← Тафсир

Тафсир · id 841

استنباطات محمد رشيد رضا في تفسيره

رقية بنت محمد بن سالم باقيس

Полный текст (435 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ـ مسألة تكليف النبي: عند قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [سورة النساء]، قال: "ويؤخذ من الآية أن الله - تعالى - كلف نبيه ﷺ أن يقاتل الكافرين، وسيرته ﷺ تدل على ذلك" (١). ـ مسألة النبي والرسول من قومه: عند قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [سورة الأعراف: ٦٥]، قال: "والآية دليل على جواز تسمية القريب أو الوطني الكافر أخا وحكمته كون رسول القوم منهم، أن يفهمهم ويفهم منهم" (٢). • الإيمان باليوم الآخر: ـ مسألة البعث والنشور: عند قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [سورة البقرة: ٢٥٩]، قال: "فهذا الفصل دليل على الانتقال من الآية الخاصة إلى الآية العامة التي يغفل الناس عنها" (٣). ـ مسألة الجزاء على الأعمال: عند قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [سورة النساء: ٤٩] قال: "والآية تدل على أن الله تعالى يجزي كل عامل خير بعمله" (٤) (٥). • الإيمان بالقدر خيره وشره: ـ مسألة خلق أفعال العباد: عند قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٨]، قال: "فظهر بهذا أن التزيين أثر لأعمال اختيارية لا جبر فيها ولا إكراه، وليس المراد به أن الله خلق في قلوب بعض الأمم تزيينا للكفر والشر" (٦). ـ مسألة الرد على الجبرية (٧) في مسائلهم، كما في المثال السابق، وكذا رده عليهم عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [سورة الأنفال: ٢٣]، فقال: "أمثال هذه الآيات تحثو التراب في من يزعم أن الآية تدل على الجبر وعدم اختيار العبد في كفره وإيمانه" (٨) (٩).

стр. 72

ـ ورد أيضا على القدرية (١): كما يظهر ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [سورة الأنفال: ٢٤] قال: "ليس معناه أنه تعالى خلق فيه الضلال استقلالا - كما يدعي بعض المتكلمين - بل هو داخل في سنته تعالى في الأسباب والمسببات ويؤيده إثبات كون ضلاله على علم، وهو أنه متعمد لاتباع الهوى، مؤثر له على الهدى" (٢). • الشرك، والكفر، والنفاق: ـ مسألة أنواع الكفر: عند قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٤]، قال: "إن هذا الكفر والظلم مما يتهاون فيه المسلمون في هذه الأزمنة وفي أزمنة قبلها، وعلم من الدين بالضرورة إجماعا، وهذه الآية نفسها تبطل ظنهم وفي معناها آيات كثيرة" (٣). ـ مسألة سبب كفر اليهود والنصارى: قفال عند قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [سورة المائدة: ٦٨]، قال: "أما إسناد إنزاله إلى الرسول، فليس لإفادة أنه أوحي إليه فقط، بل يشعر مع ذلك بأن إنزاله إليه سبب لطغيانهم وكفرهم" (٤). ـ خطورة الظلم: عند قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة هود: ٤٤]، قال: "والتعبير عن هذه النهاية بالدعاء على الظالمين بالبعد والطرد الذي يحتمل عدة معان مذمومة شرها الطرد من رحمة الله" (٥).

стр. 73

ـ بيان سبب هلاك الأمم: عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [سورة هود: ٣]، قال: "والآية تتضمن نجاة هذه الأمة المحمدية من عذاب الاستئصال" (١). ـ علاقة الصلاح بالظلم: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [سورة هود: ١١٧]، قال: "والآية تدل على أن إهلاك المصلحين ظلم فلذلك يتنزه الله عنه" (٢). ـ النفاق وعلاقته بالطعن في النبوة: عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [سورة التوبة: ٦١]، قال: "والآية وما في معناها دليل على أن إيذاء الرسول كفر، إذا كان فيما يتعلق بصفة الرسالة" (٣). أمور يتحقق بها التوحيد وتقوم بها الشريعة: هناك أمور لا بد منها ليتحقق التوحيد وتقوم الشريعة، ذكرها الشيخ تحت أبواب متفرقة: • العلم: عند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [سورة البقرة: ١٢٠]، قال: "وفيه أن من سنن الله تأييد متبعي الهدى على علم صحيح وأنهم هم الغالبون المنصورون، وهو ما يعبر عنه علماء الاجتماع ببقاء الأمثل في كل تنازع بينه وبين ما دونه" (٤). وعند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٨]، قال: "ويستنبط من الآية أن الطريقة المثلى لإقامة الناس على صراط الحق والفضيلة إنما هي حملهم على ذلك بالعمل والتعويد" (٥) (٦) (٧). • الاعتصام: عند قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٣٢]، قال: "ويتضمن هذا النهي إرشاد من كان منحرفا عن الإسلام إلى عدم اليأس وأن يبادر بالرجوع إليه والاعتصام بحبله لئلا يموت على غيره " (٨).

стр. 74

• العقل وإعماله، واستخدامه في طرق الاستدلال: عند قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٠]، قال: "ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من عقائد الدين إذ لا يسلكون طريق العقل بالاستدلال على أن ما هم عليه من العقائد والعبادات حق، ولا يهتدون في أحكامه وأعماله بوحي من الله جاءهم به رسول من عند الله؟ أي حتى في تجردهم من دليلي العقل والنقل، هذا ما أفهمه" (١) (٢). • الحقوق وحفظ الكليات الخمس: عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ﴾ [سورة النساء: ٩٢]، قال: "وثم نكتة أخرى وهو أن في سماح المعاهد للمؤمن بالدية منة عليه، والكتاب العزيز الذي وصف المؤمنين بالعزة لا يفتح لهم باب هذه المنة" (٣) (٤). • الوسطية والعدالة: عند قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: ٢١]، قال: "وفي هذا تعظيم شأن الحكمة والعدالة ما فيه من شرف الإسلام وإرشاد أهله إلى أن يكونوا من أهل هذه المرتبة التي تلي مرتبة النبوة" (٥). • مسألة تعظيم القول على الله بغير علم ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة آل عمران: ١٧٩]، قال: "وقد ذهب وهم بعض الناس إلى أن الآية تدل على أن من اجتباهم الله من رسله يعلمون الغيب كله، وكل ذلك من الجرأة على الله - تعالى - والقول عليه بغير علم (٦). •

стр. 75

الكبائر والصغائر: ذكرها عند قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [سورة النساء: ١٨] فقال: "إن الإصرار على بعض أفراد الذنوب يغري صاحبه بأفراد أخرى من نوعها، أو جنسها، والشر داعية الشر، كما أن الخير داعية الخير" (١). • معرفة المقاصد: عند قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [سورة النساء: ١٣٤]، قال: "والآية تدل على أن الإسلام يهدي أهله إلى سعادة الدارين، وأن يتذكروا أن كلا من ثواب الدنيا وثواب الآخرة من فضل الله ورحمته" (٢). • فقه الإنكار: عند قوله تعالى: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [سورة النساء: ١٤٠]، قال: "ويؤخذ منه أن إقرار المنكر والسكوت عليه منكر، وهذا منصوص عليه أيضا، وأن إنكار الشيء يمنع فشوه بين من ينكرونه حتما، فليعتبر بهذا أهل هذا الزمان" (٣). • الوعد والوعيد: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة الأنعام: ١٢٣]، قال: "وهي تتضمن الوعيد لأكابر مجرمي مكة الماكرين والوعد، وذلك بالإيجاز الذي يستنبطه الأذكياء من أمثال هذه القواعد العامة" (٤). • الترغيب والترهيب: عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة يونس: ١٩]، قال: "والآية تتضمن الوعيد على اختلاف الناس المفضي إلى الشقاق والعدوان" (٥).

стр. 76

المطلب الثاني: الاستنباطات في علوم القرآن اختلفت عبارات العلماء في المراد بعلوم القرآن، من حيث المعنى العام أو الخاص، إلا أن عباراتهم لا تخرج عن أنها مباحث متعلقة بالقرآن من ناحية نزوله، وجمعه وتفسيره وأسباب نزوله وبيان ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، ومكيّه ومدنيّه، وغيرها من العلوم التي تعين على فهم معانيه وتدبرها (١). والمقصود هنا إظهار عناية الشيخ محمد رشيد بعلوم القرآن من خلال استنباطاته. وقد تنوعت استنباطاته بتنوع هذه العلوم: • علم التفسير: ـ تفسير القرآن بالقرآن: فرق ﵀ بين الولاية في سورة آل عمران وسورة المجادلة، فعند قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٢٨]، قال: "زعم الذين يقولون في الدين بغير علم، ويفسرون القرآن بالهوى في الرأي أن آية آل عمران وما في معناها من النهي العام أو الخاص، يدل على أنه لا يجوز للمسلمين أن يخالفوا أو يتفقوا مع غيرهم، وإن كان الخلاف أو الاتفاق لمصلحتهم، وإذا رجع المؤمن إلى سورة الممتحنة، التي فصلت فيها هذه المسألة ما لم تفصل في غيرها يجد الآية الأولى تقيد النهي عن موالاة أعداء الله ورسوله وإلقاء المودة إليهم بكونهم كفروا كفرا حملهم على إخراج الرسول والمؤمنين من وطنهم؛ لأنهم مؤمنون بالله، فكل شعب حربي يعامل المؤمنين مثل هذه المعاملة تحرم موالاته قطعا" (٢) (٣) (٤).

стр. 77

وبما أن التفسير الموضوعي صورة من صور تفسير القرآن بالقرآن فقد ذكر الشيخ استنباطا يوضح هذا الأسلوب من أساليب التفسير (١). ـ تفسير القرآن بالسنة: تقدم اهتمام الشيخ ﵀ بالسنة النبوية ومن ذلك استخدامه لها في استنباط بعض المعاني ومن ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٦]، قال: "قال النبي ﷺ : ((أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصما ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم)) (٢) وفي رواية: أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتهليل والتكبير إذا علوا عقبة أو ثنية، وليس في هذه الروايات ذكر الآية ولكن الحديث في المقام؛ فإنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير المأمور به في الآية السابقة، فدلت الآية على ما صرح به الحديث من النهي، فكان الحديث تفسيرا لها بل هو عمل بها" (٣). ـ التفسير العلمي: عند قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [سورة الأنعام: ٦٥]، قال: "ومثال ما عبر القرآن عنه مما يشمل ما لم يكن في زمن تنزيله ولا فيما قبله، بحسب ما يعلم البشر هذه الآية التي ظهر تفسيرها في هذا الزمان بهذه الحرب الأوربية التي لم يسبق لها نظير؛ فقد أرسل الله على الأمم عذابا من فوقها بما تقذفه الطيارات والمناطيد من المقذوفات النارية والسموم البخارية والغازية التي لم تعرف قبل هذه الحرب فوق مقذوفات المدافع وغيرها مما كان معروفا قبلها، ولكن بعد تنزيل الآية - وعذابا من تحتها بما يتفجر من الألغام النارية، وبما ترسله المراكب الغواصة في البحر التي اخترعت في هذا العصر، ولبسها شيعا متعادية، وأذاق بعضها بأس بعض، فحلّ بها من التقتيل والتخريب ما لم يعهد له نظير في الأرض، ولا شك في أن دلالة الآية على هذه المخترعات مراد، لأن الله تعالى منزل القرآن هو علام الغيوب" (٤). ـ أساليب القرآن: أشار الشيخ محمد رشيد إلى بعض الاستنباطات من أساليب القرآن الكريم، ومن ذلك عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [سورة الأنعام: ١٢]، قال: "قفى سبحانه على ذلك بتلقينه في هذه الآيات أسلوبا آخر من إقامة الحجج على قومه، وهو أسلوب السؤال والجواب، في موضع فصل الخطاب وإن كان تكرارا لمعنى سبق أو اشتمل على التكرار، وحكمة ذلك أن التنويع في الاحتجاج والتفنن في أساليبه من ضروريات الدعوة إلى الدين، أو إيراد عدة أدلة بأسلوب واحد قد يفضي إلى سآمة الداعي من التكرار على رغبته في الدعوة وتفانيه في نشرها وإثباتها، فكيف يكون تأثيره في المدعوين الكارهين له ولها، إذا لم يعقلوا الدليل الأول أو لم تتوجه قلوبهم إلى تدبر الأسلوب الواحد المشتمل على عدة أدلة" (٥).

стр. 78

ـ المناسبات بين الآيات: من المباحث التي استنبط منها الشيخ بعض المعاني، عند قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [سورة البقرة: ١٤٢]، قال: "وقد ابتدأ الكلام في هذه المسألة ببيان ما يقع من اعتراض اليهود وغيرهم على التحويل وإخبار الله نبيه والمؤمنين به قبل وقوعه، وتلقينهم الحجة البالغة عليه والحكمة السديدة فيه، ويتضمن هذا بيان سر من أسرار الدين وقاعدة عظيمة من قواعد الإيمان، كان أهل الكتاب في غفلة عنها وجهل بها، فهذه الآيات متصلة بما قبلها في كونها محاجة لأهل الكتاب في أمر الدين؛ لإمالتهم عن التقليد الأعمى فيه، والجمود على ظواهره من غير تفقه فيه ولا نفوذ إلى أسراره وحكمه التي لم تشرع الأحكام إلا لأجلها" (١) (٢). وعند قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة آل عمران: ٢٦]، قال: "وقد نظرنا فيما وقع للغابرين والحاضرين ومحّصنا أسبابه، فألفيناها ترجع إلى سنن مطردة، وبين بعض هذه السنن في نزع الملك ممن يشاء وإيتائه من يشاء، وبهذا يظهر وجه اتصال الآية بما قبلها وكونها بمثابة الدليل لقوله السابق: (قل للذين كفروا ستغلبون)، فهي تتضمن تأكيد الوعد بنصر النبي ﷺ وغلب أعدائه من أهل الكتاب والمشركين" (٣). ـ التدبر: من المعاني التي أشار إليها الشيخ محمد في استنباطاته، فعند قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: ٨٢]، قال: "وفيه أن تدبر القرآن فرض على كل مكلف لا خاص بنفر يسمون المجتهدين يشترط فيهم شروط ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما الشرط الذي لا بد منه ولا غنى عنه، هو معرفة لغة القرآن مفرداتها وأساليبها" (٤). ـ الإعجاز: من اهتمام الشيخ بمبحث الإعجاز، عقد فصلا في تحقيق وجوه الإعجاز (٥)، ومن وجوه الإعجاز مخالفته لما عهد في كلام العرب، وكذا استنبط بعض المعاني في إعجاز القرآن، فعند قوله تعالى: ﴿الم (١)﴾ [سورة البقرة: ١]، قال: "إن عدم إعرابها يرجح أن حكمة افتتاح بعض السور المخصوصة بها للتنبيه لما يأتي بعدها مباشرة من وصف القرآن والإشارة إلى إعجازه؛ لأن المكي منها كان يتلى على المشركين للدعوة إلى الإسلام، ومثل هذه السورة وما بعدها لدعوة أهل الكتاب إليه وإقامة الحجج عليهم به (٦).

стр. 79

ـ الأمثال وفوائدها: ذكرها الشيخ وذكر شيئا من فوائدها مما يبين أهميتها، فعند قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [سورة الأعراف: ١٧٦]، قال: "والآية تدل على تعظيم شأن ضرب الأمثال في تأثير الكلام، وكونه أقوى من سوق الدلائل والحجج المجردة، ويدل على تعظيم شأن التفكر، وكونه مبدأ العلم وطريق الحق" (١).

стр. 80

المطلب الثالث: الاستنباطات الأصولية والفقهية يقصد بها الأحكام الشرعية العلمية المستفادة من الآيات القرآنية المتعلقة بأفعال المكلفين من حيث تكليفهم بها (١). والمراد بالقواعد الأصولية: "القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. وهذه القواعد نوعان: قواعد لغوية: كقولنا: اللفظ العام يتناول جميع أفراده قطعا ما لم يخصص، والمشترك بين معنيين أو أكثر لا يراد به إلا معنى واحد، إلى آخر القواعد اللغوية التي اشتمل عليها علم الأصول. قواعد شرعية: وهي المتعلقة بالأسس التي بنى عليها الشارع أحكامه، والأغراض التي تحقق مصالح العباد، وأن الأحكام الشرعية تقوم على دعامتين: جلب المنافع ودفع المفاسد، وهكذا" (٢). وأما القاعدة الفقهية فهي: "الأمر الكلي الذي ينطبق على جزئيات كثيرة يفهم أحكامها منها" (٣). الفرق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقيهة: "إن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفا وعلوا، اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدهما: المسمى بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك وما خرج عن هذا النمط، إلا كون القياس حجة وخبر الواحد وصفات المجتهدين. والقسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه" (٤).

стр. 81

ويعد الشيخ محمد رشيد ممن عني عناية فائقة بعلم أصول الفقه، ويظهر ذلك من قوله: "ولما تصدى بعض العلماء في القرن الثاني والثالث لاستنباط الأحكام واستخراج الفروع من أصولها - ومنهم الأئمة الأربعة - كانوا يذكرون الحكم بدليله على هذا النمط، فهم متفقون مع الصحابة والتابعين - عليهم الرضوان - على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد في الدين ما لم يعرف دليله ويقتنع به، ثم جاء من العلماء المقلدين في القرون الوسطى من جعل قول المفتي للعامي بمنزلة الدليل، مع قولهم بأنه لو بلغه الحديث فعمل به كان ذلك أولى، ثم خلف خلفٌ أعرق منهم في التقليد، فمنعوا كل الناس أخذ أي حكم من الكتاب أو السنة، وعدّوا من يحاول فهمهما والعمل بهما زائغا، وهذا غاية الخذلان وعداوة الدين، وقد تبعهم الناس في ذلك فكانوا لهم أندادا من دون الله، وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبر الله" (١). وقد بلغت استنباطات الشيخ الأصولية قرابة ٤٠ استنباطا من جملة ما تم بحثه. وتنوعت استنباطاته فشملت المسائل الأصولية اللغوية: ـ مسألة العموم والخصوص، عند قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٩]، قال: "خص بالنداء أصحاب العقول الكاملة، مع أن الخطاب عام للتنبيه على أن ذا اللب هو الذي يعرف قيمة الحياة والمحافظة عليها، ويعرف ما تقوم به المصلحة العامة وما يتوسل به إليها" (٢) (٣). ـ مسالة الأمر أعم من النهي: عند قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة المائدة: ٨٨]، قال: "والأمر بالتقوى في هذا المقام أوسع معنى وأعم فائدة من النهي عن الإسراف في آية الأعراف التي أوردناها آنفا " (٤). ـ مسألة عطف الخاص على العام: عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٨]، قال: "ذكر الأكل مجملا عاما، ثم بين نوعا منه خصه بالنهي عنه مع دخوله في العام لما يقع من الشبهة فيه لبعض الناس" (٥).

стр. 82

ـ قاعدة الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة: عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [سورة المائدة: ٢]، قال: "فهذا تصريح بمفهوم قوله في الآية السابقة: (غير محلي الصيد وأنتم حرم)، والأصل في الأمر بالشيء يجيء بعد حظره: أن يكون للإباحة، أي رفع ذلك الحظر" (١) (٢). ـ قاعدة النهي عن الشيء أمر بضده: عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢]، قال: "دليل على أن العالم بما فيه مصلحة الناس يجب عليه إذا دعي إلى القيام بها أن يجيب الدعوة؛ ولذلك لم يكتف بالنهي عن الإباء عن الكتابة بل أمر بها أمرا صريحا فقال: فليكتب، وهذا ظاهر لا سيما على قول من قال من أهل الأصول: إن النهي عن الشيء ليس أمرا بضده" (٣). ـ قاعدة النهي عن قرب الشيء أبلغ من النهي عنه: عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [سورة الأنعام: ١٥٢]، قال: "والنهي عن قرب الشيء أبلغ من النهي عنه، لأنه يتضمن النهي عن الأسباب والوسائل التي تؤدي إليه وتوقع فيه" (٤) (٥)، وقاعدة النهي عن الشيء يستلزم ضده (٦). ولشدة عنايته بعلم الأصول ذكر طرق الاستدلال ، وبيّن كيف يستنبط منها، ومن هذه الطرق: ـ طريقة الاستدلال بالقواعد الأصولية: عند قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [سورة البقرة: ٢١٩]، قال: "ثم فطنت بعد ذلك إلى قاعدة عظيمة من قواعد التشريع الإسلامي، بيّنتها في المنار وفي التفسير، واستدللت عليها بهذه الآية، وهي أن ما كانت دلالته على التحريم من النصوص ظنية غير قطعية لا يجعل تشريعا عاما تطالب به كل الأمة (٧)، وصرحت بالأمر باجتنابه، وهو أبلغ من الأمر بالترك" (٨) (٩).

стр. 83

ـ طريقة استقراء النصوص ، قال عند قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [سورة المائدة: ٨٩]، "فمجموع الآيات في المائدة والبقرة والنحل يدل على أن المؤاخذة في الأيمان إنما تكون في المؤكد الموثق منها بالقصد الصحيح والنية" (١) (٢). ـ مسألة العقل ودلالاته: عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الأنعام: ١٥١] قال: "وفيه تعريض بأن ما هم عليه من الشرك وتحريم السوائب وغيرها، مما لا تعقل له فائدة، ولا تظهر للأنظار الصحيحة فيه مصلحة" (٣). وعند قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٨]، قال: "فهذا القول تكذيب لهم من طريقي العقل والنقل، أما الأول فتقريره أن هذا الفعل لا خلاف بينكم وبيننا في أنه من الفحشاء أي أقبح القبائح، والله تعالى منزه بكماله المطلق الذي لا شائبة للنقص فيه أن يأمر بالفحشاء" (٤). ـ مسألة العرف: عند قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٨]، قال: "والآية تدل على اعتبار العرف في حقوق كل من الزوجين على الآخر، ما لم يحل العرف حراما أو يحرم حلالا مما عرف بالنص، والعرف يختلف باختلاف الناس والأزمنة" (٥) (٦). ـ مسألة حجية الإجماع: عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [سورة النساء: ١١٥]، قال: "ومن مباحث الأصول في هذه الآية استدلال بعضهم بها على حجية الإجماع، لأن مخالفه متبع غير سبيل المؤمنين، وعبّر بعضهم في بيان حجيته بأنه هو سبيل المؤمنين، وقد علمت أن الإجماع الذي يعنونه هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة نبيها في أي عصر على أي أمر، والآية إنما نزلت في سبيل المؤمنين في عصره لا بعد عصره، وأتذكر أنني بينت عدم اتجاه الاستدلال بالآية على حجية الإجماع في المنار، وكذلك رده الأستاذ الإمام والإمام الشوكاني في إرشاد الفحول" (٧).

стр. 84

ـ مسألة الترجيح: عند قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]، قال: "وآية آل عمران في التصريح بفرضيته نزلت قبل هذه الآيات فيما يظهر، ولهذا قال الجمهور: إن الحج فرض سنة تسع، والصواب أنه فرض قبلها ونفذ فيها" (١). ـ مسألة العلة: عند قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩]، قال: "القاعدة أن ترتيب الحكم على المشتق يدل على أن مصدره علة له، والموصول مع صلته هنا كذلك" (٢) (٣) (٤). ـ مسألة رد المتشابه إلى المحكم: عند قوله تعالى: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٢]، قال: "وجملة القول: إن زيادة الإيمان ثابتة بنص هذه الآية وآيات أخرى"، ثم قال: "فمن العجب بعد هذا أن تنقل هفوة لبعض العلماء أنكر فيها زيادة الإيمان بالمعنى المصدري لشبهة نظرية، ويجعل مذهبا يقلد صاحبه فيه تقليدا، وتأول الآيات والأحاديث لأجله تأويلا" (٥). ـ مسألة العلم أبلغ من الشواهد: عند قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٩]، قال: "فعلمه بربه وبوقت استجابته له أقوى وأعلى من أن يستنبطه استنباطا من حال أبي بكر ﵁" (٦). وهناك قواعد أصولية ذكرها ومن ذلك: ـ قاعدة الأمور بمقاصدها: عند قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]، قال: "وهنا وجه (رابع) لترجيح هذا القول ظهر لي الآن؛ وهو تعليل الحكم بالنهي عن المضارة بالولد" (٧) (٨) (٩) (١٠).

стр. 85

ـ مقاصد الشريعة: عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة الأنعام: ١٦٤]، قال: "وهي قاعدة من أصول دين الله تعالى الذي بعث به جميع رسله، وهادية للبشر إلى ما تتوقف عليه سعادتهم الدنيوية والأخروية" (١) (٢). ـ قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: عند قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [سورة البقرة: ٢٦٣]، قال: "إن هذه الآية مقررة لقاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" التي هي من أعظم قواعد الشريعة" (٣). ـ مسائل حفظ الحقوق، كحفظ المال: عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٣]، قال: "إن في جعل عدم وجدان الكاتب مقيدا بحال السفر إشارة إلى أنه ليس من شأن مواطن الإقامة أن تكون خلوا من الكتاب" (٤) (٥). وغيرها من المسائل، كمسألة بطلان التقليد (٦)، ومسألة اتباع الدليل (٧)، غيرها من المسائل. أما استنباطات الشيخ محمد رشيد رضا الفقهية فقد تنوعت وشملت بعض أبوب الفقه. •

стр. 86

فذكر في جانب العبادات، استنباطات خاصة بالصلاة: ـ مسألة صلاة الجماعة: عند قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [سورة البقرة: ٤٣]، قال: "فاتني أن أذكر ما أفهمه أنا في هذا الأمر بعد الأمرين، وهو أنه أمر بصلاة الجماعة" (١). ـ مسألة صوم المريض: عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥]، قال: "إطلاق كلمة (مريضا) يدل على أن الرخصة لا تتقيد بالمرض الشديد الذي يعسر معه الصوم" (٢). ـ مسألة شروط صحة العبادة: عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [سورة البقرة: ١٩٩]، قال: "وقوله: (ثم) يفيد أن الإفاضة من مزدلفة يجب أن تكون مرتبة على الإفاضة من عرفات ومتأخرة عنها، ففيه تأكيد إبطال تلك العادة" (٣). أما في باب المعاملات فتنوعت كتنوع المعاملات، ومن ذلك: • باب النكاح وما فيه من معاملات خاصة: ـ مسألة المهر: عند قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة النساء: ٢٤]، قال: "إن تسمية المهر هنا أجرا، أي ثوابا وجزاء لا ينافي ملاحظة ما في الزوجية من معنى سكون كل من الزوجين إلى الآخر وارتباطه معه برابطة المودة والرحمة، فرض لها سبحانه في مقابلة هذا الامتياز الذي جعله للرجل جزاء وأجرا تطيب به نفسها " (٤). ـ مسألة القوامة: عند قوله تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩]، قال: "والآية ترشد إلى أن المرأة تابعة للرجل في السكنى والمعيشة باقتضاء الفطرة، وهو الحق الواقع الذي يعد ما خالفه شذوذا" (٥). ـ مسألة هل الأفضل النكاح أم تركه: عند قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٣٩]، قال: "إن الآية ليست نصا ولا ظاهرة في ذلك، وسنة النكاح أفضل سنن الفطرة لأنها قوام هذه الحياة الدنيا " (٦). ـ مسألة نكاح زوجة الأب: عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [سورة النساء: ٢٢]، قال: "قدم هذا النكاح على غيره، وجعله في آية خاصة، ولذلك ذمه بمثل ما ذم به الزنا" (٧). • مسائل المعاملات المالية: ـ مسألة الدعوة إلى الاعتدال والترشيد في النفقة: عند قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٣]، قال: "يدل على أن النفقة المشروعة تكون بعض ما يملك الإنسان لا كل ما يملك، فهو ركن من أركان الاقتصاد، والإنفاق في سبيل الله أظهر آيات الإيمان الصحيح" (٨)، والقصد في أمور الحياة (٩).

стр. 87

ـ مسألة حفظ الحقوق بكتابة الديون: عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢]، قال: "وهو دليل أيضا على أن الكتابة واجبة في القليل والكثير، قاعدة عظيمة من قواعد الاقتصاد، والعمل بها آية الكياسة والعقل، وكم من حريص على الدرهم والدانق يجود بالدنانير والبدر" (١). ـ مسألة الوفاء بالعقود: عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة: ١]، قال: "وأساس العقود الثابت في الإسلام هو هذه الجملة البليغة المختصرة المفيدة (أوفوا بالعقود) وهي تفيد أنه يجب على كل مؤمن أن يفي بما عقده وارتبط به، وليس لأحد أن يقيد ما أطلقه الشارع إلا ببينة منه" (٢). ـ مسائل الحل والحرمة في المأكل: عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [سورة آل عمران: ٩٣]، قال: "والمتبادر عندي: أن المراد بما حرمه إسرائيل على نفسه ما امتنعوا عن أكله وحرموه على أنفسهم بحكم العادة والتقليد لا بحكم من الله" (٣). (٤). ـ مسألة حكم المرتد: عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة آل عمران: ٧٢]، قال: "ويظهر لي أن النبي ﷺ ما أمر بقتل المرتد إلا لتخويف أولئك الذين كانوا يدبرون المكايد لإرجاع الناس عن الإسلام بالتشكيك فيه" (٥). ـ مسألة التولي يوم الزحف: عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [سورة الأنفال: ١٥]، قال: "والآية تدل على أن الفرار من الزحف من كبائر المعاصي" (٦)، ومراتب الجهاد (٧).

стр. 88

ـ مسألة الاستنباط والمعنيين به: عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٨٣] (١). ـ مسألة التحية: عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [سورة النساء: ٨٦]، قال: "علم من الآية الجواب عن التحية له مرتبتان: أدناهما ردها بعناية، وأعلاهما الجواب عنها بأحسن منها، فالمجيب مخير، ولا دليل على هذه التفرقة من لفظ الآية ولا من السنة" (٢).

стр. 89

المطلب الرابع: الاستنباطات اللغوية والبلاغية المقصود: أن يذكر المستنبط دلالة خفية لحكم لغوي مجمع عليه أو مختلف فيه، إما مستدلاً لقول أو مرجحاً له، أو معترضاً عليه (١). وطريق الاستنباط هنا، هي: استعمال القرآن، فمتى ما صح الاستعمال في القرآن فهو دليل على صحته لغةً، فالقرآن يستدل به في اللغة ولا يستدل عليه (٢). والشيخ محمد رشيد ﵀ ممن عني عناية فائقة باللغة ويعد من أهلها، وقد جاءت استنباطاته في هذا الجانب كثيرة، ومتنوعة فكانت على النحو التالي: • استنباطات خاصة بباب العطف في اللغة ، وقد بين الشيخ أثر العطف على المعنى واستنبط منه جملة من المعاني، ومن ذلك: ـ مسألة ترك العطف بسبب التباين: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة البقرة: ٦]، قال: "هذا بيان لحال القسم الثاني من أقسام الناس تجاه هداية القرآن، وقد قطعه وفصله مما قبله، فلم يعطفه عليه للإشارة إلى ما بينهما من طول شقة الانفصال وعدم المشاركة في شيء ما، بخلاف القسم الثالث الآتي، فإن لهم حظا منه في الدنيا ولمن يتوب منهم حظ في الآخرة أيضا " (٣). ـ مسألة أثر العطف على المعنى: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة آل عمران: ٥٩]، قال: "والعطف بـ (ثم) لبيان التكوين الآخر يفيد تراخيه وتأخره عن الخلق الأول" (٤) (٥).

стр. 90

ومما تفرد به: عند قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [سورة التوبة: ٦٨]، قال: "والظاهر من العطف أنه نوع من العذاب نفسي معنوي غير عذاب جهنم الحسي الخاص بها بنوعيه الظاهر والباطن" (١). ـ مسألة أثر العطف بالواو على المعنى: عند قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [سورة هود: ٩٤]، قال: "ومن دقيق نكت البلاغة في الآيات قوله تعالى في إهلاك مدين هنا: - (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا - إلخ)، فعطف "لما" على ما قبلها بالواو، ومثله في قوم هود، ولكنه عطفها بالفاء في قصة ثمود (٦٦)، وقصة قوم لوط، ووجه هذا الأخير أن الآيتين جاءتا عقب الإنذار بالعذاب واستحقاقه وحلول موعده فعطفتا بالفاء الدالة على التعقيب، أما الثاني ففيه وعيد مسوف فيه مقرون بالارتقاب لا الاقتراب، فلا يناسب العطف عليه الفاء التي تفيد التعقيب بدون انفصال، فهل تصادف مثل هذه الدقائق اللغوية اللغوية في غير القرآن؟ " (٢). ـ مسألة العطف على محذوف: عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس: ١٠٣]، قال: "هذا التعبير من أعجب إيجاز القرآن المعجز الذي انفرد به في العطف على محذوف، وهو ذكر شيء يدل دلالة واضحة على أمر عام كسنة اجتماعية تستنبط من قصة أو قصص واقعة، ثم يأتي بجملة معطوفة لا يصح عطفها على ما قبلها من الجمل، فيتبادر إلى الذهن وجوب عطفها على ذلك الأمر العام، بحرف العطف المناسب للمقام، بحيث يستغنى به عن ذكره" (٣). • ومما استنبطه الشيخ أثر الجملة الفعلية على المعنى ، وذكر فيها عدة مسائل منها: ـ مسألة دلالة الأفعال وأثرها على المعنى: عند قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [سورة المائدة: ٧٠]، قال: "والتعبير عن القتل بالمضارع مع كونه كالتكذيب وقع في الماضي نكتته تصوير جرم القتل الشنيع واستحضار هيئته المنكرة كأنه واقع في الحال للمبالغة في النعي عليهم والتوبيخ لهم. فقد أفادت الآية أنهم بلغوا من الفساد واتباع أهوائهم أخشن مركب وأشده تقحما بهم في الضلال حتى لم يعد يؤثر في قلوبهم وعظ الرسل وهديهم، بل صار يغريهم بزيادة الكفر والتكذيب وقتل أولئك الهداة الأخيار (٤).

стр. 91

ـ مسألة امضاء الفعل الماضي موضع المضارع: عند قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [سورة الأنعام: ١١٥]، قال: "الفعل الماضي فيها "تمت" بمعنى المستقبل، فهو لتحقق وقوعه كأنه وقع، وهذا من ضروب المبالغة البليغة" (١) (٢). ـ مسألة الجار والمجرور وأثرها على المعنى: عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٤٥]، قال: "وتقديم الجار والمجرور (بالآخرة) على متعلقه للاهتمام به فإن أصل كفرهم قد علم مما قبله وهذا النوع منه له تأثير خاص في إصرارهم على ما أسند إليهم، وقد غفل عن هذا من قال إن التقديم لأجل رعاية الفاصلة" (٣). ـ مسألة التقديم والتأخير: عند قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس: ٥٨]، قال: "والتعبير في غاية البلاغة لما فيها من التأكيد والمبالغة في التقرير، فإن أصل المعنى بدونهما: قل ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، فأخر الأمر وقدم عليه متعلقه لإفادة الاختصاص، كأنه قال: إن كان في الدنيا شيء يستحق أن يفرح به فهو فضل الله ورحمته، وأدخل عليه (الفاء) لإفادة معنى السببية فصار فيهما (فليفرحوا) دون ما يجمعون من متاع الدنيا المبين في آخر الآية ثم أدخل على الأمر (فبذلك) لزيادة التأكيد والتقرير" (٤). ـ وقال: "ويعلم مما تقدم أن تقديم ذكر الصابرين على ما بعده لأنه كالشرط إذ لا يتم بدونه الصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار في الأسحار" (٥)، عند قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [سورة آل عمران: ١٧] ـ مسألة اختلاف دلالة الألفاظ على المعاني، كاختلاف التعبير: عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النساء: ١٤١]، قال: "والنكتة في التعبير عن ظفر المؤمنين بالفتح وأنه من الله، وعن ظفر الكافرين بالنصيب هي إفادة أن العاقبة في القتال للمؤمنين" (٦).

стр. 92

ـ واختلاف لفظ (أحل لكم الطيبات، وقوله حل لكم) (١)، واختلاف لفظ (يعملون، ويصنعون) (٢)، ولفظ (ما أنزل، وما أوتي) (٣)، ولفظ (سوف، وفسوف) (٤). • واستنبط في باب البلاغة وخاصة علم المعاني، باب المسند والمسند إليه، من مسألة خروج الكلام على مقتضى الظاهر، استنباطات عدة، منها: عند قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٧]، قال: "وقد أسند الختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلى الله تعالى؛ لأنه بيان لسنته تعالى في أمثالهم، وعبر عنه بالماضي للدلالة على أنه أمر قد فرغ منه، وهو لا يدل على أنهم مجبورون على الكفر، ولا على منع الله تعالى إياهم منه بالقهر، وإنما هو تمثيل لسنته تعالى في تأثير تمرنهم على الكفر وأعماله في قلوبهم بأنه استحوذ عليها" (٥). ـ وعند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٩]، قال: "وضع الاسم المظهر موضع المضمر للإيذان بأنهم إنما كانوا كذلك بكفرهم وأن ذلك يرد في أمثالهم" (٦). (٧) (٨) (٩). ـ واستنبط في مسائل العموم والخصوص مسائل، منها: عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٥٣]، قال: "والتحقيق أنه عام في كل عمل نفسي أو بدني أو ترك يشق على النفس، كما يدل عليه حذف متعلقه" (١٠)، ودلالة العموم من لفظ الاستغراق (١١)، ومسألة التخصيص من اللفظ العام (١٢)، وعطف الخاص على العام (١٣). (١٤).

стр. 93

• وكان للفاصلة القرآنية أثر على المعنى، ومن ذلك ما استنبطه الشيخ محمد رشيد ﵀، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٧٣]، قال: "ومن مباحث البلاغة في الآية أن ذكر (غفور) له فيها نكتة دقيقة لا تظهر إلا لصاحب الذوق الصحيح في اللغة، فقد يقال: إن ذكر وصف الرحيم ينبئ بأن هذا التشريع والتخفيف بالرخصة من آثار الرحمة الإلهية، وأما الغفور فإنما يناسب أن يذكر في مقام العفو عن الزلات والتوبة عن السيئات، والجواب عن هذا أن ما ذكر في تحديد الاضطرار دقيق جدا، ومرجعه إلى اجتهاد المضطر، ويصعب على من خارت قواه من الجوع أن يعرف القدر الذي يمسك الرمق ويقي من الهلاك بالتدقيق وأن يقف عنده، والصادق الإيمان يخشى أن يقع في وصف الباغي والعادي بغير اختياره، فالله تعالى يبشره بأن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في ذلك مغفور له ما لم يتعمد تجاوز الحدود، والله أعلم" (١). • ومن المباحث التي استنبط منها الشيخ محمد معنى التأكيد، مبحث التكرار: عند قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [سورة هود: ١٥]، قال: "وكرر لفظ (فيها) للتأكيد والإعلام بأن الآخرة ليست كالدنيا في وفاء كيل الجزاء وفي بخسه، فإنه فيها منوط بأمرين: كسب الإنسان، ونظام الأقدار، وقد يتعارضان، وأما جزاء الآخرة فهو بفعل الله - تعالى - مباشرة: (ولا يظلم ربك أحدا) (١٨: ٤٩) " (٢).

стр. 94

المطلب الخامس: الاستنباطات التربوية والسلوكية ونعني بها تلك الأحكام أو الفوائد المستخلصة من الآيات القرآنية التي تعنى بمكارم الأخلاق وفيها تقويم للسلوك، وذلك أن القرآن الكريم كتاب هداية، ولا تستبين هداياته إلا لمن وفقه الله. والشيخ محمد رشيد ممن نهل من نبع القرآن، وحمل على عاتقه لواء الإصلاح ولا يكون الإصلاح إلا باتباع آداب وسلوكيات مستنبطة من الآيات القرآنية. ومن استنباطاته: ـ مسألة الأدب في طلب العلم: فعند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [سورة البقرة: ١٠٤]، قال: "لا شك أن من يعامل أستاذه ومرشده معاملة المساواة في القول والعمل، يقل احترامه له وتزول هيبته من نفسه حتى تقل الاستفادة منه أو تعدم، وإذا لم تزل الاستفادة منه من حيث كونه معلما، وأنه في حاجة للاستفادة من علمه وإرشاده ومن أخلاقه وآدابه، فإنه لا يستطيع أن يساوي نفسه به في المعاملة القولية ولا الفعلية، إلا ما يكون من فلتات اللسان ومن اللمم، وعن مثل هذا نُهي الصحابة ﵃؛ لئلا يجرهم الأنس به ﷺ وكرم أخلاقه إلى تعدي حدود الأدب الواجب معه الذي لا تكمل التربية إلا بكماله، وهو - تعالى - يقول: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (٣٣: ٢١) الآية" (١).

стр. 95

ـ مسألة عقاب طالب العلم: عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: ٥٢]، قال: "ويستنبط من الآية ألا يجوز لرؤساء المدارس الدينية ولا ينبغي لغيرهم عقاب أحد من طلاب العلم بالحرمان من بعض الدروس فضلا عن طرده من المدرسة، وحرمانه من تلقي الدين والعلم ألبته، ولكن قد يجوز ذلك بمقتضى نظام لا لأجل الانتقام" (١). ـ مسألة في باب النصيحة: عند قوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٦٢]، قال: "فعلم منه أن الأصل في النصيحة أن يقصد بها صلاح المنصوح له لا الناصح، فإن كان له فائدة منها وجاءت تبعا فلا بأس، وإلا لم تكن النصيحة خالصة" (٢). ـ ومما انفرد به ﵀ في هذا الباب، أركان الهداية من القرآن: عند قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة المائدة: ٢]، قال: "أما الأمر بالتعاون على البر والتقوى فهو من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن؛ لأنه يوجب على الناس إيجابا دينيا أن يعين بعضهم بعضا على كل عمل من أعمال البر التي تنفع الناس أفرادا وأقواما في دينهم ودنياهم، وكل عمل من أعمال التقوى التي يدفعون بها المفاسد والمضار عن أنفسهم، فجمع بذلك بين التحلية والتخلية، ولكنه قدم التحلية بالبر، وأكد هذا الأمر بالنهي عن ضده؛ وهو التعاون على الإثم بالمعاصي وكل ما يعوق عن البر والخير" (٣).

стр. 96

المطلب السادس: الاستنباطات الاجتماعية ونقصد بها: المعاني المستخلصة من الآيات القرآنية التي ترتبط بعلاقات أفراد المجتمع فيما بينهم على اختلاف طبقاتهم، وما يتبع ذلك من أحكام، إذ علم الاجتماع "علم يبحث في العلاقات التي تربط بين الكائنات البشرية، كوشائج القربى وأواصر الصداقة والخصومات والأوضاع والمبادلات التجارية" (١).

стр. 97

والشيخ محمد رشيد رضا من أعلام الإصلاح الاجتماعي، وقد أصّل في تفسيره لمبادئ هذا العلم الذي كان في طور التكوين واستخلاص القواعد فيه. ومن تلك الاستنباطات: ـ مسألة تنازع البقاء بين المتقابلات: عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [سورة الأنعام: ١١٢]، قال: "وحكمة عداوة الأشرار للأخيار هي ما يعبر عنه في عرف علماء الاجتماع البشري بسنة تنازع البقاء بين المتقابلات التي تفضي بالجهاد والتمحيص إلى ما يسمونه (سنة الانتخاب الطبيعي) أي انتصار الحق وبقاء الأمثل" (١). ـ مسألة العدل في المعاملات، وأنها من أركان الإصلاح الاجتماعي: عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة الأنعام: ١٦٤]، قال: "هي قاعدة من أصول دين الله تعالى الذي بعث به جميع رسله كما قال في سورة النجم: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [سورة النجم: ٣٦ - ٣٩]، وهي من أعظم أركان الإصلاح للبشر في أفرادهم وجماعاتهم، لأنها هادمة لأساس الوثنية، وهادية للبشر إلى ما تتوقف عليه سعادتهم الدنيوية والأخروية" (٢). ـ وعند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١٦٥]، قال: "هذه الآية مبينة لبعض أحوال البشر التي نعبر عنها في عرف هذا العصر بالسنن الاجتماعية" (٣)، ثم قال: "فهذه الهداية الاجتماعية مقررة لعقيدة التوحيد وهادمة لقواعد الشرك التي اعتادها الناس". ـ انفرد ﵀ بالاستدلال بآية على قاعدة اجتماعية: عند قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [سورة هود: ١١٦]، قال: "ونقول: لأن الأحياء يهلك منهم الأضعف فالأضعف أولا، ويبقى الأقوى فالأقوى، ومن هذا ما يعرف في علم الاجتماع بسنة الانتخاب الطبيعي، وهو إفضاء تنازع الأحياء إلى بقاء الأمثل والأصلح" (٤).

стр. 98

المطلب السابع: الاستنباطات في السياسة الشرعية مدلول السياسة الشرعية من خلال استقراء مضامين المؤلفات الفقهية في السياسة الشرعية تؤول إلى معنيين (١): الأول: معنى عام، مرادفـ لـ (الأحكام السلطانية)، التي هي: اسم للأحكام والتصرفات التي تدبر بها شؤون الدولة الإسلامية، في الداخل والخارج، وفق الشريعة الإسلامية، سواء كان مستند ذلك نصاً خاصاً، أو إجماعاً أو قياساً، أو كان مستنده قاعدة شرعية عامة؛ وعليه: فالسياسة الشرعية بالمعنى العام: تشمل الأحكام والتصرفات التي تدبّر بها شؤون الأمة في حكومتها، وتنظيماتها وقضائها، وسلطتها التنفيذية والإدارية، وعلاقتها بغيرها من الأمم في دار الإسلام وخارجها، سواء كانت هذه الأحكام مما ورد به نص تفصيلي جزئي خاص، أو مما لم يرد به نص تفصيلي جزئي خاص، أو كان من شأنه التبدل والتغير، تبعاً لتغير مناط الحكم في صور مستجدة. الثاني: معنى خاص، مندرج في السياسة الشرعية بالمعنى العام (الأحكام السلطانية)؛ واندراجه فيها من جهة طبيعة الأحكام، وأصول تشريعها؛ إذْ يُلمحُ في إفراد مسائلها، عدمُ ثبات الحكم، تبعا لاختلاف مناطه. يقول ابن القيم ﵀: "ومن له ذوق في الشريعة، وإطلاع على كمالاتها، وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح، تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها، وأن من له معرفة بمقاصدها ووضعها، وحسن فهمه فيها؛ لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة، فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة، فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة، تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشرعية، علمها من علمها وجهلها من جهلها"، إلى أن يقول: "فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعًا لمصطلحهم، وإنما هي عدل الله ورسوله" (٢). والمقصود بها هنا: اظهار ما استنبطه الشيخ محمد رشيد رضا في هذا الجانب، وكيف وظّف استنباطه لتوجيه هذه العلاقة بين الأمور السياسية والأمور الشرعية، وذلك من خلال استنباطاته التالية: ـ مسألة صفات الخليفة أو الملك: عند قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٧]، قال: "والمتبادر عندي، أن معناه فضّله واختاره عليكم بما أودع فيه من الاستعداد الفطري للملك، وإنما تذكر تتمة للفائدة وبيانا للحقيقة؛ ولذلك ذكرت قاعدة عامة لا وصفا له" (٣).

стр. 99

ـ مسألة الاهتمام ببناء الأفراد: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [سورة آل عمران: ١٤٤]، قال: "فهي لا تحصر الاستعداد لشيء من الأشياء في فرد من الأفراد، ولا تقصر القيام بأمر من الأمور على نابغ واحد من النابغين، قاعدة الاعتماد على التحقق بالعلوم والنهوض بالأعمال دون الاتكال على أفراد الرجال (١). ـ انفرد ﵀ في مسألة استيفاء شروط الجهاد: عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران: ٢٠٠]، قال: "المصابرة والمرابطة، وهي الرباط بمعنى مباراة الأعداء، ومغالبتهم في الصبر، وفي ربط الخيل، على الأصل الذي قرره الإسلام من مقاتلتهم بمثل ما يقاتلوننا به، فهي واجبة على المسلمين في هذا العصر؛ لأن الواجب من الاستعداد العسكري لا يتم إلا بها" (٢). ـ مسألة القتال لإقامة شعائر الدين: عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة النساء: ٧٦]، قال: "وفي هذه الآية من العبرة أن القتال الديني أشرف من القتال المدني، لأن القتال الديني في حكم الإسلام يقصد به الحق والعدل وحرية الدين" (٣). ـ مسألة إقامة الحدود: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [سورة المائدة: ٣٣]، قال: "إن الآية تدل دلالة صريحة على أن هذا العقاب خاص بمن يفسدون في الأرض بالسلب والنهب، ولا يتأتى ذلك إلا حيث يقام شرعه العادل من دار الإسلام" (٤). ـ مسألة الحمية للأعراق والأعراف الجاهلية دون الحمية للدين: عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [سورة المائدة: ٥١]، قال: "ونكتة التعبير عنهم باليهود والنصارى دون أهل الكتاب هي أن معاداتهم للنبي والمؤمنين إنما كانت بحسب جنسياتهم السياسية، لا من حيث أن كتابهم يأمرهم بذلك" (٥).

стр. 100

ـ مسألة حماية الدولة من الخيانة: عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [سورة الأنفال: ٢٧]، قال: "وفيه عبرة لمنافقي هذا الزمان الذين يخلصون الخدمة، ويسدون النصيحة إلى أعداء ملتهم وأوطانهم فيما يمكن لهم السلطان في بلادهم، والسيادة على أمتهم " (١).

стр. 101

المبحث الثاني: الاستنباط باعتبار ظهور وخفاء النص المستنبط منه . وفيه مطلبان: المطلب الأول: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه . المطلب الثاني: الاستنباط باعتبار خفاء النص المستنبط منه. المطلب الأول: الاستنباط باعتبار ظهور النص المستنبط منه ويقصد به: استخراج ما خفي من النص القرآني الظاهر المعنى -الواضح-. والاستنباط هنا مباشرٌ من النص، إذ المعنى المراد من الآية ظاهرٌ لا يحتاج إلى إيضاح. وعمل المُسْتنْبِطِ هنا: هو إعمال العقل في النص القرآني من خلال طرق الاستنباط الصحيحة لاستخراج مكنون ذلك النص، ثم بعد ذلك يعرض ما ينتج له من الفوائد والأحكام والمعاني على شروط صحتها ليسلم له ما استنبطه (١). وقد عمد الشيخ إلى الاستنباط من هذه النصوص، ومن ذلك: ـ قول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [سورة البقرة: ١٠٩]، قال: "وفي هذه الآية وما بعدها إشارة إلى أن لذلك بعض الأثر في نفوس بعض المسلمين، وفائدة هذا التنبيه أو التنبيهات أن يعلم المسلمون أن ما يبدو من أهل الكتاب أحيانا من إلقاء الشبه على الإسلام وتشكيك المسلمين فيه، إنما هو مكر السوء، يبعث عليه الحسد لا النصح الذي يبعث عليه الاعتقاد" (٢). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة البقرة: ٦]، قال: "هذا بيان لحال القسم الثاني من أقسام الناس تجاه هداية القرآن، وقد قطعه وفصله مما قبله، فلم يعطفه عليه للإشارة إلى ما بينهما من طول شقة الانفصال وعدم المشاركة في شيء ما، بخلاف القسم الثالث الآتي، فإن لهم حظا منه في الدنيا ولمن يتوب منهم حظ في الآخرة أيضا " (٣).

стр. 102

ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة: ٣٩]، قال: "إن هذه الجملة تدل على الحصر أو الاختصاص الإضافي، أي أولئك الكافرون المكذبون البعداء هم - دون متبعي هداي- أصحاب النار وأهلها هم فيها خالدون لا يظعنون عنها " (١). المطلب الثاني: الاستنباط باعتبار خفاء النص المستنبط منه النص هنا غير بيّن ويحتاج إلى بيان، فالاستنباط هنا متوقف على مقدمةٍ أساسية، وهي الرجوع للتفسير. ففي هذه النصوص ينبغي على المستنبط معرفة معنى الآية، وتفسيرها الصحيح قبل الاستنباط منها لكي يتسع الفهم والاستنباط (٢). وقد ظهر هذا النوع من الاستنباطات في ثنايا تفسير الشيخ محمد رشيد رضا ﵀، ومن ذلك: ـ قول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٤]، قال: "إن هذا الكفر والظلم مما يتهاون فيه المسلمون في هذه الأزمنة وفي أزمنة قبلها؛ لظنهم أن جميع ما في القرآن من وعيد الكافرين يراد به الكافرون بالمعنى الخاص في اصطلاح المتكلمين والفقهاء، وهم الجاحدون للألوهية أو للنبوة أو لشيء مما جاء به النبي ﷺ وعلم من الدين بالضرورة إجماعا، وهذه الآية نفسها تبطل ظنهم وفي معناها آيات كثيرة" (٣).

стр. 103

المبحث الثالث: الاستنباط باعتبار الإفراد والتركيب ، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الاستنباط باعتبار الإفراد . المطلب الثاني: الاستنباط باعتبار التركيب. المطلب الأول: الاستنباط باعتبار الإفراد يقصد به: أن يكون الاستنباط من نص مفرد بلا ضم إلى نص آخر (١). وهذا كثير في تفسير الشيخ محمد رشيد رضا ﵀، ومن ذلك: ـ قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٢]، "الأمر هنا للوجوب لا للإباحة، والطيبات ما طاب كسبه من الحلال، ويستلزم عدم تحريم شيء منها والامتناع عنها تدينا لتعذيب النفس، وهذا تنبيه بعد ما تقدم إلى عدم الالتفات إلى أولئك الحمقى الذين أبيحت لهم خيرات الأرض فطفقوا يحلون بعضها ويحرمون بعضا بوساوس شياطينهم وتقليد رؤسائهم" (٢).

стр. 104

ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٩]، "خص بالنداء أصحاب العقول الكاملة، مع أن الخطاب عام للتنبيه على أن ذا اللب هو الذي يعرف قيمة الحياة والمحافظة عليها، ويعرف ما تقوم به المصلحة العامة وما يتوسل به إليها، وهو مرتبتان: القصاص وهو العدل، والعفو وهو الفضل، كأنه يقول: إن ذا اللب هو الذي يفقه سر هذا الحكم وما اشتمل عليه من الحكمة والمصلحة، فعلى كل مكلف أن يستعمل عقله في فهم دقائق الأحكام، وما فيها من المنفعة للأنام، وهو يفيد أن من ينكر منفعة القصاص بعد هذا البيان، فهو بلا لب ولا جنان، ولا رحمة ولا حنان" (١). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٣]، "ومن فوائد هذا الأسلوب أن تكرار الأمر بالذكر وبيان مكانة التقوى، ثم الأمر بها تصريحا في هذه الآيات التي فيها من الإيجاز ما هو في أعلى درجات الإعجاز، حتى سكت عن بعض المناسك الواجبة للعلم بها، كل ذلك يدلنا على أن المهم في العبادة ذكر الله تعالى الذي يصلح النفوس وينير الأرواح، حتى تتوجه إلى الخير وتتقي الشرور والمعاصي، فيكون صاحبها من المتقين، ثم يرتقي في فوائد الذكر وثمراته فيكون من الربانيين" (٢) المطلب الثاني: الاستنباط باعتبار التركيب وهو استخراج المعاني البديعة والفوائد الدقيقة، بطريقة ضم النصوص بعضها إلى بعض، وهو قسم رفيع دقيق برز فيه عِلمُ العلماء من السلف والخلف ﵏ وتبين به مقدار ما وهبهم الله تعالى من ذكاء العقول وزكاء النفوس (٣). وهو ما يسميه ابن القيم "دلالة التركيب؛ وهو ضمُّ نصٍّ إلى نصٍّ أخر، وهي غير دلالة الاقتران، بل هي ألطف منها وأدقُّ وأصح" (٤). وكان الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ ممن برع في هذا النوع من الاستنباطات في تفسيره، ومن ذلك: ـ قوله ﵀: عند قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٧]، فبعد أن أورد قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [سورة الزمر: ٢٢]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾ [سورة الحديد: ١٣ - ١٤]، في تفسير قوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ)، "وفي هاتين الآيتين أصدق بيان للمراد من ذهاب الله بنورهم، وكونه ليس إجبارا لهم على الكفر، ولا عبارة عن سلبهم التمكن من الإيمان، وإنما هو تعبير عن سنة الله تعالى في عاقبة فتنتهم لأنفسهم" (٥)، وكذا مثال (٦).

стр. 105

ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [سورة البقرة: ١٨٦]، "جاء في الحديث الذي رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن من طرق إلى أبي عثمان النهدي عن أبي موسى قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال النبي ﷺ : (أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصما ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم)، وفي رواية: أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتهليل والتكبير إذا علوا عقبة أو ثنية، وليس في هذه الروايات ذكر الآية ولكن الحديث في المقام؛ فإنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير المأمور به في الآية السابقة، فدلت الآية على ما صرح به الحديث من النهي، فكان الحديث تفسيرا لها، بل هو عمل بها، وذكره ابن عادل في تفسيره من أسباب نزولها" (١). ـ وقال أيضا ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٣٦]، "ولعل نكتة اختلاف التعبير أن يشمل ما أوتي موسى وعيسى تلك الآيات التي أيدهما بها كما قال: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) (١٧: ١٠١)، وقال: (وآتينا عيسى بن مريم البينات) (٢: ٨٧)، ثم قال: (وما أوتي النبيون من ربهم) ليدل على أن ذلك لم يكن خاصا بموسى وعيسى والله أعلم " (٢). ـ وقوله ﵀: عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٩]، "والتقييد بمجيء البينات والآيات دليل على أن من لم تبلغه الدعوة الصحيحة بالبينة والدليل لا يخاطب بهذا الوعيد، فحسبه حرمانه من هداية الأنبياء ﵈، فكيف يطالب مع ذلك بما لا يعلم، ويجعل مع من عاند الحق من بعد ظهوره له في قرن؟! " (٣). ـ وقوله ﵀: عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [سورة البقرة: ٢١٩]، "فإن آية البقرة تدل على التحريم بمقتضى القاعدة المعروفة عند الفقهاء، وهي تحريم ما تغلب المفسدة فيه على المصلحة، ويرجح الضرر فيه على النفع، وقد نطقت الآية بهذا الترجيح في الخمر والميسر (وإثمهما أكبر من نفعهما)، وهو ما فهمه بعض خواص الصحابة فتركوهما، ولم يكلف جميع المسلمين تركهما إلا بعد نزول آية المائدة التي هي نص قطعي لا يحتمل التأويل؛ إذ نطقت بأنهما رجس من عمل الشيطان، وصرحت بالأمر باجتنابه، وهو أبلغ من الأمر بالترك، وما من مسألة ذكرت في القرآن بنص غير قطعي الدلالة إلا ولله تعالى حكمة في عدم القطع بها" (٤).

стр. 106

ـ وقوله ﵀: عند قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩]، "القاعدة أن ترتيب الحكم على المشتق يدل على أن مصدره علة له، كقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (٥: ٣٨)، فالسرقة علة للقطع، والموصول مع صلته هنا كذلك" (١). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [سورة البقرة: ١٥٨]، "وإن في طي (ولأتم نعمتي عليكم) (٢: ١٥٠) بشارة بهذا الاستيلاء، مفيدة للأمل والرجاء، وقد علم الله المؤمنين بعد هذه البشارة ما يستعينون به على الوصول إليها هي وسائر مقاصد الدين من الصبر والصلاة، وأشعرهم بما يلاقون في سبيل الحق من المصائب والشدائد، فكان من المناسب بعد هذا أن يذكر شيئا يؤكد تلك البشارة ويقوي ذلك الأمل، فذكر شعيرة من شعائر الحج هي السعي بين الصفا والمروة فكان ذكرها تصريحا ضمنيا بأن سيأخذون مكة ويقيمون مناسك إبراهيم فيها، وتتم بذلك لهم النعمة والهداية، وهو قوله : (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما)، فهذه الآية ليست منقطعة عن السياق السابق لإفادة حكم جديد لا علاقة له بما قبله كما توهم، بل هي من تتمة الموضوع ومرتبطة به أشد الارتباط، من حيث هي تأكيد للبشارة" (٢). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٧]، "فالقرآن يصور المؤمنين عاملين بمقتضى الإيمان، ثم بين أنه ما شرع هذا إلا رأفة بعباده، فقال: (والله رءوف بالعباد)، إذ يرفع همم بعضهم ويعلي نفوسهم حتى يبذلوها في سبيله لدفع الشر والفساد عن عباده وتقرير الحق والعدل والخير فيهم، ولولا ذلك لغلب شر أولئك المفسدين في الأرض حتى لا يبقى فيها صلاح (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) (٢: ٢٥١)، وإن هذا يؤيد ما قلناه في إزالة وهم من يتوهم أن بيع النفس يؤذن بترك الدنيا، وألا يمتع المؤمن نفسه بلذاتها، ولو كان كذلك - وهو من تكليف ما لا يطاق - لما قرنه الله تعالى باسمه الرءوف الدال على سعة رحمته بعباده، فيالله ما أعجب بلاغة كلام الله، وما أعظم خذلان المعرضين عن هداه، ومن الدقة الغريبة في هذا التعبير الموجز بيان حقيقة عظيمة وهي أن وجود هذه الأمة في الناس رحمة عامة للعباد لا خاصة بهم " (٣).

стр. 107

الفصل الثالث: طرق ودلالات الاستنباط عند الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره . وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص. المبحث الثاني: الاستنباط بدلالة المفهوم. المبحث الثالث: الاستنباط بدلالة الالتزام. المبحث الرابع: الاستنباط بدلالة التضمن. المبحث الخامس: الاستنباط بدلالة الاقتران. المبحث السادس: الاستنباط بدلالة المطرد من أساليب القرآن.

стр. 108

تمهيد: أنزل الله كتابة الكريم بأعظم لغة، وهي اللغة العربية تلك اللغة الثرية بألفاظها، ومعانيها ومدلولاتها، وقد اعتنى اللغويون والنحويون والأصوليون بهذه اللغة ومباحثها وتقسيماتها ودلالاتها كل فيما يهمه منها. ومن أبرز علوم اللغة، علم الدلالات الذي يعنى باللفظ ومدلوله، وقد كانت بحوث اللغويين في علم الدلالات أسبق من غيرهم، ثم تلتها بحوث النحويين، ثم بحوث الأصوليين الذين اهتموا بدراسة المعنى ووضع قواعد وأصول لاستنباطه، فلم يكن ثمة فصل في هذا المجال بين البحث في طرق استنباط النص وبين البحث اللغوي، بل إن مباحث الدلالة عند اللغويين تأثرت بمباحث الأصوليين ومناهجهم في تقعيد فهم النص وتواتر استعمال مصطلح الدلالة في التعبير عن المعنى المستنبط من النصوص والألفاظ، فكان هذا هو الفرق بين اللغويين والأصوليين في تناول مفهوم اللفظ، فكان تركيز الأصوليين مرتبطاً بالدلالة دائماً، فكانت مهمة الأصوليين هي استنباط الأحكام من القول، أو من معناه، أو من علة الحكم (١). معنى الدلالات: الدلالات لغة: جمع دلالة، مصدر دلّ يدلُّ دلالة، وهي التسديد إلى الشيء والإبانة والإرشاد (٢). وقيل: "الدال واللام أصلان: أحدهما إبانة الشيء بأمارة تعلمها، والآخر اضطراب في الشيء، فالأول قولهم: دللت فلانا على الطريق، والدليل: الأمارة في الشيء، وهو بين الدَّلالة والدِّلالة" (٣). الدلالات اصطلاحا (٤): جاءت تعريفات الأصوليين لـ (الدلالات) مختلفة في ألفاظها متفقة في معانيها، ومنها: وضع الشيء بحيث يفهم منه شيء آخر. وقيل هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والشيء الأول: هو الدال والثاني: المدلول.

стр. 109

بحث الاصوليون العلاقة بين اللفظ والمعنى من حيثيات مختلفة: - من حيث وضع اللفظ للمعنى، وينقسم إلى (خاص، وعام، ومشترك، ومؤول). - من حيث استعمال اللفظ في المعنى وينقسم إلى (حقيقة، ومجاز، وصريح، وكناية). - من حيث وضوح اللفظ وخفائه ، انقسموا فيه إلى قسمين: أ - طريقة الأحناف: وهو نوعان: الواضح ويشمل (الظاهر، والنص، والمفسر والمحكم). وغير الواضح، ويشمل: (الخفي، والمشكل، والمجمل، والمتشابة). ب - طريقة الجمهور: وهو نوعان: الواضح، ويشمل (الظاهر، النص، ويشملهما المبين). وغير الواضح، ويشمل: (المجمل، والمتشابة). - من حيث كيفية دلالته على المعنى ، انقسموا فيه إلى قسمين: أ - طريقة الأحناف: عبارة النص= دلالة العبارة. إشارة النص= دلالة الإشارة. دلالة النص= دلالة الدلالة. اقتضاء النص= دلالة الاقتضاء. ب - طريقة الجمهور (١): قسموا الدلالة على المعنى إلى قسمين: ١) المنطوق: وينقسم إلى قسمين: الأول: ما لا يحتمل التأويل، وهو النص، ويشمل الصريح وغير الصريح. وغير الصريح ينقسم إلى: دلالة اقتضاء - دلالة إيماء= التنبيه- دلالة إشارة. الثاني: ما يحتمل التأويل وهو الظاهر. ٢) المفهوم: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، بأن يكون حكما لغير المذكور وحالا من أحواله، وهو نوعان: الأول: مفهوم الموافقة: وهو أن يكون حكم غير المذكور موافقا لحكم المذكور نفياً وإثباتا، ويسمى فحوى الخطاب (أي مفهومه)، وتنبيه الخطاب= لحن الخطاب. الثاني: مفهوم المخالفة: وهو أن يكون حكم غير المذكور مخالفا لحكم المذكور نفيا وإثباتا، ويسمى دليل الخطاب. والذي يدخل في بحث الاستنباطات هو ما كان ضمن الدلالات الخفية، كما سبق في تعريف الاستنباط، من أنه استخراج المعاني والاحكام الخفية، فما كان من الدلالات موصلا إلى ذلك فهو من طرق الاستنباط (٢).

стр. 110

المبحث الأول: الاستنباط بدلالة النص (مفهوم الموافقة) النص في اللغة: يدل على رفع وارتفاع وانتهاء في الشيء، منه قولهم: نصَّ الحديث إلى فلان أي: رفعه إليه (١). وأما دلالة النص في الاصطلاح فهي: (ما ثبت بمعنى النص لغةً لا اجتهاداً ولا استنباطاً) (٢). يقصد بهذه الدلالة: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق (٣). "وهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للحكم في المنطوق به من جهة الأولى" (٤). فهو "ما ثبت بمعنى النظم لغة لا استنباطا بالرأي، لأن للنظم صورة معلومة ومعنى هو المقصود به، فالألفاظ مطلوبة للمعاني وثبوت الحكم بالمعنى المطلوب باللفظ بمنزلة الضرب له صورة معلومة ومعنى هو المطلوب به، وهو الإيلام ثم ثبوت الحكم بوجود الموجب له فكما أن في المسمى الخاص ثبوت الحكم باعتبار المعنى المعلوم بالنظم لغة فكذلك في المسمى الخاص الذي هو غير منصوص عليه يثبت الحكم بذلك المعنى، ويسمى ذلك دلالة النص فمن حيث إن الحكم غير ثابت فيه بتناول صورة النص إياه لم يكن ثابتا بعبارة النص ومن حيث إنه ثابت بالمعنى المعلوم بالنص لغة كان دلالة النص ولم يكن قياسا فالقياس معنى يستنبط بالرأي مما ظهر له أثر في الشرع ليتعدى به الحكم إلى ما لا نص فيه لا استنباط باعتبار معنى النظم لغة" (٥). وقد استخدم الشيخ محمد رشيد ﵀ هذه الدلالة في أكثر من موضع، وقد يصرح بهذه الدلالة ومن ذلك: ـ قال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: عند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٩]، قال: "إن هذه الجملة هي نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء إن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة" (٦). ـ وقال ﵀: عند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٢]، "وقد بينت الآية صريحا أنهم يعطون ما دعوا الله تعالى فيه بكسبهم، وهذا نص فيما تقدم من معنى الدعاء وأنه لا بد أن يكون طلب اللسان مطابقا لما في النفس من الشعور بالحاجة إلى الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب والسعي في الطرق التي مضت سنة الله تعالى" (٧).
следующие страницы →