السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد جرى اطلاعنا على خطابكم المشفوع به خطاب الأَخ شمس الدين أَحمد، المتضمن ذكره أَنه حصل بينه وبين بعض رجال الدين المسيحي مناقشات حول ما في الانجيل من تحريف وتغيير وتبديل، وأَنهم أَنكروا ذلك، وتناولوا القرآن بما هو منزه عنه، وتسأَلون إجابتنا عما ذكره هؤلاء.
والجواب: الحمد لله. أَما ما ذكره من ناقشوا الأَخ شمس الدين أَحمد وأَنكروا له ما في الانجيل من تحريف وتغيير فهو مخالف لما تضافرت عليه الأَدلة وقامت عليه البينات. قال الله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ - يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (١) . وروى أَحمد والترمذي وحسنه عن عدي بن حاتم ((أَنه سمع النبي ﷺ يقرأُ هذه الآية (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٢) فقلت له لسنا نعبدهم، قال أَليس يحرمون ما أَحل الله فتحرمونه، ويحللون ما حرم الله فتحلونه. فقلت بلى. قال فتلك عبادتهم)) .
وقال ابن كثير ورواه الإمام أَحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم ﵁، أَنه لما بلغته دعوة رسول الله
стр. 37
صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأُسرت أُخته وجماعة من قومه، ثم منًَّ رسول الله ﷺ على أُخته وأَعطاها فرجعت إلى أَخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله ﷺ ، فقدم عدي المدينة وكان رئيسًا في قومه طي وأَبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه فدخل على رسول الله ﷺ وفي عنق عدي صليب من فضة وهو يقرأُ هذه الآية: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ) قال فقلت انهم لم يعبدوهم. فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأَحلوا لهم الحرام فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم. وقال رسول الله ﷺ : ((يا عدي ما تقول أَيفرك أَن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئًا أَكبر من الله؟ ما يفرك؟ أَيفرك أَن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم إلهًا غير الله؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأَسلم فشهد شهادة الحق. قال فلقد رأَيت وجهه استبشر، ثم قال: إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون)) . اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) في معرض حديثه عن تفرق النصارى وتلاعبهم بالانجيل تحريفًا وتغييرًا وإخفاءً. قال ﵀: وقد اختلف النصارى في عامة ما وقع فيه الغلط حتى في الصلب، فمنهم من يقول المصلوب لم يكن المسيح بل الشبه كما يقول المسلمون. ومنهم من يقر بعبوديته لله وينكر الحلول والاتحاد كالاريوسيه. ومنهم من ينكر الاتحاد وأَن أَقر بالحلول كالنسطورية.
وأَما الشرائع التي هم عليها فعلماؤهم يعلمون أَن أَكثرها ليس عن المسيح ﵇. فالمسيح لم يشرع لهم الصلاة إلى المشرق،
стр. 38
ولا الصيام الخمسين، ولا جعله في زمن الربيع، ولا عيد الميلاد، والغطاس، وعيد الصليب، وغير ذلك من أعيادهم، بل أكثر ذلك مما ابتدعوه بعد الحواريين مثل عيد الصليب فإنه مما ابتدعته (هيلانه الحرانية) أُم قسطنطين. وفي زمن قسطنطين غيروا كثيرًا من دين المسيح والعقائد والشرائع فابتدعوا (الأَمانة) التي هي عقيدة إيمانهم، وهي عقيدة لم ينطق بها شيء من كتب الأَنبياء التي هي عندهم، ولا هي منقولة عن أَحد من الأَنبياء، ولا عن أَحد من الحواريين الذين صحبوا المسيح، بل ابتدعها لهم طائفة من أَكابرهم قالوا كانوا ثلاثمائة وثمانية عشر.
وقال في موضع آخر: وأَما الأَناجيل التي بأَيدي النصارى فهي أَربعة أَناجيل. إنجيل متى، ويوحنا، ومرقس، ولوقا، وهم متفقون على أَن ((لوقا)) و ((مرقس)) لم يريا المسيح إنما رآه متى ويوحنا. وأَن هذه المقالات الأَربعة التي يسمونها الإنجيل وقد يسمون كل واحد منها إنجيلا إنما كتبها هؤلاء بعد أَن رفع المسيح، فلم يذكروا فيها انها كلام الله ولا أَن المسيح بلغها عن الله، بل نقلوا فيها أَشياء من كلام المسيح من أَفعاله ومعجزاته وذكروا أَنهم لم ينقلوا كلما سمعوه منه ورأَوه، فكانت من جنس ما يرويه أَهل الحديث والسير والمغازي. إنتهى.
وقد ذكر الشيخ ((محمد رشيد رضا)) في معرض تفسيره قوله تعالى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى) (١) الآية. فصلا طويلا في ضياع كثير من الإنجيل وتحريف كتب النصارى المقدسة نرى من كمال
стр. 39
الحديث نقله لاشتماله على نصوص منقولة عنهم وعن المهتمين؟، قال ﵀ في (الجزء السادس من تفسير المنار) ص٢٨٩.
١- إن الكتب التي يسموها الأَناجيل الأَربعة تاريخ مختصر للمسيح ﵇، لم يذكر فيها إلا شيء قليل من أَقواله وأَفعاله في أيام معدودة، بدليل قول يوحنا في آخر إنجيله: هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا ونعلم أَن شهادة حق. وأَشياء أُخرى كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست أَظن أَن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة، آمين.
هذه العبارة يراد بها المبالغة في بيان أَن الذي كتب عن المسيح لا يبلغ عشر معشار تاريخه. ومن البديهي أَن تلك الأَعمال الكثيرة التي لم تكتب وقعت في أَزمنة كثيرة. وأَنه تكلم في تلك الأَزمنة وعند تلك الأَعمال كثيرًا فهذا كله قد ضاع ونسي. وحسبنا هذا حجة عليهم في إثبات قول الله تعالى: (فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ) وحجة على بعض علمائنا الذين ظنوا أَن كتبهم حفظت وتواترت قال صاحب ((ذخيرة الأَلباب)) : ان الانجيل لا يستلزم كل أَعمال المسيح ولا يتضمن كل أَقواله كما شهد به القديس يوحنا.
٢- الإنجيل في الحقيقة واحد، وهو ما جاء به المسيح ﵇ من الهدى والبشارة بخاتم النبيين ﷺ ، وهو ما كان يدور ذكره على أَلسنة كتاب تلك التواريخ الأَربعة وغيرهم حكاية عن المسيح وعن أَلسنتهم أَنفسهم قال متى حكاية عنه:١٣:٢٦ -الحق أَقول لكم حينما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أَيضًا بما فعلته هذه تذكارًا لها -أَي ما فعلته المرأَة التي سكبت
стр. 40
قارورة الطيب على رأسه. واجب عليهم أَن يخبروا كل من يبلغونهم الإنجيل في عالم اليهودية كلها بما فعلته تلك المرأة. فخبر تلك المرأَة ليس من الإنجيل الذي جاء في كلام المسيح، وقد ذكر في تلك التواريخ امتثالاً لأَمره. وسميت تلك التواريخ أَناجيل لأَنها تتكلم عن انجيل المسيح وتجيء بشيء منه. ولذلك بدأَ مرقس تاريخه بقوله:
بدأَ انجيل يسوع المسيح -ثم قال حكاية عن المسيح- ١: ١٥ فتوبوا وآمنوا بالإنجيل. فالإنجيل الذي أَمر الناس أَن يؤمنوا به ليس هو أَحد هذه التواريخ الأربعة ولا مجموعها وهو الذي سماه بولس في رسالته الأولى إلى أَهل تسالونيكي -الإنجيل- المطلق ٢: ٤ وانجيل الله ٨:٢ و ٩ وانجيل المسيح ٢:٣. والكتاب الإلهي يضاف إلى الله بمعنى أَنه أَوحاه، وإلى النبي بمعنى أَنه أَوحى إليه أَو جاء به، كما يقال توراة موسى.
٣- كانت الأناجيل في القرون الأولى للمسيح كثيرة جدًا حتى قيل إنها بلغت زهاء سبعين إنجيل. وقال بعض مؤرخي الكنيسة إن الأَناجيل الكاذبة كانت ٣٥ انجيل. وقد رد صاحب كتاب ((ذخيرة الأَلباب)) الماروني القول بكثرتها، وقال إن سبب ذلك تسمية الواحد بعدة أَسماء. وقال إن الخمسة والثلاثين لا تكاد تبلغ العشرين. وعددها كلها وذكر أَن بعضها مكرر الإسم، وذكر منها إنجيل القديس برنابا، وذكر أَن جاحدي الوحي طعنوا في الأَناجيل ثلاثة مطاعن.
(١) أَن الآباء الذين سبقوا القديس يوستينوس الشهيد لم يذكروا إلا أَناجيل كاذبة ومدخولة.
стр. 41
(٢) لا سبيل إلى إظهار أَسفار العهد الجديد التي خطها مؤلفوها.
(٣) قد فات الجميع معرفة الموضع والعهد اللذين كتبت فيهما.
٤- أَن كورنتس وكربو كراتوس قد نبذا ظهريًا منذ أَوائل الكنيسة انجيل القديس لوقا، والأَلوغيين انجيل القديس يوحنا ولم يستطع أَن يرد هذه الاعتراضات ردًا مقبولاً عند مستقبلي الفكر.
وقال الدكتور بوست البروتستاني في قاموس الكتاب المقدس: إن نقص الأناجيل غير القانونية ظاهر لأَنها مضادة لروح المُخَلص وحياته، ونحن نقول إننا قد أَطلعنا على واحد منها وهو انجيل برنابا فوجدناه أَكمل من مجموع الأربعة في تقديس الله وتوحيده وفي الحث على الآداب والفضائل، فإذا كان هذا برهانهم على رد تلك الأَناجيل الكثيرة وإثبات هذه الأَربعة فهو برهان يثبت صحة انجيل برنابا قبل غيره أَو دون غيره.
٥- بدىء تحريف الإنجيل من القرن الأول. قال بولس في رسالته إلى أهل غلاطية:١:٦ إني أَتعجب أَنكم تنتقلون هكذا سريعًا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر، لا ليس هو آخر غير أَنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أَن يحولوا إنجيل المسيح. فالمسيح كان له انجيل واحد، وبين بولس أَنه كان في عصره من القرن الأول أُناس يدعون المسيحيين إلى انجيل غيره بالتحويل أَي التحريف كما في الترجمة القديمة، وفي ترجمة الجزويت -يقلبوا- بدل يحولوا، وهي أَبلغ في التحريف والتبديل، وبين بولس أَن الناس كانوا ينتقلون سريعًا إلى دعاة هذا الإنجيل المحرف المحول عن أَصله الذي جاء به المسيح. وقد بين بولس في رسالته الثانية
стр. 42
إلى أهل كورنثيوس (١١: ١٣-١٥) أَن هؤلاء القوم الذين يحرفون إنجيل المسيح -رسل كذبة ماكرون مغيرون شكلهم إلى رسل المسيح- وتتمة العبارة تدل أَنهم كانوا كرسل المسيح ويشتبهون بهم كما يتشبه الشيطان بالملائكة إذ -يغير شكله إلى ملاك نور-.
وفي الفصل الخامس عشر من سفر الاعمال ما يوضح هذه المسأَلة وهو أَن اليهود كانوا ينبثون بين المسيحيين ويعلمونهم غير ما يعلمهم رسل المسيح، وأَن المشايخ والرسل أَرسلوا برنابا وبولس إلى انطاكية ليحذروا أَهلها من هؤلاء المعلمين الكاذبين، وأَن بولس وبرنابا تشاجرا وافترقا هنالك، وهما ما تشاجرا وافترقا إلا لاختلافهما في حقيقة تعليم المسيح، فبرنابا يذكر في مقدمة انجيله أَن بولس كان من الذين خالفوا المسيح في تعليمه.
ولا شك أَن برنابا أَجدر بالتقديم والتصديق من بولس لأَنه تلقى عن المسيح مباشرة وكان بولس عدوًا للمسيح والمسيحيين. ولولا أَن قدمه برنابا للرسل لما وثقوا بدعوة التوبة والإيمان بالمسيح، ولكن النصارى رفضوا انجيل برنابا المملوء بتوحيد الله وتنزيهه وبالحكمة والفضيلة وآثروا عليه رسائل بولس وأَناجيل تلاميذه ومرقس وكذا يوحنا كما حققه بعض علماء أُوربه، لأَن تعاليم بولس كانت أَقرب إلى عقائد الرومانيين الوثنية، فكانوا هم الذين رجحوها ورفضوا ماعداها، إذ كانوا هم أَصحاب السلطة الأولى في النصرانية، وهم الذين كونوها بهذا الشكل.
٦- اختلف علماء الكنيسة وعلماء التاريخ في الأَناجيل الأَربعة التي اعتمدوها في القرن الرابع من هم الذين كتبوها؟ ومتى كتبوها؟
стр. 43
وبأي لغة كتبت؟ وكيف فقدت نسخها الأصلية؟ كما ترى ذلك مفصلاً في دائرة المعارف الفرنسية الكبرى وفي غيرها من كتب الدين والتاريخ.
وهذه كلمات من كتب المدافعين عنها:
قال صاحب كتاب (مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين) إن متى بموجب اعتقاد جمهور المسيحيين كتب انجيله قبل مرقس ولوقا ويوحنا، ومرقس ولوقا كتبا انجيلهما قبل خراب أُورشليم، ولكن لا يمكن الجزم في أَية سنة كتب كل منهم بعد صعود المخلص لأَنه ليس عندنا نص إلهي على ذلك.
((إنجيل متى)) : قال صاحب ((ذخيرة الأَلباب)) أَن القديس متى كتب إنجيله في السنة ٤١ للمسيح باللغة المتعارفة يومئذ في فلسطين وهي العبرانية أَو السير كلدانية. (ثم قال) : ثم ما عتم هذا الإنجيل أَن ترجم إلى اليونانية ثم تغلب استعمال الترجمة على الأَصيل الذي لعبت به أَيدي النساخ الابونيين ومسخته بحيث أَضحى ذلك الأَصل هاملاً بل فقيدًا وذلك منذ القرن الحادي عشر. اهـ.
أقول يا ليت شعري من هو الذي ترجم إنجيل متى باليونانية ومن عارض هذه الترجمة على الاصل قبل أَن يعبث به النساخ ويمسخوه. الله أعلم.
ثم قال صاحب الذخيرة: يترجح أَنه كتبه في نفس أُورشليم. وقال: إنما هو رواية جدلية عن المسيح لا ترجمة حياته.
وقال: إن البروتستانت المتاخرين امتروا وشكوا في كون الفصلين الأولين منه لمتى.
стр. 44
وقال الدكتور (بوست) في قاموس الكتاب المقدس: واختلف القول بخصوص لغة هذا الإنجيل هل هي العبرانية أَو السريانية التي كانت لغة فلسطين في تلك الأيام؟ وذهب آخرون إلى أَنه كتب باليونانية كما هو الآن. ثم تكلم في شبهة عظيمة على أَصل هذا الانجيل تكلم فيها صاحب الذخيرة أيضًا، وهي أَن شواهده في العظات من الترجمة السبعينية للعهد العتيق، وفي بقية القصة من الترجمات العبرانية. وأَجاب كل منهما عن ذلك بما تراءى له.
ثم رجح (بوست) أَنه أَلف باليونانية خلافًا لجمهور رؤساء الكنيسة المتقدمين. فثبت بهذا وذاك أَنه لا علم عندهم بتاريخه ولا لغته (وإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) .
ثم قال: ولا بد أَن يكون هذا الانجيل قد كتب قبل خراب أُورشليم. إلى أَن قال: ويظن البعض أَن انجيلنا الحالي كتب بين سنة ٦٠ وسنة ٦٥. وقد علمت أَن صاحب الذخيرة زعم أَنه كتب سنة ٤١، وأَن هي إلا ظنون وأَوهام يناطح بعضها بعضًا.
وأَما علماء النصارى الأَقدمين فالمأْثور أَن متى لم يكتب هذا الانجيل وإنما كتب بعض أَقوال المسيح باللغة العبرانية، والنصارى يحتجون الآن على كون هذه الأناجيل التي لا سند لها لفظيًا ولا كتابيًا كانت معروفة في العصور الأولى بأَقوال لأولئك العلماء المتقدمين هي حجة عليهم لا لهم، وقد جاء في ((المنار)) بيان ذلك غير مرة.
وأَقدم شهادة يتناقلونها في ذلك شهادة (بابياس) أَسقف هيرابوليس في منتصف القرن الثاني فقد نقل عنه (أُوسابيوس) المتوفي سنة ٣٤٠ ما ترجمته:
стр. 45
إن متى كتب مجموعة من الجمل باللغة العبرانية، وقد ترجمها كل بحسب طاقته.
ويمتاز انجيل متى بأَن من نسب إليه من تلاميذ المسيح، وبأَنه أَقرب إلى التوحيد وأَبعد عن الوثنية من سائر الأناجيل.
((انجيل مرقس)) : ذكر صاحب الذخيرة أَن مرقس كان عبرانيًا ملة (أَي لا نسبًا) وأَنه كان تلميذًا لبطرس وتبناه بطرس، وأَنه اقتبس انجيله من انجيل متى ومن خطب بطرس، وأَن بعض المتأَخرين زعموا أَنه كان يوجد إنجيل سابق لإنجيلي متى ومرقس أَخذا عنه إنجيلهما، وأَن بعض البرتستانت شكوا في الاعداد الإثني عشر الأخيرة من الفصل السادس عشر من هذا الإنجيل لأَسباب منها أَنه لا ذكر لها في النسخ الخطية القديمة.
وقال (بوست) : مرقس لقب يوحنا، يهودي يرجح أَنه ولد في أُورشليم. (قال) وتوجه مرقس مع بولس وبرنابا خاله في رحلتهم التبشيرية الأولى غير أَنه فارقهما في (برجه) فصار علة مشاجرة قوية بين بولس وبرنابا وبعد ذلك تصافح مع بولس فرافقه إلى (رومية) وكان مع بطرس لما كتب رسالته الأولى (١ بط ٥: ١٣٦) ثم مع ثيموناوس في (افسس) ولا يعرف شيء حقيقي عن حياته بعد ذلك.
ثم ذكر أَنه كتب انجيله باليونانية وشرح فيه بعض الكلمات اللاتينية فاستدل بذلك على أَنه كتبه في رومية. (قال) إنما المشابهة بين انجيلي متى ومرقس حملت بعض الناس على أَن يعتقدوا أَن الثاني مختصر من الأَول.
стр. 46
ولم يذكر هذا ولا ذاك تاريخ كتابة هذا الانجيل، وقد روي عن ابرنياوس أَنه كتبه بعد موت بطرس وبولس فلم يطلعا عليه. فكيف نثق بأَنه وعى ما سمعه من بطرس وأَداه كما سمعه؟ هذا إذا صحت نسبته إليه بسند متصل، ولن تصح.
((إنجيل لوقا)) : قال في الذخيرة: أَن لوقا كان من انطاكية. ومن الشراح من ظن أَنه اغريقي متهود لأَنه لا يذكر الكتاب المقدس إلا نقلاً عن الترجمة السبعينية. ومنهم من قال أَنه وثني هاد إلى الحق وارتد إلى الدين القويم. وقال: لوقا كان تلميذًا ومعاونًا لبولس.
ثم قال ما نصه: وقد أَغفل متى ومرقس بعض حوادث وأُمور تتعلق بسيرة المسيح وقام بعض الكتبة واختلقوا ترجمة مموهة ليسوع المسيح، وكثيرًا ما فاتهم فيها الرواية والتدقيق، فبعث ذلك بلوقا على وضع إنجيله ضنًا بالحق فكتبه باليونانية وجاء كلامه أَصح وأَفصح وأَشد انسجامًا من كلام باقي مؤلفي العهد الجديد. وذهب كثير من المحققين إلى أَنه كتب إنجيله في السنة ٥٣ للمسيح. وقيل بل سنة ٥١.
ثم ذكر الخلاف في المكان الذي كتبه فيه وبين غرضه منه فقال في آخره: -
وأَن يكشف النقاب عن الأَغلاط المدخولة في تراجم حياة المسيح المموهة -أَي الأَناجيل التي ردتها الكنيسة بعد- وينفي كل ركون إليها، ثم يبين أَنه كان يحمل إنجيلي متى ومرقس وأَنه اقتبس منها ما وافقهما فيه. ثم عقد فصلا لما اعترض به على ما حذفوه وأَسقطوه من هذا الإنجيل لأَنهم رأَوه لا يليق بالمسيح أو لعلة أُخرى.
стр. 47
وقال الدكتور بوست في قاموسه: ظن بعضهم أَنه - أَي لوقا مولود في انطاكية إلا أَن ذلك ناتج من اشتباهه بلو كيوس، قال: ومن تغيير صيغة الغائب إلى صيغة المتكلمين في سياق القصة يستدل على أَن لوقا اجتمع مع بولس في ترواس -أَع ١٦: ١- وذهب معه إلى فيلبي في سفره الثاني ثم اجتمع معه ثانية في فيلبي بعد عدة سنين -أَع ٢٠: ٥ر٦- وبقي معه إلى أَن أُسر وأُخذ إلى رومية -أَع ٢٨: ٢٠- ولم يعلم شيء من حياته بعد ذلك.
فلينظر القاريء كيف يستنبطون تاريخه من أُسلوب عبارته التي لم تصل إليهم بسند متصل لا صحيح ولا ضعيف، كما استدلوا على كونه إيطاليًا لا فلسطينيًا من كلامه عن القطرين، ذلك بأَنه ليس عندهم نقل يعرفون به شيئًا عن مؤسسي دينهم.
ثم قال: وظن البعض أَن لفظة انجيل الواردة -٣: تي ٢: ٨- تدل على أَن بولس أَلف انجيل لوقا لم يكن إلا كاتبًا.
ثم قال: - وقد كتب هذا الإنجيل قبل خراب أُورشليم وقبل الأعمال ويرجح أَنه كتب في قيصرية في فلسطين مدة أَسر بولس؟ من ٥٨-٦٠ م غير أَن البعض يظنون أَنه كتب قبل ذلك.. اهـ.
فأنت ترى من التعبير بلفظ الترجيح والظن ومن الخلاف بين سنة ٥١ و ٥٣ كما في الخلاصة و ٥٨ و ٦٠ كما أَنه لا علم عند القوم بشيء (وإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) ولعل الذين قالوا إن بولس هو الذي كتب هذا الإنجيل هم المصيبون لمشابهة أُسلوبه لأسلوب رسائله باعترافهم. فإن قيل وما تفعل بتحريفه؟ قلت هو كتحريفها وتجد فيه مثل ما تجد فيها من ذكر وضع بعض الناس لأَناجيل
стр. 48
كاذبة. ومن لنا بدليل يثبت لنا صدقه هو؟ وأَنى لنا بتمييز هذه الأَناجيل ومعرفة صادقها من كاذبها؟
((إنجيل يوحنا)) . تقول النصارى: إن يوحنا هذا هو تلميذ المسيح ابن زبدي وسالومه، ويقول أَحرار المؤرخين منهم غير ذلك كما في دائرة المعارف الفرنسية، ويرجح بعضهم أَنه من تلاميذ بولس أيضًا.
وذكر في الذخيرة ثلاثة أقوال في تاريخ كتابته وهي ٦٤ و ٩٤ و ٩٧ وأَنه كتبه باليونانية ليثبت أُلوهية المسيح ويسدد النقص الذي في الأَناجيل الثلاثة -إجابة لرغبة أَكثر الأَساقفة ونواب كنائس آسية وإلحاحهم عليه أَن يبقى من بعده ذكرًا مخلدًا- ومفهوم هذا أَنه لولا هذا الإلحاح لم يكتب ما كتب، وإذا لبقيت أَناجيلهم ناقصة وخلوا من شبهة على عقيدتهم المعقدة التي لا تعقل، إذ لا توجد الشبهة عليها إلا في هذا الإنجيل الذي هو أَكثر الأَناجيل تناقضًا، وناهيل بجمعه بين الوثنية والتوحيد، وقوله عن المسيح: أَنه إن كان يشهد لنفسه فشهادته حق، ثم قوله عنه في موضع آخر: أَنه وإن كان يشهد لنفسه فشهادته ليست حقًا- إلى أَمثال ذلك.
وقال الدكتور بوست: ويظن أَنه كتب في أَفسس بين سنة ٧٠ و ٩٥. ثم قال في الرد على علماء أوربه الأَحرار ما نصه:
وقد أَنكر بعض الكفار قانونية هذا الإنجيل لكراهتهم تعليمه الروحي ولا سيما تصريحه الواضح بلاهوت المسيح. غير أَن الشهادة بصحته كافية: فإن بطرس يشير إلى آية منه ٢ بط ١: ١٤ قابل يو ٢١: ١٨ وأَغناطيوس وبوليكريس يقتطفان من روحه وفحواه وكذلك الرسالة إلى ديو كنيتس وباسيلدس وجوستينس الشهيد وتانيانس. وهذه الشواهد يرجع بنا زمانها إلى منتصف القرن الثاني
стр. 49
وبناء على هذه الشهادة وعلى نفس كتابته الذي يوافق ما نعلمه من سيرة يوحنا نحكم أَنه من قلمه. وإلا فكاتبه من المكر والغش على جانب عظيم. وهذا الأمر يعسر تصديقه لأَن الذي يقصد به أَن يغش العالم لا يكون روحيًا ولا يتصل إلى علو وعمق الأَفكار والصلوات الموجودة فيه. وإذا قابلناه بمؤلفات الآباء رأَينا بينه وبينها بونًا عظيمًا حتى نضطر للحكم أَنه لم يكن منهم من كان قادرًا على تأْليف كهذا، بل لم يكن بين التلاميذ من يقدر عليه إلا يوحنا، ويوحنا ذاته لا يستطيع تأْليفه بدون إلهام من ربه. اهـ.
أَقول: إن من عجائب البشر أَن يقول مثل هذا القول أَو ينقله معتمدًا له عالم طبيب كالدكتور بوست فإنه كلام لا يخفى بطلانه وتهافته على الصبيان، ولا أًَعقل له تعليلاً إلا أَن يكون تصنعًا وغشًا لارضاء عامة النصارى لا لإرضاء اعتقاده ووجدانه، أَو يكون التقليد الديني من الصغر قد ران على قلب الكاتب فسلبه عقله واستقلاله وفهمه في كل ما يتعلق بأَمر دينه. وإليك البيان بالإيجاز:
إن الدكتور بوست من أَعلم الأوربيين اللذين خدموا دينهم في سورية وأَوسعهم اطلاعًا، وهو يلخص في قاموسه هذا أَقوى ما بسطه علماء اللاهوت في إثبات دينهم وكتبهم ورد اعتراضات العلماء عليها. فإذا كان هذا منتهى شرطهم في إثبات إنجيل يوحنا الذي هو عمدتهم في عقيدة تأْليه المسيح، فما هو الظن بكلام المؤرخين الأَحرار والعلماء المستقلين في إبطال هذا الإنجيل؟
إبتدأَ رده على منكري هذا الإنجيل بأَن بطرس أَشار إلى آية منه في رسالته الثانية. فهذا أَقوى برهان عندهم على كون هذا الإنجيل كتب في العصر الأول.
стр. 50
فأول ما نقوله في رد هذا الدليل الوهمي أَن رسالة بطرس الثانية كتبت في بابل سنة ٦٤، ٦٨ كما قاله صاحب كتاب (مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين) وانجيل يوحنا كتب سنة ٩٥ أَو ٩٨ على ما اعتمده بوست وصاحب هذا الكتاب وسائر علماء طائفتهم (البروتستانت) فهو قد أُلف بعد كتابة رسالة بطرس بثلاثين سنة أَو أَكثر على رأْيهم، فإذا وافقها في شيء فأَول ما يخطر في بال العاقل أَنه نقله عنها وإن أُلف بعدها بعدة قرون، فكيف يكون ذلك دليلاً على صحته؟ ولو لم يكن في رد هذه الشبهة الواهية إلا احتمال نقل المتأَخر وهو مؤلف انجيل يوحنا عن المتقدم وهو بطرس لكفى، وهم جازمون بتقدمه عليه وإن لم يكن عندهم تاريخ صحيح لأَحد منهما، بل تاريخ ولادة الههم وربهم الذي يؤرخون به كل شيء فيه خطأ كما حققه يعقوب باشا أَرتين وغيره.
ونقول (ثانيًا) : إننا قابلنا بين -٢ بط ١: ١٤- وبين -يو ٢١: ١٨- فلم نجد في كلام بطرس في ذلك العدد إشارة واضحة إلى ماذكره يوحنا. فعبارة بطرس التي سموها شهادة له هي قوله -عالمًا أَن خلع سكني قريب كما أَعلن لي ربنا يسوع المسيح أَيضًا- وعبارة يوحنا المشهود لها هي أَن المسيح قال لبطرس -الحق الحق أَقول لك لما كنت أَكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك وتمشي حيث تشاء. ولكن متى شخت فإنك تمد يدك وآخر يمنطقك ويحملك حيث لا تشاء-.
فمعنى عبارة بطرس أَنه يستبدل مسكنه باختياره ويرحل عن القوم الذين يكلمهم. ومعنى عبارة المسيح أَنه إذا شاخ وهرم يقوده من يخدمه ويشد له منطقته، فإن فرضنا أَن بطرس كتب هذا بعد
стр. 51
يوحنا لم يكن فيه أَدنى شبهة على تصديق يوحنا في عبارته هذه، فضلاً عن تصديقه في كل إنجيله، فما أَوهى دينًا هذه أسسه ودعائمه!
ذكرني هذا الاستدلال نادرة رويت لي عن رجل هرم من صيادي السمك- ولا أذكر هذا الوصف تعريضًا بتلاميذ المسيح ﵇ وعليهم الرضوان- قال: إن رجلاً غريبًا من الدراويش علمه سورة لا يعرفها أحد من خلق الله سواهما إلا أَن خطيب البلد يحفظ منها كلمتين يدلان على أَصلها. وأَول هذه السخافة التي سماها سورة:
الحمد لله الذين المددا. عند النبي أَشهدا، نبينا محمدًا، في الجنان مخلدا، أَجت فاطمة الزهرا، بنت خديجة الكبرى، آلت لو يابابتي يابابتي علمني كلمتين الخ. والكلمتان اللتان يحفظهما الخطيب منها هما فاطمة الزهرا، وخديجة الكبرى، ﵄، لأَنه كان يقول في دعاء الخطبة الثانية بعد الترضي عن الحسن والحسين، وارض اللهم عن أَمهما فاطمة الزهرا، وعن جدتهما خديجة الكبرى.
ولا يخفى على القاريء أَن الاتفاق بين هذه الأَسجاع العامية وخطبة خطيب البلد في تينك الكلمتين أَشهر من الاتفاق بين رسالة بطرس وانجيل يوحنا، بل ليس بين هذا الإنجيل وهذه الرسالة اتفاق ما فيما زعموه تكليفًا وتحريفًا للعبارة عن معناها.
وأَما استدلاله باقتطاف اغناطيوس وبوليكريس من روح هذا الإنجيل فهو مثل استدلاله بشهادة بطرس له بل أَضعف. إذ معنى هذا الاقتطاف أَنه روي عن هذين الرجلين شيء يتفق مع بعض معاني هذا الإنجيل فإذا سلمنا أَن هذا صحيح فهو لا يدل على أَن هذا الإنجيل كان معروفًا في زمنهما في القرن الثاني للمسيح لأَنهما لم يذكراه ولم يعزوا إليه شيئا. ويجوز أَن يكون ما اتفقا فيه من المعنى -إن
стр. 52
صح ذلك ولم يكن كالاتفاق الذي ذكروه- بينه وبين بطرس مقتبسًا من كتاب آخر كان متداولاً في ذلك الزمان، كما يجوز أَن يكون مأْخوذًا من التقاليد الموروثة عند بعض شعوبه. مثال ذلك: أَن يوحنا انفرد باستعمال لفظ -الكلمة- والقول بألوهية الكلمة، ولم يؤثر هذا عن غيره من مؤلفي الكتب المقدسة عندهم، ولا عن أَحد من تلاميذ المسيح. وقد بينا في تفسير (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) (١) أَن هذه العقيدة وهذا اللفظ مما أَثر عن اليونان والبراهمة والبوذيين وقدماء المصريين. وبحث فيها أَيضًا (فيلو) الفيلسوف اليهودي المعاصر للمسيح. فإذا فرضنا أَن (أَغناطيوس) استعمل هذا اللفظ وذكر هذه العقيدة في القرن الثاني، لا يكون هذا دليلاً على نقلها عن يوحنا وعلى أَن انجيل يوحنا ورسالته ورؤياه كانت معروفة في القرن الثاني. لاحتمال أَن يكون نقل ذلك عن الأمم الوثنية التي كانت تدين بهذه العقيدة قبل يوحنا وقبل المسيح ﵇ وإذا كان الاتفاق بينهما في المعنى الذي انفرد به يوحنا عن غيره لا يدل على ذكر فكيف يدل عليه الاتفاق في المعاني الأخرى التي لم ينفرد بها يوحنا؟
فتبين من هذا النقد الوجيز أَن ما ذكره بوست وسماه كغيره شهادة لإنجيل يوحنا ليس شهادة، وأَن ما سميناه شهادة مندوحة لنا عن القول بأَنها شهادة زور. وأَما زعمهم أَن كتابة هذا الإنجيل توافق سيرة يوحنا ولا يقدر عليه غيره، فهو تمويه نقضوه بقولهم إنه هو لا يقدر عليه أَيضًا إلا بالإلهام إذ كل ملهم يقدر باقدار الله الذي أَلهمه، وليس ليوحنا عندهم سيرة تثبت أَو تنفي.
стр. 53
بقي استدلاله الأَخير على صحة هذا الإنجيل بأَنه لو لم يكن من قلم يوحنا لكان الكاتب له على جانب عظيم من المكر والغش. قال: هذا الأَمر يعسر تصديقه لأَن الذي يقصد أَن يغش العالم لا يكون روحيًا. الخ. فنقول إن هذا الاستدلال ينبىء بسذاجة من اخترعه ونقله وغرارتهم. وإن شئت قلت بغباوتهم أَو قصدهم مخادعة الناس، وبطلانه بديهي، فإن الكاتب للمعاني الروحية لا يجب أَن يكون روحيًا، والكاتب في الفضائل لا يقضي العقل أَن يكون فاضلا. وقد كان في مصر كاتب من أَبلغ كتاب العربية في الأَخلاق والفضائل. ومع هذا وصفه بعض عارفيه بقوله: إن حروف الفضيلة تتأَلم من لوكها بفمه، ووخزها بسن قلمه. وأَن الروحانية التي نجدها في انجيل برنابا وما فيه من تقديس الله وتنزيهه، ومن الأَفكار والصلوات، لهو أَعلى وأَشد تأْثيرًا في النفس من انجيل يوحنا، ويزعمون مع هذا كله أَنه قصد به غش الناس، وتحويلهم عن التثليث والشرك إلى التوحيد والتنزيه.!!!
إن هذا المسلك الأخير الذي سلكه بوست في الاستدلال على صحة نسبة انجيل يوحنا إليه يقبله المقلدون لعلماء اللاهوت عندهم بغير بحث ولا نظر، والناظر المستقل يراه يؤدي إلى بطلان نسبته إليه لأَسباب أَهمها ثلاثة:
١- أَنه جاء بعقيدة وثنية نقضت عقيدة التوحيد الخالص المقررة في التوراة وجميع كتب أنبياء بني إسرائيل، وقد صرح المسيح بأَنه ما جاء لينقض الناموس بل ليتممه، وأَصل الناموس وأَساسه الوصايا العشر، وأَولها وأَولاها بالبقاء ودوام البناء وصية التوحيد.
стр. 54
٢- مخالفته في عقيدته وأُسلوبه لكل ما هو مأْثور عن جماعته وقومه قبل المسيح وبعده.
٣- مخالفته للأَناجيل التي كتبت قبله في أُمور كثيرة أَهمها تحاميه ما ذكر فيها من الأَعراض البشرية المنسوبة إلى المسيح مما ينافي الألوهية كتجربة الشيطان له وخوفه من فتك اليهود به وتضرعه إلى الله خائفًا متألمًا ليصرف عنه كيدهم وينقذه منهم، وصراخه وقت الصلب من شدة الألم - إلى غير ذلك.
ومن تأمل أَساليب الأَناجيل وفحواها يرى أَن إنجيل يوحنا غريب عنها ويجزم بأَن كاتبه متأَخر سرت إليه عقائد الوثنيين، فأَحب أَن يلقح بها المسيحيين.
ونقول (ثانيًا) : إذا فرضنا أَن موافقة بعض أَهل القرن الثاني لهذا الإنجيل في روح معناه يعد شهادة له بأَنه كان موجودًا في منتصف القرن الثاني، فأَين الشهادة التي تثبت أَنه كان موجودًا في القرن الأَول والصدر الأَول مما بعده؟
ثم تبين لنا من تلقاه عنه حتى وصل إلى أُولئك الذين اقتطفوا من روحه.
بعد كتابة ما تقدم راجعت (إظهار الحق) فرأَيته استدل على أَن انجيل يوحنا ليس من تصنيف يوحنا الذي هو أَحد تلاميذ المسيح بعدة أُمور. (منها) : أُسلوبه الذي يدل على أَن الكاتب لم يكتب ما شاهده وعاينه بل ينقل عن غيره. (ومنها) : آخر فقرة منه وهي ما أَوردناه في الاستدلال على أَنه لم يكتب عن أَحوال المسيح وأَقواله إلا القليل، فإنه ذكر فيها يوحنا بضمير الغائب وأَنه كتب وشهد
стр. 55
بذلك. فالذي ينقل هذا عنه لا بد أَن يكون غيره، وقصاراه أَنه ظفر بشيء مما كتبه فحكاه عنه ونقله في ضمن إنجيله، ولكن أَين الأَصل الذي ادعى أَن يوحنا كتبه وشهد به؟
وكيف نثق بنقله عنه ونحن لا نعرفه، ورواية المجهول عند محدثي المسلمين وجميع العقلاء لا يعتد بها البتة. (ومنها) : أَنهم نقلوا أَن الناس أَنكروا كون هذا الإنجيل ليوحنا في القرن الثاني على عهد (أَرينيوس) تلميذ (بوليكارب) الذي هو تلميذ يوحنا، ولم يرد عليهم أرينيوس بأَنه سمع من بوليكارب أَن أُستاذه يوحنا هو الكاتب له (ومنها) نقله عن بعض كتبهم ما نصه: كتب استادلن في كتابه: ان كافة إنجيل يوحنا تصنيف طالب من طلبة مدرسة الإسكندرية بلا ريب. (ومنها) : أَن المحقق (برطشنيدر) قال: إن هذا الإنجيل كله وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه بل صنفها أَحد (كذا) في ابتداء القرن الثاني. (ومنها) : أَن المحقق (كروتيس) قال إن هذا الإنجيل عشرين بابًا أَلحقت كنيسة أَفساس الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا. (ومنها) أَن جمهور علمائهم ردوا إحدى عشرة آية من أَول الفصل الثامن الخ.
٧- علمنا مما تقدم أَن النصارى ليس عندهم أَسانيد متصلة ولا منقطعة لكتبهم المقدسة، وإنما بحثوا ونقبوا في كتب الأَولين والآخرين وفلوها فليا لعلهم يجدون فيها شبهة دليل على أَن لها أصلاً كان معروفًا في القرون الثلاثة الأولى للمسيح، ولكنهم لم يجدوا شيئًا صريحًا يثبت شيئًا منها، وإنما وجدوا كلمات مجملة أَو مبهمة فسروها كما شاءت أَهواؤهم وسموها شهادات ونظموها في سلك الحجج والبينات، وإن كانت هي أَيضًا غير منقولة عن الثقات،
стр. 56
ثم استنبطوا من فحواها ومضامينها مسائل متشابهة زعموا أَن كلا منها يؤيد الآخر ويشهد له، وقد أَشرنا إلى ضعف كل واحدة من هاتين الطريقتين.
فثبت بهذا البيان الوجيز صدق قول القرآن المجيد: (فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ) (١) وثبت به أَنه كلام الله ووحيه، إذ ليس هذا مما يعرف بالرئي حتى يقال إن النبي ﷺ قد اهتدى إليه بعقله ونظره.
ونظير هذه العبارة وأَمثالها في الدلالة على كون القرآن من عند الله تعالى قوله تعالى: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء) (٢) فأَنت ترى مصداق هذا القول بين فرقهم وبين دولهم لم ينقطع زمنًا ما.
٨- ان أَحد فلاسفة الهنود درس تاريخ الأَديان كلها وبحث فيها بحث مستقل منصف، وأَطال البحث في النصرانية لما للدول المنسوبة إليها من الملك وسعة السلطان والتبريز في الفنون والصناعات ثم نظر في الإسلام فعرف أَنه الدين الحق فأَسلم، وأَلف كتابًا باللغة الإنجليزية سماه ((لماذا أَسلمت)) بين فيه ما ظهر له من مزايا الإسلام على جميع الأَديان، وكان أَهمها عنده أَن الإسلام هو الدين الوحيد الذي له تاريخ صحيح محفوظ فالآخذ به يعلم أَنه هو الدين الذي جاء به محمد بن عبد الله النبي الأمي العربي المدفون في المدينة المنورة من بلاد العرب. وقد كان من مثار العجب عنده أَن ترضى أُوربه لنفسها دينًا ترفع من تنسبه إليه عن مرتبة البشر فتجعله إلهًا وهي لا تعرف من تاريخه شيئًا يعتد به، فإن هذه الأناجيل الأربعة
стр. 57
على عدم ثبوت أَصلها، وعدم الثقة بتأْريخها ومؤلفيها لا تذكر من تاريخ المسيح إلا وقائع قليلة، حدثت كما تقول في أَيام معدودة. ولا يذكر فيها شيء يعتد به عن نشأَة هذا الرجل وتربيته وتعليمه وأَيام صباه وشبابه، ولله في خلقه شئون. اهـ.
بل إن كثيرًا من مفكريهم وأُدبائهم وعلمائهم المعاصرين يعترفون أَن الأَناجيل الموجودة ليست سوى مجموعة كتب كتبت في أَوقات متباعدة عن بعضها فقد جاء في دائرة المعارف البريطانية في المجلد الخامس صحيفة ٦٣٦ طبعة ١٩٥٣ ما نصه: -لم يبق من أَعمال السيد المسيح شيء ولا كلمة واحدة مكتوبة- وقال اللورد هدلي في أَحد كتبه: - ليس الإنجيل إلا مجموعة كتب كتبت في أَوقات متباعدة عن بعضها-. وقال الأستاذ ولز: إن السيد المسيح هو راضع نواة المسيحية وليس بمنشئها. وقال أيضًا: إن بعض الكتاب يرى أَن السيد المسيح لا تربطه بالمسيحية الحاضرة أَية صلة.
ولعل من أَبرز الدلائل على التحريف والتغيير والتبديل ما يزعمه النصارى من أَن عيسى ابن الله ورسوله - ففضلاً عما لدينا من كتاب الله وسنة رسوله من النصوص الواضحة في أَنه عبد الله ورسوله وكلمته أَلقاها إلى مريم وروح منه- فقد جاء في دائرة المعارف البريطانية المجلد الخامس منها ما نصه: -إن سيدنا عيسى ﵇ لم تصدر عنه أَي دعوى تفيد أَنه من عنصر إلهي أَو من عنصر أَعلى من العنصر الإنساني المشترك- كما أَنه جاء فيها أَن كثيرًا من المراسيم والطقوس الكنيسية المعمول بها الآن لم يمارسها سيدنا عيسى نفسه ولم يأْمر بها.
стр. 58
وقد يكون من المناسب أَن نذكر خلاصة أَقوال استشهد بها الأستاذ أَحمد علوش في كتابه ((The Religion of Islam)) لعلماء مسيحيين غيورين على المسيحية. أَحد هذه الأقوال: أَن الأَناجيل الأَربعة الموجودة الآن سبقتها محاولات عديدة وقد كان قبل هذه الأَربعة عدة أَناجيل. القول الثاني: أَن نسبة الأَناجيل الأَربعة الموجودة الآن إلى كاتبيها المعنيين نسبة مشكوك فيها ولم تثبت صحتها حتى الآن وما زالت مصدر أَخذ ورد.
الثالث: هذه الأَناجيل الأَربعة أُلفت تأْليفًا ولم تصدر عن وحي.
الرابع: يختلف إنجيل يوحنا عن الأَناجيل الثلاثة الأخرى اختلافًا شديدًا واضحًا.
الخامس: الأَناجيل الثلاثة الأخرى تختلف فيما بينها اختلافًا واضحًا كبيرًا. وان كان الاختلاف فيما بينها أَقل بالنسبة إلى إنجيل يوحنا.
أَما ما ذكره الأخ شمس الدين أَحمد من أَن من ناقشوه من رجال الدين المسيحي تعرضوا للقرآن. فلم يذكر لنا الطريقة التي تعرضوه بها حتى يكون ردنا عليهم متجهًا نحوها. ولعله وفقه الله يذكر لنا الشبه التي ذكروها له لأَن مجرد قولهم بأَن القرآن لم يسلم من التحريف يكفي في الرد عليهم به أَنهم كذابون وأَن الله تعالى تولى حفظه عن التغيير والتبديل والتحريف. قال تعالى وهو أَصدق القائلين: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (١) . وقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ - لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (٢) .
стр. 59
فلقد نقل القرآن إلينا بالنقل المتواتر بإجماع الأمة عن رسول الله ﷺ بأَلفاظه ومعانيه. كما أَن كثيرًا من المسلمين سلفهم وخلفهم يحفظون القرآن في صدورهم حفظًا يستغنون به عن القراءة في المصاحف مصداقًا لما ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أَنه قال: ((إِنَّ رَبي قَالَ لِيْ إِني مُنَزِّل عَلَيْكَ كِتَابًا لا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَأُهُ نَائِمًا ويَقْظَانًا)) . فلو غسل بالماء من المصاحف لم يغسل من القلوب، ولو أُخفيت بعض قراطيسه كما هي الحال في التوراة والإنجيل وغيرهما لما خفي الأَمر على المسلمين فضلاً عن حفَّاظهم.
بل إن من كمال الحق ما شهد به الأَعداء فلقد قال ((السير وليم موير)) وهو أَحد خصوم الإسلام حسبما حكاه عنه الدكتور حسنين هيكل في كتابه (حياة محمد) (١) : ومع ما أَدى إليه مقتل عثمان نفسه من قيام شيع متعصبة ثائرة زعزعت ولا تزال تزعزع وحدة العالم الإسلامي فإن قرآنًا واحدًا قد ظل دائمًا قرآنها جميعًا، وهذا الإسلام منها جميعًا إلى كتاب واحد على اختلاف العصور حجة قاطعة على أَن ما أَمامنا اليوم إنما هو النص الذي جمع بأَمر الخليفة السيء الحظ (٢) والأَرجح أَن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل اثني عشر قرنًا كاملاً بنص هذا مبلغ صفائه ودقته.
стр. 60
وقال في موضع آخر (١) : والنتيجة التي نستطيع الاطمئنان إلى ذكرها هي أَن مصحف زيد وعثمان لم يكن دقيقًا فحسب بل كان كما تدل عليه الوقائل كاملاً وانَّ جامعيه لم يتعمدوا إغفال أَي شيء من الوحي، ونستطيع كذلك أَن نؤيد إستنادًا إلى أَقوى الأَدلة أَن كل آية من القرآن دقيقة في ضبطها كما تلاها محمد.
وقال هيكل بعد ذلك (٢) : أَطلنا في اقتطاف عبارات ((سير وليم موير)) على أَن ما اقتطفناه يغنينا عن ذكر ما كتبه (الأَب لامنسي)) و ((فون هامر)) ومن يرون هذا الرأي من المستشرقين هؤلاء جميعًا يقطعون بدقة القرآن الذي نتلوه اليوم بأَنه يحتوي على كل ما تلاه محمد على أًَنه الوحي الذي تلقاه من ربه صادقًا كاملاً. فإذا ذهبت بعد ذلك قلة من المستشرقين غير مذهبهم غير آبهين بالأَدلة العلمية التي ساقها ((موير)) وكثرة المستشرقين كان ذلك تجنيًا على الإسلام لم يمله غير الحقد على الإسلام، وعلى صاحب الرسالة الإسلامية. اهـ.
وقال ((اربثنت)) : ولقد ظل القرآن كما هو حتى اليوم بدون أَي تحريف أو تبديل لا من المتحمسين له ولا من ناقليه إلى لغات أُخرى ولا ممن يتربصون به الدوائر وهو موقف لم يقفه مع الأَسف أَي كتاب من كتب العهدين القديم والحديث معًا.
وقال (لوزتنا بوز) كذلك: فلم تكن هناك أَي فرصة لتبديل أَي جزء في القرآن أَو تحويره ولو بوازع الحماس له، وهو الكتاب الوحيد
стр. 61
الذي ينفرد بهذه الميزة بين سائر الكتب التي جاءت بها الديانات القديمة العظمى.
هذا ما تيسر لنا إيراده، وبالله التوفيق. والسلام عليكم.
(ص-ف-٢٨٥٢-١ في ١٣-٧-٨٧هـ) ... مفتي الديار السعودية
(٩- الثناء في القرآن على طائفة من النصارى استجابت للحق لا على جميع النصارى. جواز لعن النصارى)
وصل إلى دار الإفتاء من الأَخ عمر الغيلان بمكة المكرمة سؤال يقول فيه: إن الله تعالى يقول في كتابه عن النصارى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى) الآيات (١) ومعلوم لدينا في الوقت الحاضر عداوتهم الشديدة للإسلام والمسلمين. فما موقفنا منهم؟ ويقول: هل تجوز اللعنة عليهم كما جازت على اليهود؟ ويصف شدة حيرته في هذه المسأَلة.
فأَجاب سماحة المفتي بالجواب التالي:
ليس في الثناء المذكور في هذه الآيات ما يوجب الحيرة في شأْن النصارى والتوقف في لعنتهم، فإن الموصوفين بتلك الصفات ليس المقصود بهم جميع النصارى بل طائفة منهم استجابت للحق ولم تستكبر عن اتباعه. وفي تعيين تلك الطائفة مسلكان للمفسرين:
١- أَن المقصود بهذه الطائفة أًصحاب النجاشي: اما الذين آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين كما في رواية أَبي الشيخ وابن جرير
стр. 62
عن عطاء. واما الذين قدموا على رسول الله ﷺ من نصارى الحبشة، لما أَخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أَبي حاتم وأَبو الشيخ عن مجاهد أَنه قال في قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى) قال هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأَصحابه من أَرض الحبشة.
٢- إن تلك الطائفة قوم كانوا على شريعة عيسى ﵇ من أَهل الإيمان فلما بعث الله نبيه محمدًا ﷺ آمنوا به وصدقوه، لما أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وأَبو الشيخ عن قتادة في قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى) قال أُناس من أَهل الكتاب كانوا على على شريعة من الحق مما جاء به عيسى يؤمنون به وينتهون إليه فلما بعث الله نبيه محمدًا ﷺ صدقوه وآمنوا به وعرفوا ما جاء به من الحق أَنه من عند الله فأَثنى عليهم بما تسمعون. وعلى هذين التفسيرين اقتصر ابن جرير الطبري في تفسيره. اختار أَن هذه الآيات في صفة أَقوام بهذه المثابة سواء كانوا أَصحاب النجاشي أَو غيرهم. وعبارته: والصواب في ذلك عندي أَن الله وصف صفة قوم قالوا إنا نصارى أَن نبي الله ﷺ يجدهم أَقرب الناس ودادًا لأَهل الإيمان بالله ورسوله ولم يبين لنا أَسماءهم. وقد يجوز أَن يكون اريد بذلك أَصحاب النجاشي. ويجوز أَن يكون أُريد به قوم كانوا على شريعة عيسى ﵇ فأَدركهم الإسلام فأَسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أَنه الحق ولم يستكبروا عنه.
وتوجيه هذه الآيات إلى أَنها في طائفة معينة من النصارى استجابت للحق. هو المشهور، وهو الذي يقتضيه سياق الآيات المسئوول عنها
стр. 63
وإليه مال العلامة ابن القيم في (هداية الحيارى من اليهود والنصارى) .
ثم قال بعد كلام طويل في هذه الآيات: والمقصود ان هؤلاء -أَي الموصوفين بهذه الصفات الذين عرفوا أَنه رسول الله بالنعت الذي عندهم فلم يملكوا أَعينهم من البكاء وقلوبهم من المبادرة إلى الإيمان.
وقال ابن كثير في تفسيره: وهذا الصنف من النصارى أَي الذين أَثنى الله عليهم في هذه الآيات - هم المذكورون في قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً) الآية (١) وهم الذين قال الله فيهم (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ - وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) إلى قوله: (لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) (٢) ولهذا قال تعالى هنا: (فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَار) ُ أَي فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق جنات تجري من تحتها الأَنهار (خَالِدِينَ فِيهَا) أي ماكثين فيها أبدًا لا يحولون ولا يزولون (وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ) (٣) أَي في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأَيًا كان، ومع من كان. اهـ.
وممن صرح بأَن هذه الآيات لم يرد بها جميع النصارى الإمام البغوي في معالم التنزيل قال في قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى) : لم يرد به جميع النصارى لأَنهم في عداوتهم المسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأَسرهم وتخريبهم بلاده وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم لا
стр. 64
ولا كرامة لهم بل الآية فيمن أَسلم منهم مثل النجاشي وأَصحابه. وحكى القول بأَن ذلك في جميع النصارى لما فيهم من اللين حكاه بصفة التمريض.
وأَما لعنة من لم يؤمن بمحمد ﷺ من النصارى فلا يحصى ما جاء من الأَدلة القطعية، ومنها ما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة ﵄ أَن رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي لم يقم منه: ((لَعنَ الله الْيهود والنَّصَارى اتَّخَذوا قبور أَنبِيائِهِم مساجِد)) وكيف لا يلعن من وصف الله قوله في كتابه إذ يقول: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) (١) وإذ يقول: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) (٢) إلى غير ذلك من النصوص المتضمنة لكفرياتهم وضلالاتهم، وثبت عن النبي ﷺ أَنه فسر الضالين في قوله تعالى: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) بأَنهم النصارى.
وقال الإمام ابن أَبي حاتم في تفسيره: لا أَعلم بين المفسرين في هذا -أَي تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى- اختلافًا. اهـ.
ومن الآيات المصرحة بمصيرهم قوله تعالى آخر تلك الآيات التي ذكرها السائل: (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (٣) .
والخلاصة أَن الآيات لا تعني جميع النصارى بل إنما تعني طائفة منهم استجابت للحق بعدما عرفته ولم تستكبر عن اتباعه وأَن لعنة النصارى جائزة مثل لعنة اليهود. والله الموفق.
(من الفتاوي المذاعة) وهي الفتاوي التي طلبت الاذاعة جوابها.
стр. 65
القسم الثاني
وحدانية الالهية
стр. 66
(١٠- الوهابية ليست مذهبًا جديدًا ولا ينبغي جعلها لقبًا)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم مدير المعارف الشيخ محمد ابن عبد العزيز بن مانع.
هداني الله وإياه صراطه المستقيم وجنب الجميع طريق أَهل الجحيم. آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فقد اطلعت على ما كدر الخاطر، وهو أَن إدارة الامتحانات بمديرية المعارف ذكرت في امتحان شهادة النظم الدراسية الابتدائية لعام ٧١هـ في البند الثاني من المادة الثانية (ب) : إنتشار مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب في المملكة العربية السعودية. وهذا ظاهر في أَن المعارف ترى أَن الشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب مذهب جديد، وهذا هو بعينه ما عليه القبوريون في هذه الأَزمان وأَعداء التجديد والدعوة التي من الله بها على أَهل نجد والحجاز على يد الشيخ رحمة الله عليه، فلا بد من إيضاح هذه المسألة والرجوع عن هذه الكلمة الخاطئة رجوعًا منتشرًا. والسلام.
(صادر المعهد العلمي بالرياض رقم ٢٢٥ في ١٣-٨-٧١هـ) (١) .
стр. 67
(١١- يسوغ تلقيبهم بأهل التجديد والتوحيد)
وقال شيخنا قدس الله روحه في تقريره على العقيدة الواسطية شارحًا قول مؤلفها (وسموا أَهل الكتاب والسنة) : لأَن مستمدهم هو الكتاب والسنة. ونظيره تسمية أَنصار الدين ((المجددين)) (١) وقيل لهم: ((أَهل التوحيد)) . فأَهل التجديد والتوحيد - فيمن قيل لهم ذلك- يسوغ فرقًا بين من يدعي الإسلام (٢) .
(١٢- وهم يرون الصلاة على النبي ركنا)
وقال بعد استعراض المذاهب في الصلاة على النبي في الصلاة:
ثم انظر العجب أَن أَهل نجد يرون الصلاة على النبي ركنًا وأُولئلك لا يرون أَنها ركن في الصلاة. فهم -أَهل نجد- أَعظم الناس حفظًا لحقوق الرسول. وهم خير من جميع النواحي، فإنه لم يوجد إطباق على الخير مثل إطباق أَهل نجد. أَما الأَفراد فموجود كثير في المغرب وغيره. (٣) . ... (تقرير)
(١٣- ومسألة تكفير المعين ليسوا فيها على مذهب الخوارج)
مسأَلة تكفير المعين: من الناس من يقول: لا يكفر المعين أَبدا.
стр. 68
ويستدل هؤلاء بأَشياء من كلام ابن تيمية غلطوا في فهمها (١) وأَظنهم لا يكفرون إلا من نص القرآن على كفره كفرعون. والنصوص لا تجيء بتعيين كل أَحد. يدرس باب (حكم المرتد) ولا يطبق على أَحد، هذه ضلالة عمياء وجهالة كبرى، بل يطبق بشرط.
ثم الذين توقفوا في تكفير المعين في الأَشياء التي قد يخفى دليلها فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية من حيث الثبوت والدلالة فإذا أُوضحت له الحجة بالبيان الكافي كفر سواء فهم، أَو قال:
ما فهمت، أَو فهم وأَنكر، ليس كفر الكفار كله عن عناد.
وأَما ما علم بالضرورة أَن الرسول جاء به وخالفه فهذا يكفر بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى تعريف سواء في الأصول أَو الفروع ما لم يكن حديث عهد بالإسلام.
والقسم الثالث (٢) أَشياء تكون غامضة فهذه لا يكفر الشخص فيها ولو بعدما أُقيمت عليه الأَدلة وسواء كانت في الفروع أَو الأُصول ومن أَمثلة ذلك الرجل الذي أَوصى أَهله أَن يحرقوه إذا مات (٣) .
стр. 69
وإمام الدعوة أَلف مؤلفًا في مسأَلة تكفير المعين وهو المسمى:
((مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد)) بين ووضح أَنه لا مناص من تكفير المعين بشروطه الشرعية.
ثم عند ذكر التكفير تعلم أَن الناس ثلاثة أَقسام: طرفان، ووسط طرف يكفر بمجرد المعاصي. هؤلاء هم الخوارج يخرجونه من الإيمان ويدخلونه في أَهل الكفران، والمعتزلة تخرجه من الإيمان ولا تدخله في الكفر، ولكنهم يحكمون بخلوده في النار. أَما أَهل الحق فلا يعتقدون ذلك في العصاة. ولا يخفى بطلان قول الخوارج والمعتزلة، كما لا يخفى بطلان قول من قال: إن من قال لا إله إلا الله فهو مسلم وإن فعل ما فعل. ... (تقرير)
(١٤- جهل الكثير بحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀
وقال -بعد أَن ذكر إمكان نشر الدعوة إلى الله ولو بطريقة التنقل والسياحة وبيان حقيقة ما دعا إليه الشيخ محمد ﵀: وأَنا أَقص الآن قصة عبد الرحمن البكري من اَهل نجد- كان أَولا من طلاب العلم على العم الشيخ عبد الله (١) وغيره، ثم بدا له أَن يفتح مدرسة في عمان يعلم فيها التوحيد من كسبه الخاص فإذا فرغ ما في يده أخذ بضاعة (٢) من أَحد وسافر إلى الهند وربما أخذ نصف سنة في الهند. قال الشيخ البكري: كنت بجوار مسجد في الهند وكان فيه مدرس إذا فرغ من تدريسه لعنوا ابن عبد الوهاب، وإذا خرج
стр. 70
من المسجد مر بي وقال: أَنا أُجيد العربية لكن أحب أَن أَسمعها من أَهلها، ويشرب من عندي ماءً باردًا. فأَهمني ما يفعل في درسه، قال: فاحتلت بأَن دعوته وأَخذت ((كتاب التوحيد)) (١) ونزعت ديباجته ووضعته على رف في منزلي قبل مجيئه، فلما حضر قلت: أَتأْذن لي أَن آتي ببطيخة. فذهبت، فلما رجعت إذا هو يقرأُ ويهز رأْسه فقال: لمن هذا الكتاب؟ هذه التراجم (٢) شبه تراجم البخاري هذا والله نفس البخاري؟! فقلت لا أدري، ثم قلت أَلا نذهب للشيخ الغزوي لنسأَله -وكان صاحب مكتبة وله رد على جامع البيان- فدخلنا عليه فقلت للغزوي كان عندي أَوراق سأَلني الشيخ من هي له؟ فلم أَعرف، ففهم الغزوي المراد، فنادى من يأْتي بكتاب ((مجموعة التوحيد)) فأُتي بها فقابل بينهما فقال هذا لمحمد بن عبد الوهاب. فقال العالم الهندي مغضبًا وبصوت عال: الكافر. فسكتنا وسكت قليلاً. ثم هدأَ غضبه فاسترجع. ثم قال: إن كان هذا الكتاب له فقد ظلمناه. ثم إنه صار كل يوم يدعو له ويدعوا معه تلاميذه وتفرق تلاميذ له في الهند وإذا فرغوا من القراءة دعوا جميعًا للشيخ ابن عبد الوهاب. اهـ.
(تقرير) (٣)
(١٥- المسلمون والاسلام)
والمسلمون الآن إذا اطلقوا فإن المراد بهم المسلمون من أَمة محمد ﷺ خاصة بخلاف غيرهم. فإن من لم يتبع شريعة
стр. 71
محمد ﷺ فليس بمسلم بل يقال يهودي، نصراني ... أَما قبل بعث النبي ﷺ فإن من اتبع ما جاء به رسوله فهو مسلم.
(تقرير)
وقال: إسلام الأَكثر إسلام إسمي، فإن أَكثر المنتسبين إليه في هذا الوقت يقال لهم المسلمون إسمًا ضد اليهود والنصارى. من وجد منه ما ينقضه فإنه إسلام الإسم ولا حب ولا كرامة.
أَفيظن أَن من رضوا بالأَوثان وعبدوها وحاموا دونها وجبوا بها الجبايات وحكموا القوانين، أَفبعد هذا إسلام؟ هل هذا إلا الكفر الذي بعث ﷺ بهدمه؟! وأَصغركم يعرف أَن كل من دخل في الإسلام يبقى عليه بكل حال، بل إذا نقضه خرج. وباب حكم المرتد معروف ومبين من هو بإجماع بين أَهل العلم أَن الردة ردتان. (تقرير على الورقات) .
لكن وقع ما أَخبر به النبي ﷺ في قوله: ((يأْتي قوم يستحلون الخمر يسمونها بغير اسمها)) (١) وقد وقع استحلوا الشرك وسموه بغير اسمه، فقالوا: توسل واستشفاع. لكن هو توسل المشركين واستشفاعهم. (تقرير مسائل التوحيد) .
(١٦- وسئل عن جزار ينتسب إلى الاسلام يقال له فاضل الدين هل تحل ذبيحته؟)
فأَجاب:
يشترط في القصاب فاضل الدين أَن يكون مسلمًا، صحيح المعتقد
стр. 72
ينكر الخرافات كعبادة القبور وغيرها مما يعبد من دون الله، وينكر جميع المعتقدات والبدع الكفرية: كمعتقد القاديانية، والرافضة الوثنية، وغيرها. ولا يكتفى في حل ذبيحته بمجرد الانتساب إلى الإسلام والنطق بالشهادتين وفعل الصلاة وغيرها من أَركان الإسلام مع عدم الشروط التي ذكرناها، فإن كثيرًا من الناس ينتسبون إلى الإسلام وينطقون بالشهادتين ويؤدون أَركان الإسلام الظاهرة ولا يكتفى بذلك في الحكم بإسلامهم ولا تحل ذكاتهم لشركهم بالله في العبادة بدعاء الأَنبياء والصالحين والاستغاثة بهم وغير ذلك من أَسباب الردة عن الإسلام. وهذا التفريق بين المنتسبين إلى الإسلام أَمر معلوم بالأَدلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأَئمتها.
ثم ما ذكرنا من الأمور المطلوبة في هذا القصاب يعتبر في ثبوتها نقل عدل ثقة يعلم حقيقة ذلك من هذا الرجل، وينقله الثقة عن هذا العدل حتى يصل إلى من يثبت لديه ذلك حكمًا ممن يعتمد على ثبوته عنده شرعًا. والله أَعلم. قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن ابراهيم. ... (ص-م-٦١٧ في ٢٠-٥-٧٤هـ)
(١٧- معرفة أصل الاسلام أولا)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة فضيلة السكرتير العام لجمعية العلماء المركزية -دلهي- وفقهم الله للعمل بكتابه، وتحكيم شريعة رسوله محمد ﷺ .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فنحمد الله إليكم تعالى، ونصلي ونسلم على خاتم أَنبيائه ورسله، وآله وصحبه. وقد وصلنا كتابكم الذي ذكرتم فيه أَن المجلس
стр. 73
التنفيذي للجمعية المركزية لعلماء الهند قرر في جلسته المنعقدة بولاية دلهي بالهند أَن يتصل بالهيئات الإسلامية في البلاد الإسلامية الناهضة، ليستنير بآراء رجالها، وما وضعوه من قوانين في سبيل الإصلاح الديني والاجتماعي الذي يتلاءم مع التعاليم والأَخلاق الإسلامية، ويتعرف العوامل والأَسباب الأَساسية التي راعاها المصلحون الشرعيون، والأَهداف التي يرمون إليها، وذلك تمهيدًا لإصدار قوانين إصلاحية شاملة للنهوض بالمسلمين بالهند وذكرتم من المسائل التي يهم المجلس أَن يستنير بالرأْي فيها ما يلي:
١- حكم من يتزوج بزوجة ثانية مع وجود الزوجة الأولى.
٢- حكم إشراط ابن الإبن في الميراث مع وجود أَبناء الصلب.
٣- حكم إنفاق الأَموال في حفلات الزواج والمأْتم.
وقبل الشروع في الجواب أحب أَن أُقدم لكم مقدمة مختصرة مهمة، وهي: انه مما يسرنا ويسر كل مسلم غيور على دينه أَن يتكون من الجمعيات العامة التي تهدف إلى إصلاح الأَوضاع والتمسك بأَصل الدين وتعاليمه الشريفة ومحاربة كل ما خالف الشريعة الإسلامية من البدع والخرافات والدجل، وكذلك ما هو أَهم من ذلك ما يدخله الملحدون والزنادقة والمستشرقون وغيرهم في أَفكار بعض المسلمين في تشكيكهم في أَصل دينهم، وتضليلهم عن سنة نبيهم ﷺ وشريعته، وتحكيم القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية. وأَهم ذلك معرفة أَصل التوحيد الذي بعث الله به رسوله محمدًا ﷺ ، وتحقيقه علمًا وعملا ومحاربة ما يخالفه من الشرك الأَكبر الذي يخرج من الملة، أَو من
стр. 74
أنواع الشرك الأَصغر. وهذا هو تحقيق معنى لا إله إلا الله. وكذلك تحقيق معنى محمد رسول الله: من تحكيم شريعته، والتقيد بها، ونبذ ما خالفها من القوانين والأَوضاع وسائر الأَشياء التي ما أَنزل الله بها من سلطان، والتي من حكم بها أَو حاكم إليها معتقدًا صحة ذلك وجوازه فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة. (١)
(ص-ف٦٢ -١ في ٩-١-١٣٨٥هـ)
(١٨- تفسير أصل الاسلام - التوحيد)
(هذه نصيحة ذكر فيها نوعي التوحيد، وان الاقرار بتوحيد الربوبية يكفي في الاسلام - قال في بيان معنى توحيد الالهية) (٢) :
ومعناه إفراد الله تعالى بجميع أَنواع العبادة: بأَن لا يدعى إلا هو، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرجى ولا يخاف إلا هو ولا يذبح ولا ينذر إلا له، إلى غير ذلك من أَنواع العبادة وهي كثيرة فإن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأَقوال والأَعمال الظاهرة والباطنة.
ومجرد الإقرار بتوحيد الربوبية من أَن الله هو الخالق الرازق المدبر وحده لا يكفي في عصمة الدم والمال، ولا يكون به الرجل مسلمًا حتى يوحد الله تعالى في العبادة، فإن المشركين الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ كانوا مقرين بتوحيد الربوبية
стр. 75
كما قال تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) (١) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وكانوا مع إقرارهم بذلك كفارا مشركين حلال الدم والمال، لشركهم بالله في العبادة.
وشرك هؤلاء المشركين الذين نزل القرآن بكفرهم وقاتلهم رسول الله ﷺ ليس أَكثر من جعلهم الوسائط بينهم وبين الله تعالى، يدعونهم مع الله، ويذبحون لهم، ونحو ذلك، يزعمون أَنهم يشفعون لهم عند الله ويقربونهم إلى الله زلفى، قال الله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٢) وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (٣) وقال تعالى عن صاحب يس: (وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ - إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ- إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) (٤) . وقال الله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) (٥)