ولو اشترك في صيد الحيوان البري المتوحش طبعًا محرم وحَلاَلٌ، فإنه يحرم على المحرم تغليبًا لجانب الحظر، وعلى ذلك فقس، فإن قلت أو لم تذكر سابقًا في قاعدة: (إضافة الحكم إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنون) فروعًا كثيرة فيها مبيح وحاظر وغلبت في بعضها جانب المبيح فكيف نجمع بينها وبين هذه القاعدة؟ فأقول: هذا سؤال جيد وبسط الجواب عنه أن يقال: أن قاعدة إضافة الحكم إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنون لم يستوفيها الاحتمال فالسببان ليسا على درجة واحدة في القوة، بل السبب المعلوم المتيقن ثبوته أقوى من السبب المظنون، ولذلك لم يقو على معارضته، فأسقطناه؛ لأن القوي يسقط الضعيف ولا عكس، أما في هذه القاعدة فإن السببين في القوة بمنزلة واحدة فاحتمال رجحان السبب المبيح هو بعينه احتمال رجحان السبب المحرم ولا مرجح عندنا لأحد الأمرين فقلنا حينئذٍ يغلب جانب الحرام وذلك لاستوائهما في القوة، ويقال أيضًا إن هذه القاعدة التي معنا ليست على إطلاقها، بل لابد أن يقيد ذلك بما إذا كان السبب المحرم مساويًا أو أشد قوة من السبب المبيح أما إذا كان السبب المبيح هو الأقوى وأن السبب المحرم إنما هو شيء يسير فإنه حينئذٍ لا يلتفت إليه (١) ، ولو سبرت فروع القاعدتين لم تجدها تخرج عن هذين الجوابين، والله تعالى أعلى وأعلم.
стр. 247
القاعدة السادسة والخمسون
٥٦ - إذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوم
اعلم - رحمك الله تعالى - أن الواجب هو أداء الحقوق إلى أصحابها إذا عرفوا ولا يجوز منع أصحابها منها بغصبٍ أو مماطلةٍ ونحو ذلك، بل إذا عرف صاحب الحق فهو أحق به من غيره، سواءً كان صاحب الحق فردًا أو جهة معينة؛ لأن هذا من أداء الأمانات وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أهْلِهَا﴾ وهو نص عام في جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله على عباده من الصلاة والزكاة والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، وكذلك حقوق العباد بعضهم على بعضٍ كالودائع وغيرها، وعن سمرة بن جندبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أحمد والأربعة وصححه الحاكم، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) رواه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه الحاكم، وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ فالقاعدة العامة في الشريعة هو أن الإنسان يجب عليه أداء الحقوق إلى أصحابها، لكن هذا إذا كان أصحابها معروفين، أما إذا كانوا لا يعرفون وليس إلى معرفتهم سبيل أو علمناهم ولكن جهلناهم، فما العمل حينئذٍ في هذا الحق؟ هذا هو ما تقرره هذه القاعدة وهو أن صاحب الحق إذا جهل فإنه ينزل منزلة المعدوم أي كأنه لم يوجد، والمعدوم هو الذي ليس في حيز الوجود، فكل ما ليس في حيز الوجود فهو معدوم، فننزل صاحب هذا الحق منزلة المعدوم أي نخرجه عن حيز الوجود،
стр. 248
ونتصرف في حقه على ما تقتضيه المصلحة، هذا هو القول الراجح، ويدل عليه عدة أدلة:
منها: قوله ﷺ في حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة، فقال: (اعرف عفاصها ووكائها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) متفق عليه، فأنزل صاحبها بعد تعريف اللقطة سنة منزلة المعدوم وأجاز لواجدها التصرف فيها، لكن إن تصرف فيها لنفسه فإنها تكون بمنزلة الدين في ذمته متى ما جاء ربها فإنه يؤديها إليه وفي بعض روايات الحديث الصحيحة: (فإن جاء ربها فأدها إليه) ، وعن جابر قال: (رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به) رواه أحمد وأبو داود، أي لا يلزم تعريفه؛ لأنه لا تتبعه همة أواسط الناس لكننا نعلم أن له مالكًا لكننا لا نعرفه ولم نؤمر بالتعرف عليه في هذه الأمور البسيطة فنزل منزلة المعدوم فيأخذها الإنسان وينتفع بها.
ومن ذلك: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (وفي الركاز الخمس) ويوضح ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً وجد مالاً في قرية فقال له النبي ﷺ : (إن وجدته في قريةٍ مسكونةٍ فعرفه وإن وجدته في قريةٍ غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس) ، ونحن نعلم يقينًا أن هذا المال المدفون له أصحاب سواء كانوا موجودين أو معدومين أو قد يكون لهم ورثة، لكن لما كان من دفن الجاهلية لم توجب الشريعة تعريفه، بل يملكه من أخذه بمجرد أخذه، وفيه الخمس، ذلك لأن أصحابه مجهولون فأنزلناهم منزلة المعدومين؛ لأنه يتعذر علينا البحث عنهم لتقادم عهد الجاهلية.
стр. 249
ومن ذلك: ما قضى به عمر بن الخطاب ﵁ في امرأة المفقود، قال عبيد بن عمير: فقد رجل في عهد عمر فجاءت امرأته إلى عمر فذكرت ذلك له. فقال: (انطلقي فتربصي أربع سنين، فتربصت ثم أتته) ، فقال: (انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرًا) ، ففعلت ثم أتته. فقال: (أين ولي هذا الرجل فجاء وليه فقال: طلقها ففعل) فقال عمر: (انطلقي فتزوجي من شئت) وهو أثر صحيح.
قال أحمد: ما في نفسي شيء منه خمسة من الصحابة أمروها أن تتربص. ا. هـ
وهذا القول هو الذي حكم به الخلفاء من بعد عمر ﵁، وهو أصح الأقوال وأحراها بالقياس، واختاره الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم وابن عبدوس وصوبه في الإنصاف، فلما فقد الرجل ولم يعرف له حسٌّ ولا خبر جعله عمر كالمعدوم، وقد اتفق الصحابة على ذلك فهذه الأدلة تدل دلالة صريحة على أن صاحب الحق إذا تعذرت معرفته فإنه يجعل في حكم المعدوم ويتصرف في حقه بما هو الأصلح له أو بما هو الأصلح لواجده هذا من ناحية الشرح والتدليل.
وأما من ناحية التفريع فهي كثيرة أذكر أهمها فأقول:
стр. 250
منها: اللقطة: وقد قسمها العلماء إلى أقسام ثلاثة وتفصيلها يطول والمقصود أن هذه اللقطة سواءً وجب تعريفها أم لم يجب فإننا إن علمنا صاحبها وجب ردها إليه لحديث عياض بن حمار مرفوعًا: (فإن جاء ربها فهو أحق بها) وإن تعذرت معرفته فإنه ينزل منزلة المعدوم ويتصرف في اللقطة بما هو الأصلح، فإن كانت مالاً فله حفظه لصاحبه وله استنفاقه ويكون دينًا في ذمته، وله التصدق به على نية صاحبه، وإن كانت من بهيمة الأنعام التي لا تمتنع من صغار السباع كالغنم والدجاج والأرانب ونحوها فله أكلها، وله بيعها واستنفاق نفقتها أو حفظها لصاحبها، وله إمساكها والإنفاق عليها حتى يجد ربها، لحديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: (هي [أي ضالة الغنم] لك أو لأخيك أو للذئب) (١) .
ومنها: المفقود إذا ضرب الحاكم له مدةً معلومةً إما باجتهاده أو المدة التي قضى بها عمر فانقضت المدةُ ولم يعرف له خبر ولا أثر فإنه ينزل منزلة المعدوم فيقسم ماله وتعتد زوجته.
ومنها: إذا سرق الإنسان مالاً أو غصبه وتاب رده إلى أهله وإن لم يجدهم لطول العهد واجتهد في البحث عنهم بدون جدوى، فإنه حينئذٍ يتصرف في هذا المال بما يعود نفعه عليهم من صدقةٍ ونحوها؛ لأن صاحب الحق إذا تعذر وجوده نزل منزلة المعدوم.
ومنها: من قبض وديعة من أحدٍ فغاب المالك غيبةً طويلة وسأل عنه المودَع حتى أيس من وجوده، فله حينئذٍ أن يتصرف في الوديعة بما هو الأصلح من بيع وتصدق بثمنها أو يدفعها إلى بيت المال أو يتصدق بعينها على الفقراء والمساكين بنية عن أصحابها.
ومنها: من مات وليس له وارث معلوم فإن ماله يكون لبيت مال المسلمين فيصرف في المصالح العامة؛ لأن صاحب الحق إذا تعذرت معرفته جعل كالمعدوم.
стр. 251
ومنها: الرهون التي لا يعرف أهلها، فقد نص الإمام أحمد على جواز الصدقة بها في رواية أبي طالب، أو تسلم للحاكم على ما هو الأصلح من هذا أو هذا، لكن إن قلنا: يتصدق بها فإن الصدقة تكون بنية عن أصحابها وموقوفة على إجازتهم فلو عرفوا في يوم من الأيام وقبلوا فأجرها لهم، وإلا ضمنها المتصدق بمثلها أو قيمتها ويكون أجر صدقته له، وعلى ذلك فقس، والله أعلم.
القاعدة السابعة والخمسون
٥٧ - من تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانه
ومعناها: أن من أجازت له الشريعة شيئًا في وقتٍ معين ثم تباطأ هذا الوقت وطال عليه الأمد، وحاول استعجاله بطرقٍ ملتوية محرمة، فإنه حينئذٍ يعاقب بحرمانه من ما هو مباحٍ له ويحال بينه وبين حقه، معاملةً له بنقيض قصده جزاءً وفاقًا، فكما أنه توسل للمشروع بوسائل محرمة تعجلاً منه للحصول على مقصوده المستحق له فإنه يعاقب بالحرمان منه، وهذا هو العدل، فإن هذا الحق الذي جعل صاحبه يقع في الحرام من أجل استعجاله لا خير فيه، وحقه أن يمنع منه، وهذه القاعدة العظيمة تمثل جانبًا من جوانب السياسة الشرعية في القمع وسد الذرائع؛ ولأن فعل ذلك الشخص الذي أراد الوصول إلى حقه بطرقٍ محرمه يُعَدُّ تحايلاً على الشرع من جانبٍ آخر، فعنده بليتان:
أحدهما: أنه وقع في المحرم استعجالاً لحقه. الثانية: أنه تحايل على الشرع بسلوك هذه الطرق للتوصل إلى حقه، فعوقب بحرمانه من هذا الحق أصلاً.
وأدلة هذه القاعدة كثيرة شهيرة نسوق بعضها فنقول:
стр. 252
من الأدلة: قوله ﷺ : (لا يرث القاتل شيئًا) رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليس لقاتلٍ ميراث) رواه مالك وأحمد وابن ماجه، فهذا القاتل كان من جملة الورثة أي ممن يستحقون إرث مورثهم إذا مات لكنه استعجل الإرث منه واستطال حياته فقتله استعجالاً للإرث فعاملته الشريعة بنقيض قصده وحرمته من الميراث جزاءً وفاقًا، وما أعدله وأقواه وأسدَّه لأبواب الشر والفساد، وإلا لو كان القاتل يرث من مال المقتول لانتشر الفساد بين ضعفة الإيمان وأهل الدنيا، لكن لما علم القاتل أنه إن قتل مورثه فإنه يحرم من الميراث فإنه حينئذٍ ينزجر عن فعله ذلك، وهذا من باب سد الذرائع.
стр. 253
ومن الأدلة: حديث أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر ففتح الله علينا ومع رسول الله ﷺ عبد له وهبه له رجل من جذام يسمى رفاعة بن يزيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام العبد يحل رحل رسول الله ﷺ فرمي بسهم فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئًا له الشهادة يا رسول الله فقال: (كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة التي غلها من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا) ، قال: فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: (هذا شيء كنت أصبته) . فقال ﵊: (شراك أو شراكان من نار) رواه البخاري. وعن عبد الله بن عمرو قال: كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله ﷺ : (هو في النار) فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءةً قد غلها. رواه البخاري، وعن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا وجدتم الرجل قد غَلَّ فأحرقوا متاعه واضربوه) رواه أحمد وأبو داود. وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رسول الله ﷺ وأبا بكرٍ وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه) رواه أبو داود، وزاد: (ومنعوه سهمه) فالمجاهد في صفوف المسلمين له ما لهم من الغنم فيما يغنمونه، لكن لا تملك الغنيمة ملكًا خاصًا إلا بالقسمة، فالغال من الغنيمة استعجل نصيبه بالأخذ منها قبل القسمة فعوقب بانتزاعها منه وبتحريق رحله وبمنعه من سهمه عند البعض؛ لأن من استعجل حقه قبل أوانه عوقب بحرمانه.
стр. 254
ومن ذلك أيضًا: عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها) رواه الخمسة إلا النسائي وحسنه الترمذي. فالمرأة لها أن تتزوج لكن يشترط أن يتولى عقدها وليها؛ لأنه أعلم بمصلحتها، فإذا استعجلت المرأة زواجها فتولت هي عقده بدون الرجوع إلى وليها أو السلطان إن لم يكن لها ولي إذا فعلت المرأة ذلك فتكون قد استعجلت ما هو حلال لها بطريق محرم فتعاقب بالحرمان منه، فيفرق بينهما؛ لأن نكاحها حينئذٍ باطل ولها المهر إن كان الرجل قد استحل فرجها فلما استعجلت شيئًا قبل وقته عوقبت بالحرمان منه.
ومن ذلك: حديث أبي هريرة في الصحيحين قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعًا من تمر) متفق عليه، ولمسلم: (فله الخيار ثلاثة أيامٍ) والتصرية حبس اللبن في الضرع ليوهم المشتري أنها ذات لبن، وهذا من التدليس وهو إظهار المبيع في صورة غير صورته بقصد التغرير بالمشتري لزيادة الثمن فحصل على هذه الزيادة بطريق غير مشروع استعجالاً لها فعوقب بثبوت الخيار للمشتري بين الإمساك أو الرد بعد حلبها مع صاع من تمر معاملة له بنقيض قصده.
ومن ذلك: حديث ابن عباس في الصحيحين مرفوعًا: (لا تلقوا الركبان) ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: (لا تلقوا الجلب من تلقي فاشتري منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار) فهذا الذي تلقى الجلب قد استعجل الشراء برخص قبل وصول الجلب إلى السوق لعدم علمهم بالثمن، فيكون قد استعجل الشيء قبل أوانه على وجهٍ محرم فعوقب بثبوت الخيار لأصحاب الجلب بين الرد وبين دفع الثمن المتبقي معاملة له بنقيض قصده.
стр. 255
ومن الأدلة أيضاً: قوله تعالى لأهل الربا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وقال: ﴿وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ فأهل الربا استعجلوا زيادة أموالهم - أي هم يريدون زيادتها - وهذا أمر مشروع لكنهم سلكوا لزيادتها طريقًا محرمًا وهو الربا فاستعجلوا ما هو مشروع لهم بتحصيله بطريق محرم فعاقبهم الله تعالى بمحق هذه الزيادة معاقبة لهم بنقيض قصدهم، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فأموال أهل الربا أموال ممحوقة البركة حسًا ومعنىً، وعلى هذا يقاس جميع المكاسب المحرمة.
ومن الأدلة أيضًا: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون من أعطاها مؤتجرًا بها فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء) رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم، فعلى القول بثبوته فإن هذا الرجل الذي منع زكاة ماله هو يريد نماءه بذلك وظن أن الزكاة تنقصه فمنعها، فعوقب بنقيض قصده وهو أنه أخذت منه قهرًا وأخذ منه معها شطر ماله تعزيرًا؛ لأن من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه فحرم من زكاة ماله وحرم من شطره أيضًا، والله أعلم.
ومن ذلك: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: (أن النبي ﷺ لعن الراشي والمرتشي) رواه أحمد وأبو داود وصححه الترمذي.
والمرتشي أخذ المال من غير حله استعجالاً لنماء ماله فعوقب باللعنة وبتعزيره بأخذها منه، فهذه الأدلة وغيرها تفيدك دلالة قاطعة على أن الإنسان إذا استعجل حقه أو ماله بالطريق المحرم شرعًا أنه يعاقب بنقيض قصده وهو حرمانه من ذلك الذي صار سببًا لوقوعه في المحرم.
стр. 256
وأما الفروع فتعرف بما مضى من الأدلة ونزيدها فنقول:
من استعجل فنكح امرأة في عدتها فرق بينهما فرقة أبدية على قول بعض أهل العم معاملة بنقيض قصده، ومن استعجل فقتل من أوصى له بشيء فإنه يحرم من ذلك الشيء كالوارث إذا قتل مورثه، ومن طلق زوجته في مرض الموت المخوف لم ينفذ طلاقه؛ لأنه متهم بحرمانها من الميراث فعومل بنقيض قصده.
وتخليل الخمر - أعني القصد إلى تخليله - لا يفيد في جواز الانتفاع به ولا طهارته أيضًا عند من يقول بأنه نجس، لكن لو تخللت بنفسها بلا فعل آدمي حلت وطهرت، وكذلك من باع النصاب الزكوي فرارًا من الزكاة لا يُعَدُّ ذلك مسقطًا للزكاة عنه معاملة له بنقيض قصده، كذلك لو استعجل المحرم بقتل الصيد حال إحرامه فإنه يحرم عليه أكله معاملة له بنقيض قصده، ولو أفطر الإنسان في نهار رمضان عمدًا فإنه يأثم ويلزمه القضاء عند جمهور العلماء ويمسك بقية ذلك اليوم لبقاء الحرمة في حقه.
ولعل هذا كافٍ في فهم القاعدة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلى وأعلم.
стр. 257
القاعدة الثامنة والخمسون
٥٨ - تقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، واليسرى فيما عداه
وهي قاعدة مفيدة للطالب وعليها أدلة كثيرة، وبيانها أن يقال:
إن الله تعالى لما خلق الخلق اصطفى منه واختار ما شاء، وكان من جملة ما اصطفاه واختاره تفضيل التيامن على التياسر، وبسبرنا للأدلة وجدنا أن الشيء إذا كان من باب التكريم والتجمل والعبادة فإن البداءة فيه تكون باليمين تبركًا بها؛ ولأن المقامَ مقامُ تشريف، واليمين أشرف من الشمال وأكمل وأشد قوةً وإذا كان الفعل المراد ليس من هذه الأبواب وإنما من باب إزالة النجاسة وغسلها وأخذ الأشياء المستقذرة وإزالتها فإن البداءة تكون بالشمال فهي خلقت لذلك (١) .
وإليك سبر الأدلة على هذه القاعدة:
فمنها: حديث عائشة في الصحيحين قالت: (كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) فقولها: (تنعله) أي لبس النعال ولبسها مكرمة للإنسان وفيه تجمل وتزين فالسنة فيها البداءة باليمين، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا خلع فليبدأ باليسرى) ولما كان في خلعهما ترك لهذا التزين سُنَّ فيه البداءة باليسار.
ومن الأدلة أيضًا: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم) رواه الأربعة بإسناد صحيح، ومن المعلوم أن الطهارة فيها من التكريم والتجمل، بل والتعبد لله ما هو معلوم، فالسنة البداءة بالميامن قبل المياسر، فيغسل يده اليمنى قبل اليسرى وهكذا في الرجلين.
стр. 258
ومن ذلك: الترجل - وهو تسريح الشعر - فقد كان النبي ﷺ يبدأ بجانب شقه الأيمن، وذلك لأن الإنسان يتزين بالترجل، فلما كان من باب التزين سُنَّ فيه البداءة باليمين ودليلها ما سبق في الحديث: (وترجله) .
ومن ذلك: الأكل والشرب، فعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها) قال: وكان نافع يزيد فيها (ولا يأخذ بها ولا يعطي بها) أي بشماله رواه مسلم والترمذي بدون الزيادة، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليأكل أحدكم بيمينه وليشرب بيمينه وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله ويأخذ بشماله) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، والأكل والشرب والأخذ والإعطاء هي من باب الكمال فسن فيها البداءة باليمين مخالفة للشيطان وتنزهًا عن الأكل والشرب والأخذ والإعطاء باليد التي تباشر النجاسات.
ومن ذلك: إجماع العلماء على استحباب البداءة في دخول المسجد باليمين والخروج باليسار لحديث أنس قال: (من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى) صححه الحاكم وغيره، فدل ذلك على أن الانتقال من المكان المفضول إلى الفاضل تبدأ باليمين والعكس بالعكس.
ومن ذلك: الإجماع أيضًا على أفضلية تقديم الرجل اليسرى عند الدخول للخلاء والبداءة باليمنى عند الخروج منه.
ومن ذلك: حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ولا يتنفس في الإناء) فصينت اليمين عن ملامسة الأذى؛ لأن هذا من عمل اليد اليسرى.
стр. 259
ومن ذلك: إكرام الضيوف لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما: (أن النبي ﷺ أتي بلبن قد شيب بماءٍ وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكرٍ فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: (الأيمن فالأيمن) ، وفيهما من حديث سهل بن سعد: (أن النبي ﷺ أتي بشرابٍ فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: (أتأذن أن أعطي هؤلاء) . فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، فتله في يده) . أي وضعه رسول الله ﷺ وهذا دليل على كرامة جهة اليمين أيضًا، والأدلة كثيرة ولعل ما مضى فيه كفاية - إن شاء الله تعالى -.
وخلاصة الكلام هو أن تعلم أن الأفعال نوعان:
أحدهما: فعل مشترك بين العضوين. والثاني: مختص بأحدهما، وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى أنها تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة، كالوضوء والغسل ونحوها كما سيأتي، وتقدم اليسرى ضد ذلك، وأما الفعل الذي يختص بأحدهما فأيضًا إن كان من باب الكرامة قدمت فيه اليمنى كالأكل والشرب والمصافحة ومناولة الكتب وتناولها ونحو ذلك، وإن كان ضد ذلك كان باليسرى كالاستجمار ومس الذكر والاستنثار والامتخاط ونحو ذلك.
وإتمامًا للفائدة نذكر بعض الفروع الفقهية غير ما سبق مع الأدلة فأقول:
منها: السواك، هل الأفضل أن يستاك الإنسان باليد اليسرى أم اليمنى؟
стр. 260
فأقول: لا أعلم في السنة دليلاً صريحًا في ترجيح أحد المذهبين إلا أنه ورد في حديث عائشة ﵂ في بعض رواياته: (وسواكه) وهي عند أبي داود من زيادات شيخه مسلم بن إبراهيم وهو ثقة مأمون، لكن المراد بها البداءة في السواك بجانب الفم الأيمن ولذلك اختلف العلماء في ذلك إلى ثلاثة أقوال: فقيل: هو باليمين مطلقًا، وقيل: باليسار وهو المشهور في المذهب وهو اختيار الشيخ تقي الدين - رحمه الله تعالى - وقال: ما علمنا أحدًا من الأئمة خالف في ذلك. ا. هـ، وذلك لأن الاستياك من باب إماطة الأذى وأصل شرعيته أنه مطهرة للفهم، ووسيلة التطهير هي اليسار وليست اليمين فهو كالاستنثار والامتخاط ونحو ذلك مما فيه إزالة أذى، فالجميع يعرف أنه مشروع لإزالة ما في داخل الفم وهذه العلة متفق عليها بين العلماء، قاله الشيخ تقي الدين ولهذا شرع عند الأسباب المغيرة لرائحة الفم كالنوم والإغماء وعند العبادة التي يشرع لها تطهير كالصلاة والقراءة، وقال بعض العلماء إن قصد بالاستياك إزالة ما في الفم من الأذى فباليسرى، وإن كان لمجرد اتباع السنة فباليمنى، وهذا فيه مع ضعفه ففيه عسر في تطبيقه، ذلك لأن العبرة هي العلة الشرعية في تشريعه أصلاً فالسواك معقول المعنى باتفاق العلماء وهي أنه وسيلة من وسائل تطهير الفم، وحتى لو استعمله الإنسان قبل الصلاة مثلاً وكانت أسنانه لا تحتاج إليه فإنه من باب زيادة التنظيف والتطهر ولا يخلو الفم غالبًا من تغير ريحٍ أو بقايا طعامٍ أو قلحٍ على الأسنان ونحوه فالعبرة بالكثير الغالب لا القليل النادر فالراجح - إن شاء الله تعالى - أنه باليسرى مبتدءاً بجانب فمه الأيمن، وذلك لأن السواك فيه إزالة أذىً وهي وصيفة اليسار.
ومنها: الدخول للمنزل، هل الأفضل أن يبدأ فيه باليسار أو باليمين؟
стр. 261
أقول: لا أعلم في ذلك سنة تصح عن النبي ﷺ لكن المذهب عندنا أنه يبدأه باليمين ويخرج باليسار، وذلك لأنه مكان فاضل والطرقات أمكنة مفضولة فإذا انتقل منها إلى بيته فإنه يبدأها باليمين؛ ولأن الله تعالى قد امتن علينا بهذه البيوت فهي من باب الكرامة لنا كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ... ﴾ الآيتان. فإذا تقرر أنها من باب الكرامة فالسنة فيها حينئذٍ البداءة باليمين (١) ، والله أعلم.
ومنها: لبس الساعة والخاتم هل الأفضل في اليمين أم الشمال؟
أقول: الأمر في ذلك واسع، فأما الخاتم فقد ثبت أن النبي ﷺ لبسه في اليمين تارة وفي شماله تارة، فيجوز هذا وهذا، وأما الساعة فلا نص فيها؛ لأنها واقعة جديدة ولنا فيها تخريجان: الأول: أن تقاس على الخاتم فيجوز لبسها في اليمين أو في الشمال فالأمر واحد. والثاني: أن تلبس في اليمين، وذلك لثلاثة أمور: أحدها: أنها من باب الكرامة والتجمل والتزين، ذلك لأن الإنسان لا يقصد بشرائها مجرد مراعاة الوقف فقط، بل يقصد منها أيضًا النواحي الجمالية، وقد تقرر أن ما كان من باب التكريم والتزيين فتقدم فيه اليمين.
стр. 262
الثاني: أن لبسها في اليسار هي العادة السائدة عند الكفار على مختلف طوائفهم ومن المعلوم أن المسلمين أخذوا هذه العادة منهم تقليدًا لهم في ذلك (١) ، ومخالفة الكفار فيما هو من عاداتهم وعبادتهم مقصد من مقاصد الشريعة حتى وإن كان في الأشياء اليسيرة كفرق الشعر؛ لأنهم يسدلون، وحف الشارب؛ لأنهم لا يحفون، والصلاة في النعل؛ لأنهم لا يصلون فيها، وكراهة اشتمال الصماء فقيل إنها لبسة اليهود، وتحريم شد الزنار، وغيرها كثيرة فمخالفة الكفار عمومًا واليهود والنصارى خصوصًا مقصد من مقاصد الشريعة فإذا كان من عادتهم لبس الساعة في اليسار فنحن نخالفهم ونلبسها في اليمين وينوي الإنسان بذلك مخالفتهم فيثاب عليه.
الثالث: أن اليد اليسار هي آلة إزالة النجاسات والأشياء المستقذرة فيخشى عند لبسها في اليسار أن يتسرب لها شيء من النجاسات وخصوصًا إذا كانت واسعة وهذا مما يغلب على الظن وغلبة الظن منزلة منزلة اليقين فدرءاً لذلك تلبس في اليمين التي لا تعلق لها بإزالة شيء من ذلك، والنفس تطمئن للتخريج الثاني لكن الأمر واسع ولا أظن العاقل ينكر على من لبسها في هذه أو لبسها في هذه؛ لأن مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها وهذه منها.
ومنها: الكتابة بالقلم هل الأفضل فيها استعمال اليمين أو الشمال؟
стр. 263
أقول: لاشك أن الكتابة بالقلم من باب الكرامات التي امتن الله بها علينا فقال تعالى عن نبيه عيسى ﵇: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاة وَالإنجِيلَ﴾ وقال تعالى: ﴿ن * وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وغيرها فإذا تقرر أنها من باب الكرامات والفضائل فلاشك أن الأفضل فيها تقديم اليمين ولعل هذا يستفاد بدلالة الإشارة من قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ، والله أعلم.
ومنها: حلق الشعر في الحج أو العمرة يسن للإنسان أن يبدأ فيه بجانبه الأيمن ثم الأيسر؛ لأنه من باب العبادات، وقد فعله النبي ﷺ فعن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق: (خذ) وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس) رواه مسلم، ويقاس عليه أخذ شعر الإبطين وحف الشارب وأخذ شعر العانة فيبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر.
ومنها: صفوف الصلاة هل الأفضل فيها التيامن أو التياسر؟
الجواب: لاشك أن الأفضل أن يقف الإنسان عن يمين الإمام وذلك لما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) (١) ؛ ولأن العلماء أجمعوا فيما أعلم على أفضلية ميامن الصفوف، وهذا الفضل فيما إذا لم يلزم منه البعد عن الإمام مع الدنو له عند التياسر، بمعنى إذا تعارض التيامن مع البعد، والتياسر مع القرب، فلاشك أن الثاني هو الأفضل لثبوت الأدلة الصحيحة الدالة على فضل الدنو من الإمام؛ والله أعلم، وعلى ذلك فقس.
стр. 264
القاعدة التاسعة والخمسون
٥٩ - يثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالاً وقصدًا (١)
وقد يعبر عنها بعباراتٍ أخرى كقولهم: يغتفر في الشيء ضمنًا ما لا يغتفر فيه قصدًا وكقولهم: يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في الأوائل وكلها بمعنىً واحدٍ، ومعناها: أن الشرائط الشرعية المطلوبة يلزم توافرها جميعًا في المحل الأصلي المقصود، ولكن التوابع له التي ليست مقصودة بعينها فإنه يغتفر فيها، ولو قصد هذا التابع لإبطالها فيغتفرفي التوابع الجهالة والغرر وعدم الرؤية والوصف ونحوها، كل ذلك مغتفر فيها؛ لأنها تابعة لغيرها والتابع تابع، ويدل لهذه القاعدة جميع الأدلة التي دلت على القاعدة: (التابع في الوجود تابع في الحكم) ؛ لأنها فرع عنها وبما أننا ذكرنا أدلتها هناك فيكتفى عن أعادتها هنا، بل وحتى فروع القاعدة الماضية هي بعينها فروع هذه القاعدة.
ونزيد بعض الفروع من باب التوضيح فأقول:
منها: الأصل أن قصد قتل المسلم لا يجوز للأدلة القاضية بذلك لكن لو تترس كفار بمسلمين وخفنا من عدم رميهم هجومهم واستحلال ديار الإسلام فحينئذٍ يجب الدفع ورميهم بقصد قتل الجنود الكافرة، فإذا أدى ذلك إلى قتل من تترسوا به من المسلمين فلا بأس ولا ضمان؛ لأن قتلهم حينئذٍ لم يكن مقصودًا وإنما دخل ضمنًا لقتل الكفار، فقتلهم ضمنًا لا بأس به وأما القصد لقتلهم فلا يجوز فثبت ضمنًا ما لم يثبت قصدًا.
ومنها: من حلف لا يشتري صوفًا فاشترى شاة ذات صوف لم يحنث؛ لأن الصوف حينئذٍ تابع للشاة ودخل معها في البيع ضمنًا ولم يقصد في البيع أصلاً، لكن لو قصد شراء الصوف لحنث.
стр. 265
ومنها: من المعلوم في الشريعة أن النساء لا مدخل لهن في إثبات النسب استقلالاً لكن لو شهد النساء بالولادة فإن شهادتهن بإثباتها صحيحة، وإذا ثبتت الولادة ثبت النسب تبعًا، فثبت النسب بشهادتهن تبعًا ولم تثبت بشهادتهن به استقلالاً.
ومنها: أن شهادة النساء لا يثبت بها انفساخ عقد الزوجية لكن لو شهدت امرأة مأمونة بأنها قد أرضعت فلانًا وفلانة وقد تزوجها فإنه يثبت أنه أخوها من الرضاع، ومن ثَمَّ ينفسخ عقد الزوجية، لكن انفساخه هنا تبعًا لثبوت المحرمية بالرضاع.
ومنها: أنه يشترط لصحة الوقف أن يكون ثابتًا كالعقار ونحوه وأما المنقول فإنه لا يصح وقفه وهذا في رواية في المذهب فابتداء وقف المنقول لا يصح، لكن لو أوقف قرية كاملة بما فيها، وكان فيها بعض المنقولات فإنها تدخل في الوقف تبعًا، فثبت تبعًا وضمنًا ما لم يثبت استقلالاً وقصدًا.
ومنها: الحمل في البطن لا يجوز إفراده بالبيع ابتداء أي لا يصح أن يقصد وحده بالبيع، لكن لو بيعت أمه فإنه يدخل معها في البيع تبعًا وضمنًا، فبيعه ابتداء لا يجوز ودخوله مع بيع أمه ضمنًا جائز فثبت ضمنًا ما لم يثبت استقلالاً، وكذلك ذكاته فإنه لو نزل حيًا للزم لحله ذكاة خاصة، لكن لو ذكيت أمه ونزل ميتًا فإنه حلال؛ لأن ذكاته ذكاة أمه وفي ذلك حديث، وقد ذكرت هذين الفرعين في قاعدة التابع تابع.
ومنها: أنه تغتفر الجهالة في الأشياء التي لم تقصد في البيع وإنما تدخل تبعًا لغيرها كأساسات الدار ود اخل الجدر ونحوها، فهي وإن كانت مجهولة إلا أن الجهالة مغتفرة؛ لأنها دخلت في البيع ضمنًا لبيع الدار، وعلى ذلك فقس.
стр. 266
القاعدة الستون
٦٠ - من سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرم
اعلم - رحمك الله تعالى - أن المحرمات في الشريعة قسمان: قسم ثبت تحريمه وليس فيه عقوبة دنيوية قد نص عليها أي لا حَدَّ فيه ولا قصاص ولا ضمان ولا كفارة، وأعني بقولي: (ليس فيها عقوبة) أي عقوبة مقدرة من قبل الشارع الحكيم، فهذا النوع من المحرمات لا يدخل معنا في هذه القاعدة، بل تكون عقوبته أخروية أو تعزيرية في الدنيا لكن لا تعلق له بهذه القاعدة.
والقسم الثاني: محرمات ثبت تحريمها ورتبت الشريعة عليها عقوبات فمن ارتكبها فعليه هذه العقوبة المقدرة شرعًا وهذا القسم هو الذي يدخل معنا في هذه القاعدة، والحكم الشرعي في هذا القسم أن من ارتكب هذا المحرم أن عليه عقوبته إذا توفرت شروط إقامتها وانتفت موانعه، لكن إذا ارتكبها الإنسان وتخلف فيه شرط من الشروط أو وجد فيه مانع حال دون إقامتها فإنها تسقط عنه العقوبة لكن يعاقب بعقوبة أخرى وهي مضاعفة الغرم أي أنه يضمن الشيء الذي انتهكه مرتين عقوبة له على فعله للمحرم، وكأن هذه العقوبة قد نزلت منزلة البدل للأصل، ذلك لأن الأصل أن تقام عليه العقوبة المقدرة شرعًا، لكن تعذر إقامتها لفوات شرطٍ أو وجود مانعٍ فسقطت لذلك، أي سقط الأصل فقام البدل مقامه وهو مضاعفة الغرم عليه أي إذا كان ارتكاب هذا المحرم يوجب غرمًا فإنه يضاعف عليه مرتين، ويتم فهم هذه القاعدة بفهمك لشروط إقامة العقوبات الشرعية وموانع إقامتها حتى تعرف هل توفرت الشروط وانتفت الموانع فتقام العقوبة الأصلية؟ أو تخلف شيء من ذلك فتقام العقوبة البدلية؟ فعليك أن تحفظ الشروط والموانع لتؤتي هذه القاعدة ثمارها.
فإن قلت: فهل دل على مضاعفة الغرم دليل؟ فأقول: نعم بل أدلة كثيرة:
стр. 267
فمن ذلك: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: (من أصاب بفيه من ذي حاجةٍ غير متخذٍ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ... ) الحديث.
فالثمر المعلق إذا أخذ الإنسان منه شيئًا وخرج به فإنه في منزلة السارق والسرقة عقوبتها قطع اليد، لكن هذا سقط عنه القطع؛ لأنه لم يأخذ المال من حرزه، والثمر مادام على رؤوس الشجر فليس في حرز، فلما سقطت عنه العقوبة ضوعف عليه الغرم في قوله: (فعليه غرامة مثليه) أي عليه ثمن ما أخذه ومثله معه، وهذا الحديث رواه النسائي والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن وفي بعض النسخ: حسن صحيح، والمراد أنه لما سقطت عنه العقوبة لعدم الأخذ من الحرز ضوعف عليه الغرم مرتين.
ومن الأدلة عليها: ما قضى به عمر ﵁ وعثمان وعلي وابن عمر ﵃ من أنه إذا قلع الأعور عين الصحيح أنه لا يقتص منه؛ لأنه لو شرع القصاص في عينه العوراء لأدى ذلك إلى ذهاب بصره بالكلية وهذا حيف، ومن شرط إقامة القصاص الأمن من الحيف، وهنا فيه حيف، ذلك لأن الصحيح بقيت له عين ينظر بها، وأما الأعور فإنه ليس له إلا عين واحدة ينظر بها والأخرى ممسوحة فلو قلعناها قصاصًا لذهب بصره بالكلية، فسقطت عنه عقوبة القصاص، فلما سقطت عنه ضوعف عليه الغرم فقضى عليه الصحابة بأن على الأعور الدية كاملة مع أن العين الواحدة فيها نصف الدية، لكن ضوعف عليه الغرم لسقوط العقوبة عنه ولا يعرف لهؤلاء الصحابة مخالف فكان إجماعًا مع أن منهم عمر وعلياً وعثمان هم من الخلفاء الذين قال النبي ﷺ فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) وهذا هو المشهور من مذهبنا وفاقًا لمالك.
стр. 268
ومن الأدلة أيضًا: ما رواه الإمام البيهقي في سننه بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: (ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها) قال أبو بكر في التنبيه: وهذا حكم رسول الله ﷺ فلا يرد، وقد نص عليه الإمام أحمد. ا. هـ
والشاهد أن من كتم الضالة فإنه كالسارق لها وعقوبته القطع لكن تخلفت عنه العقوبة - التي هي القطع - لفوات شرطٍ من شروطها وهي الأخذ من الحرز. فهو أخذ الضالة من غير حرزها ولذلك سقط عنه القطع فلما سقط عنه القطع ضوعف عليه الغرم في قوله: (غرامتها ومثلها معها) أي أنه يضمن قيمتها مرتين عقوبة له، فدل ذلك على أن من سقطت عنه العقوبة لموجبٍ تضاعف عليه الغرم.
ومن الأدلة أيضًا: حديث غلمان حاطب، وذلك أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة ﵁ سرقوا ناقة لرجلٍ من مزينة فأتى بهم عمر فأقروا فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال له: (إن غلمان حاطبٍ سرقوا ناقة رجلٍ من مزينة وأقروا على أنفسهم) . فقال عمر: (يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم) ، فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: (أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم وأيم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك) ، ثم قال: (يا مزني بكم أريدت منك ناقتك) ؟ قال: بأربع مائة. قال عمر: (اذهب فأعطه ثماني مائة) وهذا الأثر رجاله ثقات غير عارم فإنه قد اختلط لكن قال الدارقطني: ما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر وهو ثقة. ا. هـ فالأثر صحيح، ووجه الدلالة منه واضحة وهي أن أمير المؤمنين عمر ﵁ أسقط عنهم القطع لحاجتهم إلى الطعام الذي سرقوه ولا قطع في مجاعة فلما أسقط عنهم القطع ضاعف عليهم الغرم، فالناقة ثمنها أربع مائة فغرمهم ضعفها مما يدل على أن من سقطت عنه العقوبة لموجبٍ ضوعف عليه الغرم.
стр. 269
ومن الأدلة أيضًا: حديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا وجدتم الرجل قد غَلَّ فأحرقوا متاعه واضربوه) رواه أبو داود والترمذي وفي رواية: (وامنعوه سهمه) فهذا الغال من الغنيمة هو كالسارق لكن لا قطع عليه؛ لأنه لم يأخذ المال من حرزه، فعقوبة القطع ساقطة عنه لموجبٍ أسقطها فلما سقطت عوقب بأمرين:
الأول: تحريق متاعه. الثاني: حرمانه من سهمه، فلما سقطت عنه العقوبة ضوعف عليه الغرم؛ لأن سهمه قد يكون أكثر بكثير مما سرق ومع ذلك حرق متاعه، وقد يكون فيه ما هو أغلى مما سرق، فلما سقط عنه القطع ضوعف عليه الغرم.
فهذه الأدلة تدل دلالة صريحة على أن من سقطت عنه العقوبة المقدرة شرعًا إما لفوات شرطٍ أو لوجود مانع فإنه يتضاعف عليه الغرم مرتين.
وما مضى من الأدلة هو أدلة وفروع ونزيدها فروعًا فنقول:
منها: من قتل ذميًا عمدًا عدوانًا فإنه لا يقتل به؛ لأن من شروط استيفاء القصاص المكافأة في الدين، وعليه أن يضمنه بدية مسلم، ومن المعلوم أنه لو كان خطأ لما ضمنه إلا بنصف دية المسلم؛ لأن النبي ﷺ قال: (عقل الكافر نصف عقل المسلم) أي ديته نصف دية المسلم، لكن لما قتله عمدًا عدوانًا وسقط عنه القصاص لفوات شرط المكافأة ضوعفت عليه الدية مرتين فقلنا: يضمنه بدية المسلم.
ومنها: من سرق أقل من ربع دينار فإنه لا قطع عليه؛ لأنه لا قطع إلا في ربع دينارٍ فصاعدًا، لكن عليه ضمان المسروق ومثله معه، فلما سقطت عنه العقوبة تضاعف عليه الغرم.
ومنها: السرقة في عام المجاعة أفتى الصحابة بأنه لا قطع فيها ونص عليه الإمام أحمد لكن عليه غرم ما سرقه مرتين؛ لأن من سقطت عنه العقوبة ضوعف عليه الغرم.
стр. 270
ومنها: لو قتل الصغير الذي لم يبلغ معصومة الدم عمدًا وقلنا إن عمده صحيح فإنه لا قصاص عليه؛ لأن من شروط استيفاء القصاص البلوغ، لكن عليه ضمان المقتول مرتين أي بديتين؛ لأن من سقطت عنه العقوبة ضوعف عليه الغرم، والله أعلى وأعلم.
القاعدة الحادية والستون
٦١ - من اجتهد وبذل ما في وسعه فلا ضمان عليه وكتب له تمام سعيه (١)(٢)
стр. 271
اعلم - أرشدنا الله وإياك لطاعته - أن هذه الشريعة شريعة سمحة يسيرة، فلا أغلال فيها ولا آصار، فجميع ما أمرنا الله تعالى به هو داخل تحت قدرتنا ووسعنا ليس شيء من ذلك خارجًا عنها، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ وقال ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ وقال: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ الآية. وقد قال الله: (قد فعلت) رواه مسلم، وقال النبي ﷺ : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه، وقال ﵊ لعمران بن حصين: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه البخاري، وعن جابر أن النبي ﷺ قال لمريضٍ وصلى على وسادةٍ فرمى بها، وقال: (صل على الأرض إن استطعت وإلا فأومئ إيماءً واجعل سجودك أخفض من ركوعك) رواه البيهقي وسنده صحيح. ورأى النبي ﷺ في السفر زحامًا ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: (ما هذا) ؟ قالوا: صائم. فقال: (ليس من البر الصوم في السفر) . وقوله ﵊: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) رواه أحمد من حديث ابن عمر، وشرع في السفر قصر الرباعية ركعتين والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها وغير ذلك من الأدلة والبراهين الساطعة الدالة على أن هذه الشريعة جاءت بالتيسير والتخفيف على الناس. وقد وصف الله نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَيَضَعُ
стр. 272
عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا أصل من أصول الشريعة وقد تقدم طرف من ذلك في قاعدة: (كل فعل فيه عسر فإنه يصحب باليسر) . إذا علم هذا الأصل العظيم فليعلم أن المكلف قد تحصل له حالة لا يستطيع معها القيام بما أمره الله تعالى إما أصلاً وإما على وجه الكمال، إما لمرضٍ أو خوف أو اشتباه حالٍ أو ضرورةٍ أو لغيرها من الأعذار، فإذا لم يستطع المكلف الإتيان بالمأمور على الوجه المطلوب فإن عليه أن يجتهد للوصول إليه ويبذل ما في وسعه ثم يفعل المأمور على حسب طاقته ووسعه واجتهاده، ويكون هذا الفعل حسب الطاقة والوسع فعل صحيح مجزئ ولا يأثم المكلف بترك ما لم يستطعه من المأمور؛ لأنه عاجز عنه، والواجبات تسقط بالعجز عنها، بل عليه الاجتهاد وبذل الوسع وفعل ما كان داخلاً في طاقته، والإتيان بما استطاعه منه، ويكون بهذا - أي بفعل ما في وسعه وطاقته - يكون بهذا قد خرج من عهدة المطالبة فلا إثم عليه ولا إعادة عند القدرة على فعل المأمور على وجه الكمال؛ لأنه قد فعل ما أمر به شرعًا، بل ومن تمام فضل الله علينا أن المكلف إذا فعل المأمور حسب طاقته ووسعه ونقص منه شيء فإنه لا ينظر إلى هذا النقص، بل يكتب له مثل أجر من عمل المأمور على وجه الكمال.
стр. 273
إذًا من فعل ما في وسعه وطاقته فإنه يخرج من عهدة المطالبة، فلا ضمان عليه ولا إثم وينزل منزلة من فعل المأمور على وجه الكمال، وهذه القاعدة أصل من أصول الشريعة وقد قال النبي ﷺ : (إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا) ، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ فكل من اتقى ما استطاع فلا ضمان عليه ولا يطالب بالإعادة، وفي قوله ﷺ : (فأتوا منه ما استطعتم) دليل على وجوب بذل الجهد؛ لأنه ببذله يعمل القدر المستطاع فيكون مأمورًا به وما عداه فلا يطالب به لمفهوم المخالفة، فعلق وجوب فعل المأمور أو بعضه بالاستطاعة وهذا من فضل الله علينا وتيسيره على عباده، فالحمد لله أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
وإليك بعض فروع هذه القاعدة فأقول: منها: من اشتبهت عليه القبلة في السفر - ومن المعلوم أن استقبالها واجب - فماذا يفعل؟ نقول: يجب عليه بذل الجهد والوسع في كشف جهة القبلة بالدلالة أو النظر في العلامات ونحوها، فإذا اجتهد وبذل وسعه وطاقته في التعرف على جهة القبلة فصلى ثم تبين له بأخرة أن القبلة ليست هي جهة اجتهاده فإنه لا ضمان عليه أي لا إعادة عليه؛ لأنه بذل ما في وسعه، ومن بذل ما في وسعه فلا ضمان عليه؛ ولأنه فعل ما أمر به شرعًا وهو البحث والاجتهاد وإفراغ الوسع والطاقة، فلا يحمل غير ذلك، بل ومن تمام فضل الله على هذا الرجل أن يكتب له كأجر صلاة من صلى إلى الجهة الصحيحة، وبهذا تعرف خطأ من ذهب من العلماء بوجوب الإعادة إن كان في الوقت، وهو قول مجانب للصحة، بل الصواب أن صلاته الأولى مجزئة ومسقطة للمطالبة ولا ضمان عليه.
стр. 274
ومنها: صلاة عادم الطهورين - الماء والتراب - كمن حبس في مكانٍ ولا ماء عنده ولا تراب، وحضرت الصلاة فإنه يجتهد في طلب الماء أو التراب فإن لم يجبه أحد لذلك، ولا طريق له في الحصول على أحدها فإنه يصلي في الوقت وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه إذا وجد أحدهما ولو في الوقت؛ لأنه بذل وسعه في تحصيل أحدهما ولم يستطع فلا يكلف إلا ما في وسعه، والذي في وسعه في هذه الحالة هو أن يصلي بلا طهارة، فصلى بدونها للعجز عنها فلا ضمان عليه، بل ومن فضل الله عليه أن يكتب له أجر من صلى بالطهارة، وهذا خلاف من قال تجب عليه الإعادة إذا وجد أحدهما في الوقت، وهذا تكليف آخر بلا دليل، فإن الصحابة الذين ذهبوا يبحثون عن عقد عائشة لما حضرت الصلاة صلوا بلا وضوء ولا تيمم؛ لأنه كان قبل شرعية التيمم، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة، بل إن عمارًا ﵁ لما بعثه النبي ﷺ في حاجةٍ فأجنب فلم يجد الماء فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة وصلى، وهذا التيمم ليس هو التيمم الشرعي فكأنه صلى بلا غسل ولا تيمم ومع ذلك لم يأمره النبي ﷺ بالإعادة؛ لأنه بذل ما في وسعه وطاقته في ذلك، وكل من بذل ما في وسعه فإنه لا ضمان عليه.
стр. 275
ومنها: من اجتهد في مسألة من مسائل العلم، وبذل وسعه في الوصول إلى الحق وعمل به، فإنه مأجور مشكور، فإن أصاب الحق فله أجران أجر على اجتهاده، وأجر لإصابته الحق، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد ولا ضمان عليه في خطئه، بل إن ما فعله مما أداه إليه اجتهاده لا ينقض إن كان عقدًا، ولا يبطل إن كان عبادة، فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. ولذلك قال العلماء: (كل مجتهد مصيب) ، وهذا الكلام صواب باعتبار أن كل من اجتهد وبذل وسعه فقد فعل ما هو الواجب عليه، فهو مصيب من هذا الجانب، أما أنه مصيب باعتبار الحق عند الله تعالى فهذا مجانب للصواب، وإن قال به بعض الكبار؛ لأن الحق واحد لا يتعدد.
ومنها: قاعدة عدم تضمين الأمناء كالمودع والملتقط والوكيل والمستعير ونحوهم ممن تدخل تحت يده أملاك الغير فإنه إذا تلفت عنده فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون قد بذل وسعه وجهده في حفظها لصاحبها ولكن الله قدر عليها التلف لا بتفريط منه ففي هذه الحالة لا ضمان عليه؛ لأن كل من بذل ما في وسعه فلا ضمان عليه.
وإما أن يكون قد فرط فيما يجب عليه من الحفظ ولم يبذل جهده في ذلك فإنه يضمن حينئذٍ بتفريطه فيما هو واجب عليه.
ومنها: إذا اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة ولم تتميز ولا بدل لها، فإن الواجب عليه هو الاجتهاد وبذل الوسع في التعرف على الطاهر منها، فإذا أداه اجتهاده وبذل وسعه إلى أن الطاهر هو هذا الثوب فإنه يصلي فيه ولا بأس، فإن تبين بأخرةٍ أنه صلى في الثوب النجس فلا إعادة عليه؛ لأنه فعل ما في وسعه واتقى الله ما استطاع، وكل من فعل ما في وسعه فلا ضمان عليه، بل ومن فضل الله عليه أنه يكتب له صلاة من صلى في ثوبٍ طاهرٍ أي أن صلاته لا تكون ناقصة في أجرها عن صلاة من صلى في ثوبٍ طاهرٍ.
стр. 276
ومنها: صلاة العاجز عن بعض الركوع أو السجود، فإن عليه أن يتقي الله ما استطاع فيأتي بما يقدر عليه منهما، فيحني ظهره بركوع قائمًا وبسجودٍ قاعدًا ما أمكنه الحني ولا يكلف أكثر من ذلك ولا ضمان عليه ولا ينقص من عمله شيء، بل له تمام سعيه.
القاعدة الثانية والستون
٦٢ - الأصل أن نفي الشيء يحمل على نفي الوجود إن أمكن، وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال
وهذه قاعدة مفيدة جدًا، فإن بها يعرف الطالب ما يكون النهي فيه متوجهًا إلى وجوده حقيقة، أو إلى صحته، أو إلى كماله.
стр. 277
وبيان ذلك أن نقول: إنه إذا ورد في الأدلة شيء تقدمته (لا) النافية، فإن عندنا في حكم هذا النفي ثلاث مراتب على الترتيب بحيث لا نتنقل إلى الأخرى إلا إذا لم يمكن حمل النفي على الأولى، أما إذا كان حمله على الأولى لا يلزم منه مانع فإنه يجب حمله عليها ولا يعدل عنه لغيره، فأول هذه المراتب: أننا نحمل النفي على نفي الحقيقة - أي نفي وجوده إذا أمكن - أي نقول: إن هذا الشيء المنفي ليس بموجودٍ أصلاً؛ لأن هذا هو حقيقة النفي، والأصل حمل الكلام على الحقيقة المتبادرة للذهن، فإن كان حمله على الوجود ممكنًا فالقول به المتعين، وذلك كقولنا: (لا خالق إلا الله) فالمنفي (بلا) النافية هو كلمة (خالق) والأصل أننا نحمله على نفي الوجود، فنقول: إن المنفي هنا هو وجود خالق غير الله أي لا يوجد في الكون العلوي والسفلي أحد يخلق شيئًا إلا الله تعالى فهو الخالق لكل شيء، هذا هو الذي ندين الله به، خلافًا للقدرية الذين يقولون إن العبد يخلق فعله - وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا -، بل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار، والمراد أنه إن أمكن حمل النفي على نفي الوجود أصلاً قلنا به ولا نتعداه إلى غيره، لكن إذا لم يمكن حمله على نفي الوجود فإننا حينئذٍ ننتقل إلى المرتبة الثانية وهو: نفي الصحة، أي أن الفعل المنفي قد يتحقق وجوده لكن تتخلف صحته، ذلك لأن الشيء إذا أمكن وجوده فإنه لا يمكن حمل النفي على نفي وجوده فننتقل إلى المرتبة التي تليها وهي نفي الصحة فنقول: هذا النفي يعود إلى نفي الصحة أي إذا فعل الشيء المنفي فإنه يقع باطلاً لا تبرأ به الذمة إذا كان عبادة، ولا يترتب عليه أثره إن كان معاملة، ولا يجوز لنا أن نقول بالمرتبة الثالثة مع إمكاننا حمل النفي على المرتبة الثانية.
وعلى ذلك فروع كثيرة:
стр. 278
منها: قوله ﷺ : (لا صلاة إلا بطهور) فقوله: (لا) حرف نفي، وقوله: (صلاة) عبادة منفية (بلا) فنجري عليه المرتبة الأولى وهي نفي الوجود فنظرنا فوجدنا أن الصلاة بلا طهور قد توجد، فقد يصلي الإنسان بلا طهارة، فإذًا حمله على نفي الوجود لا يمكن فننتقل للمرتبة الثانية وهي نفي الصحة والحمل عليها لا مانع منه فقلنا به، فكأنه قال: لا تصح الصلاة بلا طهور، ويؤيد ذلك قوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) متفق عليه.
ومنها: قوله ﷺ : (لا نكاح إلا بولي) من حديث أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه فقوله: (لا) نافية للجنس، وقوله: (نكاح) المراد به إبرام عقد الزوجية، وهو منفي بـ (لا) فالأصل أنه ينفي حقيقة وجوده، لكن هذا غير مراد لعدم إمكان الحمل عليه؛ لأن المرأة قد تنكح نفسها بغير إذن وليها، فالنكاح بلا ولي قد يوجد، إذًا لا يمكن حمل النفي على نفي الوجود، فننتقل إلى المرتبة الثانية وهي نفي الصحة أي لا نكاح يقع صحيحًا إلا بولي فالولي شرط من شروط صحة النكاح، ولا نتعدى هذه المرتبة إلى التي بعدها وهي نفي الكمال؛ لأن الأصل موجود فلا ننتقل إلى بدله، فالمنفي هنا هو الصحة، وبه تعرف خطأ الحنفية الذين يجيزون للمرأة الحرة أن تنكح نفسها وهو خطأ مخالف للدليل.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها) رواه ابن ماجه والدارقطني ورجاله ثقات وعلى كل حالٍ فمذهب جمهور أهل العلم هو أن المنفي هو الصحة.
стр. 279
ومنها: قوله ﷺ : (لا صيام لمن لم يفرضه من الليل) وفي رواية: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) فالصيام هنا فعل منفي بـ (لا) النافية فتجري عليه المراتب الثلاث فنبدأ بالمرتبة الأولى وهي مرتبة نفي الوجود فنظرنا فإذا الحمل عليها متعذر؛ لأنه قد يقع في الوجود صيام بلا نية من الليل، فلما تعذرت انتقلنا إلى الصحة فإذا الحمل عليها لا يلزم منه مانع فحملناه عليها، فنقول: المنفي هنا هو صحة الصيام، فالذي لا يبيت النية من الليل فلا صيام له، وهذا في الفرض، وأما النفل فقد دل الدليل على جواز إنشاء نيته من النهار كما في حديث عائشة عند الإمام مسلم.
ومنها: قوله ﷺ : (لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان) رواه مسلم من حديث عائشة، فهنا قال: (لا صلاة) فالصلاة هنا فعل منفي والأصل أن يحمل النفي على الوجود، ولكن حمله عليه هنا متعذر؛ لأنه قد يصلي الإنسان بحضرة الطعام، فننتقل إلى المرتبة الثانية وهي نفي الصحة، فنظرنا إذا الأمر لا يمكن لأنه قد أجمع العلماء إلا من شذ أن الصلاة بحضرة الطعام صحيحة، وكذلك مع مدافعة الأخبثين، فالحمل على عدم الصحة أيضًا متعذر، فننتقل إلى المرتبة الثالثة وهي نفي الكمال.
فنقول: أي لا صلاة كاملة.
стр. 280
ومنها: قوله ﷺ : (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) وهو حديث حسن بمجموع طرقه، فالوضوء فعل منفي فنحمل النفي على الوجود، لكن هذا الحمل متعذر؛ لأنه قد يوجد الوضوء بلا تسمية، فإذا تعذر ذلك فنحمله على نفي الصحة، وهنا اختلفت كلمة العلماء اختلافًا قويًا، وقد ذكرنا خلافهم في غير هذا الموضع، والصحيح أن نفي الصحة أيضًا متعذر؛ لأنه مصروف عن حقيقته إلى الندب؛ لأن كل من وصفوا وضوءه ﷺ ونقلوه إلى الأمة ليعلموهم لم يذكروا أنه كان يبدأ بالبسملة كأبي هريرة وعثمان وعلي وعبد الله بن زيد والربيع بنت معوذ وغيرهم لم يثبت عن أحدٍ منهم أنه قال ذلك مع أنهم في مقام التعليم، فدل ذلك على أنهم لم يحفظوها من النبي ﷺ ، ويؤيد ذلك قوله ﷺ : (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى) أي في آية المائدة، وليس فيها ذكر البسملة لا تصريحًا ولا تضمنًا وغير ذلك من الأدلة فالجمع بينها وبين حديث أبي هريرة - إذا قلنا إنه حسن - هو أن نقول إن البسملة على الوضوء سنة فإذا ثبت أنها سنة فلا يكون النفي في قوله: (لا وضوء) منصبًا على نفي الصحة، وإنما يكون لنفي الكمال أي لا وضوء كاملاً، والله أعلم.
ومنها: قوله ﷺ : (لا صلاة لمن لا يقيم صلبه من الركوع والسجود) فهنا الصلاة منفية بـ (لا) النافية إذا لم يقم المصلي صلبه من الركوع والسجود فينصب النفي على نفي الوجود، لكن هذا لا يمكن؛ لأنه قد يصلي الإنسان ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود، فإذا تعذر ذلك فنحمل النفي على نفي الصحة وهو الصحيح فنقول: أي لا صلاة صحيحة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته؛ ولأن الطمأنينة ركن في الصلاة، فالمنفي هنا هو الصحة لا الكمال، والله أعلم.
стр. 281
ومنها: قوله ﷺ : (لا دين لمن لا أمانة له) الحديث، فهنا نفى النبي ﷺ الدين بـ (لا) النافية فيحمل على نفي الوجود وهو متعذر؛ لأنه موجود، فلما تعذر ذلك حملناه على الصحة أي أنه دينه ليس بصحيح، لكن هذا متعذر أيضًا لإجماع من أهل السنة على أن الخائن الذي ليس عنده أمانة أنه من أهل الدين ولا يخرج عن مسمى الدين بمجرد ذلك فإذا تعذر حمله على نفي الصحة فنحمله إذًا على نفي الكمال فنقول: لا دين كاملاً إلا بأمانة، أما الذي ليس عنده أمانة فإن دينه ناقص، وفي بعض الروايات: (لا إيمان) ويقال فيها ما قيل في قوله: (لا دين) ، والله أعلم.
ومنها: قوله: (لا عمل إلا بنية) والمنفي هو الصحة أي لا عمل يقع صحيحًا إلا بالنية، والفروع كثيرة لكن المقصود الإشارة، والله تعالى أعلى وأعلم.
وبهذه القاعدة ينتهي ما أردت إثباته من جملة هذه القواعد المفيدة العظيمة، والله أسأل أن ينفع به مؤلفه وقارئه ومدرسه وسامعه، والوصية لمن انتفع بشيء منه إن كان قد وجد ما ينفعه فيه، أن يدعو لمؤلفه فإنه من أفقر عباد الله إلى الله، ومن أحوجهم لرحمة الله لما يعلمه من نفسه من الوقوع في الزلل والخطأ. وإن وجدت عيبًا فبادر بإصلاحه وبتوجيهي فإن الإنسان قوي بإخوانه ضعيف بنفسه والعذر ثم العذر مما تراه عينك من مجانبة الصواب ومخالفة الدليل، فإن هذا جهد مقصر هو فيه عالة على غيره.
وإني حرصت كل الحرص على إيصال ما عندي إليك بما يَسَّرَهُ الله تعالى لي من التوضيح والتسهيل، وأستغفر الله وأتوب إليه من الزلل، وأبرأ من الحول والقوة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والله أعلى وأعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وقد فرغت منه عام عشرين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى
على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والله يتولانا وإخواننا ويوفقنا لما فيه الخير