ومنها: أن بعض الناس يتعبدون لله بالتبتل الذي هو ترك الزواج للإقبال على العبادة فنقول: ليس هذا من السنة بل العدل الذي جاءت به السنة هو التعبد لله بالزواج وسائر العبادات ولا تعارض بين الزواج وطلب العلم أو بين الزواج وقيام الليل أو بين الزواج والدعوة إلى الله.
ومنها: أن الإنسان الذي يثقل على نفسه بقيام الليل حتى ينام عن صلاة الفجر أنه مخطئ فالعدل هو تقديم المحافظة على الفرائض قبل السنن؛ لأن الفريضة هي الأصل، فمن سهر الليل حتى ضيع صلاة الفجر فهو مخطئ سواءً سهر في عبادةٍ أم غيرها، والله أعلم.
ومنها: أن على الإنسان حقوقًا كثيرة: أولاً: حق الله وهو أداء ما افترضه عليه وهو الحق الواجب ويتبع ذلك السنن. وثانيًا: حق لنفسه من الراحة وإعطائها ما تشتهيه من المطعم والمشرب ونحوه. وثالثًا: حق للناس من نصحهم وإرشادهم وإعانتهم على حوائجهم. ورابعًا: حق للزوجة وهو نصحها وإرشادها والاستمتاع بها وإشباع حاجتها من كسوةٍ ونفقة ومسكن، والعدل هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه فلا يفرط في حق على حساب حق، وهذا هو ما نشتكي منه ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولعل هذا كافٍ - إن شاء الله تعالى -، فيجب على الإنسان أن يراعي جانب العدل الذي هو شعرة بين الإفراط والتفريط والله المستعان.
القاعدة التاسعة
٩ - النهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلا
هذه القاعدة تدخل في نصف الدين فإن الدين أعني الأحكام إما أوامر وإما نواهي، فهذه القاعدة تختص بالمناهي، وإليك بيانها:
اعلم - رحمك الله تعالى - أن النهي عن الشيء لا يخلو من ثلاث حالات:
стр. 37
الأولى: إما أن ينهى عنه لذاته أي أن النهي منصب على الذات لا غيرها كالنهي عن الشرك أو شرب الخمر أو الزنا واللواط والسرقة ونحوها، فإن كان النهي يعود إلى ذات المنهي عنه فإنه يدل على الفساد، أي فساد المنهي عنه فمن ذبح لغير الله فذبيحته فاسدة لأن النهي عن الذبح لغير الله نهي عاد إلى ذات الذبح لأنه شرك.
الثانية: أن يكون النهي إلى شرط المنهي عنه ونعني بالشرط هنا شرط الصحة لا شرط الوجوب، فإذا كان النهي يعود إلى شرط الصحة للمنهي عنه فإن المنهي عنه فاسد.
والثالثة: أن يكون النهي عائدًا إلى أمر خارج عن الذات والشرط فإنه لا يدل على فساد المنهي عنه وإنما يدل على نقصان الأجر لكن الفعل صحيح فمن فهم الفرق بين عود النهي على هذه الثلاثة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وإليك الفروع على هذه القاعدة حتى تتضح أكثر فأقول:
منها: الصلاة بلا ستر عورة منهي عنها، فهل هي فاسدة أم لا؟ الجواب إن اشتراط ستر العورة في الصلاة شرط من شروط الصحة فإذا صلى بلا ستر عورة فصلاته باطلة؛ لأن النهي عن الصلاة بلا ستر عورة نهي عاد إلى شرط الصحة وإذا عاد النهي إلى شرط الفعل الذي لا يصح إلا به فالفعل فاسد وهذا واضح.
ومنها: الصلاة بلا طهارة، صلاة باطلة وفاسدة لأن النهي عنها عاد إلى شرطها الذي لا تصح إلا به فإن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة، فهذه الصلاة منهي عنها لشرطها وما نهي عنه لشرطه فإنه باطل (١) .
ومنها: من صام بلا نيةٍ من الليل فصومه باطل؛ لأن النهي عن الصيام بلا نية نهي عاد إلى شرطه الذي لا يصح إلا به، فلا صيام إلا بنية فالصيام بلا نية صيام باطل؛ لأن النهي إذا عاد إلى الشرط فإنه يدل على بطلان الفعل.
стр. 38
ومنها: من صلى بلا استقبالٍ للقبلة فصلاته باطلة؛ لأن النهي عن هذه الصلاة عاد إلى شرطها الذي لا تصح إلا به وإذا عاد النهي إلى الشرط دل على بطلان العبادة (١) .
ومنها: من باع ما لا يملك، أو ما لا يقدر على تسليمه فبيعه باطل؛ لأن من شروط صحة البيع أن يكون البائع مالكًا للمبيع وقادرًا على تسليمه، إذًا النهي عن بيع ما لا يملك وبيع ما لا يقدر على تسليمه نهي عاد إلى شرط البيع والنهي إذا عاد إلى شرط المنهي عنه دل على الفساد.
ومنها: من مسح على خفٍ نجس فإن مسحه باطل؛ لأن من شروط صحة المسح على الخفين أن يكون طاهرًا، إذًا النهي عن المسح على الخف النجس نهي عاد إلى شرط المنهي عنه فيدل على الفساد ومثله من مسح على خف مغصوب (٢) .
ومنها: من توضأ بماء نجس فوضوءه باطل؛ لأن النهي عاد إلى شرط المنهي عنه فيدل على الفساد (٣) .
ومنها: من نكحت بلا ولي فنكاحها باطل؛ لأن من شروط صحة عقد النكاح أن يتولاه ولي المرأة إذًا النهي عن النكاح بلا ولي نهي عاد إلى شرط المنهي عنه فيدل على الفساد. هذا من ناحية عود النهي إلى شرط المنهي عنه، وأما أمثلة عود النهي إلى أمرٍ خارج عن الذات والشرط فإليكها:
منها: من صلى وعليه عمامة حرير فصلاته صحيحة مع الإثم؛ لأن النهي عن الصلاة في هذه الحالة لا تعلق له بذات الصلاة ولا بشرطها الذي لا تصح إلا به فإنه ليس من شروط صحة الصلاة ستر الرأس، إذًا عاد النهي إلى أمر خارج وإذا عاد النهي إلى أمرٍ خارج عن الذات والشرط فيدل على نقصان الأجر فقط لا بطلان الفعل.
стр. 39
ومنها: من صلى بجورب الحرير أو خاتم الذهب فكذلك صلاته صحيحة إن لم يكن قد مسح عليه لبطلان المسح عليه كما مضى، أما هنا فالكلام على الصلاة لا على المسح، فصلاته صحيحة لكن مع الإثم.
ومنها: من حجت بلا محرم فحجها صحيح لكن مع الإثم؛ لأنه ليس من شروط صحة الحج وجود المحرم وإنما المحرم للمرأة من شروط الوجوب فقط، فالنهي عن حج المرأة بلا محرم لا تعلق له بذات الحج ولا بشرطه الذي لا يصح إلا به فيكون عن أمر خارج فيدل فقط على الإثم ونقصان الأجر لا على البطلان.
ومنها: النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني نهي لا تعلق له بذات البيع ولا بشرطه الذي لا يصح إلا به، ولذلك شروط صحة البيع سبعة معروفة ليس منها أن لا يكون بعد نداء الجمعة الثاني، إذًا النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني نهي عاد إلى أمرٍ خارج عن الذات وشرط الصحة وإذا عاد النهي إلى أمرٍ خارج فلا يدل على الفساد ولكن يدل على الإثم ونقص الأجر فقط (١) .
ومنها: البيع في المسجد محرم لكن لو وقع لصح مع الإثم؛ لأن النهي عنه لا يرجع إلى الذات ولا الشرط وإنما إلى أمرٍ خارج والنهي عن الأمر الخارج لا يدل على البطلان. وعلى ذلك فقس.
مسألة: اعلم – رحمك الله تعالى – أن هناك فرقًا بين تحريم الشيء والحكم عليه بالبطلان، فالبيع بعد النداء الثاني، وفي المسجد وحج المرأة بلا محرم ولبس الحرير والذهب للرجل كل هذا محرم لاشك فيه لكن لا تلازم بين تحريم شيء والحكم عليه بعدم الصحة، فهذه الأفعال صحيحة في ذاتها لكن أصحابها يأثمون لتلبسهم بالمنهي عنه فانتبه لهذا، وخلاصة الكلام أن كل فعل لا يصح فهو محرم وليس كل فعلٍ محرم لا يصح، فقد يكون محرماً مع الصحة.
стр. 40
مسألة: اعلم - رحمك الله تعالى - أن خلاف العلماء في صحة الصلاة في الدار المغصوب داخل تحت هذه القاعدة، فنقول: إن من شروط صحة الصلاة طهارة البقعة وإباحتها، فالأرض المغصوبة طاهرة لكن ليست بمباحة فإذا صلى الإنسان في دارٍ مغصوبة فتكون هذه الصلاة منهي عنها والنهي عنها عاد إلى شرطها الذي لا تصح إلا به وهو حل البقعة وإباحتها وإذا عاد النهي إلى شرط المنهي عنه دل على فساده وبطلانه، وهذا القول هو الصحيح واختاره الشيخ تقي الدين، والله أعلم.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
القاعدة العاشرة
١٠ - الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل
وتسمى هذه القاعدة قاعدة الأصول وهي من أنفع القواعد الفقهية لطالب العلم،فإنها تفيد طالب الفقه فوائد جمة من هذه الفوائد: أنه يبقى على هذا الأصل المقرر الذي دلت عليه الأدلة الشرعية أو العقلية ولا يتعداه لقول قائل ولا لفتيا عالم، بل لا يتعداه إلا بدليل ناقل، فإذا جاء الدليل الناقل فينتقل معه وإلا ثبت على الأصل وهذا يحمي طالب العلم من التشويش وكثرة التنقل وهذا مقصد بحد ذاته فهو أصل ثابت يرجع إليه العالم عند عدم الدليل، وقد جربناه وجربه غيرنا فوجدناه من أنفع الأشياء. ومن الفوائد: معرفة من المطالب بالدليل، فإنه إذا أتانا قول ينقلنا عن الأصل الذي تقرر عندنا فإننا نطالبه بالدليل على هذا النقل ولا يحق له مطالبتنا بالدليل المبقي على الأصل، ولذلك تقول القاعدة عندنا: (الأصل أن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه) ، فلو لم نعرف الأصل لما عرفنا من الذي يطالب بالدليل، فإن جاء الناقل ببينة قبلنا قوله وإلا فقوله مردود عليه وهذه من أعظم الفوائد.
стр. 41
ومن الفوائد أيضًا: أن طالب العلم الفقيه بالأصول لا يمكن أبدًا أن تضطرب فتواه؛ لأنه سيفتي بالبقاء على الأصل في جميع المسائل التي لم يرد فيها ناقل، وأما ما ورد فيه ناقل فإنه يفتي بمقتضى هذا الناقل، فهذه الفوائد وغيرها مما لم يذكر لم تكن لتحصل للعالم ولطالب العلم لولا أنه عرف هذه القاعدة معرفة جلية بأدلتها وفروعها، وأنا أشرحها لك شرحًا ميسرًا مفهومًا - إن شاء الله تعالى - فأقول: قوله (الأصل) أي المتقرر عند العلماء جملة (هو البقاء) أي الثبوت والاحتجاج (على الأصل) أي على الأمر الذي قررته الأدلة النقلية أو العقلية (حتى) هو حرف غاية (يرد) أي بدل الدليل (الناقل) أي الذي تركنا الأصل بسببه، وهو الدليل الشرعي خاصة، ومعناها الإجمالي: أننا إذا تقرر عندنا أصل من الأصول فإن الواجب علينا هو البقاء عليه، حتى يرد لنا دليل آخر مستقل ينقلنا عن حكم هذا الأصل، فإذا ورد هذا الدليل الناقل لنا عن الأصل انتقلنا معه وتركنا حكم الأصل في هذه الجزئية التي دل عليها الدليل فقط لا في غيرها، بل يبقى ما لم يدل على إخراجه دليل على حكم الأصل، ثم اعلم أن الأصول في الفقه كثيرة جداً وعلى طالب العلم أن يحوزها جملة وتفصيلاً فإن حوزها وحفظها وإتقانها أنفع للطالب من حفظ المتون النثرية إن لم يجتمعا وإن اجتمعا فنور على نور يهدي الله لنوره من يشاء.
ثم اعلم أن مظانها كتب قواعد الفقه وهي كل قاعدة تصدر بكلمة (الأصل) فيقال الأصل في كذا وكذا كذا وكذا، وأنا أذكر لك جملة منها بفروعها - إن شاء الله - حتى تغتبط بها، ويغنيك هذا الكتاب عن غيره. والمهم أن تعرف الآن أمرين مهمين: أحدهما: أنه يجب الثبات على الأصل حتى يرد الدليل الناقل. الثاني: أن كل من ادعى خلاف الأصل فعليه الدليل، فالدليل يطلب من الناقل عنه لا من الثابت له.
стр. 42
وإليك بعض يسير من فروع هذه القاعدة لأننا - إن شاء الله تعالى - سنذكر بقية فروعها مع قواعد الأصول الآتية بعد ذلك، والله أعلم.
فمن الفروع: من قال بحرمة الزرافة فعليه الدليل؛ لأن الأصل في الحيوانات الحل والإباحة، أي قد دل الدليل الشرعي على أن كل حيوان فهو مباح وحلال إلا بدليل، فنقول لمن قال بحرمتها أين الدليل؟ ولا دليل على تحريمها إذا نبقى على الأصل الذي هو حلها وإباحتها. فلم نكن لنعرف حكمها لو لم نعرف الأصل في الحيوانات.
ومنها: من ادعى حرمة شيء من النباتات البرية أو البحرية أو الحيوانات البرية أو البحرية فعليه الدليل؛ لأن الأصل في النباتات الحل والإباحة فنبقى عليه حتى يرد الناقل؛ ولأن الأصل في الحيوانات الحل والإباحة حتى يرد الناقل، فحيث لا ناقل عن هذه الأصول فالواجب هو البقاء عليها.
ومنها: من ادعى حرمة شيء من العادات والتقاليد فعليه الدليل؛ لأن الأصل في العادات التي تعارف الناس عليها هو الحل والإباحة إلا بدليل ناقل فنبقى على الأصل حتى يرد الدليل الناقل فحيث لا دليل فالواجب هو البقاء عليه.
ومنها: من ادعى عبادة من العبادات فعليه الدليل؛ لأن الأصل هو عدم العبادة فالواجب هو البقاء على الأصل حتى ورود الدليل الناقل، فالدليل على من أثبت العبادة لا على من نفاها، والله أعلم.
ومنها: من ادعى ناقضًا من نواقض الوضوء فعليه الدليل؛ لأن الأصل أن كل عبادة انعقدت بدليل شرعي لا تنقض إلا بدليل شرعي، فالدليل يطلب من الناقل عن هذا الأصل لا من الثابت عليه.
ومنها: أن من ادعى حقًا من دين أو نحوه على أحدٍ فعليه الدليل؛ لأن الأصل براءة الذمة من كل الحقوق فالدليل على الناقل عن هذا الأصل لا من الثابت عليه، ولذلك صارت البينة على المدعي واليمين على من أنكر لأن الأصل مع المنكِر وأما المدعي فهو مخالف لهذا الأصل.
стр. 43
هذا غيض من فيض مما سيأتي تفصيله - إن شاء الله تعالى -، وخلاصة الكلام أننا ذكرنا في هذه القاعدة عدة قواعد من قواعد الأصول:
الأولى: الأصل في الحيوانات برية أو بحرية الحل والإباحة إلا بدليل.
الثانية: الأصل في النباتات برية أو بحرية الحل والإباحة إلا بدليل.
الثالثة: الأصل في العادات الحل والإباحة إلا بدليل.
الرابعة: الأصل في العبادات المنع إلا بدليل وسيأتي تفصيلها أكثر - إن شاء الله تعالى -.
الخامسة: الأصل أن كل عبادة انعقدت بدليلٍ شرعي لا تنتقض إلا بدليل شرعي.
السادسة: الأصل براءة الذمة وسيأتي تفصيلها إن شاء الله.
إذًا وبعد هذا تبين لك أهمية معرفة هذه القاعدة التي هي قاعدة الأصول في الأشياء فاحرص عليها وشد عليها بيديك، والله تعالى أعلى وأعلم.
القاعدة الحادية عشر
١١ - الأصل بقاء ما كان على ما كان
وهذه أيضًا قاعدة من قواعد الأصول وهي مهمة في بابها وبيانها أن يقال: قوله (الأصل) أي الشيء الثابت المتقرر عند الشرع هو (بقاء) أي استمرار واستصحاب، قوله: (ما كان) أي في الزمان الحاضر نفيًا أو ثبوتًا أي سواءً كان الذي استصحبناه نفي شيءٍ أو إثبات شيء، قوله: (على ما كان) أي أن ما ثبت في الماضي أو ما هو منفي في الماضي فحاله الآن هي حاله في الماضي، أي أنها لم تتغير ولم تتبدل فإن كان الحالة في الماضي مثبتة فهي الآن مثبتة وإن كانت منفية فهي الآن منفية ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل، وهذه هي قاعدة الاستصحاب أي استصحاب الحال الماضية، وهي فرع من فروع قاعدة اليقين لا يزول بالشك، لأن ما كان في الماضي قد تيقناه فإن كان ثبوتًا فإننا قد تيقنا ثبوته وشككنا في زواله فنبقى على ما تيقناه، وإن كان نفيًا فإننا قد تيقنا نفيه وشككنا في ثبوته فنبقى على ما تيقناه؛ لأن اليقين لا يزول بالشك، وهذا واضح - إن شاء الله تعالى -.
стр. 44
وإليك بعض الفروع حتى تتضح أكثر فأقول:
منها: من أكل شاكًا في طلوع الفجر فصار طالعًا فصومه صحيح؛ لأن الأصل بقاء الليل والفجر مشكوك فيه، والأصل بقاء ما كان على ما كان فالليل ثابت في الماضي فهو ثابت الآن (١) .
ومنها: من أفطر شاكًا في غروب الشمس فصومه باطل؛ لأن الأصل بقاء النهار والغروب مشكوك فيه، والأصل بقاء ما كان على ما كان فالنهار ثابت في الماضي فهو ثابت الآن (٢) .
ومنها: من شك في الطلاق فهو باقٍ على نكاحه؛ لأن النكاح قد كان في الحالة الماضية والطلاق مشكوك فيه، والأصل بقاء ما كان على ما كان فالنكاح ثابت في الماضي فهو ثابت الآن.
ومنها: من طلق وشك في الرجعة فهو باقٍ على طلاقه؛ لأن الطلاق قد كان في الحالة الماضية والرجعة مشكوك فيها، والأصل بقاء ما كان على ما كان فالطلاق ثابت في الماضي فهو ثابت الآن.
ومنها: تطهر لصلاة العصر وشك في الحدث عند إرادة صلاة المغرب فهو متطهر الآن؛ لأن الحالة الماضية هي الطهارة فنستصحب الحالة الماضية في الحالة الراهنة؛ لأن الأصل هو بقاء ما كان على ما كان.
ومنها: من أحدث يقينًا وشك في الطهارة والحكم فيها كما مضى فهو الآن محدث استصحابًا للحال السابقة لهذا الأصل الذي قررناه.
ومنها: إذا اتهم رجل بتهمةٍ ما فالأصل أنه بريء منها؛ لأن ذمته كانت بريئة فهي الآن بريئة؛ لأن الأصل بقاء ما ثبت في الزمان الماضي في الزمان الحاضر ومن ادعى خلاف ذلك فهو مطالب بالدليل.
стр. 45
إذاً: كل شيء تيقنا ثبوته في الماضي فهو ثابت في الحاضر إلا إذا جاء يقين بخلافه، وكل شيء تيقنا زواله في الماضي فهو زائل الآن إلا إذا جاء ما يغير الحال الماضية، ومن ادعى خلاف الحال الماضية فعليه الدليل لأنه ناقل عن الأصل، والدليل يطلب من الناقل عن الأصل فمن قال لما كان منفيًا هو ثابت فعليه الدليل، ومن قال لما كان ثابتاً هو منفي فعليه الدليل، والله تعالى أعلى وأعلم.
القاعدة الثانية عشر
١٢ - الأصل براءة الذمم إلا بدليل
وهذه أيضًا من قواعد الأصول، وبيانها أن يقال: قوله (الأصل) قد مضى شرحه (براءة الذمم) أي السلامة من المطالبة (والذمم) جمع ذمة.
ومعنى هذه القاعدة أن الله جل وعلا لما خلق الذمم خلقها بريئة من المطالبة بأي حق سواءً من حقه الذي هو العبادة أو من حقوق الآدميين التي تجري بينهم، فذممهم سليمة من كل مطالبة، ثم أعمرها جل وعلا بما أعمرها به من الحقوق الواجبة له علينا، كحق توحيده وإفراده بالعبادة، وحق الصلوات الخمس، وبر الوالدين، والصوم، والزكاة ووجوب الحج وهكذا، فالأصل أننا لا نطالب بأي عبادة، إلا بالعبادات التي دل عليها الدليل الشرعي الصحيح، ويبقى ما لم يدل عليه الدليل على أصل البراءة من المطالبة منه فلا تعمر الذمة بشيءٍ إلا ببينة، وكذلك حقوق الآدميين التي بينهم الأصل أن ذممنا بريئة منها فلا أحد من المخلوقين يطالبها بشيء إلا بما ثبتت به البينة، فالذمة بريئة من كل حقٍ بيقين فلا تعمر بمجرد الدعاوى التي لا مستند لها ولا بالأحاديث الواهية الضعيفة التي لا تقوم حجتها، بل لابد من يقين آخر يزيل يقين براءتها وهو البينة والبرهان؛ لأن اليقين لا يزول إلا باليقين كما مضى.
стр. 46
إذا عرفت ذلك فعليك بأمرين: أحدهما: أن تثبت على هذا الأصل وتجعله قاعدة وأساساً لك ترجع إليه ولا تتعداه إلا بدليل. الثاني: أن كل من أراد نقلك عن هذا الأصل الذي تقرر لك أنه مطالب بالدليل الناقل عن هذا الأصل، وأما أنت فلا يحق للناقل مطالبتك بالدليل لأنك ثابت على الأصل والدليل على الناقل لا على المثبت للأصل.
وإليك الفروع حتى تتضح القاعدة أكثر:
منها: من ادعى أن هذا القول أو هذا الفعل عبادة لازمة أو مستحبة فعليه الدليل وذلك لأمرين: أحدهما: لأنه يدعي العبادة والأصل عدم العبادة فهو مخالف للأصل ومن خالف الأصل فعليه الدليل. الثاني: أنه بهذا الادعاء يعمر الذمة بشيء من العبادات، والأصل براءتها من ما ادعاه فهو مخالف لهذا الأصل أيضًا ومن خالف الأصل فعليه الدليل. إذًا قول وادعاؤه لا يقبل إلا بالبرهان والبينة.
ومنها: من ادعى أن له على فلانٍ دينًا ولا بينة معه تثبت دعواه ففلان بريء من الدين؛ لأن المدعي يريد أن يعمر ذمة غيره والأصل أن ذمة غيره بريئة، فالمدعي مخالف للأصل ومن خالف الأصل فعليه الدليل، والله أعلم.
ومنها: من ادعى على غيره أنه قذفه ولا بينة معه تثبت دعواه فالمدعى عليه بريء من هذا الإدعاء؛ لأنه بادعائه هذا يعمر ذمته بحق إقامة حد القذف والأصل براءة الذمة من هذا الحق فهو مخالف لهذا الأصل ومن خالف الأصل فعليه الدليل.
وعلى ذلك فقس لوضوحها ووضوح فروعها، والله تعالى أعلى وأعلم.
القاعدة الثالثة عشر
١٣ - الأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر
стр. 47
وهذه من أنفع القواعد على الإطلاق للقضاة وغيرهم فإنها أصل يسير سهل، لكنه يحل مشاكل كثيرة لا حصر لها ولا عد وبيانه أن يقال: قوله (البينة) أي الحجة والبرهان وهي كل شيءٍ يثبت به الحق ويبين صدق الدعوى، أيًا كانت هذه البينة، فالعبرة هي ظهور الحق فبأي شيء ظهر الحق فالذي أظهره هو البينة، إلا أن الفقهاء من الأصحاب خصوها ببعض أفرادها، ثم اعلم أن البينة لها صور كثيرة:
منها: الشهادة سواءً الشهادة على الأموال أو الأنساب أو الحدود ونحوها.
ومنها: اليمين سواءً مفردة أو مع شاهد، هي من البينة.
ومنها: الإقرار كإقرار السارق والزاني ونحوها.
ومنها: وجود المسروق عند السارق.
ومنها: ظهور حبل من رميت بالزنا ولا زوج لها ولم تدع شبهة، وغير ذلك كثير فكل ذلك يقال له بينة لأن الحق يظهر به، والله أعلم.
قوله: (المدعي) هو صاحب الدعوى، وقيل هو من يبدأ أولاً، وقيل هو من إذا ترك سكت وقيل هو من يعمر الذمة بشيء، وكل ذلك صحيح يدل على شيءٍ واحد وإن اختلفت ألفاظها ويجمعها أن يقال: المدعي هو من يحاول إثبات حقً له في ذمة غيره، فكل من حاول أن يعمر ذمة غيره بحق له فهو المدعي.
وقلنا: (إثبات حق له) حتى يخرج الشاهد والمقر على نفسه بشيء، فإن الشاهد يحاول أن يثبت حقًا لغيره على غيره، والمقر يحاول أن يثبت حقًا على نفسه لا لنفسه، قوله: (واليمين) أي الحلف وهي تأكيد أمرٍ بذكر اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته، وستأتي قواعدها – إن شاء الله تعالى -.
стр. 48
قوله: (على من أنكر) أي على المدعي عليه، وهو الذي يحاول أن يدفع صدق الدعوى عن نفسه فهو ينكر هذه الدعوى فلذلك سمي منكرًا إذا علمت هذا فاعلم أن البينة التي هي الحجة والبرهان لا تطلب إلا من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه، فالمدعي يدعي بأن له حقًا على زيدٍ من الناس مثلاً فهو يريد أن يثبت هذا الحق في ذمة زيد، فهو مخالف للأصل فطولب بالبينة التي تثبت صدق دعواه، وأما المنكر فهو يبرئ ذمته من هذا الحق فهو مع الأصل فلا يطالب في هذه الحالة بشيء إلا أنه في مجلس القضاء يحتاج إلى بينة ضعيفة يأتي بها وهو اليمين حتى يتأكد القاضي من براءة ذمته. فإن قلت: لماذا جعلت الشريعة البينة في جانب المدعي، واليمين في جانب المدعى عليه؟ قلنا: إن جانب المدعي ضعيف جدًا؛ لأنه يخالف الأصل الذي هو براءة الذمة، وكل من خالف الأصل فجانبه ضعيف فيحتاج إلى شيء يقويه والبينة المثبتة لحقه هي التي تقوي ضعفه فطلبت منه البينة، وأما جانب المدعى عليه فهو قوي جدًا؛ لأنه يمشي مع الأصل ولم يخالفه وكل من كان الأصل معه فجانبه قوي فطلب منه بينة ضعيفة وهي اليمين؛ لأنه لا حاجة لتقوية جانبه لذلك القاعدة عندنا تقول: (اليمين في جانب أقوى المتداعيين) وأقوى المتداعيين هنا هو المدعى عليه؛ لأن الأصل معه فشرعت اليمين في جانبه (١) ، والله أعلم.
стр. 49
وجماع فروعها أن كل من ادعى حقًا في ذمة غيره فإنه يطالب بالبينة والمنكر يطالب باليمين، وتفصيل المسائل يطول وفي مضى كفاية - إن شاء الله تعالى -، والله وأعلم. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بقية قواعد الأصول في ثنايا القواعد، والله تعالى وأعلم.
القاعدة الرابعة عشر
١٤ - لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة
هذه القاعدة من أصول الشريعة، وذلك أن الشريعة الإسلامية جاءت بالحنفية السمحة فلا أغلال فيها ولا آصار ولا تكليف فيها بما فيه حرج ومشقة شديدة لاتحتمل، بل كل تشريعاتها داخلة تحت القدرة والاستطاعة فهي كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ .
وقال ﷺ : (بعثت بالحنيفية السمحة) هذا هو الأصل في شريعتنا أنها يسيرة في تشريعاتها إذا علمت هذا فاعلم أن الأصل في كل واجب هو وجوب القيام به بنفسه فلا يجوز تركه أبدًا، والأصل في كل محرم وجوب تركه فلا يجوز فعله أبدًا، هذا هو الأصل إلا أن الإنسان قد تعرض له عوارض يعجز عن القيام بالواجب أو يحتاج إلى ارتكاب المحرم فحينئذٍ يجوز له ذلك، فيفوت من الواجب ما يعجز عنه ويرتكب من المحرم ما يضطر إليه؛ لأن أدلة الشريعة دلت على أن الواجبات تسقط بالعجز عنها؛ لأن من شروط التكليف بالفعل أن يكون مقدورًا عليه فإذا عجز الإنسان عن هذا الفعل الواجب فإنه لا يكون واجبًا في حقه، وإن عجز عن بعضه دون بعض فإن ما عجز عنه هو الذي يسقط دون ما قدر عليه، ولأن الأدلة أيضًا دلت على أن المحرم يحرم ارتكابه في حالة عدم الاضطرار إليه، أما إذا اضطر إليه فله ارتكاب ما تندفع به ضرورته فإذا اندفعت الضرورة عاد الحكم كما كان. إذًا هذه القاعدة مكونة من جزئين نذكرهما كل واحد بأدلته وفروعه فأقول:
стр. 50
الأول: (لا واجب مع العجز) قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع في الجملة، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ وما يعجز عنه الإنسان فإنه ليس في وسعه فلا يكلف به وهذا واضح.
ومن الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ والقول بالتكليف مع العجز فيه إثقال وأغلال وآصار وقد أزيلت من الشريعة الإسلامية فمقتضى إزالتها أن لا يكلف العاجز عن الواجب به.
ومنها: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ والقول بتكليف العاجز مع عجزه منافٍ لإرادة الله تعالى؛ لأنه من العسر، لكن مقتضى هذه الإرادة أن يسقط التكليف عن العاجز عن الواجب بالإتيان بالواجب، وجماع ذلك كل دليل من القرآن فيه إخبار بيسر الشريعة وإرادة التخفيف وعدم تكليف النفس ما لا تطيق كل ذلك داخل في أدلة هذه القاعدة.
وأما أدلة ذلك من السنة: فحديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال له: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه البخاري.
ومثله حديث جابر عند البيهقي بسند قوي، ومنه قوله ﷺ : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم) ، فعلق إتيان الأمر بالاستطاعة فغير المستطيع لا يطالب بما عجز عنه. وأدلتها كثيرة لكن فيما مضى كفاية.
وإلى فروع هذه الجزئية من القاعدة فأقول:
منها: من عجز عن القيام في الفرض سقط عنه ويصلي قاعدًا لحديث عمران بن حصين.
ومنها: من عجز عن الطهارة المائية لعذرٍ ما، سقطت عنه وينتقل إلى الطهارة الترابية ولا يعيد على الصحيح ولو قدر عليها في الوقت.
ومنها: من عجز عن الإتيان لصلاة الجماعة لعذرٍ من الأعذار سقطت عنه ويصلي في بيته.
стр. 51
ومنها: من عجز عن استقبال القبلة لعذرٍ سقط عنه ويصلي على حسب حاله ولا يعيد.
ومنها: من عجز عن الحج بنفسه سقط عنه ووجب بغيره وتقدم.
ومنها: من عجز عن الصوم لكبرٍ أو مرضٍ لا يرجى برؤه سقط عنه ويطعم عن كل يومٍ مسكينًا.
ومنها: من عجز عن إزالة أثر النجاسة سقطت عنه ويصلي ولا يضيره هذا الأثر وعليه حديث أبي هريرة عن خوله عند أبي داود.
ومنها: من عجز عن السجود والركوع أو أحدهما أومأ بهما أو أومأ بما عجز عنه.
وجماع هذه الفروع أن كل واجب عجزت عنه كله سقط كله وإن كان العجز عن بعضه فإنه يسقط ما عجزت عنه، وعلى ذلك تخرج الفروع.
الجزء الثاني: (لا محرم مع الضرورة) أي أنه في حالة الضرورة يجوز المحرم ولا يكون محرمًا، وقد دل على ذلك قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من بهيمة الأنعام: ﴿إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ (١) يعني أن هذه المحرمات السابق ذكرها تجوز في حالة الضرورة.
ومن الأدلة: جميع الأدلة التي فيها رفع الحرج والآصار والأغلال، وأنه لا تكلف نفس إلا وسعها، وأن الله لا يحمل النفس إلا ما تطيق، كل ذلك يدل على هذه القاعدة؛ لأنه لو لم يجز ارتكاب المحرم مع قيام الضرورة لكان ذلك من الحرج ومن تكليف مالا يطاق، فإن الضرورة حالة لو لم تراعى لأدى ذلك إلى فوات النفس أو الطرف.
стр. 52
إذا علمت هذا فإن هذا الجزء من القاعدة ليس بمطلق وإنما هو مقيد بحالة الضرورة فقط أي أنه يجوز تناول الحرام بالقدر الذي تندفع به الضرورة فإذا زالت الضرورة عاد الحكم إلى ما كان عليه ولذلك قال العلماء: (الضرورة تقدر بقدرها) فالحرام جاز لعلة وهي الضرورة والحكم مناط بعلة ينتفي بانتفائها، فإذا زالت العلة التي هي الضرورة زال الجواز وعاد الحكم إلى الحرمة.
ثم اعلم: أن الإنسان إذا اضطر إلى ارتكاب المحرم من أجل الضرورة لإنقاذ نفسه أو طرفٍ من أطرافه ولكنه لم يفعل ومات فإنه يموت عاصيًا آثمًا، لأن حفظ نفسه وأطرافه واجب عليه، ففعل المحرم حال الاضطرار ليس من الرخص المستحبة وإنما هو من الرخص الواجبة فهو عزيمة لا يجوز تركه.
ثم اعلم: أن الإنسان إذا ارتكب المحرم للضرورة ولكنه زاد عن حدها أي فعل ما تندفع به ضرورته وزاد، فهل يأثم على الجميع أو لا يأثم إلا على القدر الزائد فقط؟
فيه خلاف في المذهب، والراجح منه أنه راجع إلى نيته إن كان لا ينوي بارتكاب المحرم إلا دفع الضرورة ثم زاد على ذلك فإنه لا يأثم إلا على الزائد فقط، وإن كان ينوي به التلذذ أو الاستمتاع فإنه يأثم على الجميع، ذلك لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ فقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي غير مريد لارتكاب المحرم وإنما اضطرته ضرورته وإلا فهو لا يبغي ارتكابه، وقوله: ﴿وَلا عَادٍ﴾ أي غير متعدٍ لحد الضرورة، وقوله: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي بهذين الوصفين، والحكم المعلق بوصفٍ يثبت بثبوته وينتفي بزواله، فنقول: من زاد على المحرم إن كان غير باغ له فإنه يأثم على الزيادة فقط لأنه تعدى حد الضرورة، وإن كان باغياً للمحرم ومتعدياً لحد الضرورة فإنه يأثم مرتين على إرادة الحرام تلذذًا، وعلى تعدي حد الضرورة.
стр. 53
ثم اعلم أنه إذا كانت لا تندفع الضرورة إلا باستعمال ملك الغير (١) فإنه يجوز له استعماله إذا لم تتعلق به ضرورة مالكه، ولا يجوز لهذا المالك أن يمنع صاحب الضرورة من القدر الذي تندفع به ضرورته فإن منعه فلصاحب الضرورة قهره عليه واستعماله ولو بغير إذنه لكن يضمن صاحب الضرورة هذا المال إن كان طعامًا ضمن بدله أو ثمنه وهكذا، والقاعدة عند العلماء تقول: (الاضطرار لا يبطل حق الغير) (٢) فعلى صاحب الضرورة ضمان ما أتلفه بسبب دفع ضرورته إذا لم يتبرع بها صاحب الملك، والله أعلم.
ثم اعلم أنه يجب أن يفرق الإنسان من حالة الضرورة وبين الحاجة فلا يخلط بينهما (٣) فحالة الحاجة لا يؤدي عدم مراعاتها إلى تلف النفس أو الطرف بخلاف حالة الضرورة.
ولكي تتضح هذه القاعدة نذكر بعض فروعها:
فمنها: من بلغ به الجوع حد الهلاك وليس عنده ما يطعمه إلا ميتة فيجوز له أن يأكل منها بقدر ما تندفع به الضرورة وليس له أن يشبع منها، بل يأكل ما يقيم أوده فقط.
ومنها: من غص وليس عنده ما يدفع به غصته إلا خمراً فله أن يشرب منه بالقدر الذي تندفع به الضرورة فقط.
ومنها: من اضطر إلى لبس الحرير لمرضٍ به كحكة أو نحوها فإنه يجوز له ذلك كما في الحديث عن أنس: (أن النبي ﷺ رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص الحرير في سفرٍ من حكةٍ كانت بهما) (٤) متفق عليه. وسيأتي زيادة إيضاح لذلك.
стр. 54
ومنها: من احتاجت أو احتاج لكشف عورته أو عورتها أو كشف وجهها لضرورة العلاج جاز ذلك لكن بالقدر الذي تدعو إليه الضرورة (١) ، والله المستعان من أهل هذا الزمان.
ومنها: أن الضرورة في هذه الأزمنة المتأخرة تدعو إلى إباحة تصوير ما يُعرِّف بالنفس كالبطاقة والشهادة والرخصة ونحوها، فهذه الصور لما دعت إليها الضرورة جازت، لكن بالقدر الذي تندفع به (٢) . والله أعلى وأعلم.
وصلى الله على محمد وآله وسلم
القاعدة الخامسة عشر
١٥ - لا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعة
стр. 55
وهذه القاعدة تبين شرطي قبول الأعمال وبيانها أن يقال: إن الأعمال الشرعية لا تقبل أبدًا إلا إذا توفر فيها شرطان: الأول: الإخلاص ومعناه أن يكون الباعث لك على هذا العمل إرادة التقرب لله تعالى وامتثال أمره وطاعة الرسول ﷺ ، والقيام بما أوجب الله عليك، ورجاء الجنة بهذا العمل، فهذه هي النية الواجبة في العبادة، وهذا هو الإخلاص الذي أمرنا به الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَمَا أمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وقال النبي ﷺ : (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله.. الحديث) ، وقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) فلا نفاق ولا رياء، أما من قصد غير ذلك من المقاصد الدنيوية كرياسة أو منصب أو حب شهرة ومدحٍ وثناءٍ من الناس فإن عمله هذا ليس له حظ من القبول، للإخلال بشرط الإخلاص فلا يقبل العمل إلا بإخلاص.
فالعامل لا تخلو نيته من ثلاث حالات: إما أن لا يقصد بعمله إلا الله جل وعلا، وإما أن لا يقصد إلا الدنيا وزينتها، وإما أن يشرك في القصد بين الله وبين المخلوق، ففيه قصد لله لكن فيه حب المدح والثناء أو يريد المنصب والجاه.
فأما الأول: فهو مقبول لتحقق شرط الإخلاص فيه. وأما الثاني: فهو مردود لتخلف الإخلاص. وأما الثالث: ففيه شائبتان لكنه مردود أيضاً وذلك لأمرين:
стр. 56
أحدهما: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه) رواه مسلم. فقوله: (أشرك معي فيه غيري) يدل على أن النية فيها تشريك أي أنه جعل مع الله شريك في هذا العمل ومن فعل ذلك فجزاؤه أن يتركه الله وشركه، أي أن عمله هذا غير مقبول.
الثاني: أن كلمة الإخلاص في قولنا: (مبنى الأعمال على الإخلاص) تفيد التخلص من غير قصد القربة لله تعالى، فلا يقصد إلا القربة، فنيته خالصة من الشوائب وإذا نوى الإنسان مع الله غيره فإنه نيته لم تخلص وإنما شركت، فتخلف الإخلاص فلا يقبل بدونه العمل، وسيأتي تفصيل ذلك في آخر القاعدة - إن شاء الله تعالى -، والمهم: أن الإخلاص شرط من شروط صحة العمل. ثم اعلم أن النية نيتان: نية إيقاع العمل، ونية القربة لله بهذا العمل، فأما الأولى: فلا يتصور تخلفها عن عاملٍ أبدًا إذ هي من ضروريات العمل فإن كل من أراد عملاً نوى عمله قبل الدخول فيه وهي المرادة بقولنا: (النية تتبع العلم) فمن علم أنه يعمل كذا فقد نواه، وهذه شرط في صحة العمل، حتى قال بعضهم: (لو كلفنا الله أن نعمل عملاً بلا نية لكلفنا بالمحال) . وأما النية الثانية: فهي النية المقصودة بالإخلاص التي مدار قبول الأعمال عليها وهي التي يحصل بها الثواب وهي المرادة بالقول: (نية المرء أبلغ من عمله) وهي التي لا يصح التشريك فيها، فيجب على كل من عمل عملاً أن ينوي به القربة إلى الله تعالى وامتثال أمره، والله تعالى أعلم.
стр. 57
ثم اعلم أن الرياء إذا دخل في العمل فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون من أوله وإما أن يكون طارئاً عليه، فإن كان من أوله فإن العبادة باطلة كلها، وإن كان الرياء طارئاً على العمل فلا يخلو إما أن لا يسترسل معه ويدفعه عن نفسه بما يستطيع وإما أن يسترسل معه ويرضى به ولا يدفعه عن نفسه، فإن كان الأول فلا يضره أبدًا بل يؤجر على هذه المدافعة، وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن يكون هذا العمل مما ينبني صحة أوله على صحة آخره كالصلاة، وإما أن لا ينبني ذلك، فإن كان الأول فإن العمل يبطل كله، وإن كان الثاني فإنه لا يبطل إلا العمل الذي خالطه الرياء كالصدقة وقراءة القرآن وأيام الصوم ونحو ذلك، وهذا يدل على خطر الرياء ووجوب الإخلاص، وفروعها كثيرة جداً وفيما مضى كفاية - إن شاء الله تعالى -.
فهذا هو الشرط الأول وهو الإخلاص.
أما الشرط الثاني: فهو المتابعة وهو أن تفعل العبادة ذات الكيفية على الكيفية التي فعلها بها رسول الله ﷺ بلا زيادة ولا نقصان، فنصلي كما صلى، ونصوم كما صام، ونحج كما حج وهكذا، وقد دل على اشتراط هذا الشرط أدلة كثيرة فكل آية فيها أن النبي ﷺ قدوة لنا وأسوة فهي دليل على وجوب متابعته في ذلك، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) والمراد بأمرنا ديننا وشريعتنا، ومعنى (فهو رد) أي مردود على صاحبه بمعنى أنه ليس بصحيح ولا يقبل، وفي رواية مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ) ومن متابعته ﷺ أن يحرص المسلم على أمور وهذا في العبادات قولية كانت أو فعلية:
стр. 58
الأول: الكيفية: وهو أن نوافقه في كيفيتها وكما قال ﷺ : (خذوا عني مناسككم) وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فمن فعل عبادة لها كيفية بكيفية مخالفة لما جاء به الرسول ﷺ فعبادته باطلة؛ لأنها ليست من أمره ﷺ .
الثاني: المكان: فإذا كانت هذه العبادة قد خصص لأدائها مكانًا معينًا فإنه لا يجوز فعلها في غيره إلا بدليل يصححها فيه، وذلك كالحج والطواف والسعي وذبح الهدي، فالحج له مكان معين وشعائر معروفة في أمكنة معروفة كعرفةٍ ومزدلفة ومنى ورمي الجمار ونحوه فلا يصح الحج إلا في هذه الأمكنة فلابد من موافقة النبي ﷺ ومتابعته في المكان، والطواف عبادة لا يشرع إلا بمكان واحد وهو في البيت الحرام حول الكعبة فقط فمن طاف بغيره فطوافه باطل للمخالفة في المكان، والهدي لا يذبح إلا بمنى وليس في الأمصار هدي وإنما الأضاحي فقط، والفروع كثيرة.
الثالث: الزمان: فإذا كانت هذه العبادة لها زمان معين لا تصح إلا فيه فلا يجوز فعلها في غيره فيلزم متابعة النبي ﷺ في زمانها كالحج له زمان معين وأوقات الصلوات وشهر رمضان كل هذه عبادات لها أزمنة معينة فلا يجوز إيقاعها إلا في أوقاتها ولذلك قعّد العلماء هذه القاعدة (أن العبادة المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها) ، أما العبادات المطلقة كالتطوع المطلق بالصلاة أو الصوم فهذا يفعل في كل وقت إلا فيما نهي عنه كالأوقات الخمسة بالنسبة للصلاة، وكإفراد يوم الجمعة وكصوم العيدين وأيام التشريق بالنسبة للصوم
стр. 59
الرابع: القدر: فإذا حددت الشريعة لهذه العبادة قدرًا معينًا فإنه لا يجوز لأحد أن يزيد عليه أو ينقص منه ولا تصح بهذه الزيادة أو النقصان إلا بدليل يصححها وإلا فلا، ومن ذلك أعداد ركعات الصلوات ورمي الجمار وعدد الطواف والسعي ومقادير الزكاة والكفارات والحدود ونحوها فهذه قدرت بمقادير فيجب على المسلم متابعة النبي ﷺ في قدرها، فإذا كمل المؤمن هذه المراتب فقد كمل مراتب المتابعة للنبي ﷺ ، وإذا تخلف منها شيء فإن يتخلف من المتابعة بقدرها، ثم يجب علينا أن ننبه لأمر وهو أن العبادة قد تكون مشروعة بأصلها ممنوعة بوصفها، وهذا يقع فيه الناس كثيرًا، وبيان ذلك أن يقال: إن بعض الناس يفعلون عبادات قد حددوها بزمانٍ أو مكانٍ معين يعتقد فيه الفضيلة، فإذا أنكرت عليهم احتجوا عليك بالأدلة التي تدل على شرعية هذه العبادة ولكنهم لا يأتون بدليل يدل على فعلها في هذا الوقت أو المكان بعينه، وهذا لا يكفي إذ أدلة إثبات العبادة شيء وتخصيص فعلها في زمانٍ أو مكانٍ يعتقد أن فعلها فيه أفضل شيء آخر، فلا يخلط بين هذا وهذا، ولذلك فلنعلم أن من اعتقد في عبادةٍ مَّا أن فعلها في وقتٍ أو مكانٍ مَّا أفضل من فعلها في بقية الأزمنة والأمكنة فهو مبتدع وما فعله بدعة لأن مجرد هذا التخصيص الزمني والمكاني يحتاج إلى دليلٍ زائد ولا يكفي فيه مجرد الأدلة التي تدل على مشروعية هذه العبادة مطلقاً، ومثال ذلك الذكر، فإن الأصل أنه جائز في كل زمانٍ ومكان إلا ما ورد الدليل بالمنع منه فيه كالخلاء ونحوه، لكن من خصص الذكر بزمانٍ معين أو مكانٍ معين أو على صفة معينة فإن هذا التخصيص يحتاج إلى دليل زائد على مجرد أدلة مشروعية الذكر، والغريب أننا إذا أنكرنا عليهم هذا التخصيص احتجوا علينا بقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ، وقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
стр. 60
وَالذَّاكِرَاتِ﴾ وقوله ﷺ : (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله) ونحو ذلك من النصوص الدالة على مشروعية الذكر فيقال لهم: الذكر لنا فيه نظران: نظر من ناحية أصله ومشروعيته، ونظر من ناحية تخصيصه بزمان أو مكان أو صفة معينة، فأما من ناحية أصله ومشروعيته فلا ننازع فيه ولا ننكره طرفة عين، لكن من ناحية هذا التخصيص هو الذي ننكره وننازع فيه ونعده بدعة إلا بدليل يدل عليه، وذلك كالأذكار الجماعية والأذكار المنتشرة عند الصوفية وقول بعض الناس عند قول الإمام (إياك نعبد وإياك نستعين) يقول: استعنا بالله، أو لا نستعين إلا بالله، كل ذلك مما لا ننازع في أصله وإنما ننازع في وصفه، إذا علم هذا فليعلم أن الأصل هو إطلاق العبادات وأنها لا تخصص بزمان ولا مكانٍ ولا صفة ثم جاءت الأدلة بتخصيص بعضها بزمانٍ ومكانٍ وصفة فما دل الدليل الشرعي الصحيح على تخصيصه بشيء فإننا نقول به، وإن لم يدل دليل على هذا التخصيص فالبقاء على الأصل هو المتعين ومن خصص عبادة بشيءٍ بلا دليل فقد جاء بما لم يأت به رسول الله ﷺ وحينئذٍ نقرر له الأدلة أن الرسول لم يأت بذلك فإذا أقر واعترف بذلك وأصر فلا يخلو إصراره من أحد حالين: إما لاعتقاده أنه يفعل ويحرص على الخير أكثر من رسول الله ﷺ وهذا ضلال مبين وفتنة عظيمة، وإما لاعتقاده أن هذا من الشرع الذي كتمه رسول الله ﷺ ولم يبلغه للأمة وهو أخطر من الأول، فالواجب إذا بان للإنسان خطأ في شيء من الأقوال أو الأفعال التي اعتاد عليها، الواجب عليه أن يتركه ويتبع الحق، ولا يوزن الحق بالرجال وإنما يوزن الرجال بالحق، وكل قولٍ فهو تابع لأقوال الشريعة لا يتقدم عليها وإنما هو تبع لها، فما وافقها قبلناه وما خالفها رددناه والمتابع لا يتقدم على متبوعه، ولأهمية الأمر وكثرة اللبس فيه جرى التنبيه،
стр. 61
والله أعلم.
وخلاصة الكلام أن كل عبادة لا تصح إلا بإخلاص ومتابعة، والله تعالى أعلى وأعلم وصلى الله على نبينا محمد.
القاعدة السادسة عشر
١٦ - لا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بذكرٍ وعلمٍ وإرادة (١)
اعلم أن الشريعة عندنا قسمان: إما مأمور به وإما منهي عنه ولا ثالث لها، والمأمور به إما أمر استحباب وإما أمر إيجاب، والمنهي عنه إما نهي كراهة وإما نهي تحريم، وهذه القاعدة خاصة بالمنهيات فيدخل فيها نصف الشريعة إذا علمت هذا فاعلم أن الله جل وعلا إذا حرم علينا فعلاً أو قولاً من الأفعال والأقوال، أنه لا يجوز فعله ولا الإقدام عليه، لكن لو فعله أحد فهل يأثم أو يترتب عليه ما يترتب على فعله؟
الجواب: أن يقال قبل الحكم بالتأثيم وترتيب ما يترتب عليه كالكفارات والحدود ونحوها يجب علينا أن ننظر في ثلاثة أمور راجعة إلى المكلف فإذا تحققت فيه أجرينا عليه آثار فعل المنهي من الإثم والعقوبة، وإن تخلف واحد منها فإن ارتكابه للنهي لا تترتب عليه آثاره، وهذا عام ومطرد في كل الفروع ولا يشذ منه فرع إلا بدليل.
الأول: العلم: أي أن يعلم المكلف أن هذا الفعل أو هذا القول منهي عنه، فإذا قاله أو فعله ولم يعلم حكمه ومثله يجهل كحديث الإسلام أو من نشأ ببادية بعيدة عن العلم والعلماء أو كان فعله وقاله ويغلب على الظن أنه لا يأثم به، فهذا لا يؤاخذ بفعله للمنهي عنه أبداً لأن الشريعة أمرًا ونهيًا لا تثبت في حق المكلف إلا إذا علمها، ودليل اشتراط هذه الشرط أمور:
منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ فالله نفى أن يعذب أحدًا إلا بعد بعثة الرسل لتقوم الحجة على الناس، ومن لا يعلم الحكم ومثله يجهل فالحجة الرسالية لم تقم عليه بعد، ومن لم تقم عليه الحجة الرسالية فإن الله لا يعذبه.
стр. 62
ومنها: جميع الآيات التي تبين عدم تكليف النفس ما لا تطيق، فهي تدل على اشتراط العلم لأن التكليف بما لم يعلم تكليف بما لا يطاق، وهو منفي شرعًا.
ومنها: حديث ابن عمر في أهل قباء أنه لما حولت القبلة خرج رجل ممن صلى مع النبي ﷺ فمر بأهل قباء وهم يصلون الصبح فقال: أشهد بالله أن النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فاستداروا كما هم إلى الكعبة ولم تبطل صلاتهم مع أنهم افتتحوا الصلاة إلى القبلة المنسوخة، لكن لما لم يأمرهم بالإعادة دل ذلك على أنه لم يؤاخذهم مما يدل على عفوه عنهم لعدم علمهم بذلك ولم يأمرهم بالإعادة مما يدل على اشتراط العلم بالمكلف به حتى يترتب عليه أثره.
ومنها: حديث عدي بن حاتم أنه لما نزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ قال: عمدت لعقالين فوضعتهما تحت وسادتي فأكلت وشربت حتى طلع الصبح فأخبرت النبي ﷺ بذلك فقال: (إنك لعريض الوساد، إنما هو ظلمة الليل نور الصبح) أو كما قال ﷺ ولم يأمره بإعادة ذلك اليوم؛ لأنه يجهل الحكم فارتكب الحرام الذي هو الأكل والشرب في نهار رمضان وهو لا يعلم أنه حرام فلم يؤاخذه رسول الله ﷺ مما يدل على اشتراط العلم.
стр. 63
ومنها: حديث عمار وفيه أنه خرج هو وعمر ﵄ فأجنبا فتمرغ عمار في الصعيد كما تمرغ الدابة، ولم يتيمم عمر ولم يصل فلما أخبرا رسول الله ﷺ خطأهما وبين لهما الصواب (١) . المهم أنه لم يأمرهما بالإعادة مع أن عمار لم يتيمم التيمم الشرعي بالصفة الشرعية وعمر لم يصل، ولو كان أمرهما بالإعادة لنقل، فلم لم يأمرهما بالإعادة دل على أنه لم يؤاخذهما لجهلهما بالحال فدل ذلك على اشتراط العلم والأدلة كثيرة وفيما مضى كفاية.
وأما الثاني: فهو (الذكر) : وضده النسيان، فالناسي لا يؤاخذ بفعل المنهي عنه إنما يؤاخذ بترك المأمور كما مضى، فمن فعل المنهي عنه ناسيًا له فلا يؤثر ذلك كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أوْ أخْطَأْنَا﴾ قال الله: (قد فعلت) كما في مسلم وغيره، ودلالتها واضحة، وقال رسول الله ﷺ : (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وسنده حسن، ودلالته واضحة أيضًا. وقال ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا أصبح أو ذكر لا كفارة لها إلا ذلك) فأسقط إثم من ترك الصلاة ناسياً وذلك دليل على اشتراط الذكر.
ومنها: الأدلة التي تدل على صحة من زاد أو نقص في الصلاة سهوًا ونسيانًا، بخلاف العامد وهي كثيرة كحديث ابن مسعود وابن سيرين عن أبي هريرة وابن بحينة وغيرها كلها تدل على أن الناسي لا يؤاخذ إذا ارتكب المحرم.
стр. 64
الثالث: (الإرادة) : أي أن يفعل الإنسان المنهي عنه وهو مريد لفعله مختار له أما إذا فعله مكرهًا عليه أيًا كان هذا الإكراه ملجئاً أو غير ملجئ فإنه لا يترتب عليه أثر فعل المنهي عنه، والذي يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلا مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ فأجاز الله جل وعلا النطق أو فعل الكفر حالة الإكراه عليه مع شرط اطمئنان القلب بالإيمان. وقيس على ذلك باقي المنهيات من باب أولى؛ لأن أعظم الذنوب هي الشرك والكفر.
ومن ذلك: قوله ﷺ في الحديث السابق: (وما استكرهوا عليه) وهو عام في أي إكراه، إذًا وبعد هذا عرفنا أن الإنسان إذا فعل المحرم بعلمٍ وذكرٍ وإرادةٍ أنه يأثم ويترتب عليه أثر المنهي عنه. أما إذا اختل شرط منها فإنه لا يأثم، ولا يترتب عليه أثر المنهي عنه.
وبالفروع تتضح القاعدة أكثر فأقول:
منها: محظورات الصوم التي من فعل المكلف من أكل أو شرب وحجامةٍ وقيءٍ يشترط حتى تكون مفسدة للصوم أن يفعلها الإنسان وهو عالم بحكمها وذاكر لها ومريد لفعلها حتى الجماع ولا يشذ عن ذلك شيء، وقد قال النبي ﷺ : (من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) أما إذا فعلها وهو جاهل بحكمها أو ناسٍ لها أو مكرهٌ عليها فإنه لا يؤثر ذلك في صحة صومه، والله أعلم.
ومنها: محظورات الصلاة كالكلام والأكل والشرب والنجاسة ونحوها إذا فعلها الإنسان فإنه لا يؤاخذ بها إلا إذا توفرت فيه هذه الشروط الثلاثة. أما إذا اختل شرط منها فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه، والله أعلم.
стр. 65
ومنها: محظورات الحج كالتطيب وعقد النكاح والحلق وتقليم الأظافر والصيد ونحوها كل ذلك لا يؤثر ولا يوجب فدية إلا إذا فعله الإنسان وهو عالم بالحكم وذاكر له ومختار. أما إذا فعلها وهو جاهل بها أو ناسٍ أو مكرهٌ فإنها لا تضره ولا فدية عليه ولا يشذ منها شيء أبدًا لا الصيد ولا الحلق. والله أعلم.
ومنها: من شرب الخمر وهو يجهل كونها خمرًا أو لكونه ناسيًا أنها خمرٌ أو لضرورة ملجئة كدفع غصة أو بإكراه عليها فإنه لا يأثم أبدًا ولا حد عليه.
ومنها: من ترك الصلاة ناسيًا لها أو مكرهًا على تركها فإنه لا يأثم ولكن عليه فعلها إذا ذكرها أو زال الإكراه كما في حديث أنس.
ومنها: من باع بعد نداء الجمعة الثاني ناسيًا أو جاهلاً للحكم فإنه لا يأثم والبيع صحيح أصلاً لأنه تخلف عنه شرط العلم والذكر ولا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بهما، وعلى ذلك فقس.
مسألة: اعلم أن هناك فرقًا بين ترتب الإثم وبين الضمان، فقد يفعل الإنسان فعلاً محرمًا لكنه لا يأثم إلا أنه يجب عليه كفارة أو ضمان كالإتلاف وقتل النفس خطأ ذلك؛ لأن الضمان ليس من الأحكام التكليفية وإنما هو من قبيل ربط الأحكام بأسبابها فهو حكم وضعي فلا يشترط فيه العلم والذكر والإرادة.
وبالمثال يتضح الأمر ويزول الإشكال فأقول:
منها: من قتل غيره جهلاً بحرمة القتل أو خطأً فإنه لا يجب عليه القصاص؛ لأنه فعل المنهي عنه جاهلاً ومخطئًا لكنه يضمن النفس بالدية.
ومنها: من أكره على إحراق مال غيره فأحرقه فإنه لا يأثم لكن عليه ضمان المال أو على مكرهه.
ومنها: من أتلف بكارة امرأة يظن أنها زوجته فبانت أنها ليست بزوجته فلا حد عليه ولا إثم لكن عليه ضمان ذلك بالمال.
стр. 66
إذًا هناك فرق بين ترتب الإثم وترتب الضمان، فلا يترتب الإثم إلا بالشروط الثلاثة وأما الضمان فإن سببه الإتلاف بغض النظر عن المتلف، بل الضمان يكون بإتلاف غير المكلف كالمجنون والبهيمة ذلك لأنه من الأحكام الوضعية لا التكليفية، والله تعالى أعلم.
القاعدة السابعة عشر
١٧ - من أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلا
اعلم - رحمك الله تعالى - أن الأصل أن كل من أتلف شيئًا فإن عليه ضمانه، وهذا الأصل قد دلت عليه الأدلة الشرعية، لكن هذا الأصل ليس على إطلاقه وإنما يخص منه الجزء الثاني من هذه القاعدة، وذلك أن الإنسان إذا تعمد إتلاف شيء فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون لضرورة وإما لا، فإن كان أتلف مال غيره بلا ضرورة فهو ضامن مطلقًا، وأما إذا أتلفه للضرورة فلا يخلو من حالتين: إما أن يتلفه حتى يدفع الضرورة به، وإما أن يتلفه ليدفع ضرره عنه، والحالتان مختلفتان وبيان اختلافهما هو أن الضرورة إذا قامت بالإنسان كجوعٍ ونحوه ووجد حيواناً لإنسان آخر فذبحه ليأكله فإنه في هذه الحالة أتلف مال غيره ليدفع به الضرورة عن نفسه، وأما الثانية كأن يصول عليه حيوان مفترس لغيره فيدفع ضرره عنه بقتله. ففي الحالة الأولى لم يصدر من المُتْلَفِ أيَّ أذىً وإنما حصل الاعتداء عليه، وفي الحالة الثانية لم يحصل من المُتْلِفِ تعدٍ وإنما الأذى حصل من المُتْلَفِ فدفع المُتْلِفِ أذى المُتْلَفِ عنه، فبان الفرق بينهما.
إذا علمت هذا واتضح الفرق فاعلم أنه إذا تعدى أحد على مال غيره بإتلاف لقصد الانتفاع بمال الغير فإنه متعدٍ وكل متعدٍ فهو ضامن لما أتلفه، ومن دفع عن نفسه أذى غيره فالواجب عليه أن يدفعه بالأسهل فالأسهل فإن أدى دفاعه عن نفسه إلى إتلاف المتعدي فإنه في هذه الحالة لا ضمان عليه لأنه لم يتعد وإنما دفع الأذى عن نفسه وهذا واضح - إن شاء الله - ويتضح أكثر بذكر الفروع على كلا الأمرين:
стр. 67
منها: من صال عليه إنسان يريد عرضه أو نفسه فإنه يجب عليه مدافعته بالأسهل فالأسهل، فإن اندفع بالتخويف لم يجز له ضربه، وإن اندفع بضربه لم يجز جرحه، وإن اندفع بجرحه لم يجز قتله، وإن لم يندفع إلا بقتله فله قتله ولا ضمان عليه ولا دية ولا كفارة؛ لأنه لم يقتله لينتفع به وإنما قتله ليدفع ضرره عنه. هذا بالنسبة للمدافعة عن العرض والنفس، وأما المال فإن المدافعة عنه جائزة لو تركها الإنسان لم يأثم، وكذا المدافعة عن النفس حال الفتنة لا تجب بل تركها أولى لقوله ﷺ : (فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل) وقوله: (فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك) .
ومنها: من أصابته مجاعة فوجد حيوانًا فأتلفه بالذبح ليدفع به ضرورة الجوع فإنه يضمنه لأنه أتلفه لينتفع به وكل من أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه (١) .
ومنها: إذا صال على المحرم صيد فله دفعه بالأسهل فالسهل، فإن لم يندفع إلا بقتله فله ذلك، وليس عليه ضمانه لأنه أتلفه ليدفع ضرره عنه لا به.
ومنها: لو خرجت شعره في مكانٍ من جسد المحرم فآذته كما لو نزلت على عينه ونحو ذلك فله قلعها ولا فدية عليه؛ لأنه أتلفها ليدفع ضررها عنه.
ومنها: لو أشرفت سفينة على الغرق فألقى رجل متاع غيره في البحر فإنه يضمن ذلك المتاع؛ لأنه أتلفه لينتفع هو بالبقاء، لكن لو سقط عليه متاع غيره من الأعلى فأبعده عن نفسه فأتلفه فلا ضمان؛ لأنه أتلفه ليدفع ضرر المتاع عنه، ومن أتلف شيئًا ليدفع ضرره عنه فلا ضمان عليه.
ومنها: لو قلع شوك الحرم لأذاه أي لأن الشوك مؤذٍ فلا ضمان على القالع؛ لأنه أتلفه ليدفع ضرره عنه، لكن لو احتاج إلى إيقاد نار فقلع الشوك أو غصن شجرة ضمنه؛ لأنه فعل ذلك لينتفع به. وعلى ذلك فقس.
стр. 68
مسألة: لو سأل سائل وقال: في حديث أنس في الصحيحين أن النبي ﷺ رخص لكعب بن عجرة أن يحلق رأسه ويفدي مع أن رأسه كان يتساقط قملاً فهو أتلفه ليدفع ضرره عنه فكيف يضمن الفدية؟
الجواب: هذا سؤال جيد، لكن يتضح الأمر إذا قلنا: هل أتلف كعب بن عجرة شعره؛ لأن الأذى صدر من الشعر ذاته أم أن الأذى صدر من القمل ولكن لا يمكن إتلاف القمل إلا بذلك؟ الجواب هو الثاني فالشعر لا أذى منه وإنما الأذى حصل من القمل فالأذى من غير الشعر فيكون هو أتلف الشعر لينتفع هو بإتلاف القمل فيكون أتلفه لينتفع به، ومن أتلف شيئاً لينتفع به ضمنه، فلا إشكال حينئذٍ، والله تعالى أعلم.
القاعدة الثامنة عشر
١٨ - إذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ واحد ووقتٍ واحد وليست إحداهما مفعوله على وجه القضاء والتبع دخلت إحداهما في الأخرى (١)
وهي من أنفع القواعد الفقهية وبيانها أن يقال: أنه إذا اجتمعت عندنا عبادتان فهل تدخل إحداهما في الأخرى؟
الجواب: نعم تدخل إحداهما في الأخرى إذا توفرت أربعة شروط:
الأول: أن تكون هاتان العبادتان من جنس واحد أي صلاة وصلاة، وطواف وطواف، وصيام وصيام، وغسل وغسل، ووضوء ووضوء، وهكذا وبناءً على اشتراط هذه الشروط فإنه إذا اجتمعت عبادتان مختلفتان في الجنس فلا يدخل إحداهما في الأخرى كصيام وصلاة، وطواف وسعي.
стр. 69
الشرط الثاني: أن تكونا قد اجتمعتا في وقتٍ واحد كطواف الإفاضة إذا أخِّر إلى وقت الخروج مع طواف الوداع، وكغسل اليدين في أول الوضوء إذا اجتمع مع غسلهما للقيام من نوم الليل، وكصوم الفرض قضاءً إذا وافق اثنين أو خميس وهكذا، وبناءً على اشتراط هذا الشرط فإن العبادتين المفترقتين في الوقت لا تدخل معنا في هذه القاعدة.
الشرط الثالث: أن لا تكون إحداهما مفعوله على وجه القضاء كصلاة الظهر إذا جمعت مع العصر، وكالسنن المقضية مع سنة الفجر مثلاً، فإذا كانت إحداهما مفعوله على وجه القضاء فلا يدخل فيها غيرها.
الشرط الرابع: أن لا تكون إحداهما مفعوله على وجه التبعية بحيث لا يدخل وقت الأخرى إلا إذا انتهت الأولى كالسنة البعدية مع الفريضة، وصيام الست من شوال لرمضان فإن من فاته شيء من رمضان وقضاهن في شوال ونوى القضاء والست لا يحصل له إلا القضاء فقط؛ لأن الست لا تفعل إلا بعد رمضان أداءً وقضاءً، فإذا نواها مع القضاء فيكون قد صامها مع رمضان ولم يتبعها رمضان، والحديث جاء بالإتباع لا بالمقارنة، والله أعلم. هذا بالنسبة للشروط التي ذكرت في القاعدة، وبعضهم يزيد شرطين آخرين:
أحدهما: أن تكون إحداهما أكبر من الأخرى كطواف الإفاضة والوداع، وغسل اليدين لقيام الليل وفي أول الوضوء، وغسل الجنابة والجمعة وهكذا.
الثاني: أن ينويهما أو ينوي كبراهما، أما إذا لم ينو شيئًا أو نوى الصغرى فإنه لا يحصل له إلا ما نواه فقط، وهما شرطان صحيحان لحدٍّ كبير جدًا.
إذا علمت هذا فاعلم أنه إذا اجتمعت هذه الشروط في عبادتين فإنهما يتداخلان بحيث يكفي عنهما فعل واحد فقط، وإن فصلتهما بفعلين فهو لاشك أكمل، ولكن من باب التخفيف والتيسير على المكلفين أجازت الشريعة ذلك، ويحصل له من الأجر كأجر من فعلهما كلتيهما. ولتتضح القاعدة أكثر نضرب فروعًا عليها مع مراعاة الشرطين الأخيرين فأقول:
стр. 70
منها: لو أخر الحاج طواف الإفاضة إلى قبيل خروجه فإنه يجب الآن عليه طوافان طواف الإفاضة وطواف الوداع، فيجزئه حينئذٍ أن يطوف بنيتهما معًا أو بنية طواف الإفاضة ويدخل معه طواف الوداع تبعًا، أما لو طاف بنية الوداع فقط فليس له إلا ما نوى فقط، ويبقى عليه طواف آخر للإفاضة (١) .
ومنها: إذا دخل المسجد ووجدهم يصلون الظهر فإنه قد اجتمع في حقه الآن عبادتان، تحية المسجد وصلاة الفريضة، فإذا دخل معهم في صلاة الظهر دخلت معها تحية المسجد تبعًا، والله أعلم.
ومنها: من قام من نوم ليلٍ ناقضٍ لوضوء وأراد الوضوء فإنه يجب عليه أن يغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا، ويسن له أن يغسلهما أيضًا عند كل وضوء، فقد اجتمعت عبادتان فيجزئ عنه أن يغسلهما بنية الواجب ويدخل الغسل المسنون مع نية الواجب تبعاً لأن الصغرى تدخل في الكبرى.
ومنها: إذا توضأ الإنسان ودخل المسجد وصلى التحية دخلت معها سنة الوضوء إذا نواهما أو نوى تحية المسجد.
ومنها: إذا فاتت سنة الفجر وصلاها بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح دخلت معها سنة الضحى إن نواهما أو نوى سنة الفجر؛ لأنها آكد (٢) .
ومنها: من قضى رمضان يوم اثنين أو خميس فله أجران، أجر القضاء وأجر السنة؛ لأن من السنة صيام هذين اليومين (٣) .
ومنها: من صام الست من شوال في الأيام المستحب صيامها كالبيض مثلاً فله أجر السنتين، سنة الست وسنة الأيام البيض (٤) .
ومنها: إذا اجتمع غسل جمعة وجنابة ونواهما أو نوى الجنابة فقط دخل غسل الجمعة تبعاً وله أجر الغسلين جميعًا بغسلٍ واحدٍ فقط. وعلى ذلك فقس، والله تعالى أعلم.
стр. 71
القاعدة التاسعة عشر
١٩ - كل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرف (١)
اعلم - رحمك الله تعالى - أن الأحكام الشرعية إما أن يرد تحديدها من قبل الشرع كنصب الزكوات وركعات الصلوات والحدود والكفارات ونحوها، وإما أن يرد الحكم مطلقاً عن التحديد. فأما الأول فلا يدخل معنا في هذه القاعدة، وأما الثاني وهو ما لم يرد في الشرع تحديده فلنا فيه حالتان: إما أن نجد له تحديدًا في اللغة كزوال الشمس وتحديد حد اللحية - على قول - فهذا نحده باللغة لأن الأحكام نزلت بلغة العرب ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ فوجب حمل ألفاظها على المتقرر في هذا اللسان، لكن إذا لم يرد لهذا الحكم تحديد لا في الشرع ولا في اللغة فإن الصحيح عند المحققين أن يحد بالعرف أي بالعادة المطردة عند الناس أو الأفراد، وهذه القاعدة فرع من فروع القاعدة الكبرى (العادة محكمة) ، ذلك أن ما اعتاده الناس فيما بينهم إذا لم يخالف دليلاً شرعيًا ينزل منزلة المشروع لا تنبغي مخالفته، وتحد به الأحكام الشرعية التي لم يرد لها حد في الشرع ولا اللغة وقد أمرنا الله بذلك في أكثر من آية فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فرد معاشرة الزوج لزوجه إلى العرف ويدخل تحت ذلك النفقة عليها وكسوتها والإتيان لها بخادم ونحو ذلك، كل ذلك يدخل تحت كلمة (المعروف) .
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ فسرها بعض العلماء بذلك، ومنه قوله ﷺ : (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) . إذا عرفت هذا فاعلم أن هذا الحكم المبني على التحديد العرفي يختلف باختلاف الأعراف ولا يعد هذا من تغيير الشريعة أو تحريفها البتة، وهو المراد بقولهم: (تغير الأحكام بتغير الأزمان) .
ولذلك فروع كثيرة:
стр. 72
فمنها: الحرز: اشترط العلماء بمقتضى الأدلة الصحيحة للقطع في السرقة أن يكون السارق قد أخذ المسروق من حرز مثله، أي مثل المال المسروق، فإذا أخذ المال من غير حرز فلا يجب عليه القطع، لكن هذا الحرز لم يرد له تحديد في الشرع ولا في اللغة وإنما قال أهل اللغة: إن الحرز هو ما يوضع فيه المال فقط وهذا ليس بتحديد، فإذا لم يرد له تحديد في الشرع ولا في اللغة فإننا نرجع إلى تحديده بالعرف فنقول: كل ما تعارف الناس عليه أنه حرز فإنه معتبر للقطع وما لا فلا.
إذًا هو يختلف باختلاف أعراف الناس وباختلاف السلطان قوة وضعفًا، وباختلاف المال، فحرز الذهب والمال والجواهر هو الصناديق المقفلة في مكان أمين، وحرز السيارة قفلها أو إدخالها للبيت، وهكذا.
فإذا سرق إنسان مالاً فننظر للعرف هل المحل المسروق منه هو حرز هذا المال بعينه، فإذا كان (نعم) وجب القطع وإلا فلا وعلى ذلك فقس، والعبرة في الحرز هو العرف وقت السرقة، والله أعلم.
ومنها: أوجب الله تعالى النفقة على الزوجة، لكن لم يرد لهذه النفقة حد في الشرع ولا في اللغة، فنرجع إلى تحديدها بالعرف، فما عده العرف أنه من النفقة الواجبة للزوجة فهو واجب كالسكن والكسوة والإطعام، وما عده العرف من النفقة المستحبة فهو مستحب كنوع (١) المأكول والمسكون والملبوس وهكذا، ومن هنا نعرف أن العلماء - رحمهم الله تعالى – لما اجتهدوا في تحديد ذلك إنما هو مبني على العرف في زمانهم، وأما في زماننا فالأمر يختلف كثيرًا، والله أعلم.
стр. 73
ومنها: السفر: قد علق عليه الشرع أحكامًا من قصر الصلاة والمسح ثلاثة أيام بلياليها وجواز الفطر ونحوه، لكن لم يرد تحديد مسافة له في الشرع ولا في اللغة، فنرجع في تحديده إلى العرف على الراجح، فما عده الناس سفرًا فهو السفر الشرعي الذي تتعلق به الأحكام وما لا فلا، فلا يحد بثمانين كيلاً أو بمسافة يومين أو غير ذلك فقد يكون سفرًا اليوم ما ليس بسفرٍ في المستقبل، كما أنه قد كان سفرًا في الماضي ما ليس بسفرٍ اليوم فهو يختلف باختلاف العرف.
ومنها: زينة الصلاة: فقد أمرنا بأخذ الزينة في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وهي نوعان: زينة واجبة وهي ستر العورة وهذا حكم عام لا ينبني على الأعراف؛ لأنه ورد تحديد العورة في الشرع، وزينة مستحبة وهي المرادة هنا فهذه الزينة المستحبة ليس لها حد في الشرع ولا في اللغة، فتحد بالعرف فما عده العرف أنه من الزينة فيسن اتخاذه في الصلاة فالعمامة في العهد الأول من الزينة، والثوب والشماغ في عهدنا من الزينة، لكن ليس من الزينة عند أهل مصر وهكذا، فالزينة المستحبة تختلف باختلاف الأعراف؛ لأن مبناها على العرف.
стр. 74
ومنها: تحديد مدة الحيض لمن أطبق بها الدم ولا عادة لها ولا تمييز فإنها ترجع لعرف نسائها كأمها وأختها فإذا كان عرفهن ستة أيام أو سبعة أيام فتجلس ذلك، لكن هذا الفرع في النفس منه شيء وإنما ذكرته للتنبيه عليه. والصواب في هذه الحالة أنها تجلس غالب الحيض وهو ستة أيام أو سبعة أيام لحديث حمنة بنت جحش ﵂ (١) .
ومنها: القبض: أعني قبض المبيع يختلف باختلاف أعراف الناس بحسب تنوع السلع فقبض العقار عند الناس هو بتخليته وتمكين المستأجر أو المشتري من السكنى فيه، وقبض الذهب والفضة يكون بتناوله باليد، وقبض السيارة بتمكين البائع المشتري أن يتصرف فيها بل وينقلها من مكان الشراء وهكذا، فالقبض معناه واحد لكن اختلف لاختلاف الأعراف ولاختلاف السلع وكل ذلك مبناه على العرف. أما قبض المكيلات والموزونات فإن له تحديد في الشرع وهو الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن فلا نرجع إلى العرف في تحديده.
ومنها: الأصل أن تحديد اليمين بنية صاحبها ما لم يكن ظالمًا، فإن لم تكن نية فنرجع إلى السبب المهيج فإن لم يكن ثمَّ سبب مهيج فنرجع إلى التعيين، فإن لم يكن ثمَّ تعيين نرجع إلى تحديدها بما يتناوله الاسم والأسماء ثلاثة: شرعي ولغوي وعرفي، والفرع عندنا الآن في العرفي، فإذا حلف الإنسان لا يأكل لحمًا فأكل دجاجًا لم يحنث؛ لأن العرف يقضي أن الدجاج ليس لحمًا، ومن حلف لا يقرأ كتاب علمٍ فقرأ كتاب حسابٍ لم يحنث؛ لأن كتب العلم تنصرف إلى كتب الشريعة في عرف الناس فحكمنا العرف في هذه اليمين.
стр. 75
ومنها: المذهب أن خروج الدم اليسير من غير السبيلين لا ينقض الوضوء ويعفى عنه؛ لأنه نجس على المذهب لكن الكثير منه ينقض الوضوء ولا يعفى عنه، لكن حد الكثير والقليل لم يرد في الشرع ولا اللغة فيحد بالعرف، فكل ما عده العرف كثيرًا فهو كثير وما عده قليلاً فهو قليل، قال ابن عباس: الكثير هو ما فحش في نفس كل أحدٍ بحسبه (١) ، والله أعلم.
وعلى هذه الفروع فقس لكن يشترط في ذلك العرف أن لا يكون مخالفًا لدليل شرعي، والله تعالى أعلم.
ومنها: ألفاظ البيوع والهبة والنكاح فإن البيع والهبة والنكاح أحكام شرعية وردت مطلقة في الشريعة ولا حدٍ للفظها في اللغة بحيث لا تصح إلا به فيكون المرجع فيها العرف على الراجح فما عده الناس بيعًا أو نكاحًا أو هبة أو وقفًا فهو بيع ونكاح وهبة ووقف ونحوها.
القاعدة العشرون
٢٠ - إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن
إذا تعارض دليلان فلنا في إزالة ذلك التعارض ثلاث طرق: الأولى: أن نجمع بينهما بتخصيص العموم أو تقييد المطلق، وهكذا إن أمكن ذلك، فإن لم يمكن ذلك فننتقل إلى الحالة الثانية: وهي النسخ فنبحث عن المتأخر ونجعله ناسخاً للمتقدم، فإن لم يمكن ذلك فنرجح بين الدليلين، وإلا فالتوقف.