← Тафсир

Тафсир · id 841

استنباطات محمد رشيد رضا في تفسيره

رقية بنت محمد بن سالم باقيس

Полный текст (435 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أولهما: كان تفسير المنار في الأصل عبارة عن دروس شفهية، كان محمد عبده يلقيها على جمهور من الطلبة والمثقفين المصريين في الجامع الأزهر، وكان رشيد رضا في الوقت نفسه يقوم بتدوين خلاصة أفكار هذه الدروس في مذكرات خاصة به مدةً من الزمن، ثم بدأ يحرّر هذه المذكرات، ويضيف عليها من كتب التفسير الأخرى، ومن أفكاره الخاصة، ويعرض كل ذلك على عبده ليأخذ موافقته عليه، ويقوم بعد ذلك بنشرها في مجلته المنار ابتداءً من الجزء السادس في المجلد الثالث الصادر في محرم سنة (١٣١٨ هـ)، وابتداءً من هذا التاريخ استمر رضا حتى وفاته بنشر تفسيره على صفحات مجلته "المنار"، علماً أنه قد بدأ منذ سنة (١٩٠٨ م) بجمع كل ما كان ينشره من التفسير في مجلته في نهاية كل سنة ويعيد نشره في مجلد مستقل (١)، وأردتُ من ذكر ما سبق الإشارةَ إلى أن اختلاف فئة مُتلقيّ التفسير بين مرحلة عبده (٢) ومرحلة رضا، وخاصة بعد أن بدأ بنشر تفسيره على صفحات مجلته التي يقرؤها جمهورٌ عريض من المسلمين في معظم بلاد العالم الإسلامي آنذاك، فرض على رشيد رضا أن يستجيب أكثر لحاجات هذه الجماهير العريضة المتعطشة للهداية، والثقة بالدين وأحكامه بأكثر مما فعل عبده، وقد تجلَّت هذه الاستجابة في مظاهر عدة، أهمها ازدياد حضور النزعة الإصلاحية في التفسير، التي ازدادت وضوحاً وجلاءً من خلال الفصول الإصلاحية الاستطرادية الكثيرة (٣) التي كتبها رشيد، وأدرجها في تفسيره دون أن تكون هناك دائماً حاجة واضحة لذكرها في المواضع التي ذُكرت فيها في التفسير (٤)، وكذلك الفصول الاستطرادية العديدة التي عقدها للرد على المبشرين وحملاتهم، وبشكل خاص تلك الفصول التي جعلهم فيها في موقع الدفاع عن النفس عندما هاجم وبكل قوة عقائد الصلب والتثليث والفداء، وكذلك اعتماد رضا أسلوباً في الكتابة بعيداً عن لغة التجريد والتنظير، والمصطلحات والمفاهيم الدقيقة التي تعلو عن مستوى عامة قرائه، وفي المقابل سعيه إلى مراعاة السهولة والجمال في التعبير، بحيث يتمكن القارئ المحدود الثقافة والعلم من فهم عباراته، ويقف دون صعوبة على مراده منها، وبذلك استطاع تفسيره أن يحقق الهدف الذي أراده له رشيد رضا منه، وهو أن يتدبَّر القارئ القرآن الكريم، ويهتدي به، ويُعينه على "النهوض بإصلاح أمته، وتجديد شباب ملّته، الذي هو المقصود بالذات منه" (٥).

стр. 37

ثانيهما: أخبرنا رشيد رضا بنفسه عن منهجه في التفسير بعد أن انفرد في العمل بعد وفاة عبده، قائلاً: "هذا، وإنني لما استقللتُ بالعمل بعد وفاته، خالفتُ منهجه رحمه الله تعالى بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة، سواء كان تفسيراً لها أو في حكمها، وفي تحقيق بعض المفردات أو الجمل اللغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة" (١). يمكن أن نفهم من هذا النص أنَّ رشيد رضا قام بعد استقلاله بالعمل بتضييق فسحة حرية النظر اللغوي، والعقلي المستقل التي كان يمنحها عبده لنفسه أثناء تفسيره لصالح توسيع دائرة الاعتماد على النصوص الدينية: قرآناً وسنةً، وعلى أقوال السلف، بالإضافة إلى زيادة الاعتماد على التفريع الفقهي، والتوسع الكلامي واللغوي. فقال: "كتبنا ما تقدم في تفسير الآية مستعينين على فهمها ببيان سنة رسول الله، وما جرى عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين في الصدر الأول، وذلك شأننا في فهم كتاب الله ، نستعين عليه بما ذكر وبأساليب لغة العرب وسنن الله في خلقه، ثم راجعنا بعد ذلك ما كتبناه في مسألة حل الطعام وحرامه في المجلد السادس من المنار، فرأينا ما كان منه بفهمنا واجتهادنا موافقا لما هنا مع زيادة بيان لحكمة تحريم الميتة، ونقول من كتب مذاهب الفقهاء المشهورة" (٢). وتظهر آثار هذا التحول جليَّةً من خلال كثرة نُقولاته، الطويلة أحياناً، من مصادر التفسير بالأثر، وبشكل خاص: الطبري (ت ٣١٠ هـ)، والبغوي (ت ٥١٦ هـ)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، والسيوطي (ت ٩١١ هـ). وكذلك نقله من مصادر التفسير اللغوي، وبشكل خاص تفسير الكشاف (ت ٥٣٨ هـ)، بالإضافة إلى اعتماده على أمهات معاجم اللغة مثل لسان العرب لابن منظور (ت ٧١١ هـ)، ومقاييس اللغة لابن فارس (ت ٣٩٥ هـ)، فضلاً عن اعتماده على معاجم ألفاظ القرآن الكريم، من مثل: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢ هـ). ويمكن لنا أن نقرأ دلالة هذا التحول عند رشيد على أنها محاولةٌ منه لإدراج أفكاره الإصلاحية المعروضة في تفسيره في سياق التراث الإسلامي المعتمد في ميدان التفسير، وبذلك يمكن أن يحصل على شرعية القول الجديد في التفسير بأقل قدرٍ ممكن من معارضة الجمهور العريض، وممثليه من العلماء، وهذا هو الذي حدثَ فعلاً، حيث وجد هذا التفسير قبولاً عاماً عند قرائه، وبذلك يكون رضا قد تحاشى قسماً كبيراً من الموجة العاصفة من الاعتراضات، والانتقادات التي قيلت بحق تفسير محمد عبده المستقلّ، والتي حكمت على منهجه بأنه تفسيرٌ بالرأي، وتفسير عقلاني توفيقي، الأمر الذي أدى إلى إقصاء تفسيره من دائرة التأثير العام التي كان يطمح إليها (٣).

стр. 38

مصادره في التفسير: بعد القراءة المطولة في هذا التفسير المبارك تبين لي أن الشيخ اعتمد على مصادر متنوعة في التفسير وغيرها من العلوم، وهذا يدل على سعة علم الشيخ وبعد نظره وأنه لا يعتمد على رأيه ولا ينسب ما ليس له لنفسه، بل إنه تمثل بأسس البحث العلمي من خلال توثيقة للمعلومات التي يستفيد منها. ومن المصادر التي اعتمد عليها في تفسيره: • تفسير الطبري المسمى: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ). • … معالم التنزيل في تفسير القرآن لمحيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى: ٥١٠ هـ). • … تفسير الرازي: مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، المؤلف: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: ٦٠٦ هـ). • تفسير البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، المؤلف: ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (المتوفى: ٦٨٥ هـ). • تفسير القرآن العظيم، المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ هـ). • تفسير الجلالين، المؤلف: جلال الدين محمد بن أحمد المحلي (المتوفى: ٨٦٤ هـ)، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ). • تفسير أبي السعود المسمى: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، المؤلف: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: ٩٨٢ هـ). • تفسير فتح القدير، المؤلف: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: ١٢٥٠ هـ). • تفسير الألوسي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، المؤلف: شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: ١٢٧٠ هـ). • وكتاب أسباب النزول للسيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ). • وكتب ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وكتب الغزالي. منهجه في التفسير انتهج الشيخ رشيد نهج شيخه الأستاذ الإمام محمد عبده، فلا تقيد بأقوال المفسِّرين، ولا خوض في إسرائيليات، ولا تعيين لمبهمات، ولا تعلق بأحاديث موضوعة، ولا حشد لمباحث الفنون، ولا رجوع بالنص إلى اصطلاحات العلوم، بل شرح للآيات بأسلوب رائع، وكشف عن المعاني بعبارة سهلة مقبولة، وتوضيح لمشكلات القرآن، ودفاع عنه يرد ما أُثير حوله من شبهات، وبيان لهدايته، ودلالة إلى عظيم إرشاده، وتوقيف على حكم تشريعه، ومعالجة لأمراض المجتمع بناجع دوائه، وبيان لسنن الله في خليقته.

стр. 39

ومن ذلك ما قال عند آخر آية فسرها الشيخ محمد عبده: "هذه الآيات كانت آخر ما فسره شيخنا الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في الجامع الأزهر، فرضي الله عنه وجزاه عن نفسه وعنا خير الجزاء، وسنستمر في التفسير على هذه الطريقة التي اقتبسناها منه إن شاء الله تعالى، وإن كنا محرومين في تفسير سائر القرآن من الفوائد والحكم التي كانت تهبط من الفيض الإلهي على عقله المنير إلا في الجزء الثلاثين، فإنه كتب له تفسيرا مختصرا مفيدا، وكان فراغه من تفسير هذه الآية في منتصف المحرم سنة ١٣٢٣ هـ، وقد توفي شهر جمادى الأولى منها رحمه الله تعالى ونفعنا به، وكتبت تفسير هذه الآيات في مدينة بمبى أو (بومباي) من ثغور الهند في غرة ربيع الآخر سنة ١٣٣٠ هـ والله أسأل أن يوفقني لإتمام هذا التفسير، إنه على ما يشاء قدير" (١). ولكنَّا نجد الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ يحيد عن هذا المنهج بعض الشيء، وذلك بعد وفاة شيخه، واستقلاله بالعمل، ويُحدِّثنا هو بذلك فيقول: "وإنني لما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه - رحمه الله تعالى - بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السُّنَّة الصحيحة، سواء أكان تفسيراً لها، أو في حكمها، وفى تحقيق بعض المفردات، أو الجمل اللُّغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفى الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة، وفى بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر، أو يقوى حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة، أو يحل بعض المشكلات التي أعيا حلها، بما يطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس" (٢). ولعل من أسباب توسعه في المسائل الاجتماعية ما أتاحته له الصحافة من معرفة بالناس على اختلاف منازعهم ومشاربهم، وفيهم المتدين، والملحد والكافر، فأراد أن يتمشى بكتابته مع الجميع، فيثبت المتدين على دينه، ويرد الملحد عن إلحاده، ويكشف عن محاسن الإسلام، لعل الكافر أن يثوب إلى رشده ويرجع عن كفره (٣). كان الشيخ عبده يطلع على ما سينشر، بعد التصفيف في المطبعة وقبل الإخراج فربما ينقح فيه بزيادة قليلة، أو حذف كلمة أو كلمات، على أن صاحب المنار لم يكن يتحرى حكاية أو تلخيصاً لما يقوله الأستاذ الإمام، بل كان يكتب ما يجده في نفسه من إدراك لمعنى الآية بما ثار في فكره، أو انساق إليه علمه مما يوضح معنى الآية، ويحتفل لإيراد ما اختص ببيانه الأستاذ من المعاني المبتكرة المستجدة، فيعزو ذلك إليه صراحة.

стр. 40

وكان الأستاذ الإمام يطلع على ذلك كله ويقره لما كان حياً، ومنذ أن توفى الأستاذ الإمام، واستمرت مجلة المنار تنشر دروس التفسير التي كان ألقاها في حياته، أصبح التحرير واضحاً في التفرقة بين ما هو منقول عنه وبين ما هو من بيان الكاتب، ثم لما انتهى النشر إلى حيث أدركت الوفاة الأستاذ الإمام، استقل الشيخ رشيد بأعباء التفسير وحده فأكمل منه إلى نهاية الجزء الثاني عشر عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ﴾ [سورة يوسف: ٥٢]. فكان ما كتبه الشيخ رشيد، مستقلاً، أكثر من سبعة أجزاء، وما كتبه اعتماداً على أستاذه واستمداداً منه، أقل من خمسة أجزاء فكان حظه في المجموع أغلب، وكان بانتساب هذا التفسير إليه أحق، نعم إن روح التفسير اختلفت في بعض عناصرها، بين ما كان يكتب منه في حياة الأستاذ الإمام، وما كتب بعده مما استقل به الشيخ رشيد، وذلك الاختلاف يبدو جلياً في العنصر الذي يعبر عنه الشيخ رشيد بـ (الأثري). فقد رأينا أن التكوّن الأصلي للشيخ رشيد كان نقلياً أثرياً، على طريقة المتقدمين، مختلفاً في ذلك عن التكوّن الأصلي للسيد جمال الدين والشيخ محمد عبده، إذ كان تكوّنهما بحثياً نظرياً، على طريقة المتأخرين، فلم يكن الأستاذ يحفل بالناحية الأثرية، ولا يولي اهتماماً للأخبار وطرق تخريجها، ولا يعتمد في تفسير الآيات على الأخبار المتصلة بها، وكان الشيخ رشيد، بما امتزج بالأستاذ الإمام روحياً وفكرياً، قد تأثر بهذا المنهج، وساير الأستاذ الإمام عليه فيما اقتبسه من الدروس التي ألقاها الأستاذ الإمام وكان ببيانه مفتتح البحث فيها وممهد المداخل إليها، حتى صرح في المقدمة بأن: "أكثر ما روي في التفسير بالمأثور حجاب على القرآن وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية"، ولكن لما استقل الشيخ رشيد بمعاناة العمل من مبدئه، وأصبح معتمداً على المصادر التي كان الأستاذ الإمام يأخذ منها ويترك حسب منهجه العلمي، بدأ هواه الأول للعلوم النقلية الأثرية يعاوده ويأخذ به، فمال إليها، وتتبع رجالها الأولين مثل الطبري، والآخرين مثل ابن كثير، فبدت على التفسير مسحة أثرية ما كانت بادية على أجزائه الخمسة الأولى، على ما يؤلف بين اللاحق والسابق من حيث القصد والأسلوب، فيما عدا هذا العنصر الأثري. وقد أثبت الشيخ رشيد بنفسه هذا المعنى في المقدمة، ولكن مع ما اختلف بين الطرفين في المنهج العلمي، فإن الغاية بقيت متحدة، والروح بقيت متحدة كذلك، بحيث إن (تفسير المنار) في جملته يعتبر تفسيراً ذا منهج مطرد، وأفكار متناسقة، وهذا المنهج المطرد قد يقع الاتجاه إليه من مسالك البحوث الأصلية النظرية أحياناً، وقد يقع الاتجاه إليه من مسالك النقول الأثرية تارات أخرى، فإذا وصلت هذه المسالك أو تلك بمحرر التفسير إلى المنهج المخطط للسير، التزمه واستقام عليه، حتى يصل منه إلى نتائج البحث المتلاقية في غاياتها وروحها، مع ما كان انتهى إليه من نتائج في بحوث أخرى عند آيات أخرى على ذلك المنهج نفسه، فبرزت من مجموع ذلك الوحدة التي جعلت من تفسير المنار مداد روح النهضة الإسلامية الحديثة وقوام التفكير الإسلامي المجدد، في هذا القرن الرابع عشر (١).

стр. 41

الأسس التي قام عليها تفسير المنار (١): قام تفسير المنار على مجموعة من الأسس والقواعد التي ينطلق من خلالها في توجيه وبيان معنى النص القرآني، وهذا بيانها بإيجاز: أولاً: الوحدة الموضوعية، فالسورة مهما تعددت موضوعاتها وتشعبت القضايا التي طرقتها، فإنها ترجع بجملتها إلى موضوع محوري ترتبط به ارتباطاً وثيقاً. ثانياً: تجلية الهداية القرآنية، لأن المقصد الأساسي للقرآن الكريم هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهدايتهم إلى طريق الحق والخير، وهذا الأساس يقتضي عدم الانشغال في المباحث الجانبية في أثناء التفسير عن الهدف الكبير الذي يسعى لتحقيقه، فكثيراً ما انشغل المفسرون بمباحث لغوية أو كلامية أو فقهية. ثالثاً: عدم تجاوز النص فيما ورد مبهماً في القرآن، فكل ما سكت القرآن عن بيانه، مما ليس فيه عبرة للمسلمين، فلا حاجة لذكره وبيانه، وقد تكفل هذا التفسير بالتنبيه على أهمية الوقوف عند حدود النص القرآني. رابعاً: رفض البدع والخرافات، والتحذير من الإسرائيليات والأساطير. خامساً: احترام العقل وتقديمه، فالعقل والوحي أثران من آثار الله في الوجود (٢)، وآثار الله تهدي إليه وتدل عليه، وهذه النقطة تتصل بالنقطة السابقة، لأن من احترام العقل رفض البدع والخرافات والروايات التي يحكم العقل ببطلانها (٣). سادساً: محاربة التقليد، ورفض الاتباع بغير دليل أو بصيرة، وهذا أيضاً من احترام العقل. سابعاً: التأكيد على شمول القرآن وعمومه، لأنه جاء هداية للناس في جميع الأزمان والأماكن فلا بد أن يكون بهذا الشمول والعموم. ثامناً: التأكيد على أن القرآن هو المصدر الأول للتشريع، والأصل الأول لهذا الدين، وأن حكم الله يلتمس فيه أولاً فإن وُجد فيه يؤخذ وعليه يعوّل، ولا يحتاج معه إلى مأخذٍ آخر، وإن لم يوجد فيه التمس في سنة رسول الله ﷺ (٤).

стр. 42

تاسعاً: بيان سنن الله في الكون والإنسان والحياة، حيث اعتنى هذا التفسير بشرح هذه السنن وآثارها ليتنبه المسلمون من غفلتهم. عاشراً: الاهتمام بالعلوم الكونية وتسخيرها لفهم الآيات القرآنية، وبيان آيات الله في الكون مما يؤكد على عظمته وحكمته وإقناع الناس بالإيمان به. حادي عشر: الدفاع عن الإسلام ودحض الشبهات، خصوصاً وأن هذا التفسير جاء في وقتٍ ضعُف فيه المسلمون وتكالب الأعداء عليهم، يوردون الشبهات والافتراءات، ويحاولون تشويه صورته ليردوا الناس عن الإيمان به. ثاني عشر: بروز الاتجاه العقدي في هذا التفسير، من خلال التأكيد على مميزات العقيدة الإسلامية ورد الشبهات عنها، وبيان أن الإسلام هو دين العقل، ومحاربة التعصب المذهبي. ثالث عشر: الاهتمام باللغة العربية وآدابها، وبالبلاغة وعلومها، لأن هذا القرآن بلسانٍ عربي مبين، ولا يمكن فهمه بعيداً عن التفقه في العربية والتمرس بمعرفتها. رابع عشر: رعاية السياق القرآني وترابطه، بحيث يكون الانتقال من آية إلى أخرى، ومن موضوع إلى آخر بسلاسة ورفق، وهذا يؤدي إلى رد كثير من الروايات التي تمزق السياق الواحد وتجعله أشلاءً مبعثرة. هذه الأسس كان لها الأثر الكبير في التعامل مع النص القرآني وفق منهجية واضحة ترفض كل رواية أو قول يؤثر سلبياً على السياق القرآني، ووحدته الموضوعية، أو تتعارض مع شيء من مقررات العقيدة، حتى ولو رويت تلك الرواية بأسانيد صحيحة، وتأكيداً لهذه المنهجية يقول رشيد رضا عند حديثه عن عصمة الأنبياء: "فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يُقبل على أي وجه جاء، وقد عدّ الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها (١). منهجه في أسباب النزول: أما بخصوص منهج الشيخ ﵀ في تفسير المنار وموقفه من أسباب النزول (٢) يتلخص في نقاط هي (٣): ١ ـ النظر إلى النص القرآني على أنه نسق واحد، محكم السبك لا يمكن تفكيك أجزائه أو تقطيع أوصاله.

стр. 43

٢ ـ التأكيد على الفرق بين الآيات التي يبحث لها عن سبب نزول، والآيات التي لا يحتاج في فهمها إلى ذلك. ٣ ـ مراعاة أن يكون سبب النزول ظاهراً أو مشاراً إليه في الآية. ٤ ـ رفض القول بتعدد أسباب النزول للنص الواحد. ٥ ـ الاهتمام بتاريخ نزول الآيات، ومعرفة المكي والمدني، وإشارات السياق ودلالاته لفهم النص القرآني فهماً صحيحاً دقيقاً. منهجه في الإسرائيليات (١): ويتلخص في النقاط التالية: ١. رد الروايات الإسرائيلية والتشدد في قبولها، فلا تقبل إلا إذا صحت روايتها أو وافقت القرآن. ٢. الموازنة بين الإسرائيليات المروية في كتب المسلمين، ونظيراتها عند أهل الكتاب لبيان الفرق الكبير بين هذه وتلك. ٣. الاستناد إلى معطيات العلم لبيان بطلان الروايات الإسرائيلية، ومناقضتها للحقائق العلمية والتاريخية. هذه النقاط استقاها الدكتور القضاة من خلال مراجعته لتفسير المنار وأقوال الشيخ رضا الصريحة في هذا المجال، واعترافه بأن عدداً من الروايات التي أخذها المسلمون من أهل الكتاب وغيرها من الروايات الموضوعة أو المختلقة قد تسببت في «تمزيق السياق القرآني الواحد» وأفسدت الفهم الصحيح لكتاب الله، وتعارضت مع أصول العقيدة الإسلامية ومعطيات العلم الصحيحة. ومما قاله الشيخ محمد رشيد ﵀ في بيان موقفه من الإسرائيليات: "فأنت ترى أنه ليس في الرواية المعتمدة عند بني إسرائيل تلك الخرافات التي بثوها بين المسلمين في العصر الأول، وإنما فيها من المبالغة أنهم لخوفهم ورعبهم من الجبارين احتقروا" (٢). وقال: "وجملة القول: أن هذه الروايات الإسرائيلية لا يعتد بشيء منها، ولا قيمة لأسانيدها؛ لأن من ينتهي إليه السند قد اغتر ببعض ملفقي الإسرائيليات حتما، وقد رأينا شيخ المفسرين ابن جرير لم يعتد بها، ونرجو -وقد راجعنا أشهر ما لدينا من كتب التفسير-أن يكون ما بينا به معنى الآيات أصحها وأكبرها فائدة" (٣).

стр. 44

منهجه في النقل من سفر التكوين: أكثر الشيخ رشيد من النقل منه ومن غيره من كتب أهل الكتاب، ولكن تغير في نهاية كتابه، فأصبح يقل من النقل، ويذكر نقولاته من هذا السفر في حاشية الكتاب بدلا من متنه كما هو الحال في مقدمة كتابه (١). أمثلة لبيان منهج الشيخ محمد رشيد في تفسيره: • من أمثلة تفسيره للقرآن بالقرآن: نصه في بعض المواضع بأن هذا النوع من تفسير القرآن بالقرآن، فقال ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٨٠] "وجعلها بعضهم تعريضا بجهل معبوداتهم من الكواكب والأوثان، وما قلناه أرجح، وهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن" (٢). وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٩٨]: "وأقول: ليس في الكتاب العزيز ما نستعين به على تفسير هذه العبارة -كدأبنا في تفسير القرآن بالقرآن- إلا قوله تعالى في سورة الحج: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا﴾ [سورة الحج: ٥] الآية" (٣). وقال في موضع آخر: "فهذان الوجهان الوجيهان، من تفسير القرآن بالقرآن، ينافيان ما روي من تفسير الحرج بالشك، ويغنيان عما تمحله المفسرون في توجيهه بالتأويل الشبيه بالمحك" (٤). وقال أيضا: "ومن تفسير القرآن بالقرآن في تقليب القلوب، والحيلولة بينها وبين إرادة الإنسان المتصرفة في قدرته ومشاعره قوله تعالى من سورة الأنعام: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) (٦: ١١٠) فيراجع معناها في آخر تفسير الجزء السابع، وقال الراغب: تقليب الله القلوب صرفها من رأي إلى رأي، وذكر آية الأنعام هذه" (٥). •

стр. 45

من أمثلة تفسيره للقرآن بالسنة: قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٦]: " (أقول): أما الحديث فقد رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن من طرق إلى أبي عثمان النهدي عن أبي موسى قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال النبي ﷺ : ((أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا منكم)) (١)، وفي رواية: أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتهليل والتكبير إذا علوا عقبة أو ثنية، وليس في هذه الروايات ذكر الآية ولكن الحديث في المقام؛ فإنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير المأمور به في الآية السابقة فدلت الآية على ما صرح به الحديث من النهي، فكان الحديث تفسيرا لها بل هو عمل بها" (٢). • ومن أمثلة ما ذكره من تفسير الصحابة والتابعين: قال الشيخ محمد رشيد ﵀: " أقول: وهذا القول يتفق مع ما روي عن ابن عباس من " أن الحكمة هي الفقه في القرآن " أي معرفة ما فيه من الهدى، والأحكام بعللها وحكمها; لأن هذا الفقه هو أجل الحقائق المؤثرة في النفس الماحية لما يعرض لها من الوساوس حتى لا تكون مانعة من العمل الصالح" (٣). وقال: " فسر ابن مسعود السحت بالرشوة في الدين، وابن عباس بالرشوة في الحكم، وعلي بالرشوة مطلقا، قيل له: الرشوة في الحكم؟ قال: ذلك الكفر، وقال عمر: بابان من السحت يأكلهما الناس; الرشا في الحكم" (٤). وقال: "وفسر محمد بن كعب القرظي (٥) النصيب بالرزق والأجل والعمل" (٦).

стр. 46

• ومن أمثلة استعماله للغة في التفسير: ما قاله عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا﴾ [سورة الأعراف: ٣٣] قال: "الإثم والبغي، تقدم أن الإثم في اللغة هو القبيح الضار فهو يشمل جميع المعاصي: الكبائر منها كالفواحش والخمر، والصغائر كالنظر واللمس بشهوة لغير الحليلة وهو اللمم، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا﴾ [سورة النجم: ٣٢]، فعطف الفواحش على كبائر الإثم لا على الإثم، وهو من عطف الخاص على العام، وكذلك عطف البغي على الإثم هنا من عطف الخاص على العام، ومعناه في أصل اللغة: طلب لما ليس بحق أو بسهل أو ما تجاوز الحد، وقالوا: بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد، أو تجاوز الحد في فساده" (١). وقال في موضع آخر: "وقد خرج الزمخشري بهذا عن الظاهر المتبادر من استعمال لفظي القضاء وإقامة الصلاة في القرآن، وهو الدقيق في فهم اللغة وتفسير أكثر الآيات بما يفصح عنه صميمها المحض، أسلوبها الغض فسبحان المنزه عن الذهول والسهو" (٢). • رده في تفسيره على الفرق الضالة: مثال ذلك ما استدل به عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ﴾ [سورة الأنعام: ١٣٣] حيث أورد حديث أبي ذر (٣) ﵁ عن النبي عن الله ﵎ أنه: ((قال: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدونى أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعمونى أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته فاستكسونى أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفرونى أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) (٤)، ثم قال والحديث حجة على الجبرية كالآيات (٥).

стр. 47

وقال في موضع آخر: "وقد جهل الجبرية والقدرية النفاة جميعا حقيقة القدر، وصار كل منهما يحمل الآيات على ما ذهب إليه كأنها مختلفة متعارضة، وهي مخالفة لكل منهما ولا اختلاف ولا تعارض فيها" (١).

стр. 48

المبحث الثالث مزايا تفسير المنار يعد تفسير المنار من أجل التفاسير الحديثة، ومن أبرز المميزات التي ميّزت منهج وطريقة الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في تفسيره، ما يلي: ١ - كان الشيخ محمد رشيد رضا يلجأ في تفسيره للآيات الكريمة إلى القرآن الكريم نفسه أولاً، مؤكداً أنَّ "الآيات يفسِّر بعضها بعضاً إذا نحن أخذنا القرآن بجملته كما أُمرنا" (١)، ثم كان يلجأ بعد ذلك كما صرح هو إلى "سنة رسول الله ﷺ ، وما جرى عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين في الصدر الأول، وبأساليب لغة العرب، وسُنن الله في خلقه" (٢)، أي الالتزام بالمنطق الداخلي المتماسك، والمنسجم للنص القرآني، والاعتصام بعواصم الأثر والخبر الصحيح، والأخذ بطرق اللغة العربية في دلالة الألفاظ، والتراكيب على المعاني، ومقتضيات العقل السليم من خلال تحكيم سنن الله تعالى العاملة في الكون والتاريخ، واعتبارها إحدى مرجعيات، ومعايير التفسير السليم (٣) ومن ذلك قوله ﵀: "وقد بينا غير مرة أن القرآن هو أصل الدين، وأن السنة بيان له واستنباط منه، وذكرنا بعض الشواهد على هذا في التفسير وفي المنار" (٤). ٢ - كان حريصاً في بداية تفسير كل مجموعة من الآيات الكريمة، أن يربط هذه الآيات ربطاً منطقياً محكماً بمجموعة الآيات التي تسبقها، أو بموضوع السورة الرئيسي الذي تتحدث عنه مجمل آيات السورة، وبذلك عمل رشيد رضا على إبراز الوحدة الموضوعية للسورة القرآنية، والسياق الواحد الذي يؤلف بين آياتها (٥) (٦).

стр. 49

٣ - كان يعتني بذكر مقدمات مهمة للسورة، كما يذكر خلاصة موجزة لها يتحدث فيها عن الفوائد والقواعد والأحكام الشرعية التي اشتملت عليها، وهاهو يقول ﵀ لصديقه (شكيب ارسلان): "واتفق أن تمت في سورة براءة (التوبة)، وعليّ أن أراجعه كله لأستخرج منه مسائل السورة الكريمة من أصول وفروع وغيرها، وهذا أشق عمل في التفسير، ولم أسبق إلى مثله" (١)، وقد سار على هذه الطريقة في جميع السور التي فسرها، فهو في سورة الأعراف مثلا يبسط تفسيرها فيما يقارب الثمانمائة صفحة، ثم يلخص أحكامها في اثنتين وعشرين صفحة (٢). ٤ - العناية بدعم التفسير بالأحاديث الواردة عن النبي ﷺ ، والآثار الواردة المتعلقة بالآية أو السورة، وذكر أسباب النزول وتمحيص الروايات الواردة فيها، ولم يغفل عند ذكره هذه الأحاديث، عن التعليق عليها، ونقد أسانيدها، وتمحيص رواتها، هذا فضلاً عن تخريجها، وعَزْوها إلى مصادر الحديث المعتمدة (٣) (٤)، و كان مهتماً بذكر القراءات القرآنية عند وجودها (٥). ٥ - توسع الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في بعض المسائل اللغوية والنحوية، ومن ذلك توسعه في شرح معاني بعض الكلمات الغريبة والعناية بالجوانب البلاغية، والإشارة إلى القواعد النحوية، وإيراد شواهد أو نصوص أدبية تتصل بالموضوع (٦)، وأحيانا لا يذكر إلا ما كان منهما ضرورياً لبيان معنى الآيات، وجمال الأسلوب القرآني، ودقة التعبير فيها (٧)، وكان هدفه من هذا الاقتصاد هو ألاَّ يشغل القارئ عن وجوه الهداية، والإصلاح في معاني الآيات المفسرة، وهي مقصوده الأول من التفسير، كما كان ذلك مقصود شيخه محمد عبده من تفسير القرآن (٨).

стр. 50

٦ - لم يكن رشيد رضا حاسماً منذ البداية في موقفه إزاء تفسير الآيات الكريمة المتعلقة بالله تعالى وصفاته، وأمور الغيب بشكل عام، حيث كان يتأرجح بين موقفي السلف والخلف، أي بين موقف التنزيه مع التفويض من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، وبين موقف التنزيه مع التأويل فيما يتعلق في تفسير هذه الآيات الكريمة، حتى حسم موقفه بوضوح إزاء هذه القضايا بسبب إقباله الكبير على قراءة كتب أئمة الفكر السلفي، وعلى رأسهم ابن تيمية، وتَبَنيه لموقفهم بشكل كامل، مع الاحتفاظ لنفسه بذكر بعض تأويلات محمد عبده، وعلماء الخلف، وتأويلات خاصة به أحياناً، بسبب اقتناعه بضرورة هذه التأويلات في إقناع أصحاب الثقافة المادية والفلسفية الذين لا يقبلون التسليم بأمور الغيب كما وردت النصوص بها دون تأويل يُزيل التعارض الظاهري بينها، وبين العقل (١)، فهو مؤمن إيماناً تاماً بمنهج السلف في تفسير آيات الغيب، إلا أنه قدّم بعض التنازلات، عن قناعةٍ وإدراكٍ منه لِما يفعل، في هذا المجال إرضاءً لنزعته الإصلاحية التي قضت عليه هنا بسرد بعض التأويلات من أجل أن يكسب أنصاراً جدداً للإسلام من بين قُرائه من ذوي الثقافة العصرية، ومن أبناء المؤسسات التعليمية الحديثة الذين بدؤوا يهيمنون على مقاليد الحياة السياسية الثقافية في عصره (٢). ٧ - لم يكن رشيد رضا يتحرَّج في مواضع كثيرة من مناقشة ونقد شيخه محمد عبده في بعض آرائه، وخاصة في الأمور والمسائل العقدية التي مال فيها عبده عن مذهب السلف (٣)، فهو لا يسلِّم له تسليماً مطلقاً، ولا يؤيِّد كلامه عندما يؤيده إلا بعد قناعةٍ منه، واتفاقٍ معه بالرأي، وليس عن طريق التقليد المحض الذي سبق أن ذمَّه كثيراً، وبهذا نعلم أن رشيد رضا كان يحتفظ بشخصيته العلمية المستقلة، حتى وهو ينقل كلام أستاذه، ومن باب أولى غيره من المفسرين (٤) (٥).

стр. 51

٨ - نبه الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ إلى بعض أخطاء شيخه الإمام محمد عبده في تفسيره بأدب ووفاء، فها هو يقول: "ما نقلناه عن شيخنا في معنى الرحمة تبع فيه متكلمي الأشاعرة والمعتزلة ومفسريهم كالزمخشري والبيضاوي ذهولاً، ثم يقرر مذهب السلف الصالح في إثبات الصفات كلها لله تعالى وإمرارها كما جاءت من غير تشبيه بصفات المخلوقين" (١). وبهذا تظهر بوضوح سلفيته العميقة التي فاقت سلفية أستاذه محمد عبده (٢). ٩ - لم يكن الشيخ محمد رشيد رضا بالدرجة التي كان عليها أستاذه محمد عبده في جنوحه إلى التفسير بالعقل والرأي في كثير من المواضع، بل امتاز بتخفيفه بعض الشيء من الركون إلى حكم العقل فيما قد يعلو عن إدراك هذا العقل (٣). ١٠ - ذكر المسائل الخلافية وترجيح بعض الأقوال فيها على بعض، أو الإشارة برأي آخر فيها، وقد يصحب ذلك شيء من التأويل أو التخريج (٤). ١١ - العناية والتوسع في رد الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الملاحدة والمستشرقين أو الجاهلين ممن يدّعون الإسلام، فقد دافع في تفسير المنار عن حجج الإسلام وعقائده دفاعاً مثمراً وبأدلة واضحة وقوية (٥). ١٢ - قام بربط تفسير الآيات ومضمونها بواقع المسلمين ومشاكلهم السياسية والاجتماعية، واتخذ من تفسير الآيات وسيلة لتنبيه المسلمين، وتذكيرهم بالواجبات الملقاة على عاتقهم، وكثيراً ما كان يستفيد من هذا الربط، ويقوم بالانتقاد الشديد لمعظم علماء وشيوخ عصره الذين تمسكوا بالتقليد، وابتعدوا عن الاجتهاد، ولم يقوموا بدورهم في تذكير المسلمين، وربط حياتهم بالقرآن الكريم، والسنة الصحيحة (٦) (٧). ١٣ - بيانه لحكمة التشريعة واهتمامه بالعلوم الشرعية الإسلامية، وذكرها وإن كانت لاتتصل بتفسير الآية اتصالا مباشرا، فقد اهتم بالبحوث الفقهية وتوسع فيها، فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ﴾ [سورة النساء: ٤٣] ختم تفسيره لها بمسائل عشر في أحكام التيمم (٨)، وتمتاز بحوثه الفقهية بالتجديد والبعد عن التقليد، وترجيح ما يناسب مصالح الناس، وتجنب الحيل والتعصب (٩).

стр. 52

١٤ - العناية بالعلوم الاجتماعية والطبيعية والإشارة إليها في الأماكن المناسبة لها من التفسير (١) كإشارته إلى علم التاريخ، فقال عنه: فالتاريخ هو المرشد الأكبر للأمم العزيزة اليوم إلى ما هي فيه من سعة العمران وعزة السلطان، وكان القرآن هو المرشد الأول للمسلمين إلى العناية بالتاريخ ومعرفة سنن الله في الأمم منه، وكان الاعتقاد بوجوب حفظ السنة وسيرة السلف هو المرشد الثاني إلى ذلك، فلما صار الدين يؤخذ من غير الكتاب والسنة أهمل التاريخ، بل صار ممقوتا عند أكثر المشتغلين بعلم الدين، فإن وجد من يلتفت إليه، فإنما يكون متبعا في ذلك سنة قوم آخرين (٢). وكذا إشاراته إلى قوانين علم الاجتماع وقواعده في قيام الدول ونهوضها وسقوطها، وإشاراته لعلوم الطبيعة كالكيمياء وعلم النبات وعلم الحيوان وعلم الطب (٣). ١٥ - نقل رشيد رضا بعض أقوال المفسرين في الأمور التي يحتاج إلى نقلها فيه، وهو يدل على غزارة علم الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ واطلاعه الواسع، ومع نقله هذا فهو لا يقلد شيئا من هذه الأقوال ولا يتأثر بها، وإنما ينقلها ثم يبدي رأيه مستقلا سواء وافق بعضها أم لم يوافقه (٤). ١٦ - امتاز في تفسيره بالتطويل والإطناب والإسهاب، بينما كان شيخه محمد عبده يميل في تفسيره إلى التركيز والإيجاز، كما أن أسلوب الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ أقرب وأخف وأسهل من أسلوب الشيخ محمد عبده ﵀ ولعل لاشتغال الشيخ محمد رشيد بالصحافة والخطابة والسياسة أثراً في ذلك (٥). ١٧ - كان حريصاً في نهاية تفسير كل سورة تقريباً، على كتابة خلاصة إجمالية لأحكامها، وقواعدها، ومقاصدها (٦)، يركِّز فيها بشكل خاص على السُنن الإلهية الكثيرة التي أوردها في ثنايا الآيات المفسَّرة (٧)، بحيث يمكننا القول: إنَّ استنباط السُنن الإلهية في الخلق والتكوين، وفي الاجتماع والعمران البشري، وشؤون الأمم من القرآن الكريم، من أهم وأبرز السِّمات والخصائص التي تمَيَّز تفسير المنار بها عن مختلف التفاسير الأخرى (٨).

стр. 53

ويرى بعض الباحثين أن تفسير المنار يحمل أكثر من تفسير ومنهج، والأجدر أن يسمى مدرسة ذات ألوان شتى، فهو حركة تجديد شاملة بشتى أنواع الحياة من عقائد وأخلاق ونظم وحكم وأحكام واقتصاد وسياسة (١).

стр. 54

المبحث الرابع المآخذ على تفسير المنار على الرغم من المكانة المتميزة التي احتلها تفسير المنار في سياق حركة التفسير الحديثة، وموقعه المؤثر في مجمل حركة الفكر الإسلامي في العصر الحديث، فقد تعرَّض إلى انتقادات كثيرة من قِبل فئات عدة، يأتي في مقدمتهم بعض علماء المدرسة السلفية الحديثة، وطائفة أخرى من العلماء، يمكن تصنيفهم ضمن علماء المؤسسة الدينية الرسمية، والمؤسسة الصوفية الشعبية. ومن أبرز ملاحظات المدارس التفسيرية على تفسيره: ١. تساهل رشيد رضا ﵀ في ذكر بعض التأويلات، وتأويل بعض المعجزات، وردّ بعض الأحاديث النبوية، وانفراده ببعض الآراء الفقهية (١)، وقسوته أحياناً على بعض العلماء السابقين، اتباعاً أعمى من رشيد رضا لمنهج شيخه محمد عبده الذي أسرف في نظرهم في الاعتماد على العقل والرأي في التفسير، ولم يشفع لرشيد رضا أمام هؤلاء العلماء ما ذهب إليه، بعد وفاة شيخه، من ترجيح مذهب السلف على مذهب الخلَف العقلي، وأخذه الواضح بمقومات المنهج الأثري في التفسير، وتوسعه الكبير في الاقتباس من أمهات التفسير المعتمدة عند أهل السنة والجماعة، فقد بقي في نظرهم وفي مؤلفاتهم، أحد نماذج العلماء المسلمين الذين انهزموا فكريا أمام الغرب المتقدِّم، والذين قدَّموا من أجل التوفيق بين الإسلام، وبين حضارة الغرب الغالبة تنازلات على حساب خصوصية الإسلام، ومنهجه المستقل في العقيدة والتشريع، ولعل أهم من يمثل علماء هذه المدرسة هو الدكتور فهد الرومي أحد أبرز العلماء السعوديين المعاصرين (٢). ٢. وقد تعرّض رشيد رضا وتفسيره إلى نقد طائفة أخرى من العلماء، يمكن تصنيفهم ضمن علماء المؤسسة الدينية الرسمية، والمؤسسة الصوفية الشعبية، فقد وجَّه إليه بعض علماء هاتين المدرستين انتقادات شديدة بسبب زحزحته المكانة التقليدية المرموقة التي كان يتمتع بها كل من الفقهاء التقليديين، وشيوخ الطرق الصوفية في المجتمع، وذلك من خلال الحملة العنيفة التي قام بها على صفحات تفسيره على التقليد المذهبي وعلمائه (١٢/ ٢٢٠ - ٢٢١)، وعلى البدع والخرافات الدينية الشائعة الذيوع في كثير من البيئات الصوفية الطُرقية، ومن خلال دعوته اللاهبة في مقابل ذلك إلى إحياء روح الاجتهاد، وروح الزهد والتزكية وفق نصوص الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح فقط، ولقد تركزت معظم انتقادات هذا الفريق من العلماء على الميول السلفية والوهابية التي ظهرت جلياً في تفسير المنار، بالإضافة إلى تأويله لبعض المعجزات، وإنكاره لكثير من الكرامات التي يدعيها شيوخ الطرق الصوفية، ونذكر من علماء هذه الطائفة التي تصدت لرشيد رضا، الشيخ الأزهري المتصوف يوسف الدجوي (ت ١٩٤٦ م) الذي قاد حملة صحفية قوية ضد رشيد رضا، على صفحات مجلة الجامع الأزهر آنذاك "نور الإسلام"، واتهمه باتهامات خطيرة، مثل: إنكار الملائكة والجن، وإنكار بعض المعجزات، والإيمان بمذهب دارون، وردّ بعض الأحاديث الصحيحة، ونشر مقالاته تلك في كتاب سماه "صواعق من نار في الرد على صاحب المنار"، الأمر الذي دفع رضا للرد، وتبيين حقيقة وسلامة موقفه إزاء القضايا التي اتهمه فيها، في مقالات عديدة جمعها ونشرها في كتاب سماه: (المنار والأزهر) (٣).

стр. 55

٣. وهناك فريق آخر من الباحثين المعاصرين ممن ينتمون إلى تيار إعادة قراءة القرآن الكريم وفق مناهج ومكتسبات العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة، يرى أنَّ مساهمة رشيد رضا في تفسير "المنار" ما هي إلا خطوة تراجعية عن بعض ما أنجزته مدرسة المنار على يد رائديها الأفغاني وعبده ـ وهو في نظرهم إنجاز محدود، وموضع نقد وتقويم ـ وذلك بسبب ما قام به رضا من إعادة العمل التفسيري إلى تخوم المدرسة التقليدية القديمة في التفسير، وتظهر أهم ملامح تلك العودة، في نظرهم، من خلال إكثاره من النُقول الواسعة عن علماء التفسير السابقين، فضلاً عن استطراداته الواسعة فيما يتعلق بقضايا العقيدة والتشريع، هذا بالإضافة إلى عجزه عن الاستفادة من المناهج الغربية الحديثة في دراسة ونقد النصوص المقدسة؛ وكأحد نماذج هذه المدرسة يقول الدكتور عبد المجيد الشرفي في معرض تقييمه لتفسير المنار: "فنلاحظ إذن أنه لا يمت بصلة إلى حركة التفسير "الكتابي" -نسبة إلى الكتب المقدسة عند اليهود والمسيحيين- التي عرفها الغرب منذ أواخر القرن السابع عشر بالخصوص، والتي كانت أبرز ملامحها متمثلة في استقلالها عن علم اللاهوت، واعتمادها منهجاً نقدياً في تناول النصوص المقدسة، فتفسير المنار أبعد ما يكون عن التفسير النقدي، وليس فيه أدنى إعادة نظر في المسلَّمات المتعلقة بالترتيب الرسمي والتعبُّدي للسور والآيات، ومواطن الإشكال في عدد من التعابير القرآنية، ويتبنى بالطبع المفهوم التقليدي للوحي الذي يكون فيه الرسول مجرد مبلِّغ سلبي للرسالة الإلهية، فلا مجال فيه لأثر ما لشخصية النبي وللظروف التاريخية التي أحاطت به، ولا لمشكلة الانتقال من الكلام الإلهي المفارق إلى الكلام البشري المحدود بالضرورة، وبعبارة أخرى فقد كان تفسير المنار تفسيراً إيمانياً بالدرجة الأولى" (١). يكاد الدكتور عبد المجيد الشرفي بكلامه هذا يستعيد بشكل شبه كامل ما قاله المستشرق آرثر جيفري قبل أكثر من سبعين عاماً في مجلة "العالم الإسلامي"، في مقالة بعنوان "النقد العالي للقرآن" طالب فيها علماء المسلمين باقتفاء أثر علماء الغرب بإخضاع القرآن الكريم إلى معايير النقد التاريخي والأدبي التي أخضعوا لها نصوصهم المقدسة، دون أدنى اعتبار منه للاختلافات الصريحة بين طبيعة النص القرآني المقطوع بصحته التاريخية، وإيمان المسلمين القاطع بأنه كلام الله تعالى الذي أنزله لفظاً ومعنىً على قلب رسوله محمد، وبين نصوصهم المقدسة التي تعرضت للتحريف والتزوير التاريخي باعترافهم هم، وأنها نصوص مقدسة دوَّنها أتباع الرسل ﵈، ولا تُعَد كلام الله تعالى نفسه لفظاً ومعنىً في وقت واحد كما هو حال القرآن الكريم.

стр. 56

وفي الحقيقة، فإنه يمكن القول بأن ما يريده أصحاب هذا الاتجاه ـ فضلاً عن إخضاع النص القرآني لأسئلة الحداثة وإشكالاتها النقدية المتعلقة بالنصوص المقدسة ـ هو عزل النص القرآني عن شبكة النصوص التفسيرية التي أحاطت به، وأصبحت مدخلاً إجبارياً لفهمه، وأصبحت معاني القرآن الكريم بالتالي أسيرةً لمنهجية هذه النصوص في تحديد المعنى بشكل عام، لذلك فقد اعتبروا محاولة رضا للعودة بتفسير القرآن الكريم إلى أحضان التراث، والارتباط بمنهجيته التفسيرية العامة بمثابة تراجع منهجي لا يساعد على تطوير علم التفسير (١). وفي الحقيقة، فإنّ أصحاب هذا الرأي قد غفلوا عن الأخذ بعين الاعتبار السياق المعرفي والتاريخي الحرج الذي كان يكتب فيه رشيد رضا تفسيره، وتجاهلوا الحساسية الدينية والتاريخية الخاصة لقرّاء تفسيره، إذ هما، بالإضافة إلى اقتناعه العلمي بطبيعة الحال، اللذان أجبرا رشيد رضا على اختيار ما اختاره من إجراءات وأساليب في التفسير، حيث ما كان له أن يؤثر في وعي قرائه، ويكسب تأييدهم لأفكاره الإصلاحية المنبثّة في كل صفحات تفسيره، إلا إذا احترم ذاكرتهم الجمعية التي تضمن لهم أدنى حدود التضامن، والتماسك في اللحظات التاريخية العصيبة التي كانوا يمرون بها، وإلا إذا قام مخلصاً بالانتظام في داخلها، وتقديم أفكاره على قاعدةٍ متينة منها، وهذا هو بالضبط الذي فعله عندما استكثر من الاعتماد على تراث المفسرين من قبله أخذاً ونقاشاً ونقداً، واعتمد منهجيتهم العامة في التفسير (٢). ومهما كان رشيد مصيباً أو مخطئاً في رأيه هذا، فإنه يدل دلالة واضحة على عنايته بنصوص القرآن الكريم وإن خالفت آراء العلماء السابقين له، كما يدلنا على القدر الذي وصل إليه رشيد في اجتهاداته الفقهية النابعة من حربه على التقليد بكل أنواعه، وبهذا يمكننا القول: إن شدة رشيد في دعوته إلى رأيه قد تكون في بعض الأحيان من محاسن تفسيره لا من مآخذه) أ. هـ (٣). ومن أبرز الملاحظ العامة على تفسير المنار ما يلي (٤): أولا: كثرة التفريعات والاستطرادات الطويلة التي تشبه البحوث المستقلة، والتي توجد فجوات واسعة، تحول دون متابعة التفسير، ورشيد نفسه يشير إلى هذه الاستطرادات (٥)، وعقد فصل في عقيدة التثليث (٦)، ويقول: "واستحسن للقارئ أن يقرأ الفصول الاستطرادية وحدها في غير الوقت الذي يقرأ فيه التفسير" (٧).

стр. 57

ثانيا: الأسلوب الخطابي الذي يبدو أحيانا في تفسير المنار ولعل رشيدا نفسه قد أحس بهذا اللون الخطابي الذي يفتح الباب للتطويل والإسهاب، فعمد إلى اختصار تفسير المنار في أجزاء موجزة تحت عنوان: التفسير المختصر المفيد الذي يمكن أن يزداد علمنا بأمره عند الحديث عن كتب رشيد رضا (١). ثالثا: عدم الاستقرار أحيانا في التفسير، ومن أمثلة ذلك أنه تكلم عن السبب في عدم نزول: "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول سورة التوبة فقال: "ولذلك لم تنزل البسملة في أول سورة التوبة التي فضحت آياتها المنافقين وبُدئت بنبذ عهود المشركين وشرع فيها القتال بصفة أعم مما أنزل فيما قبلها من أحكامه"، فنفهم من هذا أن عدم ذكر البسملة هو أن السورة منذرة وليست موطنا داعيا إلى التحدث عن الرحمة التي ذُكرت كثيرا في القرآن، ولكن رشيدا يعود في الجزء العاشر من التفسير إلى الحديث في الموضوع فلا يجعل هذا القول هو المختار، بل يقول عن سورة التوبة: "ولم يكتب الصحابة ولا من بعدهم البسملة في أولها لأنها لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من سور القرآن، هذا هو المعتمد المختار في تعليله، وقيل: رعاية لمن كان يقول أنها مع الانفال سورة واحدة والمشهور أنه لنزولها بالسيف ونبذ العهود وقيل غير ذلك مما في جعله سببا وعلة نظر"، ففي الموطن الأول يلوّح لنا أن رشيدا قد اختار الرأي القائل بأن سورة التوبة حُذفت منها البسملة لأنها إنذار وتشريع قتال، وفي الموطن الأخير يرى أن المعتمد المختار غير ذلك، وكلمة المشهور التي ذكرها لا تقطع بأن هذا هو المعتمد، فقد يكون هناك قول مشهور، ومع ذلك لا يكون هو المعتمد المختار (٢). ومن أمثلة ذلك أيضا أنه تحدث في الجزء الأول من التفسير عن اسم الله الأعظم فقرر أن اسمي الحي والقيوم هما مع اسم الجلالة الله: "ما يعبر عنه بالاسم الأعظم وهو القول الراجح عندنا"، لكنه حينما بلغ تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥] في الجزء الثالث قال كلاما لا يفيد تأكيده لما سبق أن قرره، أنه قال: "وهذا الذي قلناه في بيان معنى (الحي القيوم) يجلّى لمن وعاه ما روي عن ابن عباس ﵄ أن هذا هو الاسم الأعظم، أو قال (أعظم أسماء الحي القيوم)، وقد أخرج أحمد وأبو دواد والترمذي وابن ماجه، عن أسماء بنت يزيد عن النبي ﷺ أن قال: (اسم الله الأعظم) في هاتين الأيتين: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ وفاتحة آل عمران ﴿ألم (*) الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ " (٣) هو في الموطن الأول صرح بأن الاسم الأعظم يتكون من ثلاثة أسماء: "الله، الحي، القيوم" ولكنه في الموطن الأخير لم يصرح بذلك، بل أفهمنا أن الاسم الأعظم يتكون من اسمين هما الحي القيوم، وإن كنا نستطيع أن نستنبط من الشواهد التي ذكرها الأسماء الثلاثة التي يتكون منها الاسم الأعظم (٤).

стр. 58

رابعا: العجلة أحيانا في كتابة التفسير وعدم التهيؤ الكامل لصياغته بإتقان وإحسان وكل لون من ألوان الكتابة قد تحتمل فيه العجلة إلا كتاب الله العلي الأعلى فإنه يلزمه التدبر والاستعداد والتفرغ عند كتابة تفسيره (١). ورشيد كما يحدثنا كان يكتب التفسير أحيانا وهو على سفر وهو مثلا يقول في حديثه عن رحلته إلى الحجاز: "وتأخرت عنهم لإتمام ما كنت بدأت من كتابة نبذة من التفسير للمنار، لإرسالها مع البريد من جدة مع كتابة ما لا بد من كتابته إلى مصر"، وأغرب صور العجلة وقلة الاستقرار في كتابة رشيد للتفسير هو ما فعله في الجزء الخامس من تفسير المنار مما ترشدنا إليه عبارة ختم بها هذا الجزء وفيها يقول: "تم الجزء الخامس من التفسير وقد نُشر في المجلد الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من المنار، بدأت كتابة هذا الجزء وأنا في القسطنطينية سنة ١٣٢٨ هـ، ففاتني تصحيح ما طبع منه في أُثناء رحلتي تلك، وأتممته في أثناء رحلتي هذا العام ١٣٣٠ هـ إلى الهند، ومنه ما كتبته في مسقط والكويت والعراق، وقد أتممته في المحجر الصحي بين حلب وحماة، في أوائل شعبان سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف، ونشر آخره في جزء المنار الذي صدر في آخر رمضان، ولم أقف على تصحيح شيء مما كتبته في هذه الرحلة أيضا" (٢). لعل رشيدا أراد أن يلتمس لنفسه الأعذار فيما يحدث من تقصي أو من هفوات الطبع، ومهما يكن الدافع فتفسير كتاب الله ينبغي له التفرغ والاستقرار. ولا يستطيع عارف بقدر كتاب الله تعالى أن يرتضي خطة رشيد في كتابته التفسير التي يقول عنها: "وإننا نكتب التفسير دائما في وقت ضيق ونعطي ما نكتبه للمطبعة من غير قراءة ولا مراجعة، ثم لا نراه إلا عند تصحيح ما يُجمع في المطبعة وكلما جُمع شيء يُطبع، وإن لم تتم كتابة ما يتعلق به" (٣). خامسا: انتقال تفسير المنار من مختصر إلى متوسط إلى طويل، فرشيد يذكر في نهاية تفسير الفاتحة المنشور في الجزء الأول من تفسير المنار أن غرضه الأول من كتابة تفسير الفاتحة ونشره في مجلة المنار كان بيان ما يستفيده من دروس شيخه الأستاذ الإمام (محمد عبده) مع شيء مما يفتح الله به عليه في إيجاز (٤). فاختصر فيما كتبه أولا، ولما طبع تفسير الفاتحة على حدته زاد فيه بعض الزيادات وكان قد بدا له أن يجعل هذا التفسير مطولا مستوفى ولما بدأ طبع الجزء الأول من التفسير وانتهى من طبع الصفحات الخاصة منه بتفسير الفاتحة عززه بفوائد ألحقها بآخر تفسير هذه السورة.

стр. 59

ولقد صرح رشيد في مواطن أخرى بأنه بدأ تنقيحا وإضافة على التفسير بعد نشره في المجلة مثل أن يقول: "وبعد أن طبع تفسير تلك الآية في المنار نقحناه، وزدنا فيه فوائد أثبتناها في نسخة التفسير التي تطبع على حدتها" (١)، ولو أن رشيدا كان في هذه التغييرات يسير على نظام محدد واضح لهان الخطب ولكنه تارة يضع الإضافة في وسط الكلام، وتارة يضعها في الهامش وتارة يجعلها في آخر الموضوع وتارة يجعلها في نهاية الجزء مع استدراكات أخرى … إلخ (٢). سابعا: عدم الثبات على طريقة في التأليف: فقد تقلب الشيخ في كتابة التفسير إلى أربعة ألوان؛ فهو أولا كان يختصر، ثم أخذ يزيد ثم أخذ يطول ثم قام بالاختصار لهذا التطويل، كل هذا يدل على عدم استقرار رشيد على طريقة واحدة في تأليفه لتفسير المنار، وهو أمر يفقد هذا التفسير شيئا من مكانته وقدره (٣). ثامنا: الشدة في الدعوة إلى رأيه والتمسك به، فقد عدّ بعض الباحثين (٤) من مآخذ رشيد رضا في تفسير المنار تعصبه لرأيه في استنباط الأحكام، وإن خالف جمهور الفقهاء، ومع إبداء رأيه يشتد في الحملة العنيفة على المخالفين له، ويضربون مثالا واحدا على ذلك بما قرره في تفسيره لآية التيمم في سورة النساء من أن المسافر يجوز له التيمم ولو كان الماء بين يديه ولا علة تمنعه من استعماله إلا كونه مسافرا، وهو رأي مخالف لجمهور فقهاء المسلمين، ويشن حملة على مخالفيه، فيقول: "نعم إن الآية واضحة المعنى كاملة البلاغة على الوجه الذي قررتم، ولكنها تقتضي عليه أن التيمم في السفر جائز، ولو مع وجود الماء، وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا" (٥)، ثم يقول: "ألا إن من أعجب العجب غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرخصة الصريحة في عبارة القرآن" (٦). … تاسعا: نقله عن أهل الكتاب (٧)، ونقله عن بعض العلماء الغربيين، مثل دارون (٨)، وعقده فصل في مباحث تتعلق بمسألة الصلب (٩). ومن ذلك قوله: "وأقول: إن استقامة بعض أهل الكتاب على الحق من دينهم لا ينافي ما حققناه في تفسير التوراة والإنجيل في أول السورة من ضياع بعض كتبهم وتحريف بعضهم لما في أيديهم منها، فإن من يعرف من المسلمين بعض السنة ويحفظ بعض الأحاديث النبوية فيعمل بما علم مستمسكا به مخلصا فيه، يقال: إنه قائم بالسنة السنية عامل بالحديث النبوي، وإن كان بعض الأحاديث قد نقل بالمعنى وبعضها ضعيف أو موضوع وبعض الناس كالحشوية حرفوها بل حرفوا بعض آيات القرآن تحريفا معنويا ليدعموا بها مذاهبهم وآراءهم، أما قوله تعالى: يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون فمعناه على القول بأن المراد بهم من دخل في الإسلام ظاهرا، وعلى القول الآخر المختار أنهم يتلون ما عندهم من مناجاة الله ودعائه له والثناء عليه ، وهي كثيرة في كتبهم لا سيما زبور (مزامير) داود ﵇، كقوله في المزمور السادس والثلاثين: ([٥] يا رب في السماوات رحمتك أمانتك إلى الغمام [٦] عدلك مثل جبال الله وأحكامك لجة عظيمة، الناس والبهائم تخلص يا رب [٧] ما أكرم رحمتك يا الله فبنو البشر في ظل جناحيك يحتمون [٨] يروون من دسم بيتك ومن نهر نعمتك تسقيهم [٩] لأن عندك ينبوع الحياة، بنورك نرى نورا [١٠] أدم رحمتك للذين يعرفونك وعدلك للمستقيمي القلب [١١] لا تأتيني رجل الكبرياء ويد الأشرار لا تزحزحني [١٢] هناك سقط فاعلو الإثم دحروا فلم يستطيعوا القيام"، وقوله في المزمور الخامس والعشرين: " [١] إليك يا رب أرفع نفسي [٢] يا إلهي عليك توكلت فلا تدعني أخزى، لا تشمت بي أعدائي [٣] أيضا كل منتظريك لا يخزوا، ليخز الغادرون بلا سبب [٤] طرقك يا رب عرفني، سبلك علمني [٥] دربني في حقك وعلمني، لأنك أنت إله خلاصي، إياك انتظرت اليوم كله [٦] أذكر مراحمك يا رب وإحساناتك لأنها منذ الأزل هي [٧] لا تذكر خطايا صباي ولا معاصي، كرحمتك اذكرني أنت من أجل جودك يا رب". وأمثال هذه الأدعية والمناجاة كثيرة جدا وإذا رآها العربي البليغ غريبة الأسلوب فليذكر أنها ترجمة ضعيفة وأن قراءتها بلغة أهل الكتاب أشد تأثيرا في النفس من قراءة ترجمتها هذه" (١٠).

стр. 60

عاشرا: استخدامة لعبارات فيها تنقص لبعض الأئمة، ومن ذلك قوله: "وقد علمت أن اللفظ يفيد العموم وهو الذي تقتضيه الحكمة وتتم به المصلحة، وإنما بين الأستاذ ما قصر فيه غيره من المفسرين" (١). وقال في حق الإمام ابن جرير (٢): "قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الأول، وهو أن قوله: (إلا ما ذكيتم) استثناء من قوله: (وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع) .. ثم أورد ابن جرير سؤالا وأجاب عنه، فقال: فإن قال لنا قائل: فإذا كان ذلك معناه عندك فما وجه تكريره ما كرر بقوله: وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية وسائر ما عدد تحريمه في هذه الآية، وقد افتتح الآية بقوله: حرمت عليكم الميتة؟ وقد علمت أنه شامل كل ميت كان موته حتف أنفه من علة به غير جناية أحد عليه؟ أو كان موته من ضرب ضارب إياه، أو انخناق منه أو انتطاح أو فرس سبع، وهلا كان قوله - إن كان الأمر على ما وصفت في ذلك من أنه معني بالتحريم في كل ذلك الميتة بالانخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك، دون أن يكون معنيا به تحريمه إذا تردى، وقد أخطأ ابن جرير في سياقه هذا بما ذكر من العلة، وبالتعبير فيه بلفظ الذبح بدل لفظ التذكية الذي هو تعبير القرآن، والتذكية أعم من الذبح كما سيأتي، وقد ثبت أن المتردية في بئر إذا طعنت في أي جزء من بدنها، فكان ذلك هو المتمم لموتها عد تذكية، وحل أكلها، وما هو بالذي يجهل هذا، ولكن الاستعمال الغالب ينسي الإنسان غيره أحيانا فيعبر به وقد يريد به المثال، ثم إن ذلك من الميتة، وهي أخص من عبارته هو" (٣). وقال عن الرازي (٤): "وأقول: إن هذا الذي ذكره الرازي على طريقة المعتزلة تعليل حسن لمغفرة الله تعالى لأهل بدر ما يحتمل أن يقع منهم من الذنوب، وهو موافق لمذهب أهل السنة، ونصوص القرآن في تغليب الحسنات على السيئات، ولكنه لا يتجه في تفسير الآية وما ذكره على مذهب الأشعرية مثله في هذا فما اعتمده أضعف مما رده وأبطله" (٥).

стр. 61

وقال عن الزمخشري (١): "هذا وإن بعض المفسرين ولا سيما الزمخشري قد أساءوا الأدب في التعبير عن عفو الله تعالى عن رسوله ﷺ في هذه الآية، وكان يجب أن يتعلموا منها أعلى الأدب معه صلوات الله وسلامه عليه، إذ أخبره ربه ومؤدبه بالعفو قبل الذنب، وهو منتهى التكريم واللطف" (٢). وقال في حق الإمام أبي السعود (٣): "ولكن أبا السعود تنطع في التأويل فذهب إلى أن الإنذار هنا موجه إلى من يتوقع منهم التأثر في الجملة وهم المجوزون منهم للحشر على الوجه الآتي سواء كانوا جازمين بأصله كأهل الكتاب وبعض المشركين المعترفين بالبعث المترددين في شفاعة آبائهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كالأولين، أو في شفاعة الأصنام كالآخرين، أو مترددين فيهما معا كبعض الكفرة الذين يعلم من حالهم أنهم إذا سمعوا بحديث البعث يخافون أن يكون حقا، وأما المنكرون للحشر رأسا، والقائلون به القاطعون بشفاعة آبائهم أو بشفاعة الأصنام، فهم خارجون ممن أمر بإنذارهم، وقد قيل: هم المفرطون في الأعمال من المؤمنين، ولا يساعده سباق النظم الكريم ولا سياقه، بل فيه ما يقضي باستحالة صحته، كما ستقف عليه " (٤). وقال في حق الإمام الألوسي (٥): "وقد نقل السيد الألوسي في "روح المعاني" كلاما ركيكا في الفرق بين الاستعمالين عزاه إلى الدرة، وقال في آخره: قاله مولانا شهاب الدين فليفهم، وهو أمر بما لا يستطاع من فهم ذلك الكلام المضطرب المبهم، والذي يظهر لنا في نكتة ذلك أن تقديم اللعب على اللهو لا يحتاج إلى تعليل؛ لأنه الأصل المقدم في الوجود، وقد فصلت آية الحديد متاع الحياة الدنيا بحسب ترتيبه الذي تقتضيه الفطرة البشرية، فقدم فيها اللعب لأن أول عمل للطفل يلذ له هو اللعب المقصود عنده لذاته" (٦).

стр. 62

وتكلم عن بعض المفسرين وذكر أقوالهم، فمثلا عند تفسير: (فلا تركنوا) ذكر ١١ قول للمفسرين، فقال (١): (نموذج من قصور أقوال المفسرين وغلطهم وتقليدهم في تفسير الآية: الروايات المأثورة والمعتمدون عليها: روى الإمام ابن جرير عن ابن عباس ﵄، أنه فسر الآية بالركون إلى الشرك، (وهو أقوى ما روي فيها)، وروي عنه تفسيره بالميل وأنه قال: لا تميلوا إلى الذين ظلموا. وروى عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم - ولا تركنوا - لا تذهبوا، وهو ليس تفسيرا بالمعنى اللغوي، ولا يظهر المراد الشرعي منه إلا بقرينة ما قبله إن جمع بينهما بإرادة المشركين الظالمين للمؤمنين. وما قاله ورواه حق في نفسه ولكنه لا يحيط بمعنى الآية، وما كانت تلك الروايات إلا كلمات مجملة وجيزة ذكرت بالمناسبة لا يقصد تحقيق معنى الآية في لغتها وأسلوبها وموقعها من العبرة بقصص الرسل مع أقوامهم الظالمين، وقال مثله كل من البغوي وابن كثير فإنهما يعتمدان على المأثور قل أو كثر. (٢) قال أبو بكر الجصاص الحنفي المتوفى سنة ٣٧٠ هـ في تفسيره (أحكام القرآن): والركون إلى الشيء: هو السكون إليه والمحبة، فاقتضى ذلك النهي عن مجالسة الظالمين ومؤانستهم والإنصات إليهم، وهو مثل قوله تعالى: (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) ٦: ٦٨، وقد أبعد كل البعد، وإنما هو فقيه لا لغوي ولا مفسر عام. (٣) قال الزمخشري المعتزلي المتوفى سنة ٥٣٨ هـ في كشافه بعد ذكر القراءات في الآية: والنهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم، وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم، وتأمل قوله: (ولا تركنوا)، فإن الركون هو الميل اليسير، وقوله: (إلى الذين ظلموا)، أي إلى الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل: إلى الظالمين، انتهى المراد منه، وذكر بعده حكاية صلاة الموفق خلف الإمام الذي قرأ الآية فغشي عليه وتقدمت، وموعظة بليغة وعظها للزهري أحد إخوانه من عباد السلف وزهادهم، أقول: كل ما أدغمه في النهي عن الركون إلى الذين ظلموا قبيح في نفسه لا ينبغي للمؤمن اجتراحه، وقد يكون من لوازم الركون الحقيرة، ولكن لا يصح أن يجعل شيء منه تفسيرا للآية مرادا منها والمخاطب الأول بها رسول الله ﷺ والسابقون الأولون، إلى التوبة من الشرك والإيمان معه، ثم نقل كلام ابن العربي واعقبه بقوله: وقد أصاب المعنى اللغوي والمأثور دون فقه الآية، وتبعه القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ هـ في تفسيره جامع أحكام القرآن فنقل كلامه بدون عزو إليه ولم يزد عليه، ثم ختم: أختم هذه النقول بما أورده السيد محمد صديق حسن خان نائب ملك بهوبال (الهند) المتوفى سنة ١٣٠٧ هـ وفي تفسيره (فتح البيان في مقاصد القرآن) الذي أودعه تفسير أستاذه القاضي الشوكاني المسمى (بفتح القدير) وزاد عليه، فكان ما أورده عنه مغنيا عن أصله، فقد اتفق المفسران على تخطئة الزمخشري ومن تبعه في تفسير الركون بالميل اليسير، وأوردا بعض ما قاله رواة التفسير واللغة في معناه مخالفا له، مما نقلناه وزنا عليه، وانفردنا بتحقيق معناه دونهم ودونهما، ثم انفردا بالبحث الآتى بنصه، قال: "وقد اختلف أيضا الأئمة من المفسرين في هذه الآية، هل هي خاصة بالمشركين أو عامة؟ فقيل: خاصة، وأن معنى الآية النهي عن الركون إلى المشركين وأنهم المرادون بـ (الذين ظلموا) وقد روي ذلك عن ابن عباس، وقيل: إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم، وهذا هو الظاهر من الآية، ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون لكان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) أ. هـ (٢).

стр. 63

الفصل الثاني: أقسام الاستنباط عند الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره ، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط. المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور وخفاء النص المستنبط منه. المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب.

стр. 64

المبحث الأول: الاستنباط باعتبار موضوع المعنى المستنبط ، وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: الاستنباطات العقدية . المطلب الثاني: الاستنباطات في علوم القرآن. المطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية والفقهية. المطلب الرابع: الاستنباطات اللغوية والبلاغية. المطلب الخامس: الاستنباطات التربوية والسلوكية. المطلب السادس: الاستنباطات الاجتماعية. المطلب السابع: الاستنباطات في السياسة الشرعية. تنوعت موضوعات الاستنباط عند الشيخ محمد رشيد ﵀ في علوم شتى، منها: - الاستنباطات العقدية. - الاستنباطات في علوم القرآن. - الاستنباطات الأصولية والفقهية. - الاستنباطات اللغوية والبلاغية. - الاستنباطات التربوية والسلوكية. - الاستنباطات الاجتماعية. - الاستنباطات في السياسة الشرعية. المطلب الأول: الاستنباطات العقدية (١) الاستنباطات العقدية: يراد بها استخراج ما كان له تعلق بالمعتقد تقريراً لمسائله أو دحضاً لما يناقض قواعده (٢). قال ابن خلدون (٣) في تعريف علم العقيدة: "علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد" (٤).

стр. 65

و بالنظر في استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا العقدية نجد أنها شملت كل أبواب العقيدة، سواء كان تقريرا لها على منهج أهل السنة والجماعة أو بيانا لأهميتها، أو ردا على مخالفيها، وقد شكلت ثلث استنباطاته، وهذا يدل على شدة عنايته بالعقيدة الصحيحة وتجليتها، ويتضح ذلك من خلال الأوجه التالية: الاهتمام بجوانب التوحيد وأقسامه: • توحيد الربوبية: ــ مسألة إثبات الوحدانية لله تعالى: عند قوله تعالى ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [سورة آل عمران: ٣ - ٤]، قال: "وفي هذا وما قبله شيء آخر، وهو الإشعار بأن ما أنزله الله تعالى من الكتب والفرقان يدل على إثبات الوحدانية لله تعالى وتنزيهه عن الولد والحلول أو الاتحاد بأحد أو بشيء من الحوادث" (١). ـ مسألة دلالة الفطرة: عند قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٤] قال: "وغفل الجميع عن كون الكلام في طبيعة البشر وبيان حقيقة الأمر في نفسه لا في جزئياته وأفراد وقائعه، فالمراد أن الله - تعالى - أنشأ الناس على هذا وفطرهم عليه" (٢). ـ مسألة الخلق والفعل: عند قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة آل عمران: ٤٧]، قال: "وعبر هنا بالخلق وفي بشارة زكريا بيحيى بالفعل، وكل منهما خلق وفعل" (٣). ـ مسألة الإرادة والتكوين: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة آل عمران: ٥٩]، قال: "وخطر لي الآن أنه يجوز أن تكون كلمة التكوين مجموع كن فيكون، والمعنى: ثم قال له كلمة التكوين التي هي عبارة عن توجه الإرادة إلى الشيء ووجوده بها حالا" (٤). ـ مسألة سنن الله الكونية ودلالتها على الوحدانية: عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [سورة النساء: ٥١]، قال: "وتدل بطريق اللزوم على أن الأمم المغلوبة تكون أقرب إلى الجبت والطاغوت من الأمم الغالبة المنصورة، فليحاسب المسلمون أنفسهم بها وبما في معناها من الآيات" (٥).

стр. 66

ـ مسألة عناية الله بالخلق: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٤]، قال: "وإضافة الآيات إلى الرب تفيد أن إنزاله الوحي، وبعثه للرسل وتأييدهم، وهدايته للخلق بهم، كله من مقتضى ربوبيته، أي مقتضى كونه هو السيد المالك المربي لخلقه المدبر لأمورهم على الوجه الموافق للحكمة" (١). ـ مسألة صفات الإله الحق: عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [سورة الأعراف: ١٤٨]، قال: "فعلم بهذا أن من شأن الرب الإله الحق أن يكون متكلما، وأن يكلم عباده، ويهديهم سبيل الرشاد باختصاصه من شاء منهم وإعداده لسماع كلامه، وتلقي وحيه، وتبليغ أحكامه" (٢). ـ مسألة أن توحيد الربوبية سبب تحصيل رحمة الله: عند قوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦]، قال: "وخص الزكاة بالذكر دون الصلاة، وما دونها من الطاعات، وفيه إشارة إلى شدة حب اليهود للدنيا وافتتانهم بجمع المال ومنع بذله في سبيل الله" (٣). ـ مسألة المغفرة العامة: عند قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٣]، قال: "فحذفهما لمفعول (تغفر) يدل على أنهما قد علقا النجاة من الخسران على المغفرة العامة المطلقة التي تشمل هذا الذنب وغيره" (٤). ـ مسألة المشيئة: عند قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [سورة المائدة: ٦٤]، قال: "والنكتة في قوله (كيف يشاء) بيان أن تقتير الرزاق على بعض العباد، الجاري على وفق الحكمة وسنن الله تعالى في الاجتماع لا ينافي سعة الجود وسريانه في كل الوجود، فإن له سبحانه الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق، بحسب السنن التي أقام بها نظام الخلق" (٥).

стр. 67

ـ مسألة التوحيد ووحدة الدين: عند قوله تعالى: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة يوسف: ٤٠]، قال: "ما الحكم الحق في الربوبية، والعقائد والعبادات الدينية إلا لله وحده يوحيه لمن اصطفاه من رسله، لا يمكن لبشر أن يحكم فيه برأيه وهواه، ولا بعقله واستدلاله، ولا باجتهاده واستحسانه، فهذه القاعدة هي أساس دين الله - تعالى - على ألسنة جميع رسله، لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة" (١). • توحيد الألوهية: ـ مسألة شروط لا إله إلا الله، عند قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٥٦] قال: "والتعبير بالاستمساك يدل على أن من لم يكفر بجميع مناشئ الطغيان، ويعتصم بالحق اليقين من أصول الإيمان، فهو لا يعد مستمسكا بالعروة الوثقى وإن انتمى في الظاهر إلى أهلها" (٢). واشتراطه للعلم واليقين لتحقيقها (٣). ـ مسألة إجابة الدعاء، كقوله عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٦] قال: "ولا دليل في الآية على أن كل دعاء يجاب، بل هي نفسها دليل على أنه لا يجيب الدعاء إلا الله" (٤). ومسألة إجابة الدعاء (٥). ـ مسألة العمل وقبوله: عند قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [سورة البقرة: ١٤٨]، قال: "ذكر الجزاء يوم البعث بعد الأمر باستباق الخيرات ليفيد أن الجزاء إنما يكون على فعل الخيرات أو تركها" (٦)، ومثلها مسألة الجزاء على الأعمال (٧). ـ مسألة الولاية: عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٧]، قال: "ومما يجب بيانه في تفسير هذه الآية أيضا الفرق بين ولاية الله للمؤمنين وولايتهم له وولاية بعضهم لبعض" (٨).

стр. 68

ـ مسألة العبودية العامة والخاصة: عند قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [سورة آل عمران: ٨٣]، قال: "وصفوة الكلام أن الدين الحق هو إسلام الوجه لله -تعالى- والإخلاص في الخضوع له" (١). ـ مسألة التوكل على الله: عند قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٩]، قال: "الآية صريحة في وجوب إمضاء العزيمة المستكملة لشروطها، وأهمها في الأمور العامة حربية كانت أو سياسية أو إدارية المشاورة" (٢). ـ مسألة الطاعة والعصمة: عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [سورة الأنعام: ٥٢]، قال: "والآية تدل على نفي الرياسة الدينية المعهودة في الملل الأخرى" (٣). ـ مسألة التوبة والمغفرة: عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [سورة الأنعام: ٥٢]، قال: "ويستنبط من الآية ألا يجوز لرؤساء المدارس الدينية ولا ينبغي لغيرهم، عقاب أحد من طلاب العلم بالحرمان من بعض الدروس فضلا عن طرده من المدرسة، وحرمانه من تلقي الدين والعلم ألبته، ولكن قد يجوز ذلك بمقتضى نظام لا لأجل الانتقام" (٤). ـ مسألة الذبح لغير الله: عند قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١١٨]، قال: "رتب على ذلك أمر اتباع هذا الرسول بمخالفة الضالين من قومهم وغير قومهم في مسألة الذبائح بترك جميع الآثام، وحكمة الاهتمام بهذه المسألة وقرنها بمسائل العقائد، هو أن مشركي العرب وغيرهم من أهل الملل جعلوا الذبائح من أمور العبادات، وقد غفل عن هذا المعنى بعض كبار المفسرين" (٥). • توحيد الأسماء والصفات: ـ أثر معرفة أسماء الله وصفاته: عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥]، قال: "إن جملة الآية تملأ القلب بعظمة الله وجلاله وكماله، حتى لا يبقى فيه موضع للغرور بالشفعاء الذين يعظمهم المغرورون تعظيما خياليا غير معقول حتى ينسون أنهم بالنسبة إلى الله - تعالى - عبيد مربوبون، فإن عظمته - تعالى - لا تدع في نفسه غرورا، بل يوقن بأن لا سبيل إلى السعادة في الآخرة إلا بمرضاة الله - تعالى - في الدنيا، فمن لم يكن مرضيا لله - تعالى - لا يتجرأ أحد على الشفاعة له" (٦).

стр. 69

ـ بيانه لاسم الله الشاكر: عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٥٨]، قال: "والنكتة في اختيار هذا التعبير تعليمنا الأدب، فقد علمنا بهذا أدبا من أكمل الآداب بما سمى إحسانه وإنعامه على العاملين شكرا لهم مع أن عملهم لا ينفعه ولا يدفع عنه ضراً" (١). ـ بيانه لرحمة الله العامة: عند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٧]، قال: "لما قرنه الله تعالى باسمه الرءوف الدال على سعة رحمته بعباده، فيالله ما أعجب بلاغة كلام الله، وما أعظم خذلان المعرضين عن هداه، ومن الدقة الغريبة في هذا التعبير الموجز بيان حقيقة عظيمة وهي أن وجود هذه الأمة في الناس رحمة عامة للعباد لا خاصة بهم " (٢). ـ بيانه لتعليل استجابة الله باسم السميع والعليم: عند قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ [سورة يوسف: ٣٤]، قال: "فعطف استجابة ربه له، وصرف كيدهن عنه بالفاء الدالة على التعقيب، وتعليلها بأنها مقتضى كمال صفتي السمع والعلم، دليل على أن ربه لم يتخل عن عنايته بتربيته" (٣). الاهتمام بباب الإيمان وأركانه: • الإيمان بالله: ـ مسألة الإيمان بالغيب: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٩]، قال: "وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٩] متضمنا للإيمان بما أخبر به رسله من خبر الغيب وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم أي إن أنتم آمنتم بما جاءوا به من خبر الغيب " (٤). ـ مسألة الإيمان والتقوى: عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٩] قال: "لزّ التقوى هاهنا مع الإيمان في قرن، وترتيب الأجر عليهما معا هو الموافق للآي الكثيرة في الذكر الحكيم، وهي أظهر، وأشهر، وأكثر من أن ينبه عليها بالشواهد كلما ذكر شيء منها. " (٥).

стр. 70

ـ مسألة الانحراف في الإيمان: عند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [سورة النساء: ٥٢]، قال: "وهذه الآية تدل على أن سبب لعن الله للأمم هو إيمانها بالخرافات والأباطيل والطغيان" (١). ـ مسألة مطابقة الأقوال لما في الجنان: عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [سورة النساء: ٦٤]، قال: "فلا بد أن يشعر القلب أولا بألم المعصية وسوء مغبتها، وبالحاجة إلى التزكي من دنسها " (٢). ـ مسألة العلم والإيمان: عند قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [سورة النساء: ٧٨]، قال: "وفيه أنه يجب على العاقل الرشيد أن يطلب فقه القول دون الظواهر الحرفية" (٣). ـ مسألة الإيمان واليقين: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [سورة الأعراف: ٨٩]، قال: "والتعبير يدل على نفي الشأن، وهو أبلغ من نفي الفعل؛ لأنه نفي له بالدليل " (٤). • الإيمان بالرسل: ـ مسألة الإيمان بهم وبوظيفتهم وكتبهم وعدم التفرقة بينهم: عند قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٥]، قال: "وفي هذا مزية للمؤمنين من هذه الأمة على غيرهم من أهل الكتاب، كأنهم لم يعقلوا معنى الرسالة في نفسها " (٥) (٦) (٧). ـ مسالة الفرق بين النبي والرسول: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ﴾ [سورة النساء: ٦٤]، قال: " (من رسول) أبلغ في استغراق النفي، وإيجاب طاعة الرسول تشعر بأن الرسول أخص من النبي؛ فالرسول لا بد أن يكون مقيما لشريعة" (٨).

стр. 71

ـ مسألة تكليف النبي: عند قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [سورة النساء]، قال: "ويؤخذ من الآية أن الله - تعالى - كلف نبيه ﷺ أن يقاتل الكافرين، وسيرته ﷺ تدل على ذلك" (١). ـ مسألة النبي والرسول من قومه: عند قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [سورة الأعراف: ٦٥]، قال: "والآية دليل على جواز تسمية القريب أو الوطني الكافر أخا وحكمته كون رسول القوم منهم، أن يفهمهم ويفهم منهم" (٢). • الإيمان باليوم الآخر: ـ مسألة البعث والنشور: عند قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [سورة البقرة: ٢٥٩]، قال: "فهذا الفصل دليل على الانتقال من الآية الخاصة إلى الآية العامة التي يغفل الناس عنها" (٣). ـ مسألة الجزاء على الأعمال: عند قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [سورة النساء: ٤٩] قال: "والآية تدل على أن الله تعالى يجزي كل عامل خير بعمله" (٤) (٥). • الإيمان بالقدر خيره وشره: ـ مسألة خلق أفعال العباد: عند قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٨]، قال: "فظهر بهذا أن التزيين أثر لأعمال اختيارية لا جبر فيها ولا إكراه، وليس المراد به أن الله خلق في قلوب بعض الأمم تزيينا للكفر والشر" (٦). ـ مسألة الرد على الجبرية (٧) في مسائلهم، كما في المثال السابق، وكذا رده عليهم عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [سورة الأنفال: ٢٣]، فقال: "أمثال هذه الآيات تحثو التراب في من يزعم أن الآية تدل على الجبر وعدم اختيار العبد في كفره وإيمانه" (٨) (٩).

стр. 72

ـ ورد أيضا على القدرية (١): كما يظهر ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [سورة الأنفال: ٢٤] قال: "ليس معناه أنه تعالى خلق فيه الضلال استقلالا - كما يدعي بعض المتكلمين - بل هو داخل في سنته تعالى في الأسباب والمسببات ويؤيده إثبات كون ضلاله على علم، وهو أنه متعمد لاتباع الهوى، مؤثر له على الهدى" (٢). • الشرك، والكفر، والنفاق: ـ مسألة أنواع الكفر: عند قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٤]، قال: "إن هذا الكفر والظلم مما يتهاون فيه المسلمون في هذه الأزمنة وفي أزمنة قبلها، وعلم من الدين بالضرورة إجماعا، وهذه الآية نفسها تبطل ظنهم وفي معناها آيات كثيرة" (٣). ـ مسألة سبب كفر اليهود والنصارى: قفال عند قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [سورة المائدة: ٦٨]، قال: "أما إسناد إنزاله إلى الرسول، فليس لإفادة أنه أوحي إليه فقط، بل يشعر مع ذلك بأن إنزاله إليه سبب لطغيانهم وكفرهم" (٤). ـ خطورة الظلم: عند قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة هود: ٤٤]، قال: "والتعبير عن هذه النهاية بالدعاء على الظالمين بالبعد والطرد الذي يحتمل عدة معان مذمومة شرها الطرد من رحمة الله" (٥).

стр. 73

ـ بيان سبب هلاك الأمم: عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [سورة هود: ٣]، قال: "والآية تتضمن نجاة هذه الأمة المحمدية من عذاب الاستئصال" (١). ـ علاقة الصلاح بالظلم: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [سورة هود: ١١٧]، قال: "والآية تدل على أن إهلاك المصلحين ظلم فلذلك يتنزه الله عنه" (٢). ـ النفاق وعلاقته بالطعن في النبوة: عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [سورة التوبة: ٦١]، قال: "والآية وما في معناها دليل على أن إيذاء الرسول كفر، إذا كان فيما يتعلق بصفة الرسالة" (٣). أمور يتحقق بها التوحيد وتقوم بها الشريعة: هناك أمور لا بد منها ليتحقق التوحيد وتقوم الشريعة، ذكرها الشيخ تحت أبواب متفرقة: • العلم: عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [سورة البقرة: ١٢٠]، قال: "وفيه أن من سنن الله تأييد متبعي الهدى على علم صحيح وأنهم هم الغالبون المنصورون، وهو ما يعبر عنه علماء الاجتماع ببقاء الأمثل في كل تنازع بينه وبين ما دونه" (٤). وعند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٨]، قال: "ويستنبط من الآية أن الطريقة المثلى لإقامة الناس على صراط الحق والفضيلة إنما هي حملهم على ذلك بالعمل والتعويد" (٥) (٦) (٧). • الاعتصام: عند قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٣٢]، قال: "ويتضمن هذا النهي إرشاد من كان منحرفا عن الإسلام إلى عدم اليأس وأن يبادر بالرجوع إليه والاعتصام بحبله لئلا يموت على غيره " (٨).

стр. 74

• العقل وإعماله، واستخدامه في طرق الاستدلال: عند قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٠]، قال: "ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من عقائد الدين إذ لا يسلكون طريق العقل بالاستدلال على أن ما هم عليه من العقائد والعبادات حق، ولا يهتدون في أحكامه وأعماله بوحي من الله جاءهم به رسول من عند الله؟ أي حتى في تجردهم من دليلي العقل والنقل، هذا ما أفهمه" (١) (٢). • الحقوق وحفظ الكليات الخمس: عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ﴾ [سورة النساء: ٩٢]، قال: "وثم نكتة أخرى وهو أن في سماح المعاهد للمؤمن بالدية منة عليه، والكتاب العزيز الذي وصف المؤمنين بالعزة لا يفتح لهم باب هذه المنة" (٣) (٤). • الوسطية والعدالة: عند قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: ٢١]، قال: "وفي هذا تعظيم شأن الحكمة والعدالة ما فيه من شرف الإسلام وإرشاد أهله إلى أن يكونوا من أهل هذه المرتبة التي تلي مرتبة النبوة" (٥). • مسألة تعظيم القول على الله بغير علم ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٩]، قال: "وقد ذهب وهم بعض الناس إلى أن الآية تدل على أن من اجتباهم الله من رسله يعلمون الغيب كله، وكل ذلك من الجرأة على الله - تعالى - والقول عليه بغير علم (٦). •

стр. 75

الكبائر والصغائر: ذكرها عند قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [سورة النساء: ١٨] فقال: "إن الإصرار على بعض أفراد الذنوب يغري صاحبه بأفراد أخرى من نوعها، أو جنسها، والشر داعية الشر، كما أن الخير داعية الخير" (١). • معرفة المقاصد: عند قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [سورة النساء: ١٣٤]، قال: "والآية تدل على أن الإسلام يهدي أهله إلى سعادة الدارين، وأن يتذكروا أن كلا من ثواب الدنيا وثواب الآخرة من فضل الله ورحمته" (٢). • فقه الإنكار: عند قوله تعالى: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [سورة النساء: ١٤٠]، قال: "ويؤخذ منه أن إقرار المنكر والسكوت عليه منكر، وهذا منصوص عليه أيضا، وأن إنكار الشيء يمنع فشوه بين من ينكرونه حتما، فليعتبر بهذا أهل هذا الزمان" (٣). • الوعد والوعيد: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ١٢٣]، قال: "وهي تتضمن الوعيد لأكابر مجرمي مكة الماكرين والوعد، وذلك بالإيجاز الذي يستنبطه الأذكياء من أمثال هذه القواعد العامة" (٤). • الترغيب والترهيب: عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة يونس: ١٩]، قال: "والآية تتضمن الوعيد على اختلاف الناس المفضي إلى الشقاق والعدوان" (٥).
следующие страницы →