Полный текст (1 075 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ـ[مآثر الإنافة في معالم الخلافة]ـ
المؤلف: أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي ثم القاهري (المتوفى: ٨٢١هـ)
المحقق: عبد الستار أحمد فراج
الناشر: مطبعة حكومة الكويت - الكويت
الطبعة: الثانية، ١٩٨٥
عدد الأجزاء: ١٣
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
وَمَا توفيقي الا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت))
الْحَمد لله الَّذِي جعل الْخلَافَة الداوودية بامامها الْأَعْظَم ثَابِتَة الْقَوَاعِد وَمد رواقها المعتضدى على كَافَّة الْأمة فأروى بصوب عهاده الْمعَاهد وصير بَيتهَا الْمَعْمُور كعبة للقصاد ومحرابها الامامي وجهة للمقاصد وَجمع لَهَا نعوت الْفضل فِي قرن (١) فناصرها الْمَنْصُور وطالعها الرشيد ومسترشدها المهتدى الى أرشد المراشد أَحْمَده على أَن رفع قدر الديار المصرية بِنَقْل الْخلَافَة المقدسة اليها وقدمها على سَائِر الممالك فأمست ومدارها فِي الْمُهِمَّات عَلَيْهَا وَأشْهد أَن لَا اله الا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة يتَجَاوَز فَضلهَا الْحَد ويتوارثها الْخلف عَن السّلف
стр. 3
فيرويها الابْن عَن الْأَب وَالْأَب عَن الْجد وَأشْهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أفضل نَبِي عَمت دَعوته أقاقى الْكَوْن على بعد الْمسَافَة وَبقيت معجزته على مر الزَّمَان حَيْثُ بشر عَمه الْعَبَّاس أَن ببنيه تختم الْخلَافَة صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَصَحبه الَّذين قلدوا أُمُور الْملَّة فحموا سرحها (١) وصانعوا وحملوا أعباء الشَّرِيعَة فَمَا ضعفوا عَن حملهَا وَمَا اسْتَكَانُوا صَلَاة يَدُوم فِي الْوُجُود حكمهَا وَلَا يَنْقَطِع على تعاقب الْأَيَّام رسمها
وَبعد فَلَمَّا كَانَت الْخلَافَة هِيَ حَظِيرَة الاسلام ومحيط دائرته ومربع رعاياه ومرتع سائمته بهَا يحفظ الدّين ويحمى وتصان بَيْضَة الاسلام وتسكن الدهما وتقام الْحُدُود فتمنع الْمَحَارِم عَن الانتهاك وَتحفظ الْفروج فتصان الْأَنْسَاب عَن الِاخْتِلَاط والاشتباك وتحصن الثغور فَلَا تطرق ويذاد عَن الْحرم فَلَا تقرع جنَّة جماها (٢) وَلَا ترشق لَا سِيمَا الْخلَافَة العباسية الَّتِي هِيَ وَاسِطَة عقدهَا (٢ ب) وخلاصة سبكها وخالص نقدها
стр. 4
وَغَايَة طلبَهَا وضالة نشدها وَكَانَت قد فوضت الى الديار المصرية خيامها فاستغنت بهَا عَن السوى وحطت بفنائها الأنيق رَحلهَا فَأَلْقَت عصاها وَاسْتقر بهَا النَّوَى وتفيأت ظلالها فجعلتها دَار الامامة وقبة الاسلام (١) فَكَانَ لَهَا بِالْبَيْتِ الحاكمى احمر عُقبى واستأثرت من بقاياه بِخَير أَئِمَّة فجرت أذيالها تيها وماست بأعطافها عجبا ثمَّ لم تزل تحث مطيتها وتعمل رويتها الى أَن أناخت بِفنَاء الامام الْأَعْظَم والخليفة الَّذِي ان كَانَ فِي الزَّمَان مُتَأَخِّرًا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مقدم وَالسَّيِّد الَّذِي هُوَ من آبَائِهِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدين خير خلف فَمن ولد المستكفى الْأَكفاء وَمن عقب الْحَاكِم الأحكم الامام المعتضد بِاللَّه أبي الْفَتْح دَاوُد أَمِير الْمُؤمنِينَ بن الامام المتَوَكل (٢) على الله أبي عبد الله مُحَمَّد بن الامام المعتضد بِاللَّه أبي الْفَتْح أبي بكر أيد الله تَعَالَى بِهِ الدّين وأعز بأعلامه المنصورة عِصَابَة الْمُسلمين فأنست مآثره المعتضدية مَا عرف
стр. 5
للمعتضد الأول من المآثر وأربت على الْأَوَائِل مناقبه الجليلة حَتَّى قيل كم ترك الأول للْآخر وأشعرت بِالْفَتْح كنيته الشَّرِيفَة فخفقت بالنصر راياته السود وآذنت بِالْفَضْلِ خِلَافَته المعظمة وَلَا يُنكر فضل الْخلَافَة لداود
أَحْبَبْت أَن أخدم خزائنته الْعَالِيَة بتأليف فِي معالم الْخلَافَة يشْتَمل على دقائق حقائقها ويتكفل بِذكر لوازمها المستظرفة ولواحقها محليا لَهُ من جَوَاهِر المناقب المعتضدية بِمَا يَعْلُو بِهِ قدره وتغلو بِهِ قِيمَته ويرتفع بِهِ ذكره ليسير هَذَا التَّأْلِيف (٣ أ) بانتسابه اليه فِي الْآفَاق سير الْمثل ويخلد بِذكر مناقبه الشَّرِيفَة ذكره على مر الدهور وتعاقب الدول وسميته ((مآثر الانافة فِي معالم الْخلَافَة)) اذ لم أكن من قبيل هَذَا الشَّأْن وَلَا من فرسَان هَذَا الميدان بل أَمِير الْمُؤمنِينَ أمتع الله الْوُجُود بِوُجُودِهِ بذلك أدرى وبمعرفته أَجْدَر وَأَحْرَى فَكنت فِي ذَلِك كناقل التَّمْر الى
стр. 6
هجر (١) والمقابل ببلالة الرشح زاخر الْبَحْر وهامع الْمَطَر وانما قصدت بذلك التَّقَرُّب الى خاطره الشريف وَالشُّكْر لما أسلف من بره التالد ونواله الطريف وَالله تَعَالَى يقرنه بِالْقبُولِ ويبسط بالممادح المعتضدية لِسَان مُؤَلفه فَيَقُول وَيطول
وَقد رتبته على مُقَدّمَة وَسَبْعَة أَبْوَاب وخاتمة
الْمُقدمَة
فِي معنى الْخلَافَة وَمن ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخَلِيفَة وَمن تكون عَنهُ الْخلَافَة وَكَيْفِيَّة النِّسْبَة الى الْخَلِيفَة وَمَا يَقع عَلَيْهِ من الكنية والألقاب
الْبَاب الأول
فِي وجوب عقد الامامة لم يقوم بهَا وَبَيَان شُرُوط الامامة الَّتِي لَا تصح بِدُونِهَا والطرق الَّتِي تَنْعَقِد بهَا وَمَا يلْزم الْخَلِيفَة للرعية وَمَا يلْزم الرّعية للخليفة وَمَا يَنْعَزِل بِهِ الْخَلِيفَة وَيخرج بِهِ عَن الامامة (١) فِي
стр. 7
٦ - فِي ذكر من ولى الْخلَافَة من صدر الاسلام وهلم جرا الى زَمَاننَا (٣ ب) وتفصيل حَال كل خَليفَة مِنْهُم وولاة اقطار الاسلام شرقا وغربا فِي زَمَانه والحوادث والماجريات الْوَاقِعَة فِي أَيَّامه وَبَيَان مقرات الْخلَافَة وَمَا انطوت عَلَيْهِ من الأقاليم وترتيب الْخلَافَة على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي الزَّمن الْقَدِيم وَذكر الْمَشَاهِير مِمَّن ادّعى الْخلَافَة فِي بعض الأقاليم وَبطلَان شُبْهَة دعاويهم
الْبَاب الثَّالِث
فِي ذكر مَا يكْتب للخلفاء من البيعات والعهود فِي الْقَدِيم والْحَدِيث
الْبَاب الرَّابِع
فِيمَا كَانَ يكْتب عَن الْخُلَفَاء من ولايات مُلُوك الأقاليم وأمرائها وولايات الوزراء والقضاة وَالْولَايَة على الصَّلَوَات ونقابة ذَوي الْأَنْسَاب وَغير ذَلِك من سَائِر الولايات الدِّينِيَّة والديوانية وَمَا يكْتب عَنْهُم الْآن
стр. 8
الْبَاب الْخَامِس
فِيمَا كَانَ يكْتب عَن الْخُلَفَاء فِي الاقطاعات وتحويل السنين والزام أهل الذِّمَّة الشَّرَائِط الازمة لهمز
الْبَاب السَّادِس
فِي المكاتبات الصادرة عَن الْخُلَفَاء وولاة الْعَهْد بالخلافة والكتب الصادرة عَن الْمُلُوك والوزراء وَنَحْوهم اليهم
الْبَاب السَّابِع فِي ذكر اوائل منسوبة الى الْخُلَفَاء وغرائب وملح وأعاجيب تتَعَلَّق بهم
الخاتمة (١٤) فِي ذكر طرف من مَنَاقِب الامام الْأَعْظَم المعتضد بِاللَّه خَليفَة الْعَصْر الْمَوْضُوع لَهُ هَذَا الْكتاب
وَهَذَا بسط هَذِه التَّرْجَمَة وتفصيلها وَهَذَا بسط هَذِه التَّرْجَمَة وتفصيلها
стр. 9
مُقَدّمَة
فِي معنى الْخلَافَة وَمن ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخَلِيفَة وَمن تكون عَنهُ الْخلَافَة وَكَيْفِيَّة النِّسْبَة إِلَى الْخَلِيفَة وَمَا يَقع عَلَيْهِ من الكنية والألقاب وَفِيه فصلان
الْفَصْل الأول
فِي معنى الْخلَافَة وَمن ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخَلِيفَة وَمن كَون عَنهُ الْخلَافَة وَكَيْفِيَّة النِّسْبَة إِلَى الْخَلِيفَة
أما الْخلَافَة فَهِيَ فِي الأَصْل مصدر خلف يُقَال خَلفه فِي قومه يخلفه خلَافَة فَهُوَ خَليفَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُون اخلفني فِي قومِي﴾ ثمَّ اطلق فِي الْعرف الْعَام على الزعامة الْعُظْمَى وَهِي الْولَايَة الْعَامَّة على كَافَّة الْأمة وَالْقِيَام بأمورها والنهوض
стр. 10
بأعبائها والخليفي بِكَسْر الْخَاء وَتَشْديد اللَّام الْمَكْسُورَة لُغَة فِي الْخلَافَة حَكَاهَا الْجَوْهَرِي وَغَيره قَالَ ابْن الْأَثِير فِي نهايته فِي غَرِيب الحَدِيث وَهُوَ من المصادر الدَّالَّة على معنى الْكَثْرَة وَمِنْه قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ لَو أُطِيق الْأَذَان مَعَ الخليفي لأذنت يُرِيد أَنه مشتغل عَن الْأَذَان بِكَثْرَة اجْتِهَاده فِي ضبط أُمُور الْخلَافَة وتصريف أعنتها وَقد (٤ ب) اخْتلف فِي لفظ الْخَلِيفَة
فَقيل هُوَ فعيل بِمَعْنى مفعول كجريح بِمَعْنى مَجْرُوح وقتيل بِمَعْنى مقتول وَيكون الْمَعْنى أَنه يخلفه من بعده وَعَلِيهِ حمل قَوْله تَعَالَى فِي حق آدم ﵇ ﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ على قَول من قَالَ إِن آدم أول من عمر الأَرْض وَخَلفه فِيهَا بنوه بعده
стр. 11
وَقيل هُوَ فعيل بِمَعْنى فَاعل كعليم بِمَعْنى عَالم وقدير بِمَعْنى قَادر وَيكون الْمَعْنى فِيهِ أَنه يخلف من بعده وَعَلِيهِ حمل الْآيَة السَّابِقَة وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ من قَالَ إِنَّه كَانَ قبل آدم فِي الأَرْض الْجِنّ أَو الْمَلَائِكَة وَإنَّهُ خَلفهم فِيهَا وَاخْتَارَهُ أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي كِتَابه صناعَة الْكتاب وَعَلِيهِ اقْتصر الماوردى فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة قَالَ النّحاس وَعَلِيهِ خُوطِبَ أَبُو بكر ﵁ بخليفة رَسُول الله وعَلى ذَلِك ينطبق كَلَام البغوى فِي شرح السّنة حَيْثُ سمى خَليفَة لِأَنَّهُ خلف الْمَاضِي قبله ثمَّ قَالَ النّحاس وَإِطْلَاق الْخَلِيفَة على أَمِير الْمُؤمنِينَ يحْتَمل الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا
وَاخْتلف فِي الْهَاء فِي آخِره فَقيل أدخلت فِيهِ للْمُبَالَغَة كَمَا أدخلت فِي رجل داهية للكثير الدهاء
стр. 12
وَرِوَايَة للكثير الرِّوَايَة وعلامة للكثير الْعلم وَهُوَ قَول الْفراء وَاسْتَحْسنهُ النّحاس نَاقِلا لَهُ عَن أَكثر النَّحْوِيين وَنقل عَن عَليّ بن سُلَيْمَان تخطئته احتجاجا بِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ التَّأْنِيث فِيهِ حَقِيقِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِك وَقيل الْهَاء فِيهِ لتأنيث الصِّيغَة قَالَ النّحاس وَرُبمَا أسقطوا الْهَاء مِنْهُ وأضافوا فَقَالُوا فلَان خليف فلَان يعنون خليفه
ثمَّ الأَصْل فِيهِ التَّذْكِير نظرا للمعنى لِأَن المُرَاد بالخليفة رجل وَهُوَ يذكر فَتَقول أَمر الْخَلِيفَة بِكَذَا على التَّذْكِير وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ فِيهِ التَّأْنِيث على اللَّفْظ (١٥) فَيُقَال أمرت الْخَلِيفَة بِكَذَا وَأنْشد الْفراء ... أَبوك خَليفَة وَلدته أُخْرَى ... وَأَنت خَليفَة ذَاك الْكَمَال ...
وَمنع البصريون ذَلِك محتجين بِأَنَّهُ لَو جَازَ ذَلِك لجَاز قَالَت طَلْحَة فِي رجل اسْمه طَلْحَة وَهُوَ مُمْتَنع قَالَ النّحاس فَإِن ظهر اسْم الْخَلِيفَة تعين
стр. 13
التَّذْكِير بِاتِّفَاق فَتَقول قَالَ الراضي الْخَلِيفَة وَنَحْو ذَلِك
وَيجمع الْخَلِيفَة على خلفاء على معنى التَّذْكِير دون اللَّفْظ كَمَا فِي جمع كريم على كرماء وظريف على ظرفاء وَعَلِيهِ ورد قَوْله تَعَالَى ﴿واذْكُرُوا إِذْ جعلكُمْ خلفاء من بعد قوم نوح﴾ وَيجمع ايضا على خلائف حملا على تَأْنِيث اللَّفْظ كَمَا تجمع صحيفَة على صَحَائِف وَعَلِيهِ جَاءَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف الأَرْض﴾ قَالَ النّحاس وَيجوز أَن يجمع على خلاف ككريم وكرام لِأَن الْهَاء زَائِدَة
وَأما من ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخَلِيفَة فقد ذهب جمَاعَة من أَئِمَّة السّلف مِنْهُم أَحْمد بن حَنْبَل ﵀ إِلَى كَرَاهَة إِطْلَاق اسْم الْخَلِيفَة على من بعد الْحسن بن على ﵄ فِيمَا حَكَاهُ النّحاس وَغَيره محتجين بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث سفينة أَن رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم قَالَ
стр. 14
الْخلَافَة فِي أمتِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ ملك بعد ذَلِك قَالَ سعيد بن جهمان ثمَّ قَالَ لى سفينة أمسك خلَافَة أبي بكر وَخِلَافَة عمر وَخِلَافَة عُثْمَان ثمَّ قَالَ أمسك خلَافَة عَليّ وَخِلَافَة الْحسن فَوَجَدْنَاهَا ثَلَاثِينَ سنة قَالَ سعيد فَقلت لَهُ إِن بني أُميَّة يَزْعمُونَ أَن الْخلَافَة فيهم قَالَ كذب بَنو الزَّرْقَاء هم مُلُوك من شَرّ الْمُلُوك
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعرف الْمشَاع من صدر الْإِسْلَام وهلم جرا إِطْلَاق اسْم الْخَلِيفَة على كل (٥ ب) من قَامَ بِأَمْر الْمُسلمين الْقيام الْعَام على مَا تقدم إِمَّا بِبيعِهِ من أهل الْحل وَالْعقد وَإِمَّا بِعَهْد مِمَّن قبله على مَا سَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِلَّا أَن بعض السّلف قد خصص ذَلِك بِمَا إِذا كَانَ الإِمَام جَارِيا على منهاج الْعدْل وَطَرِيق الْحق فقد روى أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ سَأَلَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر وكعبا وسلمان عَن الْفرق بَين الْخَلِيفَة وَالْملك فَقَالَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر لَا ندرى فَقَالَ سلمَان الْخَلِيفَة الَّذِي يعدل فِي الرّعية وَيقسم بَينهم بِالسَّوِيَّةِ ويشفق عَلَيْهِم شَفَقَة الرجل على أَهله وَالْوَالِد على وَلَده وَيقْضى بَينهم بِكِتَاب الله تَعَالَى فَقَالَ كَعْب مَا كنت
стр. 15
أَحسب أَن فِي هَذَا الْمجْلس من يفرق بَين الْخَلِيفَة الْملك وَلَكِن الله تَعَالَى ألهم سلمَان حكما وعلما وعَلى ذَلِك يحمل مَا روى أَن أَعْرَابِيًا قَالَ لأبي بكر ﵁ أَنْت خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم قَالَ لَا قَالَ فَمَا أَنْت قَالَ أَنا الخالفة بعده قَالَ ابْن الْأَثِير قَالَ ذَلِك تواضعا وهضما من نَفسه حِين قَالَ لَهُ أَنْت خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم أَي أَن الْخَلِيفَة هُوَ الَّذِي يقوم مقَام الذَّاهِب ويسد مسده والخالفة هُوَ الَّذِي يقوم مقَام الذَّاهِب ويسد مسده والخالفة هُوَ الَّذِي لَا غناء عِنْده وَلَا خير فِيهِ على أَن البغوى قَالَ فِي شرح السّنة إِنَّه يُسمى خَليفَة وَإِن كَانَ مُخَالفا لسيرة أهل الْعدْل
وَأما من تكون عَنهُ الْخلَافَة فللعلماء فِيهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب
الْمَذْهَب الأول أَن الْخلَافَة تكون عَن الله تَعَالَى فَيُقَال فِي الْخَلِيفَة خَليفَة الله وَهُوَ مَا حَكَاهُ الماوردى فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة عَن بَعضهم لقِيَامه بحقوقه
стр. 16
تَعَالَى فِي خلقه احتجاجا بقوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف الأَرْض﴾ ثمَّ قَالَ وَامْتنع جُمْهُور الْفُقَهَاء من ذَلِك زنسبوا قَائِله إِلَى التَّجَوُّز محتجين بِأَنَّهُ إِنَّمَا (١٦) يسْتَخْلف من يغيب أَو يَمُوت وَذكر الشَّيْخ مُحي الدّين النووى ﵀ فِي كِتَابه الْأَذْكَار نَحوه وَقَالَ يَنْبَغِي أَن لَا يُقَال للقائم بِأَمْر الْمُسلمين خَليفَة الله وَيُؤَيّد ذَلِك مَا حُكيَ أَنه قيل لأبي بكر الصّديق ﵁ يَا خَليفَة الله فَقَالَ لست بخليفة الله وَلَكِنِّي خَليفَة رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم وَقَالَ رجل لعمر بن عبد الْعَزِيز يَا خَليفَة الله فَقَالَ وَيلك لقد تناولت متناولا بَعيدا إِن أُمِّي سمتني عمر فَلَو دعوتني بِهَذَا الِاسْم قبلت ثمَّ وليتموني أُمُوركُم فسميتموني أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَو دعوتني بذلك كَفاك وَأَجَازَ البغوى ذَلِك فِي حق آدم وَدَاوُد ﵉ دون غَيرهمَا محتجا
стр. 17
بقوله تَعَالَى فِي حق آدم ﴿إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ وَبِقَوْلِهِ فِي حق دَاوُد ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض﴾ قَالَ وَلَا يُسمى أحد خَليفَة الله بعدهمَا
وَأَجَازَ الزمخشريفي تَفْسِيره ذَلِك فِي سَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈
الْمَذْهَب الثَّانِي أَن الْخلَافَة تكون عَن رَسُول الله ﷺ فَيُقَال فِيهِ خَليفَة رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ خَلفه فِي أمته وَعَلِيهِ ينطبق كَلَام الماوردى فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة والنحاس فِي صناعَة الْكتاب وعَلى ذَلِك خُوطِبَ أَبُو بكر ﵁ بخليفة رَسُول الله ﷺ وَقد تقدم فِي الْمَذْهَب الأول انه لما قيل لَهُ يَا خَليفَة الله قَالَ لست بخليفة الله وَلَكِنِّي خَليفَة رَسُول الله ﷺ وعَلى ذَلِك ينطبق كَلَام البغوى فِي شرح السّنة
стр. 18
حَيْثُ قَالَ الْخَلِيفَة وَخَلِيفَة رَسُول الله وَتَبعهُ النووى على ذَلِك فِي الرَّوْضَة
الْمَذْهَب الثَّالِث أَن الْخلَافَة قد تكون عَن الْخَلِيفَة قبل ذَلِك الْخَلِيفَة فَيُقَال فلَان خَليفَة فلَان وَاحِد بعد وَاحِد حَتَّى ينتهى إِلَى أبي بكر ﵁ (٦ ب) فَيُقَال فِيهِ خَليفَة رَسُول الله صلى الله علية وَسلم وعَلى ذَلِك خُوطِبَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ فِي أول أمره بخليفة (خَليفَة) رَسُول الله
وَأما كَيْفيَّة النِّسْبَة إِلَى الْخَلِيفَة
فَإِنَّهُ يُقَال خَلْفي بِفَتْح الْخَاء وَاللَّام كَمَا ينْسب إِلَى حنيفَة حنيفي وَقَول الْعَامَّة دِرْهَم خليفتي وَنَحْوه خطأ إِذْ قَاعِدَة النّسَب أَن يحذف من الْمَنْسُوب إِلَيْهِ الْيَاء وتاء التَّأْنِيث على مَا هُوَ مُقَرر فِي كتب النَّحْو
الْفَصْل الثَّانِي
فِيمَا يَقع على الْخَلِيفَة من الكنية والألقاب
أما مَا يَقع على الْخَلِيفَة من الكنية فَلم تزل الكنى
стр. 19
جَارِيَة على الْخُلَفَاء من بَدْء الْخلَافَة وهلم جرا جَريا فِي ذَلِك على عَادَة الْعَرَب فِي الاهتمام بشأن الكنية والاعتناء بأمرها والتعظيم بوصفها فَكَانَت كنية الصّديق ﵁ أَبَا بكر وكنية عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ أَبَا حَفْص وكنية عُثْمَان ﵁ أَبَا عَمْرو وكنية عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَبَا الْحسن وَاسْتمرّ الْأَمر فيهم على ذَلِك إِلَى زَمَاننَا بل رُبمَا لَزِمت الكنية أحدهم حَتَّى لم تكد تُفَارِقهُ كَأبي الْعَبَّاس السفاح وَأبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَغَيرهمَا وَقد قَالَ النووى فِي الْأَذْكَار وَالْأَدب أَن يُخَاطب أهل الْفضل وَمن قاربهم بالكنية وَكَذَلِكَ إِن كتب إِلَى أحد مِنْهُم رِسَالَة أَو روى عَنهُ رِوَايَة وَقد كَانَ الأول أَكثر مَا يعظم بَعضهم بَعْضًا فِي المخاطبات والمكاتبات وَنَحْوهَا بالكنى ويرون ذَلِك فِي غَايَة الرّفْعَة وَنِهَايَة التَّعْظِيم وَمِمَّا يجب التَّنْبِيه عَلَيْهِ هُنَا أَنه إِذا كَانَ (٧ ا) للرجل ولد وَاحِد كنى بِهِ بِلَا نزاع فَإِن كَانَ لَهُ ولدان فَأكْثر كنى بأكبرهم فقد كَانَ النَّبِي ﷺ يكنى أَبَا الْقَاسِم وَكَانَ الْقَاسِم أكبر بنيه
стр. 20
وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن شُرَيْح الْحَارِثِيّ عَن أَبِيه أَنه وَفد على رَسُول الله ﷺ مَعَ قومه فسمعهم رَسُول الله ﷺ يكنونه بِأبي الحكم فَدَعَاهُ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ إِن الله هُوَ الحكم فَلم تكنى أَبَا الحكم فَقَالَ إِن قومِي اخْتلفُوا فِي شَيْء فأتوني فحكمت بَينهم فرضى كلا الْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ مَا احسن هَذَا فَمَا لَك من الْوَلَد قَالَ شُرَيْح وَمُسلم وَعبد الله قَالَ فَمن أكبرهم قَالَ شُرَيْح قَالَ أَنْت أَبُو شُرَيْح
قَالَ النووى فَلَو تكنى بِغَيْر أَوْلَاده فَلَا بَأْس فَلَو لم يكن لَهُ ولد أصلا بِأَن لم يُولد لَهُ فَإِنَّهُ يجوز تكنيته حَتَّى الصَّغِير قَالَ وَقد كَانَ تكنى جمَاعَة من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم قبل أَن يُولد لَهُم كأبى هُرَيْرَة وخلائق لَا يُحصونَ من التَّابِعين قَالَ وَلَا كَرَاهِيَة فِيهِ بل هُوَ مَحْبُوب بِشَرْطِهِ ثمَّ قد
стр. 21
يكون للرجل كنيتان فَأكْثر فقد كَانَ لأمير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ ثَلَاث كنى أَبُو عمر وَأَبُو عبد الله وَأَبُو ليلى
وَأما مَا يَقع على الْخَلِيفَة من الألقاب فَأَرْبَعَة ألقاب
اللقب الأول عبد الله وَأول من تلقب بذلك من الْخُلَفَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ فَكَانَ يكْتب فِي كتبه الصادرة عَنهُ من عبد الله عمر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَتَبعهُ من بعده من الْخُلَفَاء على ذَلِك ولزموه حَتَّى أَن الْمَأْمُون كَانَ اسْمه عبد الله فَكَانَ يُكَرر فِي كتبه وعهوده لفظ عبد الله مرَّتَيْنِ الأولى مِنْهُمَا اللقب وَالثَّانيَِة الِاسْم الْخَاص فَكَانَ يكْتب فِي كتبه من عبد الله عبد الله بن هَارُون وَفِي العهود هَذَا مَا عهد (٧ ب) عبد الله عبد الله بن هَارُون
قلت ثمَّ أحدث الْخُلَفَاء الفاطميون بالديار المصرية أَيَّام قيامهم بهَا بعد ذَلِك ووليه فَكَانَ يكْتب فِي كتب خلفائهم من عبد الله ووليه فلَان أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى كَانَ
стр. 22
العاضد آخر خلفائهم بهَا وَكَانَ اسْمه عبد الله فَكَانَ يكْتب عَنهُ من عبد الله ووليه عبد الله إِلَى آخِره ثمَّ تَبِعَهُمْ على ذَلِك خلفاء بني الْعَبَّاس بالديار المصرية أَيْضا بعد تحول الْخلَافَة من بَغْدَاد إِلَى مصر وَالْأَمر بَاقٍ على ذَلِك إِلَى الْآن
اللقب الثَّانِي الإِمَام وَهُوَ من الألقاب المستجدة للخليفة فِي أثْنَاء الدولة العباسية بالعراق وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الشِّيعَة كَانُوا يعبرون عَمَّن يقوم بأمرهم بِالْإِمَامِ من حَيْثُ إِن الإِمَام فِي اللُّغَة هُوَ الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ وَهُوَ بأئمتهم مقتدون وَعند أَقْوَالهم وأفعالهم واقفون لاعتقادهم فيهم الْعِصْمَة وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس قد تلقب حِين أخذت لَهُ الْبيعَة بالخلافة بِالْإِمَامِ نسجا على هَذَا المنوال وَبَقِي فِي خلفاء بني الْعَبَّاس إِلَى الأن
اللقب الثَّالِث لقب الْخلَافَة الْخَاص بهَا كالمنصور وَالْهَادِي والرشيد والمأمون والمعتصم بِاللَّه والمتوكل على الله وَنَحْو ذَلِك على مَا سَيَأْتِي ذكره فِي تراجمهم
стр. 23
إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد كَانَ الْخُلَفَاء الراشدون من الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم بمعزل عَن هَذِه الألقاب وَاخْتلف فِي بنى أُميَّة هَل كَانَ لَهُم ألقاب نَحْو ذَلِك فَذكر القضاعى فِي عُيُون المعارف فِي أَخْبَار الخلائف أَن خلفاء بنى أُميَّة لم يتلقب أحد مِنْهُم بألقاب الْخلَافَة وَإِنَّمَا ابتدىء ذَلِك فِي الدولة العباسية وَحكى ابْن حزم فِي بعض مصنفاته أَن خلفاء بنى أُميَّة تلقب مِنْهُم جمَاعَة بألقاب الخ ٤ لافة وَأَن أول من تلقب مِنْهُم بألقاب الْخلَافَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان (١٨) وَأَن لقبه كَانَ النَّاصِر لحق الله ثمَّ تبعه بَاقِي خلفاء بنى أُميَّة على التلقيب على مَا سَيَأْتِي فِي تراجمهم إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ ابْن حزم وَلَيْسَ بِصَحِيح
أما خلفاء بنى الْعَبَّاس فَلَا نزاع فِي جَرَيَان ألقاب الْخلَافَة عَلَيْهِم من بَدْء أَمرهم وَإِلَى آخر وَقت وَقد اخْتلف فِي لقب أبي الْعَبَّاس السفاح أول خلفائهم فَقيل الْقَائِم وَقيل المهدى المرتضى ثمَّ تلقب أَخُوهُ أَبُو جَعْفَر بعده بالمنصور واستمرت الألقاب جَارِيَة
стр. 24
على خلفائهم كَذَلِك إِلَى أَن ولى الْخلَافَة أَبُو إِسْحَاق مُحَمَّد ابْن الرشيد بعد أَخِيه الْمَأْمُون فتلقب المعتصم بِاللَّه فَكَانَ أول من أضيف فِي لقبه اسْم الله تَعَالَى وَجرى الْأَمر على ذَلِك فِيمَن بعده من الْخُلَفَاء كالواثق بِاللَّه والمتوكل على الله والطائع لله والقائم بِأَمْر الله والناصر لدين الله وَمَا أشبه ذَلِك
قلت وَكَانَ من عَادَتهم أَنه لَا يتلقب خَليفَة بلقب خَليفَة قبله بل يقتضب لكل خَليفَة لقب يَخُصُّهُ إِلَى أَن صَارَت الْخلَافَة إِلَى الديار المصرية بعد انقراضها من بَغْدَاد بقتل التتر المستعصم على مَا سَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى فترادفوا على الألقاب السَّابِقَة متواردين على ألقاب من سلف من الْخُلَفَاء فتلقب أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن الظَّاهِر بِأَمْر الله أول خافائهم بهَا بالمستنصر بِاللَّه وَهُوَ لقب أَخِيه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه بن الظَّاهِر من خلفاء الْعرَاق وتلقب بعده أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن حُسَيْن ثَانِي خلفائهم بالحاكم بِأَمْر الله وَهُوَ لقب أبي عَليّ الْمَنْصُور بن الْعَزِيز
стр. 25
ثَالِث خلفاء الفاطميين بالديار المصرية ثمَّ لم يزَالُوا على اقتفاء آثَار الْخُلَفَاء قبلهم إِلَى الإِمَام الْأَعْظَم المعتضد بِاللَّه أبي الْفَتْح دَاوُد خَليفَة الْعَصْر فتوارد لقبه مَعَ لقب خليفتين قبله وهما المعتضد بِاللَّه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل على الله (٨ ب) جَعْفَر السَّابِع عشر من خلفائهم بالعراق والمعتضد بِاللَّه أَبُو الْفَتْح أَبُو بكر بن المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان من خلفائهم بِمصْر وَهُوَ جد الإِمَام المعتضصد بِاللَّه لِأَبِيهِ وَلم يتوارد أحد من الْخُلَفَاء قبله مَعَ غَيره من الْخُلَفَاء العباسيين على لقب ثَلَاث مَرَّات سواهُ
وَاعْلَم أَن كثير مِمَّن ادّعى الْخلَافَة فِي بعض الأقاليم كالخلفاء الفاطميين بالمغرب وبالديار المصرية وخلفاء بنى أُميَّة بالأندلس قد مَشوا على نهج خلفاء بنى الْعَبَّاس فِي الألقاب فتلقب أَبُو مُحَمَّد عبيد الله أول خلفاء الفاطميين بالمغرب المهدى ثمَّ تلقب بنوه من بعده بالمغرب والديار المصرية بألقاب الْخلَافَة الْمُضَاف فِيهَا اسْم الله كالقائم بِأَمْر الله والمنصور بِاللَّه إِلَى أَن كَانَ آخِرهم العاضد لدين الله
стр. 26
وَجرى خلفاء بنى أُميَّة بالأندلس فِي أول أَمرهم على قَاعِدَة خلافتهم الأولى من عدم التلقيب من لدن أَوَّلهمْ عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل إِلَى أَن ولى مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمقتول وَهُوَ الثَّالِث عشر من خلفائهم بالأندلس فتلقب بالناصر بعد أَن مضى فِي خِلَافَته تسع وَعِشْرُونَ سنة وَتَبعهُ من بعده مِنْهُم على ذَلِك إِلَى أَن ولى عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن النَّاصِر عبد الرَّحْمَن الْمُقدم ذكره فتلقب بالمرتضى بِاللَّه وَهُوَ أول من أضيف فِي لقبه مِنْهُم اسْم الله تَعَالَى مضاهاة لخلفاء بنى الْعَبَّاس فِي ذَلِك وَجرى من بعده من خلفائهم على مثل ذَلِك إِلَى ان كَانَ آخِرهم هِشَام بن مُحَمَّد فتلقب بالمعتد بِاللَّه وبزواله فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبع مائَة انقرضت خلافتهم من الأندلس ثمَّ تَبِعَهُمْ على ذَلِك مُلُوك الطوائف من بنى هود وَغَيرهم فتلقبوا بألقاب الْخُلَفَاء وَكَذَلِكَ الموحدون بِبِلَاد الْمغرب فتلقب إمَامهمْ مُحَمَّد بن تومرت بالمهدى وَتَبعهُ أَتْبَاعه على ذَلِك (٩ أ) فتلقبوا بألقاب الْخُلَفَاء إِلَى أَن كَانَ الْأَمِير مِنْهُم فِي عقب أبي حَفْص
стр. 27
أحد الْعشْرَة أَصْحَاب ابْن تومرت الْمَذْكُور فنسجوا على منوالهم فِي ذَلِك إِلَى أَن كَانَ مِنْهُم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي زَكَرِيَّا يحيى فتلقب بالمنتصر بِاللَّه فَكَانَ أول من أضيف فِي لقبه اسْم الله مِنْهُم وَتَبعهُ من بعده على ذَلِك إِلَى زَمَاننَا
قلت وَهَؤُلَاء جَمِيعهم على منوال بني الْعَبَّاس ناسجون وعَلى آثَارهم مقتفون
وَأَيْنَ الثريا من يَد المتناول
اللقب الرَّابِع أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأول من لقب بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ فِي اثناء خِلَافَته وَكَانُوا قبل ذَلِك يدعونَ أَبَا بكر ﵁ فِي خِلَافَته بخليفة رَسُول الله صلى اله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ دعوا عمر بعده فِي أول خِلَافَته بخليفة خَليفَة رَسُول الله
وَاخْتلف فِي أصل تلقيبه بذلك فروى أَبُو جَعْفَر النّحاس فِي كِتَابه صناعَة الْكتاب بِسَنَدِهِ إِلَى أبي
стр. 28
وبرة أَن أَبَا بكر رضى الله عَنهُ كَانَ يجلد فِي الشَّرَاب أَرْبَعِينَ فَجئْت عمر ﵁ فَقلت ياأمير الْمُؤمنِينَ إِن خَالِدا بَعَثَنِي إِلَيْك قَالَ فيمَ قلت إِن النَّاس قد تخافوا الْعقُوبَة وانهمكوا فِي الْخمر فَمَا ترى فِي ذَلِك فَقَالَ عمر لمن حوله مَا ترَوْنَ فَقَالَ على نرى ياأمير الْمُؤمنِينَ ثَمَانِينَ جلدَة فَقبل ذَلِك عمر فَكَانَ أَبُو وبرة ثمَّ على بن أبي طَالب أول من لقبه بذلك وَذكر أَبُو هِلَال العسكري فِي كِتَابه الْأَوَائِل أَن أصل ذَلِك أَن عمر ﵁ بعث إِلَى عاملة بالعراق أَن يبْعَث إِلَيْهِ لبيد بن ربيعَة وعدي بن حَاتِم فَلَمَّا وصلا الْمَدِينَة دخلا الْمَسْجِد فوجدا عَمْرو بن الْعَاصِ فَقَالَا لَهُ اسْتَأْذن لنا على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهما عَمْرو أَنْتُمَا وَالله أصبْتُمَا اسْمه ثمَّ دخل (٩ ب) على عمر فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك ياأمير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ مَا بدا لَك يَابْنَ الْعَاصِ لتخْرجن من هَذَا القَوْل فَقص عَلَيْهِ الْقِصَّة فأقره على ذَلِك فَكَانَ ذَلِك أول تلقيبه بأمير الْمُؤمنِينَ
стр. 29
قلت وَلزِمَ هَذَا اللقب من ولي الْخلَافَة بعده إِلَى الأن خلا خلفاء بني أُميَّة بالأندلس فَإِنَّهُم كَانُوا يخاطبون بالإمارة فَقَط إِلَى أَن ولى مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالمقتول الْمُقدم ذكره فتلقب بأمير الْمُؤمنِينَ وَاسْتمرّ ذَلِك فيهم إِلَى حِين انقراضهم وملوك الحفصيين من بقايا الْمُوَحِّدين بإفريقية يخاطبون فِي بِلَادهمْ بأمير الْمُؤمنِينَ إِلَى الْآن وَترد كتبهمْ على مُلُوك الديار المصرية متضمنة لذَلِك
أما مُلُوك الغرب الْأَقْصَى الْآن من بني مرين فَإِنَّهُم يخاطبون بأمير الْمُسلمين جَريا على مَا اسْتَقر عَلَيْهِ أَمر تِلْكَ الْبِلَاد من التلقيب بذلك من حِين أحدث هَذَا اللقب أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين فِي دولة الملثمين من لمتونة من البربر
الْبَاب الأول
بعد الْمُقدمَة فِي وجوب الْإِمَامَة لمن يقوم بهَا وَبَيَان
стр. 30
شُرُوط الْإِمَامَة الَّتِي لَا تصح دونهَا والطرق الَّتِي تَنْعَقِد بهَا وَمَا يلْزم الْخَلِيفَة للرعبة وَمَا يلْزم الرّعية للخليفة وَمَا يَنْعَزِل بِهِ الْخَلِيفَة وَيخرج بِهِ عَن الْإِمَامَة وَفِيه سِتَّة فُصُول
الْفَصْل الأول
وَفِي وجوب عقد الْإِمَامَة لمن يقوم بهَا قَالَ المادوري وعقدها لمن يقوم وَاجِب بِالْإِجْمَاع وَإِن شَذَّ عَنهُ الْأَصَم يَعْنِي حَيْثُ لم يقل (١٠ أ) بِوُجُوب ذَلِك مُشِيرا بذلك إِلَى أَنه لَو ندر الْمُخَالف مَعَ كَثْرَة المجمعين لم تَنْقَطِع حجية الْإِجْمَاع كَمَا هُوَ الرَّاجِح فِي كتب أصُول الْفِقْه
وَقد اخْتلف فِي أصل وُجُوبهَا فَذهب قوم إِلَى أَن وُجُوبهَا ثَابت بِالْعقلِ لما فِي طباع الْعُقَلَاء من التَّسْلِيم لزعيم يمنعهُم من التظالم ويفصل بَينهم عِنْد التَّنَازُع وَلَوْلَا ذَلِك لكانوا فوضى مهملين وَقد قَالَ الأفوه
стр. 31
الأودي وَهُوَ شَاعِر جاهلي ... لَا يصلح النَّاس فوضى لَا سراة لَهُم ... وَلَا سراة إِذا جهالهم سادوا ...
وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا إِنَّمَا وَجَبت بِالشَّرْعِ وَلَا أثر لِلْعَقْلِ فِي ذَلِك لِأَن الإِمَام يقوم بِأُمُور شَرْعِيَّة كَانَ يجوز فِي الْعقل لَا يرد التَّعَبُّد بهَا فَلم يكن الْعقل مُوجبا لَهَا وَاحْتج لذَلِك بِأَنَّهُ لابد للْأمة من إِمَام يُقيم الدّين وينصر السّنة وينصف المظلومين من الظَّالِمين ويستوفي الْحُقُوق ويضعها موَاضعهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَلَا خلاف بَين أهل الْعلم أَنَّهَا فرض كِفَايَة كالجهاد وَنَحْوه إِذا قَامَ بهَا من هُوَ أهل لَهَا سقط فَرضهَا عَن كَافَّة النَّاس وَإِن لم يقم بهَا أحد أَثم من النَّاس فريقان أَحدهمَا أهل الْحل وَالْعقد حَتَّى يختاروا للْأمة إِمَامًا يقوم بأمرهم وَالثَّانِي أهل الْإِمَامَة حَتَّى ينْتَصب للْإِمَامَة أحدهم قَالَ وَلَا إِثْم وَلَا حرج على من عدا هذَيْن الْفَرِيقَيْنِ من من سَائِر
стр. 32
الْأمة فِي تَأْخِير إِقَامَة الإِمَام قَالَ النَّوَوِيّ فِي روضته فَإِن لم يكن من يصلح إِلَّا وَاحِد تعيّنت عَلَيْهِ وَلَزِمَه طلبَهَا إِن لم يبتدوه
الْفَصْل الثَّانِي
فِي شُرُوط الْإِمَامَة وَقد أعتبر أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة ﵃ (١٠ ب) لصِحَّة عقدهَا أَرْبَعَة عشر شرطا فِي الإِمَام
الأول الذُّكُورَة فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْمَرْأَة وَاحْتج لَهُ بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من حَدِيث أبي بكرَة رضى الله عَنهُ أَنه قَالَ نفعنى الله بِكَلِمَة سَمعتهَا من رَسُول الله ﷺ أَيَّام الْجمل بعد مَا كدت أَن ألحق بأصحاب الْجمل فأقاتل مَعَهم قَالَ لما بلغ رَسُول الله ﷺ أَن أهل فَارس ملكوا بنت كسْرَى قَالَ لن يفلح قوم وَلَو أَمرهم امْرَأَة زَاد التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فَلَمَّا قدمت عَائِشَة الْبَصْرَة ذكرت قَول رَسُول الله ﷺ فعصمني الله تَعَالَى بِهِ
стр. 33
وَالْمعْنَى فِي ذَلِك أَن الإِمَام لَا يَسْتَغْنِي عَن الإختلاط بِالرِّجَالِ والمشاورة مَعَهم فِي الْأُمُور وَالْمَرْأَة مَمْنُوعَة من ذَلِك وَلِأَن الْمَرْأَة نَاقِصَة فِي أَمر نَفسهَا حَتَّى لَا تملك النِّكَاح فَلَا تجْعَل إِلَيْهَا الْولَايَة على غَيرهَا
الثَّانِي الْبلُوغ فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الصبى لِأَنَّهُ مولى عَلَيْهِ وَالنَّظَر فِي أُمُوره إِلَى غَيره فَكيف يجوز أَن يكون نَاظرا فِي أُمُور الْأمة على أَنه رُبمَا أخل بالأمور قصدا لعلمه بِعَدَمِ التَّكْلِيف
الثَّالِث الْعقل فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة ذَاهِب الْعقل بجنون أَو غَيره لِأَن الْعقل آلَة التَّدْبِير فَإِذا فَاتَ الْعقل فَاتَ التَّدْبِير وَقد قسم الماوردى زَوَال الْعقل إِلَى مَالا يُرْجَى زَوَاله وَمَا يُرْجَى زَوَاله
فَأَما مَا لَا يُرْجَى زَوَاله كالجنون والخبل فَيمْنَع من عقد الْإِمَامَة سَوَاء كَانَ مطبقا لَا يتخلله إفاقة أَو تخلله إفاقة وَسَوَاء كَانَ زمن الْجُنُون أَكثر من زمن الْإِفَاقَة أَو زمن الْإِفَاقَة أَكثر من زمن الْجُنُون
стр. 34
وَأما مَا يُرْجَى زَوَاله كالإغماء فَلَا يمْنَع من انْعِقَاد الْإِمَامَة لِأَنَّهُ مرض قَلِيل اللّّبْث سريع الزَّوَال
الرَّابِع الْبَصَر فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْأَعْمَى لِأَنَّهُ إِذا منع عقد ولَايَة الْقَضَاء (١١ ب) وَجَوَاز الشَّهَادَة فَمَنعه صِحَة الْإِمَامَة أولى
أما عشَاء الْعين وَهُوَ أَن لَا يبصر مَعَه لَيْلًا فَإِنَّهُ لَا يمْنَع صِحَة عقدهَا لِأَنَّهُ مرض فِي زمَان الدعة يُرْجَى زَوَاله
وَأما ضعف الْبَصَر فقد قَالَ الماوردى إِنَّه إِن كَانَ يمْنَع مَعَه معرفَة الْأَشْخَاص إِذا رَآهَا فَإِنَّهُ يمْنَع من الإنعقاد وَإِن كَانَ لَا يمْنَع معرفَة الْأَشْخَاص عِنْد رؤيتها لم يمْنَع من الِانْعِقَاد
الْخَامِس السّمع فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْأَصَم وَهُوَ الَّذِي لَا يسمع الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ يتَعَذَّر عَلَيْهِ بذلك سَماع مصَالح الْمُسلمين وَلِأَن ذَلِك يمْنَع ولَايَة الْقَضَاء فَلِأَن يمْنَع ولَايَة الْإِمَامَة أولى
أما ثقل السّمع وَهُوَ الَّذِي يدْرك مَعَه الصَّوْت العالي فقد
стр. 35
قيل إِنَّه يمْنَع الْإِمَامَة وَقيل لَا يمْنَع
السَّادِس النُّطْق فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْأَخْرَس لما فِي ذَلِك من فَوَات مصَالح الْأمة بِعَدَمِ الْقُدْرَة على النُّطْق عِنْد الْخطاب وَاخْتلف فِي تمتمة اللِّسَان وَنَحْوهَا فَقيل يمْنَع انْعِقَاد الْإِمَامَة وَقيل لَا يمْنَع
السَّابِع سَلامَة الْأَعْضَاء من نقص يمْنَع اسْتِيفَاء الْحَرَكَة وَسُرْعَة النهوض فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة من ذهبت يَدَاهُ أَو رِجْلَاهُ لعجز عَمَّا يلْحقهُ من حُقُوق الْأمة
أما مَا يمْنَع بعض الْعَمَل أَو فقد بِهِ بعض النهوض كذهاب بعض الْيَدَيْنِ أَو إِحْدَى الرجلَيْن فَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ الماوردى وَصَححهُ الرافعى من أَئِمَّة أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة أَنه لَا تَنْعَقِد مَعَه الْإِمَامَة وَخَالف أَبُو سعد الْمُتَوَلِي من أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة فِي ذَلِك فَذهب إِلَى انْعِقَادهَا وَلَا أثر لما لَا يُؤثر فَقده من الإعضاء فِي رَأْي وَلَا عمل
стр. 36
وَلَا نهوض كَقطع الذّكر والأنثيين وَنَحْو ذَلِك
قلت وَقد رَأَيْت فِي مناهج الْفِكر ومباهج العبر أَن الْخصي إِن خصي قبل التسع حفظت عَلَيْهِ صِفَات الطفولية حَتَّى إِذا غضب بَكَى كالطفل إِذا غضب وَإِن خصي لما بعد ثَمَانِي عشرَة سنة حفظت عَلَيْهِ صِفَات الرجولية (١١ ب) وَإِن خصي لما بَين ذَلِك فَأَي الْأَمريْنِ كَانَ إِلَيْهِ أقرب فَهُوَ إِلَى طبعه أميل فَإِن صَحَّ ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يُرَاعِي مثله فِي قطع الذّكر والأنثيين
الثَّامِن الْحُرِّيَّة فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة من فِيهِ رق فِي الْجُمْلَة سَوَاء الْقِنّ والمبعض وَالْمكَاتب وَالْمُدبر وَالْمُعَلّق عتقه بِصفة لِأَن الرَّقِيق مَحْجُور للسَّيِّد فأموره تصدر عَن رَأْي غَيره فَكيف يسصلح لولاية أُمُور الْأمة
التَّاسِع الْإِسْلَام فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْكَافِر على أى أَنْوَاع الْكفْر أَصْلِيًّا كَانَ أَو مُرْتَدا لِأَن الْمَقْصُود من الإِمَام
стр. 37
مارعاة امور الْمُسلمين وَالْقِيَام بنصرة الدّين وَمن لَا يكون مُسلما لَا يُرَاعى مصلحَة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين
الْعَاشِر الْعَدَالَة فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْفَاسِق وَهُوَ المتابع لشهوته الْمُؤثر لهواه من ارْتِكَاب الْمَحْظُورَات والإقدام على الْمُنْكَرَات لِأَن المُرَاد من الإِمَام مُرَاعَاة النّظر للْمُسلمين وَالْفَاسِق لم ينظر فِي أَمر دينه فَكيف ينظر فِي مصلحَة غَيره
أما مَا يتَعَلَّق بالاعتقاد لعروض شُبْهَة ففى انْعِقَاد إِمَامَته مَعَه خلاف وَظَاهر كَلَام الماوردى أَنه لايمنع كَمَا لَا يمْنَع من ولَايَة الْقَضَاء وَقبُول الشَّهَادَة
الْحَادِي عشر الشجَاعَة والنجدة فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الجبان لِأَنَّهُ مُحْتَاج إِلَى الشجَاعَة ليتوصل بذلك إِلَى حماية الْبَيْضَة وَجِهَاد الْعَدو اللَّذين هما جلّ الْمَطْلُوب من نصيب الإِمَام لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى تجيهز الجيوش وَفتح الْبِلَاد والحصون وَقتل الْأَعْدَاء فَإِذا لم يكن شجاعا لم يسْتَطع ذَلِك
стр. 38
الثَّانِي عشر الْعلم الْمُؤَدى إِلَى الإجتهاد فِي النَّوَازِل وَالْأَحْكَام فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة غير الْعَالم بذلك لِأَنَّهُ مُحْتَاج لِأَن يصرف الْأُمُور على النهج القويم ويجريها على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَلِأَن يعلم الْحُدُود ويستوفى الْحُقُوق ويفصل (١٢ أ) الْخُصُومَات بَين النَّاس وَإِذا لم يكن عَالما مُجْتَهدا لم يقدر على ذَلِك
الثَّالِث عشر صِحَة الرأى والتدين فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة ضَعِيف الرأى لِأَن الْحَوَادِث الَّتِي تكون فِي دَار الأسلام ترفع إِلَيْهِ وَلَا يتَبَيَّن لَهُ طَرِيق الْمصلحَة إِلَّا إِذا كَانَ ذَا رأى صَحِيح وتدبير سَائِغ وناهيك أَن أَبَا الطّيب التنبي قد رجح الرأى على الشجَاعَة فِي شعره فَقَالَ ... الرأى قبل الشجَاعَة الشجعان ... هُوَ أول وهى الْمحل الثَّانِي
الرَّابِع عشر النّسَب فَلَا تَنْعَقِد الأمامة بِدُونِهِ وَالْمرَاد أَن يكون من قُرَيْش وهم بَنو النَّضر بن كنَانَة
стр. 39
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يزَال هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش مَا بقى مِنْهُم اثْنَان وَقد احْتج الصّديق رضى الله عَنهُ على الْأَنْصَار يَوْم السَّقِيفَة حِين اجْتَمعُوا على سعد بن عبَادَة وَقَالُوا منا أَمِير ومنكم أَمِير بقول النَّبِي ﷺ الْأَئِمَّة من قُرَيْش فَرَجَعُوا إِلَيْهِ فِي ذَلِك وأذعنوا لقَوْله وَقد ادّعى الماوردى الْإِجْمَاع على اعْتِبَار هَذَا الشَّرْط مَعَ وُرُود النَّص بِهِ ثمَّ قَالَ وَلَا عِبْرَة بضرار حِين شَذَّ فجوزها فِي جَمِيع النَّاس قَالَ الرَّافِعِيّ من أَئِمَّة أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة فَإِن لم يُوجد قرشى مستجمع للشروط فكنانى فَإِن لم يُوجد كنانى فَرجل من ولد إِسْمَاعِيل ﵇ فَإِن لم يكن فيهم رجل مستجمع للشرائط فَفِي تَهْذِيب البغوى أَنه يُولى رجل من الْعَجم وفى التَّتِمَّة للمتولى أَنه يُولى جرهمي
قلت وجرهم أصل الْعَرَب المسعربة الَّذين هم ولد
стр. 40
إِسْمَاعِيل ﵇ وهم الَّذين نزلُوا على إِسْمَاعِيل وَأمه بِمَكَّة حِين أنزلهما بهَا الْخَلِيل ﵇ فَنَشَأَ إِسْمَاعِيل بَينهم وَتعلم لغتهم وَتزَوج مِنْهُم وهم بَنو جرهم بن قحطان بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح ﵇ وَقد (١٢ ب) أوضحت الْكَلَام على ذَلِك مَبْسُوطا فِي كتابي نِهَايَة الأرب فِي معرفَة قبائل الْعَرَب
قَالَ الرَّافِعِيّ وَلَا يشْتَرط فِي الإِمَام كَونه هاشميا لِأَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان رضى الله عَنْهُم لَيْسُوا من بنى هَاشم وهم أصُول الْخلَافَة وأئمة الْإِسْلَام
الْفَصْل الثَّالِث
فِي بَيَان الطّرق الَّتِي تَنْعَقِد بهَا الْخلَافَة وَلها ثَلَاث طرق تترتب على كل طَرِيق مِنْهَا جملَة من الْأَحْكَام
الطَّرِيق الأول الْبيعَة وهى أَن يجْتَمع أهل ألحل وَالْعقد الْآتِي ذكرهم ويعقدون الأمامة لمن يستجمع شرائطها وياتي ذَلِك فِي مَوْضُوعَيْنِ
следующие страницы →