← Фатава

Фатава · id 8476

فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ

محمد بن إبراهيم آل الشيخ

Полный текст (3 815 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

فتَاوى ورَسَائل سَماحة الشيخ محمَّد بن إبراهيم بن عَبداللطِيف آل الشيخ مفتي المملكة ورَئيس القضاة والشؤون الإسلامية طيَّبَ اللهُ ثراه جَمع وترتيب وتحقيق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم وفقه الله الطبعة الأولى مطبعة الحكومة بمكة المكرمة ١٣٩٩ هـ الجزء الأول (العقائد)

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: - فهذه مجموعة من الفتاوي أزفها إلى المجتمع الإسلامي في جميع أنحاء هذه المعمورة بعد جهد طويل وعمل متتابع كان دافعي الوحيد إلى الصبر عليه علمي الأكيد بحاجة المسلمين إلى هذه الفتاوي نظرًا لأنها صدرت عن شخصية لها مكانتها بين المسلمين لما كان يتصف به صاحبها من سعة في العلم وحدَّة في الذكاء ولما كان يتقلب فيه من أعمال كلها تشرف من قرب على مصالح المسلمين في الداخل ومع ذلك فقد عني من خلال تلك الأعمال بمصالح المسلمين خارج هذا الوطن فكانت الأسئلة تتوارد عليه بكل ما يعن لهم من مشكلات وما يهمهم من شئوون. لذلك حرصت كل الحرص على أن تكون جامعة ففتشت كل المضان التي يتوقع أن تكون قد حفظت فيها هذه الفتاوي حتى إني جمعت بعضًا منها من أيدي الناس الذين وصل إليهم ما لم أجده في المضان التي عنيت بها.

стр. 3

على أني أعترف بالفضل لذويه فإن هذه الفتاوي قد لا ترى النور لو لم يأمرني جلالة الملك (فيصل بن عبد العزيز آل سعود) ﵀ بإعدادها وتكليف الجهات الرسمية بتمكيني مما عندها وطباعتها على حساب هذه الدولة، فقد صدر أمره الكريم المرقم ١٨٣٠٢-٣-س في ٣-١٠-١٣٩٠هـ لمعالي وزير المالية والاقتصاد الوطني بما نصه: (نفيدكم بموافقتنا على طبع هذه الفتاوي وأن يتولى الشيخ محمد ابن قاسم عملية الإعداد والتصحيح - لا سيما وأنه يشرف على بعض الكتب الدينية التي تقوم مطبعة الحكومة بمكة بطبعها، على أن لا يترتب على ذلك أي مصاريف، وعلى أن تتم إعارة الشيخ ابن قاسم من المعهد العلمي بمكة إلى أن ينتهي من هذا العمل. فاكملوا ما يلزم بموجبه) . التوقيع الملكي (فيصل) رئيس مجلس الوزراء نسخة لمعالي وزير العدل للاعتماد نسخة لفضيلة نائب رئيس الكليات والمعاهد العلمية للاعتماد نسخة لفضيلة نائب المفتي للاعتماد وقد قامت حكومة جلالة الملك (خالد بن عبد العزيز آل سعود) حفظه الله بإنفاذ ذلك الأمر حفظ الله جلالة الملك خالد وصاحب السمو الملكي الأمير (فهد بن عبد العزيز آل سعود) ولي العهد نائب جلالة الملك وأبقاهما عمادًا للدين ذيادًا عن حياضه وشد عضدهما بالبطانة الصالحة التي تخاف الله وترجو ما عنده إنه قريب مجيب. وقد كان لابني المرحوم (عبد العزيز وإبراهيم) يد طولى في تشجيعي على مواصلة العمل وتذليل الصعوبات التي تظهر من حين لآخر وفقهما الله للخير ونفع بهما.

стр. 4

كما أن لسماحة والدنا الشيخ (عبد العزيز بن عبد الله بن باز) نصيب حيث أمدني بناسخ تولى نسخ الكتاب على الآلة الكاتبة بعد أن قمت بتبييضه. ولا أنسى فضل الرئاسة العامة للكليات والمعاهد سابقًا (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) حاليًا حيث أعارت خدماتي للافتاء للقيام بهذه المهمة. مصادر الفتاوي والرسائل جمعت هذه المجموعة الضخمة من تسع جهات: ١- تقارير كنت أكتبها عن سماحته في حلقات الدراسة منذ عام ١٣٥٧ حتى عام ١٣٨١ وقد كنت كثير الاهتمام بذلك حتى اني بيضت كثيرًا منها عام ١٣٧٥ وهذه التقارير تكون النسبة الكبرى من هذا المجموع حتى إنها بلغت (١٨٠٠) . ٢- دار الإفتاء وقد أطلعت فيها على مائة وأربعة وثلاثين ملفًا (١٣٤) ابتدأْت في ذلك في رمضان ١٣٩٢هـ وفرغت منه في ذي القعدة ١٣٩٢هـ واستخلصت منها (١٦٠٠) فتوى. ٣- رئاسة القضاة سابقًا (وزارة العدل حاليًا) وقد أَطلعت فيها على (٤٨٨) ملفًا (ملفات القضايا) و (٧٠٠) ملفًا في الأرشيف العام. ٤- المكتب الخاص لسماحة المفتي وقد أطلعت فيه على (١٤٠) ملفًا ونظرًا إلى أنه قد نقل إلى وزارة العدل فقد أَطلعت على محتوياته هناك، وقد بدأْت العمل في وزارة العدل والمكتب الخاص في ٣-١١-١٣٩٢هـ وقد استخلصت من وزارة العدل (٦٢٧) فتوى ومن المكتب الخاص (٣٠٨) فتوى. ٥- الديوان الملكي - الشئون الداخلية - وقد وردنا منهم (٨) فتاوي.

стр. 5

٦- ديوان رئاسة مجلس الوزراء وقد وردنا منه (١٠) فتاوي. ٧- مكتبة سماحته وقد حصلت منها على فتاوى مطولة: (الجواب الواضح المستقيم) في جواز نقل مقام إبراهيم و (نصيحة الإخوان) في بيان ما في نقض المباني لابن حمدان و (تحذير الناسك) عما أَحدثه ابن محمود في المناسك، ورسالة حول منع تعجيل ذبح الهدى قبل يوم النحر. ٨- ما جمعته من أيدي بعض طلاب العلم وليس بالكثير حيث بلغ (٦٠) ما بين رسالة وفتوى وقد نسبت سند كل فتوى إلى مقدمها. ٩- الدرر السنية في الأجوبة النجدية وقد استخرجت منها (٢٦) فتوى بعضها له وحده وبعضها له بالاشتراك مع غيره. منهجي في الكتاب ١- بدأْت بمقابلة الفتاوي بعضها على بعض فاستبعدت المتكرر حرفيًا وهذا كثير فيما صدر من دار الإفتاء ثم من رئاسة القضاة. ٢- استبعدت بعض الفتاوي المختصرة لوجود محتواها في أُخر أَطول منها وأكثر تفصيلاً. ٣- لخصت بعض الفتاوي المطولة التي تكون الفائدة في جزء منها. ٤- استبعدت ذكر الأشخاص إذا وردت في مقام لا يحمد. ٥- إذا احتوت الفتوى أو التقرير على مسائل في فنون مختلفة أَو أَبواب في الفن الواحد وضعت كل مسأَلة في مكانها المناسب وأَشرت إلى رقم الصادر الرسمي بعد انتهاء كل مسأَلة. ٦- أَحلت على بعض المسائل في مواضعها إذا وجدت مناسبة.

стр. 6

٧- فيما يتعلق بالفتاوي الصادرة من الدوائر الرسمية لم أدرج في هذا الكتاب منها إلا ما صدر باسم سماحته صريحًا من (محمد بن إبراهيم) أو ختم بـ (محمد بن إبراهيم) أو وجدته في المسودة بلفظ: فأَجاب سماحته. ٨- وضعت عنوانًا على كل فتوى يدل على مضمونها. ٩- صححت بعض الأخطاء التي حدثت للناسخ بعد الرجوع إلى ما وجد من مسوداتها. ١٠- كتبت ترجمة لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ صدرت بها الكتاب. ١١- قسمت الكتاب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول منها في (العقائد) وينقسم إلى خمسة أقسام: (١) وجود الله ووحدانية ذاته تعالى. (٢) وحدانية الإلهية. (٣) وحدانية الصفات. (٤) مسائل في فروع العقائد. (٥) الصوفية والشيوعية، وقد جاءت العقائد في جزء. القسم الثاني من الكتاب (الفقه) مع مقدمة في أُصوله وقد رتبته ترتيب ((زاد المستقنع)) وشرحه ((الروض المربع)) وقد شملت المسائل جميع أبوابه - من المياه - إلى الإقرار - وجاء هذا القسم في ثمانية أجزاء. القسم الثالث (معارف عامة) يشمل الإشارة إلى معارف متنوعة وفنون مختلفة ويحتوي على: (١) أصول التفسير.

стр. 7

(٢) فتاوي قليلة في التفسير. (٣) اللغة العربية. (٤) الشعر. (٥) اللغة الأجنبية. (٦) الجغرافيا. (٧) صناعات ومهن. (٨) المكتبات ما ينبغي أن يوجد فيها، ومراقبة المطبوعات ودور النشر. (٩) المؤلفات التي تناولها بالمدح أو القدح - وهي مرتبة على حروف الهجاء. (١٠) نصائح عامة، ومنها كلمات سماحته في رابطة العالم الإسلامي. (١١) التربية والتعليم. (١٢) فهارس عامة على الطريقة التي انتهجتها في فهارس (مجموع فتاوي شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ وقد جاء هذا القسم في جزء، وبه كمل الكتاب (عشرة أجزاء) . (١٣) وضعت بعض الهوامش حين اجد ضرورة لذلك كتخريج بعض الأحاديث أَو ايضاح شيء من المشكلات. مصطلحات ١- ذيَّلت ما كتبته عن سماحته في حلقات التدريس بكلمة (تقرير) . ٢- إذا قلت: قوله. فالقول لمؤلف (زاد المستقنع) الحجاوي، أو شرحه (الروض المربع) للبهوتي إذا كانت العبارة في الشرح.

стр. 8

٣- صف: صادر دار الإفتاء. ٤- صق: صادر رئاسة القضاة. ٥- صادر المكتب الخاص لسماحته. ٦- الدرر السنية في الأَجوبة النجدية. ٧- ما لم أجد عليه علامة الصدور وكان بخط مدير مكتبه الخاص (عبد الله بن إبراهيم الصانع) أو أمين مكتبته (أحمد بن عبد الرحمن بن قاسم) أو مراقب الطلاب (محمد بن علي بن عبد اللطيف) أَلحقته بالفتاوي. حياة الشيخ محمد بن إبراهيم نسبه ومولده: هو العلامة الجليل الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ حسن بن إمام الدعوة محي السنة مميت البدعة الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) بن الشيخ سليمان بن علي بن محمد بن أَحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن؟ بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أَبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم. ثم إلى نزار بن معد بن عدنان. ولد في مدينة الرياض في (حي دخنة) في ١٧ من محرم عام ١٣١١هـ بدأَ ﵀ من صغره في الأَخذ بأَسباب العلم والمعرفة فتلقى القرآن الكريم وهو بين الثامنة والعاشرة من عمره نظرًا على معلمه عبد الرحمن بن مفيريج. وفي السادسة عشرة من عمره أُصيب بالرمد

стр. 9

في عينيه فكف بصره، وكانت مدة مرضه سنة. وعلى أثر ذلك حفظ القرآن على عبد الرحمن بن مفيريج عن ظهر قلب، وقد درس فن التجويد فيما بعد. ثم أخذ في طلب العلم بمختلف فنونه فأَخذ علم ((الفرائض)) عن والده الشيخ إبراهيم ﵀ أولاً ثم عن الشيخ عبد الله بن راشد ومما قرأَ عليه في ذلك أَلفية الفرائض. وتلقى علم ((العقائد)) عن عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رحمهما الله تعالى. ومنها في العقائد كتاب التوحيد وأُصول الإيمان وفضائل الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب والدلائل (حكم موالات أهل الشرك) للشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب والعقيدة الواسطية والعقيدة الحموية وكلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية وأَخذ ((الفقه)) عن الشيخ حمد بن فارس أَولاً ثم على الشيخين سعد بن حمد بن عتيق ومحمد بن محمود المتوفي عام ١٣٣٣هـ ومن كتبه (زاد المستقنع) . وأخذ علم ((العربية)) عن الشيخ حمد بن فارس المذكور آنفًا ومما قرأَ عليه في هذا الفن الاجرومية والمسلحة والقطر والأَلفية. وفي ((الحديث وعلومه)) قرأَ بلوغ المرام وثلث المنتقى على عمه الشيخ عبد الله ثم أَعاد بلوغ المرام على الشيخ سعد بن عتيق. وعليه قرأ أَيضًا أَلفية العراقي في مصطلح الحديث. هذا ومن المستفيض أَن الشيخ ﵀ كان كثير الدأَب على المطالعة في مختلف الكتب وتدريسها فكان هذا مصدرًا ثانيًا غنيًا بتنمية حصيلته العلمية وتوسيع أُفقه أَعانه على ذلك ما عرف عنه من حدة الذكاء ورجاحة العقل.

стр. 10

اشتغاله بالتدريس: لمس فيه مشايخه الأَلمعية النادرة المبكرة والنجابة الظاهرة فأدركوا أنه الخليفة لهم الذي يمكن أن يطمئن إليه في مجالس العلم فأَوصى عمه الشيخ عبد الله الملك عبد العزيز ﵀ بابن أَخيه خيرًا وذكر له ما يتمتع به من المزايا الفذة التي لا تكاد تتوافر إلا في قليل من الرجال الذين وهبهم الله ذكاءً وفطنةً وجلدًا وإخلاصًا. وحين توفي الشيخ عبد الله عام ١٣٣٩هـ أَخذ ابن أَخيه مجلسه فبدأَ التدريس إلى جانب مشايخه الذين ما زالوا على قيد الحياة، ولما توفي شيخه سعد بن حمد بن عتيق عام ١٣٤٩هـ وتوفي قبله الشيخ حمد ابن فارس عام ١٣٤٥هـ توسع في مجالس التدريس واستقل بأكثرها إلى جانب أعمامه ﵏ وغيرهم من أَفاضل العلماء الذين كانوا يقومون بالتدريس على فترات متعاقبة في بعض العلوم. ولكن ينبغي أن نؤكد أَن نؤكد أَن الشيخ محمد ﵀ له النصيب الأَوفر في كثرة المجالس وكثرة القاصدين له من طلبة العلم وغزارة العلم وعموم النفع فقد كان يعمر أَكثر نهاره بالتدريس حيث كان يجلس ثلاث جلسات منتظمة، فالأولى بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس، والثانية بعد ارتفاع الشمس مدة تتراوح ما بين ساعتين وأَربع ساعات، والثالثة بعد صلاة العصر، وهناك جلسة رابعة لكنها ليست مستمرة وهي بعد صلاة الظهر. وكل هذه الجلسات كانت تتم في جامع الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب المعروف الآن في (حي دخنه شمال الميدان) ما عدا جلسة الضحى فقد كانت في أول الأمر في هذا الجامع ثم نقلها إلى بيته.

стр. 11

وكان ﵀ ينقطع بعد المغرب لمطالعة دروس الغد في الكتب التي كانت تدرس بعد الفجر ومنها (الروض المربع) و (سبل السلام) و (شرح ابن عقيل) على أَلفية ابن مالك وما يعين عليها من المراجع. وفيما يلي عرض للكتب التي كان يقوم ﵀ بتدريسها: ١- أَولا بعد صلاة الفجر أَلفية ابن مالك مع شرح ابن عقيل وزاد المستقنع مع شرحه الروض المربع وبلوغ المرام والآجرومية والمسلحة وقطر الندى وعمدة الأحكام وأُصول الأحكام والحموية والتدمرية ومخبة الفكر. أَما باقي الكتب فبالتعاقب على فترات مختلفة طيلة أيام تدريسه. ٢- بعد شروق الشمس يدرس في العقائد كتاب التوحيد، كشف الشبهات، ثلاثة الأصول، العقيدة الواسطية باستمرار، مسائل التوحيد، مسائل الجاهلية، لمعة الاعتقاد، أُصول الإيمان على فترات، وفي الحديث: الأَربعين النووية، عمدة الأَحكام باستمرار. وفي الفقه آداب المشي إلى الصلاة، وقد يدرس غيرها لكنه نادر. وبعد الانتهاء من هذه المختصرات تقرأُ المطولات ومنها: فتح المجيد، شرح الطحاوية، شرح الأَربعين النووية، صحيح البخاري، صحيح مسلم، السنن الأَربعة، مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير بدون إستثناء وكل ما جد من كتب السلف والمحققين من العلماء، ولكنها على فترات يتراوح ما يقرأُ منها في اليوم ما بين خمسة وعشرة غالبًا. ٣- بعد صلاة الظهر ويدرس فيه: زاد المستقنع بشرحه الروض المربع، بلوغ المرام.

стр. 12

٤- بعد صلاة العصر ويدرس فيه كتاب التوحيد وشرحه وقد يقرأُ في مسند الإمام أَحمد أَو مسند ابن أَبي شيبه والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح أَو نحوها. وقد استمر يزاول التدريس بنشاط لا يفتر وهمة لا تكل إحدى وأربعين عامًا من عام ١٣٣٩هـ - ١٣٨٠هـ. طريقته في التدريس كان ﵀ يعطي مجالس العلم حقها من الاحترام والتقدير ويحرص على إيصال الفائدة إلى قرارة قلوب الطلاب معنيًا بتثبيتها حتى إنه ليكاد يغني بشرحه عن مطالعة. وكان ﵀ إذا هم بالجلوس للتدريس توضأَ إن لم يكون على وضوء بعد صلاة، واستقبل القبلة إذا كانت الجلسة في المسجد ويبدأُ شرحه باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ويمكن تلخيص السمات الظاهرة لطريقته في التدريس في النقاط التالية: ١- يطلب من بعض الطلاب أَن يبدأَ بالبسملة والصلاة والسلام على رسول الله والترحم على المؤلف، ثم يتلوا حفظًا موضوع الدرس إذا كان الكتاب متنًا. ويحرص جدًا على أَن يحفظ جميع الطلاب المنتظمين المتون ولا يرضى بنصف حفظ، ولا ينتقل الطالب من متن إلى متن أَطول منه إلا بعد حفظ الأَول وفهمه، ولذا كان الطالب المجد منهم يتخرج في سبع سنوات. ٢- قبل أَن يبدأَ بالشرح يقرأُ هو ما قرأَ الطلاب. ٣- يشرع في شرح عبارات المتن بدقة ووضوح. ٤- يعرض بعض المسائل ويتكلم عليها.

стр. 13

٥- إذا عرض لمسأَلة خلاف ذكر رأْي المؤلف أولاً وأَدلته ثم ذكر رأْي المخالفين كلا على حدة، مع دليله. وكان في ذلك كله يحترم كل ذي رأي من العلماء ولا يذكره بما يسوء، وكان يرجح ما يراه معتمدًا في ذلك على الدليل وأَقوال المحققين، ولم يكن يعرض من الخلاف إلا ما كان ذا جدوى. وقد يصحح أَحد القولين بدون سرد الأَدلة لقصر الوقت أو نظرًا لحال الطالب. ٦- كان يلتزم بالموضوع ولا يستطرد إلى مسائل خارجة عنه. ٧- كان إذا فرغ من الدرس تلقى أَسئلة الطلاب وأَجاب. وقد يثير هو بعض الإشكالات ليقدح أَذهان الطلاب. ٨- يختبر الطلاب فيما شرح لهم في بعض الأَحيان بإِلقاء الأَسئلة عليهم ويعربون متن الأَلفية وشواهدها. ٩- فيما يتعلق بالعقائد لم يكن يحرص على ذكر آراء أَهل البدع والإِشراك فإِذا وجد ضرورة لذلك أَو كان المؤلف ذكرها فإِنه يتكلم عليها بتوسع ويشتد في الرد عليهم دون إِفراط. ١٠- وبالنسبة لقراءة المطولات لم يكن يشرحها عبارة عبارة وإِنما كان يقف عند المهم منها أَو ما يسأَل عنه أَحد الحاضرين. ١١- يلزم اللغة العربية في جميع مجالسه العامة. ١٢- يلتزم الهدوء أَثناء شرحه للمتون أَو تعليقه على المطولات فلا تراه يلتفت أو يشير بيد أو يعبث بشيء. ١٣- لم يكن يسمح بإِثارة الأَسئلة التافهة أَو الدخول في مناقشات عقيمة.

стр. 14

أخلاقه: لم يصل ﵀ إلى ما وصل إليه من مكانة في قلوب الناس بمجرد المصادفة ولكن مرد ذلك إلى توفيق الله أولاً، ثم إلى ما كان يتحلى به من أَخلاق فذة التزم بها وحافظ عليها طوال أَيامه. ولا بأس من الإشارة إلى بعض ما نعرفه عنه من الأَخلاق الحميدة فمن ذلك: ١- الحافظة النادرة التي كانت أَقوى سبب في تحصيل ثروة علمية واسعة بنيت على محفوظاته التي علقت بذاكرته أَثناء تعلمه ومطالعاته أَثناء تدريسه، فكانت الأَساس القوي لمقدرته على استنباط الأحكام ومعرفة الأَدلة التي تبني عليها. وقد مر بنا أَنه حفظ بلوغ المرام وزاد المستقنع وغيرهما مما مر ذكره في فصلي شيوخه؟ بالتدريس. ونزيد هنا أَنه كان يحفظ كثيرًا من القصائد؟ وكان يصف وهو في أُخريات أَيامه مشاهداته قبل أَن يكف بصره وأَنت على علم أَنه فقد بصره في السادسة عشرة من عمره، وكان يحفظ المتن للقراءة الثالثة وربما الثانية، وكانت المعاملة الطويلة التي تبلغ ثلاثمائة صفحة تقرأُ عليه ثم يملي ما يرى مستحضرًا كل ما مر فيها من الجزئيات، ولم يكن غريبًا منه أَن يدل القارئين على مواضع الأَبحاث في كتبها ذاكرًا رقم الصفحة أَحيانًا ومثل ذلك لا يكون إلا لمن أَتاه الله ذاكرة واعية. ٢- وقد رزق من الذكاء ما مكنه من إدراك محفوظاته العلمية عن فهم وبصيرة، وكان يدرك حقيقة ما يعرض عليه من المشكلات فيكشف ما وراءها من الدوافع ببصيرته الفذة ولم يكن ينطلي عليه كيد أَو احتيال. وحياته كلها أَمثلة من هذا النوع لسنا في حاجة إلى الدخول في ضرب الأَمثال لها فأَكثر العارفين به يدركون ذلك

стр. 15

ولكن الذي لا يعرفه كثير من الناس أَنه ﵀ كان يدرك تقدير الوقت بالساعة لا يكاد يخطيء الحقيقة في بضع دقائق مع العلم بأَنه لم يستعمل الساعة في حياته. ٣- وكان يطيل التأَمل والتعمق ويبعد النظر فيما يعرض عليه من القضايا التي تجد تباعًا ولم يكن يتعجل الأَمر حتى يمعن في الدرس والتأَمل والنظر في عواقب الأمور فكان يصل بعد ذلك إلى الاستنتاج الدقيق الذي لا يكاد يختلف ولا يخالفه فيه ذو نصف والأَمثلة في هذا المقام كثيرة لكن أَسوق منها مثالين: أحدهما أَنه سئل عن افتتاح حمام فني فكتب ما نصه: (لا أرى فتح مثل هذا الحمام في هذا البلد لأَن الضرر سيكون أكبر من النفع، ومثل هذه الأَشياء تكون عادة وسيلة لفساد لم يخطر على بال الذي أَسسها، ومهما حرصت الآن على مراعاة الآداب الشرعية والأَخلاقية فإنك لن تستطيع ذلك في المستقبل بعد فتح هذا الباب) . ثانيهما أَنه سئل 'ن إنشاء صندوق لسائقي السيارات فقال في الجواب ما نصه: (إن اقتراح الذين اقترحوا جعل الصندوق مشروعًا خيريًا يحتاج إلى تقييد لأَنه وإن كان طرق الخير مفتوحة أَمام الراغبين إلا أَنه ينبغي معرفة ما وراء ذلك لئلا تكون وسيلة إلى استباحة أَشياء لا تجوز تحت اسم الشيء المسموح) . ٤- ومن أَخلاقه البارزة الإخلاص في العمل فلم يكن يومًا طالب شهرة ولا باحثًا عن سمعة بل كان عمله كله لله يبتغي ما عنده يجتهد في تحري الحق ويجتهد في الدفاع عن الحق لا يأْخذه في ذلك ضعف ولا يعتريه طمع ولا يعرف عنه أَنه تحدث عن أَعماله على جلالتها وكثرتها.

стр. 16

٥- طهارة قلبه فكان لا يحمل ضغينة على من أَساء إليه ولا ينتقم من أَحد ناله بأَذى بل كان ديدنه الصفح والتجاوز بل المحافظة عليهم والدفاع عنهم أَن ينالهم أَحد بما يعرف أَنه باطل. ٦- وكان ﵀ على حظ وافر من الشجاعة وقوة الشكيمة لا يخاف في الله لومة لائم ولا يتردد في إعلان الحق أَيا كان المخاطب به، ودافعه في ذلك مخافة الله وحرصه على أَن يخلص ذمته مما علق به فمكانته ومسئوليته تحتم عليه نبذ التخاذل وكان يكره المتملقين وله في ذلك مواقف حفظها التاريخ. ٧- ومن السمات البارزة التي كانت تميزه ما أَتاه الله من هيبة في نفوس الناس وهو أَمر لا يرجع إلى مخافة منه ولكن إلى محبته وإجلاله ومعرفتهم عنه صرامته في الحق يحسب محدثه الحساب الدقيق حتى لا يزل في كلمة أو يخطيء في فكر ومع ذلك فقد كان أنيسًا عند مخالطته أَلوفا لمعاشريه لا يتصف بشيء من الغلظة أو الغضاضة وكان يحسن الفرق بين مجالس الجد والعمل ومجالس الراحة حيث يكون في سفر أو نزهة. ٨- وكان يتنزه عن الغيبة والحديث في الآخرين بما يكرهون وعرف بذلك منذ حداثة سنه حتى فارق الدنيا ولم يكن يسمح لأَحد أَن يتحدث في مجالسه بمثالب الآخرين أَو تنقصهم بل كان يقف دون ذلك ويزجر من حاوله. ٩- ومما لا يعرفه الكثيرون عنه ما يتصف به ﵀ من العفة والتورع عن أَخذ ما ليس له أو ما يرى فيه شبهة فكان حريصًا على أَن لا يدخل نفسه في مداخل مشتبهة ولم يعرف انه اشتغل

стр. 17

بالبيع أو الشراء لا بالاستقلال ولا بالمشاركة، بل كان مقتصرًا على ما يتقاضاه مقابل عمله بل إنه كان يشغل عدة أَعمال كما هو معروف لا يتقاضى إلا ما كان يأْخذه قبل إحداث هذه الأَعمال ولم يكن يأْخذ انتدابًا مقابل انتقاله إلى مدينة الطائف صيفًا ولم أَعرف عنه أَنه طلب من المسئولين شيئًا يخصه. ١٠- ومما لا ينكر من أَخلاقه الظاهرة للعيان كراهيته الشديدة للمديح والثناء عليه فما كان يرضى من أحد أن يثني عليه أو يبالغ في مدحه سواء كان ذلك مشافهة أو كتابة. ومن الأَمثلة التي تذكر في هذا المقام ما كتب به إلى أحد الناس ونصه: ملحوظة: كثيرًا ما تكتب في خطاباتك أَلقابًا لا يسوغ ذكرها كقولك شيخ الاسلام ومفتي الأَنام وهذا شيء لا نرضاه. وكتب في مناسبة أَخرى ما نصه: وما ذكرتم في خطابكم من الثناء نود أَن لا نسمعه فنحن نستغفر الله ونتوب إليه من تقصيرنا وضعفنا نسأَله تعالى أَن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه. وكتب لآخر ما نصه: نفيدكم أَنه جاء في خطابكم بعض العبارات مثل قولكم عالم الوجود تلك العبارة التي لا يصدر مثلها إلا عن جاهل. ١١- وكان ﵀ معروفًا بالبذل والسخاء في الحدود التي لا تصل إلى المبالغة المكروهة شرعًا والمؤدية إلى الإسراف وإضاعة الوقت وبالأَخص ما يتعلق بإِكرام العلماء والقضاة وطلاب العلم وذوي رحمه. وكان لا يترك مناسبة مهمة إلا أَقام لها الوليمة الكبيرة ودعاهم. ١٢- خشيته لله، كان ﵀ من أَكثر الناس استحضارًا لعظمة الله كثيرًا ما تسمعه يلهج بذكر الله والاستغفار وتغرورق عيناه

стр. 18

بالدموع حينما يكون في موقف مناجاة الله أو سمع بعض ما يحرك القلوب، ولقد كان ذلك يتجلى كثيرًا فيما يحييه من الليل بالصلاة التي كان يواضب عليها في إقامته وسفره وقد لا يعرف هذا كثير من الناس الذين لم يتصلوا به وقد صحبته زمنًا طويلاً وهو يقوم ما يقرب من ساعة ونصف آخر الليل لا يترك ذلك. ولا غرو فقد كان ﵀ يتحرى في جميع تصرفاته وأَخلاقه الظاهرة والباطنة التأَسي بالنبي ﷺ وصحابته وسلف هذه الأمة رضوان الله عليهم. الأعمال التي قام بها عرفنا في مناسبات كثيرة مما مضى في هذه الترجمة أَنه ﵀ باشر العمل منذ وفاة عمه عبد الله ﵀، وقد كان العمل الرئيسي الذي شمل أَكثر أَيام حياته هو (التدريس) وقد تحدثنا عنه في فصل خاص لما له من الأَهمية. على أنه صاحب التدريس مهمة أُخرى بدأَت دون تنظيم رسمي وهي (الفتوى) فقد كان يشارك فيها حتى توفي الشيخ سعد بن عتيق ثم استقل بها حتى تحولت بآخرة إلى عمل منظم في دار الإفتاء حيث أُنشئت في عام ١٣٧٤هـ. وظل ﵀ يقوم بالفتوى من خلال هذه الدار حتى وافته المنية إلى جانب ما كان يكتبه في هذا الميدان في بيته من فتاوى وردود على بعض الكاتبين في قضايا يرى بثاقب بصيرته أَن السكوت عليها مسئولية أَمام الله. وإلى جانب هذين الأَمرين هناك أَمر ثالث لا يقل خطرًا عنهما وهو (القضاء) فقد كان ﵀ يقوم بتمييز الأَحكام التي تحتاج

стр. 19

إلى نظره وينظر فيما أُحيل إليه من القضايا بأَمر من ولاة الأمور. ولما حول القضاء نظرًا لاتساعه إلى رئاسة أُسندت إليه رئاسته في المنطقتين الوسطى والشرقية في عام ١٣٧٦هـ ثم ضمت إليه المنطقة الغربية بعد وفاة الشيخ عبد الله بن حسن ﵀ في عام ١٣٧٨هـ وقد نصت المادة الحادية عشر من نظام هيئة التمييز أن له ﵀ حق النظر والبت فيما يختلف فيه القاضي وهيئة التمييز. وإلى جانب ذلك كله ورغم ما كان يحمله إياه من أَعباء فقد تولى (رئاسة المعاهد العلمية والكليات) منذ إنشائها عام ١٣٧٠هـ. ووكل إليه الإشراف على (مدارس البنات) منذ افتتاحها في عام ١٣٧٩هـ وكلف برئاسة (الجامعة الإسلامية) في المدينة المنورة عام ١٣٨١هـ. وتولى رئاسة ((مجلس القضاء)) الذي شكل في عام ١٣٨٨هـ وعقد في حياته مرتين. وولي رئاسة (رابطة العالم الإسلامي) منذ إنشائها في عام ١٣٧٩هـ وإمامة جامع حي دخنه وخطابة المسجد الجامع الكبير المعروف الآن (في ساحة العدل بالرياض) . وشكل هيئة تضم كبار العلماء لتكون مرجعًا لبحث ما يحصل من المشاكل العلمية العويصة وتقرير ما يلزم حيالها وللمذاكرة فيما بينهم والتصدي لنشر الدعوة الإسلامية والذود عنها ومحاربة التيارات الجارفة والمباديء الهدامة. وبعبارة عامة فقد كان له ﵀ الإشراف التام على جميع الشئون الإسلامية داخل المملكة وخارجها مما يتصل بالمملكة العربية السعودية وتعني بتوجيهه. ومثل هذا لا يقوم به العالم العادي ولكن من آتاه الله القوة والجلد وإن ذلك ليدل على ثقة الناس وبخاصة أَولياء الأمور في حصافة

стр. 20

عقله وسعة علمه ومقدرته الفذة وحاجتهم إليه في كل ما يعرض لهم من المشكلات. تلاميذه لا أظن أَن من يعرفه ﵀ يخفى عليه أَمر الذين أَخذوا عنه العلم واستفادوا منه الفائدة الكبرى. ولا أَظن أَن ذلك يخفى على من عرف المدة الطويلة التي قضاها مشتغلاً بالتدريس فقد مر به أَفواج بعد أفواج ينهلون من علمه ويستنيرون بثاقب نظره وقد انتشروا في أَنحاء المملكة السعودية بين عالم وقاض ومدرس وواعظ وخطيب مسجد ومتفرغ من الأَعمال ولا أَظن أَن الحصر قادر على أَن يأْتي على جميع أَسمائهم لذلك فإني أَكتفي بعرض أَسماء طائفة منهم وهم: الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ... رئيس المجلس الأعلى للقضاء حاليًا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد صاحب المؤلفات المشهورة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ... رئيس محكمة هيئة التمييز حاليًا الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن رشيد ... قاضي الرياض سابقًا الشيخ سعود بن رشود ... عضو هيئة التمييز حاليًا الشيخ صالح بن غصون ... شقيق المترجم الفرضي المشهور الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم ... شقيقه رئيس هيئات الأَمر بالمعروف في المنطقة الغربية سابقًا الشيخ عبد الملك بن إبراهيم ... نجل سماحته رئيس هيئات الأَمر بالمعروف حاليًا نجل سماحته وزير العدل حاليًا الشيخ عبد العزيز بن الشيخ محمد ... قاضي بمحكمة الرياض حاليًا قاضي بمحكمة الرياض سابقًا الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد ... قاضي بمحكمة الرياض سابقًا الشيخ عبد الرحمن بن فارس ... قاضي بمحكمة الرياض

стр. 21

الشيخ محمد بن مهيزع ... قاضي بمحكمة الدلم الشيخ عبد الرحمن بن هويمل الشيخ عبد العزيز بن زاحم ... عضو المجلس الأَعلى للقضاء الشيخ عبد الرحمن بن سحمان ... عضو الهيئة الدائمة للافتاء الشيخ عبد العزيز بن صالح بن مرشد ... مدرس بكلية الشريعة الأمير محمد بن عبد العزيز بن سعود آل سعود ... مدرس بكلية أُصول الدين الشيخ عبد الله بن عقيل ... مدرس بكلية الشريعة الشيخ عبد الله بن غديان الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين الشيخ فهد بن حمين الشيخ حمود بن عقلاء الشيخ عبد الرحمن بن فريان الشيخ زيد بن عبد العزيز بن فياض آثاره لم تكن في حياته ﵀ فرصة يتفرغ فيها للتأْليف فقد كان إنشغاله بما علمت من الأَعمال التي وصفناها قبل لا تدع فرصة للراحة إذ كان عمله يستمر احياناً إلى الساعة الخامسة ليلاً (بالتوقيت الغروبي) فضلاً عن أَن تدع له فرصة يفرغ فيها ذهنه ويرجع إلى المراجع فيكتب وينشر كما نراه لكثير من أَهل العصر، ولأَنه ﵀ لم يكن بالشخص الذي يكتب كل ما عن له بل كان كما وصفناه طويل التأَمل شديد المحاسبة لنفسه ومسئوليته تحتم عليه أَن لا يكتب إلا بعد تحر طويل لأَن كلمة منه تعد حجة يتعلق بها العامة والخاصة ومع ذلك فإن حياته لم تخل من كثير من الرسائل والفتاوى التي كتبها في مناسبات مختلفة.

стр. 22

على أَن أَجل أَثر من آثاره هذا الأَثر الكبير الذي نقدمه هذا اليوم والمتمثل في فتاواه التي بلغت (عشرة أجزاء) لو لم يكن له أَثر سواها لكفى به فخرًا لم يصل إليه غيره من أَهل عصره. ومما ينبغي التنويه عنه من آثاره أَنه اختار أَلف حديث في أَبواب مختلفة. مرضه الأخير ووفاته في عام ١٣٨٩هـ نزل به ﵀ مرض سافر من أَجله إلى لندن للعلاج فأَقام بها أَيامًا ثم عاد دون أَن يكتب له شفاء فلزم البيت وأَخذ المرض يشتد يومًا بعد يوم ولم يثمر ما بذل له من عناية طبية حتى دخل في غيبوبة تامة انتهت به إلى الوفاة في ١٤-٩-١٣٨٩هـ. وكان طيلة مرضه يكثر من ذكر الله والاستغفار حتى أخذته الغيبوبة. وقد صلي عليه في المسجد الجامع الكبير مع صلاة الظهر أَم الناس فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وحضر الصلاة جمع جم ضاق بهم المسجد على سعته وصلى كثير منهم خارج المسجد وانسدت الطرق بالسيارات والمشاة ولم يكن بين وفاته والصلاة عليه إلا ساعتان وتبعه المصلون إلى مقبرة العود حيث ووري هناك. تغمد الله شيخنا برحمته وسدد خطى خلفائه ونفع بعلومه وجعل عملنا خالصًا لوجهه إنه سميع قريب مجيب. محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ٢٢ ربيع الأَول ١٣٩٩هـ - الرياض

стр. 23

الجزء الأول العقائد وفيها خمسة أقسام

стр. 24

القسم الأول وجود الله ووحدانية ذاته تعالى

стр. 25

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١- الاعتراف بالخالق تعالى، وأدلة وجوده) قال الشيخ العالم العلامة المفتي العام ورئيس القضاة والشئوون الإسلامية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ طيب الله ثراه في جواب استفتاء أُحيل إليه هذا نصه: سؤال: ما رأْيكم في وجود الله حسب اعتقادكم لا حسب مطالعاتكم؟ جواب: إعتقادنا وجود الله الإله الحق سبحانه لا إله إلا هو، واعترافنا بذلك أَمر فطري وضروري، وكل إنسان ذي فطرة سليمة يعترف بذلك ومجبول على الإقرار به لما يشاهده في نفسه من خلقه على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة الكاملة الشكل والوظيفة، وعجائب الإبداع في خلقه أَضخم من إدراكه هو وأَعجب من كل ما يراه حوله، ثم ما يشاهده من الحدوث والخلق والتسخير في مخلوقات الله الأخرى كالسموات بما هي عليه من ارتفاع على غير عمد نراها، وما فيها من الكواكب الكبار والصغار النيرة من السيارة وغير السيارة ومن الثوابت، ودورانها في الفلك العظيم في كل يوم وليلة، كما أَن لها في نفسها سيرًا يخصها، وكالبحار المكتنفة للأَرض من كل جانب، والجبال الموضوعة فيها لتقر وتسكن مع اختلاف أَشكالها وأَلوانها. وكالأَنهار السارحة من قطر إلى قطر، للمنافع، وما ذرأَ الله في الأَرض من الحيوانات المتنوعة، والنبات المختلف الطعوم والروائح والأَشكال والأَلوان مع اتحاد طبيعة التربة

стр. 26

والماء. وكذلك اختلاف الليل والنهار والشمس والقمر وتعاقبها بنظام لا يختلف ولا يتبدل، كل ذلك دليل على وجود الله العلي القدير وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم، لا إله غيره ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أُنيب. هذا وشواهد المخلوقات على وجود الله سبحانه كثيرة لا تحصر. ولما حضر أُناس إلى الإمام أَبي حنيفة ﵀ وسأَلوه عن وجود الله ، قال لهم: دعوني فإني مفكر في أَمر أُخبرت عنه، لقد ذكر لي أَن سفينة في البحر موقرة فيها أَنواع من المتاجر وليس بها أَحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أَن يسوقها أَحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال لهم الإمام أَبو حنيفة: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأَشياء المحكمة أَليس لها صانع؟ فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأَسلموا على يديه لله رب العالمين. (ص-م-١١-١٠-٨٧هـ) (١) .

стр. 27

(٢- وهذه المخترعات دليل على قدرة الله وصدق رسوله) هذه المصنوعات من أَدلة التوحيد، فإنها مما يحقق أَن الله على كل شيء قدير، وأَنه ما شاء الله كان وما لم يشأْ لم يكن. وقدرته تعالى ومشيئته ليست محصورة في وقت بل هي دائمة باستمرار، بل مما يحقق شهادة أَن محمدًا رسول الله، ولكن لمن شهد أَنه رسول الله حقًا وصدق بأخباره ورسالته، فإنه يرى في الوجود الآن نوع ما أَخبر به (١) - لا عينه - فإنه أَخبر بتقارب الأَسواق (٢) وأَن الدجال يقطع الأَرض في وقت قصير (٣) وقوله: (فَيُبصِرُهُم النَّاظِرُ وَيُسمِعُهُم الْدَّاعِي) (٤) . (٣- دعاة الالحاد أَخطر) دعاة الإلحاد الآن يخاف على الشباب منهم أَكثر مما يخاف من دعاة الوثنية، فإنهم بثوه بأَساليب عديدة في الناس فكان ضررهم أَكثر، والصولات والجولات الآن معهم. (تقرير) (٥) .

стр. 28

(٤- الشرك في الربوبية أَعظم) سؤال: الشرك في الربوبية أَعظم، أَم الشرك في الإلهية؟ جواب: المتبادر أَن الشرك في الربوبية أَعظم، ولكن لم يجيء فيه من النصوص مثل ما جاء في الشرك في الإلهية، لأَن أُكثر الخلق لم ينازعوا فيه، وهو أَمره عظيم وإثبات متصرف مع الله تعالى وتقدس ولهذا توحيد الربوبية هو الدليل على توحيد الألوهية، ولا يمكن أَحدًا أَن يقر بتوحيد الإلهية ويجحد توحيد الربوبية أَبد. وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بعض مؤلفاته كلامًا معناه: أَما توحيد الربوبية فهو الأصل الأَصيل. (تقرير) (١) . (٥- اعتقاد أَن الرسول نور وليس بشرًا يشبه اعتقاد النصارى في المسيح) الخامسة (٢) : تذكر أَن كثيرًا من الناس يعتقدون أَن رسول الله ﷺ نور من الله وجزء منه وليس بشرًا إلى آخر السؤال. الجواب: ليس الأمر كما ذكرته من أَن أَكثر الناس يعتقدون أَن رسول الله ﷺ نور وليس بشرًا، وإنما هذا

стр. 29

معتقد فئة قليلة شاذة ضالة بعيدة عن ينبوع الشريعة الإسلامية ومواردها العذبة النقية الصافية، يشهد على ضلال أصحاب هذا القول وبعدهم عن الحق وانغماسهم في الباطل قول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (١) وقوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا - وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا - أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا -- إلى قوله تعالى: - قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً) . وقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولاً) (٢) وما روته أُم سلمة قالت: ((جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة فقال رسول الله ﷺ إنكم تختصمون إلي وإنما أَنا بشر ولعل بعضكم أَلْحن بحجته من بعض وإنما أَقضي بينكم على نحو ما أَسمع فمن قضيت له من حق أَخيه شيئًا فلا يأْخذه فإنما أَقطع له قطعة من النار يأْتي بها أَسطامًا في عنقه يوم القيامة)) إلى آخر الحديث رواه أحمد وأَبو داود وما ثبت عنه ﷺ أَنه قال: ((لا تطرُني كما أَطرتِ النصارى ابن مريم إنما أَنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله (٣) وما هذا الرأْي الباطل الشاذ إلا نتيجة سيئة لترهات الصوفية ولمشائخ الطرق وخزعبلاتهم وأَضاليلهم، تغذيها الاحتفالات بالموالد وما يتلى فيها من المنكرات والاضاليل والخزعبلات، وفي مقدمة المنكرات

стр. 30

الغلو في شخص الرسول ﵊ تقليدًا للنصارى، ومصداقًا لقوله ﵊: ((لتتَّبُعُنَّ سنن من كان قبلكم حذو الْقذَّةِ بالقذةِ حتى لو دخلوا جُحر ضب لدخلتمُوه، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن؟)) (١) فلقد غلا النصارى في شخص عيسى ﵇ وأَنكروا بشريته وقالوا عنه - زورًا وبهتانًا وإثمًا مبينًا - بأنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. لقد كان ﷺ شديد الحذر على أُمته أَن تسلك المسلك الذي سلكه النصارى في رسولهم عيسى ﵇ فقال ﷺ : ((لا تطروني كما أَطرت النصارى ابن مريم إنما أَنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)) . وقال أيضًا: ((إيَّاكم والْغلوَّ فإنما أَهلك من كان قبلكم الْغلوّ)) (٢) . (٦- المسيح ﵇ لم يقتل ولم يصلب) المسألة الثالثة (٣) - وهي قولهم هل مات عيسى على الصليب؟ الجواب: المسيح ﵇ قد صانه الله وحماه، فلم يقتل ولم يصلب، وإنما قتل وصلب المشبه به. وذلك أنه ﵇ لما قصد منه أَعداؤه من اليهود مقصد السوء وقاه الله كيدهم ورفعه عنهم إلى السماء، وأَلقى شبهه على رجل من الحواريين فأَمسكوه وقتلوه وصلبوه بناء منهم على أَنه المسيح ﵇، قال الله تعالى في حق اليهود: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً - وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا -

стр. 31

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا - وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) (١) . فمن تأَمل هذه الآيات عرف كذب اليهود بدعواهم قتله وصلبه ولكنهم هموا بقتله وعزموا عليه وحاصروه ومن معه في البيت فانقذه الله من كيدهم ورفعه إليه وأَلقى شبهه على واحد من أَصحابه، وتأَمل قوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم) تجد ذلك صريحًا. وقد صرح المفسرون المحدثون والمؤرخون بمعنى ما ذكرنا: قال ابن كثير: قال الحسن البصري ومحمد بن اسحق: كان يوجد في زمن عيسى ملك اسمه داود بن نورا، فلما سمع بخبر عيسى أَمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار بيت المقدم، وذلك عشية الجمعة ليلة السبت، فلما حان وقت دخولهم أَلقي شبهه على بعض أَصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من روزنة في ذلك البيت إلى السماء وأَهل البيت ينظرون، ودخل الشرطة فوجدوا ذلك الشاب الذي أُلقي عليه شبهه فأَخذوه ظانين أَنه عيسى، فصلبوه ووضعوا الشوك على رأْسه إهانة له، وسلم لليهود عامة النصارى الذين لم يشاهدوا ما كان من أَمر عيسى أَنه صلب، وضلوا بسبب ذلك ضلالاً مبينًا،

стр. 32

وقال الله تعالى: (إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) الآيات (١) ففي هذه الآيات إن الله وعده بأَنه سيتوفاه ويرفعه إليه ويطهره من الذين كفروا وقد صدق الله وعده وهو لا يخلف الميعاد. وهذه الوفاة هي النوم كما قال غير واحد من العلماء بأَنه نزل عليه النوم حينما رفع. والنوم يعبر عنه بالوفاة قال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (٢) . ومما يدل على أَنه رفع إلى السماء وأَنه ينزل في آخر الزمان إلى الأَرض فيقتل الدجال ما قاله ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) - أَي بعد نزوله إلى الأَرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة، فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، وتصير الملل في ذلك الوقت ملة واحدة وهي ملة الإسلام الحنيفية دين إبراهيم، فلا يبقى أَحد من أَهل الكتاب إلا آمن به، وقيل بل اليهود خاصة. وقال الحسن على هذه الآية: (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال قبل موت عيسى، والله إنه لحي الآن عند الله. وأَصرح ما قيل في تفسير هذه الآيات ما قاله ابن جرير ﵀: انه لا يبقى أَحد من أَهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا من آمن به قبل موته ﵇ فيكون الضمير عائدًا إلى عيسى.

стр. 33

ثم ساق الأحاديث الواردة في هذا ومنها ما رواه أَبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نَفْسِيْ بِيَدِهِ لَيُوْشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيْكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلاً فَيَكْسُرُ الصَّلِيْبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيْرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيَفِيْضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ وَحَتَّى تَكُوْنَ السَّجْدَةُ للهِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدنْيَا وَمَا فِيْهَا)) . وقد روي أَنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأَنه يقاتل الدجال هو ومن معه من جنود الإسلام المنصورة فيدرك الدجال عند باب لد أًَو إلى جانب لد فيقتله. قال مجمع بن حارثة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجالَ بِبَابِ لُد أَوْ إلَى جَانِبِ لُدّ)) (١) . وليس فيما يذكر من كذب اليهود بقتل عيسى ﵇ ما يدل على برائتهم من إثم قتله وارتكاب جريمة اغتياله ﵇، فإنهم وإن لم يقتلوه بالفعل إلا أَنهم صمموا على قتله، وبذلوا كل ما يستطيعون، وعملوا مع من أَلقي عليه شبهه من قتله وصلبه وصفعه وإلقاء الشوك عليه وغير ذلك

стр. 34

من الأشياء التي عملوها ظانين أَنه عيسى ﵇، ثم صاروا يفتخرون بقتله، فقد باءوا بإثم قتله بلا شك. ومما يدل على ذلك قوله ﷺ : ((إذَا الْتَقَىْ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفيهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُوْلُ فِيْ النَّارِ. قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قَالَ: إنَّهُ كَانَ حَرِيْصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)) (١) . فكيف يستسيغ أَحد أَن يبرأَ اليهود من إثم قتل المسيح ﵇ مع هذا الحديث الصريح وغيره من الأَدلة، وهم لم يقتلوا الذي أُلقي عليه شبهه إلا على أَنه هو. وكل من عرف اليهود عرف أَنهم أَعداء لله وأَعداء لرسله وأَعداء للمسلمين بل أَعداء للنصارى والله المستعان. المسألة الرابعة: قولهم هل قال شيخ علماء الأَزهر الشيخ شلتوت شيئًا من هذا القبيل، وإذا كان قال شيئًا فما الذي قاله. والجواب: إننا لا نعنى بتتبع أَقوال شلتوت، ولا نعلم عما قاله وإذا كان قد قال شيئًا فقوله مما يحتاج أَن يستدل له لا أَن يستدل به فقد أَغنتنا نصوص الوحيين وكلام العلماء المحققين عن كلام غيرهم. (ص-ف-١٦٢٦-١ في ٢٦-٥-٨٥هـ أَولها في تبرع غير المسلم ببناء مسجد - في الوقف) . (٧- تكذيب خبر انشاء كنيسة في المملكة) (برقيًا) حفظ الله جلالتكم. جاءنا كتاب من الأستاذ الشيخ محمود شلتوت عضو جماعة كبار العلماء بمصر والأستاذ الشيخ عبد الله ماضي أُستاذ التاريخ الإسلامي بكلية أُصول الدين بالأَزهر يذكران

стр. 35

فيه أَنهما كتبا لجلالتكم كتابًا أرسلا لنا صورته بصدد خبر هام ذكرا أَن جريدة الجمهورية التي تصدر بالقاهرة نشرته في عددها الصادر في يوم الجمعة ٧ محرم سنة ١٣٧٥هـ وهو كالآتي: يبدأْ أَول قس في المملكة السعودية روما في ٢٤ أُغسطس ١٩٥٥م شر كسون كارلوري مايتو الراهب الفرنسيكاني أَول قس كاثوليكي يسمح له بالإقامة بصفة دائمية في المملكة السعودية العربية والقيام بأَعمال القساوسة فيها، فقد أَذن له جلالة الملك سعود بأَن يرعى الكنيسة الخاصة بالعمال الكاثوليك الذين يشتغلون في حقول البترول العربية. اهـ. أَقول -حفظكم الله- هذا أَمر عظيم جدًا، وأَعتقد أَن ما نشرته هذه الجريدة كذب عليكم، وأَنكم أَبعد الناس عن إقرار مثل هذا الأَمر، وأَغيرهم على دين الإسلام، لأَن هذا لا يفعله إلا الزائغون عن الحق، وأَنتم لله الحمد ممن عرف بالتمسك بالدين، والمحافظة عليه، والذب عن حوزته -قف- فيتعين حفظك الله المبادرة في إعلان تكذيب الخبر في إذاعة مكة وفي صحف المملكة وفي إذاعة مصر وفي صحف مصر. وأَسأَل الله أَن يجعلكم نصرة لدينه ويحفظكم بالإسلام. محمد بن ابراهيم. (ص-م-١٣٧٥هـ) (١) . (٨- بيان ما في الانجيل من تحريف وتبديل واختلاف في لاهوتية المسيح) من محمد بن إبراهيم إلى معالي الأَمين العام لرابطة العالم الإسلامي ... سلمه الله

стр. 36

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد جرى اطلاعنا على خطابكم المشفوع به خطاب الأَخ شمس الدين أَحمد، المتضمن ذكره أَنه حصل بينه وبين بعض رجال الدين المسيحي مناقشات حول ما في الانجيل من تحريف وتغيير وتبديل، وأَنهم أَنكروا ذلك، وتناولوا القرآن بما هو منزه عنه، وتسأَلون إجابتنا عما ذكره هؤلاء. والجواب: الحمد لله. أَما ما ذكره من ناقشوا الأَخ شمس الدين أَحمد وأَنكروا له ما في الانجيل من تحريف وتغيير فهو مخالف لما تضافرت عليه الأَدلة وقامت عليه البينات. قال الله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ - يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (١) . وروى أَحمد والترمذي وحسنه عن عدي بن حاتم ((أَنه سمع النبي ﷺ يقرأُ هذه الآية (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٢) فقلت له لسنا نعبدهم، قال أَليس يحرمون ما أَحل الله فتحرمونه، ويحللون ما حرم الله فتحلونه. فقلت بلى. قال فتلك عبادتهم)) . وقال ابن كثير ورواه الإمام أَحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم ﵁، أَنه لما بلغته دعوة رسول الله

стр. 37

صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأُسرت أُخته وجماعة من قومه، ثم منًَّ رسول الله ﷺ على أُخته وأَعطاها فرجعت إلى أَخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله ﷺ ، فقدم عدي المدينة وكان رئيسًا في قومه طي وأَبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه فدخل على رسول الله ﷺ وفي عنق عدي صليب من فضة وهو يقرأُ هذه الآية: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ) قال فقلت انهم لم يعبدوهم. فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأَحلوا لهم الحرام فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم. وقال رسول الله ﷺ : ((يا عدي ما تقول أَيفرك أَن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئًا أَكبر من الله؟ ما يفرك؟ أَيفرك أَن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم إلهًا غير الله؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأَسلم فشهد شهادة الحق. قال فلقد رأَيت وجهه استبشر، ثم قال: إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)) . اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) في معرض حديثه عن تفرق النصارى وتلاعبهم بالانجيل تحريفًا وتغييرًا وإخفاءً. قال ﵀: وقد اختلف النصارى في عامة ما وقع فيه الغلط حتى في الصلب، فمنهم من يقول المصلوب لم يكن المسيح بل الشبه كما يقول المسلمون. ومنهم من يقر بعبوديته لله وينكر الحلول والاتحاد كالاريوسيه. ومنهم من ينكر الاتحاد وأَن أَقر بالحلول كالنسطورية. وأَما الشرائع التي هم عليها فعلماؤهم يعلمون أَن أَكثرها ليس عن المسيح ﵇. فالمسيح لم يشرع لهم الصلاة إلى المشرق،

стр. 38

ولا الصيام الخمسين، ولا جعله في زمن الربيع، ولا عيد الميلاد، والغطاس، وعيد الصليب، وغير ذلك من أعيادهم، بل أكثر ذلك مما ابتدعوه بعد الحواريين مثل عيد الصليب فإنه مما ابتدعته (هيلانه الحرانية) أُم قسطنطين. وفي زمن قسطنطين غيروا كثيرًا من دين المسيح والعقائد والشرائع فابتدعوا (الأَمانة) التي هي عقيدة إيمانهم، وهي عقيدة لم ينطق بها شيء من كتب الأَنبياء التي هي عندهم، ولا هي منقولة عن أَحد من الأَنبياء، ولا عن أَحد من الحواريين الذين صحبوا المسيح، بل ابتدعها لهم طائفة من أَكابرهم قالوا كانوا ثلاثمائة وثمانية عشر. وقال في موضع آخر: وأَما الأَناجيل التي بأَيدي النصارى فهي أَربعة أَناجيل. إنجيل متى، ويوحنا، ومرقس، ولوقا، وهم متفقون على أَن ((لوقا)) و ((مرقس)) لم يريا المسيح إنما رآه متى ويوحنا. وأَن هذه المقالات الأَربعة التي يسمونها الإنجيل وقد يسمون كل واحد منها إنجيلا إنما كتبها هؤلاء بعد أَن رفع المسيح، فلم يذكروا فيها انها كلام الله ولا أَن المسيح بلغها عن الله، بل نقلوا فيها أَشياء من كلام المسيح من أَفعاله ومعجزاته وذكروا أَنهم لم ينقلوا كلما سمعوه منه ورأَوه، فكانت من جنس ما يرويه أَهل الحديث والسير والمغازي. إنتهى. وقد ذكر الشيخ ((محمد رشيد رضا)) في معرض تفسيره قوله تعالى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى) (١) الآية. فصلا طويلا في ضياع كثير من الإنجيل وتحريف كتب النصارى المقدسة نرى من كمال

стр. 39

الحديث نقله لاشتماله على نصوص منقولة عنهم وعن المهتمين؟، قال ﵀ في (الجزء السادس من تفسير المنار) ص٢٨٩. ١- إن الكتب التي يسموها الأَناجيل الأَربعة تاريخ مختصر للمسيح ﵇، لم يذكر فيها إلا شيء قليل من أَقواله وأَفعاله في أيام معدودة، بدليل قول يوحنا في آخر إنجيله: هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا ونعلم أَن شهادة حق. وأَشياء أُخرى كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست أَظن أَن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة، آمين. هذه العبارة يراد بها المبالغة في بيان أَن الذي كتب عن المسيح لا يبلغ عشر معشار تاريخه. ومن البديهي أَن تلك الأَعمال الكثيرة التي لم تكتب وقعت في أَزمنة كثيرة. وأَنه تكلم في تلك الأَزمنة وعند تلك الأَعمال كثيرًا فهذا كله قد ضاع ونسي. وحسبنا هذا حجة عليهم في إثبات قول الله تعالى: (فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ) وحجة على بعض علمائنا الذين ظنوا أَن كتبهم حفظت وتواترت قال صاحب ((ذخيرة الأَلباب)) : ان الانجيل لا يستلزم كل أَعمال المسيح ولا يتضمن كل أَقواله كما شهد به القديس يوحنا. ٢- الإنجيل في الحقيقة واحد، وهو ما جاء به المسيح ﵇ من الهدى والبشارة بخاتم النبيين ﷺ ، وهو ما كان يدور ذكره على أَلسنة كتاب تلك التواريخ الأَربعة وغيرهم حكاية عن المسيح وعن أَلسنتهم أَنفسهم قال متى حكاية عنه:١٣:٢٦ -الحق أَقول لكم حينما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أَيضًا بما فعلته هذه تذكارًا لها -أَي ما فعلته المرأَة التي سكبت

стр. 40

قارورة الطيب على رأسه. واجب عليهم أَن يخبروا كل من يبلغونهم الإنجيل في عالم اليهودية كلها بما فعلته تلك المرأة. فخبر تلك المرأَة ليس من الإنجيل الذي جاء في كلام المسيح، وقد ذكر في تلك التواريخ امتثالاً لأَمره. وسميت تلك التواريخ أَناجيل لأَنها تتكلم عن انجيل المسيح وتجيء بشيء منه. ولذلك بدأَ مرقس تاريخه بقوله: بدأَ انجيل يسوع المسيح -ثم قال حكاية عن المسيح- ١: ١٥ فتوبوا وآمنوا بالإنجيل. فالإنجيل الذي أَمر الناس أَن يؤمنوا به ليس هو أَحد هذه التواريخ الأربعة ولا مجموعها وهو الذي سماه بولس في رسالته الأولى إلى أَهل تسالونيكي -الإنجيل- المطلق ٢: ٤ وانجيل الله ٨:٢ و ٩ وانجيل المسيح ٢:٣. والكتاب الإلهي يضاف إلى الله بمعنى أَنه أَوحاه، وإلى النبي بمعنى أَنه أَوحى إليه أَو جاء به، كما يقال توراة موسى. ٣- كانت الأناجيل في القرون الأولى للمسيح كثيرة جدًا حتى قيل إنها بلغت زهاء سبعين إنجيل. وقال بعض مؤرخي الكنيسة إن الأَناجيل الكاذبة كانت ٣٥ انجيل. وقد رد صاحب كتاب ((ذخيرة الأَلباب)) الماروني القول بكثرتها، وقال إن سبب ذلك تسمية الواحد بعدة أَسماء. وقال إن الخمسة والثلاثين لا تكاد تبلغ العشرين. وعددها كلها وذكر أَن بعضها مكرر الإسم، وذكر منها إنجيل القديس برنابا، وذكر أَن جاحدي الوحي طعنوا في الأَناجيل ثلاثة مطاعن. (١) أَن الآباء الذين سبقوا القديس يوستينوس الشهيد لم يذكروا إلا أَناجيل كاذبة ومدخولة.
следующие страницы →