال الإصلاح الديني التعليمي، حيث كانت تعنى بتدريس جميع العلوم والفنون التي تدرس عادة في الكليات مع التربية الدينية، وزيادة العناية بالعلوم الإسلامية، وتنشأ أقسامها بالتدريج، يبدأ منها بقسم عال؛ لتخريج الدعاة إلى الإسلام والمرشدين بالوعظ والتدريس وهو المقصد الأساسي (٣).
ويتبين من منهاج الدراسة النظري والعملي أن الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ حاول من خلاله تحقيق كثير من أسس الإصلاح الديني والتعليمي الذي كان يدعو إليه، وقد توقفت المدرسة أثناء الحرب العالمية الأولى بسبب انقطاع الدعم المادي لها (٤)، ورغم الفترة المحدودة التي ظلت الدراسة بها قائمة والتي لم تتعد أربع سنوات، إلا أن حماس الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ وحرصه على نجاحها أدى إلى تخرج مجموعة من تلامذتها وهم مجتهدون للعمل على منهج الإصلاح الذي أرساه فيهم الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ ومزودون بكثير من العلوم والمعارف والخبرات التي أهلتهم فيما بعد للإسهامات العلمية والعملية في المناطق التي ذهبوا إليها (٥).
стр. 16
ومن هؤلاء الطلاب:
١. الشيخ يوسف ياسين (١).
٢. الشيخ أمين الحسيني (٢).
٣. الشيخ محمد بهجت البيطار (٣).
٤. الشيخ محمد الفقي (٤).
٥. الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، من أئمة الحرم المكي (٥).
٦. الشيخ عبد السميع البطل، من علماء مصر (٦)، وغيرهم.
стр. 17
مؤلفاته:
ترك لنا الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ تراثاً ضخماً من الكتب والمؤلفات يدل على ضخامة الجهود التي كان يبذلها في سبيل توضيح أفكاره والدعوة إليها، وعلى عمق ثقافته وتنوعها وشمولها (١).
قال عنه شكيب أرسلان (٢): "ولم أكن أرى في عصرنا هذا أصبر على الكتاب وأجلد على الشغل وأسيل قلما وأسرع خاطرا من الشيخ رشيد، فلو وزعنا ما كتبه بقلمه وبخط بنانه في حياته على خمسين كاتب لأصاب كل منهم قسطا، يجدر بأن يجعله في وصف المؤلفين العاملين". وقال أيضا عنه: "أنه الرجل الذي لم يضيع ساعة واحدة من حياته بلا عمل مفيد للإنسانية عموماً وللإسلام خصوصاً" (٣).
ويمكن القول إن أكثر مؤلفاته نشرت مرتين، إحداهما في مجلة المنار والثانية في كتاب مستقل.
والنظرة الفاحصة لمؤلفات الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ تبين أنها متنوعة الجوانب متعددة التخصصات؛ فبعضها شرعية فقهية، وبعضها عقائدية شرعية، مثل كتاب (السنة والشيعة)، و (رسالة التوحيد)، وبعضها تركز على النواحي السياسية، وبعضها تاريخية سياسية، وأكثر مؤلفاته تختص بالنواحي الإصلاحية الإسلامية.
ومن الصعب حصر مقالاته وكتاباته الصحفية ومؤلفاته العلمية، ونكتفي بذكر أبرزها ومنها (٤):
١. مجلة المنار؛ مجلة شهرية صدر أول عدد منها في ٢٢/ ١٠/ ١٣١٥ هـ، كان لها حضورٌ في العالم الإسلامي، يتركز هدفها في الإصلاح الديني والاجتماعي للأمة، وإبطال الشبهات الواردة على الإسلام، وتربية البنين والبنات، وإصلاح كتب التعليم، ودفع الأمة على مجاراة الأمم المتقدمة، كانت تصدر أسبوعيا، ثم في كل شهر مرتين ثم مرة، كانت تطبع في عهدها الأول في مطبعة المؤيد التي يملكها علي يوسف، ثم اشترى الشيخ رشيد رضا ﵀ المطبعة ليطبع مجلته، وسائر كتبه فيها.
٢. الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية.
٣. تاريخ الأستاذ الإمام في ثلاثة مجلدات وهو أوسع ترجمة للإمام محمد عبده.
стр. 18
٤. نداء للجنس اللطيف؛ في حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام، وقد علق عليه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
٥. الوحي المحمدي.
٦. المنار والأزهر.
٧. ذكرى المولد النبوي.
٨. الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية.
٩. يسر الإسلام وأصول التشريع العام في نهي الله ورسوله عن كثرة السؤال.
١٠. الخلافة والإمامة العظمى.
١١. الوهابيون والحجاز.
١٢. السنة والشيعة أو الوهابية والرافضة.
١٣. مناسك الحج أحكامه وحكمه.
١٤. تفسير المنار: سيأتي الحديث عنه في الفصل الأول من هذه الرسالة.
١٥. الربا والمعاملات في الإسلام.
١٦. مساواة الرجل.
١٧. رسالة في أبى حامد الغزالي.
١٨. المقصورة الرشيدية.
١٩. شبهات النصارى وحجج الإسلام.
٢٠. خلاصة السيرة المحمدية وحقيقة الدعوة الإسلامية وكليات الدين وحكمه.
٢١. تفسير الفاتحة وست سور من خواتيم القرآن الكريم.
٢٢. تفسير الفاتحة ومشكلات القرآن.
٢٣. تفسير سورة يوسف: الذي أكمله محمد بهجت البيطار، وطبع بعد وفاة الشيخ محمد رشيد سنة ١٣٥٥ هـ.
٢٤. المسلمون والقبط والمؤتمر المصري.
٢٥. عقيدة الصلب والفداء.
٢٦. محاورات المصلح والمقلد.
٢٧. ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد ومنافاة الإسلام.
وفاته:
توفي ﵀ يوم الخميس الموافق (٢٣ من جمادى الأولى ١٣٥٤ هـ، ٢٢ من أغسطس ١٩٣٥ م) في طريق عودته من السويس بعد أن قام بتوديع الأمير سعود بن عبد العزيز، وكان يقرأ القرآن طول الطريق حتى خرجت روحه، ودفن في القاهرة، بقرّافة المجاورين بجوار الإمام محمد عبده (١).
رثاؤه:
(حزن عليه المسلمون ورثاه العلماء والأدباء في جميع الأقطار فلما بلغ نعيه الحجاز رثاه الشيخ يوسف ياسين برثاء مطلعه: (دمعة تلميذ على أستاذه) نشر في جريدة أم القرى عدد ٥٦٠ السنة الثانية عشر الموافق يوم الجمعة عاشر جمادى الثانية سنة ١٣٥٤ هـ.
ونعاه ابن باديس (٢) فقال: " لقد كان الأستاذ نسيج وحده في هذا العصر فقهاً في الدين، وعلماً بأسرار التشريع، وإحاطة بعلوم الكتاب والسنّة، ذا منزلة كاملة في معرفة أحوال الزمان وسير العمران والاجتماع، وكفى دليلاً على ذلك ما أصدره من أجزاء التفسير، وما أودعه مجلّة المنار في مجلّداتها التي نيفت على الثلاثين، وما أصدره من غيرهما مثل (الوحي المحمّدي) الذي كان أحبّ كتبه إليه، وإنّ ما كان يقوم به من عمل في تفسير القرآن لا تستطيع أن تقوم به من بعده إلاّ لجنة من كبار العلماء، فهل يكون من رجال الأزهر من يتقدّمون لخدمة الإسلام بتتميم هذا العمل الجليل؟ " (٣).
стр. 19
ورثاه الشاعر محمد الهراوي (١) فقال:
(أي صرح هوى وحصن حصين ولواء طوته أيدي المنون
يا غريب الديار لم تفقد الأهل فما مصر غير أم حنون
جئتها عالماً وطالب علم فتلقتك في الحشى والعيون) (٢).
قالوا عنه:
قال العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (٣) ﵀: "تأثرتُ بمنهاج الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ لأنهُ جيدٌ في عقدِ المسائل، وفي إتحافِهِ الفكريِ، وإن كان عليه بعض ما أخطأ فيه ولا أحد يسلَم إلا المعصومُ" (٤).
وقال المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (٥) ﵀: "السيد محمد رشيد رضا ﵀ له فضل كبير على العالم الإسلامي، بصورة عامة، وعلى السلفيين منهم بصورة خاصة، ويعود ذلك إلى كونه من الدعاة النادرين الذين نشروا المنهج السلفي في سائر أنحاء العالم بوساطة مجلته المنار" (٦).
стр. 20
ويقول أيضاً: " فإذا كان من الحق أن يعترف أهل الفضل بالفضل لذوي الفضل، فأجد نفسي بهذه المناسبة الطيبة مسجلاً هذه الكلمة، ليطلع عليها من بلغته، فإنني بفضل الله بما أنا فيه من الاتجاه إلى السلفية أولاً وإلى تمييز الأحاديث الضعيفة والصحيحة ثانياً يعود الفضل الأول في ذلك إلى السيد رضا ﵀ عن طريق أعداد مجلته المنار التي وقفت عليها في أول اشتغالي بطلب العلم" (١).
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر (٢) ﵀: "ونبغ من تلاميذه -يقصد الشيخ محمد عبده- والمستفيدين منه ابنه وخريجه أستاذنا العلامة الجليل السيد محمد رشيد رضا صاحب (المنار) فلخص للناس دروس الأستاذ الإمام، وزادها وضوحًا وبيانًا، ونشرها في مجلته الزاهرة المنيرة، وجمعها في أجزاء على أجزاء القرآن الكريم، ومضى لطيته بعد انتقال الإمام إلى جوار ربه، فكأنه أُلهم من روحه، لم يكل ولم يضعف، وها هو الآن قد أتم منه أجزاء تسعة، وكثيرًا من العاشر، فكان تفسير أستاذنا الجليل خير تفسير طُبع على الإطلاق، ولا أستثني؛ فإنه هو التفسير الأوحد الذي يبين للناس أوجه الاهتداء بهدي القرآن على النحو الصحيح الواضح -إذ هو كتاب هداية عامة للبشر- لا يترك شيئًا من الدقائق التي تخفى على كثير من العلماء والمفسرين، ثم هو يُظهر الناس على الأحكام التي تؤخذ من الكتاب والسنة، غير مقلد ولا متعصب، بل على سنن العلماء السابقين: كتاب الله وسنة رسوله، ولقد عرض لكثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية التي عرضت في شؤون المسلمين فأفسدت على كثير من شبابهم هداهم ودينهم، فحللها تحليلاً دقيقًا وأظهر الداء ووصف الدواء من القرآن والسنة، وأقام الحجة القاطعة على أن الإسلام دين الفطرة، وأنه دين كل أمة في كل عصر، ونفى عن الإسلام كثيرًا مما ألصقه به الجاهلون أو دسه المنافقون، من خرافات وأكاذيب كانت تصد فئة من أبنائه عن سبيله، وكان أعداؤه يجعلونها مثالب يلعبون بسببها بعقول الناشئة ليضموهم إلى صفوفهم وينزعوهم من أحضان أمتهم، وإنه لكتاب العصر الحاضر، يفيد منه العالم والجاهل، والرجعي والمجدد، بل هو الدفاع الحقيقي عن الدين، وأنا أرى من الواجب على كل مَن عرف حقائق هذا التفسير أن يحض إخوانه من الشبان على مطالعته والاستفادة منه، وبث ما فيه من علم نافع لعل الله أن يجعل منهم نواة صالحة لإعادة مجد الإسلام، وأن ينير به قلوبًا أظلمت من ملئها بالجهالات المتكررة، ولو كانت حكومتنا حكومة إسلامية حقيقة لطلبنا منها أن يُدرس في مدارسها ومعاهدها حق الدرس، ولكنا نعلم أنها لا تلقي للدين بالاً، بل لا تدفع عنه مَن أراد به عدوانًا، والطامة الكبرى أنها تحمي مَن يعتدي عليه بقوانينها الوضيعة، فلم يبق للمسلمين رجاء إلا أن يعملوا أفرادًا وجماعات في سبيل الدفاع عنه، وإظهار محاسنه للناشئة التي تكاد تندُّ عنه، وهم عماد الأمم" (٣).
стр. 21
القسم الأول: الدراسة النظرية:
وتتضمن تفسير الشيخ محمد رشيد رضا، ومنهجه في الاستنباط من خلال تفسيره.
وفيه تمهيد وأربعة فصول:
التمهيد:
بيان مفهوم الاستنباط، والفرق بينه وبين التفسير.
الفصل الأول: التعريف بتفسيره ومنهجه فيه.
الفصل الثاني: أقسام الاستنباط عند الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره.
الفصل الثالث: طرق دلالات الاستنباط عند الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره.
الفصل الرابع: القيمة العلمية لاستنباطات الشيخ محمد رشيد رضا.
стр. 22
التمهيد
بيان مفهوم الاستنباط، والفرق بينه وبين التفسير
أولاً: الاستنباط في اللغة:
تدورُ مادَّةُ (نَبَطَ) (النون والباء والطاء) على أصلٍ واحدٍ، وهو استخراجُ شيءٍ (١)، والألف والسين والتاء في استنبط تدلُّ على تطلُّبِ الشيءِ لأجلِ حصولِه، وكأنَّ فيها معنى التَّكلُّفِ في إعمالِ العقلِ الذي يحتاجُه المستنبطُ حال الاستنباط (٢)، وهو استفعالٌ من أَنْبَطْتُ كذا (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ [سورة النساء: ٨٣] أي: "لعلم ذلك الأمر الذين يستخرجونه ويُظهرون مخبّأه منهم" (٤).
ويقال: استنبطت الركية: إذا استخرجت ماءها، ونبطتها أنبطها، والنبط الماء المستنبط من الأرض، ومنه قول الشاعر (٥):
قريب ثراه ما ينال عدوه … له نبطا آبي الهوان قطوب
يعني بالنبط: الماء المستنبط.
وأصله من النَّبْط: وهو الماء الذي يخرج من البئر، وهو الماء أول ما تحفر.
ويطلق كذلك على ما يُتَحَلَّب من الجبل، كأنه عَرَقٌ يخرج من أعراض الصخور (٦).
ومنه سُمي النَّبَط - قوم بسواد العراق- من ولد نُبيط بن هاشم بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح؛ سمي بذلك لأنه فيما يقال: أول من استنبط المياه (٧).
стр. 23
وكذا يقال من المجاز: (استنبط الفقيه): إذا استخرج الفقه الباطن، باجتهاده وفهمِه (١).
ويظهر من استعمال مادة نبط؛ أن لفظ الاستنباط في اللغة يستخدم لكل ما أُخْرِجَ أو أُظْهِرَ بعد خفاءٍ.
الاستنباط في الاصطلاح:
تعددت تعاريف العلماء للاستنباط (٢)، والذي يعنينا المعنى الاصطلاحي للاستنباط
من القرآن، وهو استخراج ما خفي من النص القرآني بطريق صحيح (٣).
ومصطلح الاستنباط في علوم القرآن: استخراج ما في القرآن من دقيق المعاني ونفيس الأحكام وثمين الآداب (٤).
والاستنباط في استعمال المفسرين، هو: استخراج ما وراء ظواهر معاني الألفاظ من الآيات القرآنية، والمراد بظواهر معاني الألفاظ: ما يتوقف فهم القرآن عليها من المعاني المباشرة (٥).
أهمية الاستنباط:
الاستنباط قدرٌ زائدٌ على مجرد إدراك المعنى الظاهر؛ ومن ثَمَّ عزَّ وجوده، وصَعُبَ إدراكه، ولا يؤتاهُ كلُّ أحدٍ، بل هو من مواهب الله تعالى التي يُنعِمُ بِها على من شاء من عباده، وقد امتَنَّ الله تعالى به على المؤمنين، وعصمهم به من اتِّباع غير الحق؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا﴾ [سورة النساء: ٨٣]، والاجتهاد في نيل العلم المُستَنبَط نوعٌ من الجهاد في سبيل الله (٦).
قال ابن القيم (٧): "المقصود أن الواجب فيما علّق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني ألا يتجاوز بألفاظها ومعانيها، ولا يقصر بها، ويعطي اللفظ حقه والمعنى حقه؛ وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه وأخبر أنهم أهل العلم؛ ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعلل ونسبة بعضها إلى بعض، فيعتبر ما يصح منها بصحة مثله ومشبهه ونظيره، ويلغى ما لا يصح، هذا الذي يعقله الناس من الاستنباط.
стр. 24
قال الجوهري (٣٩٣ هـ): (الاستنباط كالاستخراج)، ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ، فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط؛ إذ موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم، والله سبحانه ذم من سمع ظاهرا مجردا فأذاعه وأفشاه، وحمد من استنبط من أولي العلم حقيقته ومعناه.
ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه، فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب، وإنما هذا فهم لوازم المعنى ونظائره ومراد المتكلم بكلامه ومعرفة حدود كلامه، بحيث لا يدخل فيها غير المراد، ولا يخرج منها شيء من المراد" (١).
стр. 25
ثانياً: التفسير في اللغة:
التفسير تفعيلٌ من الفَسْر وهو البيان (١)، يقال: فَسَرْتُ الشيءَ أَفْسِرُه بالكسر فَسرْاً، ويقال: فَسَّرْته بالتّشديدِ أُفَسِّرهُ تَفْسِيراً إذَا بيّنته (٢)، والتشديدُ أعمُّ في الاستعمال (٣)، وبه جاء القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ﴾ [سورة الفرقان: ٣٣]، أي بياناً وتفصيلاً (٤).
فالفاء والسين والراء كلمة واحدة تدلُّ على بيانِ شيءٍ وإيضاحِه، ومن ذلك الفَسْرُ، يقال: فَسَرْتُ الشَّيءَ وفسَّرتُه، والفَسْر والتَّفسِرَة: نظَر الطَّبيب إلى الماء وحُكمهُ فيه (٥).
الفسر: الإبانة وكشف المغطى، أو كشف المعنى المعقول، كما في البصائر، كالتفسير، والفعل كضرب ونصر، يقال: فسر الشيء يفسره ويفسره وفسره: أبانه (٦)، فالتفسير في الأصل هو الكشف والإظهار (٧).
ومن خلال ما تقدم يتبين أن أقوال اللغويين في مادة اشتقاق التفسير متقاربة كلها تدل على البيان والإيضاح والكشف والإظهار، فتفسير الكلام: بيانه، وإيضاحه، وإظهاره، والكشف عن المراد منه (٨).
стр. 26
التفسير في الاصطلاح:
اشتهر تعريف التفسير في الاصطلاح عند العلماء، واختلفت عباراتهم في الدلالة على هذا العلم، ومن أشهر التعاريف ما يلي:
١. ما عرفه أبو حيان (ت: ٧٤٥) (١)، فقال: "التفسير: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حال التركيب، وتتمات ذلك".
فقولنا: (علم): هو جنس يشمل سائر العلوم.
وقولنا: (يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن): هذا علم القراءات.
وقولنا: (ومدلولاتها) أي: مدلولات تلك الألفاظ، وهذا علم اللغة الذي يحتاج إليه في هذا العلم.
وقولنا: (وأحكامها الإفرادية والتركيبية): هذا يشمل علم التصريف وعلم الإعراب وعلم البيان وعلم البديع.
(ومعانيها التي تحمل عليها حال التركيب): شمل بقوله: (التي تحمل عليها): ما دلالته عليه بالحقيقة، وما دلالته عليه بالمجاز، فإن التركيب قد يقتضي بظاهره شيئا، ويصد عن الحمل على الظاهر صاد، فيحتاج لأجل ذلك أن يحمل على غير الظاهر، وهو المجاز.
وقولنا: (وتتمات ذلك): هو معرفة النسخ، وسبب النزول، وقصة توضح ما انبهم في القرآن، ونحو ذلك" (٢).
٢. وعرفه الزركشي (٣) (ت: ٧٩٤) في موضعين من كتابه البرهان في علوم القرآن، فقال في الموضع الأول: "علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه" (٤).
стр. 27
٣. وعرفه في الموضع الثاني، فقال: "هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وزاد فيه قوم، فقالوا: علم حلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها" (١).
٤. وقال الزرقاني (٢) (ت: ١٣٦٧ هـ): "علم يُبْحَثُ فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله بقدر الطاقة البشرية" (٣).
٥. وقال الشيخ محمد ابن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ): "بيان معاني القرآن الكريم" (٤).
تحليل هذه التعريفات (٥):
أولا: أن بعض هذه التعريفات قد نص على مهمة المفسر، وضابط التفسير، وهي الشرح والبيان والإيضاح.
ثانيا: أن بعضها قد أدخل جملة من علوم القرآن في تعريف التفسير، وأنها قد جاءت في بعضها على سبيل المثال لا الحصر، وسبب ذلك: كثرة هذه العلوم، كتعريف أبي حيان (ت: ٧٤٥) والزركشي (ت: ٧٩٤).
ويظهر أن أصحاب هذه التعريفات لم يميزوا بين التفسير وعلوم القرآن، فأدخلوا في مصطلح التفسير ما ليس منه.
ثالثاً: أن بعضهم قد توسع في تعريفه، وجعل بعض العلوم التي ليست من علم التفسير، ولا من مهمة المفسر، جعلها من صلب تعريف التفسير، وهذا ليس بصحيح، ويظهر أن سبب ذلك، أنهم لم يحددوا مهمة المفسر، حتى أن بعض من تحدث عن العلوم التي تلزم المفسر ذكر جملة العلوم الإسلامية التي لو كانت في مفسر لكان مجتهدا مطلقا في الشريعة.
والذي يظهر أن التفسير هو: " بيان معاني القرآن الكريم".
الفرق بين الاستنباط والتفسير
إن العلاقة بين الاستنباط والتفسير علاقة قوية، فعلم الاستنباط يتفق مع التفسير في أنهما بيان للمعنى.
ويفترقان في المعنى المبين في كل منهما، فالتفسير للمعنى الظاهر المباشر اللازم للفظ، والاستنباط ما وراءه من المعاني الزائدة، وكلاهما من أجل علوم القرآن الكريم وألصقها بألفاظه (٦).
стр. 28
وقد أشار الدكتور فهد الوهبي في كتابه"منهج الاستنباط من القرآن" إلى الفروق التالية (١):
١. من حيث التعريف اللغوي: فالتفسير معناه البيان والإيضاح والكشف، والاستنباط معناه الاستخراج بعد الخفاء.
٢. الفرق بينهما في التعريف الاصطلاحي: فلو كانا شيئاً واحداً لاتفقت تعريفاتهم عند العلماء، بينما الواقع هو الاختلاف والتباين في التعاريف.
٣. يشترط في الاستنباط الخفاء فيما يستنبط، بحيث لا يوجد ما يدل ظاهراً على ارتباط هذا المعنى بالآية قبل استنباطه. بخلاف التفسير فلا يشترط فيه ذلك.
٤. مرجع التفسير هو اللغة وكلام السلف، ومرجع الاستنباط هو التدبر والتأمل في الآيات، والتدبر يأتي بعد الفهم للآية.
٥. التفسير مختص بمعرفة المعاني، والاستنباط مختص باستخراج ما وراء المعاني من الفوائد والأحكام الخفية.
٦. الاستنباط يحتاج إلى جهد وقوة ذهن، بخلاف التفسير الذي هو بيان المعنى فقد يحتاج لذلك في حالة عدم وضوح المعنى أو اختيار أحد الأقوال المذكورة في الآية، وقد لا يحتاج.
٧. الاستنباط مستمر لا ينقطع، وأما التفسير للألفاظ فقد استقر وعلم.
стр. 29
الفصل الأول: التعريف بتفسير الشيخ محمد رشيد رضا ومنهجه فيه .
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بتفسير المنار.
المبحث الثاني: منهج الشيخ محمد رشيد في تفسيره.
المبحث الثالث: مزايا تفسير المنار.
المبحث الرابع: المآخذ على تفسير المنار.
стр. 30
المبحث الأول: التعريف "بتفسير المنار "
قصة الكتاب:
رحل الشيخ محمد رشيد رضا من طرابلس الشام إلى مصر بعد أن وقع في يده نسخة من جريدة "العروة الوثقى"، التي كان يقوم بإخراجها والكتابة فيها الأستاذ جمال الدين الأفغاني، وتلميذه الشيخ محمد عبده، فقرأ الشيخ رشيد ما في الجريدة، فأعجب بالرجلين إعجاباً شديداً، ورغب في الاتصال بالسيد جمال الدين الأفغاني فلم يتمكن من ذلك، ثم تعلق أمله بالاتصال بخليفته الشيخ محمد عبده، وتحقق له ذلك، واتصل بالشيخ في رجب سنة ١٣١٥ هـ، وكان أول اقتراح عرضه عليه، أن يكتب تفسيراً للقرآن على نهج ما كان يكتب في جريدة "العروة الوثقى"، وبعد أخذ ورد بين الشيخين اقتنع الأستاذ الإمام بأن يقرأ دروساً في التفسير بالجامع الأزهر، فلم يلبث إلا قليلاً حتى قام بإلقاء دروسه في التفسير على طُلابه ومريديه.
стр. 31
وكان الشيخ رشيد ﵀ ألزم الناس بهذه الدروس، وأحرصهم على تلقيها وضبطها، فكان يكتب بعض ما يسمع، ثم يزيد عليه بما يذكره من دروس الشيخ بعد ذلك، ثم قام بنشر ما كتب على الناس في مجلته "المنار"، ولكنه لم يفعل إلا بعد مراجعة أستاذه لما كتب، وتناوله له بالتنقيح والتهذيب (١).
إن التفسير المسمى بـ "تفسير المنار" يقوم في حقيقة أمره على ثلاثة رجال:
" أولهم السيد جمال الدين الأفغاني الذي انقدحت في فكره نظرية وجوب إصلاح المجتمع الإسلامي، برجوع المسلمين إلى منبع الدين وتلقيه من هنالك صافياً مبرأ عما اتصل به من الشوائب، والرجل الثاني، من الثلاثة الذين قام على كاهلهم تفسير المنار، هو الشيخ محمد عبده الذي باشر فعلاً تفسير القرآن العظيم على طريقة تطبيق النظرية التي دعا إليها السيد جمال الدين الأفغاني، وكان ذلك في الدروس التي قام بها الشيخ محمد عبده في بيروت، بين سنة ١٣٠١ هـ وسنة ١٣٠٣ هـ ثم الدروس التي قام بها في مصر في الست سنين الأخيرة من حياته، ما بين سنة ١٣١٧ هـ وسنة ١٣٢٣ هـ وتناولت من أول القرآن العظيم إلى نهاية الآية السادسة والعشرين بعد المائة من السورة الرابعة، سورة النساء: وهي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النساء: ١٢٦].
والرجل الثالث الذي تمت به سلسلة الثلاثة الذين يصح أن ينسب إليهم تفسير المنار هو الشيخ محمد رشيد رضا، الذي كان الداعي للشيخ محمد عبده إلى أن يواصل، في مصر بجهد ذي بال، ما كان ابتدأ به في بيروت بجهد ضعيف، ثم كان هو المتولي لتقييد ما يمليه الشيخ محمد عبده وتلخيصه، ثم لنشره تباعاً في مجلته: مجلة المنار التي اشتهر التفسير باسمها، ثم كان الشيخ رشيد أخيراً هو المكمل للتفسير: بما يدرجه من عمله وبيانه أثناء تلخيص ما قرره الشيخ محمد عبده، وبما وصل به الكتاب من حيث انتهى الشيخ محمد عبده من تتمة التفسير استقلالاً بما كمل به المجلد الخامس وتتابعت عليه بقية المجلدات حتى المجلد الثاني عشر.
فإذا كان هناك من بين الثلاثة: جمال الدين وعبده ورشيد رضا من هو أحق بأن ينسب إليه تأليف هذا التفسير من الآخرين فلن يكون ذلك غير المؤلف الحقيقي له فعلياً: وهو العلامة الشيخ محمد رشيد رضا" (٢).
стр. 32
الهدف من كتابة هذا التفسير:
كان الشيخ محمد رشيد رضا يسعى لإيجاد تفسير يقوم على أساس التجديد والإصلاح ويفي بحاجات العصر وهذا ما يفهم من كلامه ﵀ في مقدمة تفسيره حيث يقول: "وكان أول اقتراح لي عليه أن يكتب تفسيرا للقرآن ينفخ فيه من روحه التي وجدنا روحها ونورها في مقالات "العروة الوثقى" الاجتماعية العامة، فقال: إن القرآن لا يحتاج إلى تفسير كامل من كل وجه، فله تفاسير كثيرة أتقن بعضها ما لم يتقنها بعض، ولكن الحاجة شديدة إلى تفسير بعض الآيات، ولعل العمر لا يتسع لتفسير كامل.
فاقترحت عليه أن يقرأ درسا في التفسير، ثم اقترحت عليه أن يكتب تفسيراً يقتصر فيه على حاجة العصر، ويترك كل ما هو موجود في كتب التفسير السابقة، ويبين ما أهملوه فيها، غير أنَّ محمد عبده رفض هذا الاقتراح أيضاً محتجاً أنَّ الكتب لا تفيد القلوب العُمي، إذا وصل لأيدي هؤلاء العلماء كتابٌ فيه غير ما يعلمون، لا يعقلون المراد منه، وإذا عقلوا منه شيئاً يردونه، ولا يقبلونه، وإذا قبلوه حرَّفوه إلى ما يوافق علمهم ومشربهم، كما جروا عليه في نصوص الكتاب والسنة التي نريد بيان معناها الصحيح، وما تفيده، -ولم يزل يقنعه بقوله-: إن الزمان لا يخلو ممنْ يقدِّر كلام الإصلاح قدره، وإن كانوا قليلين، وسيزيد عددهم يوماً فيوما، فالكتابة تكون مرشداً لهم في سيرهم، وإنَّ الكلام الحق، وإنْ قلَّ الآخذ به، والعارف بشأنه لا بدَّ أن يُحفظ، وينمو بمصادفة المباءة المناسبة له، حتى أقنعه" (١).
اسم الكتاب:
(تفسير القرآن الحكيم)، واشتهر (بتفسير المنار) نسبة للمجلة التي كان يُنشر فيها، حيث كان الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ يدوّن ما يسمعه من التفسير ويرتِّبه، ثم ينشره في "مجلة المنار" التي صدر المجلد الأول منه سنة ١٣٤٦ هـ -١٩٢٨ م، في طبعته الأولى، منها خمسة مجلدات أولى هي من تفسير الأستاذ الإمام محمد عبده، وقد بدأ الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ تجريد التفسير من مجلة المنار في حياة الشيخ محمد عبده ولم يطبعه إلا بعد وفاته.
وقد استهدفت عملية التجريد ما احتواه المجلد الثالث من المنار، بداية من سورة الفاتحة واستمر إلى حدود بداية المجلد العاشر عند الآية ١٢٥ من سورة النساء (٢).
ويقع في اثني عشر مجلداً ابتداء بتفسير سورة الفاتحة وانتهاء بالآية الثانية والخمسين من سورة يوسف، والتفسير مطبوع ومتداول (طبعته دار المعرفة في بيروت)، وقد جاء في مقدمات أجزائه: " (تفسير سلفي أثري، مدني عصري، إرشادي اجتماعي، سياسي) وهو التفسير الوحيد الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول وتحقيق الفروع والأصول، وحل جميع مشكلات الدين ودحض شبهات الماديين والجاحدين، وإقامة حجج الإسلام" (٣).
стр. 33
طبعات الكتاب (١):
يذكر الشيخ محمد رشيد ﵀ أنه كان يكتب في أثناء إلقاء الدرس مذكرات يودعها على ما يراه ثم ما قاله الشيخ محمد عبده في دروسه ويزيد عليها ما يراه في وقت الفراغ، ثم اقترح عليه بعض قراء المنار في مصر وغيرها نشره في مجلة المنار، وقد استجاب لطلبهم ابتداء من الجزء السادس من المجلد الثالث الصادر في المحرم سنة ١٣١٨ هـ (٢).
وقد قام الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ بتجريد الجزء الثاني من التفسير من مجلة المنار طبعه على حده، ثم أعقبه بالجزء الثالث إلى العاشر وذلك ما بين سنة (١٣٢٦ - ١٣٥٠ هـ)، ثم أعاد النظر في تفسير الجزء الأول ليتفق في منهجه مع الأجزاء الأخرى ونشره عام ١٣٤٦ هـ.
ثم تلا ذلك طبع الجزئين الحادي عشر والثاني عشر، ولما شرع في الجزء الثالث عشر لحقته المنية فتوفي سنة ١٣٥٤ هـ، وقد طبع أول طبعة بشكل متكامل في أغلب أجزائه سنة ١٣٤٦ هـ، ثم طبع طبعة ثانية سنة ١٣٦٦ هـ بعد وفاة الشيخ محمد رشيد رضا، وطبع ثالثة سنة ١٣٦٧ هـ، وأدق الطبعات الطبعة الأولى وأما الطبعتان الأخيرتان فمملوءتان بالأخطاء المطبعية.
стр. 34
المبحث الثاني
منهج الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في تفسير المنار
للشيخ رشيد رضا منهج واضح في تفسيره غايته فهم القرآن ومعرفة أهدافه وأغراضه والانتفاع بها كما أراد الله لهذه الأمة حتى تكون خير أمة أخرجت للناس، وعلى ذلك فالذين يفيدون من القرآن فقها وعلما طائفة خاصة من الناس هم من يقول عنهم صاحب المنار: " إنما يفهم القرآن ويتفقه فيه من كان نصب عينه ووجهه وقلبه في تلاوته في الصلاة وفى غير الصلاة ما بينه الله تعالى فيه من موضوع تنزيله وفائدة ترتيله وحكمة تدبره من علم ونور، وهدى ورحمة وموعظة وعبرة وخشوع وخشية وسنن في العالم مطردة، فتلك غاية إنذاره وتبشيره ويلزمها عقلا وفطرة تقوى الله تعالى بترك ما نهى عنه، وفعل ما أمر به بقدر الاستطاعة، فإنه كما قال: (هدى للمتقين) " (١).
ثم ينعى الشيخ رشيد رضا على المسلمين حظهم بسبب ما اشتملت عليه كثير من التفاسير مما أبعدها عن مقاصد القرآن أساسا فيقول: "كان من سوء حظ المسلمين أن أكثر ما كتب في التفسير يشغل قارئه عن مقاصد القرآن العالية، والهداية السامية، فمنها ما يشغله عن القرآن به لبحث الإعراب وقواعد النحو ونكت المعاني ومصطلحات البيان، ومنها ما يصرفه عنه بجدل المتظلمين، و تخريجات الأصوليين واشتباكات الفقهاء المقلدين وتأويلات المتصوفين وتعصب الفرق والمذاهب بعضها على بعض وبعضها يلفته عنه بكثرة الروايات، وما مزجت به من خرافات الإسرائيليات .. نعم إن أكثر ما ذكر من وسائل فهم القرآن، من فنون العربية لا بدّ منها واصطلاحات الأصول وقواعده الخاصة بالقرآن ضرورية أيضا كقواعد النحو والمعاني، وكذلك معرفة الكون وسنن الله تعالى فيه كل ذلك يعين على فهم القرآن" (٢).
стр. 35
ثم يقول: "وغرضنا من هذا كله أن أكثر ما رُوي في التفسير حجاب (١) على القرآن وشاغل لنا فيه عن مقاصده العالية المزكية للأنفس المنورة للعقول، الفضول للتفسير المأثور لهم شاغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات التي لا قيمة لها إسنادا ولا موضوعا، كما أن المفضلين لسائر التفاسير لهم صوارف أخرى كما تقدم، فكانت الحاجة شديدة إلى تفسير تتوجه العناية الأولى فيه إلى هداية القرآن على الوجه الذي يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة في وصفه، وما أنزل لا جله من الإنذار والتبشير والهداية والإصلاح، ثم العناية إلى مقتضى حال هذا العصر في سهولة التعبير، ومراعاة إقبال صنوف القارئين، وكشف شبهات المشتغلين بالفلسفة والعلوم الطبيعية وغيرها إلى غير ذلك مما تراه قريبا هو ما يسره الله بفضله لهذا العاجز، والناظر في تفسير الشيخ رشيد رضا يجد فيه روح الشيخ الإمام محمد عبده وكلامه وآراءه ووقفاته الكريمة لفهم كتاب الله الحكيم" (٢).
"لا نستطيع أن نقرر بشكل قاطع، أنَّ للشيخ رشيد رضا منهجاً، وأسلوباً موحّداً، اتبعه في كامل تفسيره، لأنه فسّر ما فسّر في مدة تزيد على الثلاثين عاماً (ما بين ١٣١٧ ـ-١٣٥٤ هـ)، وهذه مدة طويلة تمنع على الأرجح أي مفسِّر من اتّباع خطة تفصيلية موحّدة يلتزم بها في كل ما يفسِّره (٣)، ولكننا مع ذلك نستطيع أن نستخرج الملامح الرئيسة لمنهجه وأسلوبه في التفسير، والتي إنْ زاد عليها في بعض الأحيان، ولكنه لم يخالفها على الإجمال في كامل تفسيره" (٤).
ولكن قبل ذكر هذه الملامح العامة، أجد من الضروري، من الناحية المنهجية، ذكر نقطتين مهمتين (٥):
стр. 36
أولهما: كان تفسير المنار في الأصل عبارة عن دروس شفهية، كان محمد عبده يلقيها على جمهور من الطلبة والمثقفين المصريين في الجامع الأزهر، وكان رشيد رضا في الوقت نفسه يقوم بتدوين خلاصة أفكار هذه الدروس في مذكرات خاصة به مدةً من الزمن، ثم بدأ يحرّر هذه المذكرات، ويضيف عليها من كتب التفسير الأخرى، ومن أفكاره الخاصة، ويعرض كل ذلك على عبده ليأخذ موافقته عليه، ويقوم بعد ذلك بنشرها في مجلته المنار ابتداءً من الجزء السادس في المجلد الثالث الصادر في محرم سنة (١٣١٨ هـ)، وابتداءً من هذا التاريخ استمر رضا حتى وفاته بنشر تفسيره على صفحات مجلته "المنار"، علماً أنه قد بدأ منذ سنة (١٩٠٨ م) بجمع كل ما كان ينشره من التفسير في مجلته في نهاية كل سنة ويعيد نشره في مجلد مستقل (١)، وأردتُ من ذكر ما سبق الإشارةَ إلى أن اختلاف فئة مُتلقيّ التفسير بين مرحلة عبده (٢) ومرحلة رضا، وخاصة بعد أن بدأ بنشر تفسيره على صفحات مجلته التي يقرؤها جمهورٌ عريض من المسلمين في معظم بلاد العالم الإسلامي آنذاك، فرض على رشيد رضا أن يستجيب أكثر لحاجات هذه الجماهير العريضة المتعطشة للهداية، والثقة بالدين وأحكامه بأكثر مما فعل عبده، وقد تجلَّت هذه الاستجابة في مظاهر عدة، أهمها ازدياد حضور النزعة الإصلاحية في التفسير، التي ازدادت وضوحاً وجلاءً من خلال الفصول الإصلاحية الاستطرادية الكثيرة (٣) التي كتبها رشيد، وأدرجها في تفسيره دون أن تكون هناك دائماً حاجة واضحة لذكرها في المواضع التي ذُكرت فيها في التفسير (٤)، وكذلك الفصول الاستطرادية العديدة التي عقدها للرد على المبشرين وحملاتهم، وبشكل خاص تلك الفصول التي جعلهم فيها في موقع الدفاع عن النفس عندما هاجم وبكل قوة عقائد الصلب والتثليث والفداء، وكذلك اعتماد رضا أسلوباً في الكتابة بعيداً عن لغة التجريد والتنظير، والمصطلحات والمفاهيم الدقيقة التي تعلو عن مستوى عامة قرائه، وفي المقابل سعيه إلى مراعاة السهولة والجمال في التعبير، بحيث يتمكن القارئ المحدود الثقافة والعلم من فهم عباراته، ويقف دون صعوبة على مراده منها، وبذلك استطاع تفسيره أن يحقق الهدف الذي أراده له رشيد رضا منه، وهو أن يتدبَّر القارئ القرآن الكريم، ويهتدي به، ويُعينه على "النهوض بإصلاح أمته، وتجديد شباب ملّته، الذي هو المقصود بالذات منه" (٥).
стр. 37
ثانيهما: أخبرنا رشيد رضا بنفسه عن منهجه في التفسير بعد أن انفرد في العمل بعد وفاة عبده، قائلاً: "هذا، وإنني لما استقللتُ بالعمل بعد وفاته، خالفتُ منهجه رحمه الله تعالى بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيراً لها أو في حكمها، وفي تحقيق بعض المفردات أو الجمل اللغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة" (١).
يمكن أن نفهم من هذا النص أنَّ رشيد رضا قام بعد استقلاله بالعمل بتضييق فسحة حرية النظر اللغوي، والعقلي المستقل التي كان يمنحها عبده لنفسه أثناء تفسيره لصالح توسيع دائرة الاعتماد على النصوص الدينية: قرآناً وسنةً، وعلى أقوال السلف، بالإضافة إلى زيادة الاعتماد على التفريع الفقهي، والتوسع الكلامي واللغوي. فقال: "كتبنا ما تقدم في تفسير الآية مستعينين على فهمها ببيان سنة رسول الله، وما جرى عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين في الصدر الأول، وذلك شأننا في فهم كتاب الله ، نستعين عليه بما ذكر وبأساليب لغة العرب وسنن الله في خلقه، ثم راجعنا بعد ذلك ما كتبناه في مسألة حل الطعام وحرامه في المجلد السادس من المنار، فرأينا ما كان منه بفهمنا واجتهادنا موافقا لما هنا مع زيادة بيان لحكمة تحريم الميتة، ونقول من كتب مذاهب الفقهاء المشهورة" (٢).
وتظهر آثار هذا التحول جليَّةً من خلال كثرة نُقولاته، الطويلة أحياناً، من مصادر التفسير بالأثر، وبشكل خاص: الطبري (ت ٣١٠ هـ)، والبغوي (ت ٥١٦ هـ)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، والسيوطي (ت ٩١١ هـ). وكذلك نقله من مصادر التفسير اللغوي، وبشكل خاص تفسير الكشاف (ت ٥٣٨ هـ)، بالإضافة إلى اعتماده على أمهات معاجم اللغة مثل لسان العرب لابن منظور (ت ٧١١ هـ)، ومقاييس اللغة لابن فارس (ت ٣٩٥ هـ)، فضلاً عن اعتماده على معاجم ألفاظ القرآن الكريم، من مثل: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢ هـ).
ويمكن لنا أن نقرأ دلالة هذا التحول عند رشيد على أنها محاولةٌ منه لإدراج أفكاره الإصلاحية المعروضة في تفسيره في سياق التراث الإسلامي المعتمد في ميدان التفسير، وبذلك يمكن أن يحصل على شرعية القول الجديد في التفسير بأقل قدرٍ ممكن من معارضة الجمهور العريض، وممثليه من العلماء، وهذا هو الذي حدثَ فعلاً، حيث وجد هذا التفسير قبولاً عاماً عند قرائه، وبذلك يكون رضا قد تحاشى قسماً كبيراً من الموجة العاصفة من الاعتراضات، والانتقادات التي قيلت بحق تفسير محمد عبده المستقلّ، والتي حكمت على منهجه بأنه تفسيرٌ بالرأي، وتفسير عقلاني توفيقي، الأمر الذي أدى إلى إقصاء تفسيره من دائرة التأثير العام التي كان يطمح إليها (٣).
стр. 38
مصادره في التفسير:
بعد القراءة المطولة في هذا التفسير المبارك تبين لي أن الشيخ اعتمد على مصادر متنوعة في التفسير وغيرها من العلوم، وهذا يدل على سعة علم الشيخ وبعد نظره وأنه لا يعتمد على رأيه ولا ينسب ما ليس له لنفسه، بل إنه تمثل بأسس البحث العلمي من خلال توثيقة للمعلومات التي يستفيد منها.
ومن المصادر التي اعتمد عليها في تفسيره:
• تفسير الطبري المسمى: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ).
• … معالم التنزيل في تفسير القرآن لمحيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: ٥١٠ هـ).
• … تفسير الرازي: مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: ٦٠٦ هـ).
• تفسير البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، المؤلف: ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (المتوفى: ٦٨٥ هـ).
• تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ).
• تفسير الجلالين، المؤلف: جلال الدين محمد بن أحمد المحلي (المتوفى: ٨٦٤ هـ)، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ).
• تفسير أبي السعود المسمى: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، المؤلف: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: ٩٨٢ هـ).
• تفسير فتح القدير، المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: ١٢٥٠ هـ).
• تفسير الألوسي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، المؤلف: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: ١٢٧٠ هـ).
• وكتاب أسباب النزول للسيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ).
• وكتب ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وكتب الغزالي.
منهجه في التفسير
انتهج الشيخ رشيد نهج شيخه الأستاذ الإمام محمد عبده، فلا تقيد بأقوال المفسِّرين، ولا خوض في إسرائيليات، ولا تعيين لمبهمات، ولا تعلق بأحاديث موضوعة، ولا حشد لمباحث الفنون، ولا رجوع بالنص إلى اصطلاحات العلوم، بل شرح للآيات بأسلوب رائع، وكشف عن المعاني بعبارة سهلة مقبولة، وتوضيح لمشكلات القرآن، ودفاع عنه يرد ما أُثير حوله من شبهات، وبيان لهدايته، ودلالة إلى عظيم إرشاده، وتوقيف على حكم تشريعه، ومعالجة لأمراض المجتمع بناجع دوائه، وبيان لسنن الله في خليقته.
стр. 39
ومن ذلك ما قال عند آخر آية فسرها الشيخ محمد عبده: "هذه الآيات كانت آخر ما فسره شيخنا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في الجامع الأزهر، فرضي الله عنه وجزاه عن نفسه وعنا خير الجزاء، وسنستمر في التفسير على هذه الطريقة التي اقتبسناها منه إن شاء الله تعالى، وإن كنا محرومين في تفسير سائر القرآن من الفوائد والحكم التي كانت تهبط من الفيض الإلهي على عقله المنير إلا في الجزء الثلاثين، فإنه كتب له تفسيرا مختصرا مفيدا، وكان فراغه من تفسير هذه الآية في منتصف المحرم سنة ١٣٢٣ هـ، وقد توفي شهر جمادى الأولى منها رحمه الله تعالى ونفعنا به، وكتبت تفسير هذه الآيات في مدينة بمبى أو (بومباي) من ثغور الهند في غرة ربيع الآخر سنة ١٣٣٠ هـ والله أسأل أن يوفقني لإتمام هذا التفسير، إنه على ما يشاء قدير" (١).
ولكنَّا نجد الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ يحيد عن هذا المنهج بعض الشيء، وذلك بعد وفاة شيخه، واستقلاله بالعمل، ويُحدِّثنا هو بذلك فيقول: "وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه - رحمه الله تعالى - بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السُّنَّة الصحيحة، سواء أكان تفسيراً لها، أو في حكمها، وفى تحقيق بعض المفردات، أو الجمل اللُّغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفى الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة، وفى بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر، أو يقوى حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة، أو يحل بعض المشكلات التي أعيا حلها، بما يطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس" (٢).
ولعل من أسباب توسعه في المسائل الاجتماعية ما أتاحته له الصحافة من معرفة بالناس على اختلاف منازعهم ومشاربهم، وفيهم المتدين، والملحد والكافر، فأراد أن يتمشى بكتابته مع الجميع، فيثبت المتدين على دينه، ويرد الملحد عن إلحاده، ويكشف عن محاسن الإسلام، لعل الكافر أن يثوب إلى رشده ويرجع عن كفره (٣).
كان الشيخ عبده يطلع على ما سينشر، بعد التصفيف في المطبعة وقبل الإخراج فربما ينقح فيه بزيادة قليلة، أو حذف كلمة أو كلمات، على أن صاحب المنار لم يكن يتحرى حكاية أو تلخيصاً لما يقوله الأستاذ الإمام، بل كان يكتب ما يجده في نفسه من إدراك لمعنى الآية بما ثار في فكره، أو انساق إليه علمه مما يوضح معنى الآية، ويحتفل لإيراد ما اختص ببيانه الأستاذ من المعاني المبتكرة المستجدة، فيعزو ذلك إليه صراحة.
стр. 40
وكان الأستاذ الإمام يطلع على ذلك كله ويقره لما كان حياً، ومنذ أن توفى الأستاذ الإمام، واستمرت مجلة المنار تنشر دروس التفسير التي كان ألقاها في حياته، أصبح التحرير واضحاً في التفرقة بين ما هو منقول عنه وبين ما هو من بيان الكاتب، ثم لما انتهى النشر إلى حيث أدركت الوفاة الأستاذ الإمام، استقل الشيخ رشيد بأعباء التفسير وحده فأكمل منه إلى نهاية الجزء الثاني عشر عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ﴾ [سورة يوسف: ٥٢].
فكان ما كتبه الشيخ رشيد، مستقلاً، أكثر من سبعة أجزاء، وما كتبه اعتماداً على أستاذه واستمداداً منه، أقل من خمسة أجزاء فكان حظه في المجموع أغلب، وكان بانتساب هذا التفسير إليه أحق، نعم إن روح التفسير اختلفت في بعض عناصرها، بين ما كان يكتب منه في حياة الأستاذ الإمام، وما كتب بعده مما استقل به الشيخ رشيد، وذلك الاختلاف يبدو جلياً في العنصر الذي يعبر عنه الشيخ رشيد بـ (الأثري).
فقد رأينا أن التكوّن الأصلي للشيخ رشيد كان نقلياً أثرياً، على طريقة المتقدمين، مختلفاً في ذلك عن التكوّن الأصلي للسيد جمال الدين والشيخ محمد عبده، إذ كان تكوّنهما بحثياً نظرياً، على طريقة المتأخرين، فلم يكن الأستاذ يحفل بالناحية الأثرية، ولا يولي اهتماماً للأخبار وطرق تخريجها، ولا يعتمد في تفسير الآيات على الأخبار المتصلة بها، وكان الشيخ رشيد، بما امتزج بالأستاذ الإمام روحياً وفكرياً، قد تأثر بهذا المنهج، وساير الأستاذ الإمام عليه فيما اقتبسه من الدروس التي ألقاها الأستاذ الإمام وكان ببيانه مفتتح البحث فيها وممهد المداخل إليها، حتى صرح في المقدمة بأن: "أكثر ما روي في التفسير بالمأثور حجاب على القرآن وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية"، ولكن لما استقل الشيخ رشيد بمعاناة العمل من مبدئه، وأصبح معتمداً على المصادر التي كان الأستاذ الإمام يأخذ منها ويترك حسب منهجه العلمي، بدأ هواه الأول للعلوم النقلية الأثرية يعاوده ويأخذ به، فمال إليها، وتتبع رجالها الأولين مثل الطبري، والآخرين مثل ابن كثير، فبدت على التفسير مسحة أثرية ما كانت بادية على أجزائه الخمسة الأولى، على ما يؤلف بين اللاحق والسابق من حيث القصد والأسلوب، فيما عدا هذا العنصر الأثري.
وقد أثبت الشيخ رشيد بنفسه هذا المعنى في المقدمة، ولكن مع ما اختلف بين الطرفين في المنهج العلمي، فإن الغاية بقيت متحدة، والروح بقيت متحدة كذلك، بحيث إن (تفسير المنار) في جملته يعتبر تفسيراً ذا منهج مطرد، وأفكار متناسقة، وهذا المنهج المطرد قد يقع الاتجاه إليه من مسالك البحوث الأصلية النظرية أحياناً، وقد يقع الاتجاه إليه من مسالك النقول الأثرية تارات أخرى، فإذا وصلت هذه المسالك أو تلك بمحرر التفسير إلى المنهج المخطط للسير، التزمه واستقام عليه، حتى يصل منه إلى نتائج البحث المتلاقية في غاياتها وروحها، مع ما كان انتهى إليه من نتائج في بحوث أخرى عند آيات أخرى على ذلك المنهج نفسه، فبرزت من مجموع ذلك الوحدة التي جعلت من تفسير المنار مداد روح النهضة الإسلامية الحديثة وقوام التفكير الإسلامي المجدد، في هذا القرن الرابع عشر (١).