← Каваид фикха

Каваид фикха · id 842

تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية

وليد السعيدان

Полный текст (282 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

القاعدة الأولى ١ - العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفة اعلم - رحمك الله تعالى - أن العبادات المشروعات نوعان: وذلك التقسيم باعتبار كيفياتها. الأول: عبادات ليس لها إلا كيفية واحدة لا تتغير ولا تتبدل، فمن أصل شرعيتها شرعت على وجهٍ واحدٍ فقط، كالصلاة المفروضة مثلاً عدد ركعاتها ليس لها إلا وجه وحد، فصلاة الفجر ليس لها إلا كيفية واحدة وكذلك بقية الصلوات المفروضة (١) ، وكذلك صوم رمضان لم يشرع إلا صفة واحدة وهو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. فهذا النوع من العبادات لا يدخل معنا في هذه القاعدة ولا تعلق له بها؛ لأن الواجب فيه هو فعله على هذه الصفة التي شرع عليها فقط. والنوع الثاني: عبادات شرعت على كيفيات متنوعة، بحيث ثبت الدليل الصحيح بجواز فعلها على هذه الصفة وهذه الصفة، فهذه العبادات هي مناط قاعدتنا التي نحن بصدد شرحها، فكيف نفعل مع هذا النوع من العبادات؟ هل نقول: إن الشريعة متعارضة لأنها فعلت عبادة واحدة على وجوهٍ متنوعة؟ أو نقول: إننا نبحث عن الكيفية المتأخرة حتى تكون ناسخة لما قبلها من الصفات؟ أو نقول: نرجح بين هذه الكيفيات؟ أم نقول: بأننا نختار صفة واحدة منها وندع الباقي؟ هذه أسئلة تتوجه على هذا النوع من العبادات وإليك الإجابة عنها بالتفصيل: السؤال الأول: هل الشريعة متعارضة بهذا التشريع؟ الجواب: بالطبع لا، فإننا نعتقد اعتقادًا جازمًا لاشك فيه أنه لا تعارض أبدًا بين الأدلة الشرعية الصحيحة؛ لأنها من عند حكيمٍ حميد، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وإثبات التعارض بينها اختلاف وتناقض يجب تنزيه الشريعة عنه فالكل من عند الله، ولو كان من عند غيره لوجدنا فيه اختلافًا وتناقضًا كثيرًا.

стр. 2

فهذا السؤال لا يمكن أن يقوله مسلم يعرف كمال الشريعة ويعرف عظمة الله وحكمته البالغة، فهو سؤال باطل ولأننا يمكن أن نجمع بين هذه الوجوه، وإذا أمكن الجمع فلا تعارض. وأما السؤال الثاني: وهو ادعاء نسخ المتقدم بالمتأخر: فهو باطل أيضاً؛ لأن النسخ فيه إبطال لأحد الدليلين، ولا يجوز إبطال شيء من الشرع إذا كان العمل به ممكنًا، فلا نقول بالنسخ إلا إذا لم يمكن العمل بكلا الدليلين وهنا يمكن العمل بكلا الدليلين فلا ننتقل إلى النسخ، لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن، فهذا السؤال باطل أيضًا. وأما السؤال الثالث: وهو البحث عن الترجيح: فإن معنى الترجيح هو إبطال الدليل المرجوح إبطالاً تامًا فهو أعظم من النسخ، لأن النسخ إعمال لكلا الدليلين لكن في وقتين مختلفين فالدليل المنسوخ يعمل به قبل النسخ والدليل الناسخ يعمل به بعد النسخ، فالناسخ أبطل الدليل المنسوخ بعد تقرره أعني تقرر الناسخ. وأما الترجيح فهو إبطال للعمل بالدليل المرجوح مطلقًا بحيث أنه يكون دليلاً لم يعمل به قط ولذلك الأصوليون يجعلون الترجيح بين الأدلة متأخرًا في الرتبة عن النسخ إذا جاءوا يجمعون بين الأدلة المتعارضة في الظاهر، فإذا كنا لم نرض بالنسخ فمن باب أولى أننا نبطل سؤال الترجيح. وأما السؤال الرابع: وهو اختيار أحد هذه الصفات والعمل به وترك الصفات الأخرى: فهو باطل؛ لأنه ترجيح للصفة المعمول بها ولا مرجح لها؛ ولأن فيه إبطال للصفات الأخرى وهي مشروعة بدليل صحيح وإبطال أو إنكار شيء من الشرع لا يجوز، بل قد يكون كفرًا - والعياذ بالله تعالى -. فإذا قلت: إذًا كيف العمل في هذا النوع من العبادات؟

стр. 3

أقول: العمل في هذا النوع من العبادات هو ما ورد في هذه القاعدة، وهو أننا نفعل هذه العبادة على جميع كيفياتها وصفاتها الواردة، فلا نترك صفة واحدة، فنفعلها على هذا الوجه تارة، وعلى الآخر تارة أخرى، وهكذا لأن كل صفة منها قد ثبتت بدليل شرعي صحيح وما ثبت بدليل صحيح فإنه يشرع العمل به ولا يجوز إبطاله، وهذا هو الجواب الصحيح الذي لا يجوز غيره ففيه الجمع بين الأدلة الشرعية، وبه تتآلف ولا يكون بينها اختلاف بوجه، إذا علم هذا فاعلم أن هذا التنويع في كيفية بعض العبادات من كمال الشريعة الإسلامية ومصداقاً لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ثم اعلم أن هذا القول الراجح أعني فعل العبادة على جميع وجوهها له فوائد كثيرة: فمن ذلك: حفظ الشريعة وعدم ضياع أو نسيان شيء منها، فإننا إذا فعلنا العبادة على جميع وجوهها نكون بذلك قد حفظنا جميع وجوهها من النسيان وهذا يدخل في إحياء السنن وقد قال رسول الله ﷺ : (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت فله أجرها وأجر من عمل بها) . ومن ذلك: تنويع العبادة على النفس حتى لا تمل فإن النفس غالبًا تحب التجديد وهذه الصفات المتعددة تشبع رغبة النفس في التبديل والتجديد فتكون النفس على نشاطٍ من فعلها دائمًا، فالنفس تحب ما كان متغيرًا متجددًا أكثر من حبها لما هو ثابت على صفة واحدة.

стр. 4

ومن ذلك: دوام استحضار النية عند العمل وعدم أخذه عادة فإن بعض الناس قد اتخذ العبادات ذات الصفة الواحدة عادة لا عبادة؛ لأن جسمه قد تعود على حركاتها فيأتي بها بلا خشوع ولا حضور قلب، كالصلاة مثلاً فبعض الناس قد تعود على حركاتها فتجده يكبر للإحرام ثم يكملها فإذا سلم إذا به لا يعرف ماذا قرأ وهل ركع أو سجد، فلا نية ولا خشوع لكن العبادات التي لها وجوه متنوعة تجعل الإنسان يستحضر صفتها التي سيفعلها عليه قبل الشروع فيها فيأتي بها شيئًا فشيئًا بنية حاضرة وقلبٍ خاشع وهذا مقصد بحد ذاته. ومن ذلك: نشرها بين الناس حتى لا تنكر فإننا لو داومنا على صفةٍ من صفات هذه العبادة وتركنا ما عداها، بحيث لا يعرف الناس لهذه العبادة إلا هذه الصفة، فإننا لو غيرناها إلى صفةٍ أخرى ثبتت بدليل صحيح فإن الناس سوف ينكرون ذلك فيقعون في المحظور وهو إنكار شيء من الشرع، لكن لو فعلت هذه العبادة على جميع وجوهها وعرفها الناس بجميع صفاتها لما وقعوا فيما قد وقعوا فيه من قبل وهذا واضح محسوس. ومن ذلك: أننا نعتقد أن الشارع حكيم لا يشرع شيئًا إلا وفيه حكمة بالغة علمها من علمها وجهلها من جهلها، فكل صفة من هذه الصفات لهذه العبادة تتضمن حكمة بالغة فلو اقتصرنا على بعضها دون بعض لفوتنا مصلحة الصفات المتروكة لكن لو فعلنا جميع الصفات فإننا سوف نكون حزنا جميع هذه الحكم والمصالح ولم نفوت شيئاً منها أبدًا وهذا مطمع كل مؤمن عاقل - والله المستعان -. إذا علمت هذا فاعلم أن هذه العبادات أعني التي وردت على وجوه متنوعة لا تخلو من حالتين: إما أن يسوغ فعل جميع وجوهها في وقت واحد بحيث لا تتنافى مع بعضها لو جمعت كلها في فعلٍ أو وقتٍ واحد.

стр. 5

وإما أن لا يسوغ ذلك، فإن ساغ جمعها في فعلٍ أو وقتٍ واحد فلا بأس أن تفعل جميعًا في وقتٍ واحد كأذكار الركوع والسجود ونحوها (١) ، وإن كان جمعها في فعلٍ أو وقتٍ واحدٍ لا يجوز فإننا نفردها فنفعل هذه العبادة على صفاتها المتنوعة في أفعالٍ أو أوقاتٍ متعددة كالأذان والإقامة على ما سيأتي توضيحه - إن شاء الله تعالى -، إذا علمت هذا فإلى الفروع حتى تتضح القاعدة ويزول الإشكال: فأقول: منها: الأذان: فهو عبادة وردت بصفتين لا ثالث لها، الصفة الأولى: أذان بلال. والصفة الثانية: أذان أبي محذورة، فأذان بلال هو الوارد في حديث عمر الطويل الذي رواه مسلم، وفي حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وهو أذاننا المشهور في بلادنا السعودية – حفظها الله في طاعته – وليس فيه ترجيع، وأما أذان أبي محذورة فقد رواه مسلم وأصحاب السنن إلا أن مسلمًا ذكر التكبير في أوله مرتين ورواه الخمسة فذكروه مربعًا، وهو بترجيع، والترجيع هو قول الشهادتين بصوت منخفض يسمعه القريب ثم إعادتهما بصوتٍ مرتفع يسمعه البعيد، وهو الأذان المشهور في الدولة العثمانية في زمنها، فإذًا السنة هو أن نؤذن بأذان أبي محذورة في وقتٍ أو قطرٍ ونؤذن بأذان بلال في وقتٍ آخر أو قطرٍ آخر ولا يجوز أن يؤذن المؤذن الواحد في الوقت الواحد بأذانين بهذا وبهذا فهذا من البدعة ولكن يُؤَذِّن بهذا تارة وبهذا تارة وهذا واضح.

стр. 6

ومنها: الإقامة: فهي عبادة وردت بصفتين، إقامة بلال وهي بالوتر في غير التكبير والإقامة أي في غير قوله (قد قامت الصلاة) وهي الإقامة المشهورة عندنا في هذه البلاد – زادها الله شرفاً ورفعة – وإقامة أبي محذورة وهي كأذان بلال بالضبط، فمن أذن بأذان بلالٍ سن أن يقيم بإقامته، ومن أذن بأذان أبي محذورة سن أن يقيم كإقامته، فنفعل هذه الإقامة تارة وهذه تارة (١) . ومنها: صفة التورك في التشهد الأخير في الصلاة التي لها تشهدان: فهو عبادة ورد بثلاث صفات: الأولى: نصب اليمنى وإخراج اليسرى مفروشة تحت ساق اليمنى والقعود على المقعدة. والثانية: فرش اليمنى وإخراج اليسرى بين فخذ اليمنى وساقها. والثالثة: هي كالصفة الأولى لكن مع فرش اليمنى، وكلها ثبتت بأدلة صحيحة فمن السنة أن نفعل الصفة الأولى في صلاةٍ والثانية في صلاةٍ أخرى والثالثة في صلاة أخرى وهكذا، والله أعلم. ومنها: صلاة الخوف فقد وردت على وجوهٍ مختلفة ومن السنة فعلها على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفة وتفصيل صفاتها يطلب من كتب الحديث. ومنها: مناسك الحج، من إفرادٍ وتمتعٍ وقران، يسن للإنسان أن يفعلها جميعها في سنين مختلفة، وهذا الفرع في النفس منه شيء؛ لأن بعض هذه الأنساك أفضل من بعض بالدليل الشرعي. ومنها: ثبت أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين وثلاثًا ثلاثًا، وبعض الأعضاء ثلاثًا وبعضها مرتين، فيسن أن نفعل هذه الوجوه في أوقاتٍ مختلفة والله أعلم. ومنها: صفة صلاة الوتر يسن أن تفعل على جميع وجوهها وهي معروفة في كتب الفقهاء.

стр. 7

والفروع كثيرة جدًا، وفيما مضى كفاية - إن شاء الله تعالى -، فمن فهم هذه القاعدة فهمًا جليًا فإنه سوف يحل كثيرًا من الخلافات الفقهية التي يثيرها الفقهاء بسبب تنوع هذه الوجوه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وهو أعلى وأعلم. القاعدة الثانية ٢ - لا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها ويجوز بعد السبب وقبل شرط الوجوب وهذه القاعدة أيضًا من القواعد المهمة في الفقه، لكن تنتظر حتى تفهم لمعرفة ما هو سبب العبادة؟ وما هو شرط وجوبها؟ وإليك البيان.

стр. 8

اعلم – رحمك الله تعالى – أن الشروط نوعان: شروط وجوب، وشروط صحة. والمراد هنا هو شروط الوجوب، أي الشيء الذي لا يتم وجوب العبادة إلا به، كالحنث لوجوب الكفارة فالكفارة في اليمين لا تجب إلا بعد الحنث أي مخالفة مقتضى اليمين، وكذلك زهوق النفس لوجوب كفارة القتل فكفارة القتل يشترط لوجوبها زهوق النفس وهكذا، فالشرط الذي تعنيه القاعدة هو ما لا يتم الوجوب إلا به، لا ما لا يتم الواجب إلا به، فإنه قد تقرر في الأصول أن هناك فرق بين الوجوب والواجب، فشرط الوجوب هو الذي يخصنا في هذه القاعدة فإن شرط الواجب هو ما لا يصح الفعل إلا به، كالطهارة للصلاة والإسلام لصحة العبادات، لكن الفعل يجب بدونه فالصلاة تجب ولو لم يتطهر الإنسان، والعبادات تجب على الكافر ولو لم يسلم، لكن لا تصح الصلاة إلا بالطهارة ولا العبادات إلا بالإسلام، وأما شرط الوجوب فهو الذي لا يتم وجوب العبادة أصلاً إلا به، فإذا تخلف فإنه يتخلف وجوبها، وهذا واضح جداً، وأما السبب الذي نعنيه هنا فهو الذي يتوقف عليه جواز الفعل لا وجوبه، أي إذا تحقق فإنه يجوز الفعل لكن لا يجوز قبل تحققه كعقد اليمين فهو سبب انعقاد الكفارة، والجرح الموت هو سبب انعقاد الدية ودخول وقت الأولى من الصلاة المجموعة سبب لانعقاد فعل الثانية منهما، وهكذا، إذا علمت هذا فإن هذه القاعدة لا تدخل إلا في عبادة لها سبب وجوب وشرط وجوب، أما ما ليس له سبب وجوب فلا تدخل معنا كصيام شهر رمضان وصلاة الفريضة التي ليست بمجموعة إلى غيرها. إذا علمت هذا فاعلم أن العبادة التي لها سبب وجوب وشرط وجوب لها ثلاث حالات:

стр. 9

إما أن تفعل قبل سبب وجوبها، وإما أن تفعل بعد تحقق السبب لكن قبل شرط الوجوب، وإما أن تفعل بعد شرط الوجوب، فإذا فعلت قبل سبب الوجوب فإنها لا تصح؛ لأن وقتها بعد لم يتحقق فكأنه صلى الظهر قبل دخول وقتها، وذلك كمن أخرج الكفارة قبل عقد اليمين فإنها تكون صدقة وليست بكفارة، وأما إذا فعلت بعد سبب الوجوب وقبل شرط الوجوب فإن هذا الفعل جائز، كمن أخرج الكفارة بعد عقد اليمين وقبل الحنث، وأما إذا فعلها بعد شرط الوجوب فإنها تجب حينئذٍ كمن كفر بعد الحنث. وإذا كانت القاعدة بهذا الشرح لازالت لم تفهم فهاك الفروع حتى تتضح أكثر: فمن ذلك: كفارة اليمين هي عبادة لها سبب وجوب وشرط وجوب، فلا يجوز إخراج الكفارة قبل عقد اليمين؛ لأنه سبب وجوبها، ويجوز إخراجها بعد عقد اليمين وقبل الحنث لتحقق سبب وجوبها، ويجب إخراجها بعد الحنث؛ لأنه شرط وجوبها. وعلى ذلك قوله ﷺ : (إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) فهذا دليل على جواز إخراج الكفارة بعد عقدها وقبل الحنث خلافًا لمن منع ذلك. ومنها: الصلاة المجموعة كالظهرين والعشائين، يصير وقتهما كالوقت الواحد كما هو معلوم عند الفقهاء، فدخول وقت الأولى منهما أعني الظهر أو المغرب سبب لوجوب فعل الثانية أعني العصر والعشاء، ودخول وقت الثانية شرط لوجوبها، إذًا لا يجوز فعل الصلاة الثانية قبل دخول وقت الأولى، ويجوز فعلها بعد دخول وقت الأولى لتحقق سبب وجوبها لكنها لا تجب، إلا إذا دخل وقتها فتجب حينئذٍ، والله أعلم.

стр. 10

ومنها: كفارة القتل لها سبب وجوب وشرط وجوب، فسبب وجوبها هو الجرح القاتل، وشرط وجوبها هو الزهوق أعني زهوق روح المجروح فعلى هذا، لا تصح الكفارة أعني كفارة القتل قبل الجرح؛ لأنه سبب وجوبها، ولا يصح فعل العبادة قبل سبب وجوبها، ويجوز إخراجها بعد الجرح وقبل الزهوق لتحقق سبب وجوبها، أما إذا زهقت النفس فتجب حينئذٍ (١) ، والله أعلم. ومنها: الزكاة عبادة لها سبب وجوب وشرط وجوب، فسبب وجوبها هو تمام النصاب، وشرط وجوبها حولان الحول، فعلى هذا، فلا زكاة قبل تمام النصاب لعدم انعقاد سبب وجوبها، وتجوز بعد تمام النصاب وقبل حولان الحول، أما إذا حال الحول فتجب حينئذٍ، وهذه القاعدة تؤيد قول من قال بجواز تقديم الزكاة بعد تمام النصاب لعامٍ أو عامين، والله تعالى أعلى وأعلم. ومنها: صلاة الجمعة لها سبب وجوب وشرط وجوب، فسبب وجوبها هو يومها وشرط وجوبها هو الزوال فلا يجوز فعلها قبل سبب وجوبها ويجوز بعده وتجب بعد الزوال، وهذا دليل (٢) لمن قال بجواز فعلها قبل الزوال كما هو المذهب، ولكن في النفس من هذا الفرع شيء كبير فالله تعالى أعلم.

стр. 11

ومنها: الطهارة عبادة لها سبب وجوب وشرط وجوب، فسبب وجوبها الحدث وشرط وجوبها القيام إلى الصلاة فتجوز الطهارة بعد الحدث وقبل القيام إلى الصلاة وتجب عند إرادة القيام إلى الصلاة؛ لأنه شرط وجوبها، والله أعلم. وأحسب أنه بهذه الفروع قد فهمت هذه القاعدة فهمًا جليًا وعليها فقس، لكن كما ذكرت سابقًا أن فهمهما متوقف على معرفة سبب الوجوب وشرط الوجوب، والله تعالى أعلى وأعلم. القاعدة الثالثة ٣ - لا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارض هذه من القواعد الخمس الكبرى، وتدخل في غالب أبواب الفقه وبالتحديد تدخل هذه القاعدة في كل فرعٍ يتجاذبه يقين وشك فتسقط الشك وتحكم باليقين ذلك؛ لأن الشك لا يقوى على رفع اليقين؛ لأنه أضعف منه، والضعيف لا يقوى على رفع القوي ولها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة. فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ فالحق هو اليقين والظن هو الشك فعاب الله جل وعلا على من اتبع الظنون الكاذبة وترك الحق الثابت بالدليل الواضح. ومن ذلك: قوله ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن) الحديث، وهو نص في القاعدة فقد أمر بإطراح الشك والبناء على اليقين وهو معنى قولنا: (اليقين لا يزول بالشك) . ومنه: قوله ﷺ في حديث عبد الله بن زيد عند الشيخين: أنه شكى إلى الرسول ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: (لا ينصرف أو لا ينفتل حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) أي فيبقى على يقين الطهارة حتى يتأكد من خروج الريح الناقضة للوضوء وهو نص في هذه القاعدة.

стр. 12

ومن ذلك: حديث أبي هريرة عند مسلم، وعن ابن عباس نحوه عند البزار وكذا للحاكم عن أبي سعيد وغير ذلك كثير، بل والاعتبار الصحيح يقتضي ذلك كما ذكرنا أن الضعيف لا يقوى على رفع القوي؛ لأن ما تيقن ثبوته بدليل أو استصحاب حال، أقوى مما شك فيه أهو ثابت أم لا؟ فإذا سئلت عن سؤال فيه تجاذب بين شيء متيقن وشيء مشكوك فيه، فاعرف أنه داخل تحت هذه القاعدة فأسقط الشك واحكم باليقين، ثم اعلم أن قاعدة الأصول في الأشياء داخلة تحت هذه القاعدة الكبرى، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -. فإن قلت: إذا كان الشك لا يرفع اليقين فهل يرتفع اليقين بيقين مثله؟ قلت: نعم، إن اليقين لا يزول بالشك لكن يزول بيقين مثله، وغلبة الظن منزلة منزلة اليقين، وعلى ذلك قوله ﷺ : (فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) أي حتى يأتي يقين آخر أي يقين الحدث ليرفع يقين الطهارة وإلا فهو باقٍ على طهارته ولا مزيد على هذا لكن نضرب بعض الفروع حتى يتضح التطبيق عليها: فمنها: إذا سئلت عن رجلٍ توضأ للعصر ثم دخل وقت المغرب وأراد أن يصليها فشك هل أحدث أو لا؟ فقل: أنت تيقنت الطهارة الذي هو وضوء العصر، وشككت في الحدث، فأنت على ما تيقنته وهو الطهارة؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. ومنها: شك رجل هل صلى الفجر أو لا؟ فقل: إن اليقين هو أنك لم تصل؛ لأن الأصل عدم الصلاة والشك حصل في وجودها فنبقى على الأصل الذي هو عدم الصلاة واليقين لا يزول بالشك فعليك أن تصلي الآن. ومنها: رجل أكل شاكًا في طلوع الفجر فإذا هو قد طلع، فقل له: إن اليقين هو بقاء الليل وطلوع الفجر مشكوك فيه واليقين لا يزول بالشك فالأصل بقاء الليل فصيامك صحيح لأنك عملت باليقين (١) .

стр. 13

ومنها: رجل تيقن النكاح وشك في الطلاق، فنقول: اليقين هو النكاح والمشكوك فيه هو الطلاق، فأنت على نكاحك؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. ومنها: شك إنسانٌ هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فنقول: اليقين هو أنك صليت ثلاثًا والركعة الرابعة مشكوك فيها والأصل عدمها فعليك أن تجعلها ثلاثًا وتسجد للسهو قبل السلام (١) وعلى ذلك دل حديث أبي سعيد عند مسلم. ومنها: طاف وشك هل طاف سبعًا أو ستًا فاليقين أنه طاف ستًا والسابع مشكوك فيه فيزيد واحدًا، والقول الجامع في هذا هو أن كل شيء الأصل عدمه وشك في فعله فيحكم بعدم الفعل (٢) ، وكل شيء الأصل ثبوته وشك في عدمه فالأصل بقاؤه. وعلى ذلك فقس، والله تعالى أعلى وأعلم. القاعدة الرابعة ٤- لا يعتبر الشك بعد الفعل ومن كثير الشك هذه القاعدة فرع من القاعدة السابقة وخلاصتها: أن الشك يصدر من أحد رجلين، إما أن يصدر من رجلٍ كثير الشك فهو مريض بالوسواس - والعياذ بالله - من ذلك، وإما أن يصدر الشك من رجل معتدل الشكوك. فالأول: شكه غير معتبر وليس معمولاً به أبدًا لأن مراعاة شك هذا الرجل وبال عليه وتكليف له بما لا يطاق وتكليف ما لا يطاق منتفٍ شرعًا، بل يعالج هذا الرجل بعدم الالتفات إلى شكه بل يفعل الفعل بجزم وحزم ولا يفكر في أي شك يتطرق إليه، إذًا شك كثير الشكوك ليس بمعتبر أي لا نبني عليه حكماً.

стр. 14

وأما: إن صدر الشك من رجلٍ معتدل الشكوك فهذا لا يخلو من حالتين: إما أن يصدر هذا الشك أثناء الفعل أي في حال فعل العبادة، وإما أن يصدر بعد فعلها وانتهائه منها، فإذا صدر الشك بعد العبادة فهو شك ملغىً أي ليس معتبراً؛ لأن الأصل أن الإنسان فعل العبادة تامة وهذا الشك من وسوسة الشيطان وعلاجه عدم الالتفات إليه. وأما إن صدر هذا الشك في أثناء العبادة فهو شك معتبر يعمل به حينئذٍ؛ لأن الشيء الذي شك فيه الإنسان في العبادة الأصل عدمه. ومن شك في فعلٍ هل فعله أو لم يفعله؟ فالأصل أنه لم يفعله فيأتي بالشيء الذي شك فيه؛ لأن اليقين لا يزول بالشك، إذًا صار الشك عندنا لا يعتبر في حالتين ويعتبر في حالة واحدة، فلا يعتبر الشك من كثير الشكوك مطلقًا سواءً أثناء العبادة أو بعدها ولا يعتبر الشك من معتدل الشكوك بعد الانتهاء من العبادة، ويعتبر الشك من معتدل الشكوك في أثناء العبادة وبهذا تكون القاعدة قد بانت معالمها وفي ذلك قلت: والشك بعد الفعل ليس يعتبر ... ... ومن كثير الشك أيضًا مغتفر ونضرب بعض الفروع على كل الحالات الثلاث حتى تتضح القاعدة أكثر فأقول: منها: رجل كثيرة شكوكه فصلى العصر ثم شك هل جلس للتشهد الأول أو لا؟ فالجواب: هذا الشك لا يعتبر سواءً صدر من كثير الشك أو من معتدل الشك، أما عدم اعتباره من كثير الشك فلما مضى أن كثير الشكوك مريض يعالج بأمره بترك شكه وأما وجه عدم اعتباره من معتدل الشك فلأن هذا الشك لم يقع إلا بعد الفعل أي بعد الانتهاء من صلاة العصر والشك من معتدل الشك بعد انتهاء الفعل لا يؤثر، إذًا نقول: صلاة العصر من هذا الرجل صحيحة على كل اعتبار ولا يلتفت إلى شكه مطلقًا ما لم يحصل عنده يقين أنه ترك ذلك.

стр. 15

ومنها: رجل يطوف وشك وهو أثناء الطواف هل طاف أربعًا أم خمسًا فما الحكم؟ الجواب: أننا نسأل أولاً هل هذا الرجل ذو شكوك كثيرة أو معتدل الشك فإن كان الرجل ذا شكوك كثيرة فنقول لا تلتفت إلى هذا الشك؛ لأنك مريض بكثرة هذه الشكوك واجزم في الفعل ولا تلتفت إلى هذا الشك، وإن كان الشك من معتدل الشكوك فنقول شكك معتبر ولم تطف إلا ثلاثة أشواط لأن الأصل عدم الرابع وقلنا شكه معتبر (١) ، لأنه معتدل الشك ووقع أثناء الفعل. ومنها: رجل توضأ وانتهى ثم شك هل مسح رأسه أو لا؟ فنقول: إن كان كثير الشك فلا يلتفت إليه مطلقًا وإن كان معتدل الشك أيضًا لا يلتفت إليه؛ لأنه حصل بعد الانتهاء من الفعل والشك بعد الفعل لا يؤثر. ومنها: رجل في أثناء رمي الجمرات شك هل رمى سبعًا أم ستًا؟ فالجواب: إن كان كثير الشك فلا يلتفت إليه ويرمي ما في يده إن بقى معه شيء وإلا فليمض وإن كان معتدل الشك فشكه معتبر ويزيد سابعة (٢) ؛ لأن الأصل عدمها وهكذا. وبهذا تكون القاعدة قد بانت ولا إشكال فيها - إن شاء الله تعالى -. وخلاصة الكلام أنه إذا وجه إليك سؤال فيه شك فقبل الجواب تسأل عن سؤالين: الأول: هل الذي صدر منه الشك كثير الشكوك أو معتدل الشكوك، فإن كان الأول فأبطل شكه، وإن كان الثاني فاسأل هل حدث الشك بعد انتهاء الفعل أو في أثناء الفعل، فإن كان الأول فأبطل شكه، وإن كان الثاني فهو شك معتبر، والله تعالى أعلى وأعلم. القاعدة الخامسة ٥ - إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل

стр. 16

العبادات عندنا نوعان: عبادة إذا فاتت لا يشرع لها بدل كالوقوف بعرفة إذا فات يومه لا بدل له، وكالصلوات المفروضات إذا فوتها الإنسان ولم يؤدها فإنه لا بدل لها، بل لا كفارة لها إلا فعلها بعينها ونحو ذلك، فهذه العبادات لا تدخل معنا في هذه القاعدة وحكمها أنها تسقط المطالبة بها بالعجز عن أداتها مطلقًا لا إلى بدل. والنوع الثاني: عبادات إذا فاتت فإنها تفوت إلى بدل يعني لها بدل يقوم مقامها يجزئ عنها وتتحقق منه المصلحة التي تتحقق من المبدل، فهذه العبادات الأصل أن تفعل هي ولا يجوز الانتقال إلى أبدالها إلا عند تعذرها أو العجز عنها، فإذا تعذرت أو عجزنا عنها فإننا ننتقل إلى بدلها، إذًا البدل لا يجزئ ولا يدخل في حيز المطالبة إلا إذا تعذر أصله، فمن انتقل إلى البدل مع القدرة على الأصل، فإن البدل لا يجزئه ويأثم بتفويت الأصل وهو قادر عليه، بل قال بعضهم: إن البدل لا يدخل في حيز العبادات إلا بعد العجز عن أصله، ولهذا القول وجه من النظر، والمراد: أنه لا يجوز الانتقال إلى البدل إلا إذا عدمنا المبدل، ثم اعلم: أن البدل إذا تعذر اصله فإنه يقوم بجميع ما يقوم به أصله وإن اختلف معه في الصورة، وبالفروع يتضح الكلام فأقول:

стр. 17

منها: الطهارة الصغرى عن الحدث الأصغر أو الكبرى عن الحدث الأكبر لها بدل وهو التيمم بالتراب الطاهر، فإذا كان الإنسان يجد الماء ويقدر على استعماله فلا يجوز له حينئذٍ أن ينتقل إلى التيمم، وأما إذا عدم الماء أو وجده ولكن لا يستطيع استعماله لعذرٍ من حرقٍ ونحوه، أو لأن البئر عميقة والماء غائر ولا دلو معه ولا حبل، فيجوز له حينئذٍ أن ينتقل إلى التيمم، وعلى ذلك قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فإذا انعدم ما يطلق عليه ماء فينتقل إلى التيمم، وهذا قول الجمهور، أما الحنفية فإنهم يجيزون الوضوء بالنبيذ إذا لم يشتد لحديث يروونه لكن فاتهم الصواب، وحديثهم ضعيف جدًا، والله تعالى أعلى وأعلم. ومنها: أن الإنسان إذا عجز عن الركوع والسجود الذي هو الأصل فإنه ينتقل إلى الإيماء بهما ويجعل سجوده أخفض من ركوعه لكن مادام قادرًا على حني ظهره لركوع تام ووضع جبهته على الأرض لسجود تام فيكون هو المتعين عليه، ولا ينتقل عنه، والله تعالى أعلم. ومنها: الأصل أن من حج متمتعًا أو قارنًا فإنه يجب عليه الهدي وهو أن يذبح من بهيمة الأنعام يوم النحر ما يجزئه، لكن إذا عجز الإنسان عن الهدي فإنه ينتقل إلى البدل وهو الصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله تلك عشرة كاملة كما في سورة البقرة، إذًا لا يجوز العدول عن الأصل مع القدرة عليه. ومنها: الأصل في كفارة اليمين هو أن يكفر الإنسان بثلاثة أشياء على التخيير وهي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فالحالف مخير بين هذه الأشياء الثلاثة أي واحد فعله فإنه يجزئ عنه ولو كان قادرًا على غيره، لكن إذا عجز الحالف عن كل هذه الثلاثة فإنه ينتقل إلى البدل عنها وهو أن يصوم ثلاثة أيام، إذًا لا يجوز الانتقال إلى الصوم إلا إذا عدمنا هذه الثلاثة؛ لأنه لا يجوز الانتقال إلى البدل إلا إذا عدم الأصل.

стр. 18

ومنها: الأصل أن كل قادرٍ على الحج بنفسه أنه يجب عليه أن يحج ببدنه لكن إذا عجز عن الحج بنفسه لمرض كالمعضوب ونحوه وقدر بماله فعليه أن يقيم من يحج عنه، وهذا بدل عن الحج بنفسه، ولم يجز ذلك إلا لأن الأصل تعذر وإذا تعذر الأصل صرنا إلى البدل. ومنها: الأصل أن قراءة الفاتحة ركن في الصلاة على كل قادرٍ على تعلمها، لكن إن عجز الإنسان عن تعلمها أو ضاق وقت الصلاة ولم يتعلمها بعد، فينتقل إلى البدل وهو التسبيح والتهليل والتكبير والحوقلة، ودليلها حديث أبي أوفى (١) ، فلما عجزنا عن الأصل انتقلنا إلى البدل. ومنها: كفارة الظهار والقتل الخطأ أو شبه العمد هي على الترتيب فلا يجوز الانتقال إلى الثاني إلا إذا عدم الأصل، والله أعلم. مسألة: إذا عجز الإنسان عن الأصل ثم انتقل إلى البدل ثم قدر على الأصل فهل يلزمه أن ينتقل إلى الأصل لزوال المانع أو يجزئه البدل؟ الجواب: هذا سؤال مهم جدًا، وجوابه أن يقال: إذا قدر الإنسان على الأصل بعد الانتقال إلى البدل فلا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن يقدر على الأصل قبل الشروع في البدل أو فيما يكون البدل شرطًا فيه، فهذا يجب عليه الانتقال إلى الأصل ولا يجزئه البدل، كمن قدر على الماء قبل الشروع في الصلاة فيلزمه إعادة التطهر بالماء وتبطل طهارة التراب، وكمن قدر على الهدي قبل الشروع في الصيام فيلزمه أن يذبح الهدي فلو صام بعد القدرة على الهدي لانقلب صيامه نفلاً ولا يجزئه عن الهدي، وكمن قدر على إحدى خصال الكفارة قبل الشروع في الصوم فيلزمه أن يكفر بالمقدور عليه منها، وذلك لأننا أجزنا له الانتقال إلى البدل لأن الأصل قد تعذر، فشرط الانتقال إلى البدل هو تعذر الأصل فلما قدر عليه مرة أخرى زال الشرط الذي به يباح البدل فالأصل مقدور عليه الآن وإذا قدرنا على الأصل لم يجز الانتقال للبدل.

стр. 19

الحالة الثانية: أن لا يقدر على الأصل إلا بعد الفراغ من فعل البدل أو فعل ما يشترط البدل لصحته فهذا يجزئه فعل البدل وفعل ما يشترط البدل لصحته كمن قدر على الهدي بعد الانتهاء من الصوم فهذا لا يلزمه الهدي لأن المطالبة سقطت بفعل البدل، وكمن قدر على الماء بعد الفراغ من الصلاة فهذا صلاته صحيحة ولا يلزمه إعادتها، بل ليس من السنة إعادتها وعلى ذلك حديث أبي سعيد (١) ، وكمن قدر على الحج بنفسه بعد فراغ وكيله من أعمال الحج فهذا سقط عنه الحج الواجب وإن حج بعد ذلك فنافلة. الحالة الثالثة: وهي محط قوة الخلاف وإلا فالخلاف في الحالة الثانية قليل، لكن هذه الحالة هي التي كثر خلاف العلماء فيها وهي أن يقدر على الأصل في أثناء فعل البدل أو في أثناء فعل ما يشترط البدل لصحته فهذا كمن قدر على الحج بنفسه بعد شروع وكيله في الحج وقبل الانتهاء من أعمال الحج، وكمن قدر على الهدي بعد الشروع في الصيام وقبل الفراغ منه، وكمن وجد الماء بعد البدء في الصلاة وقبل الفراغ منها، وكمن قدر على التكفير بأحد الخصال الثلاث بعد الشروع في الصوم وقبل الفراغ منه، فهل يكمل فعل البدل حتى مع القدرة على الإتيان بالأصل أو يقطع البدل وينتقل إلى الأصل؟

стр. 20

في المسألة قولان: قيل: بإجزاء البدل، وقيل: بوجوب الانتقال إلى الأصل، وبعضهم فرق بين المسائل المذكورة ففي بعضها أفتى بالإجزاء وفي بعضها أفتى بوجوب الانتقال إلى الأصل [وإني بقيت ردحاً من الزمان أبحث عن ضابط يفرق بين المسائل التي يلزم فيها الإنسان أن ينتقل إلى الأصل حال القدرة عليه والتي لا يلزمه الانتقال إليه ولو مع القدرة، فلم أجد لذلك أثرًا في كتب الفقهاء، إلا ما وجدته في كتاب "القواعد" لابن رجب ولكنه فارق ليس بواضح كثيرًا؛ ولأنه جعل فيه مسائل مترددة بين الأصلين زادت من وهج المشكلة، ثم لما انقطعت الحبال في يدي توجهت إلى الله تعالى بالدعاء أن يفرج كربي وأن ينفس همي وأن يدلني على ضابط هذه المسائل فاستجاب لي ولم يخيب رجائي وإني والله لأحقر من أن يلتفت الله لدعائي لأنه يعلم ما عندي من الذنوب والمعاصي، ولكنه الراحم المتفضل، فهداني إلى ضابط عظيم جدًا قست عليه جميع المسائل فوجدتها مطردة عليه، بل ويوافق تخريجها على هذا الضابط كل الأدلة وما قاله الفقهاء فحمدت الله تعالى وسجدت له شكرًا على هذه النعمة، وإنها والله لأغلى عندي من نعمة الولد والزوجة والمال، بل وأغلى عندي من نعمة الحياة ذاتها فارتاح خاطري وهدأت نفسي، وإليك الآن شرح هذا الضابط لأنه يحتاج إلى شيء من الفهم] . فأقول: إن الانتقال من الأصل إلى البدل لا يخلو من حالتين:

стр. 21

إما أن يكون انتقال ضرورة، وإما أن يكون انتقال رخصة فإن كان الانتقال انتقال ضرورة فإننا نأمر من قدر على الأصل بعد تعذره أن ينتقل إليه ولو بعد الشروع في البدل لأن الانتقال إلى البدل في هذه الحالة أجازته الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وقد زالت هذه الضرورة بالقدرة على الأصل، فعاد الحكم كما كان، أما إذا كان الانتقال انتقال رخصة وتوسعة على المكلف فإنه لا يلزم بالانتقال إلى الأصل عند القدرة على الأصل؛ لأن المقصود هو التوسعة على المكلف وإلزامه بالانتقال إلى الأصل بعد الشروع في البدل منافٍ لهذا المقصود فقلنا: يجزئه البدل،والذي يدل على إرادة التوسعة والرخصة هو أن المكلف قادر على أن يأتي بالأصل لكن مع نوع كلفةٍ ومشقة، فنزل المكلف منزلة عدم القادر لوجود هذه الكلفة والمشقة، إذًا الشريعة تريد إزالة هذه الكلفة والمشقة عنه فرخصت له الإتيان بالبدل، إذًا صار الانتقال إلى البدل انتقال رخصة لا ضرورة. هذا هو الضابط من ناحية التنظير، ويبقى أن نخرج الفروع عليه لنرى هل هي متجهة موافقة للدليل أم لا؟ فأقول: منها: من قدر على الهدي بعد الشروع في الصيام فهل يلزمه الانتقال إلى الهدي أم لا؟ نقول: إن الانتقال من الهدي إلى الصيام انتقال رخصة لا انتقال ضرورة بدليل أن المكلف قد يقدر على الهدي لكن بنوع كلفة كشرائه بدين في ذمته، أو استلاف ثمنه، أو كطلبه من مظانه من المتصدقين والمحسنين لكن هذا لا يلزمه فإذا تيقنا أنه انتقال رخصة فنقول: يستمر في الصوم ولا يلزمه الانتقال إلى الأصل وإن خالف وانتقل إلى الأصل فإنه يجزئه عندنا أي المذهب لأنه قد جاء بالأصل المأمور به وخرج من العهدة بفعله، وليس الصيام عبادة لا يجوز قطعها وهذا واضح والله أعلم.

стр. 22

ومنها: من قدر على الحج بنفسه بعد شروع وكيله في الإحرام فهل يلزمه الانتقال إلى الأصل أم لا؟ نقول: إن الانتقال من الحج بالنفس إلى الحج بالغير انتقال رخصة لا انتقال ضرورة بدليل أن المكلف قد يقدر على الحج بنفسه لكن بنوع كلفة ومشقة كحمله والتوكيل عنه في الرمي ونحوه، أو أن ينتظر لعله يبرأ، لكن كل هذا لا يجب عليه فدل على أن الأمر رخصة وتوسعة، فنقول: يجزئه فعل وكيله ويسقط عنه الحج الواجب وإن أراد أن يحج عن نفسه بعد القدرة فله ذلك وتنقلب حجة وكيله نفلاً عن نفسه، والله أعلم. ومنها: من قدر على إحدى خصال الكفارة بعد الشروع في الصوم فإنه لا يلزمه الانتقال لها ويجزئه التكفير بالصوم لأن الانتقال هنا انتقال رخصة بدليل أن الحالف قد يقدر على التكفير بإحداها ولكن بنوع كلفة ومشقة، والله أعلم. وعلى ذلك فقس، فإذا لاح لك أن الانتقال انتقال رخصة فاعلم أن البدل بعد الشروع يجزئ ولو قدر على الأصل كما في الأمثلة الماضية. وأما إذا لاح لك أن الانتقال انتقال ضرورة فاحكم ببطلان البدل عند القدرة على الأصل وإليك فروع ذلك فأقول: منها: المرأة الحائض عليها أن تعتد بالحيض لكن إذا ارتفع إن كانت تدري ما رفعه فتعتد سنة كاملة، وإن كانت لا تدري ما رفعه فإنها تعتد عدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر، فإذا نزل حيضها بعد الشروع في الأشهر فإنه يلزمها أن تنتقل إلى الأصل الذي هو الاعتداد بالحيض لأن هذا الانتقال من الحيض إلى الأشهر انتقال ضرورة، يعني لم يجيزوا لها الانتقال إلى الأشهر إلا بعد التأكد التام من انعدام الأصل ولذلك قالوا: من ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه تعتد سنة كاملة حتى تتأكد أنها ليست ممن يحيض وليست حاملاً، إذاً لاح لنا أن الانتقال انتقال ضرورة فألزمناها بالانتقال إلى الأصل عند القدرة عليه.

стр. 23

ومنها: وهو أخطرها: من قدر على التطهر بالماء أثناء الصلاة التي دخلها بالتيمم لعدم الماء فهل يقطعها أم لا؟ نقول: إن الانتقال من المطالبة بالطهارة المائية حال عدمها إلى التيمم انتقال ضرورة، لأنه لا يجوز له التيمم إلا بعد التأكد التام من عدم الماء، فإذا قدر على الماء سواءً بشراءٍ ولو في الذمة أو هبة أو بدلالةٍ ونحوه، فإن التيمم لا يجوز لكن إذا لم يجد الماء ولم يقدر عليه بأي وجه فينتقل إلى التيمم، إذًا صار الانتقال إلى التيمم انتقال ضرورة لا رخصة، فإذا وجد الماء وقدر عليه ولو في أثناء الصلاة وجب عليه الانتقال إليه، وعلى ذلك دلت الأدلة فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا عام في كل وقت سواءً قبل الشروع في الصلاة أو في أثنائها أو بعدها، وخص الدليل صحة الصلاة بالبدل بعدها وهو حديث أبي سعيد وبقيت الآية عامة في كل وقت، فمن وجد الماء فلا يتيمم، ومن لم يجده فيتيمم بنص الآية، فمن خص من ذلك شيئاً فعليه الدليل ولا دليل له.

стр. 24

ومن ذلك: قوله ﷺ : (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) هو عام أيضًا في جميع الأوقات وخص منه ما إذا انتهى من الفعل بالدليل فبقي ما قبل الفعل وفي أثناء الفعل داخل في هذا العموم، فنقول لمن وجد الماء في أثناء الصلاة: اتق الله وأمِسَّه بشرتك، ولأننا رجحنا أن التيمم رافع للحدث رفعًا مؤقتًا حتى يوجد الماء فإذا وجد الماء انتهى حكم التيمم وعاد الحدث كما كان، فإن كان حدثًا أصغر وجب الوضوء وإن كان حدثًا أكبر وجب الغسل بدليل حديث عمران: (خذ هذا وأفرغه عليك) بعد أن قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) وللحديث السابق: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) فإذا تيمم لعدم الماء فقد ارتفع حدثه، فإذا دخل في الصلاة فقد دخل بطهارة تامة وعلى وجهٍ مأمورٍ به شرعًا لكن إذا وجد الماء أو قدر على استعماله فإن حكم التيمم يبطل ويعود الحدث كما كان، والصلاة مع الحدث باطلة، فيلزمه قطعها ويكون قطعها على وجهٍ مأمورٍ به شرعًا، ولا يأثم في ذلك ولا يعد مخالفًا لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أعْمَالَكُمْ﴾ (١) لأن صلاته بطلت بوجود الماء، فيلزمه أن يخرج منها بلا سلام ويتوضأ ويستأنفها، ويقال أيضًا: إننا أجمعنا معكم أنه إذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة أن تيممه يبطل ويلزمه استئناف الطهارة بالماء، فكذلك إذا وجده في أثنائها، فالأصل هو وجود الماء قبل الدخول في الصلاة، والفرع هو وجود الماء بعد الدخول في الصلاة، والعلة هي بطلان التيمم وعود وصف الحدث في كلٍ، والحكم هو أنه كما بطل التيمم قبل الصلاة وعاد وصف الحدث فكذلك يبطل التيمم في أثنائها ويعود وصف الحدث، وهو قياس صحيح، وأما وجه صحة صلاته إذا لم يجد الماء إلا بعد الفراغ من الصلاة فلأمرين: أحدهما: لأن الأدلة دلت على صحة الصلاة

стр. 25

وإن وجد الماء في الوقت كحديث أبي سعيد. والثاني: أنه صلى بالتيمم والتيمم رافع فإذا دخل في الصلاة فقد دخل بطهارة كاملة وعلى وجهٍ مأمورٍ به شرعًا فإذا تمت صلاته فلا وجه لإبطالها فإذا وجد الماء بعد الصلاة فيبطل تيممه لكن قد انتهى من فعل الصلاة وليس من شروط صحة الصلاة بقاء الطهارة بعد الفراغ، وهذا واضح وأحسب أنه الراجح بالدليل الأثري والنظري. ونكون بهذا قد أتممنا الكلام على هذه القاعدة العظيمة ونستغفر الله تعالى ونتوب إليه وهو أعلى وأعلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. القاعدة السادسة ٦ - كل فعل توفر سببه على عهد النبي ﷺ ولم يفعله فالمشروع تركه اعلم أن فعل النبي ﷺ يؤخذ منه تشريع إذا كان المراد به التشريع، وكذلك تركه يؤخذ منه تشريع أيضًا. وهذه القاعدة في تركه، وتفيدنا أن الأفعال التي تيسر فعلها للنبي ﷺ وتركها باختياره أننا نتعبد لله بتركها لأنها لو كانت مشروعة لما تركها، فلما تركها دل على أنها ليست من الشريعة في شيء، فإنه ﷺ قد بلغ البلاغ المبين، وأتم الله جل وعلا به الدين، فما ترك خيرًا إلا دلنا عليه، ولا شرًا إلا حذرنا منه، فتركه تشريع كما أن فعله تشريع أيضًا، فهو قدوتنا وإمامنا كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسْوَة حَسَنَةٌ﴾ أي هو قدوتنا في فعله وتركه، فكما أننا نتأسى به في فعله فكذلك علينا أن نتأسى به في تركه، وخاصة الفعل الذي قدر أن يفعله ولم يمنعه من فعله شيء ومع ذلك تركه فيدل ذلك أن المشروع تركه. وفروع هذه القاعدة كثيرة جدًا لكن نذكر منها ما يدلك على باقيها: فأقول:

стр. 26

منها: الطواف حول القبور: يَدَّعِي الصوفية وعباد القبور أنه عبادة وأن فعله من أعظم القربات، فنقول: إن القبور كانت موجودة في عهد النبي ﷺ وكان يزور المقابر ويسلم على أهلها ولكن لم يكن يطوف بها مع أن الطواف بها قد توفر سببه فلما لم يطف بها دل على أن المشروع هو ترك الطواف، إذ لو كان عبادة لفعله فلما لم يفعله دل على أنه ليس بعبادة بل هو داخل تحت قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه، والله أعلم. ومنها: الذكر الجماعي بعد الصلاة: فعلٌ توفر سببه على عهد النبي ﷺ فقد كانت الجماعة للصلاة تقام في عهده وكانوا يذكرون الله بعد الصلاة الذكر المشروع، ولم يثبت عنه أنه أمرهم بالاجتماع في الذكر بألفاظٍ واحدة، فلو كان مشروعًا لفعله، فلما لم يفعله دل على أن المشروع هو تركه إذ لو كان مشروعًا لفعله فلما لم يفعله دل على أنه ليس بعبادة، والله تعالى أعلم. ومنها: السواك عند دخول المسجد خاصة، فعلٌ توفر سببه على عهده ﷺ فقد كان السواك موجودًا وكان ﷺ يدخل إلى المسجد ومع ذلك لم يثبت أنه استاك عند الدخول إلى المسجد، إذًا المشروع تركه، أو نقول: لا ينبغي للمسلم اعتقاد فضيلة السواك عند الدخول للمسجد خاصة بل السواك في كل وقت سنة، لكن من قال بفضيلته أجبنا عنه بهذه القاعدة إذ لو كان فيه فضيلة لفعله مع توفر سببه، والله أعلم.

стр. 27

ومنها: قول المأموم (استعنا بالله) أو (بالله أستعين) عند قول الإمام في الفاتحة (إياك نعبد وإياك نستعين) : فإن بعض الناس يقول ذلك، فنقول: هذا القول توفر سببه على عهد النبي ﷺ ولم يفعله ولم يأمر به الصحابة أن يفعلوه مما يدل على أن المشروع تركه إذ لو كان هذا القول سنة لأمر به أو فعله (١) ، فلما لم يأمر به ولم يفعله عرفنا بذلك أن المشروع تركه، والله أعلى وأعلم. ومنها: صلاة الرغائب: توفر سببها على عهد النبي ﷺ ولم يفعلها فالمشروع عدم فعلها، إذ لو كانت مشروعة لفعلها ولو مرة واحدة، فلما لم يفعلها دل على أنها ليست من الشريعة في شيء، والله أعلم. ومنها: صيام رجب كله أو بعضه لاعتقاد فضيلته: فعلٌ توفر سببه على عهد الرسول ﷺ ولم يصمه، فدل على أن المشروع تركه. ولعل القاعدة بهذه الفروع قد اتضحت، والضابط في هذه القاعدة أن يبحث الفقيه عن هذا القول أو هذا الفعل هل هو مما فعله أو قاله رسول الله ﷺ أو لا؟ فإن كان الجواب: نعم، فهذا لا كلام فيه. وإن كان الجواب: لا، فقل: لو كان مشروعًا لفعله لتوفر سببه فهو لم يتركه إلا لأنه ليس بمشروع، والله تعالى أعلى وأعلم. مسألة: إن قلت: هل تركه ﷺ يدل على كراهة الفعل أو القول المتروك أم يدل على تحريمه؟ قلت: إن تركه للفعل لا يخلو من حالتين: إما أن يكون مجردًا عن نهي قولي، وإما أن يكون مقروناً بنهي قولي، فإن كان مقرونًا بنهيٍ قولي فإنه يدل على تحريم الفعل كتركه للبناء على القبور فعلٌ اقترن بالنهي عن البناء عليها في قوله ﷺ : (ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته) وغير ذلك، فهذا الترك يدل على تحريم الفعل.

стр. 28

وإن كان تركًا مجردًا عن قول فإنه لا يدل إلا على كراهة الفعل إذا اعتقد القربة بهذا الفعل، كالسواك عند دخول المسجد يكره إذا كان يعتقد فضيلة السواك في هذا المكان بالذات، والله تعالى أعلى وأعلم. القاعدة السابعة ٧- الشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهما اعلم - رحمك الله تعالى - أن الشروط عندنا نوعان: شروط صحة، وشروط وجوب. فشروط الصحة هي التي لا يصح الفعل إلا بها كالطهارة شرط لصحة الصلاة وكذلك استقبال القبلة وستر العورة وإزالة النجاسة. وشروط الوجوب هي التي لا تعلق لها بالصحة وإنما لها تعلق بالوجوب فلا يجب الفعل إلا بها لكن يصح بدونها كشرط المحرم للمرأة في الحج، لا يجب عليها الحج إلا عند توفر المحرم، لكن لو حجت بلا محرم فحجها صحيح مع الإثم، كاشتراط الإقامة لوجوب الصوم، فلو صام المسافر لصح صيامه لكن لا يجب عليه إلا بالإقامة، وهكذا إذا علمت هذا فاعلم أن قولنا في القاعدة (الشروط) إنما نعني بها شروط الصحة لا شروط الوجوب فانتبه لهذا حتى لا تشكل عليك بعض الفروع. ثم اعلم أن شروط الصحة عندنا نوعان: الأول: شروط كانت معدومة فأمر المكلف بإيجادها، فهذه هي المراد بقولي: (في باب المأمورات) يعني أن المكلف أمر بإيجادها، كالطهارة للصلاة كانت معدومة فأمر المكلف بإيجادها عند كل صلاةٍ إذا كان محدثًا، فالطهارة شرط مأمور بإيجاده. الثاني: شروط أمر المكلف بعدم التلبس بها أي باجتنابها والابتعاد عنها، فهذه هي المرادة بقولي: (في باب التروك) يعني أن المكلف أمر بتركها، كإزالة النجاسة هو شرط تركي بمعنى أن المكلف أمر باجتناب النجاسة والابتعاد عنها لا بفعلها، وإن أشكل عليك ذلك فإليك هذين السؤالين اللذين يوضحان الفرق: فأقول: إذا أشكل عليك شرط من شروط الصحة هل هو من شروط الإيجاد أو من شروط الترك؟ فاسأل نفسك سؤالين:

стр. 29

هل الله أمرنا بالإتيان بهذا الشرط أي بإيجاده وقد كان معدومًا؟ أم أن الله أمرنا بتركه واجتنابه والابتعاد عنه؟ إذا كان الجواب بالأول:نعم، أي أن الله أمرنا بإيجاده فاعرف أنه من شروط المأمورات. وإذا كان الجواب بالثاني:نعم، أي أن الله أمرنا بتركه واجتنابه والابتعاد عنه فاعرف أنه من شروط التروك، كالطهارة لصحة الصلاة، وترك الأكل لصحة الصيام. فتقول: هل الله أمرني بفعل الطهارة وإيجادها والتلبس بها أو أمرني بترك الطهارة؟ الجواب: نعم أمرك الله بإيجاد الطهارة عند إرادة الصلاة، إذًا الطهارة شرط مأمور بإيجاده فلا يسقط بالجهل والنسيان. وتقول: هل الله أمرني إذا صمت أن أوجد الأكل والشرب أو أترك الأكل والشرب؟ الجواب: هو أن أترك الأكل والشرب، إذًا الأكل والشرب لصحة الصوم شرط تركي فيسقط بالجهل والنسيان وهذا واضح جدًا. وقولنا: (لا تسقط بالجهل والنسيان) المراد به هو الجهل الذي لا يعذر فيه صاحبه كالجهل الذي يقدر المكلف أن يرفعه عن نفسه لكنه فرط في ذلك. وأما النسيان فهو عارض طبيعي يغطي على التفكير ويقطع اتصاله، ولا يؤاخذ الإنسان به في حالٍ دون حال، إذا علمت هذا فاعلم أن دليل هذه القاعدة هو الاستقراء التام لأدلة الشريعة كما سنذكره الآن في بعض الفروع، والله أعلم. فمنها: رجل صلى بلا ستر عورة ناسيًا أو جاهلاً فما الحكم؟ نقول: هل ستر العورة مما أمر المكلف بإيجاده والتلبس به أو مما أمر المكلف بتركه واجتنابه؟ لاشك أن الجواب هو الأول إذا هو شرط مأمور بإيجاده، والشروط المأمور بإيجادها لا تسقط بالجهل والنسيان إذاً صلاته باطلة ويلزمه إعادتها، والله أعلم.

стр. 30

ومنها: صلى رجل بلا استقبال للقبلة جاهلاً الحكم جهلاً لا يعذر فيه أو ناسيًا لاستقبالها، فما الحكم؟ الجواب أن نقول: هل استقبال القبلة مما أمر المكلف بإيجاده أو مما أمر المكلف بتركه واجتنابه؟ الجواب هو الأول إذًا استقبال القبلة من شروط الإيجاد فلا يسقط بالجهل والنسيان فصلاته إذًا باطلة، والله أعلم. ومنها: رجل تكلم في الصلاة جاهلاً أو ناسيًا فما الحكم؟ نقول إن الكلام في الصلاة مما أمر المكلف بتركه واجتنابه لا مما أمر بفعله فإذًا هو من شروط التروك وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان إذًا صلاته صحيحة ولا شيء عليه ويدل على ذلك حديث معاوية بن الحكم في مسلم. ومنها: أن من أكل أو شرب في الصلاة ناسيًا أو جاهلاً فإن صلاته صحيحة كثيرًا كان الأكل أو قليلاً؛ لأن الأكل والشرب في الصلاة مما أمر المكلف بتركه واجتنابه فهو شرط تركي وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان. ومنها: أن من صلى بلا نية ناسيًا لها أن صلاته باطلة؛ لأن النية مما أمر المكلف بإيجاده والتلبس به فهي من شروط الإيجاد وشروط الإيجاد لا تسقط بالجهل والنسيان. ومنها: أن من أكل أو شرب ناسيًا في رمضان لا شيء عليه ويتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه ذلك لأن الأكل والشرب في رمضان مما أمر المكلف بتركه واجتنابه فهو شرط تركي وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان فصومه صحيح وعلى ذلك يدل حديث أبي هريرة: (من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه ...) متفق عليه. ومنها: من جامع في نهار رمضان جاهلاً أو ناسيًا فإنه لا شيء عليه وصومه صحيح؛ لأن الجماع في نهار رمضان مما أمر المكلف بتركه واجتنابه وعدم فعله فهو إذًا شرط تركي وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان وهذا هو الصحيح خلافًا للمذهب.

стр. 31

ومنها: من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام، أيَّا كان ذلك المحظور جاهلاً أو ناسيًا فلا كفارة ولا فدية؛ لأن هذه المحظورات مما أمرنا بتركها واجتنابها حال الإحرام فهي من شروط التروك وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان وهذا هو الصحيح خلافًا لمن فرق بين الصيد وما كان من باب الإيلاف وبين غيره، والله أعلم. ومنها: من ترك التسمية على الذبيحة جاهلاً أو ناسيًا فذبيحته حرام وميتة؛ لأن التسمية على الذبيحة مما أمر المكلف بإيجاده وفعله فهي من شروط الإيجاد والشروط في باب الإيجاد لا تسقط بالجهل والنسيان، هذا هو الصحيح وعليه قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ، وكذلك من ترك التسمية عند إرسال الجارحة أو آلة الصيد كالبندقية ونحوها لا يحل ما اصطاده لأن التسمية من شروط الإيجاد فلا تسقط بالجهل والنسيان، هذا الصحيح خلافًا لمن قال تسقط التسمية في الكل مع النسيان، وخلافًا لمن فرق بينهما فقال تسقط عند الذبح ولا تسقط على الصيد، فإن التسمية على الذبح كالطهارة مع الصلاة،فمن أحَلَّ الذبيحة التي تركت التسمية عليها فليصحح الصلاة التي لا طهارة قبلها، فإن شروط الإيجاد بابها واحد وحكمها واحد وهي متماثلة في أن كل واحد منها مما أمر المكلف بإيجاده، ولذلك اختار شيخ الإسلام حرمة ما ترك عليه التسمية أيًا كان ذبيحة أو صيدًا والحق معه، والله أعلم. وفروعها كثيرة لكن فيما مضى كفاية - إن شاء الله تعالى -.

стр. 32

مسألة: اعلم أن المطالبة بفعل المأمور، أعظم من المطالبة بترك المنهي فمخالفة فعل المأمور أشد من ارتكاب المنهي ولذلك قلنا إن ترك المأمورات لا يسقط بالجهل والنسيان وارتكاب المنهي يسقط بالجهل والنسيان، وأضرب مثالاً واحدًا على ذلك فأقول: إن معصية أبينا آدم كانت من قبيل فعل المنهي، ومعصية عدونا إبليس كانت من قبيل ترك المأمور، فقد أمر أبونا آدم بترك الأكل من هذه الشجرة واجتنابها والابتعاد عنها فلما أكل عاتبه الله وعاقبه بالهبوط من الجنة لكنه تاب عليه وعادت حاله بعد التوبة أكمل فتاب الله عليه. أما إبليس فإنه لما قال الله تعالى ﴿اسجدوا لآدم﴾ فإن الملائكة سجدوا جميعًا إلا هو، فخالف الأمر عنادًا وتكبرًا واغترارًا بأصله، فكانت حاله أسوأ حال وحرم من التوبة وطرد ولعن ومسخ على أقبح صورة (١) . فلذلك قلنا: إن ترك المأمور أشد عند الله من فعل المحظور، والله تعالى أعلم القاعدة الثامنة ٨ - العدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكام

стр. 33

فلا إفراط ولا تفريط، وهذه القاعدة من أكبر القواعد الفقهية بل حقها أن تجعل من مقاصد الشريعة؛ لأن مبنى الشريعة عليها في عقائدها وأحكامها، فنحن أمة وسطًا في أصول الدين وفروعه (١) ، كما قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ والوسط هم الخيار العدول، فأمة الإسلام وسط بين الأمم، وأهل السنة والجماعة وسط بين فرق الأمة وسطية الأمة بين الأمم، وقد دل على هذه القاعدة الاستقراء التام لأدلة الشريعة أصولاً وفروعًا، وقولنا: (بلا إفراط) أي بلا غلو ومجاوزة للحد، وقولنا: (بلا تفريط) أي التساهل والترك والتضييع، ومن أدلتها الآية السابقة، وهي من أهمها ومن ذلك قوله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد قال ﵁: لأقومن الليل ولأصومن النهار ما عشت. فقال له ﷺ : (أنت الذي قلت ذلك) . فقال: نعم بأبي وأمي أنت يا رسول الله. فقال: (إنك لا تستطيع ذلك ولكن قم ونم وصم وافطر وصم من الشهر ثلاثة أيام ... إلخ) متفق عليه، فقوله: (قم ونم وصم وافطر) تربية على الوسطية، ومنهج بين الإفراط والتفريط، أي لا تقم الليل كله ولا تنم الليل كله، ولكن قم بعضه ونم بعضه، ولا تصم الدهر كله ولا تفطره كله ولكن صم بعضه وافطر بعضه، فلا رهبانية في الإسلام ولا غلو ولا تقصير، بل عدل ووسط، فهو دين يعطي النفس رغبتها من العبادة ويعطيها ما تقتضيه فطرتها من الراحة. ومن ذلك أنه ﷺ قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب

стр. 34

يستغفر فيسب نفسه) أي ما دام أن الإنسان نشيط على العبادة فليقم الليل لكن إذا فترت قواه وجاءه النوم فلا يجاهده حتى لا يقع في المحظور وهو سب النفس وذهاب الخشوع، فقوله: (ليصل أحدكم نشاطه) هو نفي للتفريط في العبادة بحيث ينام الإنسان إلى الصباح بلا صلاة، وقوله: (فإذا فتر أو عجز فليرقد) هي نفي للإفراط والغلو في العبادة فديننا ليس فيه غلو ولا إفراط، ومن ذلك قوله ﷺ : (عليكم من الأعمال بما يطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه) رواه البخاري وغيره. وقال ﵊: (أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل) فكثرة العبادة الحاصلة بإجهاد النفس ليست بمرادة لله تعالى ولكن مقصود الشريعة المداومة على العبادة وإن كانت قليلة، فقولي: (المداومة على العبادة) نفي للتفريط وقولي: (وإن كانت قليلة) نفي للإفراط، ولذلك كان ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة مع محبته للعبادة لكن ليربي أمته على منهج الوسطية الذي به تستقيم الأمور، فالوسطية حزام أمان من الغلو والتفريط، فإن من غلا في عبادة أو معتقد أو فرط فيها يوشك أن ينقلب عليه الأمر، ومن الأدلة: قوله ﷺ لأبي ذر: (إن لنفسك عليك حقًا ولربك عليك حقًا ولزوجك عليك حقًا فأعط كل ذي حقٍ حقه) .

стр. 35

ومنها قوله ﷺ للشباب الذين سألوا أزواج النبي ﷺ عن عبادته فلما أخبروا بها فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم ولا أنام. وقال الآخر: وأنا أصوم ولا أفطر. وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء. فصعد النبي ﷺ المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا أما إني لأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، والأدلة على ذلك كثيرة جدًا وفيما مضى كفاية لمن أراد الهدى، وإليك الفروع حتى يتضح تطبيقها: فمن ذلك: مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات فإن مبناه على العدل والوسطية بين مذهب التعطيل والتمثيل، فمذهبنا إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل فلا إفراط كأهل التمثيل ولا تفريط كأهل التعطيل. ومن ذلك: مذهبنا في القدر أيضًا مبناه على العدل والوسطية بين فرقة الجبرية وفرقة القدرية كما هو معروف. ومنها: مذهبنا في آل البيت نحبهم خلافًا للخوارج ولا نفرط في حبهم خلافًا للشيعة. ومنها: مذهبنا في مرتكب الكبيرة فهو وسط بين الوعيدية والمرجئة فلا نعطيه الإيمان المطلق كالمرجئة، ولا نسلبه مطلق الإيمان كالوعيدية، وكذلك في الآخرة لا نحكم له بالجنة ولا بالنار وإنما هو تحت المشيئة إن شاء غفر له وأدخله الجنة ابتداءً، وإن شاء عذبه بقدر كبيرته وأدخله الجنة انتقالاً، والله أعلم. هذا من ناحية الأصول أو العقائد، وأما من ناحية الأحكام فإليك بعض الفروع: فمنها: أن بعض الناس يتعبدون لله بقيام الليل كله وبصيام الدهر كله فنقول: ليس هذا من الشريعة في شيء، بل العدل الذي جاءت به السنة قيام بعض الليل وصيام بعض الدهر ولذلك قال ﷺ : (لا صام من صام الدهر) .

стр. 36

ومنها: أن بعض الناس يتعبدون لله بالتبتل الذي هو ترك الزواج للإقبال على العبادة فنقول: ليس هذا من السنة بل العدل الذي جاءت به السنة هو التعبد لله بالزواج وسائر العبادات ولا تعارض بين الزواج وطلب العلم أو بين الزواج وقيام الليل أو بين الزواج والدعوة إلى الله. ومنها: أن الإنسان الذي يثقل على نفسه بقيام الليل حتى ينام عن صلاة الفجر أنه مخطئ فالعدل هو تقديم المحافظة على الفرائض قبل السنن؛ لأن الفريضة هي الأصل، فمن سهر الليل حتى ضيع صلاة الفجر فهو مخطئ سواءً سهر في عبادةٍ أم غيرها، والله أعلم. ومنها: أن على الإنسان حقوقًا كثيرة: أولاً: حق الله وهو أداء ما افترضه عليه وهو الحق الواجب ويتبع ذلك السنن. وثانيًا: حق لنفسه من الراحة وإعطائها ما تشتهيه من المطعم والمشرب ونحوه. وثالثًا: حق للناس من نصحهم وإرشادهم وإعانتهم على حوائجهم. ورابعًا: حق للزوجة وهو نصحها وإرشادها والاستمتاع بها وإشباع حاجتها من كسوةٍ ونفقة ومسكن، والعدل هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه فلا يفرط في حق على حساب حق، وهذا هو ما نشتكي منه ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولعل هذا كافٍ - إن شاء الله تعالى -، فيجب على الإنسان أن يراعي جانب العدل الذي هو شعرة بين الإفراط والتفريط والله المستعان. القاعدة التاسعة ٩ - النهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلا هذه القاعدة تدخل في نصف الدين فإن الدين أعني الأحكام إما أوامر وإما نواهي، فهذه القاعدة تختص بالمناهي، وإليك بيانها: اعلم - رحمك الله تعالى - أن النهي عن الشيء لا يخلو من ثلاث حالات:

стр. 37

الأولى: إما أن ينهى عنه لذاته أي أن النهي منصب على الذات لا غيرها كالنهي عن الشرك أو شرب الخمر أو الزنا واللواط والسرقة ونحوها، فإن كان النهي يعود إلى ذات المنهي عنه فإنه يدل على الفساد، أي فساد المنهي عنه فمن ذبح لغير الله فذبيحته فاسدة لأن النهي عن الذبح لغير الله نهي عاد إلى ذات الذبح لأنه شرك. الثانية: أن يكون النهي إلى شرط المنهي عنه ونعني بالشرط هنا شرط الصحة لا شرط الوجوب، فإذا كان النهي يعود إلى شرط الصحة للمنهي عنه فإن المنهي عنه فاسد. والثالثة: أن يكون النهي عائدًا إلى أمر خارج عن الذات والشرط فإنه لا يدل على فساد المنهي عنه وإنما يدل على نقصان الأجر لكن الفعل صحيح فمن فهم الفرق بين عود النهي على هذه الثلاثة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وإليك الفروع على هذه القاعدة حتى تتضح أكثر فأقول: منها: الصلاة بلا ستر عورة منهي عنها، فهل هي فاسدة أم لا؟ الجواب إن اشتراط ستر العورة في الصلاة شرط من شروط الصحة فإذا صلى بلا ستر عورة فصلاته باطلة؛ لأن النهي عن الصلاة بلا ستر عورة نهي عاد إلى شرط الصحة وإذا عاد النهي إلى شرط الفعل الذي لا يصح إلا به فالفعل فاسد وهذا واضح. ومنها: الصلاة بلا طهارة، صلاة باطلة وفاسدة لأن النهي عنها عاد إلى شرطها الذي لا تصح إلا به فإن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة، فهذه الصلاة منهي عنها لشرطها وما نهي عنه لشرطه فإنه باطل (١) . ومنها: من صام بلا نيةٍ من الليل فصومه باطل؛ لأن النهي عن الصيام بلا نية نهي عاد إلى شرطه الذي لا يصح إلا به، فلا صيام إلا بنية فالصيام بلا نية صيام باطل؛ لأن النهي إذا عاد إلى الشرط فإنه يدل على بطلان الفعل.

стр. 38

ومنها: من صلى بلا استقبالٍ للقبلة فصلاته باطلة؛ لأن النهي عن هذه الصلاة عاد إلى شرطها الذي لا تصح إلا به وإذا عاد النهي إلى الشرط دل على بطلان العبادة (١) . ومنها: من باع ما لا يملك، أو ما لا يقدر على تسليمه فبيعه باطل؛ لأن من شروط صحة البيع أن يكون البائع مالكًا للمبيع وقادرًا على تسليمه، إذًا النهي عن بيع ما لا يملك وبيع ما لا يقدر على تسليمه نهي عاد إلى شرط البيع والنهي إذا عاد إلى شرط المنهي عنه دل على الفساد. ومنها: من مسح على خفٍ نجس فإن مسحه باطل؛ لأن من شروط صحة المسح على الخفين أن يكون طاهرًا، إذًا النهي عن المسح على الخف النجس نهي عاد إلى شرط المنهي عنه فيدل على الفساد ومثله من مسح على خف مغصوب (٢) . ومنها: من توضأ بماء نجس فوضوءه باطل؛ لأن النهي عاد إلى شرط المنهي عنه فيدل على الفساد (٣) . ومنها: من نكحت بلا ولي فنكاحها باطل؛ لأن من شروط صحة عقد النكاح أن يتولاه ولي المرأة إذًا النهي عن النكاح بلا ولي نهي عاد إلى شرط المنهي عنه فيدل على الفساد. هذا من ناحية عود النهي إلى شرط المنهي عنه، وأما أمثلة عود النهي إلى أمرٍ خارج عن الذات والشرط فإليكها: منها: من صلى وعليه عمامة حرير فصلاته صحيحة مع الإثم؛ لأن النهي عن الصلاة في هذه الحالة لا تعلق له بذات الصلاة ولا بشرطها الذي لا تصح إلا به فإنه ليس من شروط صحة الصلاة ستر الرأس، إذًا عاد النهي إلى أمر خارج وإذا عاد النهي إلى أمرٍ خارج عن الذات والشرط فيدل على نقصان الأجر فقط لا بطلان الفعل.

стр. 39

ومنها: من صلى بجورب الحرير أو خاتم الذهب فكذلك صلاته صحيحة إن لم يكن قد مسح عليه لبطلان المسح عليه كما مضى، أما هنا فالكلام على الصلاة لا على المسح، فصلاته صحيحة لكن مع الإثم. ومنها: من حجت بلا محرم فحجها صحيح لكن مع الإثم؛ لأنه ليس من شروط صحة الحج وجود المحرم وإنما المحرم للمرأة من شروط الوجوب فقط، فالنهي عن حج المرأة بلا محرم لا تعلق له بذات الحج ولا بشرطه الذي لا يصح إلا به فيكون عن أمر خارج فيدل فقط على الإثم ونقصان الأجر لا على البطلان. ومنها: النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني نهي لا تعلق له بذات البيع ولا بشرطه الذي لا يصح إلا به، ولذلك شروط صحة البيع سبعة معروفة ليس منها أن لا يكون بعد نداء الجمعة الثاني، إذًا النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني نهي عاد إلى أمرٍ خارج عن الذات وشرط الصحة وإذا عاد النهي إلى أمرٍ خارج فلا يدل على الفساد ولكن يدل على الإثم ونقص الأجر فقط (١) . ومنها: البيع في المسجد محرم لكن لو وقع لصح مع الإثم؛ لأن النهي عنه لا يرجع إلى الذات ولا الشرط وإنما إلى أمرٍ خارج والنهي عن الأمر الخارج لا يدل على البطلان. وعلى ذلك فقس. مسألة: اعلم – رحمك الله تعالى – أن هناك فرقًا بين تحريم الشيء والحكم عليه بالبطلان، فالبيع بعد النداء الثاني، وفي المسجد وحج المرأة بلا محرم ولبس الحرير والذهب للرجل كل هذا محرم لاشك فيه لكن لا تلازم بين تحريم شيء والحكم عليه بعدم الصحة، فهذه الأفعال صحيحة في ذاتها لكن أصحابها يأثمون لتلبسهم بالمنهي عنه فانتبه لهذا، وخلاصة الكلام أن كل فعل لا يصح فهو محرم وليس كل فعلٍ محرم لا يصح، فقد يكون محرماً مع الصحة.

стр. 40

مسألة: اعلم - رحمك الله تعالى - أن خلاف العلماء في صحة الصلاة في الدار المغصوب داخل تحت هذه القاعدة، فنقول: إن من شروط صحة الصلاة طهارة البقعة وإباحتها، فالأرض المغصوبة طاهرة لكن ليست بمباحة فإذا صلى الإنسان في دارٍ مغصوبة فتكون هذه الصلاة منهي عنها والنهي عنها عاد إلى شرطها الذي لا تصح إلا به وهو حل البقعة وإباحتها وإذا عاد النهي إلى شرط المنهي عنه دل على فساده وبطلانه، وهذا القول هو الصحيح واختاره الشيخ تقي الدين، والله أعلم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. القاعدة العاشرة ١٠ - الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل وتسمى هذه القاعدة قاعدة الأصول وهي من أنفع القواعد الفقهية لطالب العلم،فإنها تفيد طالب الفقه فوائد جمة من هذه الفوائد: أنه يبقى على هذا الأصل المقرر الذي دلت عليه الأدلة الشرعية أو العقلية ولا يتعداه لقول قائل ولا لفتيا عالم، بل لا يتعداه إلا بدليل ناقل، فإذا جاء الدليل الناقل فينتقل معه وإلا ثبت على الأصل وهذا يحمي طالب العلم من التشويش وكثرة التنقل وهذا مقصد بحد ذاته فهو أصل ثابت يرجع إليه العالم عند عدم الدليل، وقد جربناه وجربه غيرنا فوجدناه من أنفع الأشياء. ومن الفوائد: معرفة من المطالب بالدليل، فإنه إذا أتانا قول ينقلنا عن الأصل الذي تقرر عندنا فإننا نطالبه بالدليل على هذا النقل ولا يحق له مطالبتنا بالدليل المبقي على الأصل، ولذلك تقول القاعدة عندنا: (الأصل أن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه) ، فلو لم نعرف الأصل لما عرفنا من الذي يطالب بالدليل، فإن جاء الناقل ببينة قبلنا قوله وإلا فقوله مردود عليه وهذه من أعظم الفوائد.
следующие страницы →