أنبه على أمرٍ مهم جدًا وهو أن بعض البدع التي يفعلها المبتدعة قد تكون أصولها ثابتة بالكتاب والسنة ولكن اخترع المبتدعة فيها قيدًا أو شرطًا أو صفة جديدة لم يدل عليها الدليل فإذا أنكرت عليهم ذلك احتجوا عليك بالأدلة التي تثبت أصل العبادة كالأذكار الجماعية مثلاً فإنك إذا قلت لهم: هذه بدعة. قالوا لك: أو لا تقرأ قول الله: ﴿والذاكرين الله كثيراً والذاكرات﴾ وقوله: ﴿اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾ ونحوها من الآيات الدالة على شرعية أصل الذكر، فإذا قالوا لك ذلك فقل لهم: إن العبادة قد تكون مشروعة بأصلها ممنوعة بوصفها، أي إن هذا الوصف الجديد يحتاج إلى دليل جديد ولا يكتفى فيه بمجرد الأدلة المثبتة لأصله، فالأدلة التي تثبت أصل العبادة شيء، وفعلها على وصفٍ معين شيء آخر، فلابد من دليل زائد يثبت هذا الوصف بعينه؛ لأن أصل العبادة توقيفي وكذلك كيفيتها وشروطها توقيفية كما تقدم لنا في بعض القواعد وذلك مثل قولنا إن دليل التحريم لا يستفاد منه النجاسة؛ لأن التحريم شيء والنجاسة شيء آخر، بل لابد من دليل آخر يدل على النجاسة ولا يكتفى بمجرد دليل التحريم فكذلك هنا فقولنا: الذكر الجماعي بدعة لا نعني به من حيث كونه ذكرًا إذا كانت ألفاظه لا محذور فيها وإنما نعني أن فعله بهذه الصفة هو البدعة وقس على ذلك، فعليك التفريق بين أدلة مشروعية الشيء وأدلة إيقاعها على صفةٍ معينة، فهذا من ناحية الأصل الأول.
стр. 212
وأما الأصل الثاني: فهو في العادات فالباب فيها مفتوح - ولله الحمد - وهو خاضع لأعراف الناس، فكل عادة انتشرت بين الناس وتعارفوا عليها من فعلٍ أو قولٍ أو أكل أو شرب أو غيرها من الملبوسات والمفروشات ونحوها، فالأصل فيها الحل والإباحة لكن هذه الإباحة مقيدة بما إذا لم تخالف هذه العادة دليلاً شرعيًا فإن خالفت الدليل فهي عادة محرمة يجب إنكارها، أما إذا لم تخالف دليلاً فالأصل التوسعة على الناس، فلا يجوز لأحدٍ كائنٍ من كان أن يضيق على الناس فيما اعتادوه وتعارفوا عليه إلا بدليل، وأنت ترى اختلاف الناس من قطرٍ إلى قطرٍ، بل إن من قواعد الشريعة أن العادة محكمة، أي تؤخذ الأحكام الشرعية بناءً على العادات المتقررة عندهم، كما مضى في بعض القواعد طرف من ذلك فلا يجوز لأحدٍ أن ينكر على أحدٍ ما اعتاده إلا إذا خالف الدليل الشرعي، فهذان الأصلان العظيمان يدخلان في جميع جوانب حياة الإنسان؛ لأنه متقلب في عادة أو في عبادة، فالعبادات بابها توقيفي إلا بدليل والعادات بابها مفتوح إلا بدليل ولله الحمد والمنة، وإليك بعض الفروع على هذين الأصلين ليتضح لك مدى تأثيرهما في المسائل الفقهية:
فمنها: الأذكار الجماعية بمختلف أنواعها كلها من البدع باعتبار صفاتها، بل وأحيانًا باعتبار ألفاظها أيضًا؛ لأنهم يعتقدون أنها عبادة لكن ليس عليها دليل، والأصل في العبادات التوقيف إلا بدليل.
ومنها: الطواف حول القبور، بل وجميع ما يفعله عباد القبور عندها من إسراجها، والبناء عليها، والنذر لها، والسجود عليها، والأخذ من ترابها والتبرك بها، والذبح عندها وغير ذلك، كل ذلك من البدع المفضية إلى تعظيمها ثم إلى اتخاذها أوثانًا تعبد من دون الله، وفاعلوها يعتقدون أنها عبادات ولم يأتوا عليها بدليل شرعي، فهي إذًا بدع وبعضها شرك أكبر؛ لأن العبادات توقيفية على الدليل الصحيح.
стр. 213
ومنها: أن بعض الناس إذا فرغ من الصلاة المكتوبة، فإنه يسجد سجدة واحدة ثم يرفع رأسه، وهذه السجدة بدعة؛ لأنه يعتقد أنها عبادة، والعبادات توقيفية على الدليل، ولم يأت الدليل الصحيح بشرعية هذه السجدة. وبعضهم يقول عند قول الإمام: (إياك نعبد وإياك نستعين) استعنا بالله، وهذا القول قول لا غبار عليه من ناحية لفظه، فإن المسلم مأمور بالاستعانة بالله وحده، لكن تخصيص قوله في هذا الوقت خاصة هو البدعة لعدم الدليل، وهذا من جملة العبادات المشروعة بأصلها الممنوعة بوصفها.
ومنها: التعبد لله بالتسبيح بالسبحة، لا دليل عليه فهو من جملة البدع؛ ولأن في التسبيح بها مشابهة للمبتدعة من الصوفية وغيرهم.
ومنها: جملة الصلوات المخترعة، كالألفية، والرغائب، وصلاة التسابيح، وغيرها كثيرة جدًا كلها من جملة البدع لعدم ثبوت الدليل الشرعي الصحيح بمشروعيتها، والعبادات مبناها على التوقيف.
والجامع في ذلك أن تخصيص زمانٍ من الأزمنة، أو مكان من الأمكنة بفعلٍ أو قولٍ يفعل فيه دون غيره فإنه يحتاج إلى دليل شرعي صحيح، وإلا فهو بدعة؛ لأن الأصل في العبادة الحظر والتوقيف.
ومنها: إن من العادات عندنا أن لبس الغترة والثوب من التجمل والتزين، وكشف الرأس عند غيرنا من التجمل أيضًا، وكل ذلك سائغ لا ينكر؛ لأنه من باب العادات ولم تخالف دليلاً شرعيًا.
ومنها: أن من العادة عندنا في ليلة الزواج أو قبله إنارة البيت بالمصابيح الكثيرة إعلانًا وإظهارًا للفرح والسرور، وهذا لا بأس به بل هو من إعلان النكاح المأمور به شرعاً إذا لم يكن فيه إسراف ولا يطلب الدليل على جوازه؛ لأنه من جملة العادات (١) .
ومنها: لبس العقال عندنا من جملة العادات التي لم تخالف الدليل الشرعي، فالأصل فيه الحل والإباحة، والتضييق على الناس في مثل هذا مجانب للصواب.
стр. 214
والفروع كثيرة جدًا، وإنما الواجب عليك أن تفرق بين باب العبادات وبين باب العادات، فتمنع كل ما لم يأت الدليل بجواز التعبد به، وتبيح كل عادةٍ لم تخالف دليلاً صحيحًا. فإن قلت: وهل تعرف عادةً عندنا تخالف الدليل حتى نحذر منها؟
فالجواب: نعرف الكثير من ذلك، ولو ذهبنا نعددها لطال بنا المقام، لكن لا بأس بذكر بعضها من باب الإشارة:
فمما انتشر عندنا عادة الاجتماع في العزاء في بيت الميت أو أحد أقاربه، وتخصيص وقت للعزاء، وصنع أهل الميت الطعام للضيوف، وعادة التحاكم إلى السلوم والأعراف القبلية والترافع إلى ما يسمون بالعارفين ويتركون المحاكم الشرعية، وعادة مصافحة الأقارب لقريباتهم من النساء كابنة العم وابنة الخال، أو زوجة الأخ والخلوة بها، وعادة الحجر على القريبة ومنعها من الزواج إلا به، ولو خالفت أو خالف وليها وزوجها بغيره حصلت الكوارث وسفك الدماء، وعادة لبس البراقع التي يحصل بها من الفتنة أعظم من كشف الوجه وغيرها كثير جدًا، وبفهمك لهذين الأصلين فإنه يسهل عليك التمييز بين العبادة والبدعة، وبين العادة الجائزة والعادة الممنوعة. والله الموفق والهادي.
стр. 215
القاعدة الثامنة والأربعون
٤٨ - القصود في العقود معتبرة
وتسمى قاعدة العقود، ومعناها: أنه إذا أبرم شخصان عقدًا فإنه لا ينظر إلى الألفاظ التي يستعملها المتعاقدان، وإنما ينظر إلى مقاصدهم الحقيقية من الكلام التي يلفظ به حين العقد؛ لأن المقصود بالعقود هو معناها، وليس اللفظ ولا الصيغة المستعملة، فالألفاظ إذا كانت تنص على شيء والمقاصد والبواعث والنيات والحقائق على شيء آخر فنطرح اللفظ ونعمل بالمقصد، ومن تدبر مصادر الشريعة ومواردها تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم معانيها، بل جرت على غير قصدٍ منه كالنائم والناسي والسكران والجاهل والمكره والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم. ولم يكفر من قال من شدة فرحه براحلته بعد إياسه منها: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) فكيف يعتبر الألفاظ التي يقطع بأن مراد قائلها خلافها، ولهذا رد شهادة المنافقين ووصفهم بالخداع والكذب والاستهزاء وذمهم على أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وأن بواطنهم تخالف ظواهرهم، وذم تعالى من يقول ما لا يفعل، وأخبر أن ذلك عنده من أكبر المقت، ولعن اليهود إذ توسلوا بصورة عقد البيع على ما حرمه عليهم إلى أكل ثمنه، وقد لعن رسول الله ﷺ في الخمر عاصرها ومعتصرها، ومن المعلوم أن العاصر إنما عصر عنبًا، ولكن لما كانت نيته إنما هي تحصيل الخمر لم ينفعه ظاهر عصره، وعومل بنيته الفاسدة، فمن تدبر ذلك علم علمًا يقينيًا أن الشريعة ما أهملت النظر في مقاصد الأقوال والأفعال،وأن من اقتصر على النظر إلى ظواهر الألفاظ فقط فإنه قد يحلل الحرام ويحرم الحلال وينصر الظالم ويعينه على ظلمه، ويصحح الفاسد إذًا فالمقاصد لها شأن كبير في الشريعة، وهي الأصل وإنما جعل اللفظ معبرًا عنها، فإذا اختلف معها قدمناها عليه.
وأدلة هذه القاعدة لا حصر لها من الكتاب والسنة:
стр. 216
فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في زمن العدة ﴿إنْ أرَادُوا إصْلاحًا﴾ وهذا عقد الرجعة وهو خاضع لرضى الزوج، لكن الله تعالى شرط ذلك بإرادة الإصلاح دون قصد الإضرار، فعلق أحقية الزوج برجعة زوجته بإرادة الإصلاح، ويفهم منه أن الزوج إذا ظهرت منه قرائن تدل على إرادته بالرجعة مجرد الإضرار بزوجته أنه يمنع من ذلك ولا يمكن منه، وهذا نص صريح في اعتبار المقاصد.
ومنها: قوله ﷺ : (لعن الله المحلل والمحلل له) مع أن المتعاقدين لا يذكران في ألفاظهما التحليل، وإنما يذكران ألفاظ النكاح المعروفة، لكن لما كان المقصود من هذا العقد مجرد تحليل المطلقة البائن بالثلاث لزوجها عوملا بمقاصدهما. فهو في الظاهر عقد نكاح لكن في الباطن والمقاصد عقد تحليل فحكم عليهما باللعنة للنظر إلى مقاصدهما، مما يدل على أن الاعتبار في العقود إنما هو المقاصد.
ومنها: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: (من تزوج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها فهو زانٍ، ومن أدان دينًا ينوي أن لا يقضيه فهو سارق) وروى البخاري من حديث أبي هريرة أيضًا: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) فأنزل الناكح الذي ينوي أن لا يؤدي الصداق لمنكوحته أنزله منزلة الزاني؛ لأن الزاني يستحل الفرج بلا عوض مع أن صورة العقد صحيحة في الظاهر، لكن بالنظر إلى نيته وقصده حكم عليه بذلك، والذي يأخذ أموال الناس بعقد مقارضة أو غيره ويريد أن لا يؤديها إليهم فإنه بهذه النية سارق؛ لأن السارق هو الذي يستحل أموال الناس بلا عوض ولا رضىً مع أن صورة العقد في الظاهر أنها عقد دين أو مقارضة لكن لم ينظر إلى مجرد اللفظ والمبنى، وإنما نظر إلى المقصد والمعنى والباعث.
стр. 217
ومنها: قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) فبين في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال، فمن نوى بعمله شيئاً فإنه إنما يحصل له ما نواه ويحكم عليه بمقتضاه.
فإذا علم هذا فقد يثور في بعض الأذهان إشكال على هذه القاعدة وهو قولهم: أنتم قررتم أن المقاصد لها تأثيرها في صحة العقود والأقوال والأفعال وبطلانها وتحليلها وتحريمها وحكمتم على الناس باعتبار نياتهم ومقاصدهم ونحن باستقراء الأدلة الشرعية نجد المنع التام من الحكم على الناس بالنظر إلى سرائرهم؛ لأنها من جملة الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى ومن أصول أهل السنة والجماعة أننا نحكم على الظواهر ونذر السرائر إلى الله تعالى، وقال النبي ﷺ : (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم) وعتب على أسامة بن زيد لما قتل الذي قال: لا إله إلا الله مع أن ظاهره يدل على أنه إنما قالها خوفًا من السلاح لكن هذا الأمر أمر باطني وكان مأمورًا أن يحكم عليه بما ظهر منه ويكف عنه، وقال – ﵊: (إنما أقضي بنحو ما أسمع) وكان يحكم على المنافقين بما يظهر منهم ولا يتعرض لما يبطنونه من الكفر وسيئ القصد، فالمقاصد أمرها إلى الله تعالى ونحن مأمورون أن نحكم على الناس بما يظهر منهم، فكيف تقولون إن القصود في العقود معتبرة؟ أقول: هذا سؤال مهم جيد، والجواب عليه أن يقال: نعم إن الأدلة التي ذكرتموها لا غبار عليها صحة ولا استدلالاً فإنها تفيد أن المقاصد والنيات إنما يعلمها الله وحده لا شريك له وأنه لا يعلمها إلا هو جل وعلا لكن عليكم أن تنظروا إلى أدلتنا فإن فيها أكبر دلالة على اعتبار المقاصد في
стр. 218
الحكم على أصحابها، فحينئذٍ لابد من الجمع بين هذه الأدلة، أعني بين الأدلة التي تجعل للمقاصد أعظم الأثر في حل الشيء وحرمته وصحته وفساده وبين الأدلة التي تدل على أن النظر في المقاصد والنيات إنما هو لله وحده، وقد أجاب عنها ابن القيم أجمل جواب وأنا أنقل لك ملخصه، فأقول: الألفاظ إنما وضعت للدلالة على ما في النفوس، فإذا أراد أحد منا شيئًا من أخيه عرفه بمراده وما في نفسه بلفظه ورتب على تلك الإرادات والمقاصد أحكامها بواسطة الألفاظ، والشارع الحكيم لم يرتب الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة قولٍ أو فعلٍ لما في الصحيح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (إن الله ﵎ تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) وكذا لم ترتب الأحكام على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتكلم بها لم يرد معانيها ولم يحط بها علمًا، بدليل أنه لم يرتب حكمًا على كلام النائم والناسي والمخطئ والمكره والسكران والغضبان، وأدلة ذلك مشهورة معروفة.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الألفاظ ثلاثة:
الأول: أن تظهر مطابقة القصد للفظ وللظهور مراتب تنتهي إلى مرتبة اليقين ككلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وعقلاء الخلق فإنه حينئذٍ يجب حمل كلامه على ظاهره، أعني إذا قصد المتكلم لمعنى الكلام فإنه يجب حمله على ظاهره ولا يجوز إهمال ألفاظه، بل تحمل على معانيها وحقائقها اللغوية وهذا حق لا ينازع فيه عالم.
стр. 219
الثاني: ألفاظ نعلم نحن علم اليقين أحيانًا أو بغلبة الظن أن المتلفظ بها لا يريد معناها وحقيقتها، وهو نوعان: إما أن نعلم أنه ليس مريدًا لمقتضاها ولا لغيره، وإما أن نعلم أنه ليس مريدًا لمقتضاها ولكنه يريد غيره، فالأول ككلام النائم والمخطئ والناسي والمجنون ومن اشتد عليه الغضب والسكر والمكره، والثاني: كالمعرض والمورِّي والملغز والمتأول. فهؤلاء لاشك لا عبرة بألفاظهم؛ لأننا نعلم أو يغلب على ظننا أنهم لم يريدوا حقائقها ومعانيها، وفي ذلك نزاع عند البعض لكن هذا هو الراجح.
الثالث: ألفاظ تقتضي أحكامًا لكن ظهر من المتلفظ بها إرادة غير حقيقتها، أعني أن شواهد الحال وقرائن الواقعة توصلنا إلى اليقين أحيانًا أو غلبة الظن أحيانًا إلى أن المتلفظ بها ما أراد حقيقتها ولا معناها وإنما أراد شيئًا آخر، فهل حينئذٍ العبرة بظواهر الألفاظ وإن ظهرت المقاصد والنيات بخلافها؟ أم للمقصود والنيات تأثير يوجب الالتفات إليها ومراعاة جانبها؟ هذا هو محط رحالنا في هذه القاعدة، فنحن إنما نعمل الألفاظ على ظاهرها إذا لم تظهر النيات بخلافها أما إذا ظهرت بخلافها فلا، وهذا هو وجه الجمع بين الأدلة المتقدمة وهو جمع حسن جدًا، والله أعلم.
وإليك الآن بعض الفروع التي تبين أن القصود في العقود معتبرة فأقول:
منها: من اشترى سلاحًا في فتنة، فإن كان يقصد به إعانة ولي الأمر على إطفائها والقتال معه فهذا مأجور على هذه النية، وإن كان يقصد بشرائه قتل المسلمين به ظلمًا وعدوانًا فهو مأزور مع أن صورة البيع واحدة لكن اختلف باختلاف المقاصد.
ومنها: من اشترى جارية ينوي أن تكون لموكله فإنها تحرم على المشتري، وإن نوى أنها له فإنها تحل له، مع أن صورة البيع واحدة لكن اختلفت حلاً وحرمة باختلاف المقاصد والبواعث.
стр. 220
ومنها: إذا باعه شيئًا واشترط المشتري أن له الخيار مدة سنة فإن جاء البائع بالثمن في هذه المدة انفسخ البيع بيننا، فهذا صورته بيع وخيار شرط لكنه حرام؛ لأن حقيقته أنه قرض جر نفعًا؛ لأنه أعطاه ثمن الدار على أنه قرض وسكن داره هذه المدة وهو لا يقصد حقيقة البيع فهو قرض جر نفعًا وكل قرضٍ جر نفعًا فهو ربا.
ومنها: نكاح التحليل وتقدم تفريعه في الأدلة.
ومنها: بيع العينة فإن ظاهره أنه بيع بألفاظ البيع وشروطه المعتبرة لكنه حرام نظرًا إلى مقاصد المتعاقدين، فالبائع يريد التوصل إلى الزيادة الربوية بهذا العقد فحرم من أجل هذا القصد الفاسد، فحقيقتها أنها دراهم بدراهم بينهما سلعة.
ومنها: الشريك إذا أهدى شقصه لغير شريكه ويقصد بذلك إبطال حق الشفعة فإنه لا يسقط ولشريكه الشفعة فيه مع أن الظاهر أن هذا عقد هبة لكن لما ظهر من نيته وقصده إرادة المضارة عاملناه بنقيض قصده، وعلى ذلك فقس.
ومنها: اشتراط الثواب في الهبة - أي دفع العوض - فإن الصورة والألفاظ تقضي أنها هبة لكنها في حقيقتها أنها بيع فتأخذ أحكام البيع وعلى ذلك فقس، والله أعلم.
القاعدة التاسعة والأربعون
٤٩ - من لا يعتبر رضاه لفسخ عقدٍ أوحَلهِ لا يعتبر علمه به
إن العقود من حيث لزومها وعدمه تنقسم إلى ثلاثة أقسام وذلك بالاستقراء:
الأول: عقود لازمة من كلا الطرفين بحيث لا يستطيع أحدهما فسخها إلا برضا الآخر كعقد البيع بعد لزومه والإجارة والسلم ونحوها، فهذه عقود إذا لزمت فإنه لا يتمكن أحد الطرفين من فسخها إلا إذا رضي الطرف الآخر، فهذه العقود لا تدخل معنا في هذه القاعدة، وحكمها اللزوم من الجانبين ولا تفسخ إلا برضاهما.
стр. 221
الثاني: عقود جائزة من قبل الطرفين كليهما، بحيث يجوز لكل واحدٍ منهما فسخها متى شاء ولا يشترط لفسخها رضا الطرف الآخر كالوكالة والجعالة والوديعة والعارية فيجوز لكل واحدٍ من الطرفين فسخ هذا العقد متى أحب ولو لم يرض صاحبه.
الثالث: عقود لازمة في حق أحدهما جائزة في حق الآخر،كالرهن فهو لازم في حق الراهن جائز في حق المرتهن، وكذلك النكاح فهو لازم من جهة الزوجة جائز من جهة الزوج، وكذلك الضمان والكفالة فهي لازمة في حق الكفيل والضامن جائزة من جهة صاحب الحق، وكذلك البيع في حق من له خيار الشرط فإنه جائز في حقه لازم في حق الآخر، وأيضًا الشفعة لازمة في حق الشريك البائع لشقصه وجائزة في حق شريكه الآخر وهكذا، وحكم هذا النوع من العقود أنه يسوغ لمن هو جائز في حقه فسخه أو حَلُّه متى شاء ولو لم يرض الآخر وأما الطرف الآخر فلا يجوز له فسخه أو حله إلا برضا صاحبه.
إذا علمت هذا فاعلم أن هذه القاعدة يدخل تحتها النوع الثاني والثالث فقط لا النوع الأول، وحينئذٍ فمعناها: أن العقود الجائزة من الطرفين أو من أحدهما يجوز لمن له حق الفسخ أن يفسخها ولو لم يرض الآخر، فرضاه ليس بشرط في صحة فسخها أو حلها، فإذا كان رضاه لا يعتبر ولا يؤثر، فكذلك إذًا علمه أيضًا لا يشترط ولا يؤثر في صحة فسخها، ذلك لأن الفسخ صحيح وإن لم يرض، أي سواءٌ رضي أم لم يرض فلا أثر لذلك، فإذا كان لا أثر لرضاه أصلاً فلماذا يتوقف فسخها على علمه، فإنه إذا سقط اشتراط الرضا فمن باب أولى لا يشترط العلم لأنه سواءً علم بالفسخ أم لم يعلم لا يؤثر ذلك شيئًا لا في الفسخ ولا في الحِلَّ، فكل من لا يعتبر رضاه فإنه حينئذٍ لا يعتبر علمه، هذا هو شرح هذه القاعدة، وإليك بعض فروعها حتى تتضح أكثر فأقول:
стр. 222
منها: الطلاق فإن الزوج إذا طلق زوجته فإنه بمجرد تلفظه بطلاقها يقع مباشرة سواءً رضيت أو لم ترضى، فالله جل وعلا لم يجعل صحة وقوع الطلاق مربوطًا برضا المرأة وإنما هو حق للزوج فسواءٌ رضيت أم لم ترض فالطلاق واقع واقع، فإذا كان رضاها لا تأثير له في صحة فسخ عقد النكاح فإنه حينئذٍ لا يشترط علمها أي لا يلزم أن تعلم بأنه طلقها حتى يصح طلاقها وهذا هو المشهور من المذهب؛ لأنها لا يعتبر رضاها في وقوعه فكذلك لا يُعتبر علمها به وبناءً على ذلك فإنه لا يُشترط أيضًا لصحة عدتها أن تعلم أنها في عدة، فلو طلقها ولم تعلم إلا بعد ثلاث حيضات فإنما تكون قد اعتدت من طلاقه على القول الصحيح.
ومنها: العتق فإن السيد إذا أعتق عبده فإنه يعتق بمجرد تلفظه بألفاظ العتق، ولا يشترط لصحة العتق أن يرضى العبد بالعتق، فالعتق صحيح سواءٌ رضي أم لم يرض، فرضاه من عدمه لا يؤثر في صحة العتق شيئًا، فإذا كان رضاه غير معتبر فعلمه حينئذٍ أيضًا لا يعتبر، أي أن العتق وقع عليه سواءٌ علم أم لم يعلم، والله أعلم
стр. 223
ومنها: الوكالة عقد جائز من الطرفين، يجوز لكل واحدٍ منهما فسخه ولو بلا رضا الآخر، فإذا فسخ الوكيل أو الموكل الوكالة، فإنها تنفسخ ولو لم يرض الطرف الآخر، فإذا كان لا يشترط لصحة الفسخ رضاهما فإنه حينئذٍ لا يشترط لصحته علم الطرف الآخر به وهذا هو المشهور من المذهب، واختار الشيخ تقي الدين أن الموكل إذا عزل الوكيل فإنه لا ينعزل إلا بعد العلم بالعزل ذلك لأن الوكيل قد يعقد عقدًا بحكم الوكالة بعد عزله وقبل العلم فيكون عقدًا باطلاً وقد يحصل فيه قبض للمال أو تسليم للسلعة وخاصة إذا كان العقد وقع على شراء أو بيع جارية ووقع بعد الوطء قبل العلم بالعزل، فدرءاً لذلك كله قلنا لا ينعزل الوكيل إلا بعد علمه بالعزل، وعلى اختيار الشيخ تقي الدين تكون القاعدة غير مطردة، ذلك لأن الوكيل ينعزل بالعزل وإن لم يرض فرضاه لا يشترط لصحة عزله لكن لا يقع العزل عليه إلا بعلمه فاشترط العلم دون الرضا وهو خلاف نص القاعدة، ولكن البقاء على القاعدة أرجح والله أعلم.
ومنها: الخلع فإذا اتفق الزوج مع أجنبي على أن يدفع له مبلغًا من المال ويخلع زوجته وقبل، وتم الخلع انخلعت الزوجة سواءً علمت بذلك أم لم تعلم؛ لأنه لا يشترط رضاها، فحينئذٍ لا يشترط علمها، وأعني بهذا الفرع إن كانت الحال بينهما غير مستقيمة وأما مع استقامة الحال فلا يجوز لأحدٍ أن يفسد على الزوجين حياتهما، والله أعلم.
ومنها: فسخ البيع في حق من له خيار الشرط يجوز في أي وقتٍ شاء ما دام الخيار باقيًا؛ لأن البيع لم يلزم في حقه وإذا فسخ البيع صح الفسخ وإن لم يعلم الطرف الآخر، ذلك لأن رضاه أصلاً بهذا الفسخ لا يعتبر ومن لا يعتبر رضاه فإنه لا يُعتبر علمه.
стр. 224
ومنها: فسخ العارية، إذا أعرتك شيئًا ثم أردت فسخ العقد واسترجاع العين يجوز ذلك سواءٌ علمت أم لم تعلم، وكذلك الكلام في حق المستعير إذا أراد فسخ العقد ورد العين إلى مالكها صح الفسخ سواءٌ علم المعير بذلك أم لم يعلم لأنه لا يشترط رضاهما بالفسخ ومن لا يشترط رضاه لا يشترط علمه.
ومنها: عقد الرهن، يجوز للمرتهن فسخه متى شاء بأن يرد العين المرهونة للراهن ويصح ذلك ويكون فسخًا لعقد الرهن، سواءٌ علم الراهن أم لم يعلم؛ لأنه لا يشترط رضاه بالفسخ ومن لا يعتبر رضاه فإنه لا يعتبر علمه.
ومنها: صاحب الحق إذا أبرأ الكفيل والضامن برئت ذمتهما.
стр. 225
القاعدة الخمسون
٥٠ - كل من سبق إلى مباحٍ فهو أحق به
والمراد بالمباح ما لا يدخل تحت ملك المعصوم، من الأراضي والبقاع وما يخرج من الأرض من الكلأ والمرعى ونحوها كل ذلك من المباحات التي لا يتعلق بها ملك معصوم أي لا أحد يملكها ملكًا خاصًا، بل هي عامة لكل أحد أي أن نفعها لا يختص بأحد دون أحد، بل هو حق للجميع، فهذا هو ما نعنيه بالمباح، فهذا المباح يكون حقًا لمن سبق إليه قبل غيره، بمعنى أنه يدخل تحت ملكه ويكون حقًا له إذا سبق إليه قبل غيره، وقولنا: (فهو أحق به) أي أن الذي سبق إليه قبل غيره يكون أحق بالانتفاع بهذا المباح ما دامت يده عليه سواءً المشاهدة أو الحكمية، فإذا زالت فإنه يعود إلى حالته الأولى، والدليل على هذه القاعدة ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عروة بن الزبير عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (من عمر أرضًا ليست لأحدٍ فهو أحق بها) ، قال عروة: (وقضى به عمر في خلافته) ، وعن سعيد ابن زيد عن النبي ﷺ أنه قال: (من أحيا أرضًا ميتةً فهي له) رواه الثلاثة وحسنه الترمذي. وهذا النص وإن كان في الأرض الميتة، لكن يقاس عليه سائر المباحات بجامع الإباحة في كلٍ والمراد بالأرض الميتة أي المنفكة عن الاختصاصات وعن ملك المعصوم، فأثبت الحديث أن من سبق إلى هذه الأرض الميتة فأحياها بما يحصل به الإحياء أنها له، ويقاس على ذلك سائر المباحات التي لا تدخل تحت ملك المعصوم.
ومن الأدلة: أنه ﷺ نهى أن يقيم الرجل غيره من مجلسه فيجلس مكانه، ذلك لأنه سبق إلى هذا الموضع فيكون أحق به من غيره، فلا يجوز الاعتداء عليه واستلابه منه، والمسجد حق عام للمسلمين جميعهم لكن إذا سبق أحد إلى موضع منه فيكون هو أحق به ما دامت يده المشاهدة عليه، وإن قام منه فإن عاد إليه قريبًا فهو أحق به وإن طال الفصل سقط حقه فيه.
стр. 226
ومن الأدلة: ما رواه ابن ماجه بسندٍ فيه ضعف عن عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ قال: (من حفر بئرًا فله أربعون ذراعًا عطنًا لماشيته) فقضى النبي ﷺ بأن هذا الرجل بحفره لهذه البئر قد تملك أربعين ذراعًا مما حول البئر تكون عطنًا لدوابه، فيكون تملكها؛ لأنه سبق إلى إحيائها بهذا البئر فهو أحق بها وقسنا على ذلك سائر المباحات.
ومن الأدلة أيضًا: قوله ﷺ : (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه) والسلب بفتحتين ما مع المقتول من سلاحٍ ومالٍ وثيابٍ ونحوه، فالذي يسبق إلى الحربي فيقتله - أعني في المعركة - فإنه أحق بسلبه؛ لأن دم الحربي وماله مباحان، فمن سبق إلى هذا المباح فهو أحق به، فقسنا عليه سائر المباحات.
ومن الأدلة أيضًا: قوله ﷺ : (ولا يخطب المسلم على خطبة أخيه) وهو في الصحيح ووجه الشاهد منه أن المرأة التي لا زوج لها مباحة للخطاب، فمن سبق إلى هذا المباح وهو خطبتها فيكون هو أحق بها، ولا يجوز لأحدٍ أن ينازعه فيه مادام عازمًا على الاستمرار في ذلك وقد رضوا به وقبلوه، فإن تعدى أحد على حقه وتجرأ على اقتحام نهي النبي ﷺ فإنه يبوء بالإثم ولاشك، لكن ذهب الجمهور إلى صحة العقد الثاني مع الإثم، وأما الشيخ تقي الدين فإنه اختار أن العقد الثاني فاسد، وأنها تنزع منه وترد للأول والمهم أن تعلم أن الخاطب الأول لما كان أسبق من الثاني بتحصيل هذا المباح الذي هو خطبة هذه المرأة كان أحق بها، مما يدل على أن من سبق إلى مباح فهو أحق به.
стр. 227
ومن الأدلة أيضًا: أن السنة الفعلية المطردة التي دلت عليها الأدلة الشرعية أن النبي ﷺ لم يكن يدفن في القبر أكثر من واحد إلا لعذر ككثرة الموتى وقلة من يدفنهم، وأما مع عدم العذر فلم يزد على واحدٍ في كل قبرٍ، وحرمت الشريعة القعود على القبر والوطء عليه ونبشه وإخراج الميت منه، كل ذلك لأن هذه البقعة من الأرض التي هي القبر صارت حقًا لهذا الميت؛ لأنه سبق إليها ومن سبق إلى مباحٍ فهو أحق به.
ومن الأدلة على ذلك: أن الأدلة دلت على أن البيعة العظمى لا تصلح إلا لواحدٍ فإمام المسلمين لا يكون إلا واحدًا وطرق الوصول إليها ثلاثة: إما بالاستخلاف كما استخلف أبو بكرٍ عمر ﵄، وإما بالاختيار كما حصل في أهل الشورى الستة واختيارهم عثمان ﵃، وكما اختار المسلمون أبا بكرٍ الصديق ﵁ استنادًا على نصوص مسلمة ومشيرة إلى خلافته، وإما أن يظهر على المسلمين بسيفه وعتاده ويتغلب عليهم ويقهرهم بسلاحه ويستتب الأمر له فإذا تمت البيعة لواحدٍ ثم نازعه فيها غيره فإن الواجب هو قتل هذا الآخر إن لم يندفع إلا بالقتل لما ورد في الحديث: (فاقتلوا الآخر منهما) وقال ﷺ : (من خرج عليكم وأمركم جميعًا على رجلٍ واحدٍ يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه) ، ووجه الشاهد من ذلك أن الخليفة الأول لما استقر له أمر البيعة لسبقه إليها بأحد الطرق الثلاث السابقة فإنه يكون أحق بها من غيره؛ لأن من سبق إلى مباحٍ فهو أحق به، فلا تجوز منازعته في حقه هذا مادامت البيعة له.
стр. 228
ومن ذلك: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة عند مسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) فدل ذلك على أن من سبق منهم إليه فهو أحق به، وإذا تنازعوا واشتجروا لمجيئهم في وقت واحد وكلهم يريد النداء أو الصف الأول فإنهم يستهمون عليهما فمن سبق إليهما بالاستهام فهو أحق بهما من غيره.
فهذه الأدلة تدل دلالة واضحة على أن المباحات تملك بالسبق لها وبحيازتها أو الجلوس فيها أو إحيائها قبل غيره.
ولعل ما مضى من الفروع مع تقييد الأدلة فيه كفاية - إن شاء الله تعالى -، والله أعلم.
القاعدة الحادية والخمسون
٥١ - اليمين في جانب أقوى المتداعيين (١)
وقد تكلمنا عنها في قاعدة البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وأفردتها بالذكر لأهميتها؛ ولأنه قد يفهم البعض أن اليمين دائمًا تكون في جانب المدعى عليه، وهذا ليس على إطلاقه، فتأتي هذه لتبين أن اليمين إنما جعلت في جانب المدعى عليه؛ لأنه أقوى المتداعيين، أي أن المدعي إذا لم يأت بالبينة التي تثبت دعواه فإنه يطلب من المدعى عليه أن يحلف، ذلك لأن جانبه قوي. وقوة الجانب نستفيدها من أمور:
منها: البقاء على الأصل فإن الأصل براءة الذمة من الحقوق فالمدعي يدعي خلاف الأصل فجانبه ضعيف لمخالفته للأصل، والمدعى عليه جار على الأصل فجانبه قوي لموافقته للأصل.
ومنها: نكول المدعى عليه عن اليمين بمعنى أن المدعى عليه إذا طلب منه أن يحلف ثم رفض وقال لا أحلف، فإنه على القول الصحيح تتوجه اليمين للمدعي، ذلك لأن رفض المدعى عليه لليمين قرينة قوية لصدق دعوى المدعي، فهذا النكول جعل جانب المدعى قويًا فلما قوي جانبه طلب منه اليمين؛ لأن اليمين في جانب أقوى المتداعيين.
стр. 229
ومنها: وجود قرينة ترجح جانب أحدهما كمسألة القسامة فإن الأيمان في جانب المدعين أولاً وذلك لقوة جانبهم، والذي جعل جانبهم قويًا أمران: الأول: وجود المقتول بين أظهر المدعى عليهم وهذه قرينة ترجح صدق دعواهم. الثاني: وجود العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليهم، فهاتان القرينتان جعلت جانب المدعين أقوى فلما كان جانبهم أقوى صارت اليمين في جانبهم؛ لأن اليمين تشرع في جانب أقوى المتداعيين ولذلك إذا نكل المدعون ولم يحلفوا فإن نكولهم هذا أضعف جانبهم وقوى جانب المدعى عليهم فلما قوي جانب المدعى عليهم انتقلت اليمين لجانبهم، مما يدل على أن اليمين ليست في جانب المدعى عليه مطلقًا وإنما هي في جانب أقوى المتداعيين، وهكذا فمسألة القسامة ليست على خلاف الأصول، بل هي متفقة معها كل الاتفاق وإنما الذين قالوا إنها على خلاف الأصل ظنوا أن اليمين دائمًا تكون في جانب المدعى عليه وهذا ليس بصحيح لكن على هذه القاعدة المفيدة يزول الإشكال ولله الحمد والمنة.
стр. 230
القاعدة الثانية والخمسون
٥٢ - الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظر
وهذا رواية عن الإمام أحمد وهي الموافقة للأدلة من الكتاب والسنة وهي أرجح من قول بعضهم: (الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة) فإنه يشكل عليه كثير من الأدلة ورد فيها الأمر بعد الحظر ولا يفيد الإباحة ونعني: (بالأمر بعد الحظر) أنه إذا حظر الشارع قولاً أو فعلاً ثم عاد فأمر به، فهذا أمر بعد حظر كأن يقول مثلاً: (لا تزوروا القبور) ، ثم يقول: (زوروها) ونحو ذلك، فهذا الأمر الذي أعقب الحظر ماذا يفيد؟ هل يفيد الوجوب كما كان يفيده لو لم يرد بعد حظر؟ أم أنه يفيد الندب أم يفيد الإباحة؟ أم يفيد حكمه قبل الحظر؟ في هذه المسألة خلاف بين الأصوليين والصواب هو مقتضى هذه القاعدة وهو أن الشارع إذا حرم شيئاً من الأقوال ثم أمر به فإنه يرجع بعد فك الحظر عنه إلى حكمه الأول، فإن كان قبل الحظر واجباً فهو بعد الحظر واجب وإن كان سنة فهو سنة وإن كان قبل الحظر مباحاً فهو بعد الحظر مباحًا.
وهذا هو الموافق للأدلة، وهي كثيرة:
فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فقتال المشركين كان واجبًا قبل الأشهر الحرم ثم حرمه الله في الأشهر ثم أمر به مرةً ثانية بعد انسلاخ الأشهر الحرم فقوله: ﴿فاقتلوا﴾ يفيد الوجوب؛ لأنه كان واجبًا قبل الحظر، ولا يمكن أن يقال هنا إنه مباح على قول من قال إنه يفيد الإباحة، فإن قتال الكفار يعلم من الدين بالضرورة أنه واجب، فلما فُكَّ الحظر عاد الحكم إلى ما كان يفيده قبل الحظر.
стр. 231
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فحرم الله تعالى الصيد البري حال الإحرام ثم قال: ﴿وَإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ فأمر به بعد الإحلال، فالأمر بالصيد بعد الإحلال أمر بعد حظر، فنقول يرجع إلى ما كان يفيده قبل الحظر، فنظرنا فوجدنا أن الصيد مباح قبل الحظر فقلنا إن الأمر بالصيد إذًا بعد تحريمه يفيد الإباحة لأنه كان مباحًا قبل تحريمه.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فالأصل أن البيع جائز ثم حرمه الله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أي النداء الثاني الذي يعقبه الخطبة ثم أمر به في قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ وهذا الأمر بالانتشار والابتغاء من فضل الله يفيد الجواز؛ لأنه كان يفيده قبل تحريمه، والأمر إذا ورد بعد حظر أفاد ما كان يفيده قبل الحظر.
ومن ذلك: قوله ﷺ : (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) فالأصل أن زيارة القبور كانت جائزة أو مستحبة ثم نهى عنها ثم أمر بها في قوله: (فزوروها) فهذا الأمر يفيد الإباحة أو الاستحباب؛ لأنه كان يفيد ذلك قبل الحظر.
ومن ذلك: قوله ﷺ : (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروا ... ) الحديث. فالأصل أن ادخار شيءٍ من لحم الأضحية جائز ثم نهي عنه من أجل الداقة أي الفقراء الذين نزلوا المدينة، ثم أمر به في قوله: (فادخروا) فهذا الأمر يفيد الإباحة لأنه كان مباحًا قبل الحظر.
стр. 232
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فنهى عن جماع المرأة الحائض ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فأمر بإتيانها، وهذا الأمر يفيد الإباحة؛ لأن الإتيان قبل الحيض مباح، وبهذا يتبين لك جليًا أن الأمر بعد الحظر يرجع إلى حكمه السابق قبل الحظر إلا أنك تلاحظ أن غالب ما ورد في الشريعة من الأمر بعد الحظر إنما يفيد الإباحة ولذلك قال من قال إنه للإباحة، لكن الأجود هو القول بمقتضى هذه القاعدة، والله تعالى أعلى وأعلم.
القاعدة الثالثة والخمسون
٥٣ - يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء (١)
وقد يقال: (البقاء أسهل من الابتداء) وكلها بمعنىً واحد، وقولنا: (يغتفر) أي يتسامح ويتساهل، وقولنا: (في البقاء) أي في أثناء الفعل وخلال الأمر وقولنا: (ما لا يغتفر في الابتداء) أي في إنشاء الفعل مرة أخرى من جديد، ومعناها: أن الشيء أحيانًا لا يجوز ابتداؤه لكن يجوز استمراره، فاستمراره لا يعطى حكمًا؛ لأنه مغفور، لكن لو ابتدأه مرةً أخرى فإنه يعطى حينئذٍ حكمًا، فبقاؤه لا حكم له، وابتداؤه له حكم.
وعلى ذلك فروع كثيرة جدًا هي كالأدلة لها:
منها: الطيب للمحرم، فإن السنة دلت على استحباب الطيب قبل الإحرام لحديث عائشة في المتفق عليه: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) فيستحب للمحرم أن يتطيب في بدنه فقط قبل عقد نية الإحرام وإذا أحرم بعد ذلك فإنه لاشك سيكون أثر الطيب باقٍ عليه فهذا الأثر لا بأس به؛ لأنه مغتفر لكن لو ابتدأ الطيب مرةً أخرى بعد عقد الإحرام فعليه حينئذٍ فدية؛ لأن ابتداء الطيب حال الإحرام لا يغتفر، فاغتفر بقاؤه ولم يغتفر ابتداؤه؛ لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.
стр. 233
ومنها: من محظورات الإحرام عقد النكاح، فلا يجوز للمحرم أن يَنْكِحُ ولا يُنْكَحُ لحديث عثمان ﵁ عند مسلم مرفوعاً: (لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ ولا يُنْكَحُ ولا يَخْطُبُ) فلو أن المحرم ابتدأ عقد نكاحٍ بعد إحرامه فقد باء بالإثم ولا شك، لكن لو طلق الشخص زوجته ثم أحرم فبدا له أن يراجعها حال إحرامه فهل يجوز له أن يراجعها أم لا؟
نقول: نعم يجوز له ذلك لأن الرجعة ليست ابتداء عقد جديد ولكن هي استمرار لعقد النكاح الأول، فهي من باب البقاء لا من باب الابتداء، فيجوز للمحرم مراجعة زوجته؛ لأن الرجعة من باب البقاء ولا يجوز له أن ينشئ عقد نكاح جديد؛ لأنه من باب الابتداء، ويغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.
ومنها: من محظورات الإحرام قتل الصيد البري المتوحش طبعًا لقوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ لكن لو قتل شخص صيدًا وليس بمحرم ولا في الحرم، ثم عقد نية الإحرام، فهل يلزمه تخليته أم لا؟ الجواب: لا يلزمه تخليته؛ لأن وجود الصيد معه إنما هو من باب البقاء، لكن لو أنه بعد الإحرام قتل الصيد فإنه يأثم وعليه مثله من النعم لأن قتله حينئذٍ من باب الابتداء، والبقاء أسهل من الابتداء.
ومنها: الأموال المحرمة التي اكتسبها أصحابها وهم لا يعلمون بالتحريم كالأموال الربوية ونحوها، فإذا جهلوا جهة تحريمها ثم علموه فهل يلزمهم أن يتخلصوا من هذه الأموال أم لا؟ الجواب: لا يلزمهم ذلك لأنهم معذورون بجهلهم لتحريمها فيغتفر لهم إبقاؤها لكن لا يجوز لهم بعد العلم بالتحريم تحصيل شيء جديد من هذه الجهة المحرمة فلو فعلوا وجب عليهم التخلص منه؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء.
стр. 234
ومنها: صلاة التطوع المطلق أعني الذي لا سبب له، لو ابتدأه الإنسان في غير وقت النهي ثم أطاله حتى دخل عليه وقت النهي فإنه لا بأس به؛ لأنه من باب البقاء، لكن لو دخل عليه وقت النهي ثم ابتدأ فيه نافلة مطلقة فإنه حينئذٍ لا تصح؛ لأنه من باب الابتداء فاغتفر البقاء ولم يغتفر الابتداء؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء (١) .
ومنها: أن المرأة لا يجوز لها إسقاط المهر عن الزوج عند العقد، بل هو لا يسقط بالإسقاط (٢) ؛ لأن من شروط صحة العقد أن يكون على مهرٍ وتسميته في العقد سنة وإن لم يسم فلها مهر مثلها لا وكس ولا شطط، لكن لو تم العقد بالمهر ثم بعد مدة أسقطته المرأة وعفت عنه، فهذا جائز لتمام العقد حينئذٍ فابتداء إسقاط المهر مع العقد لا يجوز وإسقاطه بعد تمام العقد يجوز؛ لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.
ومنها: بيع العبد الآبق فإن ابتداء بيعه وهو آبق لا يجوز؛ لأن من شروط صحة البيع القدرة على التسليم لكن لو باع الإنسان عبدًا ثم أبق فإباقه هذا بعد تمام عقد البيع لا يؤثر في صحة البيع فلم يجز ابتداء بيعه ولم يُفسدِ البيعَ إباقُه بعده؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء.
стр. 235
ومنها: الأرض التي وقع بها الطاعون، فإن من كان فيها لا يخرج منها هربًا منه فقعوده فيها مع ظنه الهلاك لا يؤثر؛ لأنه من باب البقاء، ولا يُعَدُّ بفعله ذلك قاتلاً لنفسه ولا أنه يلقي بنفسه للتهلكة، وأما من كان خارجًا عنها فإنه لا يجوز له ابتداء دخولها؛ لأن الإنسان يحرم عليه أن يلقي بنفسه في التهلكة، وهو مأمور بالمحافظة على نفسه، فالبقاء فيها مغتفر وابتداء دخولها محرم؛ لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء، وفي الصحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا: (إذا وقع عليكم وأنتم بأرضٍ فلا تخرجوا منها فرارًا منه وإذا سمعتم به في بلدٍ فلا تقدموا عليه) ، والله أعلم.
ومنها: نكاح الأمة فإنه يجوز بشرطين: أن لا يستطيع مهر حرة، وأن يخاف على نفسه العنت لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي الوقوع في الفاحشة، فإذا توفر هذان الشرطان فيجوز له نكاحها، فإذا أيسر أو ذهب خوف الوقوع في العنت فإنه حينئذٍ لا يصح له ابتداء نكاح أمةٍ أخرى لكن لا ينفسخ عقد الأمة التي عنده؛ لأن المحرم هو ابتداء العقد لا استمراره، ذلك لأن البقاء أسهل من الابتداء، ولو تتبعنا الفروع لأطلنا والمقصود الاختصار ما أمكن والإشارة تغني عن التطويل فعلى هذه الفروع قس، والله أعلم.
القاعدة الرابعة والخمسون
٥٤ - تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّ
إن هذه الشريعة شريعة كاملة،لم تدع شيئًا مشتبهًا يؤدي اشتباهه إلى التنازع إلا وجعلت في تمييزه طرقًا كثيرة، ومن هذه الطرق القرعة، والقرعة هي السهمة، والمقارعة المساهمة، والأصل فيها الكتاب والسنة.
стр. 236
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي نبيه وعبده يونس ﵇ لما ركب السفينة مغاضبًا هاجت الأمواج وتلاطمت وأشرفت السفينة على الغرق لثقل حملها، فقالوا لابد أن يضحي أحدنا من أجل نجاتنا فاقترعوا فخرجت القرعة على نبي الله يونس، ثم استعظموا الأمر فاقترعوا ثانية وثالثة كلها تخرج عليه فألقى نفسه في اليم فإذا الحوت قد فَغَرَ فاه مستقبلاً له فالتقمه، ولم ينكر الله جل وعلا هذا الاقتراع ولو كان منكرًا لما أقره، وكذلك قوله تعالى عن اختصام ملأ بني إسرائيل من يكفل مريم، فاتفقوا على أن يأتوا إلى البحر ويلقون أقلامهم فأيهم خرج قلمه فهو يكفلها، فخرج قلم زكريا فكفلها، فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ أيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وهاتان الآيتان وإن كانتا في شرع من قبلنا لكن ورد شرعنا بتقريرها وجوازها، واتفق العلماء أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد شرعنا بالأمر به، وإن لم يرد بجوازه فهل هو شرع لنا أو لا؟
стр. 237
فيه خلاف، والصواب: نعم، إن لم يرد في شرعنا ما ينسخه والقرعة قد ورد في شرعنا ما يجيزها ومن ذلك فعله ﷺ أنه كان لا يخرج في سفرٍ غزوةٍ أو غيرها إلا أقرع بين نسائه فأيتهن أصابتها القرعة خرج بها، وعن عمران بن الحصين ﵄ أن رجلاً من الأنصار أعتق ستة مملوكين في مرضه لا مال له غيرهم فجزأهم رسول الله ﷺ فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة) رواه مسلم، وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة ... ) الحديث، وأخرج أحمد في المسند عن ابن الزبير: (أن صفية جاءت بثوبين ليكفن فيهما حمزة ﵁ فوجدنا إلى جنبه قتيلاً فقلنا لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر فأقرعنا عليهما ثم كفنا كل واحدٍ في الثوب الذي صار إليه) ، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعًا: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) ، وأخرج أبو داود وأحمد في المسند من حديث أم سلمة ﵂ أن رجلين اختصما في مواريث دَرَسَتْ إلى رسول الله ﷺ فقال: (استهما وتوخيا وليحلل كل واحدٍ منكما صاحبه) وأصله في الصحيحين: (وتشاح الناس يوم القادسية على الأذان فأقرع بينهم سعد) قال ابن قدامة: (وقد أجمع العلماء على استعمالها في القسمة) ا. هـ.
стр. 238
ومن هذه الأدلة: تعلم أن القرعة أصل من الأصول في استخراج المستحق وتمييزه عن غيره، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁: (أن رجلين تداعيا عينًا لم يكن لواحدٍ منهما بينة فأمرهما النبي ﷺ أن يستهما على اليمين أحبا أم كرها) ، وروى البخاري من حديث أبي هريرة أيضًا: (أن رسول الله ﷺ عرض على قومٍ اليمين فسارعوا إليه فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف) ، وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ قال: (إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها فليستهما عليها) ، وقد صنف الإمام أبو بكر الخلال مصنفًا في القرعة وهو في جامعه، ومن النظر أيضًا أن الحقوق إذا تساوت فلا من مرجح بينهما وهذا المرجح هو القرعة، وإذا أردت أن تعرف أهمية الحكم بالقرعة فانظر إلى تأثيرها فيما أذكره من الفروع - إن شاء الله تعالى - فترى الحكم يثبت لأحد الاثنين بمجرد القرعة، فإليك بعض الفروع:
فمنها: إذا تشاحوا في الأذان مع تساويهم في الصفات المعتبرة شرعًا فإنه يقرع بينهم نص عليه الإمام أحمد في رواية أبي داود وأبي طالب ومحمد ابن موسى واحتج بأن سعدًا أقرع في الأذان يوم القادسية.
ومنها: إذا استوى اثنان في الصفات المرجح بها في الإمامة أقرع بينهم فمن خرجت له القرعة فهو أحق به، كما في الأذان.
ومنها: إذا استوى جماعة في صفات الإمام الأعظم فإنه يقرع بينهم قياسًا على الأذان.
ومنها: إذا اجتمع ميتان فبذل لهما كفنان وكان أحد الكفنين أجود من الآخر ولم يعين الباذل ما لكل واحدٍ منهما فإنه يقرع بينهما كما وردت السنة بذلك كما في حديث الزبير عن صفية وتقدم.
стр. 239
ومنها: تملك المباحات إذا استبق اثنان إلى مباحٍ كالجلوس في الأماكن المباحة كالطرق الواسعة ورحاب المساجد أو استبقا إلى إحياء الموات، فالمذهب أنه يقدم أحدهما بالقرعة وفيه وجه أن السلطان يقدم من رأى المصلحة في تقديمه.
ومنها: إذا التقط اثنان طفلاً واستويا في الصفات المعتبرة فإنه يقرع بينهما فمن خرجت عليه القرعة فهو الأحق بكفالته.
ومنها: إذا أعتق عبدًا من عبيده ثم أنسيه أو قال لهم أحدكم حر فحينئذٍ تستعمل القرعة لإخراج من وقع عليه العتق.
ومنها: إذا طلق امرأة من نسائه فأنسيها أو قال إحداكن طالق، ولا قرينة تصرفه لأحدهن، ميزت المطلقة بالقرعة.
ومنها: إذا دعاه اثنان إلى وليمة واستويا في الصفات المرجحة من تقديم الأسبق أو الأقرب رحمًا أو الأقرب دارًا كل ذلك قد استويا فيه فإنه يقرع بينهما فمن خرجت عليه القرعة أجابه.
ومنها: إذا أراد السفر وأراد اصطحاب إحدى زوجاته ولا يعرف من هي فإنها تخرج بالقرعة وهذا هو السنة كما تقدم حديثها.
ومنها: الأولياء المستوون في النكاح إذا تشاحوا أقرع بينهم ومن خرجت عليه القرعة تولى عقد النكاح، وعلى ذلك فقس.
ولكن ينبغي التنبيه على أنه لا مدخل للقرعة في العبادات المحضة كالصلاة كمن ترك صلاة لكن لا يدري أهي الظهر أم العصر، فإنه لا يقرع بينهما لأن الصلاة من العبادات المحضة وإنما الواجب أن يجتهد في ذلك فإن غلب على ظنه شيء عمل به، وإلا فلا يخرج من العهدة إلا بأداء صلاتين صلاة الظهر وصلاة العصر فإنه بذلك يكون قد قضى الفائتة، والثانية نافلة وكذلك الحال في الجمرات مثلاً إذا شك هل رمى ستًا أو سبعًا، وكذلك إذا شك في عدد الطواف والسعي فإنه لا يقرع في ذلك وإنما عليه أن يجتهد فإن غلب على ظنه شيء عمل به على الراجح وإن لم يغلب على ظنه شيء فإنه يبني على اليقين وهو الأقل دائمًا، والله تعالى أعلى وأعلم.
стр. 240
القاعدة الخامسة والخمسون
٥٥ - إذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحاظر
وهذا من باب الاحتياط وبراءة الذمة؛ ولأن في تغليب جانب الحرمة درء مفسدة، وفي تأخير المبيح تعطيل مصلحة ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهي فرع من قاعدة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) فإذا تحقق في عين من الأعيان سببان، أما أحدهما فإنه يدل على إباحتها وجواز الانتفاع بها والآخر يمنع منها، فإننا نتوقف حينئذٍ عنها حتى يزول هذا الاشتباه، ولا ينبغي لنا الإقدامُ عليها ما دامت كذلك تغليبًا لجانب الحظر، وقد دل على هذه القاعدة أدلة من القرآن والسنة.
فأما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فآلهة المشركين تجاذبها سببان: أما أحدهما فيبيح سبها وهي لأنها اتخذت آلهة مع الله وفي سبها إغاظة للمشركين وإهانة لهم وتحقيرٌ لها ولعابديها، فهذا سبب يبيح سبها لكن هناك سبب يمنع من سبها وهو أن سبها يؤدي إلى أن يسب أصحابها ربنا جل وعلا وحينئذٍ فسب الآلهة فيه سبب يبيحه وسبب يحرمه فغلب جانب التحريم إذا علمنا أن سبها عند قوم يقودهم إلى سب الله؛ ولأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة؛ ولأن هذا من باب سد الذرائع المفضية إلى ما هو أشد منها مفسدة.
стр. 241
ومن الأدلة: حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) متفق عليه، فهذه الأعيان التي توارد عليها سبب يبيحها وسبب يحرمها هي من الشبهات التي لا يتضح حلها ولا تتضح حرمتها، بل فيها مادتان فهي إذًا من جملة الشبهات، وقد ندبنا النبي ﷺ إلى اتقائها أي اجتنابها والتباعد عنها؛ لأن هذا أسلم للمرء في دينه وعرضه، ولا يمكن اتقاؤها إلا إذا غلبنا السبب المانع منها أو المحرم لها.
ومن ذلك: قوله ﷺ : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) والريب هنا بمعنى الشك والتردد، وهذا الحديث أصل في الورع، ومعناه: اترك ما فيه شك من الأفعال إلى ما لاشك فيه منها، والأشياء التي فيها محلل ومحرم هي من الأشياء التي تتردد النفس في فعلها من عدمه ويبقى الإنسان شاكًا في حلها وحرمتها، فحينئذٍ تكون من الأشياء المريبة فإذا تحقق ذلك فيها فقد أمرنا أن ندعها إلى ما لا ريب فيه ولا تردد، ولا يكون ذلك إلا إذا غلبنا جانبها المحرم لها، فنتركها تورعًا وتنزهًا وهذا كما ذكرت أصل في الورع، ويروى عن زيد بن ثابت أنه قال: (ما شيء أسهل من الورع إذا رابك شيء فدعه) .
стр. 242
ومن ذلك أيضًا: حديث عدي بن حاتم ﵁ وأنه سأل النبي ﷺ عن صيد الكلب فقال له ﷺ : (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل منه فلا تأكل فإنما صاد لنفسه وإن وجدت معه كلبًا آخر فلا تأكل فإنما سميت على كلبك) ووجه الاستشهاد منه أن صيد الكلب المعلم حلال إلا في حالتين: الأولى: إن أكل منه فالصيد الذي صاده الكلب فأكل منه قد اجتمع فيه سببان محلل ومحرم فأما المحلل فهو صيد كلبٍ معلمٍ أرسله صاحبه وسمى عليه عند الإرسال، فهذا التعليل يفيد أن ما صاده حلال، وأما المحرم فلأنه أكل منه؛ لأن أكله حينئذٍ قرينة قوية أنه إنما اصطاد لنفسه لا لصاحبه، وهذا التعليل يفيد المنع منه، فهذا الصيد تجاذبه السببان المحرم والمبيح، فغلب النبي ﷺ السبب المحرم؛ لأنه إذا اجتمع الحلال والحرام غلبنا جانب الحرام؛ ولأنه أبرأ للذمة.
الثانية: صيد الكلب إذا وجد معه كلب آخر فإنه قد اجتمع فيه سببان محلل ومحرم فأما السبب المحلل فهو عين السبب السابق في الحالة الأولى، وأما المحرم فلأنه وجد معه كلب آخر وأنت إنما سميت على كلبك ولم تُسَمِّ على الآخر، ولا ندري لعله شاركه في الصيد، وصيد أحدهما حلال لكمال الشروط وصيد الآخر حرام لعدم توفر التسمية، فلما اجتمع المحلل والمحرم غلب النبي ﷺ جانب السبب المحرم فقال: (فلا تأكل) وهذا أصل في هذه القاعدة.
стр. 243
ومن ذلك: أن أسامة بن زيد قتل رجلاً من المشركين بعد أن قال: لا إله إلا الله، مع أن هذا الرجل كان شديد البأس على المسلمين فكان لا يدع شاذة ولا فاذة إلا اتبعها بسيفه يضربها، وأن أسامة حمل عليه بالسيف فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله فجاء إلى النبي ﷺ وقد أخبر الخبر فقال: (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله) . فقال أسامة: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح ... فقال له: (كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) والحديث متفق عليه. فالرجل الذي قتله أسامة ﵁ قد اجتمع فيه سببان مبيح لقتله ومحرم لقتله فأما المبيح فلأنه من المشركين وحربي وقد فعل في المسلمين الأفاعيل العظيمة، فكل ذلك يفيد إباحة قتله، وأما المحرم فلأنه قال: لا إله إلا الله، فإن من قالها وجب الكف عن دمه وماله؛ لأنها تعصم الدم والمال كما في الأحاديث الصحيحة، فلما اجتمع في هذا الرجل سبب مبيح لقتله وسبب مانع منه غلب النبي ﷺ السبب المحرم لدمه وأنكر على حبه وابن حبه أسامة ﵁، وأخبره أنه كان الواجب عليه أن يكف عنه ويدعه وذلك تغليبًا للسبب المحرم لدمه وماله وأن يكل سريرته إلى الله تعالى.
стр. 244
ومن ذلك: حديث عائشة في المتفق عليه، قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله ﷺ ، فقال سعد: يا رسول الله إن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إليَّ أنه ابنه انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي ولد على فراش أبي، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة فقال: (هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة) ، قال: فلم ير سودة قط. فانظر إلى هذا الحديث العظيم فإنه مقرر لهذه القاعدة أيَّما تقرير، فإن هذا الولد بالنسبة لسودة ﵂ تنازعه مبيح ومحرم، فالمبيح أنه ابن لأبيها أي أنه أخوها؛ لأنه ولد على فراش أبيها، فهذا سبب يبيح لسودة أن تكشف له وأن تراه ويراها ويخلو بها؛ لأنه حينئذٍ محرم لها، لكن وجد سبب آخر وهو وجود الشبه القوي بعتبة بن أبي وقاص مما يدل على أنه ابنه فالشبه لا يخطئ غالبًا وهو أمارة قوية في لحوق النسب فلو كان ابنًا لعتبة فإنه حينئذٍ يكون أجنبيًا عن سودة فتحتجب عنه، فاجتمع فيه أعني في هذا الولد بالنسبة لسودة ﵂ مبيح وحاظر، فغلب النبي ﷺ جانب السبب المحرم وأمر سودة أن تحتجب عنه تغليبًا لشبهة وجود الشبة الواضح بعتبة، فاجتمع مبيح ومحرم فغلب جانب المحرم؛ لأنه أحوط لكنه أخوها في جميع الأحكام في الإرث والصلة ونحوها إلا في النظر وهذا دليل صريح في هذه القاعدة، ووالله لو ذهبنا نذكر أدلتها لأطلنا، ولعل فيما مضى كفاية - إن شاء الله تعالى -، وأما فروعها فتعلم من أدلتها ونزيدها بأن نقول:
стр. 245
إذا اشتبهت أخته بأجنبيات أو اشتبهت ميتة بمذكاة وجب الكف عن الجميع حتى يزول الاشتباه تغليبًا لجانب الحظر، والحيوان المتولد بين المأكول وبين غيره كالبغل ونحوه لا يحل أكله لاجتماع المبيح والحاظر فيه فيغلب جانب الحاظر ولو اشترك في الذبح من تحل ذبيحته ومن لا تحل بأن قطع هذا الحلقوم وأحد الودجين (١) ، وهذا قطع المريء والودج الآخر فإن الذبيحة حرام تغليبًا لجانب الحظر.
ولو اشتبه ماء طهور بنجس تركهما وتيمم تغليبًا لجانب الحظر، ولأن الطهارة المائية لها بدل وهو التيمم بخلاف ما لو اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة فإنه يجتهد ويصلي فيما أداه إليه اجتهاده على الراجح؛ لأن ستر العورة لا بدل له.
стр. 246
ولو اشترك في صيد الحيوان البري المتوحش طبعًا محرم وحَلاَلٌ، فإنه يحرم على المحرم تغليبًا لجانب الحظر، وعلى ذلك فقس، فإن قلت أو لم تذكر سابقًا في قاعدة: (إضافة الحكم إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنون) فروعًا كثيرة فيها مبيح وحاظر وغلبت في بعضها جانب المبيح فكيف نجمع بينها وبين هذه القاعدة؟ فأقول: هذا سؤال جيد وبسط الجواب عنه أن يقال: أن قاعدة إضافة الحكم إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنون لم يستوفيها الاحتمال فالسببان ليسا على درجة واحدة في القوة، بل السبب المعلوم المتيقن ثبوته أقوى من السبب المظنون، ولذلك لم يقو على معارضته، فأسقطناه؛ لأن القوي يسقط الضعيف ولا عكس، أما في هذه القاعدة فإن السببين في القوة بمنزلة واحدة فاحتمال رجحان السبب المبيح هو بعينه احتمال رجحان السبب المحرم ولا مرجح عندنا لأحد الأمرين فقلنا حينئذٍ يغلب جانب الحرام وذلك لاستوائهما في القوة، ويقال أيضًا إن هذه القاعدة التي معنا ليست على إطلاقها، بل لابد أن يقيد ذلك بما إذا كان السبب المحرم مساويًا أو أشد قوة من السبب المبيح أما إذا كان السبب المبيح هو الأقوى وأن السبب المحرم إنما هو شيء يسير فإنه حينئذٍ لا يلتفت إليه (١) ، ولو سبرت فروع القاعدتين لم تجدها تخرج عن هذين الجوابين، والله تعالى أعلى وأعلم.
стр. 247
القاعدة السادسة والخمسون
٥٦ - إذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوم
اعلم - رحمك الله تعالى - أن الواجب هو أداء الحقوق إلى أصحابها إذا عرفوا ولا يجوز منع أصحابها منها بغصبٍ أو مماطلةٍ ونحو ذلك، بل إذا عرف صاحب الحق فهو أحق به من غيره، سواءً كان صاحب الحق فردًا أو جهة معينة؛ لأن هذا من أداء الأمانات وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أهْلِهَا﴾ وهو نص عام في جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله على عباده من الصلاة والزكاة والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، وكذلك حقوق العباد بعضهم على بعضٍ كالودائع وغيرها، وعن سمرة بن جندبٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أحمد والأربعة وصححه الحاكم، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) رواه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه الحاكم، وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ فالقاعدة العامة في الشريعة هو أن الإنسان يجب عليه أداء الحقوق إلى أصحابها، لكن هذا إذا كان أصحابها معروفين، أما إذا كانوا لا يعرفون وليس إلى معرفتهم سبيل أو علمناهم ولكن جهلناهم، فما العمل حينئذٍ في هذا الحق؟ هذا هو ما تقرره هذه القاعدة وهو أن صاحب الحق إذا جهل فإنه ينزل منزلة المعدوم أي كأنه لم يوجد، والمعدوم هو الذي ليس في حيز الوجود، فكل ما ليس في حيز الوجود فهو معدوم، فننزل صاحب هذا الحق منزلة المعدوم أي نخرجه عن حيز الوجود،
стр. 248
ونتصرف في حقه على ما تقتضيه المصلحة، هذا هو القول الراجح، ويدل عليه عدة أدلة:
منها: قوله ﷺ في حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن اللقطة، فقال: (اعرف عفاصها ووكائها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) متفق عليه، فأنزل صاحبها بعد تعريف اللقطة سنة منزلة المعدوم وأجاز لواجدها التصرف فيها، لكن إن تصرف فيها لنفسه فإنها تكون بمنزلة الدين في ذمته متى ما جاء ربها فإنه يؤديها إليه وفي بعض روايات الحديث الصحيحة: (فإن جاء ربها فأدها إليه) ، وعن جابر قال: (رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به) رواه أحمد وأبو داود، أي لا يلزم تعريفه؛ لأنه لا تتبعه همة أواسط الناس لكننا نعلم أن له مالكًا لكننا لا نعرفه ولم نؤمر بالتعرف عليه في هذه الأمور البسيطة فنزل منزلة المعدوم فيأخذها الإنسان وينتفع بها.
ومن ذلك: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (وفي الركاز الخمس) ويوضح ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً وجد مالاً في قرية فقال له النبي ﷺ : (إن وجدته في قريةٍ مسكونةٍ فعرفه وإن وجدته في قريةٍ غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس) ، ونحن نعلم يقينًا أن هذا المال المدفون له أصحاب سواء كانوا موجودين أو معدومين أو قد يكون لهم ورثة، لكن لما كان من دفن الجاهلية لم توجب الشريعة تعريفه، بل يملكه من أخذه بمجرد أخذه، وفيه الخمس، ذلك لأن أصحابه مجهولون فأنزلناهم منزلة المعدومين؛ لأنه يتعذر علينا البحث عنهم لتقادم عهد الجاهلية.
стр. 249
ومن ذلك: ما قضى به عمر بن الخطاب ﵁ في امرأة المفقود، قال عبيد بن عمير: فقد رجل في عهد عمر فجاءت امرأته إلى عمر فذكرت ذلك له. فقال: (انطلقي فتربصي أربع سنين، فتربصت ثم أتته) ، فقال: (انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرًا) ، ففعلت ثم أتته. فقال: (أين ولي هذا الرجل فجاء وليه فقال: طلقها ففعل) فقال عمر: (انطلقي فتزوجي من شئت) وهو أثر صحيح.
قال أحمد: ما في نفسي شيء منه خمسة من الصحابة أمروها أن تتربص. ا. هـ
وهذا القول هو الذي حكم به الخلفاء من بعد عمر ﵁، وهو أصح الأقوال وأحراها بالقياس، واختاره الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم وابن عبدوس وصوبه في الإنصاف، فلما فقد الرجل ولم يعرف له حسٌّ ولا خبر جعله عمر كالمعدوم، وقد اتفق الصحابة على ذلك فهذه الأدلة تدل دلالة صريحة على أن صاحب الحق إذا تعذرت معرفته فإنه يجعل في حكم المعدوم ويتصرف في حقه بما هو الأصلح له أو بما هو الأصلح لواجده هذا من ناحية الشرح والتدليل.
وأما من ناحية التفريع فهي كثيرة أذكر أهمها فأقول:
стр. 250
منها: اللقطة: وقد قسمها العلماء إلى أقسام ثلاثة وتفصيلها يطول والمقصود أن هذه اللقطة سواءً وجب تعريفها أم لم يجب فإننا إن علمنا صاحبها وجب ردها إليه لحديث عياض بن حمار مرفوعًا: (فإن جاء ربها فهو أحق بها) وإن تعذرت معرفته فإنه ينزل منزلة المعدوم ويتصرف في اللقطة بما هو الأصلح، فإن كانت مالاً فله حفظه لصاحبه وله استنفاقه ويكون دينًا في ذمته، وله التصدق به على نية صاحبه، وإن كانت من بهيمة الأنعام التي لا تمتنع من صغار السباع كالغنم والدجاج والأرانب ونحوها فله أكلها، وله بيعها واستنفاق نفقتها أو حفظها لصاحبها، وله إمساكها والإنفاق عليها حتى يجد ربها، لحديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: (هي [أي ضالة الغنم] لك أو لأخيك أو للذئب) (١) .
ومنها: المفقود إذا ضرب الحاكم له مدةً معلومةً إما باجتهاده أو المدة التي قضى بها عمر فانقضت المدةُ ولم يعرف له خبر ولا أثر فإنه ينزل منزلة المعدوم فيقسم ماله وتعتد زوجته.
ومنها: إذا سرق الإنسان مالاً أو غصبه وتاب رده إلى أهله وإن لم يجدهم لطول العهد واجتهد في البحث عنهم بدون جدوى، فإنه حينئذٍ يتصرف في هذا المال بما يعود نفعه عليهم من صدقةٍ ونحوها؛ لأن صاحب الحق إذا تعذر وجوده نزل منزلة المعدوم.
ومنها: من قبض وديعة من أحدٍ فغاب المالك غيبةً طويلة وسأل عنه المودَع حتى أيس من وجوده، فله حينئذٍ أن يتصرف في الوديعة بما هو الأصلح من بيع وتصدق بثمنها أو يدفعها إلى بيت المال أو يتصدق بعينها على الفقراء والمساكين بنية عن أصحابها.
ومنها: من مات وليس له وارث معلوم فإن ماله يكون لبيت مال المسلمين فيصرف في المصالح العامة؛ لأن صاحب الحق إذا تعذرت معرفته جعل كالمعدوم.