ما أخرجه الشيخان عن ابن مسعود ﵁، قال: " لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله " قال: فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب فجاءت إليه فقالت بلغني أنك قلت كيت وكيت قال: مالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وفي كتاب الله تعالى فقالت: إني لأقرا ما بين لوحيه فما وجدته، فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه أما قرأت ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ قالت: بلى، قال: فإن رسول الله ﷺ نهى عنه، قالت: إني لأظن أهلك يفعلونه، قال: اذهبي فانظري، فذهبت فلم تر من حاجتها شيئاً، فجاءت فقالت: ما رأيت شيئاً، قال: لو كان كذا لم تجامعنا".
وليعلم أنه حيث ذكر بعض الشافعيين فيما نقل عنه ما يقتضي أن تقديم الذبح قيام تقديم أشياء ذكرها.
فيقال: إن " القياس" مردود إذا خالف النص باتفاق الأئمة، ويمتنع أيضاً القيام فيما انعقد سبب فعله زمن النبي ﷺ فلم يفعله، ومن المعلوم مصادمة هذا القول للنصوص، وأنه انعقد سببه زمن النبي ﷺ في حجة الوداع، ولم يثبت عنه ذلك فعلاً منه ولا قولاً ولا تقريراً، بل الذي ثبت عنه وعن خلفائه الراشدين وأصحابه المرضيين خلاف ذلك، ومتى صح النقل وكان صريح الدلالة فإن القياس الذي بخلافه من أبطل القياس، وبطلانه من أساسه، ولا يمكن أن يختلف قياس صحيح مع نقل ثابت صريح، وحينئذ ليست المسألة من باب تعارض أصلين بحال،
стр. 1332
وتقديم صيام ثلاثة الأيام على يوم النحر الذي هو وقت الذبح وجهه ـ والله أعلم ـ حاجة الصيام إلى طول الوقت بخلاف الذبح فإن زمنه بضع دقائق، فحكمة الشرع اقتضت تقديم الصيام دون الذبح، وقد أعطي زمن الذبح من التطويل زمناً كافياً وهو بقية يوم النحر مضموماً إليه أيام التشريق الثلاثة، ولا يقال: ألا يكتفى في سعة الوقت للصيام أن يصمن في أيام التشريق. قيل: لا، لأنهن أعياد وأيام أكل وشرب، كما ثبتت بذلك السنة، نعم يصمن للضرورة إذا لم يبق للصوم زمن إلا ذلك، كما في الحديث: " لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي".
وأما ما نقله عن ابن القيم رحمة الله عليه في كتابه " إعلام الموقعين عن رب العالمين": من أن الفتوى تختلف باختلاف الأزمة والأمكنة والأحوال والعوائد، فإنه حق، لكنه يحتاج في تطبيقه إلى رجال لهم ملكة وقدم راسخ في العلم بمدارك الأحكام، وناقل كلامه نقل عدة أمثلة لهذا الأصل: منها قوله: إن النبي ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، ومنها أن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو، ومنها أن عمر بن الخطاب أسقط القطع عن السارق في عام المجاعة، ومنها أن طلاق الثلاث في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر واحدة فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
стр. 1333
فالجواب أن هذه من باب العقوبات الشرعية، فخفتها وغلظها وإقامتها وترك إقامتها أحياناً هو على حسب المصلحة، وبعضها أيضاً من (باب درء الحدود بالشبهات) والشريعة الكاملة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أكملهما.
وهذا لون، والعبادات الشرعية المحدودة بأوقاتها وأمكنتها لون آخر، لا يجري فيها ذلك جريانه في العقوبات وما يلحق بها، فمثلاً الصلوات الخمس منها اثنتان لا يقدمان عن أوقاتهما بحال، وهما الظهر والمغرب، ومنها اثنتان لا تؤخران عن أوقاتهما بحال، وهما العصر والعشاء، وواحدة لا تقدم عن وقتها ولا تؤخر عنه بحال، وهي الفجر والإثنتان الأوليان اللتان لا تقدمان على أوقاتهما بحال يجوز تأخيرهما عن أوقاتهما في بعض الأحوال، والإثنتان اللتان لا تؤخران عن وقتهما بحال يجوز تقديمهما على أوقاتهما في بعض الأ؛ وال، ولو تحقق أول وقت العصر مهاجمة العدو الكفار المسلمين غروب الشمس المهاجمة التي يطول معها قتال المسلمين إياهم ويتمادى إلى غيبوبة الشفق أفيجوز أن تجمع المغرب إلى العصر جمع تقديم لهذا الفادح تعليلاً لوجود القتال، وكذلك إذا وقع مثل هذا بالنسبة إلى تقديم الفجر مع العشاء أو تأخير العشاء إليها، ومثل الظهر مع الفجر تقديماً أو تأخيراً، والفرق بين ما يصح فيه الجمع وبين مالا يصح سواء جمع تقديم أو جمع تأخير مجيء الشريعة المطهرة بالجمع فيما فيه الجمع وعدم مجيئها به في الجانب الآخر، وتسقط ههنا الآراء وما استند إليها من التعليلات التي الشريعة المحمدية بريئة من اعتبارها كل
стр. 1334
البراءة. فتقديم العبادة علىوقتها مبطل لها، وتأخيرها عن أوقاتها لا يكون كذلك في الجملة، وإنما يكون فاعل ذلك عاصياً.
وابن القيم ﵀ لم يطلق، بل قيد اختلاف الفتوى بالنسبة إلى اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد. ولم يجمل، بل فصل في ذلك بما يزيل اللبس والاشتباه، فترك إقامة الحد في الغزو، وترك قطع يد السارق في المجاعة، وترك إنكار المنكر إذا أفضى إلى ما هو أنكر منه مقيد بهذه الأحوال مخصوص بها وبما يشبهها لا يسري إلى ما عداها بحال.
فمسألتنا وهي " مسألة تقديم الهدي، وأمثالها " ليست من العقوبات ونحوها في شيء، بل هي من العبادات المحضة، والعبادات توقيفية من حيث ذاتها، ومن حيث مواضعها وأوقاتها، ولو قيد من كتب في ذلك فتواه بحالة الذبح في هذه السنوات التي لا يوصل فيها إلى كمال عين الغرض المقصود لكان ذلك من باب حلول المشاكل التي منها ما يقبل ومنها مايرد، وحلول المشاكل شيء، وإطلاق الجواز من غير قيد شيء آخر، فإن هذه عبادة مؤقتة بتوقيتها الشرعي زماناً ومكاناً، كما جاء في الأحاديث التي أسلفنا.
تتمة
لقد انطلقت ألسنة كثير من المتعلمين، وجرت أقلام الأغبياء والعابثين، وطارت كل ماطار في الآفاق كلمات المتسرعين، واتخذت الكتابة في أحكام المناسك وغيرها تجربة لأقلام بعض، وجنوح الآخرين إلى ابراز مقتضى ما في ضمائرهم وأفهامهم، ومحبة آخرين لبيان الحق وهداية الخلق، لكنهم مع الأسف ليسوا من أهل هذا
стр. 1335
الشأن، ولا ممن يجري جواده في هذا الميدان، فنتج عن ذلك من القول على الله وعلى رسوله بغير علم وخرق سياج الشريعة مالا يسع أولي الأمر من الولاة والعلماء أن يتركوا لهم الحبل على الغارب، ولعمري لإن لم يضرب على أيدي هؤلاء بيد من حديد، وتوقف أقلامهم عن جريانها بالتهديد والتغليظ الأكيد، لتكونن العقبى التي لا تحمد، ولتأخذن في تماديها إلى أن تكون المناسك أُلعوبة للاعبين، ومعبثة للعابثين، ولتكونن بشائر بين المنافقين، ومطمعاً لأرباب الشهوات وسلماً لمن في قلوبهم زيغ من أرباب الشبهات، وفساداً فاشياً في تلك العبادات، ومصيبة لا يشبهها مصيبة، ومثار شرور شديدة عصيبة، وليقومن سوق غث الرخص، وليبلغن سيل الاختلاف في الدين والتفرق فيه الزبا.
ولربما يقول قائل: أليس كتاب الله العزيز فينا موجوداً، وحسام سنة رسول الله ﷺ فيما بيننا محدوداً.
قيل: نعم. ولكن ماذا تغني السيوف المغمدة، ولم ينل الكتاب العزيز مغزاه ومقصده.
لقد اسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
أملاه الفقير إلى ربه محمد بن إبراهيم آل الشيخ.
حرر في ٢٠/٤/١٣٨٦هـ (م. ويذكر مدير مكتبه الخاص أنها قد نشرت)
стр. 1336
(١٣٢٣ ـ مجازر لذبح الهدي خارج منى)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي وزير الداخلية ... وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد اطلعنا على الأوراق المرفقة بخطابكم رقم ٢٥٥٣ وتاريخ ١٢/١١/١٣٨٦هـ المتعلقة بإنشاء وحدات ذبح لتنظيم النحر بمنى أيام الحج على الطريقة التي اقترحتها لجنة الحج العليا، وما عرضتم عنه عن مساحة منى، وسؤالكم عن جواز إنشاء وحدات الذبح في مداخل منى خارج حدودها إلى آخره.
لقد اطلعنا على ماذكرتم، كما اطلعنا على قرار اللجنة العليا وعلى قرار مجلس الوزراء رقم ٣١٧ في ١١/٢/١٣٨٦هـ وبتأمل الجميع ظهر ما يلي:
(أولاً) : من ناحية الذبح خارج حدود منى، فهذا لا شك في جوازه، وقد صرح العلماء بذلك.
أما الأفضلية، فالأفضل أن يكون ذبح الدماء المتعلقة بالحج بمنى أما ما يتعلق بالعمرة، فالأفضل ذبحه بمكة. وكلما كان الذبح بمكان أسهل وأنفع للفقراء للانتفاع باللحم وقلة الاضرار الناتجة عنه والإيذاء بفضلاته فهو أولى.
غير أن هناك نقطة لا يستهان بها، وهي أن إقامة هذه المباني خارج منى أمر لا ينبغي، ولا يسوغ شرعاً، لما يفضي إليه من استبدال الذبح الحقيقي بموضع آخر يتخذ مشعراً بدلاً منه، وهذا من الأحداث
стр. 1337
بالمناسك والمشاعر بغير مسوغ شرعي، وقد قال النبي ﷺ " نحرتها هنا ومنى كلها منحر" فمنى هي المشعر الشرعي الذي ينزله الحجاج، ويقيمون فيها أيام منى، ويبيتون فيها تلك الليالي، ويذبحون فيه هديهم ونسكهم، فلا ينبغي أن يجعل لهم موضع يذبحون فيه هديهم غير المشعر ويلزمون بذلك إلزاماً.
فإن استدل مستدل بجواز الذبح بغير منى.
فالجواب: أن مسألة الجواز شيء، ومسألة إلزام الناس بالذبح خارج منى شيء آخر. وأخشى أن يكون هذا من التشريع الذي لم يأذن به الله. وأن يتطاول العهد فيظن الناس أنه لا يجوز الذبح إلا بهذا المكا ن. ومن المعلوم أن مقصد اللجنة تفادي الأضرار الناتجة عن الذبح بمنى، ولا ينكر وجود شيء مما أشارت إليه اللجنة، غير أن إتقان التنظيم، ورفع الفضلات أولاً بأول، والاهتمام بذلك مما يخفف ذلك أو يزيلها بالكلية.
(ثانياً) :
لوحظ في تشكيل اللجنة العليا أنه لا يوجد معهم طالب علم ملم بأحكام المناسك يمثل الجهة الشرعية. ونظراً لأن هذه أمور شرعية وتتعلق بالمناسك، ويطلع عليها الأجانب من طلبة العلم وغيرهم، فلا ينبغي أن تخلو مثل هذه اللجنة من عضو شرعي يبين للجنة النواحي الشرعية التي يتطرقها المشروع، لتكون قراراتهم مدعمة بالأدلة الشرعية سليمة من الأشياء التي تتعارض مع الشرع الحنيف.
والله الموفق. والسلام
مفتي الديار السعودية (ص ـ ف ـ ٥٠ ـ ١ في ٥/١/١٣٨٧هـ)
стр. 1338
(١٣٢٤ ـ الحكمة في شرعية الهدي، بعض الحجاج يريد أن تكون المشاعر كمصيف أو منتزه، ومنهم من يرى ابدال الهدي بنقود للفقراء والمشاريع، ومنهم ... هذه الذبائح يمكن تحصيل المقصود منها والسلامة من أضرارها بطرق)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس تحرير جريدة حراء
الأستاذ / صالح جمال ... وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد وصلني كتابكم الذي تسألون فيه عن أسئلة تتعلق بذبائح منى. وقد أملينا عليها الجواب المرفق. والسلام عليكم.
حرر في ٣٠/١١/١٣٧٧هـ. (ص ـ ف ١٢٩٧ وتاريخ ٣٠/١١/١٣٧٧هـ)
(جواب صاحب السماحة المفتي الأكبر حول أسئلة حراء. وقد جاء جواب الأسئلة مدمجاً، وبقراءته يتضح جواب الأسئلة جميعاً)
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم وبعد:
فإن الهدايا شرعت في الحج اقتداء بخليل الله إبراهيم، حين أمره الله بذبح ولده إسماعيل، فامتثل، ثم فداه الله بذبح عظيم فذبحها رسول الله ﷺ ، وأصحابه من بعده، ودرج على ذلك المسلمون جميعاً جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن، وقد كان ذبح القرابين قديماً في الأمم على اختلاف مذاهبها، وقد قص الله علينا في القرآن العظيم أن قابيل وأخاه هابيل قرباناً فتقبل من أحدهما
стр. 1339
ولم يتقبل من الآخر (١) وكان في الأمم السابقة من لا يقتصر على تقريب الحيوان، بل كانوا يقربون ذبائحهم من البشر كالكنعانيين والفينيقيين وغيرهم، وكانوا يقربون ذبائحهم لله ويشركون به غيره، ويذبحونها على غير اسمه، وكان فيهم من يحرق هذه القرابين بالنار، فجاء الإسلام بذبح القرابين من الهدايا والضحايا لله وحده، وعلى اسمه وحده، وأمر الله بالأكل منها، وإطعام الفقراء والمساكين ـ قال الله تعالى: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون، لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين﴾ (٢) .
إن بعض الناس يريد من المشاعر أن تكون كمصيف أو منتزه منظم، ويريد أن يحصل عليه في الحج أدنى مشقة أو تعب، ولا أن يشم رائحة كريهة في المشاعر، ولا أن ترى عينه شيئاً مما يتنافى مع ترفه وحياته التي يعيشها في بلده. والوصول بالمشاعر إلى هذا الحد متعذر، وذلك لأن أوقات العبادة في هذه المشاعر محدودة، وكل من الحجاج مطلوب منه عبادة هي مطلوبة من الآخر في وقت واحد، فإذا اجتمعوا على أداء هذه العبادة فلا بد وأن يحصل بسبب ذلك زحام وروائح كريهة وغير ذلك رغم ما يبذل من عناية وتنظيم.
стр. 1340
فمن الحجاج من يصبر ويحتسب ويتحمل ما يجده من المتاعب والآلام والمضايقات، وقد يتلذذ به ويطمئن له، لكون ذلك إنما ناله في سبيل الوصول إلى طاعة ربه الذي أمره بالحج إلى بيته، لينال رضا الله ومغفرته وجنته، فيهون عليه ما يعترض له في طريقه من أشواك، وما يلقاه من نصب ومشقة.
ومن الحجاج من يتأثر ويتضايق مما يصيبه من الآلام والمتاعب والمشقة، ويظهر عليه الجزع وقلة الصبر، وذلك ناشئ من ضعف الإيمان، فإنه لو قوي إيمانه بالله وبما أعده الله للحجاج الصابرين المحتسبين من الأجر والثواب لهان عليه كل ما يجده في هذا السبيل.
ومن الحجاج من ليس منهم على الحقيقة، ولا إرب له في الحج إلا الانتقاد على تشريع الله وعلى الطرق الحكيمة التي أمر الله أن تؤدى عليها هذه العبادات، ويحاول تغييرها والاجتهاد فيها بحسب ما يملي عليه هواه وشيطانه، ويريد أن يجعل من الدين نفسه وسيلة إلى تنفيذ مقاصده وأهدافه وغاياته واجتهاداته الخاطئة، فيتكلم مثلاً في مشروعية الذبح ويقلل من أهميتها، ويريد أن يبذل الحجاج بدل هذه الذبائح التي شرع الله ذبحها عبادة له وتعظيماً، وأن يطعم منها القانع والمعتر، يريد بمجرد رأيه وهواه أن يدفع الحجاج بدلها نقوداً تبذل للفقراء وفي المشاريع الاصلاحية على حد تعبيره، وهذا شأنه في كثير من التشريع الإسلامي، يحاول تشريعاً جديداً، وعملاً لم يأذن به الله ولا رسوله ﷺ ، وقد سمعنا شيئاً من ذلك عن كثير من الناس.
والدين الإسلامي جاء بالخير والصلاح الدنيوي والأخروي، وهو صالح لكل زمان ومكان، ومتى تمسك الناس به واهتدوا بهديه وحكموه
стр. 1341
في جميع أمورهم، ولم يجدوا في أنفسهم حرجاً من أحكامه، وسلموا وانقادوا لذلك، فقد آمنوا حقاً، وسلكوا طريق النجاة والفلاح والفوز في الدنيا والآخرة، وإذا أعرضوا عنه واستبدلوا به تشريعات جديدة وقوانين وضعية وضعها أعداء الشريعة وخصوم الإسلام، ودخلت على المسلمين باسم الحضارة والمدنية وجعلوها المرجع لهم عند النزاع والدستور المقدس في جميع شئونهم واعتقدوها أحكم وأكفل لمصالحهم مما شرعه الله ورسوله فليس لهم حينئذ في الإسلام من نصيب وإن سموا أنفسهم مسلمين، والعبرة بالحقائق لا بالأسماء وقد قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكمُوك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ (١) وقال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً﴾ (٢) .
والذبائح في الحج يمكن تنظيمها وتحصيل مقصود الشارع منها من الأكل وإطعام فقراء الحرم والتوسعة عليهم والسلامة مما قد يحدث بسبب إلقاء لحومها ونتنها من أضرار صحية ومن ذهابها وعدم الانتفاع بها إذا اتبعت الطرق السليمة التي تتمشى مع حكمة الدين ولا تتنافى ومقاصده الشريفة وتشريعه الحكيم، فمن ذلك: نقل ما يفضل عن هذه اللحوم إلى فقراء الحرم في مكة وضواحيها وتوزيعها عليهم، فإن في مكة فقراء كثيرين لا يصل إليهم شيء من
стр. 1342
هذه اللحوم ولا ينتفعون بشيء منها، ومن ذلك ذبح بعض الحجاج هديه في مكة يوم النحر وأيام التشريق وعدم تخصيص منى بالذبح، فإن ذلك سائغ، كما يدل له حديث " كل منى منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر" رواه أبو داود. والسنة هي ذبح هدي الحج في منى باتفاق العلماء.
وبعمل ما ذكرناه من نقل هذه اللحوم وتوزيعها على فقراء الحرم وذبح بعض الهدايا في أيام النحر في مكة يحصل بعض مقصود الشارع من ذبح هذه الهدايا وهو إطعام فقراء الحرم من لحمها والتوسعة عليهم في ذلك، ويسلم من إضاعة هذه اللحوم وعدم الانتفاع بها، ووجود النتن الحاصل بسبب إلقائها كما هو موجود في هذه الأزمان.
أما إذا فضل شيء من لحوم الهدايا والأضاحي في الحج بحيث لم تؤكل ولم تدخر ولم يمكن إطعامها وتوزيعها على الفقراء وحفظت في ثلاجات ونحوها ووزعت على فقراء الحرم فلا بأس بذلك.
وأما بيع الهدايا والضحايا فيجوز بيعها في حق من ملك تلك اللحوم بصدقة عليه بها أو إهداء إليه منها.
أما صاحب الهدي الذي ذبحه قربة إلى الله فلا يجوز له بيع شيء من ذلك.
وفي حفظ هذه اللحوم مصلحة ظاهرة، والشريعة المطهرة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها.
стр. 1343
وترك هذه اللحوم مطروحة على الأرض بدون انتفاع بها فيه إضاعة لهذه اللحوم، وضرر من الناحية الصحية مما يتنافى مع حكمة الدين.
ولكن يجب أن يكون للحجاج الحرية المطلقة في لحوم هداياهم أكلا وصدقة وادخاراً، ويذبح في أي موضع أراد الذبح، وتقوم البلدية بدرس الطريقة الكفيلة بدفع الضرر بسبب ما يلقى من الفرث والدماء والسواقط، وذلك: إما بدفنه، أو نقله بسرعة إلى مكان بعيد عن منى.
ولا يؤخذ للحفظ إلا ما فضل عن حاجة الناس..
أما قيام " شركة وطنية" أو غير وطنية في هذا العمل فلا يجوز شرعاً، وأعمال الشركات معظمها مبني على أمور مخالفة للشرع، وستحرص الشركة التي ستقوم بهذا العمل على نجاح شركتها، وعلى تحقيق أرباحها، مما يدعوها إلى عدم الاقتصار على مايلقى، بل ربما حداها حرصها إلى أخذ اللحوم من أيدي الناس بحجة أنها قامت بهذا العمل لحفظ الصحة وللمصلحة العامة، فلا يجوز السماح لشركة أياً كان نوعها بالدخول في هذه الشئون، لأنها عبادات محضة، مع ما يترتب على ذلك من الضرر وسوء العاقبة. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
محمد بن إبراهيم (ص ـ ف ١٢٧٩ في ٣٠/١١/١٣٧٧هـ)
стр. 1344
(١٣٢٥ ـ قيام الشركات بجمع لحوم الهدايا والضحايا وبيعها)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة ... رئيس مجلس الوزراء ... حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد جرى الاطلاع على الاقتراح الموجه إلى جلالتكم من خادمكم تركي العطيشان، المرفق بخطاب مقام رئاسة مجلس الوزراء رقم ٣٨٥ وتاريخ ٨/١/١٣٨١هـ حول ملاحظاته على لحوم الفدي والأضاحي في منى وقت الحج، ورغبتكم الإفادة عما نراه تجاه ما ذكر.
ونفيد جلالتكم أن ماأبداه في معروضه المذكور غير وجيه، إذا المسألة مسألة نسك ومشاعر، وليست مسألة تجارة، والأصل في الهدايا والضحايا أن يأكل منها المهدي ويتصدق ببعضها ويهدي البعض الآخر. ولو جعل على شكل شركة لأضرت بالمساكين الفقراء الذين هم من أهم المقاصد التي لأجلها شرع الهدي، فالشركة تريد أن تجمع لنفسها وتربح، وتبذل ما في وسعها لتجمع أكبر عدد ممكن من الهدايا والأضاحي لتكسب منه الربح الكثير، وهذا ينافي الحكمة التي لأجلها شرع هذا النسك، وقد ينجم عن شركة كهذه أضرار عظيمة: من منع الفقراء ما يستحقون، وتهاون الناس بهذه الشعيرة العظيمة، وضعفها في نفوسهم. أما الاعتناء في أمر هذه الذبائح، وعمل ما من شأنه حفظها من الضياع، ومنع الأضرار التي تنجم عنها من روائح وأوساخ، وما يحدث نتيجة لذلك من الأمراض، وحفظ ما يتبقى من اللحوم وتوزيعه على فقراء الحرم مما لا يتنافى مع الحكمة
стр. 1345
الشرعية: فهذا حسن لا يترتب عليه ضرر. وفق الله جلالتكم وأرشدكم إلى ما يحقق المصلحة الدينية والدنيوية. والله يحفظكم (١) .
(ص ـ ف ٦٤١ وتاريخ ١/٦/١٣٨١هـ)
(١٣٢٦ ـ وإذا نحر الهدي فيفرقه على محاويج الحرم، سواء من أهل الحرم الساكنين فيه، أو غيرهم من الحجاج، أو غيرهم. وتفريقه هو الأولى، فيكون قد أوصله إلى مستحقه مع كمال اليقين، فإن لم يفرقه فبعد ما يذبحه يُمَكِنُ ساكن الحرم منه. (تقرير)
(١٣٢٧ ـ الحلق عبادة وهو أفضل. ووجه كون حلقه عبادة أن شعره محبوب إليه متخذه للجمال، فإذا جاد بشعره فهذه قربة. (تقرير)
(١٣٢٨ ـ بعض الذين يتولون القص يدور دوارة على الرأس. هذا ليس شيئاً، إنما هو على بعض المذاهب أنه ثلاث، بل على المذهب الراجح عند الشافعية أنه يكفي شعرة واحدة، ذكره ابن كثير في التفسير. والصواب أنه لابد من الإتيان على جميعه وإن لم يكن على كل شعرة شعرة. (تقرير)
(١٣٢٩ ـ وفعل ابن عمر أنه إذا حج أو اعتمر قبض لحيته فما فضل أخذه لا يحتج به، لأنه روى النهي عن قصها ـ انظر الفتوى الصادرة برقم (١١١٩ في ١٤/٥/١٣٨٨هـ) .
стр. 1346
(١٣٣٠ ـ ترك الحلق والتقصير ناسياً أو جاهلاً وسافر إلى بدله)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبد الرحمن بن إبراهيم بن رميح ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد وصل إلينا كتابك المتضمن السؤال عن المسألتين الآتيتين. وقد جرى تأملهما، والجواب عليهما بما يلي: ـ
أما" المسألة الأولى" وهي ترك الحاج الحلق أو التقصير ناسياً أو جاهلاً وسفره إلى بلده بعد تمام المناسك غير الحلق أو التقصير.
والجواب: أن الحلق أو التقصير نسك لا يتعين أن يفعله في مكة وما حولها، ولا أن يوالي بينه وبين بقية أعمال الحج، ولا أن يوقعه في أيام منى. فعلى هذا يحلق أو يقصر متى ذكر إن كان ناسياً، أو متى علم إن كان جاهلاً في أي محل كان، ولا شيء عليه إن لم يكن فعل شيئاً من محظورات الإحرام (١) .
(ص ـ ف ١٤٢٧٨ في ٢٢/١١/١٣٨١هـ)
(١٣٣١ ـ طاف بعد نصف الليل قبل الرمي)
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة قاضي محكمة العمار ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد جرى اطلاعنا على الاستفتاء الموجه إلينا منكم عن أربع مسائل:
стр. 1347
الأولى: إذا كان الحاج بمزدلفة ليلة جمع فأفاض من أراد الإفاضة بعد نصف الليل فطاف قبل الرمي هل في ذلك بأس؟
والجواب: لا يظهر لنا في ذلك بأس " فما سئل ﷺ يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج " (١) .
(ص ـ ف ٤٢٦٤ في ١٦/١١/١٣٨٧هـ)
(١٣٣٢ ـ الخطب في الحج)
بعهم يذكر خطبة في اليوم الثامن يبين فيها أحكام الحج، لكن لم يقم على هذه الخطبة الرابعة دليل. (تقرير)
(١٣٣٣ ـ اذا كان مريضاً ومسكنه في جدة فكيف يطاف به؟)
وأما مسكنه في جدة من الحجاج وكان مريضاً. فهذا يطاف به محمولاً، ويسعى به في سيارة ونحوها أو محمولاً إذا كان لا يستطيع الطواف والسعي ماشياً (٢) .
(ص ـ م في ١٢/١٢/١٣٧٦هـ)
(١٣٣٤ ـ حجت وحاضت قبل طواف الافاضة هل توكل؟)
" المسألة الثانية ": عن امرأة حجت وحاضت قبل طواف الإفاضة ولما أراد رفقتها السفر إلى بلادهم وكلت وليها يطوف عنها طواف الإفاضة ويسعى عنها ففعل، وسافروا إلى بلدهم: فهل تصح الوكالة في مثل هذا؟ مع العلم أن هذه الحجة نفل.
стр. 1348
والجواب: ظاهر كلام الفقهاء جواز مثل هذا إذا كان الحج نفلاً، والذي وكلته قد حج تلك السنة وفرغ من أعمال الحج، ولا سيما عند الحاجة. والله أعلم والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية (ص ـ ف ٣٧٩٥ ـ ١ في ١٩/١٢/١٣٨٨هـ)
(١٣٣٥ ـ يكفي طواف الافاضة عن طواف القدوم)
قوله ... الإمام واختار الأكثر أن القارن والمفرد إن لم يكونا دخلاها قبل ـ يطوفان للقدوم ثم للزيارة، وأن المتمتع يطوف للقدوم ثم للزيارة.
لكن نعرف أن نص أحمد هذا قال الموفق في " الم غني " لا نعلم أحداً وافق أبا عبد الله ـ يعني من الأئمة والسلف ـ على هذا القول. فعرفنا ضعف هذا القول، وإن كا ن اختاره الأكثر. والصحيح ما اختاره الشيخ والموفق وابن رجب للعلة السابقة، ولأنه لم يقم عليه برهان شرعي، بل الذي في الأحاديث إنما هو طواف الإفاضة، فيكون القول الأول مرجوح بمرة، لا يلتفت إليه. (تقرير)
(١٣٣٦ ـ اذا حاضت قبله في مكة ومسكنها جدة بقيت في مكة)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وآله وصحبه.
" السؤال الأول ": وهو إذا جاء النساء المانع (١) في الحج ومساكنهم في جدة فهل لهم ينصون جدة (٢) حتى يخلصون وينزلون منها
стр. 1349
ويقون حجهم، أو يلزمهم يقعدون في مكة حتى يخلصون؟
جوابه: الحمد لله. لا يخرجن إلى جدة حتى يطهرن ويطفن طواف الإفاضة، وعليهن أيضاً طواف الوداع. لكن يكفيهن طواف الإفاضة إذا نوينه عن الإفاضة والوداع ولم يقمن بعده بل بادرن بالخروج من حين يفرغن من سعي الإفاضة. (ص ـ م صورة)
(١٣٣٧ ـ الا إذا كان في بقائها مشقة)
وقد ذكرت لكم في جوابي السابق عن المرأة التي أتاها المانع وقد بقي عليها طواف الإفاضة وطواف الوداع أنها تبقى بمكة حتى تطهر.
وأوضح لكم زيادة تفصيل ـ أنه إذا كان عليها مشقة في بقائها بمكة من جهة المسكن أو غيرها فإنها تخرج إلى جدة، ويسقط عنها الوداع. ولكن تكون في حكم الإحرام فلا يقربها زوجها إذا طهرت، ومن حين تطهر ترجع إلى مكة لتأتي بطواف الإفاضة. وينبغي أن تحرم من جدة في دخولها بعمرة، فإذا طافت وسعت لعمرتها وقصرت من شعرها حلت من العمرة، وحينئذ تطوف طواف الإفاضة (١) قاله ممليه الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
(الختم) (١١/١٢/١٣٧٦هـ)
(١٣٣٨ ـ رجع إلى أهله قبل طواف الافاضة)
الحمد لله: الرجل الذي حج ورجع إلى أهله قبل أن يطوف طواف الإفاضة ـ وهو الطواف الذي بعد الدخول من عرفة ـ يلزمه أن
стр. 1350
يرجع لمكة، فإذا وصل إلى الميقات أحرم بعمرة، فإذا وصل إلى مكة طاف بالبيت لعمرته التي أحرم بها من الميقات، ثم سعى بين الصفا والمروة، ثم حلق رأسه لعمرته المذكورة، وبعد ما يفرغ منها يطوف طواف حجه السابق، ثم يسعى بين الصفا والمروة ولا شيء عليه غير ذلك، بل يكون بذلك قد أدى ما عليه من الحجة السابقة. ثم يعرف أنه في هذه المدة لا يقرب امرأته. قاله الفقير إلى عفو الله محمد بن إبراهيم.
(بخط مدير مكتبه الخاص في ٢٢/١/١٣٧٤هـ) ... (الختم)
(١٣٣٩ ـ حاضت واضطرت أن تسافر مع قافلتها قبل طواف الافاضة)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم محمد علي محمد سليمان عزيز خان ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد جرى الاطلاع على الاستفتاء الموجه إلينا منك بخصوص ذكرك أن امرأة قدمت مع محرمها للحج، وأنها أتمت مناسك حجها ما عدا طواف الإفاضة فقد حاضت، واضطرت إلى أن تسافر مع قافلتها دون أن تقضي طواف الإفاضة. وتسأل ماذا يترتب عليها؟ .
والجواب: الحمد لله. يحرم عليها ما يحرم على من تحلل التحلل الأول وبقى عليه التحلل الثاني، فيحرم عليها النكاح ودواعيه وعقده طالما بقي الطواف عليها، كما أنه يلزمها المجيء إلى مكة فوراً متى قدرت على ذلك في أي وقت يتيسر لها القدوم فيه، فإذا وصلت
стр. 1351
قرب ميقات تمر به فتحرم بعمرة، ثم تدخل مكة وتقضي مناسك العمرة، ثم تطوف طواف الإفاضة وبتمامه يتم حجها، ولا شيء عليها في مقابلة سفرها دون أدائه ثم رجوعها بعد ذلك لتأديته. وبالله التوفيق. والسلام عليكم.
(ص ـ ف ٩٩٥ ـ ١ في ١٧/٤/١٣٨٥هـ)
(١٣٤٠ ـ سافرت إلى جدة قبل الطواف ووطأها)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم محمد اسماعيل الصومالي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد وصلنا كتابكم المؤرخ ١٥/٢/١٣٧٧هـ المتضمن الاستفتاء عن المرأة التي أحرمت مع زوجها من جدة، وأدت مناسك الحج، إلا أنها عندما نزلت إلى مكة حاضت، فسافرت إلى جدة قبل طواف الإفاضة والوداع. وبعد أن طهرت واقعها زوجها قبل طواف الإفاضة والوداع. الخ..
فالجواب: الحمد لله. سفر المرأة المذكورة إلى جدة قبل إتمامها المناسك لا ينبغي، بل تقيم بمكة حتى تطهر، ثم تكمل مناسكها، لحديث: " أحابستنا هي" (١) لكن لا شيء عليها في سفرها إلى وطنها قبل ذلك، ووطؤها حينئذ لا يحل لبقاء الإفاضة عليها. وتخير بين ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين. وعليها أن ترجع إلى مكة بعمرة، فتحرم من جدة ثم تدخل إلى مكة فتطوف وتسعى وتقصر من شعرها. وبعد ذلك تطوف طواف الإفاضة وطواف
стр. 1352
الوداع. وإن خرجت من مكة عقب فراغها من طواف الإفاضة فوراً فإنه يكفي عن طواف الوداع والسلام.
(ص ـ ف ٢٠٦ في ٢٩/٢/١٣٧٧هـ)
(١٣٤١ ـ لا بد من سعي ثان للتمتع)
القارن فيه خلاف. والصواب الذي عليه الجماهير أنه يجزيه سعي واحد.
أما المتمتع فالمذهب وعند كثير والجمهور أنه لا بد من سعي ثان والقول الآخر أنه يكفيه سعي واحد ويختاره الشيخ وابن القيم. والمسألة فيها أدلة من الجانبين.
والاحتياط وهو الذي علي الفتوى والعمل أنه يسعى ثانياً، فيه الأحاديث واضحة، هي في المتبادر أوضح من حجج من قال يكفيه سعي واحد. وأحاديث سعي واحد مجملة تحتمل أن يراد بها القارنين فإن النبي وعدداً من الصحابة كانوا قارنين. فلابد من سعيين هذاك نسك مستقل، وهذا نسك مستقل، وصراحة أحاديث هذا الجانب لا يدانيها صراحة أحاديث الجانب الآخر.
واختيار الشيخين أنه يجزيه، ما قالوا: لا يسعى، قالوا: يجزيه سعيه الذي سعاه في عمرته. وإمام الدعوة ـ الشيخ محمد ـ وأولاده وأحفاده وتلاميذه وتلاميذهم هم على القول بالسعيين، ودليله ما تقدم: حديث عائشة، وحديث ابن عباس أصرح من حديث جابر. (تقرير)
стр. 1353
(١٣٤٢ ـ ندبية الطواف كل وقت)
ثم بعد ذلك مندوب الطواف كل وقت. وكان بعض الناس يحاول أنه لا يستحب، ويقولون: إن النبي ما جاء عنه ولا طواف، ولكن هذا قول ما يلتفت إليه ـ فكون الطواف عبادة مستقلة يثاب عليها شيء معلوم معروف عند الأئمة الأربعة وعند الأصحاب ـ فهذا قول لا وجه له وباطل، فيستحب الإكثار من الطواف ولا سيما في حق الآفاقي، فإن تطوعه بالطواف أفضل من تطوعه بالصلاة. (تقرير) .
(١٣٤٣ ـ البقاء بمنى نهاراً)
قوله: ويبيت بمنى.
والمشروع أن يكون في منى نهاره، لأجل رمي الجمرات، ولأجل إقامة ذكر الله ـ وإن كان غير واجب لا سيما قرب زوال الشمس إلى الغروب ونحو هذا ـ فإنه مندوب. ... (تقرير)
(الرمي بعد الزوال، والموالات)
وكونه بعد الزوال ـ شرط ـ فلو رمى قبل الزوال لم يجزه. ولو لم يرتب لم يجزه.
وأما الموالات ـ ولم يصرحوا بها هنا ولا في كثير من كتب الأصحاب لكن يؤخذ من كلامهم عدم وجوبه، وذلك أنه صرحوا أنه إذا نسي حصاة جعلها من الأولى لأجل الترتيب، فهذا يدل على أن الموالاة ليست عندهم شرطاً، إنما الشرط الترتيب. (تقرير)
стр. 1354
(١٣٤٥ ـ تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك (١) لصاحب السماحة مفتي الديار السعودية فضيلة الشيخ محمد بن ابراهيم)
الحمد لله، أحمده، وأستعينه، وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور نفسي، ومن سيئات عملي، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.
أما بعد: فإنه لما كان في منتصف ذي الحجة شهر الله الحرام أحد شهور عام خمس وسبعين وثلاثمائة وألف وأنا في بلد الله الحرام مكة المكرمة، وقع إلى يدي كتاب من الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود، وبرفقه رسالة ألفها، وسماها " يسر الإسلام" وبين أشياء من مناسك حج بيت الله الحرام، ابتدأها بمقدمة تشتمل " أولاً " على مضمون شطر عنوانها الأول، وهو: يسر هذا الإسلام وتشتمل " ثانياً " على مضمون شطر عنواها الآخر وهو: بيان أشياء من مناسك حج بيت الله الحرام.
وقد ذكر في كتابه إليّ المرفق به هذه الرسالة تأليفه إياها، وأنه أرسلها إليّ لأنظر، هذا بعد أن طبع منها الألوف الكثيرة، وفرقها في نجد والحجاز وكثير من البلاد المجاورة. وهذا من العجيب، كيف ينشرها هذا النشر الشهير، ويوزعها هذا التوزيع العميم، ويكتب إليّ
стр. 1355
لأخذ رأيي فيها. وكل من اطلع على رسالته من العلماء والطلاب لا يشك ولا يرتاب، أنه وقع بتأليفها في هوة مردية، واكتسب بكتابتها سمعة مزرية، وفاه بجهالة جهلا، وضلالة في هذا الباب عميا وكنت قد عزمت بعد التوكل على الله أن أكتب ما يبين غلط فمه، وزلقات قلمه، ثم بعد التروي ما شاء الله عدلت إلى أن أذكر زلاته لولي أمر المسلمين، رجاء أن يقوم بما أعطيه من السلطان مقام الرادع لهذا الإنسان، عما زينته له نفسه من الإقدام على هذا الشأن، الذي لم يسبقه إليه أحد بما يحمله إلى أن يتوب إلى الله سبحانه ويرجع عما كتبه في هذا الشأن.
ثم لم ألبث إلا قليلاً حتى أرسل إلي ولي أمر المسلمين الملك سعود ـ أيده الله بالحق ـ كتاب هذا الرجل إليه مرفقاً به هذه الرسالة، ويلتمس الملك سعود حفظه الله بيان ما لدي في ذلك، فبينت له أن رسالته قد اشتملت من الأغلاط على ما لم يسبقه إليه أحد، وتضمنت من مخالفة صريح السنة ومعاكسة ما درج عليه السلف الصالح وسائر علماء الأئمة مالا يوافق عليه، وأنها أول أساس يتخذ لنقض أحكام الحج، ويسلط أرباب الزيغ والإلحاد أن يسلكوا من طرق نبذ الشريعة ما شاءوا أن يسلكوه، وأن يصلوا من هد بنائها القوي المحكم ما قصدوه ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وإعلاء كلمة دينه وظهوره.
وبعد أن كتبت للملك وفقه الله بالحق بمضمون ذلك مضى عليّ زمن غير طويل، ثلم لم أشعر إلا وقد قدم هذا الرجل إلى بلد الرياض وتحققت بعد أن بإيعاز من الملك أيده الله بالحق إليه للاتصال بنا وبعلماء الرياض للبحث معه فيما يتعلق بهذا الصدد، وجلس معنا
стр. 1356
ومع جماعة العلماء مجلسين أو أكثر، بينا له فيها شفاهاً غلطاته، ووضحنا له أنه أبعد النجعة في اختياراته، وبعد تكرار البيان ومزيد الإيضاح ظهر أنه غلط في رسالته عدة غلطات: ما بين غلطة كبرى فاحخشة، وما بين أخرى دونها، وما هو دون ذلك، فأظهر الندم على ما كتب، وصرح بالتوبة عما إليه حول هذا الصدد قد ذهب، فقبلنا توبته، وعرفنا له رجوعه إلى الحق وأوبته، ودعونا له بالتوفيق وشكرنا الله ﵎ على هدايته إلى سواء الطريق، وقررنا معه أن المقام يفتقر إلى أكبر من ذلك، وأكثر مما هنالك، من تأليفه رسالة تتضمن رجوعه مدعمة بالأدلة، ومركزة على أصول تلحقها بفروع الملة، فأجابنا إلى ذلك، ووعد بأنه إذا وصل إلى وطنه " قطر " ونال الراحة بالأوبة من السفر: كتب تلك الرسالة، وضمنها جميع ما يحتاج إلى البيان من غلطاته وأسبابها، والتصريح بالرجوع عنها عن بسط بما يكفي ويشفي، وأنه يكفي حالاً كتابة رجوعه وظهور الحق له اختصاراً، وكتب كتاباً هذا نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بما أنه تقرر لدى فضيلة المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم وكذلك الشيخ عبد العزيز بن باز وسائر المشائخ الحاضرين بأنه حصل الغلط مني في شأن الرسالة المؤلفة في الحج، وذلك في موضعين منها: القول بتوسعة الوقت للرمي. ورأوا أنه مقدر بما بين الزوال إلى الغروب. ومنها: سقوط الرمي عمن لا يستطيعه حيث قلت به في الرسالة بدون أن يستنيب. ورأوا أن القول به خطأ مني، وأنه يجب مع العجز الاستنابة، فعليه فإني أتوب إلى الله من الخطأ
стр. 1357
فيما قلت، وأن القول قولهم، وأنا تابع وراجع عما قلت، فيتعين على من لا يستطيع أن يستنيب من يرمي مكانه، وإني أستغفر الله مما جرى به القلم، أو زل به القدم.
قاله معترفاً به على نفسه
عبد الله بن زيد آل محمود.
وقد ذيلت علىكتابه بمانصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أشرفت علىما كتبه الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، وقد سرني ذلك حيث رجع عما في رسالته المتعلقة بالحج من الأخطاء. ولكن لابد من التصريح برجوعه عن القول بجواز الرمي قبل الزوال وكذلك عن القول بجوازه ليلاً. بعبارة واضحة، كما أنه لابد أن يزيد بقوله (أنا راجع عن جميع مافي رسالتي المطبوعة المتعلقة بالحج من الخطأ) وأن يصرح في هذا الكتاب بأنه سيكتب رسالة في ذلك، ويوضح أدلة الصواب في المسائل التي رجع عنها، ولابد من تأليفه الرسالة فعلاً، وطبعها بعد أن تعرض علينا، ثم تفريقه إياها على من فرقت عليهم الرسالة السابقة. والقصد من ذلك ـ والله المطلع ـ نجاته وخلاصه هو ومن اتصلت إليه هذه الرسالة من الزلل والوقوع فيما يخالف الأدلة وجماعة العلماء، وقد التزم بها اشترطناه عليه أعلاه، وكتب تحته بقلمه ما نصه: ـ
الحمد لله. نعم إنني قد التزمت لفضيلة الأستاذ المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم بأن أصنف رسالة تقتضي التصريح بالرجوع عما قلت في الرسالة المؤلفة في شأن الحج من خاصة القول
стр. 1358
بتوسعة الوقت للرمي، وأني أُصرح تصريحاً ليس بالتلويح في خاصة الرجوع عن القول بذلك، وأنه لا يجوز لأية شخص في أن يقلدني في القول بذلك مع تصريحي بالرجوع عنه. وكذلك القول الاستنابة في الرمي، فقد ترجح لدي قول فضيلة المفتي من القول بوجوبه، وبين الأدلة المقتضية لذلك، فمن أجله رجعت عن قولي إلى القول بوجوبه، لأن رأي الجماعة العلماء أقرب إلى العدل والخير والصواب من رأي وحدي، وسيحصل تأليف رسالة تقتضي التصريح بكل ذلك ـ إن شاء الله تعالى.
قاله عبد الله بن زيد آل محمود
وبعد أن سافر إلى وطنه، ومضى ما يزيد على شهر بقينا منتظرين إرساله ما وعد به من تأليفه في الرجوع، ولم نزل عدة أشهر في الانتظار، حتى أسفر ليل تلك المواعيد عن خيبة الأمل، وأن الرجل لم يصدق في الموعود ولا عدل، وأنه بقي في ظلماء جهله، وفتنته بما به استدل مما هو أشبه شيء بالسراب بقيعة، ولما لم ينجح فيه الدليل والبيان، ولم يقبل مشورة أولئك الإخوان، وكانت المواعيد منه عرقوبية، ومساعيه حول هذا الصدد وخيمة وبية، وكانت فتنة الجهال وأرباب الكسل برسالته عظيمة، ومفضية إلى أن تبقى البراهين الشرعية ليس لها بين الأمة قيمة، ومؤدية إلى تضليل الأمة، وفتح باب غث الرخص، وانتهاز الملاحدة واللادينيين في إفساد الدين الفرص، ومفضية ولا بد بالجهال إلى التوثب بجهالتهم على الشريعة، وإبداء ما لديهم من توهمات فضيعة، رجعت إلى ما كنت قد عزمت عليه أولاً: من كشف شبهاته، والبرهنة عن غلطاته، ليستقيم السبيل، ويؤخذ بواضح الدليل، ويكون
стр. 1359
المسلمون إخوة متعاونين على التمسك بالدين، والسير على وفق ما شرعه لهم سيد المرسلين ﷺ .
فأقول: أما ما قرره هذا الرج لفي مقدمته من " يسر هذه الشريعة المحمدية " وبعدها كل البعد عن الآصار والأغلال. فأمر لا يختلف فيه اثنان من المسلمين، ولا يشك فيه سواهم من علماء الملل الأخرى المنصفين، ولكن لم يرد به هذا الرجل حقاً، بل أراد به باطلاً من حيث لا يشعر، وذلك أنه لا يدليل فيها بوجه على ما ذهب إليه، كما أنه لا دليل فيها بوجه على صحة الصلاة بل ولا صحة ابتدائها قبل دخول الوقت بلحظة لا في حق المريض ولا في حق غيره، فلو أن قائلاً قال بصحة هذه الصلاة مستدلاً بهذه القاعدة العظيمة ـوهي يسر الشريعة المحمدية وبعدها عن الآصار والأغلال ـ لكان أقل أحواله أن يعد من أجهل الجاهلين. ونظير ذلك لو استدل بها الصائم الذي آلمه الجوع والعطش على جواز الإفطار لعد من الجاهلين الخاطئين، ومن أعظم الجناة على شريعة رب العالمين، وكم نزع أرباب الشهوات بهذا الأصل على ارتكابهم ما ارتكبوه من المعاصي. أفيكونون بذلك معذورين؟ كلا!
ويسر الشريعة المحمدية: مثل إفطار المسافر في رمضان، وإفطار المريض الذي يضره الصوم، ونحو ذلك، وكقصر المسافر الرباعية إلى ركعتين، وتيمم المريض بشرطه، وتيمم عادم الماء، ونحو ذلك مما هو منصوص عليه أو ملحقاً بالمنصوص عليه لتحقق اجتماعه معه في العلة، وأمثلة ذلك معروفة.
стр. 1360
وما علم حكمه من نص الكتاب أو السنة وما يلحق بذلك كإجماع الأمة ونحو ذلك فلا يجوز مخالفته استدلالاً بنصوص يسر الإسلام وبعده عن الحرج.
وأرباب هذا المسلك لا مناص لهم عن أن ينصبوا راية الخلاف بين النصوص، ويضربوا بعضها ببعض، ويسلطوا الجهلة على سلوك هذا السبيل الوبي المهلك، ويبقوا في أعظم حيرة، ويستعملوا أنواعاً وألواناً من طرق الدرء في نحور النصوص، وأن تكون لهم الخيرة من أمرهم، وليهم النظر فيما يلم بهم من حادثة، وأن يفزع كل إلى ما يشتهي عند الكارثة.
ونظير ذلك ما قرره في هذه المقدمة من (أن الشريعة بنيت على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها) فإنه حق، وأصل أصيل، والشأن كل الشأن في التطبيق، وصدق ذلك عند التحقيق، فليس كل من استدل بها على رأي رآه يكون مصيباً، فلا دليل فيه على ما ذهب إليه، ولا مستأنس له فيه، فإن كثيراً من المنحرفين عن الصواب لا يزالون يعولون في زعمهم في الانحراف على هذا الشأن، وهم ليسوا من فرسان هذا الميدان، وقد أخطأ هذا الرجل في تفريعه على هذه القاعدة بما يعرفه أهل العلم ـ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وهكذا تقريره علة شرعية الحج، وأنه إقامة ذكر الله. فإن هذا صحيح ومعلوم بالنصوص، لكن أخطأ هذا الرجل في هذا المقام، وذلك أنه جعل ذكر الله المعني ها هنا هو الذكر القولي فقط دون الفعلي، ولم يعرج على ذكر الله الفعلي في أول بحثه أصلاً، بل لم يكتف بذلك، حتى صرح بما يقتضي خروج الذكر الفعلي عن ذلك.
стр. 1361
ولم يدر المسكين أن الاذكار الفعلية أعظم شأناً وأهم من الأذكار القولية، ولهذا كانت أركان الحج وواجباته كلها فعلية ولم يكن منها واحد قولياً، ورمي الجمار من الأذكار التي هي من واجبات الحج. وأما الأذكار القولية التي يؤتي بها حال رمي الجمار وبعده فليس منها ذكر واجب إجماعاً، أفلا يستحي رجل هذه بضاعته في أحكام الحج من أن يتكلم فيه، فضلاً عن أن يكتب، فضلاً عن أن ينشر، فضلاً عن المبالغة العظيمة في النشر والتعميم؟ !!
ويظهر ـ والله أعلم ـ أنه مع جهله حاول الاستهانة بشأن رمي الجمار، وهذا هو الذي حمله ـ والله أعلم ـ على سلوك هذا المسلك، وعلى ذكر ما نسبه عن الحافظ ابن جرير ﵀ فيما حكاه عن عائشة من أنه إذا ترك الرمي وكبر أجزأه. وأبلغ من ذلك ما حكاه قبل ذلك عن بعض أهل العلم أنه قال: إنما أمر الله بالذكر في أيام التشريق ولم يأمر برمي الجمار لأن الذكر هو روح الدين، وهو الأمر المهم منه، وقد شرع الرمي لأجله، وأنه إنما شرع حفظاً للتكبير. انتهى.
ولهذا قال هذا الرجل بعد أن ذكر أنه حكى بعض أهل العلم الإجماع على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة من حادي عشر ذي الحجة إلى آخره، ما نصه: وذكر الله في هذه الأيام هو التكبير في أدبار الصلاة، والدعاء عند رمي الجمار. فأتى هذا الرجل من الفرية على الله ورسوله مالا يخفى على أهل العلم، وذلك أنه حصر أمر الله تعالى بذكره في الأيام المعدودات في الذكر القولي، المفيد أن الله لم يأمر بالرمي في هذه الأيام. وباليت شعري من إمام
стр. 1362
هذا الرجل في ذلك، وجعل هذا الرجل عمل الرسول ﷺ الذي هو امتثال أوامر ربه والتشريع لأمته وتفسيره لهذه الآية الكريمة ما زعمه من أنه الأذكار القولية فقط، مستشهداً عليه بما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن عمر ﵄: " أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يُكبِرُ على إثرِ كل خصاة ثم يتقدم ثم يسهل " إلى آخل الحديث، وبحديث أبي داود، وفيه " أن ابن عمر كان يدعو هنا بالدعاء الذي كان يدعو به في عرفة " والحديثان لا يدلان على أن رمي الجمار لا يدخل في مسمى الذكر بحال.
ولعمري إن أعلم الخلق بمعان القرآن الكريم وبأحكام الحج هو من أُنزلت عليه سورة البقرة ﷺ : قد فسر هذه الآية الكريمة بما فعله وأمر به من واجب كرمي الجمرات، ومايتبع ذلك من الأذكار القولية المندوبات، وفسرها بذلك علماء الإسلام متبعين بذلك تفسير سيد الأنام، ﷺ برميه الجمار تلك الأيام، وأمره أمته بذلك. وقد غر هذا الرجل في اقتصاره على الذكر القولي اقتصار كثير من المفسرين عليه في تفسير هذه الآية، فظن عدم دخول رمي الجمار في ذلك، وهم إنما تركوه لوضوحه.
قوله: فهذا المنسك الذي شرع للذكر والدعاء والتكبير قد انقلب إلى لغو وصخب وتزاحم وتلاكم وفساد كبير.
أقول: ليس الأمر كما زعمه، ولا الشأن ما توهمه، بل ذلك المنسك الشرعي هو هو لم ينقلب هذا الانقلاب، وإنما انقلب تصور هذا الرجل، وغاية ما هنالك أنه يوجد من بعض جهلة الأعراب.
ونحوهم شيء من ذلك، وبعضه غير مقصود، وما كان منه على وجه
стр. 1363
لا يؤذي به المزاحم أحداً من الحجاج لأجل الوصول إلى أداء ما أوجب الله عليه من هذا النسك على وجهه الشرعي فهذا غير مذموم، لا في رمي الجمرات، ولا في المواضع الأخر مما يتصور فيه الزحام كالطواف والسعي، بل هو من المأمور به شرعاً، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
قوله: وصار الناس لا يذهبون إليه ألا وهم متذمرون للمحاربة وقصد المغالبة، يمد بعضهم بعضاً، ويؤيد بعضهم بعضاً.
يقال: هذا من المجازفة الظاهرة. ولو قال: وصار بعض الناس لكان أقرب إلى الصدق.
قوله: وصار من الصعب الوصول إليها وتحقق وقوع الجمار فيها. وإن أراد الصعوبة التي تحتمل ـ فهو نظير ما في الجهاد في سبيل الله من الصعوبة التي تحتمل ـ فهو نظير ما في الجهاد في سبيل الله من الصعوبة، وما في صيام رمضان في شدة الصيف من الجوع والعطش الذي جنسه يحتمل ولا يرخص بسبب حصوله في الإفطار والمصير إلى القضاء، وفي مزاولة هذه الصعوبة والصبر على ما يناله من المكاره من الأجر مالا يعلمه إلا الله. وفي ضمن هذا الكلام من التمهيد لما سيصرح به بعد من سقوط وجوب الرمي مطلقاً من أجل الزحام مالا يخفى.
قوله: وكان لهذا الأمر الذي حقق الخطر، ووسع دائرة الضرر، عوامل عديدة ساعدة عليه: منها فتح مشارق الأرض ومغاربها بالآلات الحديثة من كل ما سهل السفر وقصر المسافة، حتى صارت الدنيا كلها كمدينة واحدة، وكأن بلدانها على بعدها بيوت متقاربة. إلى آخر كلامه الطويل، حوالي هذا التدليل والتعليل.
стр. 1364
يقال: الحمد لله. لا ينكر أحد حدوث حصول أسباب جديدة مما سهلت الوصول إلى الحج، ولكن اشتمل كلامه في ذلك على مجازفات لاتخفى، وعلى القطع والجزم بأشياء لا يجوز الجزم بها بل هذه أشياء أمرها إلى الله، وربما يظهر من الواقع ما يكذبها.
ولا يفوت على الواقف على ما قررته هاهنا ماعم وطم ودهم وأدلهم من ليل الإدبار عن التسمي باسم الدين، وتهاون الأكثر من المتسمين به بأركانه الأصولية والفروعية. وبتقدير حصول الحجاج إلى كثرة تبلغ ما تصوره هذا الرجل، فإن الله يحدث من أنواع التيسير والتسهيل كوناً وقدراً على يد من يشار من عباده ما يقابل تلك الكثرة، بحيث لا توجد الصعوبة التي أشار إليها هذا الرجل، كما أن ربنا قد شرع ويسر مخرجاً من تلك الصعوبة سهلاً مناسباً جارياً على أصول ما بعث به تعالى خير بريته محمد ﷺ من هذا الدين السهل السمح الذي هو أبعد شيء عن الصعوبة والآصار والأغلال، كما سيأتي إيضاحه في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: وذلك أن الفقهاء قالوا: إن رمي كل يوم من أيام التشريق يدخل بزوال الشمس ويخرج بغروبها، وأنه لو رمى قبل الزوال أو بالليل لم يجزئه، ودليلهم في ذلك ما روى البخاري في صحيحه عن جابر قال: " رمى النبي ﷺ يوم النحر ضحى وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس ".
يقال نعم: قالوه لهذا الدليل الصحيح الصريح الذي لا معارض له، وهو ما ساقه هذا الرجل
стр. 1365
قوله: فظن من ظن أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان. يقال: هؤلاء الذين ذهبوا إلى ذلك متيقنين متحققين أنها سنة نبيهم ﷺ هم الصحابة والتابعون والأئمة أجمعون عملاً بقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) فإن هذا الأمر في الآية الكريمة يشمل ما ثبت بقوله ﷺ أو بفعله أو تقريره، وعملاً بقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون﴾ (٢) والأيام المعدودات هاهنا هي أيام التشريق. وهذه الآية الكريمة دليل واضح في وجوب رمي الجمار، لما فيها من الأمر به.
قوله: ولم يفرقوا بين إمكان الفعل وتعذره، فكان هذا الفهم هو العامل الأكبر في حصول الضرر، وتوسيع دائرة الخطر، لأن التقدير بهذا الزمن القصير قد أفى بالناس إلى الحرج والضيق.
يقال: الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام عندما تقوم الأعذار الشرعية في ترك المأمورات العينية، يخرجون من ذلك المأزق إلى ما وسعه الله من الرخص الشرعية. إما بالعدول إلى الاستنابة فيما يمكن الاستنابة، وإما إلى الاكتفاء بالفدية فيما فيه فدية، كما عرف ذلك في أقوال العلماء المستندة إلى الدليل، ولا حرج ولا ضيق إلا في حق من لم يعرف الطريق، ولم يشم رائحة الفهم والتحقيق.
стр. 1366
قوله: حتى إن هذا ليعد من التكاليف الآصارية، التي تبطله النصوص الدينية، وما اشتملت عليه من الرحمة والمصلحة والإحسان والحنان.
يقال: لا يعد هذا من الآصار إلا من انغمس في الإلحاد، وصرح بما يدل أنه عن الدين قد حاد، أو منافق قد عاث في الأرض والفساد وتستر بالدين وكان في الحقيقة للدين قد كاد، أو جاهل قد تزيا بزي أهل العلم وهو منهم في غاية الابتعاد، فعد ذلك من الحرج، وتصور أن لا مخرج منه إلا بما أدركه فهمه الذي مرج، وفارق أفهام السلف الصالح الذين أقاموا من الدين العوج، وعرفوا الخروج من المضايق بما يسر الله وشرعه من فرج، وذلك أن الناس إذا عملوا بغث رخصته، حشدوا جميعاً أو أكثرهم أول النهار خشية حر الشمس أو قبل الفجر فحصل ما فر منه من الزحام، وفات عليه غرضه الذي حوله قد حام، لتوسيع هذا الرجل لهم المجال، وتصريحه بما لم يسبق إليه في الاستدلال، فإنه صرح ـ كما يأتيك في رسالته ـ بما يقتضي أن حديث " فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال أفعل ولا حرج" أن التحديد في أمثال هذا من باب الاستحباب، وليس له أي حظ من حكم الإيجاب، أو يفضي ما قرره إلى تأخيره عن يومه إلى الليل، فيلقون من مكابدة ظلامه كل ويل، أو إلى أن يستولي عليهم الكسل، فيفضي بهم إلى ترك العبادة مطلقاً أو تأخيرها التأخير الموقع في الإثم، وحينئذ يكون هذا الرجل قد فوتهم المأمور، وأوقعهم في نظير ما فر منه من المحذور، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1367
ولعمري لا شيء أحسن من الاعتصام بالكتاب والسنة، والدرج على ما جرج عليه صدر هذه الأمة، الذين هم القدوة والأئمة، الذين عرفوا من مراد الله ورسوله تاصيلاً وتفصيلاً ما حرمه أرباب الدعاوي الكاذبة، الذين صرحوا فيما كتبوه بأقلامهم بما يقتضي أنهم من أزجى الناس بضاعة في الشريعة المحمدية، وحظهم اللخبطة الشقاشق، والمخرفة والتحامق، وقد قدمنا أ، هـ معلوم بالضرورة أن هذا الدين الإسلامي هو دين الرحمة والمصلحة رخصه وعزائمه.
قوله: " والنبي ﷺ رمى جمرة العقبة يوم العيد في أول النهار، ثم رمى الجمار بقية الأيام فيما بعد الزوال " والكل سنة، وإنما فعل هذا وهذا توسعة منه على أمته، وبياناً لامتداد وقته، كما وسع عليهم في الوقوف بعرفة في المكان والزمان، فإنه وقف بها بعد الزوال إلى الغروب عند الصخرات، وقال: " وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (١) وقال فيما رواه عروة بن مضرس المزني، أنه جاء النبي ﷺ وهو واقف بمزدلفة، قال: قلت يارسول الله: جئتك من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، ولا والله ما تركت من جبل تحب أو يوقف عليه إلا وقفت عليه فهل يجزيني ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ : " من شهد صلاتنا هذه ـ يعني بالمزدلفة ـ ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجة وقضى تفثه " (٢) وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث على أن وقت الوقوف يدخل
стр. 1368
بفجر يوم عرفة، وجعل الأصحاب الوقوف إلى الغروب من الواجبات التي تجبر بالدم، والحديث لا يقتضيه. والله أعلم.
يقال: مراد هذا الرجل بالسنة هاهنا السنة الاصطلاحية المعرفة عند الفقهاء بتعريف المستحب ـوهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ـ كما يعرف مما سبق من كلامه وما سيأتي منه. ومراده أيضاً أنه كما أن رمي جمرة العقبة يوم النحر أول النهار سنة، فالرمي في أيام التشريق بعد الزوال سنة، وأنه يجوز في أيام منى الثلاثة رمي الجمار قبل الزوال، كما رمى ﷺ جمرة العقبة في يوم النحر ضحى، فقاس رمي الجمار أيام التشريق على رمي جمرة العقبة يوم النحر في توسيع وقته، فيلزمه حينئذ أن يقيس أيام التشريق على يوم النحر في الاقتصار على رمي جمرة العقبة ولا فرق، وهذا قياس باطل، لمخالفته فعله ﷺ وقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم جميعاً، عن عيسى بن يونس، قال ابن خشرم: أخبرنا عيسى عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابراً يقول: " رايت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه ".
ورميه ﷺ في كل يوم من أيام التشريق الثلاثة ثلاث الجمرات بعد الزوال كما في حديث جابر الصحيح، وحديث ابن عباس، وحديث ابن عمر: يبطل هذا القياس من جهة الوقت، ومن جهة عدم اقتصاره ﷺ فيهن على رمي جمرة العقبة
стр. 1369
ورميه ﷺ الجمرات أيام التشريق بعد الزوال يدل على الوجوب، لأنه فعله ﷺ مشرعاً لمته على وجه الامتثال والتفسير، فكان حكمه حكم الأمر.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في " شرح العمدة ": والفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر، وهو داخل في عموم قوله ﷺ " خذوا عني مناسككم" (١) انتهى.
وما احتج به هذا الرجل من قول النبي ﷺ يوم عرفة: " وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف" على توسيع زمن رمي الجمار أيام التشريق بحيث يجوز ويجزي قبل الزوال فهو باطل، إذ من المعلوم عند كل أ؛ د أن مراد النبي ﷺ عدم تعيين الموضع الذي وقف فيه عند الصخرات لوقفة الحج، ولهذا قال: " عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة" ونظيره قوله ﷺ بمنى: " نحرت هاهنا ومنى كلها منحر" (٢) قال ذاك بعرفة خشية أن يظن أن لا موقف في عرفة إلا الموضع الذي وقف فيه عند الصخرات، وقال هذا في منى خشية أن يظن أن لا منحر إلا في المكان الذي نحر فيه ﷺ ، ولم يقل ﷺ حين رمى الجمرات أيام التشريق بعد الزوال " رميت هذا الوقت وكل اليوم وقت رمي" فلما قال في الموقف بعرفة والمنحر بمنى ما قال ولم يقل نظيره في وقت رمي الجمار أيام التشريق تبين الفرق بينهما، وأن الرمي أيام التشريق يختص بالوقت الذي
стр. 1370
رمى فيه، وأن الموقف بعرفة والمنحر بمنى لا يختص بالمكان الذي وقف فيه والمكان الذي نحر فيه، وهذا من أوضح الواضحات.
وتوسيع النبي ﷺ زمن الوقوف لامستفاد من حديث عروة بن مضرس ليس توسيعاً إطلاقياً، وإنما هو توسيع محدود الأول والآخر. فمن وقف في غير عرفة فلا حج له، ومن وقف في غير الزمن المحدود في حديث عروة فلا حج له، فمكان الوقوف وزمانه محدودان بالسنة النبوية، وزمن الرمي وعدده ومكانه محدودة بالسنة النبوية كما تقدم في حديث جابر وغيره، فمن لم يكتف في أي عبادة من عبادات الحج بمقدار التوسيع الذي وسعه رسول الله ﷺ فيها وقاسها على توسيع زمن أو مكان عبادة أخرى فقد أخطأ، وقدم بين يدي الله ورسوله، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فإن العبادات نوعاً وقدراً ووقتاً وكيفية إنما تتلقى من مشكاة النبوة، والآراء مطرحة والقياس لا قيمة له إذا أشرقت شمس سنة المصطفى ﷺ .
قوله: وجعل الأصحاب الوقوف إلى الغروب من الواجبات التي تجبر بدم، والحديث لا يقتضيه.
يقال له: ليس هذا قول الأصحاب فقط، بل هو قول سائر أئمة الدين وعلماء المسلمين إلا من شذ، بل ذهب الإمام مالك ﵀ إلى أن ذلك من أركان الحج.
ودليل وجوب بقاء الواقف بعرفة إلى غروب الشمس فعله ﷺ ، مع قوله ﷺ " خذوا عني مناسككم" (١) .