Полный текст (1 075 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَلَا نهوض كَقطع الذّكر والأنثيين وَنَحْو ذَلِك
قلت وَقد رَأَيْت فِي مناهج الْفِكر ومباهج العبر أَن الْخصي إِن خصي قبل التسع حفظت عَلَيْهِ صِفَات الطفولية حَتَّى إِذا غضب بَكَى كالطفل إِذا غضب وَإِن خصي لما بعد ثَمَانِي عشرَة سنة حفظت عَلَيْهِ صِفَات الرجولية (١١ ب) وَإِن خصي لما بَين ذَلِك فَأَي الْأَمريْنِ كَانَ إِلَيْهِ أقرب فَهُوَ إِلَى طبعه أميل فَإِن صَحَّ ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن يُرَاعِي مثله فِي قطع الذّكر والأنثيين
الثَّامِن الْحُرِّيَّة فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة من فِيهِ رق فِي الْجُمْلَة سَوَاء الْقِنّ والمبعض وَالْمكَاتب وَالْمُدبر وَالْمُعَلّق عتقه بِصفة لِأَن الرَّقِيق مَحْجُور للسَّيِّد فأموره تصدر عَن رَأْي غَيره فَكيف يسصلح لولاية أُمُور الْأمة
التَّاسِع الْإِسْلَام فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْكَافِر على أى أَنْوَاع الْكفْر أَصْلِيًّا كَانَ أَو مُرْتَدا لِأَن الْمَقْصُود من الإِمَام
стр. 37
مارعاة امور الْمُسلمين وَالْقِيَام بنصرة الدّين وَمن لَا يكون مُسلما لَا يُرَاعى مصلحَة الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين
الْعَاشِر الْعَدَالَة فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الْفَاسِق وَهُوَ المتابع لشهوته الْمُؤثر لهواه من ارْتِكَاب الْمَحْظُورَات والإقدام على الْمُنْكَرَات لِأَن المُرَاد من الإِمَام مُرَاعَاة النّظر للْمُسلمين وَالْفَاسِق لم ينظر فِي أَمر دينه فَكيف ينظر فِي مصلحَة غَيره
أما مَا يتَعَلَّق بالاعتقاد لعروض شُبْهَة ففى انْعِقَاد إِمَامَته مَعَه خلاف وَظَاهر كَلَام الماوردى أَنه لايمنع كَمَا لَا يمْنَع من ولَايَة الْقَضَاء وَقبُول الشَّهَادَة
الْحَادِي عشر الشجَاعَة والنجدة فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة الجبان لِأَنَّهُ مُحْتَاج إِلَى الشجَاعَة ليتوصل بذلك إِلَى حماية الْبَيْضَة وَجِهَاد الْعَدو اللَّذين هما جلّ الْمَطْلُوب من نصيب الإِمَام لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى تجيهز الجيوش وَفتح الْبِلَاد والحصون وَقتل الْأَعْدَاء فَإِذا لم يكن شجاعا لم يسْتَطع ذَلِك
стр. 38
الثَّانِي عشر الْعلم الْمُؤَدى إِلَى الإجتهاد فِي النَّوَازِل وَالْأَحْكَام فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة غير الْعَالم بذلك لِأَنَّهُ مُحْتَاج لِأَن يصرف الْأُمُور على النهج القويم ويجريها على الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَلِأَن يعلم الْحُدُود ويستوفى الْحُقُوق ويفصل (١٢ أ) الْخُصُومَات بَين النَّاس وَإِذا لم يكن عَالما مُجْتَهدا لم يقدر على ذَلِك
الثَّالِث عشر صِحَة الرأى والتدين فَلَا تَنْعَقِد إِمَامَة ضَعِيف الرأى لِأَن الْحَوَادِث الَّتِي تكون فِي دَار الأسلام ترفع إِلَيْهِ وَلَا يتَبَيَّن لَهُ طَرِيق الْمصلحَة إِلَّا إِذا كَانَ ذَا رأى صَحِيح وتدبير سَائِغ وناهيك أَن أَبَا الطّيب التنبي قد رجح الرأى على الشجَاعَة فِي شعره فَقَالَ ... الرأى قبل الشجَاعَة الشجعان ... هُوَ أول وهى الْمحل الثَّانِي
الرَّابِع عشر النّسَب فَلَا تَنْعَقِد الأمامة بِدُونِهِ وَالْمرَاد أَن يكون من قُرَيْش وهم بَنو النَّضر بن كنَانَة
стр. 39
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا يزَال هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش مَا بقى مِنْهُم اثْنَان وَقد احْتج الصّديق رضى الله عَنهُ على الْأَنْصَار يَوْم السَّقِيفَة حِين اجْتَمعُوا على سعد بن عبَادَة وَقَالُوا منا أَمِير ومنكم أَمِير بقول النَّبِي ﷺ الْأَئِمَّة من قُرَيْش فَرَجَعُوا إِلَيْهِ فِي ذَلِك وأذعنوا لقَوْله وَقد ادّعى الماوردى الْإِجْمَاع على اعْتِبَار هَذَا الشَّرْط مَعَ وُرُود النَّص بِهِ ثمَّ قَالَ وَلَا عِبْرَة بضرار حِين شَذَّ فجوزها فِي جَمِيع النَّاس قَالَ الرَّافِعِيّ من أَئِمَّة أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة فَإِن لم يُوجد قرشى مستجمع للشروط فكنانى فَإِن لم يُوجد كنانى فَرجل من ولد إِسْمَاعِيل ﵇ فَإِن لم يكن فيهم رجل مستجمع للشرائط فَفِي تَهْذِيب البغوى أَنه يُولى رجل من الْعَجم وفى التَّتِمَّة للمتولى أَنه يُولى جرهمي
قلت وجرهم أصل الْعَرَب المسعربة الَّذين هم ولد
стр. 40
إِسْمَاعِيل ﵇ وهم الَّذين نزلُوا على إِسْمَاعِيل وَأمه بِمَكَّة حِين أنزلهما بهَا الْخَلِيل ﵇ فَنَشَأَ إِسْمَاعِيل بَينهم وَتعلم لغتهم وَتزَوج مِنْهُم وهم بَنو جرهم بن قحطان بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح ﵇ وَقد (١٢ ب) أوضحت الْكَلَام على ذَلِك مَبْسُوطا فِي كتابي نِهَايَة الأرب فِي معرفَة قبائل الْعَرَب
قَالَ الرَّافِعِيّ وَلَا يشْتَرط فِي الإِمَام كَونه هاشميا لِأَن أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان رضى الله عَنْهُم لَيْسُوا من بنى هَاشم وهم أصُول الْخلَافَة وأئمة الْإِسْلَام
الْفَصْل الثَّالِث
فِي بَيَان الطّرق الَّتِي تَنْعَقِد بهَا الْخلَافَة وَلها ثَلَاث طرق تترتب على كل طَرِيق مِنْهَا جملَة من الْأَحْكَام
الطَّرِيق الأول الْبيعَة وهى أَن يجْتَمع أهل ألحل وَالْعقد الْآتِي ذكرهم ويعقدون الأمامة لمن يستجمع شرائطها وياتي ذَلِك فِي مَوْضُوعَيْنِ
стр. 41
أَحدهمَا أَن يَمُوت الْخَلِيفَة الَّذِي كَانَ منتصبا عَن غير عهد إِلَى أحد بعده
وَالثَّانِي أَن يخلع الْخَلِيفَة نَفسه من الْخلَافَة أَو يخلعه أهل الْحل وَالْعقد لموجب اقْتضى خلعه نَفسه أَو خلع أهل الْحل وَالْعقد لذَلِك حالتان
الْحَالة الأولى أَن يَتَعَدَّد من اجْتمع فِيهِ شُرُوط الْإِمَامَة فيختار أهل الْحل وَالْعقد وَاحِدًا مِنْهُم يقوم بِأَمْر الْإِمَامَة وينهض بأعبائها وعَلى ذَلِك كَانَت خلَافَة الصّديق رضى الله عَنهُ بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ وَذَلِكَ أَنه لما توفّي النَّبِي ﷺ اجْتمعت الْأَنْصَار إِلَى سعد بن عبَادَة فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة وَقَالُوا منا أَمِير ومنكم أَمِير فَذهب إِلَيْهِم أَبُو بكر وَعمر وَأَبُو عُبَيْدَة ابْن الْجراح فَذهب عمر يتَكَلَّم فأسكته أَبُو بكر وَكَانَ عمر يَقُول وَالله مَا أردْت إِلَّا أَنى هيأت كلَاما أعجبني خشيت أَن لَا يبلغهُ أَبُو بكر ثمَّ تكلم أَبُو بكر فَتكلم أبلغ النَّاس فَقَالَ فِي كَلَامه نَحن الْأُمَرَاء وَأَنْتُم الوزراء فَقَالَ (١٣ أ) حباب بن الْمُنْذر لَا وَالله لَا نففعل منا
стр. 42
أَمِير ومنكم أَمِير فَقَالَ أَبُو بكر لَا وَلَكنَّا الْأُمَرَاء وَأَنْتُم الوزراء فَبَايعُوا عمر أَو أَبَا عُبَيْدَة فَقَالَ عمر بل نُبَايِعك أَنْت فَأَنت سيدنَا وخيرنا وأحبنا إاى رَسُول الله ﷺ فَأخذ عمر بِيَدِهِ فَبَايعهُ وَبَايَعَهُ النَّاس أخرجه البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ
وَأعلم أَن لصِحَّة عقد الْبيعَة خَمْسَة شُرُوط
الأول أَن يجْتَمع فِي الْمَأْخُوذ لَهُ الْبيعَة شُرُوط الْإِمَامَة الْمُتَقَدّمَة الذّكر فَلَا تَنْعَقِد مَعَ فَوَات وَاحِد مِنْهَا إِلَّا مَعَ الشَّوْكَة والقهر على مَا سَيَأْتِي فَلَو جمع شُرُوط الْإِمَامَة اثْنَان فَأكْثر قَالَ الْمَاوَرْدِيّ اسْتحبَّ لأهل الْحل وَالْعقد أَن يعقدوها لأسنهما فَإِن عقودها للْآخر جَازَ فَإِن كَانَ أَحدهمَا أعلم وَالْآخر أَشْجَع روعي فِي الأختيار مَا يُوجِبهُ حكم الْوَقْت فَإِن دعت الْحَاجة إِلَى رِعَايَة الشجَاعَة كظهور الْبُغَاة وَأهل الْفساد كَانَ الأشجع أَحَق وَإِن دعت إِلَى زِيَادَة الْعلم كسكون الْفِتَن وَظُهُور الْبدع كَانَ الأعلم أَحَق وَلَو
стр. 43
تنَازع اثْنَان مستجمعان للأهلية فِي الأمامة فقد ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى الْعلمَاء إِلَى أَن ذَلِك يقْدَح فيهمَا جَمِيعًا حَتَّى يعدل عَنْهُمَا إِلَى غَيرهمَا وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن ذَلِك لَا يقْدَح لِأَن طلب الْخلَافَة لَيْسَ مَكْرُوها وَهل يقرع بَينهمَا عِنْد التَّسَاوِي أَو يقدم أهل الْحل وَالْعقد من شَاءُوا مِنْهُمَا فِيهِ خلاف
الثَّانِي أَن يكون المتولى لعقد الْبيعَة أهل الْحل وَالْعقد من الْعلمَاء والرؤساء وَسَائِر وُجُوه النَّاس وفيمن تَنْعَقِد بِهِ الْبيعَة مِنْهُم سَبْعَة مَذَاهِب
أَحدهمَا أَنَّهَا لَا تَنْعَقِد إِلَّا بِأَهْل الْحل وَالْعقد من كل بلد ليَكُون الرضى عَاما وَالتَّسْلِيم لإمامته إِجْمَاعًا قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَهَذَا مَذْهَب مَدْفُوع ببيعة أبي بكر ﵁ بِاخْتِيَار من حضرها (١٣ ب) من غير انْتِظَار قدوم غَائِب عَنْهَا
وَالثَّانِي أَن أقل من تَنْعَقِد بِهِ أَرْبَعُونَ لَا دونهم لِأَن عقد الْإِمَامَة فَوق عقد الْجُمُعَة وَلَا تَنْعَقِد بِأَقَلّ من أَرْبَعِينَ
стр. 44
وَالثَّالِث أقل من تَنْعَقِد بِهِ خَمْسَة يَجْتَمعُونَ على عقدهَا اَوْ يعقدها أحدهم برضى الْأَرْبَعَة لِأَن بيعَة أبي بكر ﵁ انْعَقَدت بِخَمْسَة وهم عمر بن الْخطاب وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح وَأسيد بن حضير وَبشير بن سعد وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة ثمَّ تَابعهمْ النَّاس على ذَلِك وَقد جعلهَا عمر ﵁ شُورَى فِي سِتَّة نفر تَنْعَقِد لأَحَدهم برضى الْخَمْسَة قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَهَذَا قَول اكثر الْفُقَهَاء والمتكلمين من أهل الْبَصْرَة
وَالرَّابِع تَنْعَقِد بأَرْبعَة لِأَن الشَّهَادَة فِي الزِّنَا تقوم بأَرْبعَة فَكَذَلِك الامامة
وَالْخَامِس تَنْعَقِد بِثَلَاثَة يتولاها أَحدهمَا برضى الِاثْنَيْنِ الآخرين ليكونا حَاكما وشاهدين كَمَا يَصح عقد بولِي وشاهدين
وَالسَّادِس تَنْعَقِد بِاثْنَيْنِ لِأَن رُتْبَة الْخلَافَة لَا تنقص عَن رُتْبَة الحكومات وَالْحَاكِم لَا يلْزم أحد الْخَصْمَيْنِ ٤٤
стр. 45
حق صَاحبه الا بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ لكذلك لَا يلْزم النَّاس الانقياد قَول الامام الا بعدلين
وَالسَّابِع تَنْعَقِد بِوَاحِد لما روى أَن الْعَبَّاس ﵁ قَالَ لعَلي كرم الله وَجهه امدد يدك أُبَايِعك فَيَقُول النَّاس عَم رَسُول الله ﷺ بَايع ابْن اخيه فَلَا يخْتَلف فِيهِ اثْنَان وَقد قيل ان بيعَة الصّديق ﵁ انْعَقَدت ببيعة عمر وَحده ولانه حكم وَحكم الواح نَافِذ
وَالثَّامِن وَهُوَ الْأَصَح عِنْد أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة ﵃ أَنَّهَا تَنْعَقِد بِمن تيَسّر حُضُوره وَقت الْمُبَايعَة فِي ذَلِك الْموضع من الْعلمَاء والرؤساء وَسَائِر وُجُوه النَّاس المتصفين بِصِفَات (١٤ أ) الشُّهُود حَتَّى لَو تعلق الْحل وَالْعقد بِوَاحِد مُطَاع كفى لِأَن الْأَمر اذا لم يكن صادرا عَن راي من لَهُ تقدم فِي الْوَضع وَقَول مَقْبُول لم تؤمن اثارة فتْنَة وَلَا الْتِفَات الى أهل الْبِلَاد النائية بل اذا بَلغهُمْ خبر الْبيعَة وَجب عَلَيْهِم الْمُوَافقَة والمتابعة وَقد شَرط فِي
стр. 46
الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة فِي أهل الْحل وَالْعقد أَن يجْتَمع فيهم ثَلَاث صِفَات وَهِي الْعَدَالَة وَالْعلم والرأي وَوَافَقَهُ على ذَلِك النَّوَوِيّ فِي روضته وَقَالَ الرَّافِعِيّ لَا بُد فيهم مُجْتَهد فان عقدت بِوَاحِد اعْتبر فِيهِ الِاجْتِهَاد وان عقدت بِأَكْثَرَ من وَاحِد اعْتبر ان يكون فيهم مُجْتَهد
الثَّالِث أَن يُجيب المبايع الى الْبيعَة حَتَّى لَو امْتنع لم تَنْعَقِد امامته وَلم يجْبر عَلَيْهَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة لَا ان يكون من لَا يصلح للامامة الا وَاحِد فَيجْبر بِلَا خلاف
الرَّابِع الاشهاد على الْمُبَايعَة فِيمَا اذا كَانَ الْعَاقِد وَاحِدًا اما اذا كَانَ الْعَاقِد لِلْبيعَةِ جمعا فانه لَا يشْتَرط الاشهاد
الْخَامِس أَن يتحد الْمَعْقُود لَهُ بِأَن لَا تعقد الْبيعَة لاكثر من وَاحِد احْتج لَهُ بِمَا رَوَاهُ مُسلم فِي
стр. 47
صَحِيحه من حَدِيث ابي سعيد ﵁ ان رَسُول الله ﷺ قَالَ اذا بُويِعَ لخليفتين فَاقْتُلُوا الآخر مِنْهُمَا وَفِي رِوَايَة لَهُ من حَدِيث عرْفجَة بن شُرَيْح قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من أَتَاكُم وأمركم جَمِيع على رجل وَاحِد يُرِيد ان يشق عصاكم اَوْ يفرق جماعتكم فَاقْتُلُوهُ
فَلَو عقدت الْبيعَة لاثْنَيْنِ مَعًا لم تَنْعَقِد لوَاحِد مِنْهُمَا فلوا كَانَا فِي اقليمين متباعدين فَفِيهِ وَجْهَان لاصحابنا الشَّافِعِيَّة أصَحهمَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُور بطلَان بيعتهما وَالثَّانِي مَا ذهب اليه ١٤ ب الاستاذ ابو اسحاق الاسفراييني وَاخْتَارَهُ امام الْحَرَمَيْنِ صِحَة بيعتهما جَمِيعًا لانه قد تَدْعُو الْحَاجة الى ذَلِك وعَلى ذَلِك كَانَت الْخلَافَة الاموية بالاندلس والخلافة الفاطمية بِبِلَاد الْمغرب والديار المصرية مَعَ قيام الْخلَافَة العباسية بالعراق وانسحابها على سَائِر الاقطار والبلدان وَنسبه الْمَاوَرْدِيّ فِي الاحكام ٤٧
стр. 48
٧ - السُّلْطَانِيَّة الى الشذوذ وان وَقع العقد لَهما على التَّرْتِيب فالاولى صَحِيحَة وَالثَّانيَِة بَاطِلَة وَلَو سبق احدهما وَتعين ثمَّ اشْتبهَ وقف الامر حَتَّى يظْهر فان طَالَتْ الْمدَّة وَلم يُمكن الِانْتِظَار فقد قَالَ الْمَاوَرْدِيّ انه تبطل البيعتان وتستأنف لاحدهما بيعَة جَدِيدَة وَفِي جَوَاز الْعُدُول الى غَيرهمَا خلاف قَالَ النوو الْأَصَح انه لَا يجوز
الْحَالة الثَّانِيَة ان يتحد من اجْتمع فِيهِ شُرُوط الامامة وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهَا اذا انْفَرد وَاحِد بِشُرُوط الامامة هَل تثبت امامته بِمُجَرَّد تفره بهَا من غير عقد بَيْعه على مذهبين
احدهما انْعِقَاد امامته بذلك وان لم يعقدها لَهُ اهل الْحل وَالْعقد لَان الْمَقْصُود من الِاخْتِيَار تَمْيِيز من يسْتَحق الْولَايَة وَقد تيمز هَذَا بِصفتِهِ وَهُوَ مَا نَقله الْمَاوَرْدِيّ عَن بعض عُلَمَاء الْعرَاق
وَالثَّانِي انها لَا تَنْعَقِد الا بِعقد اهل الْحل وَالْعقد لَان
стр. 49
الامامة عقد فَلَا يَصح الا بعاقد كَمَا لَو انْفَرد وَاحِد باستجماع شَرَائِط الْقَضَاء فَإِنَّهُ لَا يصير قَاضِيا حَتَّى يُولى وَهُوَ مَا عَلَيْهِ جُمْهُور الْفُقَهَاء وَعَلِيهِ اقْتصر الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ الْمُعْتَمد على ترجيحهما
الطَّرِيق الثَّانِي من الطّرق الَّتِي تَنْعَقِد بهَا الامامة الْعَهْد وَهُوَ ان يعْهَد الْخَلِيفَة المستقر الى غَيره مِمَّن استجمع شَرَائِط الْخلَافَة بالخلافة بعده فاذا مَاتَ العاهد ١٥ أانتقلت الْخلَافَة بعد مَوته الى الْمَعْهُود اليه وَلَا يحْتَاج مَعَ ذَلِك الى تَجْدِيد بيهة من اهل الْحل وَالْعقد وَلذَلِك حالتان
الْحَالة الاولى ان يتحد الْمَعْهُود اليه بِأَن يعْهَد بالخلافة بعهده الى وَاحِد فَقَط فَيجب الِاقْتِصَار عَلَيْهِ وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا رُوِيَ انه لما مرض ابو بكر الصّديق ﵁ مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ دَعَا عُثْمَان بن عَفَّان وَهُوَ يَوْمئِذٍ كَاتبه فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ مَا اكْتُبْ قَالَ اكْتُبْ هَذَا مَا عهد ابو بكر خَليفَة رَسُول الله اخر عَهده بالدنيا واول عَهده بالآخره اني اسْتخْلفت عَلَيْكُم ثمَّ رهقته عينه فَنَامَ فَكتب عمر بن الْخطاب ثمَّ اسْتَيْقَظَ
стр. 50
ابو بكر فَقَالَ هَل كتب شَيْئا قلت نعم كتبت عمر بن الْخطاب فَقَالَ اما انك لَو كتبت نَفسك لَكُنْت لَهَا اهلا وَلَكِن اكْتُبْ اسْتخْلفت عَلَيْكُم عمر بن الْخطاب فان بر وَعدل فَذَلِك ظَنِّي بِهِ وان بدل اَوْ غير فَلَا علم لي بِالْغَيْبِ وَالْخَيْر اردت بكم وَلكُل امرىء مَا اكْتسب من الاثم ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ ثمَّ دخل عَلَيْهِ عمر فَعرفهُ ذَلِك فَأبى ان يقبل فتهدده ابو بكر ﵁ وَقَالَ هاتوا سَيفي فَقبل ثمَّ خرج عمر من عِنْده فَدخل عَلَيْهِ طَلْحَة فَبكى ولامة على تَوليته عمر فانتهره ابو بكر وَقَالَ وَالله ان عمر لخير لكم وانتم شَرّ لَهُ اتيتني وَقد وكفت عَيْنك تُرِيدُ ان تصدني عَن ديني وتردني عَن رَأْيِي قُم لَا أَقَامَ الله رجلك
وَاعْلَم انه لَا بُد لصِحَّة الامامة بالعهد وَالْحَالة هَذِه من شرطين
أَحدهمَا ان يكون الْمَعْهُود اليه مستجمعا لشرائط الامامة
стр. 51
من وَقت الْعَهْد حَتَّى لَو كَانَ الْمَعْهُود اليه صَغِيرا اَوْ فَاسِقًا عِنْد الْعَهْد بَالغا عدلا عِنْد موت العاهد لم يصر بذلك الْعَهْد ١٥ ب اماما بل لَا بُد من مبايعة اهل الْحل وَالْعقد لَهُ بالخلافة كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَصوب الْجَزْم بِهِ وان توقف فِيهِ الرَّافِعِيّ
الثَّانِي ان يقبل الْمَعْهُود اليه الْعَهْد قَالَ الْمُتَوَلِي من اصحابنا فَلَو امْتنع الْمَعْهُود اليه من الْقبُول بُويِعَ غَيره وَكَأَنَّهُ لَا عهد
وَاخْتلف فِي وَقت قبُوله فَقيل بعد موت العاهد كَمَا يقبل الْوَصِيّ الْوَصِيَّة بعد موت الْمُوصي وَالأَصَح ان وقته مَا بَين عهد الْخَلِيفَة وَمَوته لتنتقل الامامة عَن العاهد الى الْمَعْهُود اليه مُسْتَقِرَّة بِالْقبُولِ فَلَو اراد ولي الْعَهْد ان يعْهَد بالخلافة الى اُحْدُ قبل موت الْخَلِيفَة العاهد لم يجز لَان الْخلَافَة لَا تَسْتَقِر الا بعد موت الْمُسْتَخْلف وَفِي معنى ذَلِك مَا لَو قَالَ جعلته ولي عهدي اذا افضت الْخلَافَة الي لانه فِي الْحَال لَيْسَ بخليفة فَلم يَصح عَهده فَلَو عهد لاثْنَيْنِ فان كَانَ الْعَهْد قد وَقع لَهما مَعًا فَهُوَ بَاطِل وان وَقع التَّرْتِيب فَالْحق
стр. 52
للأسبق كَمَا تقدم فِي الْبيعَة
قلت وَلَو قيل بِاعْتِبَار الاشهاد على الْعَهْد لَكَانَ لَهُ وَجه وَقد اشْهَدْ الْمَأْمُون على عَهده لعَلي الرضى على مَا ستقف عَلَيْهِ فِي نُسْخَة عَهده فِي الْكَلَام على عهود الْخُلَفَاء فِيمَا بعد ان شَاءَ الله تَعَالَى
ثمَّ اعْلَم ان الْمَعْهُود اليهم على ثَلَاثَة اضْرِب
الضَّرْب الاول ان يكون الْمَعْهُود اليه ولدا اَوْ والدا وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز انْفِرَاده بالعهد لوَلَده اَوْ وَالِده على ثَلَاثَة مَذَاهِب
احدها انه لَيْسَ لَهُ الِانْفِرَاد بذلك لوَاحِد مِنْهُمَا بل لَا بُد ان يُوَافقهُ اهل الْحل وَالْعقد على صَلَاحِية الْمَعْهُود اليه لذَلِك لَان ذَلِك مِنْهُ بِمَثَابَة التَّزْكِيَة ليجري مجْرى الشَّهَادَة وتقليده على الامة مجْرى الحكم وَهُوَ لَا يجوز ان يحكم لوالد وَلَا ولد
وَالثَّانِي لَهُ الِانْفِرَاد ١٦ أبذلك لكل وَاحِد مِنْهُمَا لانه امير الامة نَافِذ الامر لَهُم وَعَلَيْهِم فغلب حكم ٥٢
стр. 53
المنصب على حكم النّسَب وَلم يَجْعَل للتُّهمَةِ عَلَيْهِ فِي ذَلِك طَرِيقا
وَالثَّالِث ان لَهُ الِانْفِرَاد بذلك للوالد دون الْوَلَد لَان الطَّبْع الى الْوَلَد اميل مِنْهُ الى الْوَالِد وَلذَلِك كَانَ مَا يقتنيه فِي الاغلب مذخورا لوَلَده دون وَالِده
الضَّرْب الثَّانِي ان يكون الْمَعْهُود اليه لَيْسَ بِولد وَلَا وَالِد بِأَن يكون اخا اَوْ بن اخ اَوْ عَمَّا اَوْ ابْن عَم اَوْ اجنبيا فَيجوز الْعَهْد بالخلافة اليه من غير استشارة اُحْدُ من اهل الْحل وَالْعقد فِي ذَلِك وَاخْتلف فِي انه هَل يشْتَرط فِي لُزُوم ذَلِك للْأمة ظُهُور الرضى مِنْهُم بذلك ام لَا على مذهبين
احدهما الِاشْتِرَاط لَان الامامة حق يتَعَلَّق بالامة فَلم تلزمهم الا برضى اهل الْحل وَالْعقد مِنْهُم
وَالثَّانِي وَهُوَ الاصح عدم الِاشْتِرَاط لَان الامام احق بهَا فَكَانَ اخْتِيَاره فِيهَا امضى وانفذ وَلذَلِك لم يتَوَقَّف عهد الصّديق لعمر ﵄ على رَضِي بَقِيَّة الصَّحَابَة
стр. 54
الضَّرْب الثَّالِث ان يكون الْمَعْهُود اليه غَائِبا وَيخْتَلف الْحَال فِيهِ فان كَانَ مَجْهُول الْحَيَاة لم يَصح الْعَهْد اليه وان كَانَ مَعْلُوم الْحَيَاة صَحَّ وَكَانَ مَوْقُوفا على قدومه فان مَاتَ العاهد وَولي الْعَهْد على غيبته استقدمه اهل الْحل وَالْعقد فان طَالَتْ غيبته وَتَأَخر الْمُسلمُونَ بِتَأْخِير النّظر فِي امورهم استناب اهل الْحل وَالْعقد عَنهُ نَائِبا يبايعونه بالنيابة دون الْخلَافَة ويمضي امْرَهْ فِيمَا يمْضِي فِيهِ امْر الْخَلِيفَة ان لَو كَانَ حَاضرا فاذا قدم الْخَلِيفَة الْغَائِب انْعَزل الْمُسْتَخْلف وَكَانَ نظره بعد قدومه مردودا
الْحَالة الثَّانِيَة ان يَتَعَدَّد ١٦ ب الْمَعْهُود اليه بِأَن يكون اثْنَيْنِ فَأكْثر من اهل الامامة وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ
الضَّرْب الاول ان يَجْعَلهَا الْخَلِيفَة شُورَى بَينهم لم يقدم فِيهَا احدا مِنْهُم على الآخر فيختار اهل الْحل وَالْعقد بعد موت العاهد وَاحِدًا من الْمَعْهُود اليهم اَوْ يخرج الْجَمِيع انفسهم من الْعَهْد ويقى وَاحِد مِنْهُم والاصل فِي ذَلِك مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من رِوَايَة عَمْرو بن مَيْمُون
стр. 55
الأودى أَنه لما طعن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ قيل لَهُ أوص يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اسْتخْلف قَالَ مَا أرى أحدا أَحَق بِهَذَا الْأَمر من هَؤُلَاءِ الرَّهْط الَّذين توفى رَسُول الله صلى اله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ عَنْهُم رَاض فعد عليا وَعُثْمَان وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وسعدا وَعبد الرَّحْمَن وَأَنه لما قبض وَفرغ من دَفنه اجْتمع هَؤُلَاءِ الرَّهْط فَقَالَ عبد لرحمن بن عَوْف اجعلوا أَمركُم إِلَى ثَلَاثَة مِنْكُم فَقَالَ الزبير قد جعلت أمرى إِلَى على وَقَالَ طَلْحَة قد جعلت أمرى إِلَى عُثْمَان وَقَالَ سعد قد جعلت أمرى إِلَى عبد الرَّحْمَن فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أيكما تَبرأ من هَذَا الْأَمر فنجعله إِلَيْهِ وَالله عَلَيْهِ وَالْإِسْلَام لينظرن أفضلهم فِي نَفسه فأسكت الشَّيْخَانِ فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أفتجعلونه إِلَى وَالله على أَن لَا آلو عَن أفضلكم قَالَا نعم فَأخذ بيد أَحدهمَا وَقَالَ لَك من قرَابَة رَسُول الله ﷺ والقدم فِي الْإِسْلَام مَا قد علمت وَالله عَلَيْك لَئِن أَمرتك لتعدلن وَلَئِن أمرت عُثْمَان لتسمعن وتطيعن ثمَّ
стр. 56
خلا بِالْآخرِ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك فَلَمَّا أَخذ الْمِيثَاق قَالَ ارْفَعْ يدك يَا عُثْمَان فَبَايعهُ وَبَايع لَهُ على وولج أهل الدَّار فَبَايعُوهُ
وَاعْلَم أَنه إِذا عهد لاثْنَيْنِ فَأكْثر لم يجز لأهل الْحل وَالْعقد (١٧ أ) أَن يختاروا وَاحِدًا مِنْهُم فِي حَيَاته إِلَّا بِإِذْنِهِ لِأَنَّهُ بِالْإِمَامَةِ أَحَق فامتنعت مشاركته فِيهَا مَا دَامَ رَأْيه صَحِيحا وَلَو مَاتَ لم يجز لأهل الْحل وَالْعقد أَن يختاروا وَاحِدًا غَيرهم بل لَو نَص على أهل الإختيار لم يَصح الإختيار من غير من نَص عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك من حُقُوق خِلَافَته وَإِذا تعيّنت الْخلَافَة بالإختيار فِي أحد الْمَعْهُود إِلَيْهِم جَازَ لَهُ أَن يعْهَد بهَا إِلَى غَيره
الضَّرْب الثَّانِي أَن يعْهَد إِلَى اثْنَيْنِ فَأكْثر ويرتب الْخلَافَة فيهم بِأَن يَقُول الْخَلِيفَة بعدى فلَان فَإِذا مَاتَ فالخليفة بعده فلَان فتنتقل الْخلَافَة بعده على التَّرْتِيب الذى رتبه احْتج لذَلِك بِمَا ثَبت فِي صَحِيح البخارى من رِوَايَة ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ أَمر على جَيش مُؤْتَة زيد بن حَارِثَة وَقَالَ إِن قتل فجعفر بن
стр. 57
أبي طَالب فَإِن قتل فعبد الله بن رَوَاحَة وَفِي رِوَايَة فَإِن قتل فليرتض الْمُسلمُونَ رجلا فَتقدم زيد فَقتل فَأخذ الرَّايَة جَعْفَر وَتقدم فَقتل فَأخذ الرايه الله بن رَوَاحَة وَتقدم فَقتل فَاخْتَارَ الْمُسلمُونَ بعده خَالِد بن الْوَلِيد
قَالَ الماوردى وَإِذا فعل النَّبِي ﷺ ذَلِك فِي الْإِمَارَة جَازَ مثله فِي الْخلَافَة قَالَ وَقد عمل بذلك فِي الدولتين من لم يُنكر عَلَيْهِ أحد من عُلَمَاء الْعَصْر وَقد عهد سُلَيْمَان بن عبد الْملك إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز بعده ثمَّ إِلَى يزِيد بن عبد الْملك قَالَ وَفعل سُلَيْمَان وَإِن لم يكن حجَّة فإقرار من عاصره من النَّاس وَمن لَا يَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم هُوَ الْحجَّة وَكَذَلِكَ رتبها الرشيد فِي ثَلَاثَة من بنيه فِي الْأمين ثمَّ المامون ثمَّ المؤتمن على كَثْرَة من عاصره من فضلاء الْعلمَاء
إِذا علمت ذَلِك فَلَا نزاع فِي أَن الْخَلِيفَة العاهد بَاقٍ على خِلَافَته مَا دَامَ حَيا (١٧ ب) أما بعد مَوته فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال
стр. 58
الْحَال الأول أَن يَمُوت الأول من الْمَعْهُود إِلَيْهِم فِي حَيَاة العاهد فَتكون الْخلَافَة بعده للثَّانِي مِنْهُم
الْحَال الثَّانِي أَن يَمُوت الأول وَالثَّانِي من الْمَعْهُود إِلَيْهِم فِي حَيَاة العاهد فَتكون الْخلَافَة بعدهمَا للثَّالِث
الْحَال الثَّالِث أَن يَمُوت العاهد وَالثَّلَاثَة الْمَعْهُود إِلَيْهِم أَحيَاء فالخلافة بعد مَوته للْأولِ مِنْهُم فَلَو أَرَادَ الأول الَّذِي أفضت الْخلَافَة إِلَيْهِ أَن يعْهَد بهَا إِلَى غير الأنثنين الباقيين من الْمَعْهُود إِلَيْهِم مِمَّن يختاره لَهَا فَفِيهِ مذهبان للْعُلَمَاء
أَحدهمَا أَنه لَا يجوز لَهُ ذَلِك إِلَّا أَن يسْتَنْزل عَنْهَا مستحقها من الْمَعْهُود إِلَيْهِم طَوْعًا حملا على حكم التَّرْتِيب السَّابِق فقد عهد السفاح إِلَى أَخِيه الْمَنْصُور وَجعل الْعَهْد بعده لعيسى بن مُوسَى فَأَرَادَ الْمَنْصُور تَقْدِيم ابْنه الْمهْدي على عِيسَى فاستنزله عَن الْعَهْد لحقه فِيهِ وفقهاء الْعَصْر حِينَئِذٍ على توفير وَكَثْرَة لم يرَوا لَهُ فسحة فِي صرفه عَن ولَايَة الْعَهْد قهرا
стр. 59
قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَظَاهر الشَّافِعِي وَعَلِيهِ جُمْهُور الْفُقَهَاء أَنه يجوز أَن يعْهَد بهَا إِلَى من يَشَاء ويصرفها عَمَّن كَانَ مَعَه مُرَتبا فِي الْعَهْد لِأَنَّهُ قد صَار بإفضائها إِلَيْهِ عَام الْولَايَة نَافِذ الْأَمر فَكَانَ حَقه فِيهَا أقوى وَإِنَّمَا استطاب الْمَنْصُور نفس عِيسَى تألفا لأَهله لِأَنَّهُ كَانَ فِي صدر الدولة فعل ذَلِك سياسة وَإِن كَانَ الحكم فِي نفس الْأَمر سائغا
الطَّرِيق الثَّالِث من الطّرق الَّتِي تَنْعَقِد بهَا الْإِمَامَة الْقَهْر والاستيلاء فَإِذا مَاتَ الْخَلِيفَة فتصدى للْإِمَامَة من جمع شرائطها من غير عهد إِلَيْهِ من الْخَلِيفَة الْمُتَقَدّم وَلَا بيعَة من أهل الْحل وَالْعقد انْعَقَدت إِمَامَته لينتظم شَمل الْأمة وتتفق (١٨ أ) كلمتهم وَإِن لم يكن جَامعا لشرائط الْخلَافَة بِأَن كَانَ فَاسِقًا أَو جَاهِلا فَوَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّة أصَحهمَا انْعِقَاد إِمَامَته أَيْضا لأَنا لَو قُلْنَا لَا تَنْعَقِد إِمَامَته لم تَنْعَقِد أَحْكَامه وَيلْزم من ذَلِك الْإِضْرَار بِالنَّاسِ من حَيْثُ إِن من يَلِي بعده يحْتَاج أَن يُقيم الْحُدُود ثَانِيًا ويستوف الزَّكَاة ثَانِيًا وَيَأْخُذ الْجِزْيَة ثَانِيًا
стр. 60
وَالثَّانِي لَا تَنْعَقِد إِمَامَته لِأَنَّهُ لَا تَنْعَقِد لَهُ الْإِمَامَة بالبيعة إِلَّا باستكمال الشُّرُوط فَكَذَا بالقهر
الْفَصْل الرَّابِع
فِيمَا يلْزم الْخَلِيفَة للرعية
وَقد ذكر الْمَاوَرْدِيّ أَنه يلْزمه لَهُم عشرَة أَشْيَاء
أَحدهَا حفظ الدّين على أُصُوله المستقرة وَمَا أجمع عَلَيْهِ سلف الْأمة فَإِن ظهر مُبْتَدع أَو زاغ ذُو شُبْهَة أوضح لَهُ الْحجَّة وَبَين لَهُ الصَّوَاب وكفه عَن ذَلِك بِمَا يسْتَحقّهُ من الزّجر ليَكُون الدّين محروسا وَحَال الْأمة فِيهِ مضبوطا
الثَّانِي حماية بَيْضَة الْإِسْلَام والذب عَن الْحرم ليتصرف النَّاس فِي مَعَايشهمْ وينتشروا فِي أسفارهم آمِنين على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ
الثَّالِث تحصين الثغور بِالْعدَدِ ووفور الْعدَد حَتَّى لَا يظفر الْعَدو بغرة فينتهك فِيهَا محرما أَو يسفك فِيهَا دم مُسلم أَو معاهد
стр. 61
الرَّابِع جِهَاد الْكَفَرَة المعاندين لِلْإِسْلَامِ حَتَّى يسلمُوا أَو يدخلُوا فِي ذمَّة الْمُسلمين قيَاما بِحَق الله تَعَالَى فِي ظُهُور دينه على الدّين كُله
الْخَامِس تَنْفِيذ الْأَحْكَام وَقطع الْخُصُومَات حَتَّى لَا يتَعَدَّى ظَالِم وَلَا يضعف مظلوم
السَّادِس إِقَامَة الْحُدُود (١٨ ب) لتتوقى الْمَحَارِم وتصان الْأَنْفس وَالْأَمْوَال
السَّابِع اخْتِيَار الْأُمَنَاء والأكفاء وتقليد الولايات للثقات النصحاء لتنضبط الْأَعْمَال بالكفاة وَتحفظ الْأَمْوَال بالأمناء
الثَّامِن جباية أَمْوَال الفىء وَالصَّدقَات وَالْخَرَاج على مَا أوجبه الشَّرْع نصا أَو اجْتِهَادًا من غير حيف وَلَا عسف
التَّاسِع تَقْدِير الْعَطاء وَمَا يسْتَحقّهُ كل وَاحِد فِي بَيت المَال من غير سرف وَلَا تقتير وَدفعه إِلَيْهِم فِي وَقت مَعْلُوم لَا تَأْخِير فِيهِ وَلَا تَقْدِيم
الْعَاشِر مشارفة الْأُمُور العامه بِنَفسِهِ غير مُعْتَمد على
стр. 62
ولاته وعماله فقد يخون الْأمين ويغش الناصح وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة ابْن عمر ﵄ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول
كلكُمْ رَاع وكلكم مسئول عَن رَعيته فالإمام رَاع وَمَسْئُول عَن رَعيته وَالرجل رَاع وَمَسْئُول عَن رَعيته وَالْمَرْأَة فِي بَيت زَوجهَا راعية ومسئولة عَن رعيتها وَالْخَادِم فِي مَال سَيّده رَاع وَهُوَ مسئول عَن رَعيته قَالَ فَسمِعت هَذَا من رَسُول الله ﷺ وَأَحْسبهُ قَالَ وَالرجل فِي مَال أَبِيه رَاع وَمَسْئُول عَن رَعيته فكلكم رَاع وكلكم مسئول عَن رَعيته
وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَمْرو بن مرّة الْجُهَنِيّ قَالَ لمعاوية سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول
مَا من إِمَام يغلق بَابه دون ذَوي الْحَاجَات والمسكنة إِلَّا أغلق الله أَبْوَاب السَّمَاء دون خلته وَحَاجته ومسكنته
فَجعل
стр. 63
مُعَاوِيَة رجلا على مصَالح النَّاس وَللَّه مُحَمَّد بن يزْدَاد وَزِير الْمَأْمُون حَيْثُ يَقُول مُخَاطبا لَهُ
... من كَانَ حارس دنيا إِنَّه قمن ... أَن لَا ينَام وكل النَّاس نوام
(١٩ أ) وَكَيف ترقد عينا من تضيفه ... همان من أمره نقض وإبرام ...
الْفَصْل الْخَامِس
فِيمَا يلْزم الرّعية للخليفة وَهُوَ أَمْرَانِ
الأول الطَّاعَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ فَأمر بِطَاعَة أولى الْأَمر وهم وُلَاة الْأُمُور على مَا ذهب إِلَيْهِ كثير من الْمُفَسّرين والأمام هُوَ أعظم وُلَاة الْأُمُور لعُمُوم ولَايَته فَهُوَ أَحَق بِالطَّاعَةِ وأجدر بالانقياد لأوامره ونواهيه مالم يُخَالف
стр. 64
أَمر الشَّرْع سَوَاء كَانَ عادلا أَو جائرا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من رِوَايَة ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
على الْمَرْء الْمُسلم السّمع وَالطَّاعَة فِيمَا أحب أَو كره إِلَّا أَن يُؤمر بِمَعْصِيَة فَلَا سمع وَلَا طَاعَة
وَفِي صَحِيح مُسلم من رِوَايَة وَائِل بن حجر قَالَ سَأَلَ سَلمَة بن يزِيد الْجعْفِيّ رَسُول الله ﷺ قَالَ يَا نبى الله أَرَأَيْت إِن قَامَت علينا أُمَرَاء يسألونا حَقهم ويمنعونا حَقنا فَمَا تَأْمُرنَا فَأَعْرض عَنهُ ثمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرض عَنهُ ثمَّ سَأَلَهُ الثَّانِيَة أَو فِي الثَّالِثَة فَجَذَبَهُ الْأَشْعَث بن قيس وَقَالَ اسمعوا وَأَطيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِم مَا حملُوا وَعَلَيْكُم مَا حملتم
الثَّانِي المعاضدة والمناصرة فِي أُمُور الدّين وَجِهَاد الْعَدو قَالَ تَعَالَى ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى﴾ وَلَا أَعلَى من معاونة الْأَمَام على إِقَامَة الدّين ونصرته وَفِي صَحِيح
стр. 65
مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
من خرج من الطَّاعَة أَو فَارق الْجَمَاعَة مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة وَمن قَاتل تَحت راية عمية يغْضب بعصبية أَو ينصر عصبية فَقتل (١٩ ب) فقتلة جَاهِلِيَّة
فذم الْخَارِج تَحت راية عمية والداعى إِلَى العصبية وَهُوَ مُسْتَلْزم لنصرة الدّين دون النُّصْرَة عَلَيْهِ
الْفَصْل السَّادِس
فِيمَا يَنْعَزِل بِهِ الْخَلِيفَة من الْخلَافَة أَو ولى الْعَهْد من ولَايَة عَهده وَفِيه مهيعان
المهيع الأول فِيمَا يَنْعَزِل بِهِ الْخَلِيفَة وَهُوَ على خَمْسَة أضْرب
الضَّرْب الأول الْخلْع وَله حالتان
стр. 66
الْحَالة الأولى أَن يخلع الْخَلِيفَة نَفسه من الْخلَافَة لعجز من الْقيام بِأُمُور النَّاس من هرم أَو مرض وَنَحْوهمَا فَإِذا خلع نَفسه لذَلِك انخلع لِأَن الْعَزْل إِذا تحقق وَجب زَوَاله ولَايَته لفَوَات الْمَقْصُود مِنْهُمَا
أما إِذا عزل نَفسه لغير عجز وَلَا ضعف بل آثر التّرْك طلبا للتَّخْفِيف حَتَّى لَا تكْثر أشغاله فِي الدُّنْيَا ويتسع حسابه فِي الْآخِرَة فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّة وَجْهَان فِي التَّتِمَّة
أَحدهمَا الانعزال لِأَنَّهُ كَمَا لم تلْزم الْإِجَابَة إِلَى الْمُبَايعَة لَا يلْزمه الثَّبَات
وَالثَّانِي لَا يَنْعَزِل لِأَن الصّديق رضى الله عَنهُ قَالَ أقيلونى وَلَو كَانَ عزل نَفسه مؤثرا لما طلب الْإِقَالَة وَلَو عهد الْخَلِيفَة الْعَاجِز عَن الْقيام بِأُمُور الْخلَافَة لمَرض أَو هرم إِلَى غَيره قبل عزل نَفسه صَحَّ عَهده إِلَيْهِ وانعقدت ولَايَة الْمَعْهُود إِلَيْهِ وَلَو مضى على مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْعَجز فَلم يعْزل نَفسه وَلم يعْهَد إِلَى غَيره بَايع أهل الْحل وَالْعقد غَيره ليقوم بِأُمُور الْمُسلمين
стр. 67
وَلَو عزل نَفسه من غير عذر من عجز أَو طلب تَخْفيف فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أَصَحهَا أَنه لَا يَنْعَزِل لِأَن الْحق فِي ذَلِك للْمُسلمين لَا لَهُ
وَالثَّانِي يَنْعَزِل لِأَن إِلْزَامه الِاسْتِمْرَار قد يضر بِهِ فِي آخرته ودنياه
وَالثَّالِث (٢٠ أ) إِن لم يول غَيره أَو ولى من هُوَ دونه لم يَنْعَزِل وَإِن ولى مثله أَو أفضل مِنْهُ ففى الانعزال وَجْهَان
الْحَالة الثَّانِيَة أَن يخلعه أهل الْحل وَالْعقد
قَالَ المتولى إِن كَانَ قد حدث فِي حَاله خلل فَلهم عَزله وَإِن كَانَ مُسْتَقِيم الْحَال فَلَيْسَ لَهُم ذَلِك لأَنا لَو جَوَّزنَا ذَلِك لَأَدَّى إِلَى الْفساد لِأَن الْآدَمِيّ ذُو بدرات فَلَا بُد من تغير الْأَحْوَال فِي كل وَقت فيعزلون وَاحِدًا وَيُوَلُّونَ آخر وَفِي كَثْرَة الْعَزْل وَالتَّوْلِيَة زَوَال الهيبة وفوات الْغَرَض من انتظام الْأَمر
الضَّرْب الثَّانِي زَوَال الْعقل فينعزل بالجنون المطبق
стр. 68
وَهُوَ الدَّائِم الَّذِي لَا يَنْفَكّ لِأَن الْجُنُون يَمْتَد فِي الْعَادة فَلَو لم ينصبوا إِمَامًا آخر لأدي ذَلِك إِلَى اختلال الْأُمُور وَلِأَن الْمَجْنُون يجب ثُبُوت الْولَايَة عَلَيْهِ فَكيف يكون وليا لكافة الْأمة
قَالَ النَّوَوِيّ فَلَو جن فَبَايعُوا غَيره ثمَّ أَفَاق لم تعد ولَايَته بل يبْقى الثَّانِي على ولَايَته لِأَن مبايعته صَحِيحَة فَلَا يجوز أَن يبطل بِأَمْر يحدث فِي غَيره وَلَو اسْتخْلف خَليفَة ثمَّ جن بعد استخلافه انْتَقَلت الْخلَافَة إِلَى خَلِيفَته لِأَنَّهُ إِذا اسْتخْلف ثمَّ مَاتَ انْتَقَلت من الْمَيِّت فَفِي الْجُنُون أولى وَلَو أَفَاق بعد ذَلِك لم يَنْعَزِل خَليفَة وَلم يعد هُوَ إِلَى الْخلَافَة لِأَنَّهُ لَو جن ثمَّ أَفَاق لم تعد الْإِمَامَة إِلَيْهِ إِلَّا بمبايعة ثَانِيَة
الضَّرْب الثَّالِث ذهَاب الْحَواس المؤثرة فِي الرَّأْي أَو الْعَمَل وَيتَعَلَّق الْأَمر من ذَلِك بِثَلَاث نقائص
الأولى الْعَمى فَإِذا طَرَأَ على الْأَمَام أبطل إِمَامَته كَمَا تبطل بِهِ ولَايَة الْقَضَاء وَترد بِهِ الشَّهَادَة أما ضعف الْبَصَر
стр. 69
فَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ إِن كَانَ يعرف مَعَه الْأَشْخَاص الَّتِي يَرَاهَا لم تبطل إِمَامَته وَإِن لم يعرف مَعَه الْأَشْخَاص بطلت إِمَامَته وَاعْلَم أَنه قد تقدم عَن الْمَاوَرْدِيّ (٢٠ ب) أَن العشا وَهُوَ عدم الإبصار لَيْلًا لَا يقْدَح فِي ولَايَة الْإِمَارَة ابْتِدَاء فَلِأَن لَا يقْدَح فِي استدامتها أولى
الثَّانِي الصمم وَفِي إنعزاله بطروئه عَلَيْهِ ثَلَاثَة مَذَاهِب حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيّ أَصَحهَا وَعَلِيهِ اقْتصر الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ أَنه يَنْعَزِل بذلك كَمَا يَنْعَزِل بالعمى لتأثيره فِي التَّدْبِير وَالْعَمَل
وَالثَّانِي لَا يَنْعَزِل لقِيَام الْإِشَارَة مقَام السّمع وَالْخُرُوج من الْإِمَامَة لَا يكون إِلَّا بِنَقص كَامِل
الثَّالِث إِن كَانَ يحسن الْكِتَابَة لم يَنْعَزِل وَإِن كَانَ لَا يحسنها انْعَزل لِأَن الْكِتَابَة مفهومة وَالْإِشَارَة موهومة
أما ثقل السّمع وَهُوَ الَّذِي يدْرك مَعَه الصَّوْت العالي وَدون
стр. 70
غَيره فَإِنَّهُ لَا يَنْعَزِل بِهِ
الثَّالِث الخرس حكمه حكم الصمم الْمُتَقَدّم الذّكر فِي إِجْرَاء الْخلاف فِيهِ وَكَون الْأَصَح الأنعزال
أما مَا لَا يُؤثر ذَهَابه فِي الرَّأْي وَالْعَمَل كالخشم فِي الْأنف الَّذِي يمْنَع إِدْرَاك الروائح وفقد الذَّوْق الَّذِي يعرف بِهِ الطعوم فَإِنَّهُمَا لَا يوجبان الْعَزْل بِلَا خلاف كَذَلِك لَا يَنْعَزِل بتمتمة اللِّسَان وَنَحْوهَا
الضَّرْب الرَّابِع فقد الْأَعْضَاء المخل فقدها بِالْعَمَلِ أَو النهوض كذهاب الْيَدَيْنِ أَو الرجلَيْن فَإِذا طَرَأَ عَلَيْهِ شىء من ذَلِك انْعَزل من الْإِمَامَة لعَجزه عَن كَمَال الْقيام بِحُقُوق الْأمة
أما مَا يُؤثر فِي بعض الْعَمَل أَو النهوض دون بعض كذهاب إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَو إِحْدَى الرجلَيْن فَفِيهِ وَجْهَان
أصَحهمَا أَنه لَا يُؤثر وَإِن كَانَ ذَلِك يمْنَع عقد الْإِمَامَة ابْتِدَاء لِأَن الْمُعْتَبر فِي عقدهَا كَمَال السَّلامَة فَيعْتَبر فِي الْخُرُوج مِنْهَا كَمَال النَّقْص
стр. 71
وَالثَّانِي يُؤثر لنَقص الْحَرَكَة فَلَو كَانَ ذَلِك لَا يُؤثر فَقده فِي عمل وَلَا نهوض كَقطع الذّكر والأنثيين وجدع الْأنف وسمل إِحْدَى الْعَينَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُؤثر
الضَّرْب الْخَامِس بطلَان تصرف الإِمَام للاستيلاء عَلَيْهِ وحجره وَيدخل تَحت ذَلِك صور إِحْدَاهَا أَن يأسر الْكفَّار الإِمَام وَيَقَع الْيَأْس بذلك من خلاصه من أَيْديهم فَيخرج عَن الْإِمَامَة ويستأنف أهل الْحل وَالْعقد ببيعة غَيره فَلَو عهد بهَا فِي الْحَال الْأسر إِلَى غَيره كَانَ عَهده بَاطِلا لِأَنَّهُ عهد بهَا بعد خُرُوجه من الْإِمَامَة
الثَّانِيَة أَن يأسره أهل الْبَغي حَيْثُ كَانُوا قد أَقَامُوا لَهُم إِمَامًا وَوَقع الْيَأْس من خُلَاصَة مِنْهُم فَيخرج بذلك من الْإِمَامَة لأَنهم قد انحازوا بدار انْفَرد حكمهَا وَخَرجُوا بهَا عَن الطَّاعَة فَلم يبْق لأهل الْعدْل بهم نصْرَة أما لَو كَانَ مرجو الْخَلَاص من أَيدي الْكفَّار أَو أَو أَيدي أهل
стр. 72
الْبَغي فَإِنَّهُ يكون بَاقِيا على إِمَامَته وعَلى كَافَّة الْأمة استنقاذه من أَيْديهم الثَّالِثَة أَن تكون الْإِمَامَة قد ثبتَتْ لَهُ بالقهر والإستيلاء فيجئ آخر ويقهره وستولى على الْأَمر فينعزل الأول وَيصير الإِمَام هُوَ الثَّانِي حفظا لنظام الشَّرِيعَة وتنفيذا لأحكامها كَمَا صرح بِهِ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا من أَئِمَّة اصحابنا الشَّافِعِيَّة
قلت وبمقتضى ذَلِك وَقع الْفُقَهَاء فِي زَمَاننَا هَذَا مَعَ الْمُلُوك فِي الْأَمر الْخطر حَيْثُ لم يفهموا عَنْهُم مَقَاصِد الشَّرِيعَة وَذَلِكَ أَنهم إِذا أثبتوا ولَايَة الأول بِالِاسْتِيلَاءِ بالقهر دعاهم ذَلِك إِلَى ان يَقُولُوا إِن الْخَارِج عَلَيْهِ بَاغ وَاجِب الْقِتَال فَإِذا غلب الثَّانِي حكمُوا بِبُطْلَان ولَايَة الأول وَصِحَّة ولَايَة الثَّانِي ودعاهم ذَلِك إِلَى عكس الْقَضِيَّة الأولى فَقَالُوا إِن الْخَارِج عَلَيْهِ بَاغ وَاجِب الْقِتَال فيظن اولئك أَن حكمهم بذلك إِنَّمَا هُوَ مُحَابَاة لصَاحب االوقت الْقَائِم بِالْأَمر من غير فهم الْمَقْصد الَّذِي ألجأهم لذَلِك
стр. 73
تَنْبِيه لَو حجر الإِمَام بِغَيْرِهِ بِأَن يستولي عَلَيْهِ من أعوانه من يستبد بِالتَّصَرُّفِ فِي الْأُمُور من غير تظاهر بِمَعْصِيَة ولاخروج (٢١ ب) عَن طَاعَة فقد ذكر الْمَاوَرْدِيّ أَن ذَلِك لايمنع إِمَامَته وَلَا يقْدَح فِي صِحَة ولَايَته وَتَكون الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة نَافِذَة من المستبد بِالْأَمر كَمَا لَو استولى على نفس الْإِمَامَة بالقهر جمعا لشمل الْمُسلمين وتنفيذا لأحكامهم
الضَّرْب السَّادِس الْفسق وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا الشَّافِعِيَّة فِي انعزال الإِمَام بِهِ على وَجْهَيْن
أصَحهمَا عِنْد الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ أَنه لَا يَنْعَزِل بِهِ لما فِي عَزله من إثارة الْفِتْنَة بِخِلَاف غَيره من سَائِر الْوُلَاة فَإِنَّهُم ينعزلون بِهِ
وَالثَّانِي وَبِه جزم الْمَاوَرْدِيّ فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة أَنه يَنْعَزِل بِهِ كَمَا لايصح عقد إِمَامَته مَعَ الْفسق ابْتِدَاء حَتَّى لَو عَادَتْ عَدَالَته لم يعد إِلَى الْإِمَامَة الإبعقد جَدِيد
стр. 74
قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَذهب بعض الْمُتَكَلِّمين إِلَى جَوَاز إِمَامَته وعود عَدَالَته للخوف وَالْمَشَقَّة فِي اسْتِئْنَاف بيعَته مَعَ عُمُوم ولَايَته
المهيع الثَّانِي فِيمَا يَنْعَزِل بِهِ ولى الْعَهْد من ولَايَة عَهده وَهُوَ على ضَرْبَيْنِ
الضَّرْب الأول الْعَزْل الصَّادِر من جِهَة العاهد وَقد اخْتلف فِي أَنه هَل يجوز للْإِمَام عزل ولى عَهده على وَجْهَيْن
أَحدهمَا مَا ذهب إِلَيْهِ المتولى من أَصْحَابنَا الْجَوَاز
وَالثَّانِي مَا ذهب إِلَيْهِ الْمَاوَرْدِيّ وَصَححهُ النَّوَوِيّ أَنه لَا يجوز لَهُ عَزله مَا دَامَ متصفا بِصِفَات الْإِمَامَة وَإِن جَازَ لَهُ عزل سَائِر نوابه فِي غير ذَلِك من الْأُمُور لِأَنَّهُ مستخلف لولى الْعَهْد فِي حق الْمُسلمين فَلَا يكون لَهُ عَزله كَمَا لَيْسَ لأهل الْحل وَالْعقد وعزل من بَايعُوهُ بِخِلَاف غَيره من سَائِر نوابه فَإِنَّهُ يستخلفه لَهُم فِي حق نَفسه فَجَاز لَهُ عَزله فَلَو عزل العاهد ولي الْعَهْد وعهد الى ثَان لم يَصح عهد الثَّانِي وَيبقى الأول على عَهده وَلَو خلع الأل نَفسه بعد الْعَهْد إِلَى الثَّانِي فَلَا بُد من اسْتِئْنَاف الْعَهْد إِلَيْهِ (١٢٢)
стр. 75
الضَّرْب الثَّانِي الْعَزْل الصَّادِر من جِهَة لى الْعَهْد وَقد صرح اصحابنا الشَّافِعِيَّة بِأَنَّهُ لايجوز لولى الْعَهْد ان يستبد بعزل نَفسه فَلَو استعفى من عَهده لم يبطل عَهده بِمُجَرَّد الاستعفاء فَلَو أَعْفَاهُ الإِمَام نظر فَإِن وجد غَيره مِمَّن يقوم مقَامه صَحَّ اعفاؤه حِينَئِذٍ وَإِن لم يُوجد غَيره لم يَصح إعفاؤه
الْفَصْل السَّابِع
فِي ذكر الْوَظَائِف الَّتِي كَانَت تصدر عَن الْخَلِيفَة فِي الزَّمن الْمُتَقَدّم وَمَا يصدر عَنهُ الْآن من تَفْوِيض السلطنة إِلَى السُّلْطَان وَيرجع الْمَقْصُود من ذَلِك إِلَى عشر وظائف
الْوَظِيفَة الأولى الوزارة وَهِي على ضَرْبَيْنِ
الضَّرْب الأول وزارة التَّفْوِيض وَهِي أَن يستوزر الإِمَام من يُفَوض إِلَيْهِ تَدْبِير الْأُمُور بِرَأْيهِ وإمضائه على اجْتِهَاده وَهِي أجل الولايات بعد الْخلَافَة قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فَهُوَ ينظر فِي كل ماينظر فِيهِ الْخَلِيفَة
следующие страницы →