← Фатава

Фатава · id 8476

فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ

محمد بن إبراهيم آل الشيخ

Полный текст (3 815 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

الجبل عند الصخرات، وقال ﷺ : " وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف" (١) . ولا يخفى سموكم أن العمل لتسهيل الصعود إليه معناه إقرار هذه البدعة، وتسهيل أمرها، والمساعدة على أدائها، وهذا منكر أيضاً، إذ الدال على الخير كفاعله، وعكسه ظا هر. وبالله التوفيق والسلام عليكم. (ص ف ٢٠٣٨/١ في ٢٤/٧/١٣٨٦هـ) . (١٣٠٤ ـ الوقوف بعرفة ركن) من محمد بن إبراهيم إلى المكرم علي بن عسكر ... سلمه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: ـ فقد جرى اطلاعنا على استفتائك بخصوص ما ذكرته عن أن جماعة من الحجاج وقفوا يوم عرفة أمام مسجد نمرة إلى جهة مزدلفة إلى انتهاء يوم عرفة، وتذكر أن فيهم من يؤدي فريضة الحج، وفيهم من يحج بالنيابة عن غيره، وتسأل عما يلزمهم. والجواب لا يخفى أن الوقوف بعرفة أحد أركان الحج، وأن من فاته الوقوف بعرفة فاته الحج، لقوله ﷺ : " الحج عرفة" (٢) ولا شك أنما ذكرته من الموقف التي وقف فيه من سألت عن صحة حجهم ليس من عرفة، فمن لم يتيسر له منهم أن دخل عرفة بقية يوم عرفة أو ليلة النحر ف يلزمه إعادة حجه إن كان يؤدي فريضة الحج، أو كان نائباً عن غيره في الحج. أما من تيسر

стр. 1297

له دخول عرفة بأن ذهب إلى السوق داخلها أو إلى الجبل أو غيره من أراضي عرفة ثم رجع إلى مكانه الذي ذكرت فهذا حجه صحيح، ويلزمه دم لانصرافه منها قبل الغروب. وبالله التوفيق. والسلام. مفتي الديار السعودية (ص ـ ف ١٥٣٢ ـ ١ في ٤/٦/١٣٨٦هـ) (١٣٠٥ ـ لا يسقط بالجهل) كثير من الحجاج يقفون دون عرفة فلا يصح حجهم، جاهلين، أو لا. ولكن الناس ينزلون حيث وجدوا حد منازل الناس ويشتبه على بعضهم الحدود التي على عرفة أو حدود مزدلفة (١) . (تقرير) (١٣٠٦ ـ الدفع قبل الغروب) قد كان بعض الإخوان سهلوا في هذا، ولكن رجعوا لما اتضحت لهم السنة وقول جماهير أهل العلم، والبيان. وقد نزع بحديث عروة من يرى جواز الدفع قبل الغروب، ولكن هذا غلط واضح، فإنه ليس نصاً في المسألة، إنما فيه إطلاق مقيد، أو عموم مخصوص بالأحاديث الأخر. (تقرير) (١٣٠٧ ـ وعليه دم) تقدم عبد العزيز بن عبد المحسن أبا نمي بسؤال هذا نصه: نرجو منكم أن ترشدونا عن نفرٍ حجّ هذا الزمان، وأجبروه

стр. 1298

رفقاؤه أن يرتحل معهم من عرفة من شأن أن يتقدموا في الطريق قبل الزحام، وقد خرجوا من حدود عرفة قبل غروب الشمس بخمس دقائق. فماذا يكون عليه في حجه، وهل بين الجاهل والعارف فرق، وماذا يكون في حقه وقد وصل إلى نجد. أفتونا مأجورين. والجواب: الحمد لله. الذين خرجوا من عرفة قبل غروب الشمس يلزم الغني منهم ذبح شاة في مكة تفرق على المساكين هناك. أما الفقير فيلزمه صيام عشرة أيام. ولا فرق بين الجاهل والعارف. وإذا كان قد وصل إلى نجد فيوكل من يثق به في مكة يذبح الشاة ويفرقها على المساكين. والله الموفق. أملاه الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم آل الشيخ. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (الختم) (ص ـ ف ١٤٩ ـ ٤٢ ـ ١ في ٢٥/١٢/١٣٧٧هـ) (١٣٠٨ ـ الانصراف من عرفة للجنود، وكذلك الدفع من مزدلفة وتركهم المبيت بمنى) من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي أمير منطقة مكة المكرمة المحترم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فجواباً على سؤال سموكم عن حج الجنود الذين يقومون بتنظيم السير في الحج وحفظ الأمن. أُفيد سموكم أنه لا يلزم المذكورين أن يحجوا، إذ ليس كل من ذهب إلى المشاعر يلزمه الحج. ولو خيروا بعد البيان لهم بأنه لا يلزمهم الحج كانا حسناً. ومن حج منهم حينئذ وانصرف من عرفة قبل الغروب بمقتضى وظيفته فلا إثم

стр. 1299

عليه في ذلك، وإنما يلزمه دم فقط، ومن لم يجد دماً صام عشرة أيام بعد فراغه من الحج، ومن عاد منهم إلى عرفة في تلك الليلة فلا دم عليه. وإذا اقتضيت المصلحة دفعهم من مزدلفة قبل نصف الليل فلا إثم عليهم في ذلك، وكذلك إذا دعت المصلحة أيضاً إلى تركهم المبيت بمنى فلا يأثمون كذلك. والله يحفظكم. (ص ـ م ٤٣٣٦) . (١٣٠٩ ـ س: إذا قهرهم راعي السيارة وانصرف بهم) . ج ـ عليهم دم، ويغرمه لهم. (تقرير) (١٣١٠ ـ الدفع من مزدلفة) بسكينة وركود واطمئنان في سيره وفي هيئته من حيث عدم الانزعاج واضطراب لا حاجة إليه، وعند الحاجة كشيء يخشى فواته فشيء آخر. (تقرير) (١٣١١ ـ تقسيم مزدلفة) من محمد بن إبراهيم إلى سعادة أمين العاصمة الأستاذ عبد الله عريف ... المحترم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: بشأن ما ارتآه الشيخ صالح قطان من تقسيم مزدلفة بالنسبة إلى الحجاج الذين يبيتون بها إلى الفجر والذين ينصرفون بعد نصف الليل. وقد تأملنا ما ذكره، فلم نجده وجيهاً من الناحية الشرعية وغيرها، لأن الناس عند انصرافهم من عرفة يصعب ضبطهم وإيقافهم لسؤالهم عن من يريد أن يبيت بمزدلفة إلى الفجر أو سينصرف منها بعد منتصف الليل.

стр. 1300

وأيضاً فقد يطرى للذين سيبيتون إلى الفجر أن ينصرفوا بعد نصف الليل، وبالعكس. وأيضاً فهذه المناسك لمن سبق إليها، ولا يحل منع من سبق إلى محل من مزدلفة أن يمنع منه لانتظار أحد لم يأت بعد. لهذا وغيره لا ينبغي أن يعول على رأيه المذكور. والسلام عليكم. مفتي الديار السعودية (ص ـ ف ٦٧٤ ـ ١ في ٤/٣/١٣٨٦هـ) (١٣١٢ ـ س: إذا وصل مزدلفة بعد ربع ساعة) جـ: إن أخر إلى وصول العشاء فهذا حسن. وإن جمع قبل ذلك فله وجه، فإنه مشروع أن يجمع إذا وصل، ولكن الأول هو الأقرب لمراعاة السنة. ... (تقرير) (١٣١٣ ـ قوله: وله الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل، لكن بعض أهل العلم يأبى ذلك، ويقول إنه ما جاء إلا في حق الضعيف فلا يكون مسوغاً لبقية الناس أن يدفعوا مثلهم، وهذا هو الأحوط، لأن الرخصة ما جاءت إلا في حقهم، والأصل الاستمرار كما فعل النبي وغير الضعفة. ولا يُزال عن الأصل إلا بمجوز متحقق، وهذا الذي في الضعفة غير متحقق في غيرهم. وإلى هذا ميل الشيخ وابن القيم. والضعف هو كبر السن، أو المرض، والثقل، ونضو الخلقة. وجاء " أن سودة كانت ثبطة فاستأذنت فأذن لها ". فمن جوز مسألة في الدفع قبل الرسول فعليه إقامة الدليل، وإلا فلا. في مثل وقتنا هذا يمكن أن يكون دفع الناس لو يدفعون بعد نصف الليل لا يحصلون الرفق، وذلك أن الكثير وأهل النشاط يدفعون

стр. 1301

من آخر الليل في السيارات وتصير الزحمة من آخر الليل كما تصير في النهار وقريب من ذلك، فهذا يؤكد أن لزوم السنة، ويحتاط لنسكه. وأيضاً لا ينال أرفقية. (تقرير) س: النصف يعتبر بالفجر. ج: الليل الشرعي من غيبوبة الشمس إلى طلوع الفجر. فالبيتوتة من المغرب إلى الفجر. وجاء في حق الضعفة أنه حين يبقى ثلث الليل، وجاء أنه بعدما غاب القمر، وهو غير بعيد من تحديده بثلث الليل. (تقرير) . (١٣١٤ ـ صلاة الصبح بغلس فيها) أحاديث التغليس أكثر ما تفيد أنه بالغ في التبكير، فيفيد أن السنة أن يبكر بالنسبة إلى أول وقتها. وليس هو هذا التسرع الذي يفعله كثير من الناس، بل هو جهل كبير وعدم معرفة للطاعة، ربما حجه نفل ويترك الفريضة. والفجر هو البياض المعترض، فإذا اعترض فيندب أن يعجل، وهذا لأجل إطالة الدعاء في المشعر. ... (تقرير) (١٣١٥ ـ صعود المشعر) صعود المشعر إن قام عليه دليل، وإلا فلا) (١) (تقرير) (٢)

стр. 1302

(١٣١٦ ـ س: ما حد الحصى الذي لا يجزى الرمي به) ج ـ ما أعرف. لعل لو حدد ذلك بما يرمي به الرجل والصيد. ـ مقدار البيضة أو ما يقاربها ـ فيقال رمى به، وهو يعد كبيراً. (تقرير) س: الذي كبر دمن الحاشي؟ ج ـ لعله يجزي، لأنه ليس في العادة أنه يرمي به أحد، ويوجد لها شيء من المسمى (تقرير) س: أو دمنة البعير. جـ: لعل أقرب ما يحدد به الحذف الناكي كالبيضة. ... (تقرير) (١٣١٧ ـ خصائص جمرة العقبة) هذه الجمرة التي ترمى هنا: لها أربع خصائص اختصت بها على سائر الجمرات بالنسبة إلى ماذكره الأصحاب فقط. أما بالنسبة إلى ما هو القول الصحيح فتصير خمساً (الأول) : أنها ترمى يوم النحر. (الثاني) : صباحاً (الثالث) من أسفلها (الرابع) لا يوقف عندها (الخامس) أنها تستقبل حال الرمي وتكون القبلة عن يسار الرامي، بخلاف بقية الجمرات فإنها تستقبل. وشيء آخر اختصت به يصير " سادساً" ـ وهو لم يُعدّ وهو منها حقيقة ـ: أنها إحدى الحل، فإنه إذا رماها حل. وإن قيل: إن من خصائصها قطع التلبية، فيمكن أن يُعَدّ.

стр. 1303

ولو رميت من فوقها أجزأ عند الأصحاب مثل رمي الناس اليوم (١) (تقرير) (١٣١٨ ـ قوله: ولا يرمي بها ثانياً) تصير مستعملة عند الأصحاب. وهذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل عليه، لكن بكل حال إذا علم أنهاحصاته أو حصاة غيره رمى بها الأولى أن لا يرمي بها: أولا خروجاً من الخلاف، وأحوط، واهتماماً بالعبادة. (تقرير) (١٣١٩ ـ قوله: ويندب أن يستقبل القبلة عند جمرة العقبة. هذا معنى كونه من أسفلها. لكن الصحيح أن الذي يندب أن تستقبل هي في جميع رميها، وكما في حديث ابن مسعود " جعل البيت عن يساره " (٢) ... (تقرير) (١٣٢٠ ـ قوله: ويرمى بعد طلوع الشمس ندباً) ويجزئ بعد نصف الليل، إلا أن المسألة هذه فيها خلاف. أما الضعفة فهو ندب في حقهم إن لا يرموا إلا بعد طلوع الشمس، وإن رموا قبل ذلك جاز، ولهذا في الحديث "أمرهم أن لا يرموا إلا بعد طلوع الشمس" (٣) ولو صح لكان الضعفة كغيرهم. الحاصل إن وقتها المستقر بعد طلوع الشمس، والضعفة ظاهر، وغيرهم بالقياس عليهم على قول، والقول الآخر لا يجزي غيرهم إلا بعد طلوع الشمس (٤)

стр. 1304

(١٣٢١ ـ تقديم ذبح هدي التمتع على يوم النحر لا يجوز ولا يجزي) سؤالان الأول: ما وقولكم في تقديم ذبح هدي المتعة قبل يوم النحر: هل في ذلك برهان من السنة صحيح صريح، أم لا؟ . الثاني: ما قولكم في هذه الأفدية التي تفرقها الحكومة على بعض الحجاج، وما يحصل فيها من التلاعب والكذب وتجرثم الحرام: هل الذي ينبغي استمرارها والحال ما ذكرنا، أم لا؟ . الجواب: عن السؤال الأول: ـ الحمد لله. ليس مع من يجوز تقديم ذبح دم المتعة على يوم النحر حجة عن النبي ﷺ ، بل السنة المعلومة المتفيضة دلت على أن زمن ذبح هدي التمتع والقران هو يوم النحر فما بعده من الأيام التابعة له. نعم جاء في صحيح مسلم من رواية أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يحدث عن حج النبي ﷺ قال: " فأمرنا إذا حللنا أننُهدي ويجتمع النفرُ منا في الهدية وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث" (١) فزعم بعض الناس أن فيه دلالة على جواز تقديم ذبح دم التمتع على يوم النحر. ولا دلالة صريحة في هذا الحديث على ذلك، وأكثر ما في الحديث احتماله ذلك، ولا يعدل عما دلت عليه الأحاديث الصريحة لأمر يحتمل.

стр. 1305

ولم يجئ في أحاديث إحلال الصحابة ﵃ من عمرتهم بمكة زمن حجة الوداع أمره ﷺ إياهم أن يذبحوا في هذا الحين هدياً، بل ولا فعله منهم أحد، كما في حديث جابر الطويل في سياق حج النبي ﷺ وذكر فيه قوله: " فحل الناس وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هديٌ" (١) اهـ. ومعناه في حديث ابن عمر، ومثله في حديث عائشة، ونظيره في حديث حفصة ﵃. فهذه الأحاديث كلها وأمثالها لم يذكر فيها شيء من ذلك، ولو كان شيء لما أهمل، إذ هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله. ودليل آخر على عدم فعل شيء من ذلك، وهو ذبح النبي ﷺ عن أزواجه يوم النحر وكن متمتعات، فإنه من المعلوم أن النبي ﷺ لا يأمر بذبح الهدي حين الإحلال من العمرة بمكة ويخالف ذلك في هدايا أزواجه ﵅ بذبحها يوم النحر، بل يظهر من هذا موافقة حديث جابر الذي نحن بصدد الكلام في دلالته لسائر الأحاديث في أن ذبح الهدايا ليس إلا يوم النحر. فتكون الفتوى حينئذ بجواز تقديم ذبح دم المتعة على يوم النحر قد اجتمع فيها محذوران. " أحدهما ": مخالفة سنة رسول الله ﷺ . " الثاني " تسبيب الثقاق والنزاع. ولا يخفى أن الشريعة المطهرة ترمي إلى اجتماع القلوب واتحاد القول والعمل في مواطن لا تحصى

стр. 1306

فيؤخذ من ذلك وغيره أنه ينبغي اتحاد عمل الحجاج في أفعال حجهم. وإذا كان الأمر كذلك فليس أولى القولين بأن يؤخذ به ويجتمع عليه إلا القول الذي دلالة السنة عليه أظهر من الشمس في رابعة النهار. أما " الجواب " عن السؤال الثاني: فحيث كان الحال في الأفدية التي تدفعها الحكومة لبعض الحجاج قد بلغت إلى ما ذكر في السؤال، بل وإلى ما هو أفظع منه وأبشع بكثير، ولا سيما ووقوع ذلك في الحرام والإحرام، فان ترك الحكومة ذلك خير وأولى من الاستمرار عليه، بل الذي يظهر والحالة ما ذكر تعين العدول عن ذلك. فنسأل الله أن يوفق الملك للفت النظر لهذه المسألة برفض تفريق تلك الذبائح، نصحاً منه للرعية، وقياماً بالواجبات الشرعية، وإبعاداً عن أسباب المعاصي والمظاهر الردية. والله الموفق، وهو سبحانه أعلم بالصواب. أملاه الفقير إلى مولاه محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. ٣٠/١١/٣٧٣ (هذه من الفتاوى التي طبعت ووزعت) (١٣٢٢ ـ فتوى مطولة ـ في: أنه لا يجوز ولا يجزي تقديم دم المتعة قبل يوم النحر، والجواب عما احتج به من جوزه) ما قولكم وفقكم الله في تقديم ذبح هدي المتعة على يوم النحر: هل يجزئ، أم لا؟ وإذا قال بإجزائه أحد من أهل العلم فما وجه قوله؟

стр. 1307

(الجواب) : الحمد لله. لا يجوز، ولا يجزئ تقديم ذبح دم المتعة قبل يوم النحر. وإن قال به بعض أهل العلم فالحجج الساطعة والبراهين القاطعة مع جماهير أهل العلم، ولا دليل مع من خالفهم لا من كتاب ولا سنة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح. وما ذكروه من الأحاديث، ونسبتهم ذلك إلى بعض الصحابة، والقياس الذي زعموه، وإيهامهم قوة الخلاف في ذلك: كل ذلك سيتبين لك فيما يأتي ـ إن شاء الله ـ أنه أشبه شيء بسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. وأبدأ بإيراد ما تيسر من الأحاديث الصحيحة المشتملة على أمر النبي ﷺ الصحابة المهلين بالقران والمهلين بإفراد الحج ممن لم يسوقوا الهدي بأن يفسخوا الحج إلى العمرة، فيكونوا بذلك متمتعين بالعمرة إلى الحج: فروى الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: " تمتع رسول الله ﷺ فيحجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد. فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقتضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت والصفا والمروة وليقصر، وليحل، ثم ليهل بالحج، وليهد، فمن لم يجد هدياً فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " الحديث.

стр. 1308

وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ونحن نصرخ بالحج صراخاً، فلما قدمنا مكة " أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج". وروى البخاري عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال: " أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله ﷺ : " إجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلّد الهدي فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: " من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله. ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، وإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي، كما قال تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم﴾ إلآ أمصاركم. وروى البخاري ومسلم عن جابر قال: " أهللنا بالحج مع رسول الله ﷺ ، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فقال: يا أيها الناس أحلوا فلولا الهديُ معي فعلتُ كما فعلتم. قال: فأحللناحتى وطئنا النساء وفعلنا كما يفعل الحلال حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج ". ولهما عن أبي موسى ﵁، قال: " قدمت على رسول الله ﷺ وهو منيخ بالبطحاء فقال: " بما أهللت، قال:

стр. 1309

قلت: أهللت بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، قال: سُقت من هدي. قلت: لا. قال: " فطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل. فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي". ولهما عن عائشة، قالت: " فلما دخلنا مكة قال رسول الله ﷺ : من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرةً إلا من كان معه الهدي قالت: وذبح رسول الله ﷺ عن نسائه البقر يوم النحر ". وروى مسلم عن ابن عباس، قال: أهل النبي ﷺ بعمرة وأهل أصحابه بالحج فلم يحل النبي ﷺ ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم. وله عن أسماء بنت أبي بكر قالت: " خرجنا محرمين مع رسول الله ﷺ فقال ﷺ : من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحلل، ولم يكن معي هدي فحللت، وكان مع الزبير هدي فلم يحل ". وروى الإمام أحمد عن أنس، قال: " خرجنا نصرخ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها عمرة، وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكن سُقت الهدي وقرنت بين الحج والعمرة ". وله عن ابن عمر قال: " قدم رسول الله ﷺ مكة وأصحابه مهلين بالحج فقال: من شاء أن يجعلها عمرةً إلا من كا ن معه الهدي. قالوا

стр. 1310

يارسول الله: أيروح أحدنا إلى منى وذكره يقطر منياً. قال: نعم. وسطعت المجامر ". وروى أبو داود عن الربيع بن سبرة، عن أبيه، قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان قال له سراقة بن مالك المدلجي: يارسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم فقال: " إن الله قد أدخل عليكم في حجكم عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل، غلا من كان معه هدي ". وروى أحمد وابن ماجه عن البراء بن عازب، قال: " خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، قال. فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال. اجعلوا حجكم عمرة. قال. فقال الناس: يارسول الله قد أحرمنا بالحج كيف نجعلها عمرة. قال. انظروا ما آركم به فافعلوا، فردوا عليه القول، فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان، فرأت الغضب في وجهه، فقالت: من أغضبك أغضبه الله، فقال. ومالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أتبع ". وروى البزار في مسنده بإسناده صحيح عن أنس " أن النبي ﷺ أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة، فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة، وأمرهم رسول الله ﷺ أن يحلوا، فهابوا ذلك , فقال رسول الله ﷺ " أحلوا فلولا أن معي الهدي لأحللت، فحلوا حتى حلوا إلى النساء". وروى أبو داود عن أنس، قال "بات رسول الله ﷺ يعني بذي الحليفة ـ حتى أصبح ثم ركب، حتى إذا

стр. 1311

استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما، فلما قدم أمر الناس فحلوا، حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج، فلما قضى رسول الله ﷺ الحج نحر سبع بدنات بيده قياماً ". وروى أحمد وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن قرط، أن النبي ﷺ قال: " إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القرّ، قال ثور. وهو اليوم الثاني. قال. وقرب لرسول الله ﷺ بدنات خمس أو ست فطفقن يزد قن إليه بأيتهن يبدأ، قال: فلما وجبت جنوبها قال: فتكلم بكلمة خفية لم أسمعها، فقلت. ما اقال: قال: من شاء اقتطع ". وروى مسلم من طريق الليث عن أبي الزبير، عن جابر، أنه قال: " أقبلنا مهلين مع رسول الله ﷺ بحج مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة، حتى إذا كنا بسرف عركت، حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله ﷺ أن يحل منا من لم يكن معه هدي، قال. فقلنا. حل ماذا؟ قال: الحل كله، فواقعنا النساء، وتطيبنا بالطيب، ولبسنا ثيابنا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية " الحديث وروى مسلم أيضاً من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال " خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا رسول الله ﷺ : من لم يكن معه هدي فليحلل. قال: قلنا. أي الحل؟ قال. الحل كله، قال. فأتينا

стр. 1312

النساء، ولبسنا الثياب، ومسنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج " الحديث. فهذه بضعة عشر حديثاً مفادها جميعاً أن النبي ﷺ أمر أصحابه عام حجة الوداع القارن منهم والمفرد ممن لم يسق الهدي أن يفسخ الحج إلى العمرة، ففعلوا. ولم يرد في واحد منها الأمر بأن يهدوا في هذا الحين حين فسخ الحج. وعلى هذه الأحاديث الثابتة والسنن الشهيرة عول المسلمون منذ عهد نبيهم ﷺ إلى يومنا هذا، لم يثبت أن واحداً من الصحابة ذبح هديه قبل يوم النحر. وما روي عن ابن عباس سيأتي الجواب عنه إن شاء الله. فهؤلاء أحد عشر من أصحاب النبي ﷺ الذين رووا حجة النبي ﷺ ، وماأمر به من فسخ الحج إلى العمرة، وموافقة الصحابة على ذلك، ورجوعهم إلى قول النبي ﷺ ري الله عنهم وأرضاهم إلى أن ساقوا بقية حجة النبي ﷺ أو معظمها لم يرو واحد منهم تلك الزيادة التي توهم منها من توهم جواز تقديم ذبح الهدي وهي قوله في الحديث " وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث ". فصل وأما المجوزون لتقديم ذبح الهدي قبل يوم النحر، فقالوا محتجين على ماذهبوا إليه: روى مسلم في صحيحه ورواه أحمد والطيالسي، ولفظ مسلم قال: حدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج أخبرنا أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله

стр. 1313

يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: " فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدي، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم " في هذا الحديث. " الثاني ": ما رواه الحاكم في مستدركه بسند على شرط مسلم عن مجاهد وعطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: " كثرت القالة من الناس فخرجنا حجاجاً حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا أيام قلائل، أمرنا بالإحلال. قلنا: أيروح أحدنا إلى عرفة وفرجه يقطر منياً، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقام خطيباً فقال: أبالله تعلمون أيها الناس، فأنا والله أعلمكم بالله وأتقاكم له، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هدياً ولحللت كما أحلوا، فمن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله، ومن وجد هدياً فلينحر فكنا ننحر الجزور عن سبعة " قال عطاء، قال ابن عباس: " إن رسول الله ﷺ قسم يومئذ في أصحابه غنماً، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيساً فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله ﷺ بعرفة أمر ربيعة بن أبي خلف فقام تحت يدي ناقته فقال له النبي ﷺ : إصرخ: أيها الناس هل تدرون أي شهر هذا " الحديث. قال من نقل الحديثين السابقين: ولعل ثالثهما ما أخرجاه في الصحيحين واللفظ للبخاري، عن أنس، قال: " صلى النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فبات بها، فلما أصبح ركب راحلته فجعل يهلل ويسبح، فلما علا على البيداء لبى بهما جميعاً، فلما دخل مكة أمرهم أن يحلوا، ونحر

стр. 1314

رسول الله ﷺ بيده سبع بدن قياماً " وفي السنن الكبرى للبيهقي عن ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن عمرو بن دينار، أنه قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: من اعتمر في أشهر الحج في شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة فقد استمتع، ووجب عليه الهدي، والصيام إن لم يجد هدياً. والجواب عن الحديث الأول الذي رواه أحمد ومسلم والطيالسي فيما زعمه من أورده أن يقال: لا حجة في هذا الحديث على ما ذهبوا إليه من وجوه: " أحدهما " أن يقال: لا منافاة بين مدلوله وبين مدلول سائر الأحاديث التي ذكرناها وغيرها في هذا الباب، فإن فيهن جميعاً نطقاً أو تضمناً أمر النبي ﷺ للقارن والمفرد الذين لم يسوقا الهدي بالتحلل، والأمر بالهدي، والأمر باشتراك السبعة في البدنة. نعم في هذا الحديث تنسيق أمرهم بالهدي وأمرهم بأن يشترك السبعة في البدنة على أمرهم إياهم بالفسخ بلا فصل، متبعاً ذلك بهذه الزيادة وهي قوله: " وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم" ولم تنسق هذه الأمور في بقية الأحاديث هذا التنسيق الذي في هذا الحديث، ولم تذكر فيهن تلك الزيادة، بل جاءت الأوامر في تلك الأحاديث مفصولاً بعضها عن بعض بجمل، فنشأ عن اختلافها هذا الاختلاف سوء فهم من استدل بهذا الحديث على جواز تقديم الذبح على يوم النحر، ولم يفرق بين زمن الأمر بالشيء وزمن فعل المأمور به فظن أن الإشارة في قوله " وذلك حين أمرهم " إلخ إشارة إلى زمن الذبح، وإنما هو الإشارة إلى زمن الأمر، والمراد أن زمن الأمر بالفسخ. وزمن الأمر بالهدي زمن واحد، أو أنها تأكيد للجملة الأولى.

стр. 1315

ثم الأمر لا يفيد الفورية إلا حيث تجرد عن قرينة متصلة أو منفصلة، وهو هنا لم يتجرد عن القرينة المنفصلة، بل جاءت السنة المستفيضة عن النبي ﷺ في غير ما حديث أن زمن ذبح الهدايا هو يوم النحر، وذلك: من فعله ﷺ ، وقوله، وتقريره. من ذلك ما في المتفق عليه من حديث عائشة، قالت: " وذبح رسول الله ﷺ عن نسائه البقر يوم النحر " وهن ما عدا عائشة ممن فسخ الحج إلى العمرة، وكما في قوله ﷺ يوم النحر لما نحر ما نحر من هديه " ونحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ". والذي لا ريب فيه أنه لم يثبت عن واحد من الصحابة أنه أهدى قبل يوم النحر، وعلى من زعم خلاف ذلك إقامة الدليل، وهيهات أن يقيم دليلاً صحيحاً على ذلك. قال ابن القيم ﵀ في " زاد المعاد ": وكان من هديه ﷺ ذبح هدي العمرة عند المروة، وهدي القران بمنى، وكذلك كان ابن عمر يفعل، ولم ينحر ﷺ هديه قط إلا بعد أن حل، ولم ينحره قبل يوم النحر، ولا أحد من الصحابة البتة، ولم ينحره أياً إلا بعد طلوع الشمس، وبعد الرمي. فهي أربعة أمور مرتبة يوم النحر: أولها الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف. وهكذا رتبها ﷺ ، ولم يرخص في النحر قبل طلوع الشمس البتة، ولا ريب أن ذلك مخالف لهديه فحكمه حكم الأضحية إذا ذبحت قبل طلوع الشمس. اهـ.

стр. 1316

" وأيضاً ": إطلاق هذا الإسم وهو " يوم النحر " على اليوم العاشر من أيام ذي الحجة يفيد اختصاصه بذلك اسماً وفعلاً، وأن لا يشركه في ذلك سواه، إلا ما قام البرهان عليه كأيام التشريق فإنهن تبع له توسعة لزمن النحر. وإذا قلنا: اليوم العاشر من ذي الحجة يوم النحر. فهي جملة اسمية معرفة الطرفين، وهي مفيدة الحصر عند أهل هذا الشأن، إلا أنه من باب الحصر إلا دعائي، ولهذا تشركه في ذلك أيام التشريق. ونظير ذلك قوله ﷺ : " الحج عرفة " أي معظمه لا كله، لأن البرهان الشرعي أدخل فيه أشياء أخرى من الطواف والسعي ورمي الجمار وغير ذلك. وحينئذ يتضح أن لا دلالة في الحديث الذي استدلوا به على جواز تقديم الذبح على يوم النحر. وليُعْلم أن أبا داود الطيالسي لم يشرك مسلماً وأحمد في رواية هذا الحديث، وأنا أذكر لك ما في " سنن أبي داود الطيالسي" قال ﵀: حدثنا أبو داود، قال حدثنا وهيب بن خالد وساق بسنده إلى جابر بن عبد الله، قال: " أقام رسول الله ﷺ بالمدينة تسعاً لم يحج، ثم أذن للناس في الحج فتهيأ أُناس كثيرون يريدون الخروج مع رسول الله ﷺ فخرج حتى إذا أتى ذا الحليفة ولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر الصديق، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ تسأله، فقال: إغتسلي واستثقري، ثم أهلي، ففعلت. قال: فلما اطمأن صدر ناقة رسول الله ﷺ على ظاهر البيداء أهل رسول الله ﷺ وأهللنا لا ننوي إلا الحج، قال جابر: فنظرت من بصري ومن

стр. 1317

ورائي وعن يميني وعن شمالي من الناس مشاة وركباناً، فخرجنا لا نعرف إلا الحج، فأقبل رسول الله ﷺ يقول: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، فانطلقنا لا نعرف إلا الحج له خرجنا، ورسول الله ﷺ معنا، والقرآن ينزل عليه، وهو يعلم تأويله، وإنما يعمل بما أمر به، حتى قدمنا مكة، فبدأ رسول الله ﷺ بالحجر فاستمله، ثم طاف سبعاً، ورمل في ذلك ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم تلا هذه الآية ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (١) فصلى ركعتين " قال أُبي: وكان يستحب أن يقرأ فيهما بالتوحيد: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿قل هو الله أحد﴾ ولم يذكر ذلك في حديث جابر. ثم رجع إلى حديث جابر، قال: " ثم أتى الركن فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، وقال: نبدأ بما بدأ الله به وقال ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ قال: فرقى على الصفا حتى بدا له البيت، فكبر ثلاثاً، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ثم يدعو بين ذلك. قال: ثم نزل فمشى حتى أتى بطن المسيل سعا حتى أصعد قدميه في المسيل، ثم مشى حتى أتى المروة، فصعد حتى بدا له البيت، فكبر ثلاثاً، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هكذا كما فعل ـ يعني على الصفا ـ ثم نزل، فقال: من لم يكن معه الهدي فليحل وليجعلها عمرة فلو أني استقبلت من أمري

стр. 1318

ما استدبرت لجعلتها عمرة فأحلوا. وقدم علي بن أبي طالب من اليمن فرأى الناس قد حلوا، فقال النبي ﷺ بأي شيء أهللت، قال: قلت: اللهم أُهل بما أهل به رسولك. قال: فإن معي الهدي فلا تحل. قال: فدخل علي على فاطمة وقد اكتحلت ولبست ثياباً صبيغاً، فأنكر ذلك، فقال: من أمرك بهذا. قالت: أمرني أبي. فقال محمد بن علي: فكان علي يحدث بالعراق، قال: ذهبت إلى رسول الله ﷺ محرقاً على فاطمة في الذي ذكرت، فقال: صدقت. أنا أمرتها، قالها رسول الله ﷺ ثلاثاً، فلما كان يوم النحر نحر رسول الله ﷺ ثلاثاً وسبعين بدنة، ونحر علي ما غبر، وكانت مائة بدنة، فأخذ من كل بدنة قطعة فطبخ فأكل هو وعلي وشربا من المرقة، وقال سراقة بن مالك بن جعشم: يارسول الله ألعامنا هذا أم للأبد، فقال: لا بل للأبد، دخلت العمرة في الحج وشبك رسول الله ﷺ بين أصابعه " انتهى الحديث. وهو كما ترى عار عن تلك الزيادة. " الوجه الثاني " الحكم على هذه الزيادة بالفردية والشذوذ، وهي قوله: " وذلك حين أمرهم أنيحلوا من حجهم " في هذا الحديث فنقول: روى أحاديث فسخ الحج إلى العمرة في حق القارن والمفرد الذين لم يسوقا الهدي جماعة من الصحابة ينيفون عن العشرة، وقد تقدمت أسماؤهم وأحاديثهم الدالة على عدم شرعية التقديم لتظاهرها مع كثرتها وصحتها على عدم صحة تلك الزيادة، ومن جملتهم جابر

стр. 1319

بن عبد الله ﵃ أجمعين، وقد جاءت من طرق متعددة، ولم يذكر من طريق من طرق واحد من هذه الأحاديث ذكر تلك الزيادة نعم جاءت في طريق واحد من طرق راو واحد من رواة حديث جابر وهو أبو الزبير المكي، وهي ما رواه أحمد ومسلم من حديث محمد بن بكر البرساني، حدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرناابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: " فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية، وذلك حين أمرهم أنيحلوا من حجهم ـ في هذا الحديث ". فمدار هذه الزيادة على محمد بن بكر البرساني، أفترانا ندع أحاديث أكثر من عشرة من الصحابة رووا ذلك عن النبي ﷺ بدون تلك الزيادة، وندع أيضاً رواية العدول والمشاهير عن جابر ـ مجاهد وعطاء ومحمد بن علي بن الحسين ـ الذين هم أشهر من أبي الزبير المكي وأقوى وأوثق منه لرواية أبي الزبير. هذا لولم يرو عن أبي الزبير إلا من هذا الطريق المشتمل على تلك الزيادة، فكيف وقد رواه عن أبي الزبير المكي جماعة أئمة وهم مالك بن أنس والليث بن سعد ومطرف وأبو خيثمة وسفيان بن عيينة في آخرين عارياً من تلك الزيادة ووارداً رواية مجاهد وعطاء ومحمد بن علي بن الحسين، متفقاً ذلك كله مع أحاديث من أسلفنا أسماءهم وأحاديثهم. أفنترك هذا كله ونأخذ بماانفرد به محمد بن بكر الذي أحسن أحواله أنه صالح الحديث ومخرج له في الصحيحين، وهذا وأمثاله

стр. 1320

لا يبلغ به إلى مرتبة أدنى واحد من الثقات الأثبات في هذا الشأن من رواة هذا الحديث عن أبي الزبير، فضلاً عما فوقه من الثقات ممن هم أكبر وأشهر من هؤلاء عن جابر، فضلاً عن أحاديث جماعة الصحابة التي أسلفنا ذكرها. فثبت بذلك فردية هذه الزيادة فردية تمنع الاحتجاج بها، لا سيما وأمر النبي ﷺ بفسخ الحج إلى العمرة قضية واحدة لا تعدد فيها حتى يرام الجمع بينها وبين تلك الأحاديث بغير ما ذكرناه. وهذا يشبه حديث أبي هريرة المرفوع في ذكر الغر المحجلين بالنسبة إلى قوله في الحديث: " فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " فإنها ليست من قول النبي ﷺ وإنما هي مدرجة من قول أبي هريرة ﵁ نفسه، واستدل علماء الحديث على ذلك بأن أصل حديث الغرة والتحجيل رواه عن النبي ﷺ غير أبي هريرة تسعة نفر من الصحابة ﵃ لم تذكر هذه الزيادة في رواية واحد منهم، ورواه عن أبي هريرة غير نعيم المجمر تسعة أنفس لم يذكر واحد منهم هذه الزيادة في حديثه عن أبي هريرة، وإنما انفرد بها عنهم نعيم المجمر. " الوجه الثالث ": أن النبي ﷺ لو أمر أولئك الصحابة بأن يذبحوا حين حلوا من عمرتهم وقبل يوم النحر لسارعوا إلى الذبح كما سارعوا إلى لبس الثياب والطيب ومجامعة النساء، ولو فعلوا لنقل إلينا، فإنه مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقل علم بذلك بطلانه.

стр. 1321

وأما" الحديث الثاني ": وهو ما أخرجه الحاكم، فليس فيه حجة على جواز التقديم من وجهين: " أحدهما " أن هذا الحديث لا يخالف ما دلت عليه أحاديث الباب، فنه اشتمل على أمر النبي ﷺ أولئك الصحابة ﵃ بعدة أوامر (أحدها) : فسخ الحج إلى العمرة. (الثاني) : أمره من وجد الهدي منهم أن يهدي. (الثالث) : أمره من لم يجد هدياً بأن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. ولا يلزم من كونه أمرهم بذلك أن يكون الذبح قبل يوم النحر، كما لا يلزم من قول جابر في هذا الحديث: " كنا ننحر الجزور عن سبعة " أن يكون ذلك قبل يوم النحر، كما أنه ليس في قوله: قال عطاء قال ابن عباس: " إن رسول الله ﷺ قسم يومئذ في أصحابه غنماً " إلى آخره ما يدل على أن ذبح سعد للتيس عن نفسه قبل يوم النحر، وذلك لعدم التصريح فيه ببيان الوقت والمكان، وقد جاء فيما رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح ما يبين زمن ذبح سعد لذلك التيس ومكانه، فقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني عكرمة مولى ابن عباس، زعم أن ابن عباس أخبره، أن النبي ﷺ قسم غنماً يوم النحر في أصحابه، وقال: " اذبحوها لعمرتكم فإنها تجزي " فأصاب سعد بن أبي وقاص تيساً. وبهذا انكشفت الشبهة، واتضح أن لا حجة فيما استدل به على ما زعمه. " الوجه الثاني " أن الحاكم ﵀ وإن صححه وعلم عليه بعلامة شرط مسلم فإن عنده من التساهل في التصحيح ما هو معلوم

стр. 1322

عن أرباب هذا الشأن، وقد صحح في " مستدركه" أحاديث ساقطة ولكن قيل في الاعتذار عنه إن تصنيفه للمستدرك كان في آخر عمره، والذهبي ﵀ لم يصحح هذا الحديث في " التلخيص". وأما " الحديث الثالث": وهو ما أخرجاه في الصحيحين، عن أنس، قال: صلى النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فبات بها، فلما أصبح ركب راحلته فجعل يهلل ويسبح، فلما علا على البيداء لبى بهما جميعاً، فلما دخل مكة أمرهم أن يحلوا، ونحر رسول الله ﷺ بيده سبع بدن قياماً ". (والجواب) : أنه لا يخفى على من له أدنى إلمام بالسنة وأحكام المناسك أن هذه السبع المذكورة هن من المائة التي لم تنحر إلا يوم النحر، والمشهور والصحيح المعروف ما في الصحيح من حديث جابر أنه ﷺ لما رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده، ونحر علي بقيتها. وجاء في أحاديث تفاصيل غير هذا وأُجيب عنها بأجوبة. قال ابن القيم ﵀: والجواب: أنه لا تعارض بين الحديثين، قال أبو محمد بن حزم: مخرج حديث أنس على أحد وجوه ثلاثة (أحدها) أنه ﷺ لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن كما قال أنس، وأنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين، ثم زال عن ذلك المكان وأمر علياً فنحر ما بقي. (الثاني) أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره صلى الله عليه وسلم

стр. 1323

سبعاً فقط بيده، وشاهد جابر تمام نحره ﷺ للباقي، فأخبر كل منهما بما رأى وشاهد. (الثالث) : أنه ﷺ نحر بيده منفرداً سبع بدن، كما قال أنس، ثم أخذ هو وعلي الحربة معاً فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين، كما غرفة بن الحارث الكندي: أنه شاهد النبي ﷺ يومئذ قد أخذ بأعلى الحربة وأمر علياً فأخذ بأسفلها ونحرا بها البدن، ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة كما قال جابر ـ والله أعلم. اهـ. من" الهدي النبوي" فظهر بما تقدم أن كل ما ورد من الأحاديث والروايات في تفصيل ما نحر النبي ﷺ وما نحر علي منها أنه في يوم النحر. وأما ما رواه البيهقي في " السنن" عن ابن عمر أنه قال: من اعتمر في أشهر الحج في شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة فقد استمتع ووجب عليه الهدي، والصيام إن لم يجد هدياً. فإن هذا من قول ابن عمر نفسه لكن له حكم الرفع، لأن الصحابي إذا قال شيئاً ليس للرأي فيه مسرح ولم يكن ذلك الصحابي يروي عن بني اسرائيل فإنه يكون لما قاله حكم الرفع، وابن عمر لا يروي أحاديث بني إسرائيل، وهذا مما لا مسرح للرأي فيه. وحاصل هذا الخبر ومدلوله: أن من أحرم بالعمرة في أشهر الحج بأن قال: لبيك عمرة، سواء قال: متمتعاً بها إلى الحج أو لم يقل، وسواء نوى ذلك أو لم ينوه، فإنه متمتع بالعمرة إلى الحج، كما لو نطق بذلك بلسانه ولا فرق، فإذا حج تلك السنة التي اعتمر في أشهر حجها فعليه دم المتعة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة

стр. 1324

إذا رجع إلى أهله، فإنه داخل في معنى قوله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ (١) وهو أيضاً مدلول أحاديث كثيرة. وفي الحقيقة هذا الخبر أجنبي من الدلالة على جواز تقديم ذبح دم المتعة قبل يوم النحر. وبما ذكرناه في هذا الفصل يظهر بطلان ما ذهب إليه من جوز تقديم ذبح الهدي قبل يوم النحر، وأنه غلط محض ـ من حيث الرواية، والدراية. فصل وقد استدل بعض من كتب في ذلك بعبارات نقلوها عن جماعة من أهل العلم، مستند أولئك الجماعة في ذلك أمران: " أحدهما " ما جاء في بعض الروايات التي ظنوا صلاحيتها للاحتجاج وليست كذلك كما قدمنا. و" الثاني " شيء من القياس ضمنت بعض تلك النقول. والجواب عن ذلك من طريقين: مجمل، ومفصل. أما" المجمل" فقد أجمع العلماء على أن سنة الرسول ﷺ تفسر القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وتبين مجمله، كما قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ (٢) وأنه يجب الرد عند التنازع إلى الله ورسوله كما قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه على الله والرسول إن

стр. 1325

كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾ (١) والرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه العزيز، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته ﷺ ، وقال تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً﴾ (٣) والتحاكم إلى الطاغوت يشمل أنواع التحاكم والرد إلى غير الكتاب والسنة. وقال تعالى: ﴿إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم﴾ (٤) الآية. وعن عدي بن حاتم، قال: " سمعت النبي ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ فقلت: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم. قال: " أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه. قلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم ". كما أجمعوا على أن الايجاب والتحريم والتشريع ليس إلى أهل العلم ولا إلى الملوك منه شيء، وإنما هو إلى الله ورسوله فقط، فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولا حرام إلا ما حرم الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله، قال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ (٥) وقال تعالى ﴿ثم جعلناك على

стр. 1326

شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾ (١) وقال تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا عليّ الكذب﴾ (٢) وإن كل رأي أو اجتهاد أو قياس فهو ساقط لاغ عندما يقوم الدليل الشرعي على خلافه. ولما بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن قال له: " بم تحكم. قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد. قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي، فقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله " وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ (٣) أتدري ماالفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، وقال الإمام مالك ﵀: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . وقال الإمام الشافعي ﵀: إذا خالف قولي قول رسول الله ﷺ فاضربوا بقولي الحائط، وقال أيضاً: إذا خالفت قول النبي ﷺ فاعلموا أني مجنون، أو كما قال ﵀، وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعين، وما جاء عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وما جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال

стр. 1327

وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس كائناً من كان. وقد طفحت عبارات أئمة الإسلام بهذا المعنى. والتقليد ليس بعلم إجماعاً، قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على أن المقلد لا يعد من أهل العلم. اهـ. وإنما قال ذلك ﵀ لأن العلم هو ما قاله الله ورسوله، أو قاله الصحابة. وما أحسن قوله من قال: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين النصوص وبين رأي فقيه وما أصوب قول من قال: وليس كل خلاف جاء معتبراً ... إلا خلافاً له حط من النظر وأما " الجواب المفصل " فإن دعوى من ادعى: أن وقت ذبح دم المتعة والقران ليس على حده لا من أوله ولا من آخره دليل لا من الكتاب ولا من الإجماع. فإن هذه دعوى مردودة، والطرق بينها وبين الوصول إلى الصواب مسدودة. ونص عبارته) مع أن هذا القول المشهور بتحديد وقت الذبح بيوم النحر وأيام التشريق بعده لم يستند على نص صريح ثابت لا من كتاب الله تعالى ولا من سنة رسول الله) اهـ. وقد اغتر بقول ابن حزم وقلده التقليد الأعمى، مع أن ابن حزم لم يدع عدم التحديد للوقت من أوله. ألم يعلم المستدل ـ بـ قال: ابن حزم، وقال: فلان، وقال: فلان ـ قول النبي ﷺ : " يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام"

стр. 1328

وهي " أيام أكلٍ وشرب"، ألم يعلم أن يوم النحر لا يصام بحال، وأن أيام التشريق لا يصمن إلا عن دم متعة وقران. أفيظن أن الأعمال التي هي أعمال الأعياد وأنس الأعياد وسرور الأعياد وشعائر الأعياد يستوي فعلها في الأعياد وفعلها في غير الأعياد، ألا يكفي تواطؤ أوجه السنة الثلاثة: قول النبي ﷺ ، وفعله، وتقريره ـ على ما يقتضي تحديد وقت الذبح المذكور من أوله بطلوع الشمس يوم النحر، ومن آخره بآخر أيام التشريق، ولعمري إن الواحد منها كاف فكيف يتظافرها جميعاً. أفيقول من زعم أنه لا تحديد لذبح دم المتعة لا من أوله ولا من آخره باستواء من ذبح الهدي في هذه الأيام التي نحر فيها النبي ﷺ وأمر بالنحر فيها وقرر الذابحين فيها على ذبحهم ومن ذبح قبلها أو بعدها، وأن كل الفريقين عملوا بقول النبي ﷺ " خذوا عني مناسككم " فإن قال ذلك لزمه التسوية بين ما فرق الله بينه شاء أم أبى، فإن الله سبحانه فرق بين يوم النحر وما يتبعه من أيام التشريق وبين سائر الأيام. فيوم النحر وأيام التشريق خصصن بخصائص وميزن بمميزات من كونهن أعياد أهل الإسلام، ومن كونهن أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى، ونحو ذلك والأيام التي يوقع المجوز الذبح فيهن مؤخرات عليهن أو مقدمات مفقودة تلك المزايا وتلك الصفات. وليعلم أن دم التمتع والقران ليس من الجبران في شيء، وإنما هو دم نسك مستقل، وشعيرة من شعائر الحج، معتبر من حيث الزمان والمكان، ومن حيث ترتيب أعمال الحج بعضها مع بعض. فالمكان هو منى الذي هو مكان الرمي والحلق والنحر، والزمان هو من طلوع

стр. 1329

الشمس يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، وترتيب أعمال الحج من فعل النبي ﷺ حيث بدأ يوم النحر برمي الجمرة، ثم بالنحر، ثم بالحلق، ثم بطواف الإفاضة، مع قوله: " خذوا عني مناسككم"، وندماء الجبران معلومة في مواضعها، ومعروف وجه تسميتها جبراناً بما لا يوجد مثله في الإنساك، فإنه سمي دم جبران لجبره ما وقع من النقص في العبادة. والتمتع بالعمرة إلى الحج لا نقصان فيه بحال، بل هو أفضل الأنساك، ولهذا أمر النبي ﷺ المحرم بالحج مفرداً والقارن بينهما الذين لم يسوقا الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، وتأسف ﷺ على سوقه الهدي بقوله " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هدياً ولحللت معكم " فأي نقص حينئذ في المتعة حتى يكون دمها دم جبران. ومما يوضح ذلك أيضاً أن النبي ﷺ وأصحابه أكلوا من لحوم هداياهم، عملاً بقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ (١) ولو كان دم جبران لاختص بالفقراء أو المساكين. وأما ما نقله من عبارات من جوز تقديم ذبح دم المتعة على يوم النحر من النقول ممن نقل عنهم من العلماء. فالجواب أن يقال: إن تلك النقول مع طولها متعلقة بوجوب الدم والخلاف فيه. ووقت الوجوب شيء، ووقت الذبح شيء آخر. والذي يتعلق منه بجواز الذبح قبل يوم النحر قليل جداً. وبيان

стр. 1330

ذلك أنه نقل عن الموفق ﵀ ثلاثاً نقول: نقلين من " المغني" والثالث من " الكافي " وليس في واحد منها ما يدل على ذهاب الموفق إلى جواز تقديم ذبح دم المتعة على يوم النحر بحال، وأكثر ما فيه أنه ذكر ذلك مذهب الشافعي، واشار إلى وجه ذلك عند الشافعية. والنقل الثالث عن الموفق من " كتاب الكافي" وليس فيه أيضاً ما يدل على جواز التقديم. ونقل عن ابن مفلح في " الفروع" ثلاثة نقول، وعن " الإنصاف" نقلاً واحداً، وأكثر ذلك أو كله يدور حول وقت وجوب الدم. ولم ينقل التصريح بجواز التقديم إلا عن أبي الخطاب في " الانتصار" والآجري. وحينئذ نقابل قول هذين الحنبليين المجوزين لذلك بشخصين مثلهما من الأصحاب، ويبقى معنا الإمام أحمد وبقية الأصحاب. وأما كون ذلك رواية عن الإمام أحمد، فإن أحمد ﵀ يكون له في المسألة الواحدة روايتان وثلاث روايات وأربع روايات وخمس روايات، ولا يدل ذلك على صحة كل رواية. وكذلك ما نقل عن الشافعية والمالكية فهو نظير ما نقله عن الحنابلة من أن أكثره بل إلا النزر القليل حول وقت وجوب الدم، فالشافعية والمالكية المنقول عنهم ذلك يقابلون بأقوال أمثالهم من أصحابهم ومن الحنابلة. والشافعي وأبو حنيفة يقابلان بأحمد ومالك. وتبقى لنا الأحاديث الكثيرة الصحيحة الثابتة والصحابة والتابعون وكافة العلماء إلا النزر القليل جداً، كما يبقى لنا القرآن الكريم المفيد عدم جواز تقديم الذبح، وذلك في قوله تعالى ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) ووجه دلالة الآية على ذلك

стр. 1331

ما أخرجه الشيخان عن ابن مسعود ﵁، قال: " لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله " قال: فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب فجاءت إليه فقالت بلغني أنك قلت كيت وكيت قال: مالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وفي كتاب الله تعالى فقالت: إني لأقرا ما بين لوحيه فما وجدته، فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه أما قرأت ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ قالت: بلى، قال: فإن رسول الله ﷺ نهى عنه، قالت: إني لأظن أهلك يفعلونه، قال: اذهبي فانظري، فذهبت فلم تر من حاجتها شيئاً، فجاءت فقالت: ما رأيت شيئاً، قال: لو كان كذا لم تجامعنا". وليعلم أنه حيث ذكر بعض الشافعيين فيما نقل عنه ما يقتضي أن تقديم الذبح قيام تقديم أشياء ذكرها. فيقال: إن " القياس" مردود إذا خالف النص باتفاق الأئمة، ويمتنع أيضاً القيام فيما انعقد سبب فعله زمن النبي ﷺ فلم يفعله، ومن المعلوم مصادمة هذا القول للنصوص، وأنه انعقد سببه زمن النبي ﷺ في حجة الوداع، ولم يثبت عنه ذلك فعلاً منه ولا قولاً ولا تقريراً، بل الذي ثبت عنه وعن خلفائه الراشدين وأصحابه المرضيين خلاف ذلك، ومتى صح النقل وكان صريح الدلالة فإن القياس الذي بخلافه من أبطل القياس، وبطلانه من أساسه، ولا يمكن أن يختلف قياس صحيح مع نقل ثابت صريح، وحينئذ ليست المسألة من باب تعارض أصلين بحال،

стр. 1332

وتقديم صيام ثلاثة الأيام على يوم النحر الذي هو وقت الذبح وجهه ـ والله أعلم ـ حاجة الصيام إلى طول الوقت بخلاف الذبح فإن زمنه بضع دقائق، فحكمة الشرع اقتضت تقديم الصيام دون الذبح، وقد أعطي زمن الذبح من التطويل زمناً كافياً وهو بقية يوم النحر مضموماً إليه أيام التشريق الثلاثة، ولا يقال: ألا يكتفى في سعة الوقت للصيام أن يصمن في أيام التشريق. قيل: لا، لأنهن أعياد وأيام أكل وشرب، كما ثبتت بذلك السنة، نعم يصمن للضرورة إذا لم يبق للصوم زمن إلا ذلك، كما في الحديث: " لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي". وأما ما نقله عن ابن القيم رحمة الله عليه في كتابه " إعلام الموقعين عن رب العالمين": من أن الفتوى تختلف باختلاف الأزمة والأمكنة والأحوال والعوائد، فإنه حق، لكنه يحتاج في تطبيقه إلى رجال لهم ملكة وقدم راسخ في العلم بمدارك الأحكام، وناقل كلامه نقل عدة أمثلة لهذا الأصل: منها قوله: إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، ومنها أن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو، ومنها أن عمر بن الخطاب أسقط القطع عن السارق في عام المجاعة، ومنها أن طلاق الثلاث في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر واحدة فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.

стр. 1333

فالجواب أن هذه من باب العقوبات الشرعية، فخفتها وغلظها وإقامتها وترك إقامتها أحياناً هو على حسب المصلحة، وبعضها أيضاً من (باب درء الحدود بالشبهات) والشريعة الكاملة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أكملهما. وهذا لون، والعبادات الشرعية المحدودة بأوقاتها وأمكنتها لون آخر، لا يجري فيها ذلك جريانه في العقوبات وما يلحق بها، فمثلاً الصلوات الخمس منها اثنتان لا يقدمان عن أوقاتهما بحال، وهما الظهر والمغرب، ومنها اثنتان لا تؤخران عن أوقاتهما بحال، وهما العصر والعشاء، وواحدة لا تقدم عن وقتها ولا تؤخر عنه بحال، وهي الفجر والإثنتان الأوليان اللتان لا تقدمان على أوقاتهما بحال يجوز تأخيرهما عن أوقاتهما في بعض الأحوال، والإثنتان اللتان لا تؤخران عن وقتهما بحال يجوز تقديمهما على أوقاتهما في بعض الأ؛ وال، ولو تحقق أول وقت العصر مهاجمة العدو الكفار المسلمين غروب الشمس المهاجمة التي يطول معها قتال المسلمين إياهم ويتمادى إلى غيبوبة الشفق أفيجوز أن تجمع المغرب إلى العصر جمع تقديم لهذا الفادح تعليلاً لوجود القتال، وكذلك إذا وقع مثل هذا بالنسبة إلى تقديم الفجر مع العشاء أو تأخير العشاء إليها، ومثل الظهر مع الفجر تقديماً أو تأخيراً، والفرق بين ما يصح فيه الجمع وبين مالا يصح سواء جمع تقديم أو جمع تأخير مجيء الشريعة المطهرة بالجمع فيما فيه الجمع وعدم مجيئها به في الجانب الآخر، وتسقط ههنا الآراء وما استند إليها من التعليلات التي الشريعة المحمدية بريئة من اعتبارها كل

стр. 1334

البراءة. فتقديم العبادة علىوقتها مبطل لها، وتأخيرها عن أوقاتها لا يكون كذلك في الجملة، وإنما يكون فاعل ذلك عاصياً. وابن القيم ﵀ لم يطلق، بل قيد اختلاف الفتوى بالنسبة إلى اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد. ولم يجمل، بل فصل في ذلك بما يزيل اللبس والاشتباه، فترك إقامة الحد في الغزو، وترك قطع يد السارق في المجاعة، وترك إنكار المنكر إذا أفضى إلى ما هو أنكر منه مقيد بهذه الأحوال مخصوص بها وبما يشبهها لا يسري إلى ما عداها بحال. فمسألتنا وهي " مسألة تقديم الهدي، وأمثالها " ليست من العقوبات ونحوها في شيء، بل هي من العبادات المحضة، والعبادات توقيفية من حيث ذاتها، ومن حيث مواضعها وأوقاتها، ولو قيد من كتب في ذلك فتواه بحالة الذبح في هذه السنوات التي لا يوصل فيها إلى كمال عين الغرض المقصود لكان ذلك من باب حلول المشاكل التي منها ما يقبل ومنها مايرد، وحلول المشاكل شيء، وإطلاق الجواز من غير قيد شيء آخر، فإن هذه عبادة مؤقتة بتوقيتها الشرعي زماناً ومكاناً، كما جاء في الأحاديث التي أسلفنا. تتمة لقد انطلقت ألسنة كثير من المتعلمين، وجرت أقلام الأغبياء والعابثين، وطارت كل ماطار في الآفاق كلمات المتسرعين، واتخذت الكتابة في أحكام المناسك وغيرها تجربة لأقلام بعض، وجنوح الآخرين إلى ابراز مقتضى ما في ضمائرهم وأفهامهم، ومحبة آخرين لبيان الحق وهداية الخلق، لكنهم مع الأسف ليسوا من أهل هذا

стр. 1335

الشأن، ولا ممن يجري جواده في هذا الميدان، فنتج عن ذلك من القول على الله وعلى رسوله بغير علم وخرق سياج الشريعة مالا يسع أولي الأمر من الولاة والعلماء أن يتركوا لهم الحبل على الغارب، ولعمري لإن لم يضرب على أيدي هؤلاء بيد من حديد، وتوقف أقلامهم عن جريانها بالتهديد والتغليظ الأكيد، لتكونن العقبى التي لا تحمد، ولتأخذن في تماديها إلى أن تكون المناسك أُلعوبة للاعبين، ومعبثة للعابثين، ولتكونن بشائر بين المنافقين، ومطمعاً لأرباب الشهوات وسلماً لمن في قلوبهم زيغ من أرباب الشبهات، وفساداً فاشياً في تلك العبادات، ومصيبة لا يشبهها مصيبة، ومثار شرور شديدة عصيبة، وليقومن سوق غث الرخص، وليبلغن سيل الاختلاف في الدين والتفرق فيه الزبا. ولربما يقول قائل: أليس كتاب الله العزيز فينا موجوداً، وحسام سنة رسول الله ﷺ فيما بيننا محدوداً. قيل: نعم. ولكن ماذا تغني السيوف المغمدة، ولم ينل الكتاب العزيز مغزاه ومقصده. لقد اسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي ولو ناراً نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. أملاه الفقير إلى ربه محمد بن إبراهيم آل الشيخ. حرر في ٢٠/٤/١٣٨٦هـ (م. ويذكر مدير مكتبه الخاص أنها قد نشرت)
следующие страницы →